غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح لمعة الاعتقاد للشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، نحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب لمعة الاعتقاد للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الصالحي رحمة الله تعالى عليه. في المحاضرة السابقة أحبتي وفي التي قبلها، تكلمنا عن مفهوم الإيمان عند أهل السنة والجماعة، وعرفنا أن الإيمان عبارة عن حقيقة مركبة من الظاهر والباطن، وهي التي يعبر عنها علماء السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم بعبارات متنوعة، كقولهم: الإيمان هو اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل، والبعض يقول: الإيمان قول وعمل، والبعض يقول: الإيمان اعتقاد وقول وعمل واتباع للسنة، إلى آخر هذه الألفاظ التي قد تختلف في عباراتها، لكنها تتفق في المضمون، وهي أن الإيمان الشرعي الذي أراده الله سبحانه وتعالى ودلل عليه في نصوص الكتاب وعلى لسان محمد صلى الله عليه وسلم، لابد وأن يكون حقيقة مركبة بين الباطن وبين الظاهر.
ثم بعد أن عرفنا مفهوم الإيمان، انطلقنا إلى -وأنا في الحقيقة لم أتحمس للحديث أكثر من ذلك اختصاراً للكلام في هذه المجالس؛ لأن الكلام في الحقيقة أوسع وأكبر، لكن كما قلنا نحن أشرنا إلى أصول الأصول التي تهم الطالب في هذه المرحلة- وقلنا: هناك أصلان يرتبطان بمفهوم الإيمان؛ الأصل الأول عند أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا الأصل من ميزَة مذهب أهل السنة والجماعة الذي يمتاز به عن المذاهب الوعيدية والوعدية التي سنتكلم عنها اليوم بإذن الله. وعرفنا ما المراد بالزيادة والنقصان، وما أشكال الزيادة والنقصان عند أهل السنة والجماعة.
ثم في المحاضرة السابقة تكلمنا عن قضية التلازم بين الباطن والظاهر، وكلمة التلازم هي التي نقصدها في هذه القاعدة الثانية، أو في الأصل الثاني؛ وهو أن الباطن عند أهل السنة والجماعة يستلزم الظاهر، وبالتالي انتفاء الظاهر بالكلية دليل على انتفاء الباطن عند أهل السنة والجماعة. واما العكس وهو هل وجود الظاهر يدل على وجود الإيمان الباطن؟ فقلنا: هذا في الحقيقة لا يظهر في أصل المسألة؛ لأن المنافقين الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفي كل زمن وحين، قد يمارسون جُلة من الأعمال الظاهرة مع أنهم في باطنهم مكذبون.
ثم انتقلنا بعد ذلك أحبتي إلى بيان ما هو جنس العمل الظاهر الذي يعد انتفاؤه انتفاءً للباطن، وضبطنا هذا الضابط وعرفنا النظر من كلام أهل العلم أن جنس العمل الظاهر الذي يعد تركه بالكلية انتفاءً للباطن، هو الواجبات والفرائض التي فرضها الله سبحانه وتعالى على عباده. وتطرقنا إلى قضية مهمة وهي: متى ينتقل الإنسان من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر؟ فعرفنا أن هناك ثلاث أحوال؛ الحالة الأولى وهي التي تهمنا في بحثنا: إذا ترك جنس العمل الظاهر بالكلية، وضبطنا جنس العمل الظاهر بأنه ترك الفرائض. ثانياً: إذا ترك فرداً من أفراد المأمورات جاء نص خاص فيها بأن هذا الفرد من تركه بالكلية فقد كفر، ففي هذه الحالة إذا ترك الإنسان الذي دخل في دائرة الإيمان هذا العمل الذي جاء نص خاص فيه أن من تركه فقد كفر، يخرج من دائرة الإيمان ويدخل في دائرة الكفر. الحالة الثالثة: إذا ارتكب الذي هو في دائرة الإيمان محرماً من المحرمات التي جاء النص الخاص فيها أو دلت نصوص الشريعة على أن هذا المحرم من ارتكبه فقد فعل كفراً، ففي هذه الحالة إذا كان الإنسان المؤمن ارتكب هذا المحرم الذي أخبرت الشريعة أن من فعله فقد كفر، يخرج هذا الإنسان من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر في هذه الأحوال الثلاث.
طبعا لابد من -يعني هذه أصول وقواعد، لكن لابد من مراعاة العذر بالجهل أو ما شابه ذلك، مثل العذر بالتأويل أو حسن القصد أو عدم المعرفة بالواقع- فهناك أعذار تمنع من إيقاع أحكام الكفر، فينبغي على الطالب أن يدرسها ولا نتطرق إليها إن شاء الله في المطولات. فنحن الآن نؤصل أفكاراً ابتداءً، لكن كيف يتم التطبيق؟ وما هي الأعذار؟ ومتى لا نطبق القاعدة وهل لها استثناءات؟ هذا إن شاء الله يكون في المطولات، فلا يستعجل الطالب الآن في تطبيق الاحكام على المخالفين وتنزيلها ويعتبر نفسه مؤهلاً، لا، في الحقيقة خاصة مسائل الكفر والإيمان هذه مسائل خطيرة عظيمة يتكلم فيها كثير من المبتدئين فيضلون ويضلون، فينبغي على الطالب أن يأخذها بروية وألا يستعجل في تطبيق الأحكام على الأفراد وعلى فلان، أنت الآن تتعلم.
فحن الآن أطيناك القواعد الثلاث التي يخرج بها الإنسان من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر، ستتعلم إن شاء الله في المستقبل متى أطبق هذه القاعدة؟ ومتى أعتبر أن هذا المعين هناك عذر يمنع تطبيق هذه القاعدة؟ ما هي طبيعة هذه الأعذار؟ كيف يطبقها السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم؟ هذه مسائل تحتاج إلى دربة، إلى ممارسة، إلى النظر في فتاوى أهل العلم من المتقدمين ومن المتأخرين؛ لنعرف كيف مارسوا مسائل الكفر والإيمان، وليست القضية كما قلنا هي مجرد قواعد يأخذها الطالب ويطبقها من دون مراعاة للقرائن والأعذار التي نص عليها الأكابر من أهل العلم.
إذاً، تكلمنا عن قضية التلازم بين الباطن والظاهر وعرفنا تفاصيلها. اليوم كما وعدتكم -يعني أنا أسرد سريعاً حتى أصل إلى بحث اليوم؛ لأن اليوم كما قلنا لابد من باب أو مفهوم الإيمان بالكلية- سنتكلم عن الفرق التي خالفت منهج اهل السنة والجماعة في باب الإيمان. ما هي الفرق التي خالفت أهل السنة والجماعة في باب الإيمان؟ وسنقسمها إلى مجموعتين أو إلى نوعين؛ النوع الأول: الفرق التي تسمى الوعيدية، والنوع الآخر: الفرق التي تسمى الوعدية. إذاً، عندنا الفرق الوعيدية، وفي المقابل تماماً والنقيض لها الفرق الوعدية، كلاهما خالف أهل السنة والجماعة في مفهوم الإيمان أو في مقتضياته وقواعده.
فدعونا نفهم من هم الوعيدية ومن هم الوعدية؟ نبدأ أولاً بالقسم الأول: الفرق الوعيدية. ما المراد بالفرق الوعيدية؟ يعرف أهل العلم الفرق الوعيدية بقولهم: الفرق الوعيدية هي الفرق التي غلبت جانب الوعيد وهو العقاب على جانب الوعد وهو الثواب. هكذا يعرفونها بتعريف مختصر: الفرق الوعيدية هي الفرق الإسلامية التي غلبت جانب الوعيد، والمراد بالوعيد العقاب، غلبته على جانب الوعد.
ولربما هذا يحتاج إلى بسط أكثر فنقول أحبتي: المراد بتغليب جانب الوعيد على جانب الوعد، هو أن هذه الفرق لم تتعامل باتزان ولم تحسن الجمع بين النصوص الشرعية التي فيها وعيد للعصاة وأهل الكبائر بالنار، والنصوص التي فيها وعد بمغفرة الذنوب لأهل الإيمان وأنه من دخل منهم في النار وكان مؤمناً فإنه لا يخلد فيها بل يخرج في نهاية أمره إلى الجنة؛ فهناك فرق لم تحسن التعامل ولم تتعامل باتزان بين هذه النصوص وهذه النصوص، فغلبت النصوص التي فيها وعيد للعصاة وأهل الكبائر على النصوص التي فيها وعد بالمغفرة والخروج من النار، هذا باختصار معنى الوعيدية.
مرة أخرى باختصار: ما معنى كلمة الفرق الوعيدية؟ أنا أبسطها لك بشكل سلس لتفهمها؛ نقول: هي الفرق التي لم تحسن الجمع ولم تعرف كيف تتعامل مع النصوص أو بين النصوص التي تتوعد العصاة وأهل الكبائر بالنار في مقابل النصوص التي تعد المؤمنين بمغفرة الذنوب وانه من دخل منهم النار بسبب معصية أو كبيرة ارتكبها فإنه لن يخلد في النار بل سيخرج في النهاية إلى جنات النعيم؛ هذه الفرق الوعيدية لم تحسن التعامل مع كلا النصين ومع كلا المجموعتين، فغلبت أي مجموعة؟ غلبت النصوص التي تتكلم عن الوعيد للعصاة وأهل الكبائر، وأغفلت النصوص التي تتكلم عن الوعد بالمغفرة والخروج من النار، فأثمر هذا خطأً في فهم الدين وفي فهم الإيمان، أثمر هذا الخطأ في التعامل، أثمر خطأً في فهمهم لطبيعة الدين ولطبيعة الإيمان وقواعده ومقتضياته تماماً. هذا تعرييف وتوضيح مختصر للفرق الوعيدية.
ما هي أشهر الفرق الوعيدية التي ظهرت عبر التاريخ؟ أشهر الفرق الوعيدية التي ظهرت عبر التاريخ أحبتي: فرقة الخوارج وفرقة المعتزلة، فالمعتزلة في مسائل الإيمان يعتبرون من الفرق الوعيدية. إذاً، أبرز الوعيدية: الخوارج والمعتزلة. وسأتكلم باختصار شديد عن الفكر الخارجي ثم سأتكلم عن الفكر الاعتزالي في باب الإيمان، ثم أبين ما هي الأصول العامة التي قامت عليها الفرق الوعيدية، بعد أن أبين نبذة عن الفكر الخارجي ونبذة عن الفكر الاعتزالي في مسائل الإيمان خصوصاً، سأتكلم عن القواعد العامة التي قام عليها أو تقوم عليها الفرق الوعيدية عموماً أيّاً كان شكلها.
فنقول ابتداءً: الخوارج، ينبغي التنبيه إلى قضية تتعلق بالخوارج ابتداءً، وهي أن هذا المذهب مذهب الخوارج لا يوجد له منهج متكامل الأركان انطلق من أسس معينة دونها رجالات هذا الفكر أو سطروها في مصنفاتهم. هذه مشكلة الفكر الخارجي؛ الفكر الخارجي أحبتي لا يوجد له منهج متكامل وأسس يقوم عليها دونها رجالات الفكر الخارجي، يعني ما عندنا كتاب مثلاً نقول: هذا كتاب على مثلاً مذهب الخوارج أو ألفه أحد رؤوس الخوارج الأقدمين كعبد الله بن وهب الراسبي أو من شابههم، ما عندنا هذا، بخلاف الفرق الضالة الأخرى كالاعتزال أو الأشاعرة أو الماتريدية، فإن لهم أسس قاموا عليها -نعم أكثرها أسس فاسدة لكن في النهاية لهم أسس- لهم قواعد سطروها في كتبهم، دونوها نستطيع أن نعود إليها وأن نحاكم الفكر الأشعري أو الماتريدي أو المعتزلي لما دونه رجالات هذا الفكر.
الفكر الخارجي إشكاليته كما قلنا أننا لا نملك كتباً مسطرة بأسماء خارجية ونقول: والله هذه الكتب هي التي تمثل الفكر الخارجي. الآن قضية الإباضية وما شابه ذلك دعوها على جنب، يعني وأكثر اهل العلم يذكرونهم مع فرق الخوارج، لكن أنا أتكلم عن الخوارج الأقدمين، أو اسم يعني طائفة تسمى طائفة الخوارج ودونت أسس وقواعد انطلق منها في التفكير في باب الإيمان في باب الأسماء والصفات، لا، لا يوجد، وهذه القضية ستسبب إشكالاً حقيقياً في ضبط ما هو الفكر الخارجي، لكنني سأحاول أن أقرب صورة الفكر الخارجي بقدر المستطاع بإذن الله.
إذاً، هذا المذهب لا يوجد له منهج متكامل الأركان ينطلق من أسس معينة دونها رجالات هذا الفكر أو سطروها في مصنفاتهم؛ هم ليسوا كالمعتزلة أو كالأشاعرة أو الماتريدية مدارس عقدية تنطلق من أسس معينة وإن كانت أكثر أسسها فاسدة، بل في الحقيقة شذرات مترامية هنا وهناك خرجت عبر التاريخ غلب عليها -انظروا ماذا غلب عليها؟- غلب عليها الجهل والضعف العلمي، وكان انشغالهم عبر التاريخ الإسلامي بالنزاع المسلح مع الدولة المسلمة والقتال دفاعاً عن أفكار تبنوها ببادئ الرأي، هذه الأفكار لم تعالج في عقولهم معالجة علمية متينة، لم تصهر هذه الأفكار في ميزان العقل والحكمة، ولم يشذبها التقوى والورع، هذه مشكلة أفكار الخوارج؛ أفكار مشتتة أخرجت من ضعاف العلم، لا نجد رجلاً راسخاً في العلم، أو رجلاً متمكناً في الفقه، أو رجلاً مؤصلاً تأصيلاً صحيحاً يتجه نحو الفكر الخارجي عادة عبر التاريخ.
لذلك مثلاً تنظرون في الساحة الفقهية، تجد مثلاً فقهاء شافعية من أهل السنة والجماعة، وفقهاء الشافعية مثلاً أشاعرة ومعتزلة كذلك، وقيل المالكية، الحنفية كذلك، شيء من الحنابلة، فتجد المدارس الفقهية تجد مثلاً علماء من مختلف الفرق العقدية على التباين بين هذه الفرق، لكن الفكر الخارجي لا تكاد تظفر بعالم -لا تكاد، أنا أقول لا ساجزم بالكلية لكنني فيما اطلعت عليه لا أكاد أظفر بعالم- هذا العالم كان رأساً من رؤوس الخوارج وكان مدوناً لكتب الفقه ومنشغلاً بها؛ اللهم إلا الخوارج الأوائل الذين انشغل بعضهم برواية الحديث مثل عمران بن حطان ونحوه من الخوارج الذين روى لهم البخاري وغيرهم، وقد بينا سبب رواية البخاري ونقده لهؤلاء في كتبهم؛ لأنهم كانوا عدولاً من حيث الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما كانت مشكلتهم خارجية.
لكن بعد انتهاء عصر الصحابة، وأصل الرواية أنا أقول بشكل عام الفكر الخارجي لا توجد له رجالات ومدارس قائمة؛ لأن أغلب من يتجه إلى هذه الفكرة وهذا الفكر طبيعته يقوم على الجهل، يقوم على عدم ضبط أصول العلم، يقوم على التسرع في الأحكام، وكل إنسان صبر العلم وتمكن منه وأحسن التعامل مع مصنفاته والأيام والليالي والسنوات وهو يقرأ ويصنف، لا يمكن أن يبقى مقتنعاً بالفكر الخارجي؛ يعني حتى لو تأثر شيئاً بهذه الأفكار أو أصابته بشلل، لكن مع مرور الوقت ومع كثرة القراءة وتوسعها ينضج عقله وفكره ويدرك خطأ ما كان عليه. هذه طبيعة الإنسان الذي يتبنى الفكر الخارجي إذا وسع في قراءته وعلمه ونضج عقله.
لكن بشكل عام كما قلنا الفكر الخارجي عبارة عن فرق عبر التاريخ مترامية هنا وهناك، حملت السلاح ضد الدولة المسلمة بعد أن كفرت هذه الدولة المسلمة، حتى نفرق بين مفهوم الخوارج ومفهوم البغاة؛ البغاة قد يقاتلون الدولة المسلمة لكن لا يكفرونها، وهذا يسمى قتال أهل البغي، وهذا فرق بينه وبين الخوارج، الخوارج لا، هم يكفرون الدولة المسلمة ثم يقاتلونها، وأفكارهم كما قلنا لم تخرج من ميزان علمي صحيح.
لذلك -وهي عبارة عن فرق مترامية هنا وهناك، غلب عليها الجهل والضعف العلمي، وكان انشغالهم بالنزاع المسلح والقتال دفاعاً عن أفكار تبنوها ببادئ الرأي لم تعالج معالجة علمية-.
متينة، ولم تنصهر في ميزان العقل والحكمة، ولم يشذبها التقوى والورع. لذلك، كما قلنا، انقسموا إلى طوائف. يعني هم الخوارج أنفسهم انقسموا في داخلهم إلى فرق كثيرة، وصل بها الحال بهذه الطوائف إلى أن كفرت بعضها بعضاً. يعني الخوارج طوائفهم يكفر بعضهم بعضاً.
ومن نظر في كتب الملل والنحل، الشهرستاني ولغيرهم من أهل العلم، يلحظ هذا التعدد الكبير في أسماء الفرق الخارجية: الأزارقة، والحرورية، والنجدية، وأتباع فلان، وأتباع فلان، فرق مترامية هنا وهناك. كل جاهل يصبح رئيساً، ويجمع حوله طائفة من الجهال، ويبدأ يكفر من حوله، حتى من الخوارج. يعني أصحاب الخوارج فيما كانوا معه في يوم من الأيام ينقلب عليهم، ويصبح يكفرهم بما ليس بمكفر، ويسفك دماءهم، ويعتدي على أموالهم وعلى أعراضهم، نسأل الله السلامة والعافية.
نستطيع أن نقول أحبتي في بيان حقيقة الفكر الخارجي الآن: طب يا شيخ أنت قلت: عبارة عن أفكار مترامية أخذت ببادئ الرأي، لم يسبق أهل العلم والمنهج العلمي. طب نريد بشكل عام، ما هو الجامع بين كل الفرق الخارجية على اختلافها؟ يعني أنت قلت: الفرق الخارجية انقسمت إلى طوائف وإلى فرق، وكفرت بعضها بعضاً، وكل فرقة عندها مجموعة من القواعد تنطلق منها، قواعد تبنتها بجهل وليس بأسس علمية. ما هو القاسم المشترك لو أردنا أن نتتبع ونبحث عن القاسم المشترك بين كل الفرق الخارجية قديماً وحديثاً؟ ما هو القاسم المشترك بينها؟
نستطيع أن نقول أحبتي في بيان حقيقة الفكر الخارجي، وبيان القاسم المشترك بين الفرق المندرجة تحته: أولاً، أن حقيقة هذا الفكر مركبة من أمرين، هذا الكلام دقيق، وأتمنى أن تفهموه بترو، حقيقة الفكر الخارجي مركبة من أمرين.
الامر الأول: أنهم يطلقون حكم الكفر على أعمال ليست بمكفرة، هذا الأصل الأول الذي انطلقوا منه، إطلاق أحكام الكفر على أعمال ليست مكفرة أبداً.
ثم الأمر الثاني وهو ينبني على الأمر الأول: استحلال الدماء بناء على الإطلاق السابق، يستحلون الدماء. فهم أولاً يكفرون المخالفين لهم بأمور ليست مكفرة، ثم يستحلون دماءهم. فالفكر الخارجي ينبني من أمرين لابد من وجودهما: الأمر الأول كما قلنا هو التكفير بما ليس بمكفر، الأمر الثاني استحلال الدماء بناء على هذا التكفير. إذا وجد هذان الضابطان، وجد الفكر الخارجي عموماً.
فنقول، وقد اشتهر في كتب البحث العقدي الآن أحبتي، سأنتقل لقضية اشتهرت في كتب البحث العقدي في وسم الخوارج بها، لكن لم أجد نصاً صريحاً عن الخوارج أنه قال بها، وإنما هي توجد داخل الكتب العقدية التي تنقل أفكار الخوارج. ما هي هذه القضية؟
اشتهر في كتب البحث العقدي قول بأن ميزة الفكر الخارجي التكفير بالكبائر خصوصاً. هذا تجدونه، وأظنه معروفاً لديكم، أن ميزة الفكر الخارجي أنهم يكفرون بالكبائر، وأنهم يقولون إن مرتكب الكبيرة كافر في الدنيا وفي الآخرة. هذا الذي نجده حاضراً عند كثير من المعاصرين الذين يتحدثون عن الفكر الخارجي. وهذا ما ذنبنا عليه عندما قال كثير من أهل العلم إن الفكر الخارجي هو الفكر الذي يكفر بالكبيرة، ويجعل مرتكب الكبيرة كافراً؛ يعني من زنى كافر في الدنيا وفي الآخرة، من شرب الخمر حتى ولو لم يستحلها كافر في الدنيا وفي الآخرة.
لما جعل كثير من الأقدمين والمعاصرين هذا المعيار هو معيار الخوارج، أصبح هو مناط الحكم على الفرق والطوائف بأنها خارجية، أو عندها نزعة خارجية، يعني حتى أصل لكم الفكرة التي أريد أن أحققها، نحن ذكرنا ضابطاً نراه هو الأصوب في تحديد الفكر الخارجي، أن الفكر الخارجي يقوم على أمرين عموماً: التكفير بما ليس بمكفر، استحلال الدم بناء على هذا التكفير. هذا هو الضابط الذي نراه أدق في بيان طبيعة الفكر الخارجي.
هناك من جعل الفكر الخارجي ميزته أنهم يكفرون بالكبائر، وأن ميزة الفكر الخارجي أنهم يقولون إن كل شخص ارتكب كبيرة فهو كافر في الدنيا وفي الآخرة. هؤلاء هم الخوارج عند طائفة من أهل العلم، وجعلوا هذا المعيار، التكفير بالكبيرة، هو المناط في الحكم على أي فرقة بأنها خارجية، أو عندها نزعة خارجية في الفكر.
بالتالي أصبحنا ننظر في الذين يسقطون هذا الاسم الخوارج على الطوائف القديمة أو المعاصرة، يبحثون: هل هذه الطائفة تكفر بالكبيرة أو لا تكفر بالكبيرة؟ وأظن أن هذا الإسقاط ليس بدقيق؛ يعني أن تقول هذه الطائفة خارجية أو ليست خارجية بناء على أنها تكفر بالكبيرة أو لا تكفر بالكبيرة، ليس هذا هو المناط الصحيح في الحكم على الخوارج.
طيب لماذا يا شيخ؟ أقول، وقد اشتهر في كتب البحث العقدي القول بأن ميزة الفكر الخارجي التكفير بالكبيرة، وأنهم يقولون إن مرتكب الكبيرة كافر الدنيا والآخرة، وجعل كثير من أهل العلم هذا هو المناط في الحكم على الفرق بأنها خارجية أو تملك نزعة خارجية في الفكر.
ولكن عند التحقيق والتنبيش حول هذه المقولة وأصلها، يعني من أين أتى الناقلون عن الخوارج من أصحاب كتب الفرق والملل والنحل، من أين أتوا بهذا النص عن الخوارج؟ يعني هل هناك شخص خارجي عندنا كتابه نقرأه، فيقول هذا الشخص الخارجي المنظم للفكر الخارجي إننا نكفر بالكبيرة؟ هذه القضية التي أعنيها.
فنقول أحبتي: عند التحقيق والتنبيش حول هذه المقولة، هل الخوارج يكفرون بالكبيرة؟ وما أصل وجود هذه المقولة في كتب الملل والنحل؟ لا نجد بين أيدينا نصاً لرجالات الفكر الخارجي أو كتاباً مصنَفاً لهم ينصون فيه على هذا المعتقد. يعني أنا أطالب بكتاب للفكر الخارجي، أو مقولة سطرها أرباب هذا الفكر أو رجالاته، يقولون فيها إننا نكفر بالكبائر، هذا هو ضابطنا، هذا هو أصلنا.
طيب، إذا لا نملك نصاً لرجالات هذا الفكر أو كتاباً مصنفاً ينصون فيه على هذا المعتقد، بالتالي نسبة هذا القول لهم في كتب الفرق نسبة تحتاج بعد إلى تثبت، ومعرفة ما المستند الذي بنيت عليه هذه الفكرة أو هذا التصور عن الفكر الخارجي، بما أنه في النهاية لا يوجد شيء مكتوب أو منصوص نتحاكم إليه جميعاً.
لذلك أنا أرى أن مشكلة الفكر الخارجي أكبر من مشكلة التكفير بالكبيرة. يعني أنت حينما تقول الفكر الخارجي مشكلته أنه يكفر بالكبيرة، أنت حاصرت مشكلة الفكر الخارجي، وحصرت الطوائف التي عندها نزاعات خارجية. في الحقيقة أراد والله أعلم أن مشكلة الفكر الخارجي أكبر من مشكلة التكفير بالكبيرة، وإنما اعتمد الضابط الذي ذكرته ابتداء، مشكلة الفكر الخارجي على إطلاقها: التكفير بما ليس بمكفر عموماً.
فقد يكفرون المخالف لهم بصغيرة وليس بكبيرة، قد يكفرون المخالف لهم بطاعة قام بها هم الخوارج بجهلهم جعلوها معصية وكفروه عليها. فقضية الفكر الخارجي وجذورها التاريخية أعمق من أنهم يكفرون بالكبيرة أو لا يكفرون بالكبيرة، هم يكفرون بما ليس بمكفر قطعا عند أهل العلم.
فقد يكفرون رجلاً بالكبيرة، وقد يكفرون مخالفا لهم بصغيرة من الصغائر، قد يكفرون المخالف لهم بطاعة، فعلى هذا المخالف هم بجهلهم كما قلنا توهموها معصية وكفروه عليها، أو يكفروه بمباح قام به وليس مثلاً طاعة ولا معصية. فمشكلتهم إذاً على العموم، ولا أرى أن تضيق ضمن هذه الدائرة الضيقة التكفير بالكبيرة فقط، مشكلتهم التكفير بما ليس بمكفر.
ولو أننا نظرنا إلى الخوارج الذين كفروا علي بن أبي طالب والصحابة الذين احتكموا، لما أصبحت قضية التحكيم بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، وجاء أبو موسى الأشعري وجاء الأطراف واجتمعوا في منطقة في جنوب الأردن ليحصل الاحتكام وينتهي النزاع بين علي بن أبي طالب ومعاوية، الخوارج كفروا علياً وكفروا الصحابة الذين اشتركوا في التحكيم بحجة أنهم خالفوا شرع الله سبحانه وتعالى.
مع أن ما فعله علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهم والصحابة هو الحق الذي يجب أن يفعل في ذاك الوقت، هو التحكيم ورأب الصدع وأن يلتئم جمع الأمة. لاحظ كيف أن الخوارج كفروا علي بن أبي طالب والصحابة رضوان الله تعالى عليهم على طاعة فعلوها! كفروهم على طاعة فعلوها، يعني لم يكفروهم بكبيرة، لم يكفروهم بصغيرة من الصغائر، كفروهم أحبتي بطاعة فعلوها.
عندما استقرئ كتب التاريخ ومواقف الخوارج مع أهل السنة ومع الأمة عموماً، أجد أن حصر إشكالية الخوارج في التكفير بالكبيرة ليس حصراً، فهم يكفرون المخالف بالكبيرة أو بالصغيرة، بل حتى بالطاعات والمباحات. وهكذا تستطيع أن تفهم الجامع المشترك بين كل الأفكار الخارجية قديماً وحديثاً: التكفير بما ليس بمكفر قطعاً عند أهل العلم، ثم استحلال الدم بناء على التكفير.
لانه أحياناً الشخص مثلاً أو رجل من أهل العلم اجتهد، فاعتبر أن هذه المسألة مكفرة، لكنه يعتبر في النهاية قوله اجتهاد، أن هذا أمر مكفر، ويعتبر أن المسألة تقبل النزاع من الأطراف الأخرى المخالفة له، فلم يستحل الدماء بناء على تكفيره. في هذه الحالة لا أستطيع أن أقول إن هذا الشخص الذي اجتهد وحكم على تصرف من التصرفات بأنه مكفر، والله يحمل فكراً خارجياً.
لماذا؟ لأنه كما قلنا الفكر الخارجي يكفر ويستحل الدم، فإذا رجل كفر بأمور ليست بمكفرة في الميزان العلمي، لكنه لا يبني على تكفيره استحلال الدم، ويرى وجود شبهة في رأيه، أو أنه قد يظهر له في قابل الأيام مخالفة ما يراه الآن، المهم لم يستعجل في استحلال دماء المخالفين له. في هذه الحالة، وإن كان هذا الرجل أخطأ في إسقاط أحكام التكفير على ما ليس بمكفر، لكن بما أنه لم يستحل الدم ولم يصل إلى هذه المرحلة، لا أستطيع ربما إدخاله في فكر الخوارج.
فلابد إذاً من اجتماع الركنين: التكفير بما ليس بمكفر، ثم استحلال الدم بناء على هذا الرأي. إذاً فمشكلة الخوارج عامة، وهي أنهم يكفرون بما ليس بمكفر، ثم يسفكون الدماء بناء على التكفير؛ لأنهم قد يكفرونه كما قلنا بذنب من الصغائر أو من الكبائر، وقد يكفرون المخالفين لهم بما هو مباح في الشريعة أو بما هو طاعة.
وعندما كفر الخوارج الصحابة الذين شاركوا في قضية التحكيم، هم كفروهم بشيء يعتبر طاعة في ميزان أهل العلم وخير لصالح المسلمين، فكفروا الصحابة المشاركين لعلي بن أبي طالب ومعاوية في التحكيم بسوء فهمهم وجهلهم بأحكام الشريعة.
إذاً هذا هو الفكر الخارجي. أنا فقط اردت أن أعطيكم نبذة عامة عن ضابط الفكر الخارجي، وأعدل فكرة أظنها مغلوطة في تطبيق أو تنزيل اسم الخوارج على الطوائف والفرق قديماً وحديثاً. فخلاصة كلامي إذاً أن الفكر الخارجي يجمعه قديماً وحديثاً كل الفرق التي تندرج تحت هذا المفهوم أو يمكن تطبيق المفهوم عليها، هي الفرق التي يجتمع فيها أمران: التكفير بما ليس بمكفر، ثانياً استحلال الدم بناء على هذا التكفير.
وأما جعل مناط الفكر الخارجي هو فقط التكفير بالكبيرة، فهذا أولاً لا يوجد بين أيدينا نص صريح عن الفكر الخارجي أن ميزتهم التكفير بالكبيرة أو سطروه في كتبهم ومصنفاتهم، وإنما نجده منسوباً إليهم في كتب الفرق والنحل من دون، كما قلت، وجود كتاب واضح للفكر الخارجي يخبرنا عن هذه الحقيقة.
ثانياً: أن النظر في الفرق الخارجية وتصرفاتها في أيام الصحابة ومن بعدهم، يدلل على أن فكر الخارجي ليست مشكلته فقط في الكبيرة، بل مشكلته أعم من ذلك في التكفير بما ليس بمكفر عموماً، سواء كان كبيرة، بل حتى طاعة أو مباحاً.
هذه الفكرة التي أردت أن أوصلها، ثم سأنتقل الآن للفكر الاعتزالي فأقول: الفرقة الثانية التي تندرج تحت الفرق الوعيدية هم المعتزلة. فنقول مستعينين بالله: يختلف الفكر الاعتزالي عن الفكر الخارجي بماذا؟ بأن له أُسُساً قام عليها، هذا واقع، الفكر الاعتزالي له أُسُس قام عليها، نعم أكثرها فاسدة، لكن في النهاية له أُسُس مدونة مسطرة، نستطيع أن نرجع إلى أصحاب الفكر الاعتزالي ونقراً ما سطروه في قواعدهم وأسسهم ونحاكمهم إليها.
إذاً بيختلف الفكر الاعتزالي عن الفكر الخارجي بأن له أُسُساً قام عليها، وروج لها أصحابها، وأصبح الاعتزال مدرسة كاملة لها منظروها ومصنفاتها ومنظومتها الفكرية المستقلة، التي يمكن للباحث أن يطلع عليها، ويعرف المنطلقات والجذور الخاصة بهذا الفكر من لسان أهله.
من لسان أهله؛ لأنه دائماً عندنا إشكالية في أني آخذ الفكر من المخالفين لهذه الطائفة، يعني ما بينفع أنا أخذ رأي الأشاعرة من المخالفين للأشاعرة حتى أخذ رأي الأشاعرة وأعرف حقيقته، لابد أقرأ في كتبهم، كذلك الفكر الاعتزالي لا يصح أن أعتمد دائماً على ما ينقله أرباب الفرق والنحل، كتب الفرق والنحل المخالفين للاعتزال، لابد أعود إلى كتب المعتزلة فهي موجودة متوفرة وأعرف ماذا يقولون هم بألسنتهم، أما أعتمد على مجرد النقل عنهم، لربما الذي نقل عنهم عنده حقد عليهم، أو عنده مشكلة، أو فهم قصدَه بشكل خاطئ. فالإنصاف العلمي يقتضي دائماً أن نعود إلى الكتب المصنفة للفرق والطوائف حتى نعرف أقوالها بالتحقيق تمام.
والفكر الاعتزالي أحبتي حاضر في مختلف مسائل العقيدة، الفكر الاعتزالي ليست إشكاليته فقط في باب الإيمان، الفكر الاعتزالي حاضر إشكاليته في كل مسائل العقيدة أو في جلها، فتجده حاضراً في باب الأسماء والصفات، لهم قواعدهم في باب الأسماء والصفات، كذلك في باب القضاء والقدر، لهم قواعد في باب القضاء والقدر كما أسلفنا في المدارس السابقة، كذلك في باب الإيمان لهم حضور، وفي تفاصيل دقيقة مثلاً في اليوم الآخر كما سيأتي معنا، لهم حضور دقيق في بعض المسائل. إذاً الفكر الاعتزالي مدرسة كاملة عقلية.
دخلت في كل الأبواب العقدية، ومشكلتها في كل الأبواب العقدية، فإشكالية الاعتزال إذاً ليست في باب الإيمان فقط بخلاف الخوارج. يعني أنا الآن بقارن بين الفكر الاعتزالي وبين الفكر الخارجي. المقارنة الأولى هي أن الفكر الاعتزالي له أسسه وقواعده.
نعم، أكثرها مغلوط، لكن في النهاية له أسس وقواعد ومصنفات ورجالات، فهو مدرسة قائمة عبر تاريخ الأمة المسلمة. ثانياً، أن الفكر بينما الخوارج طبعا ليس لهم يعني توبة مصنفات ومدرسة قائمة لها علم وتستطيع أن تحاكم رجالات هذا الفكر اليها. ثانياً، الفكر الاعتزالي كما قلنا حاضر في مختلف أبواب الاعتقاد.
له أسس في الأسماء والصفات، له مطلقاته في الإيمان، له ومنطلقاته في القضاء والقدر في مختلف المسائل. أما الفكر الخارجي فحضوره في مسائل الاعتقاد حضوره في باب الإيمان، لكن في أبواب مثلاً الأسماء والصفات، في أبواب القضاء والقدر، في أبواب اليوم الآخر، في الأبواب العقدية الأخرى لا تجد لهم حضوراً واضحاً.
مخالفة واضحة تنسب إليهم، نقول والله الفكر الخارجي يخالف في القضاء والقدر في كذا، أو يخالف الأسماء والصفات في كذا. فالخوارج حضورهم في مسائل الاعتقاد مسائل الإيمان ويغيبون عادة في المسائل الأخرى. وأما المعتزلة فهم حاضرون في الخلاف العقدي دائماً في جميع أبواب الاعتقاد.
طيب، الآن هذه فقط يعني إشارة مختصرة جداً عن الفكر الاعتزالي في باب الإيمان والفرق بينه وبين الفكر الخارجي. فالخوارج إذاً والمعتزلة هي أشهر الفرق التي تندرج تحت الفرق الوعيدية. الآن نتكلم عن الأصول العامة التي ينطلق منها الفكر الوعيدي أو الفرق.
ما هي الأصول العامة التي انطلقت منها هذه الفرق؟ نقول: تشترك الفرق الوعيدية من الخوارج والمعتزلة ومن تبعهم في أصول انطلقوا منها، سواء ركزوا سواء دونوا هذه الأصول أو لم يدونوها كالخوارج، لكنها هي اللازم البين لأقوالهم وتصرفاتهم وعليها تبنى أفكارهم. فهذه الأصول التي نجعلها للفرق الوعيدية يمكن شخص يقول لي: طب يا شيخ، أنت قلت إنه ليس لها أصول مدونة، من أين إذاً اخذنا هذه الأصول عن الخوارج؟
بينما عشان المعتزلة لهم أصول مدونة. طب الخوارج؟ فنقول: هذه الأصول التي يشترك فيها المعتزلة والخوارج وكل من هو مندرج تحت الفرق الوعيدية ممن يتبع الخوارج والمعتزلة، نأخذها إما مما سطره رجالات الفكر الوعيدي وهم في العادة سيكونون من المعتزلة، أو نأخذها من لازم أقوال وتصرفات الوعيدية، وهذا ربما يكون ظاهر الفكر الخارجي، أننا نأخذ أصولهم من لازم أقوالهم العامة وتصرفاتهم ومقاضاتهم.
ناس وقتالهم؛ فلا يشترط في أخذ الأصول والقواعد دائماً أن تكون منصوصة واضحة بينة، لا، فاحياناً قد آخذ قواعد وأصول للفرق من نصوصها التي نصت عليها وأحياناً أخذها من اللازم البين الواضح لأقوالهم وفتاويهم أو تصرفاتهم وأعمالهم ومقاضاتهم للخلق. فنقول إذاً: الأصول التي يقوم عليها الفكر الوعيدي بغض النظر ما هي الفرقة التي تدخل تحت هذا الفكر، أصلان أو ثلاثة أصول بشكل عام. ثلاثة أصول. الأصل الأول للفرق الوعيدية وافقوا فيه أهل السنة والجماعة، وهو أنهم يرون أن الإيمان حقيقة مركبة من الظاهر والباطن.
إذاً، الأصل الأول للفرق الوعيدية بمختلف أشكالها أنهم يرون كأهل السنة والجماعة أن الإيمان حقيقة مركبة من الباطن والظاهر، فهذا الأصل وافقوا فيه أهل السنة. طب وين مشكلتهم يا شيخ؟ نذهب إلى الأصل الثاني للفكر الوعيدي. الأصل الثاني الذي خالفوا فيه أهل السنة والجماعة هو أنهم جعلوا الإيمان مقداره ثابتاً لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وهنا خالفوا أهل السنة والجماعة.
لاحظوا الأصل الثاني؛ الأصل الثاني الفرق الوعيدية عموماً أن الإيمان لا يقبل الزيادة ولا النقصان، فهو شيء واحد دار واحد إما أن يوجد كله وإما أن يذهب كله. وهنا فرق واسع جداً بين أهل السنة والجماعة والفرق الوعيدية؛ أهل السنة كما قررنا يرون أن الإيمان يزيد وينقص، الفرق الوعيدية لا تقول: الإيمان مقدار واحد، شيء واحد، معيار واحد، إما أن يوجد الإيمان بأكمله في هذا الشخص وإما أن يعدم الإيمان بأكمله في هذا الشخص.
وأما أن يزيد الإيمان وينقص فهذا غير وارد عندهم. طبعا هناك تنبيه أحبتي أو اسميه استدراك، سمه كما شئت، تنبيه على قضية المعتزلة: هل جميع المعتزلة ينفون زيادة الإيمان ونقصانه؟ في الحقيقة أحبتي اريد أن أنبه على هذا الموضوع؛ القاضي عبد الجبار، وهو من أشهر رجالات المعتزلة الذين وصلت مصنفاتهم إلينا، عندما تقرأ كتابه تجده يقول بزيادة الإيمان ونقصانه، لكن مشكلته أنه يفسر زيادة الإيمان ونقصانه بشكل مخالف لتفسير أهل السنة والجماعة لزيادة الإيمان ونقصانه.
كيف ذلك؟ دعونا نقرأ كلام عبد الجبار ثم نعلق. عبد الجبار المعتزلي يقول في كتابه شرح الأصول الخمسة: أتقولون بأن الإيمان يزيد وينقص؟ يعني هو يطرح هذا السؤال على لسان مخالفه، يعني يقول لنا مخالفونا: هل الإيمان عندكم أيها معتزلة يزيد وينقص؟ فأجيب أي عبد الجبار سيجيب فيقول: نعم، يعني الإيمان يزيد وينقص.
طيب ما معنى زيادة الإيمان ونقصانه يا عبد الجبار؟ فقال: لأن الإيمان يلزم المكلف القيام به، والواجب على بعض المكلفين أكثر من الواجب على غيره، فهو يزيد وينقص من هذا الوجه. أعيد النص مرة أخرى: أتقولون بأن الإيمان يزيد وينقص؟ قال القاضي عبد الجبار: نعم. طب ما معنى الزيادة والنقصان؟ قال: لأن الإيمان يلزم المكلف القيام به والواجب على بعض المكلفين أكثر من الواجب على غيره، فهو يزيد وينقص من هذا الوجه.
نلاحظ أحبتي على هذا النص أن عبد الجبار المعتزلي رحمه الله فسر الزيادة والنقصان بشكل مخالف لأهل السنة والجماعة، فمعنى الزيادة والنقصان عنده أن ما يجب على زيد سين صاد من الناس من الفرائض يختلف عما يجب على عمرو أو إبراهيم أو سعد من الفرائض لاعتبارات متعددة. مثلاً: سعد وصله من أحكام الشريعة سبعون حكم، بينما زيد وصله من أحكام الشريعة ثلاثون حكم، طب لماذا؟
أحياناً ظروف الحياة والله سعد في بلاد مشتهر فيها العلم والنصوص فيها حاضرة فبلغته من الأحكام الشرعية خمسين ستين سبعين مسألة. الله! زيد يعيش في قارات أفريقيا وفي بلاد بعيدة جداً مثلاً عن العلم، فحجم المسائل الشرعية والأحكام التي وصلته ثلاثون. فعبد الجبار يقول: زيد ايمانه أعلى من أو عفى الله عني سعد أنا اختلطت علي الأسماء، سعد إيمانه أزيد من إيمان زيد.
فقلنا له: لماذا؟ قال: لأن سعد يجب عليه من الفرائض أكثر مما يجب على زيد من الفرائض. وفي الحقيقة ليس هذا مفهوم الزيادة والنقصان عند أهل السنة؛ يعني سعد عليه سبعين فريضة لأنها بلغته، وزيد عليه ثلاثين فريضة. عند عبد الجبار سعد أزيد في الإيمان من زيد، لماذا؟ قال: لأنه هذا عليه سبعون وهذا عليه ثلاثون. وفي الحقيقة هذا كما قلنا ليس مفهوم الزيادة والنقصان، وأصلاً قد يكون فيه شيء من الظلم لزيد، لأنه زيد يقول لك: طب أنا ما علاقتي أن تجعلوا إيماني ناقصاً ولم يصلني من الأحكام إلا كذا وكذا، بينما سعد خلق ووجد في أرض فيها الأحكام منتشرة فبلغه من الإيمان الكثير الكثير، فلماذا تجعلونه أزيد إيماناً مني؟
ألا يمكن سؤال آخر، لا يمكن أن يكون زيد بهذه الثلاثين التي وجبت عليه أشد إيماناً وتشبثاً من سعد الذي يؤدي السبعين لكن تعلق وتشبث به أضعف؟ يمكن، فأهل السنة والجماعة يقولون: زيادة الإيمان ونقصانه ليس متعلقها ووجهها أن فلاناً وجب عليه من الفرائض ستين أو سبعين لأنه بلغه علمها وفلاناً وجب عليه من الفرائض ثلاثين، فمن بلغه السبعون إيمانه أزود ممن بلغه الثلاثون. ليست هذه الطريقة الصحيحة العلمية، بل زيادة الإيمان ونقصانه تتعلق بماذا؟
كما قلنا: إما بتصديق القلب؛ أن التصديق في قلب سعد هل هو مثل التصديق القائم في قلب زيد؟ هنا يتفاوت، فزيد الذي عنده ثلاثون فريضة قد يكون التصديق في قلبه أعلى بكثير من التصديق الذي في قلب سعد وعند سعد سبعون ومئة ومائة وخمسون فريضة، بل هذا واقع. تجدون أحبتي أناساً في قارة الهند أو في إخواننا في ماليزيا أو إندونيسيا، ما علم كثر بفرائض الشريعة ولم تصله إلى القرى والأضغان التي يعيش فيها، لكن عنده من التصديق بالله واليقين بالله ما يفوق أحدنا وهو يعيش في صلب بلاد الإسلام وفي صلب بلاد انتشر فيها العلم، وإيمان هذا الذي يعيش في الأدغال أثبت وأزيد من إيمان هذا الذي يعيش بين أصلاب أهل العلم.
كذلك سعد كما قلنا عنده سبعون فريضة وزيد عنده ثلاثون فريضة، لكن سعد ما عنده مثلاً مواظبة على هذه السبعين، لكن زيد عنده مواظبة على أداء هذه الثلاثين، فبالتأكيد إيمان زيد سيكون أكثر من إيمان سعد. وأنا باختصار أردت أن أبين، حتى لا يشكل على طالب إذا قرأ في كتب المعتزلة فيقول: يا شيخ، قال لنا إن الفرق الوعيدية لا تقول بزيادة الإيمان ونقصانه والإيمان عندهم شيء واحد، فيصطدم أن عبد الجبار المعتزلي يقول بزيادة الإيمان ونقصانه فيقول: إذاً هناك تعارض، الشيخ يقول: المعتزلة والخوارج لا يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه، لكن عندما أقرأ في كتب المعتزلة وفي كتب بعضهم أجدهم يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه.
فنقول: نعم، بعض المعتزلة قالوا بزيادة الإيمان ونقصانه، لكنهم فسروها بشكل مخالف تماماً لأهل السنة والجماعة، فسروها بشكل خاطئ ما ذكرته لكم قبل قليل. بالتالي، بما أن هذا هو تفسير الزيادة والنقصان عندهم، وليس تفسير أهل السنة والجماعة، وهو أن الإيمان يزيد وينقص لاعتبار تصديق القلب، لاعتبار المواظبة على أقوال اللسان، المواظبة على أعمال الجوارح، فمعيار المعتزلة يختلف عن معيار أهل السنة.
فإذاً المعتزلة لا يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه بالمفهوم الذي يقوله أهل السنة. هذه العبارة تكون دقيقة هكذا: المعتزلة لا يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه بالمفهوم الذي يعتبره أهل السنة، وإن قال بعضهم بزيادة الإيمان ونقصانه فهو يقولها بمفهوم آخر مغلوط لا يوافق المنهج الصحيح السديد، وبالتالي صح قولنا إن الفرق الوعيدية عموماً خوارج ومعتزلة ومن سار على دربها لا يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه تماماً.
الأصل الثالث الذي يقوم عليه الفكر الوعيدي؛ إذاً، الأصل الأول وافقوا فيه أهل السنة: أن الإيمان ظاهر وباطن. الأصل الثاني خالفوا فيه أهل السنة: وهو أنهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً، إما أن يبقى الإيمان كله وإما أن يذهب الإيمان كله، وأما أن يبقى بعضه ويذهب بعضه اللي هو الزيادة والنقصان أنه هذا الشخص والله نقص إيمانه الآن بارتكابه هذه المعصية أو تقصيره في هذه الطاعة فهذا لا يعترف به الفرق الوعيدية في العادة.
الأصل الثالث للفرق الوعيدية وهو أن استحقاق الثواب والعقاب لا يجتمع في شخص واحد عندهم، هذا الأصل الثالث ومهم وخالفوا فيه أهل السنة. الفرق الوعيدية ترى أنه لا يجتمع الثواب والعقاب في شخص واحد، أنه يكون شخص واحد مستحقاً للثواب والعقاب في وقت واحد مش ممكن عندهم. فيقولون: الشخص والإنسان إما أن يكون مستحقاً للثواب بالكلية وإما أن يكون مستحقاً للعقاب بالكلية، أما أن يكون هذا الرجل مستحقاً لشيء من العقاب ثم بعد انتهاء مدة العقاب ينتقل إلى مرحلة الثواب، فهذا لا تعقله الفكر الوعيدي بطوائفه، وهذا أصل خالفوا فيه أهل السنة والجماعة.
فعندهم إما أن يكون الرجل إما من أهل الثواب وأهل الجنة مطلقا، وإما أن يكون من أهل النار مطلقا خالداً فيها، ولا يمكن عندهم أن يدخل الرجل النار ليتعرض لشيء من العقاب ثم بعد ذلك يخرج منها ويدخل الجنة كما يقول أهل السنة والجماعة. طب عندك يا شيخ نصوص تؤكد هذا الأصل للفكر الوعيدي؟ نقول: الحاكم الجشمي وهو أحد منظري الفكر الاعتزالي كان يتكلم عن حالة المكلفين في الآخرة.
فيقول الحاكم الجشمي: منهم أي من المكلفين من يستحق الثواب ومنهم من يستحق العقاب. ثم يقول: ويستحق الثواب صنفان - سيفصل من الذي يستحق الثواب -: من يستحق ثواباً عظيماً ودرجة عالية وهم الأنبياء. الصنف الثاني: من يستحق الثواب دون ذلك وهم المؤمنون. انتهى التفصيل في من يستحق الثواب.
الآن سيفصل في من يستحق العقاب. قال: ومن يستحق العقاب صنفان: مستحق لعذاب عظيم وهم الكفار، ومستحق لعذاب دونه، يعني عذاب مستمر لكنه ليس بعظيم، وهم الفساق. ماذا نلاحظ أحبتي من كلام الحاكم الجشمي؟ نلاحظ غياب طبقة كاملة لم يتطرق إليها الحاكم الجشمي المعتزلي في تأصيله، وهي الطبقة التي تستحق شيئاً من العذاب ثم بعد ذلك تستحق دخول الجنة والانتقال إليها خالدة مخلدة فيها أبداً.
والتي جاءت في إثباتها النصوص المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم جهنميون يسمون بالجهنميين، وهم طوائف يدخلون النار بسبب الكبائر وإصرارهم على الذنوب، وهو ما فعلوه لكن لأنهم ماتوا على الإيمان في النهاية، الله سبحانه وتعالى يعاقبهم فترة هو أعلم بها ثم يخرجهم بعد ذلك إلى الجنة فيصبحون أهل الجنة، يسمونهم بالجهنميين كناية عن أن هؤلاء هم الذين كانوا في جهنم ثم خرجوا منها.
الآن بناء أحبتي على هذه الأصول الثلاثة، بنى المعتزلة فكرتهم الشهيرة والتي وجدناها في كتبهم ومصنفاتهم في أن مرتكب الكبيرة في منزلة بين منزلتين في الحياة الدنيا وفي الآخرة، هو مخلد في النار. الفكر الاعتزالي كما يذكر أربابه وفي كتبهم يقولون: إن مرتكب الكبيرة في الحياة الدنيا في منزلة بين منزلتين لا نسميه مؤمناً ولا نسميه كافراً بل نسميه فاسقاً، ثم في الدار الآخرة هو في النار خالد مخلد فيها أبداً، لكن عقابه أقل من عقاب الكفار، كما بين الحاكم الجشمي.
وهذه إشكالية كبيرة، فعند المعتزلة إذاً لا يسمى مرتكب الكبيرة مؤمناً ولا يسمى كافراً في الحياة الدنيا بل تسمونه فاسقاً فقط، وفي الآخرة هو عندهم من أهل النار خالداً فيها.
لماذا وصل المعتزلة إلى هذه القضية؟ لأنهم ركبوا القواعد الثلاثة السابقة التي ينطلق منها الفكر الوعيدي. الإيمان حقيقة مركبة وهذه لا إشكال فيها، لكن الإشكال في ربطها مع القاعدتين الثانية والثالثة، وهي أن الإيمان الحقيقة المركبة معيار واحد؛ يا يبقى كله يا يذهب كله.
طيب مرتكب الكبيرة؛ مرتكب الكبيرة فعل شيئاً قادحاً للإيمان. عند أهل السنة والجماعة الإيمان سينقص، لكن المعتزلة ما آمنوا بذلك ولم يعتقدوا ذلك، بل قالوا: ما في شيء اسمه نقصان إيمان، إذا ارتكب الكبيرة يخرج من دائرة الإيمان. طيب إذا خرج من دائرة الإيمان ماذا تسمونه؟ كافراً؟ قالوا: في الدنيا نسميه فاسقاً. وسنعرف بعد قليل لماذا لم يسموه كافراً في الدنيا؟ سموه فاسقاً فقط، لكن في الآخرة هو من أهل النار، فحكمه في الآخرة هو حكم الكفار عندهم.
لماذا؟ كما قلنا: إنهم لم يتصوروا إمكانية نقصان الإيمان بسبب ارتكاب الكبيرة، فعندهم الشخص إذا ارتكب الكبيرة خلاص انتهى إيمانه وانتفى تماماً وأصبح فاسقاً في الدنيا كافراً في الآخرة. تمام، إذاً وبناءً على هذا الأصل فإن المعتزلة فكرة أن مرتكب الكبيرة في منزلة بين منزلتين في الحياة الدنيا، فلا يسمى مؤمناً ولا يسمى كافراً، بل يسمى فاسقاً فقط، وفي الآخرة هو من أهل النار خالداً فيها. فهم لم يتصوروا اجتماع الإيمان والكبائر في المسلم، وأنه يمكن أن يكون إنسان عنده إيمان لكنه ناقص، ولم يتصوروا أيضاً بناءً على الأصل الثالث أن المسلم قد يعاقب على الكبيرة حق عقاب فترة من الزمن ثم يخرج من النار بعد ذلك ويدخل الجنة، فيستحق إذاً الثواب والعقاب معاً.
إذاً المعتزلة مشكلتهم ومشكلة الفرق الوعيدية عموماً في الأصل الثاني والثالث؛ لا يتصورون إمكانية وجود مؤمن ناقص الإيمان، بل خلاص إذا نقص الإيمان انتفى بالكلية ما فيه أصلاً قضية نقصان إيمان. ارتكب كبيرة إذاً طلعوه من دائرة الإيمان وأدخلوه في دائرة الفاسق في الدنيا الكافر في الآخرة لعدم قابلية الإيمان للنقصان في فكرهم. مشكلتهم الثانية أيضاً كما قلنا أنهم ما تصوروا إمكانية اجتماع عقاب وثواب في الشخص الواحد، يعني ما تصوروا أن الإنسان يمكن يدخل نار جهنم فترة من الزمن وهو مؤمن يعاقب على جرائمه التي فعلها، ثم لأنه مؤمن يخرجه الله سبحانه وتعالى ويدخل الجنة، هذا ما تصوروه فقالوا: من يدخل النار لا يخرج منها أبداً. فإشكاليتهم إذاً في الأصل الثاني وفي الأصل الثالث بالتحديد.
فإن قيل: طيب لماذا لم يسمِ المعتزلة مرتكب الكبيرة كافراً في الدنيا بما أنه مخلد عندهم في النار يوم القيامة؟ ما الذي منعهم من إطلاق أنه كافر في الدنيا؟ أليس مخلداً عندكم في النار يوم القيامة؟ خلاص إذاً لماذا لا تسمونه كافراً وانتهى الأمر؟ فنقول: السبب في ذلك هو؛ لاحظوا ما هو السبب؟ عدد النصوص الكبيرة المتواترة التي اصطدم بها الفكر الاعتزالي في طريقة معاملة الصحابة الكرام لأهل الكبائر، كيف أن الصحابة الكرام نكحوهم وورثوهم وورثوا منهم وعاملهم الصحابة معاملة المسلمين، لما وجد الاعتزال نصوصاً متواترة مستفيضة في هذا لم يستطع الاعتزال أن يواجه صراحة وقطعية هذه النصوص، فقالوا إذاً: الصحابة كانوا يتعاملون مع هؤلاء في الدنيا على أنهم مسلمون في الظاهر، ولكن الصحابة كانوا يعتقدون أنهم كفار وأنهم مخلدون في النار يوم القيامة.
طبعا هذا كله من أفكار الاعتزال، يعني هكذا تصوروا الصحابة، أن الصحابة لماذا كانوا يتعاملون مع شارب الخمر ومع أصحاب الكبائر والذنوب ولا يكفرونهم ويتعاملون معهم بالميراث والتوريث وينكحونهم؟ لأن الصحابة يريدون أن يعطوهم في هذه الدنيا أحكام الإسلام عموماً، لكنهم في الآخرة يدخلونهم ويخلدونهم في النار أبداً، وهذا في الحقيقة كما قلنا من أوهام الاعتزال، هذا وهم وشيء غريب جداً أصلاً، يعني أنا استغرب في الحقيقة كيف دخلت هذه الفكرة على أنااس كالزمخشري أو كالقاضي عبد الجبار؟
لكن دائماً ما أقوله للأحبة: إن الشخص يكون عاقلاً وكلامه منطقي ومتزن ما وافق أهل السنة والجماعة، لكن متى بدأ يؤصل للكلام البدعي الخاطئ تجد مستواه في الاستدلال العقلي والطرح العلمي يضعف كثيراً، وهذا في الحقيقة وجدته بتتبع لكثير من أهل البدع؛ من الأشاعرة، من الماتريدية، من المعتزلة. في الكلام الصحيح الذي يوافقون فيه أهل السنة والجماعة تجده يتكلم أحياناً برقي ووضوح وتفصيل تستمتع وانت تقرأ له، لكن سبحان الله متى بدأ يؤصل لفكره العقدي الخاطئ المنحرف عن أهل السنة والجماعة؟ تستغرب كيف فلان الفلاني يقتنع بهذا الامر مع أنه مخالف لصريح العقل ومخالف للنصوص المتواترة القطعية ومخالف بشكل واضح لمنهج الصحابة والسلف الصالح.
يعني تستغرب من أين دخلت عليه هذه الشبهة؟ لكن هذا الذي يحدث أحبتي حينما يبدأ الإنسان يباين منهج أهل السنة والجماعة يصبح خطاب العلم وطرحه وجداله ضعيفاً، ومن كان متمكناً في عقيدة أهل السنة والجماعة يدرك أوجه الضعف ويستغرب كيف لفلان المفسر أو الأصولي أو المبدع في أشياء صحيحة كيف يمكن أن ينزل في خطابه العلمي ويقتنع بمثل هذه الترهات؟ لكن سبحان الله الإنسان؛ هذه ميزة جعلها الله عز وجل لمنهج الصحابة والمنهج السلف الصالح: أن كل من وافقهم تجد كلامه منضبطاً مضطرد، يوافق العقل والفطرة بسلاسة ووضوح، وكل ما خالف هذا المنهج حاول أن يقتبس من الفلسفة الإغريقية أو الهندية أو الفارسية ويبدأ يناطح بين النصوص الشرعية وبين هذه الفلسفات ويحاول يجمع بينها، تجد مستوى الطرح العلمي يبدأ ينزل وتبدأ تشعر بغرابة اقتناعه بمثل هذه الأفكار، فنسأل الله دائماً الهداية والتثبيت على الصواب.
إذاً مشكلة الاعتزال؛ يعني لماذا المعتزلة لم يسموا مرتكبي الكبيرة كافراً في الدنيا مع أنهم يعاملونه معاملة الكفار في الدار الآخرة؟ كما قلنا: عدد النصوص الكبيرة المتواترة التي اصطدم بها الفكر الاعتزالي في طريقة معاملة الصحابة لأهل الكبائر، وكيف أنهم ناكحوا وورثوا وما ورثوا منهم وعاملوهم، فلم يستطع الاعتزال مواجهة صراحة وقطعية تلك النصوص، فقالوا إذاً: سنسمي مرتكب الكبيرة في الدنيا فاسقاً ونعامله معاملة أهل الإسلام ونطبق عليه أحكام الإسلام، لكننا في الآخرة سنعامله معاملة الكفار، وهذا كما قلنا انظروا التناقض؛ يعني في الدنيا سنعامله معاملة المسلمين ونعطيكم الحقوق وفي الآخرة سنعامله معاملة الكفار، وهذا قول شاذ غريب تستغرب كما قلنا من قوله وكيف استطاع بعضهم أن يقتنع به، نسأل الله السلامة والعافية.
طبعا أحبتي أنا ألاحظ أنني ركزت في النهاية على قضية المعتزلة وقضية قولهم بالمنزلة بين منزلتين وأجبنا عنهم، أما الفكر الخارجي فلا تركز عليه كثيراً إلا على بيان منهجه العام وهو أنه يكفر بمكفر ويستحل الدم بناءً على ذلك، وأما تأصيلات تفصيلات عندهم نظريات أتوبها، أنا لا أملك كتاباً لرجل خارجي أستطيع أن أخذ منه هذه التأصيلات وأقول: والله هذه الفرقة الخوارج عبر التاريخ هذا معتقدهم، من نص علي فلان الخارجي؟
لاحظوا أن الفكر الاعتزالي أستطيع أن أنسب، أقول والله عبد الجبار معتزلي، الحاكم الجشمي، المرتضى، مجموعة من رؤوس الاعتزال كتبهم موجودة بين يدي الزمخشري، لكن الفكر الخارجي من كتبهم كيف ساحقق أن هذا قولهم بالضبط؟ وإنما كل ما استطيع هو أن أنظر في تصرفاتهم في طريقة تعاملهم وإسقاطهم الأحكام على المخالفين فاستنبط منها المنهج العام الذي سلكوه في حياتهم.
وأما وجود قواعد علمية وأسس عقلية قام عليها الفكر الخارجي، فالفكر الخارجي أضعف من ذلك؛ لأنه للاسف عادة من يتبنى هذا الفكر لا يكون متيناً علمياً، وإنما هو شخص متهور لا يعالج أفكاره، لا ينظر إليها بمنظور الكتاب والسنة وكلام أهل العلم الكبار، وإنما يأخذه هكذا سريعاً ويبدأ يطبقها على الناس من دون تأنٍ أو تروٍ.
الآن سريعاً انتقل إلى الطرف الآخر وهو الفكر الوعدي؛ من هم الوعدية؟ الوعدية باختصار وبعبارة أخرى هي الأقرب إلى أذهانكم هم المرجئة، لكنني سأقابل الوعيدية بمصطلح الوعدية، الفرق الوعدية هي الفرق التي تغلب جانب الوعد وهو الثواب على جانب الوعيد وهو العقاب، عكس الفرق الوعيدية. طيب ما تعريف الوعدية بعبارة أوضح يا شيخ؟ فأقول أحبتي: الفرق الوعدية هي أيضاً لم تحسن التعامل والجمع بين النصوص التي فيها وعيد للعصاة وأهل الكبائر بالنار وما تدل عليه هذه النصوص من نقصان إيمان هؤلاء، والنصوص الأخرى التي تعد بالمغفرة للمذنبين والعصاة من أهل الإيمان، وأنهم لو دخل قسم منهم النار -وهذا حق يعني سيدخل قسم منهم النار- أنهم لن يخلدوا فيها بل يخرجون منها في النهاية إلى جنات النعيم.
فهناك نصوص فيها وعيد لأهل الكبائر والذنوب والمعاصي بالنار، وفي المقابل هناك نصوص بوعد بالمغفرة للذنوب والإخراج من النار ومن يدخلها لن يخلد فيها من أهل الإيمان، فنصوص وعيدية ونصوص وعدية لم تحسن التعامل معها بشكل متزن وحسن الجمع بينها، فغلبوا نصوص الوعد على نصوص الوعيد فأثر هذا في فهمهم للإيمان أيضاً، يعني الفرق الوعيدية الطائفة الأولى أيضاً عندها مشكلة في التعامل مع هذه الطائفة وهذه الطائفة من النصوص لكنهم غلبوا نصوص الوعيد، والوعدية بالعكس غلبوا نصوص الوعد نصوص المغفرة والتوبة على نصوص الوعيد فقادهم ذلك رويداً رويداً إلى خطأ في مفهوم الإيمان.
طيب دعونا أحبتي نتكلم عن الفرقة الإرجائية وأنواعها وأشكالها السريعة، فنقول: الوعدية هو اسم أطلق على الفرق التي تغلب جانب الوعد وهو الثواب على جانب الوعيد وهو العقاب، والفرق التي تدخل تحت هذا اللقب تحت لقب الوعدية هي فرق المرجئة بأنواعها، فالإرجاء بأنواعه وأشكاله كله يدخل تحت الفرق الوعدية، بل نستطيع أن نقول: لأن هناك شيئاً من الترادف فالوعدية هم المرجئة.
إذاً والفرق التي تدخل تحت هذا اللقب هي فرق المرجئة بأنواعها؛ الأشعرية، الماتريدية، الجهمية، الكرامية، الأشعرية الماتريدية الجهمية الكرامية، وهناك طائفة خامسة نبتت في هذا الزمان تدعي أنها على طريقة أهل السنة وأنهم من أهل الحديث، ولكنهم في الحقيقة من فرق المرجئة، وهذه نابتة نبتت في هذا الزمان، ربما لا يسع المقام أن نفصل في حالها ومن أين دخلها اللبس، لكن هي فرقة ناشئة في هذا الزمان تدعي اتباع أهل الحديث والأثر، لكنهم في الحقيقة ساروا على طريقة المرجئة في تأصيلاتهم وتقعيداتهم. لكن عبر التاريخ الفرق المشهورة بالإرجاء هي الفرق الأربعة: الأشعرية والماتريدية والجهمية والكرامية، وسنذكر على سبيل الإجمال أبرز الفرق الإرجائية إلى مفهوم الإيمان، ثم نذكر الأصول التي انطلق منها الفرق الإرجائية بمختلف أنواعهم وأشكالهم.
الآن أحبتي سأعدد لكم والمرجئة؛ لأن المرجئة أنواع وكل نوع إرجاعه له شكل وصورة يختلف عن النوع الآخر، المرجئة أنواع وكل نوع شكله وصورته وقوله يختلف عن النوع الآخر، لذلك الآن سأقسم المرجئة إلى أنواع بحسب أقوالهم التي قالوها في الإيمان، وبحسب أقوالهم التي قالوها في الإيمان وأسمي أسماء الفرق التي تقول بكل معتقد من هذه المعتقدات كما سيتضح بإذن الله.
فنقول: المرجئة أنواع، النوع الأول من المرجئة هم الذين جعلوا الإيمان قول اللسان فقط، هذا أول شكل أتكلم عنه، طب يا شيخ إحنا بنعرف المرجئة هم الذين يقولون: الإيمان هو تصديق القلب فقط؟ أقول هذا شكل من أشكال المرجئة سآتي إليه، لكن أنا بدأت بهذا النوع لأنه أغربها ربما لطالب العلم أن هناك شكلاً من أشكال المرجئة يقولون: الإيمان ليس هو تصديق القلب وليس هو أعمال الجوارح، وإنما الإيمان هو فقط قول اللسان فقط، أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
إذاً القول الأول أو النوع الأول من المرجئة الذين جعلوا الإيمان شيئاً واحداً وهو قول اللسان فقط؛ من هي الفرقة التي تقول بهذا المعتقد الإرجائي؟ فرقة الكرامية اتباع محمد بن كرام، فهؤلاء قالوا: الإيمان مفهومه هو قول اللسان فقط، ولم يدخلوا تصديق القلب ولا عمل الجوارح في مسمى الإيمان.
طيب بالتالي ما حكمنا على فكر الكرامية الذين قالوا بهذه العقيدة الإرجائية؟ بالتالي حكموا على المنافقين الذين تحدث عنهم القرآن وحكموا على كل منافق عموماً في هذه الحياة الدنيا أنه يسمى مؤمناً، اسمه ولقبه مؤمن مع أنه منافق سموه مؤمناً، طب لماذا سميتموه مؤمناً؟ قالوا: لأن الإيمان عندنا هو قول اللسان فقط، فكل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله نسميه في الدنيا مؤمناً، حتى ولو كان عبدالله بن أبي بن سلول الذي شهد القرآن له بأنه منافق؛ قالوا حتى ولو كان عبد الله بن أبي بن سلول نقول إنه مؤمن، طب لماذا؟ مع أن القرآن هو الذي سماه منافقاً وسمى أصحابه بالمنافقين؟ قالوا: لأنه تشهد، فالايمان عندنا قول اللسان فقط بغض النظر ما هو في قلبه أو ما عمل جوارحه، يهمنا قول اللسان، متى تشهد بلسانه أصبح مؤمناً عندنا حتى ولو كان في باطنه منافقاً ومكذباً.
إذاً بالتالي حكموا على المنافقين الذين تحدث عنهم القرآن وعلى كل منافق عموماً أنهم مؤمنون، لكن للانصاف دعوني أقول لكم قضية عن الكرامية وهي أنهم يقولون: إن المنافقين وإن سميناهم مؤمنين في الحياة الدنيا لكنهم في الآخرة من أهل النار مع الكفار، فإذاً الكرامي وأنظروا دائماً هذا التشتت في الكلام والتناقض يدل على ضعف القول أحبتي كما كان قبل قليل قول المعتزلة في أهل الكبائر في الدنيا فاسق وفي الآخرة كافر، هذا التشتت يدل على ضعف بناء هذا القول وعدم وجود أدلة متينة ينباني عليها، فالكرامية عندهم هذا التناقض فيقولون: هو في الدنيا مؤمن لأنه تشهد، هذا اسمه ولقبه.
عيب، لكنه يوم القيامة إن كان منافقاً في باطنه سيخلد في النار مع الكفار. طبعا قولهم إنه في الآخرة في النار مع الكفار لا يخلص الكرامية من قبح مقالتهم التي خالفوا فيها نصوص الكتاب والسنة، التي بينت أن مفهوم الإيمان، مفهوم الإيمان أحبتي نصوص الكتاب والسنة بينت أنه مفهوم مركب من ثلاثة أشياء، هو تصديق القلب، وقول اللسان، وعمل الأركان.
الآن يمكن شخص يقول: طب يا شيخ، أنا وجدت شخصاً أمامي يتشهد ويعمل بأركانه، ولا أعلم ما في باطنه، ممكن يكون منافقاً. أقول: صحيح، أنت لك ظاهره تسميه مؤمناً، لكن من شهد عليه القرآن بالنفاق كعبد الله بن أبي، وأدلة النصوص الشرعية بأنه منافق، وهذا نُقل كثيراً عن الصحابة الكرام عن منافقين عاشوا معهم في المدينة أيام النبي صلى الله عليه وسلم وقصصهم حاضرة، فهؤلاء الذين حكم عليهم الصحابة ودلت النصوص على أنهم منافقون لا نريد أن نسميهم مؤمنين.
كذلك كل إنسان ظهرت بالقرائن القطعية معاداته لهذا الدين ومحاربته له، وأنه يكيد له جهاراً نهاراً مع أعداء الملة، فانه لا يجوز أن تعطيه لقب مؤمن، هذا لقب شرف من الله سبحانه وتعالى، لابد لاجتماع تصديق القلب وقول اللسان والعمل. واضح؟ فإذا كان الرجل أعماله وجوارحه كلها صادة عن دين الله سبحانه وتعالى، ولا يلتزم بجنس العمل الظاهر ولا يقوم بشيء من الأعمال الظاهرة بجوارحه، والله تعالى أعلم ما في باطنه، فلا يجوز لي أن أعطيه لقب الإيمان بناء والله على أنه تشهد وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
الإيمان عند أهل السنة والجماعة لابد من هذه الأمور الثلاث. أرى هذا الرجل يعمل الأعمال الظاهرة ويلتزم بها، أرى هذا الرجل يتشهد ويذكر به الله عز وجل بلسانه، وما في قلبه ما يظهر لي منه الآن السلامة، لكن متى تبين لي بقرائن قطعية وتتبع حاله من خلال لحن القول، وقال سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: 30]؟ متى تبين حاله بصورة قطعية من كل تصرفاته وأقواله وأفعاله ومن ينفث من لسانه من سموم؟ وكذلك رأيت معرضاً وصاداً عن جنس العمل الظاهر ولا يعمل به، ففي هذه الحالة لا يجوز أن امنحه اسم مؤمن بل نسميه منافقاً.
لكن من جهلنا حاله ورأينا منه التزاماً بالعمل الظاهر، فهذا نسميه مؤمناً بناء على الأصل، وجد منه العمل الظاهر وقال بلسانه الشهادة، فإننا نسميه مؤمناً بناء على الظاهر. طبعا هنا مؤمن بالمفهوم العام، يعني داخل دائرة الدين، وليس الإيمان الخاص اللي هو أعلى من مرتبة الإسلام، لأنه الإيمان الخاص والله تعالى أعلم لا نحكم به على الناس الذين نتعامل معهم لصعوبة ذلك، إلا كما قلنا من ظهرت عدالته بشكل متواتر وعرفنا حاله واستمراره على طاعة الله سبحانه وتعالى ومداومته عليها، فيمكن أن نعطيه لقب الإيمان الخاص، أنه ارتقى من مرتبة الإسلام لمرتبة الإيمان، لكن نحن نعطيه الإيمان بمفهومه العام، يعني أنه داخل دائرة الدين.
تمام، إذا عرفنا قبح مقالة الكرامية أنهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً قول اللسان فقط، متى أتى به فهو مؤمن، وإن ترك جنس العمل الظاهر بالكلية وإن كان في باطنه مكذباً لله ورسوله وتبين ذلك بالأدلة الواضحة، بما أنه قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إذا هو عندهم مؤمن.
الحمد لله، نذهب الآن إلى الطائفة الثانية وهم المرجئة الذين جعلوا الإيمان ما في القلب فقط. نذهب الآن إلى النوع الثاني من الإرجاء وهم المرجئة الذين جعلوا الإيمان ما في القلب فقط. إذاً، النوع الأول من المرجئة الذين جعلوا مفهوم الإيمان فقط قول اللسان، شهادة أن لا إله إلا الله، يعني حتى قول اللسان عندهم هو مجرد شهادة أن لا إله إلا الله، وليس باقي الأقوال الأخرى كتلاوة القرآن والذكر، هو فقط شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، هذا الرأي الأول للمرجئة، أو الطائفة الأولى من المرجئة.
الطائفة الثانية المرجئة الذين جعلوا الإيمان شيئاً واحداً فقط وركناً واحداً فقط وهو ما في القلب فقط، وهذا النوع من الذين جعلوا الإيمان ما في القلب فقط على صنفين. الصنف الأول الجهمية، الجهمية هم اتباع جهم بن صفوان، وتعرفنا على هذه الشخصية في مجالس سابقة، اتباع جهم بن صفوان يعرفون الإيمان بأنه معرفة القلب بالله فقط، معرفة القلب بالله فقط، هذا هو الإيمان. قالوا: ولو لم يتشهد بلسانه مع قدرته، ولو لم يعمل أي عمل بجوارحه، ما دام أنه عرف الله سبحانه وتعالى بقلبه إذاً هو مؤمن، فكل من عرف الله فهو مؤمن حتى ولو لم يقر بلسانه، وهجر كل الطاعات والأعمال، ولو فعل من الذنوب والمعاصي ما شاء.
ومن بشاعة قول جهم بن صفوان واتباعه، لاحظوا بشاعة قولهم، أنهم جعلوا فرعون وجنوده من أهل الإيمان لأنهم عرفوا الله سبحانه وتعالى، فرعون الذي أنزل الله عز وجل بأشد العذاب وذمه في نصوص الكتاب، وأنزل به من سخطه وبين كفره ودلت على ذلك الأدلة المتواترة من القرآن والسنة وغيرها، تجعلونه مؤمناً لأنه عرف الله سبحانه وتعالى؟! نعم فرعون كان يعرف الله، لكنه كفر عنادا واستكبارا ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14]. اتباع جهم بن صفوان يقولون: فرعون وجنوده من أهل الإيمان لأنهم عرفوا الله، وجعلوا أبا جهل وأبا لهب من أهل الإيمان لأنهم عرفوا الله أيضاً! وهذا القول أحبتي مناقضة صريحة للإسلام، مناقضة صريحة للإسلام، لذلك كان كثير من السلف الصالح يذهبون إلى أن الجهمية كفار لأن أقوالهم كفرية وتكذيب صريح لنصوص الكتاب والسنة، على خلاف طبعا في طريقة تنزيل الأحكام عليهم، لكن هذا ستجدونه ملحوظاً في كلام السلف أن الجهمية كفار، هذا حاضر عندهم، لأن أقوال الجهمية فيها غلو شديد وانحراف عن الجادة بشكل واضح ولا مستساغ لها إلا التكذيب بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
طيب، الطائفة الثانية التي تقول بهذا القول، نحن الآن مع النوع الثاني من المرجئة الذين يقولون إن الإيمان ما في القلب، وهؤلاء صنفان: أولاً الجهمية أتباع جهم بن صفوان جعلوا الإيمان معرفة الله فقط، وعرفنا ماذا لزم على قولهم. الصنف الثاني من هؤلاء الأشاعرة والماتريدية، الفكر الاشعري والماتريدي، هؤلاء ماذا يقولون؟ يقولون إن مفهوم الإيمان الشرعي هو ما قالوا معرفة الله لا، قالوا هو تصديق القلب بالله، عبروا بالتصديق وليس بمعرفة، قالوا إن الإيمان هو تصديق القلب بالله، إذاً قول القلب اللي سميناه نحن قول القلب هو الإيمان عند الأشاعرة والماتريدية.
طيب وأكمل، لسه ما انتهى الكلام، واختلفوا أي الأشاعرة والماتريدية، واختلفوا في دخول أعمال القلوب الأخرى مثل الخضوع والمحبة والرجاء والخوف، أعمال القلوب عندهم هل تدخل في الإيمان ولا لا تدخل في الإيمان؟ فبعض الأشاعرة أدخل أعمال القلوب أيضاً في مفهوم الإيمان، والبعض أخرجها من مفهوم الإيمان. وتذكروا معي التقسيم الرباعي لمكونات الإيمان، احنا قلنا التقسيم الرباعي لمكونات الإيمان عند أهل السنة: قول القلب، عمل القلب، قول الجوارح، عمل الجوارح. فالأشاعرة والماتريدية أدخلوا قول القلب في مفهوم الإيمان، طب عمل القلب هل يدخل عندهم؟ طائفة أدخلته وطائفة لم تدخله.
طيب، ننتقل إلى قول اللسان، وأما قول اللسان، أي الإقرار باللسان، فهل يدخل عندهم؟ وأما قول اللسان الإقرار بالشهادتين فاختلفوا أيضاً فيه على ثلاثة أقوال، أشهر هذه الأشياء الثلاثة وعليه يسير المتأخرون من الأشاعرة هو أن الإقرار باللسان فائدته، يعني شهادة أن لا إله إلا الله بلسانك ما فائدتها؟ إجراء الأحكام الدنيوية على الإنسان من نكاح وميراث وما شابه ذلك، بالتالي يقول الأشاعرة، يعني متأخروا الأشاعرة، لو رفض الإنسان، لو رفض مش عجز، لو رفض الإنسان الإقرار بالشهادتين بلسانه، رفض قول اللسان، فلا تجري عليه أحكام الدنيا، لا تجري عليه، كما نقول: أنت لم تتشهد بلسانك، لا نجري عليك أحكام الدنيا كمسلم، نعاملك معاملة الكفار، عكس الكرامية بالضبط، لم تتشهد إذاً نعاملك معاملة الكفار، لكنه يكون عند الله مؤمناً ما دام أنه مصدق في قلبه بوجود الله سبحانه وتعالى.
فإذاً بالنسبة لقول اللسان والإقرار بالشهادتين عند متأخري الأشاعرة لا تعتبر من مفهوم الإيمان، لكنها شرط، شرط في ماذا؟ لاحظوا، يعني بدكم تفهموا إيش يقولون لأن العبارات هم يتعمدون لف العبارات حتى يوهموك أنهم يقولون صواباً وهم يقولون باطلاً. يقولون الإقرار باللسان، يعني شهادة أن لا إله إلا الله للقادر عليها، هي شرط في إجراء أحكام الإسلام على هذا الشخص في الدنيا، فإذا هذا الشخص رفض وأبى أن يتشهد فلا نعامله في الدنيا معاملة المسلمين، وإنما نعامله معاملة الكفار.
طيب، في الآخرة؟ قالوا في الآخرة لا، إذا كان في قلبه مصدق بوجود الله حتى لو في الدنيا أبى التشهد، فانه في الآخرة مؤمن عند الله سبحانه وتعالى ويدخل الجنة، وبالتالي ماذا يعني هذا؟ يعني إذاً أن الإقرار باللسان وشهادة أن لا إله إلا الله باللسان ليست عندهم من مفهوم الإيمان، وإنما هي شرط فقط لإجراء أحكام الإسلام على هؤلاء في الدنيا. واما هل هي داخلة في مفهوم الإيمان؟ أبدا، لا تدخل عندهم، ولماذا؟ لأنها لو كانت داخلة عندهم لاعتبروه كافراً أيضاً في الآخرة، لكن لما اعتبروا أن الله عز وجل يدخله الجنة بناء على التصديق الذي في قلبه ولو لم يتشهد بلسانه، إذاً الإيمان قد حصل من دون التشهد باللسان أو الإقرار باللسان، بالتالي خرج عندهم أيضاً هذا المكون من مفهوم الإيمان.
وأما أعمال الجوارح الظاهرة، طب نذهب للمكون الرابع، أعمال الجوارح الظاهرة فهي باتفاقهم، باتفاق الأشاعرة والماتريدية، ليست جزءاً من الإيمان البتة، ليست من أركان الإيمان، بل هي شرط كمال. لاحظوا تعبير الأشاعرة بالشرط، الآن لما نقول هذا الشيء ركن ولا شرط؟ ما الفرق؟ الركن ما يكون داخل في ماهية الشيء، اليس كذلك هكذا يقولون. أركان الصلاة، شروط الصلاة، أركان الصلاة تدخل في ماهية الصلاة، شروط أمور خارجة عن الصلاة.
أهل البدع من الأشاعرة والماتريدية وغيرهم من الفرق الإرجائية يقولون: الأعمال، أعمال الجوارح، هي شرط، بما أنه عبروا بالشرط إذاً هم يريدون أنها خارجة عن مفهوم الإيمان، وأنها هي شرط لكماله وللارتفاع في الدرجات ولكن ليست داخلة في مفهومه.
طب ماذا ينبني يا شيخ على ذلك؟ ينبني إذاً على ذلك أنه إذا كان الشخص مصدقاً بقلبه عند وتشهد بلسانه، لكنه ترك جنس العمل الظاهر بالكلية، لم يصلي لله صلاة، لم يزك زكاة، لم يصم، لم يؤد الفرائض أبدا، ترك جنس العمل بالكلية، فهو عند الأشاعرة مؤمن كامل الإيمان، إيمانه كامل عندهم. لماذا؟ قالوا: لأنه مصدق بقلبه، قالوا: لأنه مصدق بقلبه وقال بلسانه أيضاً زيادة، يعني هذا عند من يشترط منهم القول باللسان، مع أنه كما قلنا عند المتأخرين لا يشترطون القول باللسان، فالمهم عندهم تصديق القلب، فما دام أنه مصدق بقلبه حتى لو ترك جنس العمل الظاهر بالكلية فإيمانه صحيح كامل لا نقص فيه، وهذه إشكالية كبرى في فهم طبيعة الإيمان عند الأشاعرة والماتريدية.
طيب، إذا عرضنا رأي الأشاعرة والماتريدية، الإيمان عندهم أساساً هو تصديق القلب بوجود الله سبحانه، أعمال القلوب هل تدخل أم لا تدخل؟ خلاف بينهم. الإقرار باللسان بشهادة أن لا إله إلا الله عند أكثرهم وهو السائر عند المتأخرين أنها ليست من مفهوم الإيمان، وإنما هي شرط لإجراء أحكام الإسلام عليهم في الدنيا. أعمال الجوارح لا تدخل عندهم بالاتفاق، باتفاق الأشاعرة، لا تدخل عندهم في مفهوم الإيمان، وإنما هي كما يعبرون شرط كمال.
طب يا شيخ، هل هناك إذاً فرق بين رأي الأشاعرة والماتريدية ورأي الجهمية؟ الجهمية ماذا قالوا؟ قالوا الإيمان هو معرفة الله فقط، أن تعرف الله بقلبك حتى ولو لم تقل بلسانك ولم تعمل بجوارحك. الأشاعرة ماذا قالوا؟ قالوا الإيمان هو أن تصدق بوجود الله بقلبك. هل هناك فرق بين تعبير الجهمية وتعبير الأشاعرة؟ يعني هل هناك فرق بين معرفة الله التي عبر بها الجميع والتصديق بالله التي عبر بها الأشاعرة في الحقيقة؟ يسعى الأشاعرة لإثبات وجود فرق بين مفهوم معرفة الله الذي يقر به الجهمية ومفهوم التصديق بالله الذي يقول به الأشاعرة، ويجعلون التصديق بوجود الله درجة أعلى من معرفة الله، هكذا يقولون. التصديق بوجود الله هذا أعلى من معرفة الله سبحانه وتعالى، فليس كل معرفة تصديق. لكن في الحقيقة هذا الفرق، يعني ما فرق بين التصديق بوجود الله أو معرفة وجود الله؟ فرق ينكره أكثر العقلاء.
والاختلاف في الحقيقة بين الأشاعرة والجهمية في تعريف الإيمان أظنه أقرب إلى أن يكون اختلافا شكلياً، فهناك تقارب كبير بين الرأي الأشعري ورأي الجهمي في تعريف الإيمان، والاختلاف اختلاف شكلي أو بسيط جداً، لا يعني أن هناك اختلاف جذري واضح بينهم، فخاصة طبعا أحبتي الأشاعرة الذين لا يدخلون أعمال القلوب في مسمى الإيمان، يعني الأشاعرة الذين يدخلون أعمال القلوب في مسمى الإيمان فيقولون: والله المحبة والخشية والرجاء هذه داخلة في مفهوم الإيمان، ربما نقول والله هم أفضل حال من الجهمية، لكن من يقول من الأشاعرة إن الإيمان هو مجرد التصديق بالله بالقلب فهذا في الحقيقة الفرق بينه وبين الجهمية فرق شكلي ليس فرقا جوهرياً حقيقياً.
طيب إذاً عرفنا أن طائفة من المرجئة تقول إن الإيمان قول اللسان فقط، والقلب والجوارح لا تدخل، هذا رأي الكرامية. الطائفة الثانية والقول الثاني للمرجئة أن الإيمان هو ما وقر في القلب فقط، وهؤلاء صنفان: الجهمية يقولون الإيمان هو معرفة الله فقط فيعبرون بالمعرفة، والأشاعرة والماتريدية يقولون الإيمان هو التصديق بالله، ثم اختلفوا الأشاعرة والماتريدية.
جاء كما قلنا في إدخال أعمال القلوب وعدم إدخالها، وأما الإقرار باللسان وعمل الجوارح فالثابت عندهم، خاصة عند المتأخرين، أنها لا تدخل في مفهوم الإيمان البتة.
ثم دعونا نذهب إلى الطائفة أو النوع الثالث من أنواع الإرجاء. النوع الثالث هم المرجئة الذين جعلوا الإيمان مركباً من شيء، أين جعلوا الإيمان هو تصديق القلب وقول اللسان، وأخرجوا عمل الجوارح من مفهوم الإيمان. فنقول: وهذا القول -القول الثالث- الذين قالوا الإيمان هو مركب من أمرين فقط وليس من ثلاثة؛ من أمرين فقط: تصديق القلب والقول باللسان، ولا يدخل عمل الجوارح. هذا قول مرجئة الفقهاء.
جاءت الفقهاء واختلفوا في منشئه ومن أول من قال بهذا القول، والمشهور أن أول من قال به حماد بن أبي سليمان، شيخ الإمام أبي حنيفة النعمان. وهؤلاء -شف هذا النوع- أحسن أنواع المرجئة وأقربهم إلى أهل السنة؛ لأنهم جعلوا الإيمان حقيقة مركبة من الباطن وهو تصديق القلب ومن الظاهر، لكن الظاهر حصروه في قول اللسان فقط، ويقصدون أيضاً شهادة أن لا إله إلا الله بالتحديد. فنقول: هؤلاء جعلوا الإيمان حقيقة مركبة لكنها ناقصة التركيب، فهو مركب عندهم من اعتقاد القلب وقول اللسان فقط، وأما عمل الجوارح فهو شرط كمال عندهم. وأبرز من تبنى هذا التصور عن حقيقة الإيمان المدرسة الكوفية: حماد بن أبي سليمان، وتبعه في المشهور الإمام أبو حنيفة النعمان وتلاميذ أبي حنيفة النعمان رحمة الله تعالى عليه، وقريب منهم ابن حزم الظاهري؛ حيث يظهر أنه يرى أن الإيمان هو تصديق القلب وقول اللسان.
الآن هؤلاء أحبتي -مرجئة الفقهاء- لماذا هم أقرب مدارس إلى أهل السنة والجماعة؟ هؤلاء أخطأوا في فهم النصوص الواردة في الكتاب والسنة، ولم يكن خطأهم انطلاقاً من أصول عقلية كباقي الفرق الكلامية؛ الأشاعرة، الماتريدية، كذلك الجهمية، الكرامية، وانتقل حتى إلى الفرق الوعيدية كالمعتزلة بالتحديد. هؤلاء أحبتي مخالفتهم في مفهوم الإيمان نتيجة أصول عقلية فاسدة بنوا عليها تصورهم عن طبيعة الدين وطبيعة الإيمان، أصول فاسدة انطلقوا منها كما انطلقوا في أصول عقلية فاشلة في القدر وفي الأسماء والصفات، انطلقوا من أصول عقلية فاسدة في تصورهم لباب الإيمان.
إن شاء الله في المستقبل نناقش هذه الأصول العقلية الفاسدة وكيف أثرت على تفكيرهم، لكن مرجئة الفقهاء بالتحديد -جماعة أبي حنيفة النعمان وابن حزم الظاهري- في باب الإيمان أخطأوا في فهم النصوص الواردة في الكتاب والسنة، ولم يكن خطأهم أنهم انطلقوا من أصول عقلية فاسدة كباقي الفرق الكلامية. يعني كيف قلنا إن ابن قدامة رحمة الله تعالى عليه أخطأ في فهم باب الصفات أو فهم مقصود السلف في باب الصفات مع أنه لم ينطلق من أصول عقلية -ذكرنا هذا في بداية الدورة أن ابن قدامة لربما وقع في شيء من الخطأ في فهم السلف في الصفات مع أنه لم ينطلق من أصول عقلية- فكذلك أبو حنيفة النعمان ومن سار على مدرسته أخطأوا في فهم النصوص الواردة في الكتاب والسنة في الإيمان، ولم ينطلقوا من أصول عقلية فاسدة كباقي الفرق الكلامية. ومن هنا اعتبروا أقرب فرق مرجئة من أهل السنة والجماعة في باب الإيمان، حتى عد بعض أهل العلم خلاف مرجئة الفقهاء مع أهل السنة والجماعة خلافا لفظيا فقط وليس خلافا جوهريا.
طيب كيف يا شيخ يكون خلافا لفظيا مع أنهم يخرجون أعمال الجوارح من مفهوم الإيمان؟ على هذه النظرة -يعني من يرى أن الخلاف بين مرجئة الفقهاء وأهل السنة خلاف لفظي- يعلل ذلك بأن مرجئة الفقهاء وإن كانوا لا يدخلون العمل في مفهوم الإيمان كركن، لكنهم في النهاية يتفقون مع أهل السنة والجماعة في أن الأعمال واجبة ويجب الحرص عليها، وأن الإيمان حقيقة مركبة من الباطن والظاهر، وإن كان الظاهر مقصوراً على قول اللسان عندهم.
لكن في الحقيقة الخلاف بين مرجئة الفقهاء وأهل السنة ليس خلافا لفظيا، بل هو خلاف حقيقي وجوهري والله تعالى أعلم؛ لأن مرجئة الفقهاء بما أنهم أخرجوا أعمال الجوارح من مفهوم الإيمان واعتبروها شرطاً في كمال الإيمان -يعني هم أوجبوها صحيح، قالوا يجب الإنسان يعمل بأعمال الجوارح، لكنهم جعلوها شرط كمال، أخرجوها من مفهوم الإيمان- بالتالي هناك خلاف دقيق وواضح بين أهل السنة ومراجعة الفقهاء. ما هو؟ هو أن ترك جنس العمل الظاهر بالكلية؛ شخص لم يؤدِ قط في أبدا أي شكل من أشكال الفروض، ماذا يعتبره مرجئة الفقهاء؟ مرجئة الفقهاء يعتبرونه مؤمناً، بينما أهل السنة والجماعة يعتبرونه كافراً! فهذا خلاف جوهري بين مرجئة الفقهاء وبين أهل السنة.
إذاً، لا في الحقيقة أن نعود مرجئة الفقهاء خلاف ما أحدث هنا خلاف لفظي بناءً على أنه الإيمان عندهم حقيقة مركبة لكنهم أنقصوا التركيب باخراجهم عمل الجوارح. فمرجأة الفقهاء يتقاربون مع الأشاعرة والماتريدية في جعل الأعمال الظاهرة -أعمال الجوارح- شرط كمال؛ نعم يوجبونها، يفرضونها، يقولون لابد أن يأتي بها الإنسان ومن لم يأتي بها آثم، لكنهم يعتبرونها في النهاية شرط كمال. بالتالي إذاً مرجأة الفقهاء سيقولون: لو ترك الإنسان جنس العمل الظاهر بالكلية لن يخرج من دائرة الإيمان، لكن أهل السنة يقولون: إذا ترك الإنسان جنس العمل الظاهر بالكلية سيخرج من دائرة الإيمان. وسبب الخلاف بينهم هو: هل العمل ركن في الإيمان أم شرط فيه؟ فمن جعله ركنًا أخرجه من الإيمان بترك جنس العمل الظاهر، ومن لم يعده ركنًا -كمرجئة الفقهاء والمرجئة الأوائل، الأشاعرة والماتريدية- لم يخرجوه من دائرة الإيمان بمجرد تركه لجنس العمل الظاهر.
إذاً، هذا عرض سريع لأصول أو أشهر الاقوال للفكر الارجائي عبر التاريخ: فكر الكرامية وهو أن الإيمان قول اللسان فقط، الفكر الذي يقول إن الإيمان هو عمل شيء في القلب فقط واختلف الجهمية والأشاعرة في التعبير عن هذا المفهوم، والقول الثالث أن الإيمان حقيقة مركبة لكن من شيئين فقط؛ من تصديق القلب وقول اللسان، وأعمال الجوارح لا تدخل تحت مفهوم الإيمان وحقيقته، وهذا قول الفقهاء مدرسة أبي حنيفة النعمان رحمة الله تعالى عليه.
بعد هذا الاستعراض السريع لأقوال المرجئة، نقول: الأصول التي تنطلق منها الفرق الإرجائية عموماً بمختلف أشكالها، الأصول التي تنطلق منها الفرق الإرجائية في مفهوم الإيمان أولاً: الإيمان عند الفرق الإرجائية في أكثرها ليس حقيقة مركبة من الظاهر والباطن؛ يعني أكثر الفرق الإرجائية مشكلتها أنها ترى الإيمان ليس حقيقة مركبة من الظاهر والباطن، بل هو إما الباطن فقط كما ذهب إلى ذلك الجهمية والأشاعرة والماتريدية، وإما الظاهر فقط كما ذهب إلى ذلك الكرامية لما قالوا إن الإيمان هو قول اللسان فقط، لكن نستثني الطائفة الثالثة وهي مرجئة الفقهاء، فهؤلاء رأوا أن الإيمان حقيقة مركبة من القلب واللسان فقط، فجعلوه مركباً لكنه ناقص التركيب.
والمشترك بين هؤلاء الثلاثة حقيقة هو اتفاقهم على إخراج عمل الجوارح من حقيقة الإيمان؛ يعني لو أتينا بمخطط: ما هو المشترك بين مرجئة الفقهاء والأشاعرة والماتريدية والجهمية والكرامية؟ بين هذه الأقوال الثلاثة، المشترك بينها جميعاً أن عمل الجوارح خارج عندهم عن مفهوم الإيمان، ثم بعد ذلك اختلفوا؛ فمنهم من رأى الإيمان حقيقة مركبة من تصديق القلب وقول اللسان فقط فهو مركب لكنه ناقص التركيب، وهذه طريقة مرجئة الفقهاء. ومنهم من رأى أنه ليس مركباً، بل الإيمان شيء واحد، وهؤلاء اختلفوا على طائفتين: منهم من جعل هذا الشيء الواحد قول اللسان فقط وهذه طريقة الكرامية، ومنهم من جعل هذا الشيء الواحد هو شيء ما وقر في القلب، وعبر عنه الجهمية بمعرفة القلب، وعبر عنه الأشاعرة بأنه تصديق القلب فقط.
الأصل الثاني أحبتي الذي انطلق منه الفكر الإرجائي عموماً هو أنهم يقولون: إن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، وافقوا في ذلك الفرق الوعيدية، والفرق الوعيدية اتفقت على أن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان وخالفوا في ذلك أهل السنة والجماعة. فالمرجئة بمختلف أنواعها يقولون: الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، بل هو حقيقة واحدة ثابتة لا تتفاوت من شخص إلى آخر ولا في الشخص الواحد.
طب دعونا نطبق هذه القاعدة على أقوال المرجئة المختلفة: من قال من المرجئة إن الإيمان هو ما في القلب فقط كالاشاعرة أو الجهمية؟ من قال منهم مثلاً إن الإيمان هو تصديق القلب فقط؟ الأشاعرة والماتريدية يقولون: الإيمان هو تصديق القلب، وتصديق القلب لا يقبل الزيادة والنقصان، لا يتفاوت. فتصديق الناس جميعاً بالله سبحانه وتعالى على نفس الدرجة على نفس المرتبة، بالتالي إيمان الناس جميعاً على نفس الدرجة على نفس المرتبة، بالتالي إيمان أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه كإيمان أي واحد منا! وهذا مفهوم خطأ واضح، فإن تصديق القلب بالله سبحانه وتعالى يتفاوت بين أهل الإيمان؛ فهناك من يكون في أعلى درجات التصديق وهو الذي وصل إلى مرتبة الإحسان من يعبد الله سبحانه كأنه يراه، وهناك من هو دون ذلك في التصديق بوجود الله.
ويزداد التصديق كلما تدبر الإنسان في الآيات الشرعية وفي الآيات الكونية وكان مقبلاً على طاعة ربه سبحانه وتعالى، فيرزقه الله سبحانه وتعالى من تصديق القلب وثقته به ما لا يرزق غيره من المؤمنين الذين عندهم أصل التصديق بالله لكنهم أعرضوا عن التدبر في الآيات الكونية والآيات الشرعية فلم يرتقِ تصديقهم، ثم لم يستحكم من قلبهم استحكام الصحابة الأوائل ومن بذل جهده ووقته في النظر والتدبر في آيات الله سبحانه وتعالى والاقبال والاعتبار بنصوص شرعه.
إذاً أحبتي، تصديق القلب عند أهل السنة والجماعة يقبل التفاوت والنقصان، لكن عند الأشاعرة ومن سار على دربهم لا يقبل -الأشاعرة لا يقبل الزيادة والنقصان-. كذلك الجهمية الذين قالوا الإيمان هو معرفة القلب -ما قالوا التصديق، قالوا المعرفة- قالوا معرفة الله لا تقبل الزيادة والنقصان، فإما أن يعرف القلب ربه وإما ألا يعرف القلب ربه، بالتالي هو أيضاً تقليص مما يتفاوت.
طيب، الذين المرجئة -نذهب إلى قول آخر-: المرجئة الذين قالوا إن الإيمان هو قول اللسان فقط، الكرامية قالوا: قول اللسان وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وهذا لا يقبل الزيادة ولا نقصان؛ إما أن يقول وإما ألا يقولها، وهذا واضح على أصلهم، وهذا واضح على أصلهم يعني على قول الكرامية واضح جداً أن الإيمان لا يقبل الزيادة ولا نقصان لأنه مجرد النطق بالشهادة.
كذلك مرجئة الفقهاء؛ مرجئة الفقهاء الصحيح عندهم أن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان كإيمان؛ كإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان. نعم، هناك زيادة ونقصان عندهم في درجات الكمال بالنسبة للأعمال، لكن الأعمال خارجة عن مفهوم الإيمان، بالتالي يرون أن الإيمان واحد يشترك فيه الناس. وقد عبر أبو جعفر الطحاوي رحمة الله عليه عن هذه العقيدة في طحاويته العقيدة المشهورة لما قالوا: والإيمان واحد وأهله في أصله سواء. فإذاً، الإيمان كمفهوم حتى عند مرجئة الفقهاء هو تصديق القلب وقول اللسان وهو لا يقبل الزيادة والنقصان، وإنما الزيادة والنقصان تكون في الأعمال التي هي خارجة عند مرجئة الفقهاء عن حقيقة الإيمان ومفهومه.
وكذلك قالت مرجئة الفقهاء بأن التصديق وقول اللسان لا يقبل التفاوت، وهم في ذلك كما قلنا خالفوا أهل السنة والجماعة واتفقوا مع الوعيدية؛ فإن أهل السنة والجماعة يرون أن الزيادة والنقصان تكون في قول القلب وهو التصديق، والزيادة والنقصان تكون في أعمال القلوب من المحبة والخوف والرجاء والتوكل، والزيادة والنقصان عند أهل السنة تكون في قول اللسان من الذكر وتلاوة القرآن -فالناس تتفاوت في ذكر الله سبحانه وتعالى وتلاوة القرآن وغير ذلك من الأعمال اللسانية-. الإيمان يتفاوت بالنسبة لأعمال الجوارح؛ فهناك من يجتهد في طاعة الله وقيام الليل والقراءة والجهاد في سبيل الله وطلب العلم والسعي في هذه الدروب، وهناك من يقل جهده وأثره في هذه الأبواب فينقُص إيمانه بالتالي عن زميله، بل حتى في داخل الشخص الواحد يكون هناك زيادة في فترات من إقبال على الله سبحانه وتعالى وإنابة إليه، وإكثار من قيام الليل وتلاوة القرآن، وتأتي هناك ساعات على الإنسان يضعف فيها منسوب أعمال القلوب ومنسوب أقوال اللسان وأعمال الجوارح فيضعف وهكذا.
إذاً، أهل السنة والجماعة يقرون بالزيادة والنقصان في جميع مكونات الإيمان، واما الفرق الوعيدية فإنها تنكر الزيادة والنقصان. وأستثني -وإنا أستثني للأمانة العلمية- أقول: فيه ذهب بعض الأشاعرة -الذين يقولون إن الإيمان هو تصديق القلب فقط- ذهب بعضهم إلى أن تصديق القلب يقبل التفاوت، يقبل الزيادة والنقصان، وهذا رأي ذهب إليه النووي من الأشاعرة، وتاج الدين السبكي، والإيجي، واللقاني. إذاً بعض الأشاعرة الذين قالوا إن الإيمان هو التصديق فقط يرون أن التصديق يقبل الزيادة والنقصان، فهم بالتالي يعني اتفقوا مع أهل السنة في الزيادة والنقصان بالنسبة لتصديق القلب، لكن أهل السنة والجماعة يرون أن الزيادة والنقصان أشمل من ذلك، فإن الزيادة كما قلنا قد تكون في قول القلب، في عمل القلب، في قول اللسان، عمل الجوارح.
وأما الأشاعرة فإنهم متفقون على أن الإيمان هو تصديق القلب، وأكثرهم وجمهورهم لا يدخلون قول اللسان ولا عمل الجوارح، بالتالي قالوا: الإيمان هو تصديق القلب. والذين قالوا إن الإيمان تصديق القلب أكثرهم لا يرون أنه يقبل الزيادة والنقصان، وبعضهم وهم قلة...
تاج الدين السبكي والايجي واللقاني قالوا بأنه لا، حتى لو قلنا الإيمان هو تصديق القلب؛ إذا هو يقبل الزيادة والنقصان، وخالفوا كثيراً من السابقين. إذاً أحبتي، هذا خلاصة قول المرجئة. هذه خلاصة قول الفرق الوعدية، عرفنا أهم أقوال المرجئة، وعرفنا الأصول التي خرجوا منها.
الأصول باختصار استطيع أن أجملها لربما بطريقة أخرى، أن المرجئة بانواعهم المختلفة يجمعهم أمران؛ الأمر الأول: أن أعمال الجوارح لا تدخل عندهم في مفهوم الإيمان بمختلف أنواعهم وأقوالهم، الكل متفق على أن أعمال الجوارح لا تدخل في مفهوم الإيمان، وإنما هي شرط كمال كما يعبر بعضهم.
الثاني: أن الإيمان لا يقبل الزيادة ولا النقصان، طبعا بالتالي سيثمر ذلك ترك جنس العمل الظاهر بالكلية، وهذه خطورة الفكر الارجائي على الأمة؛ أنهم يرون أن الإنسان يمكن أن يكون مؤمناً ولو أنه لم يفعل أي عمل ظاهر وأي واجب من الواجبات والفرائض التي أوجبه الله عز وجل عليها. وهذا خطأ كبير وانحراف أنكم تأصلون بهذه الطريقة للناس، أنكم تستطيعون أن تكونوا مؤمنين حتى ولو أشغلتكم الحياة الدنيا بالكلية ولم تتقربوا إلى ربكم بأي شكل أشكال التقرب، ما دام أنكم مصدقون في قلوبكم. وهذا منهج خاطئ ومنحرف أحبتي في فهم طبيعة الإيمان، فإن الله سبحانه وتعالى لم يرد أن يكون الإيمان به مجرد تصديق بالقلب من دون أن يظهر أثر أو شكل من أشكال هذا التصديق على جوارح الإنسان، بل لا يمكن أن يكون الإنسان كما قلنا أصالة مصدقاً حقاً بالله سبحانه وتعالى، ويعلم أن الله أوجب عليه واجبات وفرائض، ومعرض عن هذه الواجبات بالكلية، لا يمكن أن يكون مصدقاً حقاً هكذا جبل هذا الإنسان وطبع على هذا النهج، أنه إذا صدق فلابد أن يظهر آثار لهذا التصديق على لسانه وجوارحه لا محالة.
فالمرجئة إذاً يسولون للناس ترك العمل، يجعلون هناك مبرراً لهم ليتكاسلوا وليتباطؤوا ولينكبوا على ملذات الحياة الدنيا، فما دامت الطاعات والفرائض والصلوات وإن قلنا أنها واجبة هي مجرد تحقيق كمالات ودرجات جنات النعيم والتقصير بها لن يجعلنا خارجين عن دائرة الإيمان، فهذا كما قلنا يجعل الإنسان مبرر ويسوغ له ويسهل عليه التقصير والتفريط في حق ربه سبحانه وتعالى متكلا على تصديق قلبه، فلابد إذاً من تصحيح هذا المفهوم وبيان أن الإرجاء عبر تاريخ الأمة كان سبباً في ضعفها وانهزامها وتباوهتا عن نصرة دين ربها سبحانه وتعالى وعن العمل والجهاد في سبيل الله.
لأن المرجئة إشكاليتهم في بابين؛ في أنهم جعلوا ترك الأعمال الظاهرة بالكلية ليس مخرجا من دائرة الإيمان. وفي المقابل -وهذا لم أتطرق إليه حتى لا يطول الكلام- في المقابل لا يرون أن هناك عمل من أعمال الجوارح يمكن أن يخرج الإنسان من دائرة الإيمان، لماذا؟ لأنه هذا طبعا هو فرع عن النتيجة السابقة، لأنه بما أن الإيمان هو تصديق القلب فقط بالتالي أعمال الجوارح لا يمكن أن تكون مكفرة بناء على فكرهم. وما قالوا عنه أنه مكفر من أعمال الجوارح فليس العمل عندهم هو المكفر، العمل عندهم لا يمكن أن يكون مكفراً، بل بعضهم يقول إن هناك أعمال تصدر من الإنسان والعياذ بالله شتم الذات الإلهية أو ما شابه ذلك هي ليست بذاتها كفراً وإنما هي تدل على انتفاء التصديق من القلب، فيردون الكفر إلى انتفاء التصديق من القلب وليس لأن نفس العمل هو بحد ذاته كفر، وهذه ربما نتطرق إليه في المستقبل وأثر الفكر الإرجائي في هزيمة الأمة في ضعفها في تراجعها.
إن الفكر الإرجائي كما قال سعيد بن المسيب: دين الملوك يصيبون به من دنياهم. وساختم هذه المحاضرة بهذا التنبيه، وهو أن الفرق الإرجائية أحبتي تنبز أهل السنة والجماعة الذين يدخلون العمل في دائرة الإيمان بانهم خوارج. وهذا نقله لأحد الطلبة عن محاضر جامعي يحضر معه في هذه البلاد، يقول أن المحاضر الجامعي يسير على طريقة الأشاعرة، وأخبرهم أن من يقول إن العمل داخل في مفهوم الإيمان هذا يسير على طريقة الخوارج، وهذه كلمة كبيرة والله كبيرة وخطيرة سيلقى الله عز وجل بها، لأن ادخال العمل في مفهوم الإيمان هذا ليس طريق طائفة أو شيخ أو فلان أو فلان، بل هذا مفهوم الإسلام العظيم، هذا دين محمد صلى الله عليه وسلم الذي أراده الله وصار عليه الصحابة والتابعون، فان تنبز هذه الطريقة وهذا المنهج السديد بأنه هو طريقة الخوارج فهذا يدل على انك لا تعرف من هم الخوارج، وسيحملک عبء هذه الكلمة أمام الله سبحانه وتعالى، فرب كلمة يتكلم بها الرجل لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفا.
فإن عقيدة أهل السنة والجماعة عقيدة مستقاة من نصوص الكتاب والسنة، ولم يتجاوزوا فيها عن الصحابة والتابعين قيد أنملة. وهناك أيضاً دعوة قديمة يطلقها الفرق المبتدعة عموماً على أهل السنة والجماعة ولقب دائماً ينبذونهم به، غير أنهم يسمونهم خوارج، وهناك لقب كثيراً ما تجدونه في كتب الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة يرمون به أهل السنة والجماعة؟ يقولون بأنهم حشوية. وهذه طريقة أهل البدع، وهو أنهم يسعون دائماً أن يشوهوا منهج أهل السنة والجماعة من خلال إطلاق الألقاب التنفيرية عنه، لأن ضعاف العقول من طلبة العلم والمبتدئون في هذا الميدان حينما يسمعون هذه الألقاب المنفرة ترمى على أهل السنة والجماعة؛ أنهم حشوية، أنهم خوارج، أنهم أنهم، هذا ينفرهم من سلوك مسلك أهالي السنة والجماعة، يظنون أن من نبذ بهذه الاقوال ومن رمى بها هم أهل الحق، وهذه طريقة أهل الضلال وأهل البدع وأهل الري في كل زمان وفي كل مكان.
كفار قريش قالوا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن كلامه سحر وانه مجنون وانه شاعر، حاولوا أن يصدوا الناس عن النبي عليه الصلاة والسلام بإلقاء كل الألقاب التشنيعية على كلامه ودعوته وهديه، وكذلك حال أهل البدع في كل زمان ومكان متى أتوا إلى طريقة أهل السنة والجماعة رموها بأقبح الألفاظ وأقبح الأوصاف ونبزوها وحاولوا أن يشوهوها بالألفاظ، وإن كانت ستبقى ساطعة في السماء لأنها عقيدة عقلية نقلية فطرية ضرورية. ودعوني اختم بنقل عن أبي زرعة الرازي رحمة الله تعالى عليه المتوفى مائتان وأربعة وستين، وهو من أقران الإمام أحمد ومن أئمة السلف ومن أئمة الحديث، ولا أحد يجهل أبو زرعة، ماذا يقول أبو زرعة عن هؤلاء الذين ينبزون أهل السنة والجماعة لأنهم حشوية؟
يقول رحمة الله تعالى عليه: وعلامة أهل البدع عموماً الوقيعة في أهل الأثر. أي علامة الرجل المبتدع أنك تجده دائماً يقلل من شأن من ينشغل بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصفه بأنه جامد رجعي لا يفقه شيئاً، حامل كتب، إلى غير ذلك من الألفاظ التي ينبزون بها علماء الحديث وعلماء الأثر الذين يتمسكون بما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نتمسك به؛ كتاب الله وسنته عليه الصلاة والسلام. فعلامة أهل البدع عموماً أنهم يقعون في أهل الأثر، يزعمون أنهم عقلانيون، أنهم متنورون، أنهم أصحاب العقول العالية، أنهم دخلوا في العلوم الفلسفية فاستطاعوا أن يجولوا فيما لم يجل عليه من تمسك بالسنة النبوية، وهذا كما قلنا ظلمات بعضها فوق بعض.
يكمل أبو زرعة ويقول: وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل السنة حشوية، يريدون بذلك إبطال الآثار. كلمة كبيرة جداً وتوصيف خطير من أبي زرعة الرازي لهؤلاء الذين يسمون أهل السنة والجماعة بأنهم حشوية، يقول أبو زرعة: وعلامة الزنادقة -لا يقول علامة أهل البدع أو علامة أهل الانحراف- يقول: وعلامة الزنادقة، فكأن هذه الكلمة أن تسمي أهل السنة وأهل الحديث بأنهم حشوية كلمة تداني الكفر، هكذا صرح أبو زرعة الرازي رحمة الله عليه وهو إمام عالم صاحب عقيدة معروفة عند أهل السنة والجماعة مكتوبة، صح أن يقول عن الذين يسمون أهل السنة بانهم زنادقة.
كلمة كبيرة عند الله سبحانه وتعالى، كبيرة في الشرع، ليحترس، يعني هاي فقط نصيحة أقدمها لكل إنسان يخالف درب أهل السنة والجماعة ويتبع الطرق البدعية، حتى لو خالفت أهل السنة والجماعة حاول أن تكون راقياً في كلامك حتى لا تقع في مثل هذه المنزلقات الخطيرة، فإنك ترمي أهل الحديث ومن انشغل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم بألقاب قد توصلك إلى الكفر لأن فيها تقليل من الاهتمام بأحاديث محمد صلى الله عليه وسلم، استهانة بهذا الانشغال مع أنه أعظم انشغال وأكبر شيء يمكن أن تفعله في حياتك أن تقبل على محمد صلى الله عليه وسلم تنهل منها وتتبصر بها حقائق الدين، أن يصبح هؤلاء حشوية هذا معناه هناك انحراف كبير في مفهومك في نهجك في طريق ثقتك في الحياة.
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا دائماً على طريقة أهل السنة والجماعة، وأن يجعلنا ممن تحلوا بالأدب والأخلاق الرفيعة، اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. في المحاضرة القادمة بإذن الله نبدأ بباب السمعيات، وقد قاربت رحلتنا من نهايتها، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل