تسجيل الدخول

شرح لمعة الاعتقاد (28) / مسائل السمعيات

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمدُه سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب لمعة الاعتقاد للإمام الموفق الدين ابن قدامة المقدسي الصالحي رحمة الله تعالى عليه. في بداية هذه الدورة أحبتي وحينما تكلمنا عن المبادئ العشرة لعلم الاعتقاد، ذكرنا في المبدأ الثاني موضوع علم الاعتقاد، وذكرنا أن علم الاعتقاد له ثلاثة مواضيع وليس موضوعاً واحداً.

هذه المواضيع الثلاثة كانت أولاً الذات الإلهية. هذا أول محور وأول موضوع من مواضيع علم الاعتقاد: الذات الإلهية من حيث ما تستحق من الأسماء الحسنى والصفات العلى، وما يجب تنزيهها عنه من النقائص، وما تستحق من التوحيد ونفي الشرك، ويدخل في هذا الحديث عن القضاء والقدر باعتباره من أفعال الذات الإلهية سبحانه وتعالى. فهذا المحور الأول أو الموضوع الأول لعلم الاعتقاد؛ الذات الإلهية بكل ما يتعلق بها من أسماء حسنى وصفات علا، وما تتنزه عنه من النقائص والعيوب، وما تستحقه من التوحيد ونفي الشرك، ويدخل في ذلك الحديث عن القضاء والقدر لأنه فعل من أفعال الله سبحانه وتعالى في هذا الكون.

وصاحبنا ابن قدامة رحمة الله تعالى عليه فرغ من الحديث عن هذا المحور، فتكلم فيما سبق -طبعاً الرسالة مختصرة أحبتي ولم يستوعب الحديث عن كل تفاصيل هذا المحور ومتعلقاته- وإنما تكلم أولاً عن قواعد باب الأسماء الحسنى والصفات العلى، ثم انتقل للحديث عن مسائل القضاء والقدر، ثم ختم الحديث بمفهوم الإيمان وذكر شيئاً من حقيقته ومقتضياته.

فإذاً كل رحلتنا السابقة مع ابن قدامة رحمة الله تعالى عليه كانت تدور حول المحور الأول: الذات الإلهية من حيث ما تستحقه من الأسماء الحسنى والصفات العلى وما تنزه عنه، ثم الكلام عن القضاء والقدر باعتباره فعلاً من أفعال الله سبحانه وتعالى، ثم ختمنا الحديث بمفهوم الإيمان وذكرنا شيئاً من حقيقته ومقتضياته. هذا كله في المحور الأول، في الموضوع الأول من مواضيع علم الاعتقاد: الذات الإلهية.

سينتقل الآن ابن قدامة رحمة الله تعالى عليه إلى المحور الثاني، إلى الموضوع الثاني من مواضيع علم الاعتقاد، وهو ما يعرف بباب السمعيات. باب السمعيات وموضوع السمعيات هو الموضوع الثاني الذي يتطرق إليه علم الاعتقاد. ويقصد بالسمعيات كما ذكرنا سابقاً أنها المسائل العقدية التي يتوقف العلم بها على الخبر والنقل، ولا يمكن للعقل أن يصل إليها بنفسه ابتداء، وإنما يتلقاها الإنسان من السمع، أو كما يقول البعض من الخبر، أو كما يقول البعض من النقل، كله صحيح.

المهم أن مسائل السمعيات كما ذكرنا بطبيعتها مسائل لا مجال للعقل لأن يثبتها ابتداء بنفسه، وإنما يتلقاها العقل من النقل تماماً. لكن هنا تنبيه مهم، وهو أن العقل وإن كان لا يدركها ابتداء بنفسه أو لا يستقل بادراكها وحده، لكنه في نفس الوقت لا يحكم بامتناعها ولا يقول إنها مستحيلات عقلية؛ ففرق بين أن نقول العقل لا يدركها بنفسه لكنه لا يحكم باستحالتها، وبين أن نقول إن العقل يحكم باستحالتها، هذا موضوع مختلف تماماً عن هذا الموضوع.

فإذاً باب السمعيات؛ مسائل نتلقاها من السمع، من النقل، من الخبر عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، والعقل لا يستقل بادراكها ابتداء، ولكنه في نفس الوقت لا يحكم باستحالتها، لا يقول إن هذه الأمور التي وصلت إلينا بالنقل الصحيح من الممتنعات العقلية أبداً، كتفاصيل مثلاً اليوم الآخر وما يتعلق بذلك من الجنة والنار، كذلك أشراط الساعة وحياة البرزخ، وساذكر إن شاء الله المواضيع التي يدرسها باب السمعيات بعد قليل.

ثم بعد أن ينتهي ابن قدامة من تأصيل باب السمعيات وما يدخل تحته عن بعض تفاصيله، سينتقل إلى الموضوع الثالث والأخير من مواضيع علم الاعتقاد، وهو النبوات، ويتكلم فيه عن إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كيف يكون ذلك؟ وما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم من الحقوق، ثم ما يتبع ذلك من الحديث عن أزواجه عليه الصلاة والسلام وحقوق الأزواج، والصحابة الكرام وحقوق الصحابة، وبعض المسائل الختامية التي سينهي بها ابن قدامة رحلته في هذا المصنف اللطيف.

نقول إذاً أحبتي نحن الآن سنبدأ في الموضوع الثاني من مواضيع علم الاعتقاد، ألا وهو مسائل السمعيات. وقبل أن ألج في المسائل التي ذكرها ابن قدامة رحمة الله عليه من مسائل السمعيات وأفصل فيها، لابد أن أذكر مجموعة من التأصيلات في بداية هذا الباب، لابد أن نذكر مجموعة من التأصيلات الخفيفة بإذن الله في بداية هذا الباب قبل أن نلج في عمقه، فنقول مستعينين بالله.

قبل الخوض في تفاصيل مسائل السمعيات التي ذكرها ابن قدامة، لابد من التحدث عن مجموعة من القضايا التأصيلية؛ سنؤصل الآن في هذا الباب. أولاً، أول قضية تأصيلية: ما هي المواضيع التي يغطيها باب السمعيات وتدخل في مجاله؟ هذا السؤال الأول الذي سنطرحه؛ ما هي المواضيع التي يغطيها باب السمعيات وتدخل ضمن مجاله؟

فنقول أحبتي باب السمعيات يتكلم عن مجموعتين من القضايا عموماً. المجموعة الأولى: القضايا التي تتعلق اليوم الآخر. والمقصود باليوم الآخر هنا في هذا الموطن حينما نقول اليوم الآخر، ما المقصود به؟ والمقصود باليوم الآخر هنا كل ما يكون بعد موت الإنسان من الحياة البرزخية حتى يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، كل المراحل التي تمر بالانسان من لحظة موته ودخول القبر حتى يدخل الجنة أو النار، هذا هو المقصود باليوم الآخر في عرف علماء الاعتقاد حينما يبحثون في هذه المسائل.

الآن في نصوص القرآن والسنة لما يقول اليوم الآخر المعروف اليوم الآخر يوم القيامة. لكن في عرف اصطلاح علماء الاعتقاد حينما يقولون مسائل السمعيات تتكلم عن اليوم الآخر، يقصدون باليوم الآخر دون بحثهم الكلام عن لحظة موت الإنسان ودخول حياة البرزخ إلى يوم القيامة إلى أن يدخل أهل الجنة وأهل النار النار، نسأل الله أن نكون من أهل السعادة الأبدية. إذاً المجموعة الأولى التي يغطيها باب السمعيات: القضايا التي تتعلق باليوم الآخر، والمقصود باليوم الآخر هنا كل ما يكون بعد موت الإنسان من حياة برزخية إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.

المجموعة الثانية التي يغطيها باب السمعيات أيضاً هي القضايا التي -ركزوا معي فيها- وقعت سابقاً في الحياة الدنيا، أو ستقع في المستقبل في الحياة الدنيا ولا سبيل للعقل لإدراكها إلا من جهة السمع. مرة أخرى؛ المجموعة الثانية التي يغطيها باب السمعيات هي قضايا ومسائل وقعت في الحياة الدنيا سابقاً أو ستقع في الحياة الدنيا لاحقاً، والعقل لا يستقل بإدراكها، وإنما يتلقى وقوعها من السمع والخبر الصحيح عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

طيب الآن ساعطيكم أمثلة على مسائل وقعت سابقاً في الحياة الدنيا ونتلقاها بالخبر والنقل ولا مجال للعقل لأن يستقل بإدراكها، مثال ذلك: حادثة الإسراء والمعراج وما وقع فيها من التفاصيل في السماوات العلى، ومن لقي النبي عليه الصلاة والسلام، ومن رآهم النبي عليه الصلاة والسلام يعذبون في قبورهم إلى آخر المسائل التي وردت في الأحاديث الصحيحة المتعلقة بقضية الإسراء والمعراج.

الآن يقول العلماء قضية الإسراء والمعراج وما فيها من التفاصيل قضية تدرك بالسمع والخبر، والعقل وحده لا يستطيع أن يستنبطها؛ لو جلست وحدك تفكر إلى الصباح قضية الإسراء والمعراج وكيف أثبتها وما شابه ذلك، لن يستطيع العقل أن يثبتها وحده، وإنما عليه أن يتلقى تفاصيلها وأخبارها بالنقل عن الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه. فهذا مثال على قضية سمعية وقعت سابقاً في الحياة الدنيا والعقل لا يستطيع أن يدركها بنفسه، يعني الإسراء والمعراج لا يستنبطه العقل استنباطاً، ربما هناك بعض الإشكال عند بعض الطلبة.

الآن مثلاً أحبتي قضية وجود الله سبحانه وتعالى؛ قلنا الفطرة تدل على وجود الله، والعقل حينما ينظر ويتأمل في الحياة الدنيا والآيات الكونية والأرضية يدرك وجود خالق لهذا الكون حتى ولو لم يأت نبي إليه، يستطيع العقل بما وهبه الله عز وجل من قدرات استدلالية أن يعرف وجود إله لهذا الكون من خلال النظر في الأحكام الإتقان إلى آخر الأدلة التي يذكرها أهل العلم.

لكن الإسراء والمعراج لو لم يأتِك نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوقوعه، هل يستطيع عقلك أن يدركه وأن يستنبطه بالنظر في هذا الكون؟ لا يمكن لعقلك أن يستنبطه لأنها بطبيعتها قضية سمعية نقلية، فهذا المراد أن العقل لا يستطيع أن يدركها، ليس معنى أن العقل لا يحكم باستحالتها؟ كلا، العقل لا يدركها بمعنى أنه لا يستقل بنفسه في إثباتها ووقوعها، وإنما يحتاج إلى أن يأتي الخبر بها، فإن جاء الخبر بها فإن العقل لا يحكم باستحالتها ولا بامتناعها عقلاً لأنها ليست من الممتنعات العقلية تماماً.

كذلك مثلاً ما سيذكره ابن قدامة رحمة الله تعالى عليه؛ ما ورد في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم عن قصص الأنبياء السابقين كقصة لطم موسى عليه السلام لملك الموت، سيعالجها ابن قدامة رحمة الله عليه ونعالجها بشكل مفصل، كذلك مثلاً المحاجة التي وقعت بين آدم وموسى، الله سبحانه وتعالى بسبب الذنب الذي فعله آدم عليه السلام فكان سبباً لنزولنا على الأرض، فموسى أراد أن يعاتبه فحجه آدم كما جاء في الحديث الصحيح.

إذاً قصة موسى مع آدم عليه السلام والمحاجة بينهما، فهذه كلها أمور نعتبرها أمور وقعت وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن وقوعها. ولربما قصة المحاجة بين آدم وموسى لا تعتبر ضمن الحياة الدنيا، وإنما تعتبر من قبيل ما هو مكتوم عنا في حياة البرزخ وعند الله سبحانه وتعالى، فقد لا تصلح هذه مثالاً على ما وقع في الحياة الدنيا، أما الإسراء والمعراج ولطم موسى لملك الموت هذا شيء وقع في الحياة الدنيا سابقاً.

أما المحاجة بين آدم وموسى ففعلاً هي لا تدخل ضمن مجادل الحياة الدنيا، بل ندخلها في المجموعة الأولى: المسائل التي تتعلق باليوم الآخر لأنها من الأمور البرزخية والله تعالى أعلم. طيب الآن أعطيتنا يا شيخ أمثلة على أمور وقعت في الحياة الدنيا، طب أمثلة على أمور ستقع في الحياة الدنيا؟ علامات الساعة؛ علامات الساعة الصغرى والكبرى والتي تقع في آخر الزمان وذكرها النبي عليه الصلاة والسلام، أيضاً لا يستقل العقل بإدراكها، يعني لا يستطيع الإنسان بعقله أن يستنبط علامة من علامات الساعة، بل لابد بأن يتلقى هذه العلامات وهذه الأشراط من النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تماماً.

إذاً عرفنا المجالات التي يغطيها باب السمعيات؛ المجال الأول: القضايا التي تتعلق باليوم الآخر وعرفنا اليوم الآخر يبدأ من القبر إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. المجموعة الثانية: المسائل والقضايا التي تتكلم عن أمور وقعت سابقاً في الحياة الدنيا أو ستقع في الحياة الدنيا لاحقاً ولا يستطيع العقل أن يستقل بإدراكها، فهذه أو هاتان المجموعتان تدخلان تحت باب السمعيات ويفصل فيهما علماء الحديث في كتب العقائد.

إذاً انتهينا من السؤال الأول: ما هي المواضيع التي يغطيها باب السمعيات وتدخل ضمن مجاله؟ نذهب الآن إلى السؤال الثاني. السؤال دقيق؛ هو هل تسمية هذا النوع من المسائل العقدية بالسمعيات ورد عن السلف الصالح؟ أعيد السؤال مرة أخرى: هل تسمية هذا النوع من المسائل العقدية بالسمعيات ورد عن السلف؟ هل نجد أحمد بن حنبل أو الشافعي أو مالك أو سفيان الثوري أو علماء الاعتقاد الأوائل سموا هذه المسائل العقدية التي لا يستطيع العقل أن يستقل بإدراكها، هل نجد أحداً منهم سماها بالسمعيات؟ طيب ما هو الجواب؟

نقول: لم يرد عن السلف الصالح إطلاق مصطلح السمعيات على هذا النوع من المسائل التي لا يستقل العقل بإدراكها، وأكثر من استعمل هذا المصطلح مصطلح السمعيات وأطلقه على هذا الباب واحتفى به المدارس الكلامية حقيقة في مصنفاتهم، في أبحاثهم المتعلقة بقضايا اليوم الآخر وما وقع وسيقع في الحياة الدنيا.

طب إذاً يا شيخ بما أن هذه التسمية لم ترد عن السلف الصالح وأكثر من استعملها وتداولها علماء الكلام أو أهل الكلام، فهل يجوز لنا أن نستعملها؟ ما هو الجواب؟ نقول أحبتي ابتداء لا حرج في استعمال هذا المصطلح مصطلح السمعيات واطلاقه على هذه المسائل، ما دامت القضية مجرد تسمية اصطلاحية ليست تعبدية، لكن بشرط -يعني اطلاق هذا المصطلح ما عندنا فيه مشكلة- لكن بشرط ما هو؟

الشرط هو ألا يتوصل بهذه التسمية إلى معنى فاسد، فإن كثيراً ممن استعملها من أهل الكلام أراد أن يصل إلى معنى فاسد. ما هو المعنى فاسد يا شيخ؟ إذاً يشترط ألا يتوصل بهذه التسمية إلى معنى فاسد، وهو أن يراد اختصاص هذا الباب بحد ذاته تلقيه من السمع والنقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما أبواب الاعتقاد الأخرى -كالكلام عن ما تستحقه تأتي إلي من الأسماء والصفات وكذلك مسائل القضاء والقدر وكذلك مسائل الإيمان- وأما الأبواب العقائدية الأخرى فتتلقى من العقل.

أها، إذاً هناك من أطلق هذه التسمية أو كثير ممن أطلق هذه التسمية من أهل الكلام، قصد باطلاقها معنى فاسداً، وهو أنه أراد التفريق.

بين هذه الأبواب وهذه المسائل التي لا يستقل العقل بإدراكها وبين الأبواب العقدية الأخرى في منهجية التلقي والبناء العقدي؛ فأهل الكلام يقولون: هناك مسائل تتلقى بالعقل وهناك مسائل تتلقى بالسمع، ويجعلون هذه المسائل هي التي تتلقى بالسمع مسائل الغيب، وأما المسائل التي تتكلم عن ذات الله سبحانه أو أسماء وصفاته بالقضاء والقدر فهذه مجالها العقل. وهذا أو هذه القسمة قسمة فاسدة غير مقبول، وإطلاق السمعيات هذا المعنى إطلاق فاسد لا نقبله، وإطلاق السمعيات بهذا المعنى وبهذا القصد إطلاق فاسد لا نقبله أبدا.

إذن فإن كثيرا ممن أطلق هذه التسمية من أهل الكلام قصد المعنى الفاسد وهو التفريق بين هذا الباب والأبواب العقدية الأخرى في منهجية التلقي والبناء العقدي، فالأبواب الأخرى تبنى بالعقل وهذا الباب هو الذي يبنى بالسمع هكذا يريدون القول. وهذا مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة أحبتي، لماذا؟

فإن النقل والحديث والسمع عموما النقل أنا أعتبره كلمة أعم من الحديث؛ لأن الحديث خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، والنقل يشمل الكتاب والسنة، لذلك كلمة النقل أدق، فنقول: فإن النقل والسمع أصل أصيل في كل الأبواب العقدية وليس في هذا الباب فقط. وهذا هو الخلاف المنهجي بين أهل السنة والجماعة وأهل الكلام، نعم نحن نعترف أن حضور الأدلة العقلية وإمكانية الاستدلال بها في الأبواب الأخرى أكبر بكثير من توظيفها واستعمالها في هذا الباب، هذا أمر نقر به.

إمكانية استعمال الأدلة العقلية وتوظيفها في الأبواب الأخرى كالاستدلال على وجود الله سبحانه أو الاستدلال على بعض الصفات نعم، وجود الأدلة العقلية في الأبواب الأخرى وإمكانية توظيفها أكبر بكثير من استعمالها في هذا الباب؛ لأن طبيعة هذا الباب تحكمنا أنه سمعي نقلي، هذا لا نخالف فيه، لكن هذا لا يعني أن نحصر الاستدلال بالسمع في هذا الباب فقط والاستدلال بالعقل في تلك الأبواب، ونقول إن تلك الأبواب الأخرى لا مجال فيها للسمع. هذه هي القضية المنهجية الخلافية بين أهل السنة وأهل الكلام.

بالتالي أحبتي إطلاق مصطلح السمعيات خلاصة كلامي إطلاق مصطلح السمعيات على هذه المسائل الغيبية التي لا يدركها العقل، إن قصد به الدلالة على أن هذه المسائل مسائل توقيفية لا يدركها العقل بنفسه استقلالا، ما عندنا مشكلة، يعني لو جاء شخص قال: أنا أسمي في هذه المسائل السمعيات وأقصد بذلك أن هذه المسائل بطبيعتها توقيفية، نحتاج إلى الخبر والسمع لنعرفها، والعقل يسلم ثم ينقاد للسمع، لذلك سميت سمعيات؛ لأن العقل لا مجال له فيها البتة، أقول: ما عندي مشكلة إذن نسميها سمعيات بهذا المعنى.

أما إن قصد باطلاقه مصطلح السمعيات على هذه المسائل ما يقصده كثير من علماء الكلام وهو التفريق بين هذا الباب بأنه هو الوحيد الذي يتلقى من السمع وأما الأبواب العقدية الأخرى أنها تتلقى من العقل، فهذا إطلاق فاسد لا يصح ولا نقبله. إذن هكذا فصلنا الكلام في استعمال مصطلح إذا استعمل بشكل صحيح وبمعنى صحيح لا غبار عليه، وإن استعمل بشكل فاسد وأريد من خلال هذه التسمية الوصول إلى تأصيل فاسد فهذا لا نقبله ونرفضه.

ما هو المعنى الصحيح لمصطلح السمعيات؟ أن هذه المسائل لا مجال للعقل فيها أبدا، وإنما مردها إلى الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أن القرآن الكريم وما شابه ذلك، وأما الإطلاق الفاسد فهو أن نطلق السمعيات ونريد بهذا الإطلاق أن الأبواب الأخرى العقدية عقليات وهذه الأبواب سمعيات، هكذا يريدها أهل الكلام، أن الأبواب الأخرى عقليات وهذه الأبواب سمعيات، وهذا كما قلنا تقسيم فاسد ناتج عن تأثرهم بالفكر الفلسفي الإغريقي.

الآن إذا انتهينا من السؤال الثاني عن جواز استعمال هذا المصطلح واطلاقه، السؤال الثالث: ما هو المنهج الذي سلكه أهل السنة والجماعة في بناء هذا الباب عموما؟ دعونا نتكلم عن المنهجية عموما التي سلكها العلماء في تأصيل مسائل هذا الباب باب السمعيات.

نقول: لم تختلف طريقة أهل السنة والجماعة في هذا الباب عن غيره من الأبواب العقدية، من جهة اعتمادهم أساسا على نصوص الكتاب والسنة متواترها وآحادها، واعتمادهم على ما أجمع عليه الصحابة والسلف الصالح من هذه الأمة، فهذا متواتر، يعني أهل السنة والجماعة ما اختلفوا في كل أبواب العقيدة، المنطلق كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أجمع عليه الجيل الأول من بعدهم من التابعين.

لكن نقول هنا يقل حضور الأدلة العقلية في هذا الباب؛ لأنه أحبتي أهل السنة والجماعة في أبواب العقيدة الأخرى يستخدمون أدلة عقلية، احنا ما عندنا مشكلة في استعمال الأدلة العقلية، بل طريقة أهل السنة والجماعة هي الطريقة العقلية الصحيحة هي المنطق الصحيح. وأقول دائما لمن يريد أن يدرس الاعتقاد اليوم: عليك أن تبرز مطابقة عقيدة أهل السنة والجماعة للعقل الإنساني.

إبراز مطابقة أهل السنة والجماعة للعقل الإنساني ضرورة اليوم في كل من يدرس مسائل الاعتقاد؛ لأن أهل الكلام وأهل البدع يحاولون اتهام أهل السنة والجماعة بأنهم جامدون على النص لا يستخدمون عقولهم، بينما أهل الكلام والبدع هم الذين يستخدمون عقولهم، مع أن الأمر مخالف تماما للواقع.

هؤلاء من يتذرعون بعلم الكلام والمسائل العقلية أكثرهم يجهل طبيعة العقل ويجهل المنطق السليم في التفكير، وإنما هو متأثر بأرسطو طاليس ومن شابههم من مناطقة اليونان، ظن أن هؤلاء هم الذين أصلوا للعقل وطريقة التفكير الصحيحة، تلقوا منهم أفكارهم اعترضوا بها واصطدموا بها مع النصوص الشرعية، وظنوا أنهم وصلوا إلى الحقيقة، وإنما هم للأسف كما قلنا في عمائية الجهل يتخبطون يمينا وشمالا لا يعرفون ما هو مقتضيات العقل الصحيح في المسائل الحياتية وفي المسائل الشرعية وفي المسائل الإلهية.

وأما أهل السنة والجماعة فإن عقيدتهم تنبثق من الفطرة، ومن موافقة العقل الصحيح والمنطق السليم مع اتباع الوحي الإلهي، هذا التوازن هذا الانسجام هو الذي يؤكده الواقع وتؤكده طريقة استدلالات أهل السنة والجماعة، وتؤكده الطمأنينة التي يجدها أهل العلم حينما يدرسون ويدرسون هذه العقيدة.

لذلك أنا أقول: أي طالب سيدرس عقيدة أهل السنة والجماعة بشكل صحيح وعلى شيخ متمكن سيشعر بالراحة والطمأنينة والاندماج الكامل والتفاعل الصحيح؛ لأن الفطرة توافق العقل والعقل يوافق الوحي، وأما من يدرس طرق الكلاميين لابد وأن يشعر في داخله ولو لم يصرح بلسانه بشيء من الاضطراب وعدم الوضوح والزوايا المظلمة بمعتقداته، إذاً ليس هذا موضوعي.

موضوعي إذن أنا أقول: إن أهل السنة والجماعة يوظفون الأدلة السمعية ويعتبرون الوحي الإلهي هو أصل في كل الأبواب العقائدية، سواء الكلام عن الذات الإلهية وما يتعلق بها أو الكلام عن السمعيات أو الكلام عن النبوات، فالوحي هو الأصل المنطلق في البناء العقدي لكل هذه الأبواب مع استعمال العقل والأدلة العقلية متى أمكن توظيفها، ولكن في هذا الباب باب السمعيات بحد ذاته يقل حضور الأدلة العقلية، وهذا واضح، لماذا سيقل حضور الأدلة العقلية في هذا الباب؟ بسبب طبيعة هذا الباب وطبيعة هذه المسائل أنها مسائل توقيفية العقل لا يستقل بنفسه في إدراكها.

طيب، الآن سانقل لكم نقول لبعض أهل العلم يبينون في منهجية أهل السنة والجماعة في باب السمعيات: يقول ابن عبد البر مبينا طريقة أهل السنة والجماعة في مسائل اليوم الآخر كنموذج على مسائل السمعيات -يعني مسائل اليوم الآخر هي نموذج من مسائل السمعيات وليست هي كل مسائل السمعيات- يقول ابن عبد البر رحمة الله تعالى عليه: أحكام الآخرة لا مدخل فيها للقياس والاجتهاد ولا للنظر والاحتجاج، أي الاحتجاج العقلي. واضح كلام ابن عبد البر رحمة الله عليه، مسائل اليوم الآخر هذه مسائل لا يمكن أن تثبتها بالقياس على الحياة الدنيا أو تثبتها باجتهاد عقلي بحف من دون النظر فيما ورد في الكتاب والسنة أو بالحجاج العقلي والنظر المنطقي الذي يستعمله أهل الكلام، هذا لا يمكن أن تثبت به شيئا من المسائل ليوم الآخر.

إذاً أحكام الآخرة لا مدخل فيها للقياس والاجتهاد ولا للنظر والاحتجاج العقلي. يقول القرطبي أيضا صاحب كتاب التذكرة في أحوال الآخرة: هذا الباب -أي باب اليوم الآخر وما يتعلق به- هذا الباب ليس فيه مدخل للقياس ولا مجال للنظر فيه، وإنما هو التسليم والانقياد لقول الصادق المرسل إلى العباد. واضح الكلام، وإنما هو التسليم والانقياد لقول الصادق المرسل إلى العباد.

النص الثالث لصاحبنا ابن قدامة رحمة الله عليه في لمعة الاعتقاد في بداية باب السمعيات، ابن قدامة وضع المنهج الذي يسلكه أهل السنة والجماعة في هذا الباب، يقول ابن قدامة -وافتحوا الكتاب بين أيديكم لتنظروا ماذا قال-: ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا، أي يجب أن نتلقى أخبار النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة بالقبول والتسليم، سواء أشياء أخبرنا عنها النبي صلى الله عليه وسلم وشاهدناها في حياتنا أو أمور أخبرنا عنها صلى الله عليه وسلم ولم نشاهدها وغابت. فيجب أن نتعامل بهذه المنهجية منهجية التسليم والقبول لقول الصادق المصدوق بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه، فنعلم أنه حق وصدق، سواء في ذلك ما عقلناه -يعني ما استطاع العقل أن يتصور طبيعته- أو جهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه؛ لأن هناك مسائل سمعية هي ستأتي معنا بإذن الله العقل لا يستطيع أن يتصورها وأن يعرف حقيقتها وكونها في الخارج، وإنما العقل يؤمن بوقوعها إيمانا، وأما طبيعتها في الخارج فالعقل لا يستطيع أن يتصورها وأن يتخيلها لأنه لم يشاهد لها مثيلا ولا نظيرا.

إذاً كلام ابن قدامة واضح في التأصيل لباب السمعيات: يجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، سواء في ذلك ما عقلناه -هذا القسم الأول؛ لأن هناك مسائل سمعية يستطيع العقل أن يتصورها وأن يتخيلها كيف تكون، ومسائل سمعية لا يستطيع العقل أن يتصورها فوظيفة التسليم لها، لذلك قال: سواء في ذلك ما عقلناه أو جهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه-.

طبعا هذا التأصيل من ابن قدامة أحبتي أورده في مطلع حديثه عن مسائل السمعيات، لكنه تأصيل عام بوجوب قبول كل ما أتى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الصحيحة، سواء كان فيما هو حاضر مشاهد ندركه بحواسنا أو كان من الغيبيات التي لم نشاهدها ولم ندركها بحواسنا. وليس لأحد -انتبهوا- وليس لأحد أن ينتقي من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوافق هواه عقله معتقده فيقبله، ويهجر من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يخالف عقله أو طريقته وشيخه، فالمسلم إنما سمي مسلما ومنح هذا الاسم؛ لأن وظيفته الانقياد للشرع والاستسلام له في كل شؤون الحياة. لماذا نحن مسلمون ولماذا سمانا الله عز وجل بالمسلمين؟ لأن وظيفتنا أن نستسلم، الاستسلام الخضوع الانقياد، هذه ميزة أهل السنة والجماعة الاستسلام الخضوع للانقياد، وهو استسلام عن وعي وعن منطق وليس استسلام الجهلاء كما يوهمكم أهل الكلام، نسأل الله الهداية للجميع.

إذاً انتهينا من المسألة الثالثة التأصيلية وهو ما هو المنهج الذي سلكه أهل السنة في بناء هذا الباب. المسألة الرابعة أحبتي: ما موقف الفرق العقدية الأخرى المباينة لأهل السنة والجماعة من باب السمعيات؟ الفرق العقدية الأخرى وعلى رأسهم أهل الكلام ما موقفهم من باب السمعيات؟ فنقول: إن الأصول العقلية التي تنطلق منها الفرق الكلامية في التفكير العقدي أو في البناء العقدي -سواء أصول عقلية فاسدة أو الأصول العقلية الصحيحة عندهم- يضعف حضورها في هذا الباب، إذن الأدلة العقلية التي يكئ عليها أهل الكلام يضعف حضورها في هذا الباب.

لماذا؟ بسبب طبيعة هذا الباب التي تعتمد كما قلنا على السمع أساسا، لذا لا نجد لهذه الأصول العقلية أثرا بارزا إلا في قضايا محدودة جدا جدا من مسائل هذا الباب، بخلاف الأبواب السابقة الأسماء والصفات، باب القضاء والقدر، باب الإيمان، فإن الفرق المباينة لأهل السنة والجماعة بنت هذه المسائل السابقة أو الأبواب السابقة على الأصول العقلية التي أكثرها فاسد كما ذكرنا متأثرة في ذلك بالعلوم الفلسفية الدخيلة على الفكر الإسلامي.

وأما هذا الباب فكما ذكرنا حضور الأدلة العقلية ضيق جدا جدا، فقط دخلت في بعض التفاصيل وأثرت في بعض التفاصيل الدقيقة. وهذا طبعا -يعني بسبب قلة حضور الأدلة في هذا الباب عند الفرق الكلامية- هذا سينعكس أو ماذا سيكون أثره؟ نقول: سينعكس هذا على حجم الخلاف في مسائل هذا الباب بين الإسلاميين، إذ نلحظ حقيقة ضيق دائرة الخلاف بشكل كبير في هذا الباب بين الإسلاميين، وما وقع فيه من التفاصيل الدقيقة -أو عفوا ما وقع فيه من الخلاف في بعض التفاصيل الدقيقة- أكثره خلاف اجتهادي، وليس في مسائل القتل أو المسائل الأصلية الكبرى في باب السمعيات.

يعني باختصار: هناك خلاف في باب السمعيات لكنه خلاف أولا ضيق جدا؛ بسبب أن عادة كل الإسلاميين يلجأون في هذا الباب إلى النصوص الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا بالتالي بالتأكيد سيقلل حجم الخلاف، عدم حضور الأدلة العقلية الفاسدة. طب يا شيخ لم يقع إذا خلاف بين الإسلاميين في هذا الباب؟ لا، وقع خلاف بين الإسلاميين في هذا الباب في بعض التفاصيل، أكثر هذا الخلاف الذي وقع حقيقة وفي مسائل اجتهادية، بل حتى داخل دائرة أهل السنة وقع خلاف في بعض التفاصيل الاجتهادية التي تتعلق بتفاصيل اليوم الآخر أو تفاصيل علامات الساعة الكبرى أو الصغرى، وليس الخلاف في الأصل.

أصول الكلية والجذور الأصيلة لهذا الباب. تمام، إذن نعيد ما نقول: ينعكس ضعف حضور الأدلة العقلية هنا على حجم الخلاف في مسائل هذا الباب؛ إذ نلحظ ضيقاً في دائرة الخلاف كبير بين الإسلاميين، وما وقع فيه الخلاف من التفاصيل الدقيقة أكثره مما يقبل الاجتهاد والنظر ابتداءً، لا يوجد فيه شيء قاطع حاسم، وليس من باب القطعيات والأصول الكلية.

وأنبه هنا على قضية؛ وهو أننا نلحظ في هذا الباب -في باب السمعيات- قضية مهمة، أن بعض الفرق الكلامية وسعت دائرة الأحاديث المقبولة لديها في باب السمعيات، خصوصاً بعض الفرق الكلامية وسعت دائرة الأحاديث المقبولة لديها. إذ نجد الفكر الأشعري والماتريدي يقبل أحاديث الآحاد ويعتمد عليها في بناء تصوره لمسائل السمعيات.

الفكر الأشعري الماتريدي والفكر الكلامي عموماً يرفض الاستدلال بأحاديث الآحاد ويردها في المسائل التي تتكلم عن الذات الإلهية، عن الأسماء الحسنى، الصفات العلى، القضاء والقدر، الإيمان؛ يرفضونها بحجة أن أحاديث الآحاد ظنية، وبالتالي لا نقبلها في المحور الأول الذي تكلم عن الذات الإلهية. طب، ماذا تقبلون؟ نقبل العقل؛ أساساً أن العقل هو الذي سيأتيهم بالقطعيات، وأما كلام محمد صلى الله عليه وسلم الصحيح الثابت في البخاري ومسلم فلا يوصلهم إلى قطعيات، هكذا يرون.

لكن في باب السمعيات نجد -خاصة، يعني هذه ميزة خاصة أكثر شيء بالأشاعرة والماتريدية- نجد الأشاعرة والماتريدية يوسعون دائرة الأحاديث المقبولة عندهم، فيقبلون أحاديث الآحاد، ويقولون إن مسائل السمعيات يقبل عندنا فيها الظن، ولا يشترط فيها الوصول إلى الجزم، ولا يتطلب فيها القطع، فلا مانع إذن من الأخذ فيها بأحاديث الآحاد التي تفيد الظن بطبيعتها. هكذا يقول الأشاعرة والماتريدية.

بخلاف مسائل -ما زالوا يكملون حجتهم- بخلاف مسائل الصفات والقضاء والقدر ونحوها من المسائل التي تتحدث عن الذات الإلهية، فإنها في زعمهم لا تثبت إلا بالأدلة القطعية. طب، ما هي الأدلة القطعية؟ قالوا: الأدلة القطعية هي الأدلة العقلية أو الأحاديث المتواترة تواتراً أرستياً. طيب، ولا وجود للتواتر الأرستي أحبتي في أحاديث محمد صلى الله عليه وسلم إلا في أحاديث ربما لا تخرج عن أصابع اليد الواحدة تواتراً أرستياً، وربما نتطرق إن شاء الله في بحث مستقل للتفريق بين التواتر الشرعي الذي يقبله أهل السنة، والتواتر الأرستي الذي لا وجود له حقيقة كما قلنا إلا في أحاديث لا تخرج عن اليد الواحدة إن ثبت أصالتها.

إن ثبت أصالة، فهذا الكلام لأنهم يأخذون كما قلنا أفكارهم العقلية من الفكر الأرستي؛ يقولون: نحن لا نقبل في مسائل الإلهيات إلا الأدلة العقلية أو الأدلة المتواترة، والمتواتر لا وجود له إلا في خمس ست أحاديث بالكثير الكثير. إذاً في الواقع العملي لم يعد هناك استعمال وتوظيف لأحاديث والسنة النبوية المطهرة، وسنذهب إلى الاعتماد على الأدلة العقلية، وكذلك حضور القرآن عندهم حضور ضعيف جداً، وإن كان يعني هم قد يقولون إنه ثابت متواتراً بالقطع، لكن يعتبرون دلالات النصوص الشرعية دلالات ظنية في أكثرها، يعتبرونها دلالات ظنية.

وسأشير بعد قليل إلى مأخذ آخر عندهم في الذهاب إلى العقل في مسائل الإلهيات وترك النقل، حتى يفرغ العقل من تأصيله وتصوره للإله وأسمائه وصفاته إلى آخر ما يشيعون في كتبهم وتأصيلاتهم ومصنفاتهم. إذن يقولون: القطع لا يتحصل إلا من الأدلة العقلية والأحاديث المتواترة تواتراً أرستياً، ولا وجود للتواتر الأرستي اللهم إلا في بضعة أحاديث إن وجد، وعليه فإن الاعتماد في خلاصته سيكون على الأدلة العقلية المتكلفة في أصول الاعتقاد.

وأما في السمعية -أي مسائل السمعيات- فلأنها تأتي كالفرع لتلك الأصول، هم يعتبرون مسائل السمعيات التي نتحدث عنها الآن هي فرع لأصول مسائل الاعتقاد؛ فقالوا: أصول مسائل الاعتقاد: الأسماء، الصفات، القضاء والقدر، الإيمان؛ هذه بالعقل، فإن وجدنا حديثاً متواتراً أرستياً نقبله، ولا يجدون، فبالتالي ذهبت الأحاديث وبقي العقل، هذا هو الواقع. ثم يأتون إلى مسائل السمعيات؛ يقولون: مسائل السمعيات هي فرع عن مسائل الاعتقاد الكبرى، عن أصول مسائل الاعتقاد؛ فبما أنها فرع بالتالي نتوسع فيها ونقبل فيها أخبار الآحاد وأحاديث الآحاد؛ لأن هذه المسائل لا يتطلب فيها القطع ابتداءً.

طيب، الآن هذا مأخذهم أصالة كما قلنا الأشاعرة والماتريدية في هذا الباب يقبلون أخبار الآحاد. ولا يصح أن -كما زعم بعض أهل السنة أو بعض المؤصلين المعاصرين- أهل السنة والجماعة يقولون إن الأشاعرة والماتريدية لا يقبلون أخبار الآحاد أبدا في مسائل الاعتقاد؛ أظن هذا التوصيف غير دقيق أحبتي، هذا التوصيف ليس بدقيق، هم يقبلون الآحاد في بعض مسائل الاعتقاد؛ مسائل السمعيات، وما يتعلق بالصحابة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، والسلاطين وما شابه ذلك، العلاقة بين الحاكم والمحكوم؛ لأنها تذكر ضمن أبواب العقائد، لكن في أصول مسائل الاعتقاد نعم هناك لا يقبلون الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

لذلك لابد من النسبة الدقيقة حتى لا تخطئ، يريدون مدخلاً عليك؛ لأنهم إذا وجدوا شخصاً أخطأ في تأصيل مسائل الاعتقاد أو نسبة القول إليهم يثربون عليه، ويقولون هم أصلاً لا يفهمون. عليك أن تفهم يا طالب العلم مذهب الأشاعرة، مذهب الماتريدية، طريقتهم في البناء العقدي، ثم بعد ذلك ترد عليهم بشكل علمي صحيح، حتى لا تدع مجال أهل الأهواء يتسلطون على أهل السنة والجماعة.

نقول أيضاً هناك مأخذ آخر عند الأشاعرة والماتريدية والمدارس الكلامية في عدم توظيف الأدلة النقلية في مسائل الاعتقاد، وتوظيفها فقط في باب السمعيات. المأخذ الآخر الذي يدندنون حوله هو أن السمعيات إنما يجب تصديقها وتلقيها بالقبول بعد اثبات صدق الرسول المخبر بها؛ أنه المسائل التي تتلقى من السمع والنقل هكذا يقولون. المسائل التي تتلقى من الكتاب والسنة -المسائل التي تتلقى من الكتاب والسنة- إنما يجب تصديقها وتلقيها بالقبول متى؟ قالوا: بعد إثبات صدق الرسول المخبر بها.

نعم، طيب، وإثبات صدق الرسول المخبر بها يعتمد ابتداء على إثبات وجود من أرسله وهو الله، وإثبات وجود الله يستلزم إثبات ما يستحقه هذا الإله من الصفات، وما يتنزه عنه من النقص والشرك. وكل هذه المسائل -إثبات صدق الرسول، وإثبات وجود من أرسله، وما يستحقه هذا الإله- كل هذه المسائل عندهم يجب إثباتها بالأدلة العقلية المتكلفة والاقيسة المنطقية ولا مدخل فيها للنصوص، هكذا قالوا هرباً يزعمون.

طب، لماذا لا مجال فيها للنصوص؟ قالوا: هرباً من الدور؛ أنه إحنا النصوص إثبات صدقها يعتمد على إثبات صدق المخبر، إثبات صدق المخبر يعتمد على إثبات وجود الله، إثبات وجود الله لابد فيه أن تثبت أن هذا الإله حكيم، عالم، حي، إلى آخر هذه الأمور. فقالوا: إذن كل هذه المسائل التي تسبق التلقي من الكتاب والسنة يجب إثباتها بالأدلة العقلية المتكلفة المنطقية الأرستية، ولا مجال فيها للنص حتى لا يكون هناك دور؛ إذ كيف تستدل بالكتاب والسنة على وجود الله وعلى صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك تأخذ بها؟

يعني يقولون: نحن نستدل بوجود الله أو نتوصل باثبات وجود الله وبإثبات صدق رسول الله إلى الاستدلال بالكتاب والسنة، فكيف إذاً تستدل بالكتاب والسنة على وجود الله وعلى صدق رسول الله؟ هذا دور منطقي، هذا دور منطقي. هكذا زعم، وهكذا قامت الشبهة في عقولهم. طيب، إذن وكل هذه المسائل التي تسبق الأخذ من الكتاب والسنة -من إثبات صدق الرسول، وإثبات وجود الله، وما يستحقه هذا الإله- يجب إثباتها بالأدلة العقلية المتكلفة والاقيسة، ولا مدخل فيها للنصوص هرباً من الدور الممنوع عقلاً كما يزعمون.

طبعا، كيف نجيب عن هذه الشبهة؟ في الحقيقة هذه شبهة كبيرة، ويحتاج الإجابة عنها لمجالس، ولربما شاء الله في دورات متقدمة نفصلها تفصيفاً ونبين خطأ التفكير بها من خلالها أو المنطلق الذي انطلقت من خلالها، لكن أنا أشرت إلى شيء من إجابتها في بداية هذه الدورة المباركة بإذن الله. الإجابة عن هذه الشبهة وإبطالها مر جزء منه في بداية الدورة حين تكلمنا عن فطرية وجود الله، وأن وجود الله عز وجل ضرورة في النفوس والعقول، لا يحتاج إلى استدلال منطقي تفصيلي بأدلة عقلية متكلفة، هذا أولاً.

ثانياً: دلائل النبوة وصدق النبي صلى الله عليه وسلم متواترة مستفيضة على صدق هذا الرسول العظيم، وأما فبالتالي أيضاً لا نحتاج فيه إلى الأدلة العقلية المتكلفة التي يهتمون بإيرادها. ثالثاً: ما يستحقه سبحانه من الصفات العلى والأسماء الحسنى، وكذلك ما يتعلق بالقضاء والقدر وما يتعلق بهذه المسائل، فالقول بوجوب تلقيه من العقل فقط أيضاً قول لا يقوم على أسس علمية، وإنما هو من التحكم والمباينة لمنهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين.

وأما السلف فقد كانوا رحمة الله عليهم يحتجون بكل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصول مسائل الاعتقاد، في الأسماء الحسنى، في الصفات العلى، في رؤية عز وجل، فيما يستحقه الله من التوحيد وما ينفع له من الشرك. من نظر في كلامهم يجد دائماً الحضور واضحاً لأدلة الكتاب والسنة.

إذاً فالصالحون كانوا يحتجون بكل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصول العقائد وفي فروعها. ومن أوضح ما يؤكد ذلك كثرة التراجم -انظروا إلى هذا الدليل- كثرة التراجم والأبواب العقدية التي ضمنها البخاري وغيره من أئمة الحديث ومن المصنفين في كتبهم الحديثية، حيث كانوا يذكرون تحت هذه التراجم والأبواب العقدية أحاديث آحاد صحيحة ويستدلون بها، سواء في مسائل الصفات أو في مسائل القدر أو في مسائل التوحيد والإيمان، فضلاً عن أن أكثر الأدلة العقلية -طبعا هذا انتقل لموضوع آخر، لكن هنا يعني هنا قليلا-.

أقول أحبتي: أنا أطالبكم أن تفتحوا صحيح البخاري وصحيح مسلم وكتب السنن عموماً؛ انظروا إلى الأبواب التي يعقدها البخاري وغيره، انظر إلى التراجم: باب التوحيد، باب الإيمان، باب الإسلام، باب القدر؛ هذه تراجم عقدية ومسائل عقدية أصلية تتعلق بالذات الإلهية، وانظروا الأحاديث التي يدرجها البخاري تحت هذه التراجم وتحت هذه الأبواب مستدلاً لها، كلها أحاديث آحاد وتلقاها الأمة بالقبول.

إذاً لا يوجد هناك مشكلة عند السلف الصالح، فالاستدلال على الأسماء الحسنى، الصفات العلى، مسائل القضاء، مسائل القدر، مفهوم الإيمان، لا يوجد أي إشكال، بل هذا هو الأصل عندهم في الاستدلال على هذه المسائل بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وبالنصوص ثانية. وأما محاولة إظهار الموضوع بهذا الشكل الفلسفي الإغريقي أن إثبات النقل يعتمد على إثبات المخبر، وإثبات صدق المخبر يتوقف على إثبات وجود الله، فبالتالي إثبات صدق المخبر إثبات وجود الله وما يستحقه هذا الإله سيكون في أدلة معمقة مطولة يجب على عوام الناس أن يعرفوها؛ هذا كله نظرة غالطة مغلوطة متأثرة بأفكار الفلسفة في التعامل مع المسائل الإلهية، هذا هو الواقع.

لأن فلاسفة الإغريق كانوا يتعاملون مع إثبات وجود الإله وما يستحق وما يتعلق به بالعقل المجرد، فأهل الكلام تأثروا بهذه الفرضية أو النظرية أو التعامل، وأصبحوا ينظرون كما ينظر هؤلاء، يتكلمون في الله وفي صفات وأفعال الله بهذه الطريقة العقلية البحتة، وهذا خطأ أحبتي.

ومن ميزة أهل السنة والجماعة أنهم عرفوا دلالة الفطرة، والأدلة العقلية الفطرية هي اسميها الواضحة جداً؛ فاثبات وجود الله ليس أمرا معقدا، بل هو ضرورة عقلية لا تحتاج إلى استدلال ابتداء، وإنما تطلب الأدلة هو زيادة لليقين فقط، هو زيادة يقين على يقين، والا فمن ضرورات العقول ومن ما دلت عليه الفطر ورسخ فيها أن هذا الكون له إله. فاطالة الموضوع في قضية المسائل العقلية في إثبات وجود الله، وكذلك في إثبات صدق النبي عليه الصلاة والسلام، ليس هو المنهج المحمدي.

وأما قضية أن الأسماء والصفات العلى ومسائل القضاء والقدر هذه لا تثبت إلا بالعقل فهذا خطأ هذا ابتداء وأصالة، بل هذه المسائل تثبت بالسمع والنقل أساساً، والصحابة والسلف تلقوها من السمع والنقل أساساً، ولا يوجد أي تناقض عقلي ولا دور في الاستدلال على مسائل الأسماء والصفات والقضاء والقدر بالسمع والنقل، لا يوجد أي دور، وإنما هو شيء توهموه في عقولهم، نسأل الله الهداية دائماً.

طيب، الآن إذن أحبتي -طبعا بقي علي تعليق يسير- فأقول: فضلاً أن أكثر الأدلة العقلية التي ساقها المتكلمون وزعموا أنها قطعيات بعد النظر فيها ومن فحصها أنها في أكثرها مجموعة من الجهليات وليست العقليات، ومجموعة من التناقضات فلا توصلك إلى الظن أصلاً بل تبقيك في دائرة الحيرة والشك والاضطراب.

يعني إيش مشكلة الفكر الكلامي؟ مشكلة الفكر الكلامي أنه توهم أنه يسير على منهج علمي عقلي، وأننا المنهج العقلي يقتضي أن نتوسع في إثبات وجود الله بأقيسة وفرضيات، ونتوسع في إثبات وجود محمد صلى الله عليه وسلم بالأقيسة، وظنوا أن هذه الأقيسة التي أتوا بها أقيسة قطعية يقينية، لكن حينما نفحص هذه الأجهزة -كما ذكرت سابقاً- نجد أن المدارس الكلامية هم أنفسهم متطاحنون بينهم في إثباتها؛ وهذا يثبت مقدم وهذا يلغيها، وهذا يلغيها، وهذا يعتبر أن ما أثبته صديقه الكلامي خطأ، وهذا يعتبر لا أنت كلامك خطأ.

إذا كانت الخلافات دائرة بينكم في إثبات هذه الأقيسة وصحتها، إذاً هذه الأقيسة أنفسها ليست أدلة قطعية يقينية كما تزعمون، وتورث الحيرة والشكوى هذا بشهادة أساطينهم؛ وكما قال الجويني: نموت على عقائد عجائز نيسابور. فبعد أن خاض البحر الخضم وفي مسائل العقل وظن أن العقل يوصله إلى القطعيات واليقينيات كما كان طموحه، وجد أن هذا العقل إذا لم يستنر بنور الوحي لا يزيده إلا شكاً وحيرة واضطراباً.

نسأل الله الهداية دوماً. الآن أحبتي انتهيت من تأصيلي لمسائل أو انتهيت من تأصيل مسائل السمعيات.

المسائل التي تندرج تحت باب السمعيات كثيرة جدا، يص섭 حصرها في هذه المجالس؛ لذا سنقتصر على المسائل التي أوردها ابن قدامة في لمعته فقط. هذه المسائل التي سأتكلم عنها، لكنني سأوسع الحديث أنا قليلاً ليفهمها الطالب، ونتحدث عنها باختصار. وسامحوني سأعتمد على السرد السريع لهذه المسائل ولن أقف عندها كثيراً؛ لأن المراد في هذه الدورة إعطاء الإشارات العامة عن هذه المسائل، وليس التفصيل الدقيق والتوسع العام فيها. المسألة الأولى التي ذكرها ابن قدامة وتطرق إليها حادثة الإسراء والمعراج.

فنقول مستعينين بالله: من المسائل التي لا مجال للعقل في إثباتها إنما تتلقى من السمع؛ حادثة الإسراء والمعراج. وقد أجمع المسلمون على وقوع الإسراء والمعراج، وتواترت الأحاديث المثبتة له، كما ذكر أبو الخطاب في كتاب التنوير في مولد السراج المنير حيث قال: قد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي ذر ومالك بن صعصعة وأبي هريرة. فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون وأعرض عنه -لاحظوا كلام أبي الخطاب- الزنادقة والملحدون ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: 8]. انتهى كلام أبي الخطاب.

لكن مع وقوع الإاجماع على هذه الحادثة -إذاً هناك إجماع بين المسلمين على وجود الإسراء والمعراج، حتى المدارس الكلامية، هناك إجماع عام بين المسلمين على وقوع الإسراء والمعراج- وإنما وقع الخلاف بين الإسلاميين في بعض الدقائق، وأغلبها تفاصيل اجتهادية. من التفاصيل التي وقع فيها الخلاف: أولاً، في أي عام وقع الإسراء والمعراج؟ اختلف علماء السير في هذه القضية، ما اخترناه في شرح الأرجوزة المائية أن الإسراء كان في العام الحادي عشر من بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عمره حينئذ واحداً وخمسين عاماً وتسعة أشهر، كما ذكر ابن الجوزي في صفوة الصفوف.

ثانياً، الخلاف الثاني: هل كان الإسراء والمعراج يقظة أم في المنام؟ هذه وقع فيها خلاف في الحقيقة، لكن جماهير العلماء وجماهير الإسلاميين على أنه كان يقظة كما سيأتي. هذه المسألة التي أشار إليها ابن قدامة -ابن قدامة أشار إلى هذه المسألة لأن الخلاف فيها مؤثر قليلاً في الحقيقة- يعني الأصل أن يثبت فيها قول الحق وهو أن الإسراء والمعراج كان يقظة ولم يكن مناماً، والأدلة كلها تدل على هذا، والقول الآخر وإن ذكر عن الحسن البصري كما سيأتي، لكنه قول شاذ لا عبرة به.

هل كان الإسراء والمعراج خارج يقظة أم مناماً؟ هذه المسألة هي التي أشار إليها ابن قدامة في لمعته ونصرها بالدليل، حيث أكد ما عليه جمهور السلف في أن الإسراء والمعراج كان يقظة وليس مناماً كما زعم بعضهم. والدليل على ذلك -الدليل الذي ساقه ابن قدامة عندكم في لمعة الاعتقاد على أنه كان يقظة- أن كفار قريش أنكرته على النبي صلى الله عليه وسلم وجحدته ولم تصدق النبي عليه الصلاة والسلام في قوله، وذهبت -كما ذكرنا في شرح الأرجوزة المائية- وذهبت إلى أبي بكر وقالوا: يا أبا بكر، إن صاحبك يزعم أنه ذهب إلى المسجد الأقصى وخرج إلى السماء وعاد في ليلة واحدة. فأبو بكر قال: إن كان قال ذلك فقد صدق. إذاً، كفار قريش أنكرت الإسراء والمعراج، فلو كان الإسراء والمعراج مجرد قضية منام ورؤية منامية لما أنكرته كفار قريش واعترضت على النبي عليه الصلاة والسلام وتهكمت به.

فتهكم كفار قريش واعتراضهم وجحودهم واستهزاؤهم بهذا الموضوع يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم أن ذلك كان يقظة، وإلا لو كان مناماً فكفار قريش يؤمنون بالمنامات ولا إشكال عندهم في ذلك قديماً، أي قبل وجود النبي صلى الله عليه وسلم، وهم يعتمدون على المنامات والرؤى يفسرونها، ومن قرأ سير العرب يدرك ذلك فعلاً. إذاً هذا دليل ابن قدامة ودليل السلف على أن الإسراء والمعراج كان يقظة وحقيقة وليس مناماً. ونقل عن الحسن البصري -ونقل، يعني حتى هذه العبارة أقول ونقل؛ لأنه هكذا نجد في كتب العقائد أنه ينقل عن الحسن البصري- أنه جعل الإسراء -يعني أنا أقصد هل هناك شيء ثابت قطعي عن الحسن البصري؟ أنا لا أملك شيئاً ثابتاً قطعياً، وإنما من ينظر في كتب العقائد ينسبون الخلاف في هذه المسألة إلى الحسن البصري أحد التابعين رحمة الله عليه- نقل عن الحسن البصري أنه جعل الإسراء والمعراج مناماً رآه النبي عليه الصلاة والسلام.

طيب، هل هذا يعني بهواه؟ أو لأن الحسن البصري رحمة الله تعالى عليه يريد أن يكذب هذه الواقعة؟ هذا أحد أعلام التابعين رحمة الله تعالى عليه. طيب، لماذا ذهب الحسن البصري إلى أن الإسراء والمعراج كان مناماً وليس يقظة؟ استند الحسن البصري -إن صح عنه هذا النقل- إلى بعض النصوص والروايات التي قد توهم ذلك. هناك بعض الأحاديث أحبتي حتى في البخاري وفي مسلم يفهم منها في بادئ الأمر أو في بادئ الرأي أن الإسراء والمعراج وخاصة المعراج أنه كان مناماً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات يقول: «بينما أنا نائم في حجرتي»، وفي بعض الروايات أيضاً قال: «فاستيقظت».

فهذه الروايات في الحقيقة سببت إشكالاً لربما عند الحسن البصري، فذهب الحسن البصري أو ظن أن هذه الروايات تدل على أن الإسراء والمعراج كان مناماً وليس يقظة، ولكن كما قلنا هذا مخالف للواقع؛ لأن كما قلنا كفار قريش جحدت واعترضت وأنكرت واستهزأت، فلا يمكن أن تستهزئ وتعترض على مجرد منام، والله أعلم. إذاً، نقل عن الحسن البصري أنه اعتبر الإسراء والمعراج مناماً رآه النبي صلى الله عليه وسلم وليس يقظة، مستنداً لبعض النصوص والروايات التي توهم ذلك، وهذا الفهم مرجوح مخالف لما عليه جماهير السلف. وبين ابن قدامة بالدليل الواضح بطلانه؛ وهو انكار كفار قريش وتهكمها بالنبي صلى الله عليه وسلم كما قدمنا. أنا لن أتطرق إلى الأدلة والاعتراضات والمناقشات، أنا فقط إشارات سريعة لأهم المسائل في هذه القضية.

طيب، الذين قالوا -والآن الذين قالوا إن الإسراء والمعراج كان يقظة وهم جماهير السلف- اختلفوا في مسألة أخرى، اختلفوا: هل كان الإسراء والمعراج الذي كان يقظة، هل كان بالروح والجسد كليهما؟ أو كان بالروح فقط؟ هذا وقع فيه خلاف أشد من الخلاف السابق، فجمهور الصحابة والتابعين على أن الإسراء والمعراج كان بالروح والجسد معاً وليس بالروح فقط. ونسب ابن إسحاق صاحب المغازي إلى سيدتنا عائشة وإلى سيدنا معاوية رضي الله عنهما أنهما كانا يذهبان إلى أن الإسراء والمعراج كان بالروح فقط دون الجسد. وهذا القول -أن الإسراء والمعراج كان بالروح دون الجسد- أيضاً قول مرجوح، خاصة أن معاوية لما وقع الإسراء والمعراج كان مشركاً ولم يكن مسلمأً بعد، وعائشة رضي الله عنها كانت صغيرة جداً في ذاك الوقت فلم تدرك هذه الحادثة بتفاصيلها.

لكن أنا أطالب ابتداءً بإثبات صحة هذا النقل عن عائشة ومعاوية؛ يعني هذا النقل نقله ابن إسحاق، وينقل عنه أن عائشة ومعاوية قالا بأن الإسراء والمعراج كان بالروح دون الجسد، فنحتاج أولاً إلى التأكد من صحة هذا النقل عنهم، وهل ابن إسحاق كان دقيقاً في هذا النقل رحمة الله تعالى عليه؟ ثم بعد ذلك نناقش ونقول إن معاوية لم يكن مسلماًَ حينئذ، وأن عائشة كانت صغيرة. أولاً نحتاج إلى إثبات النقل: هل هناك شيء ثابت حقيقي غير ما نقله ابن إسحاق؟ هذا شيء لم أجده ويحتاج إلى تثبت وتفتيش أكثر، والله تعالى أعلم.

طيب، القضية الثالثة: كم مرة وقع الإسراء والمعراج؟ هذه مسألة أيضاً من المسائل التي وقع فيها الخلاف: كم مرة وقع الإسراء والمعراج؟ وسبب هذا السؤال كما قلنا أن الروايات التي تتكلم عن الإسراء والمعراج مختلفة في سياقاتها وفي تفاصيلها، وتدل في بعض الإشارات على أن هذه الحادثة وقعت أكثر من مرة. فنقول أحبتي: وقع خلاف آخر بين الإسلاميين في عدد مرات وقوع الإسراء والمعراج، بسبب اختلاف الروايات في تفاصيله؛ فبعض الروايات تشير إلى أنه صلى الله عليه وسلم كان نائماً ففرج عن سقف بيته وعرج به مباشرة إلى السماء، ولم تتحدث عن قضية الإسراء إلى المسجد الأقصى، بينما بعض الروايات تتحدث عن قدوم دابة البراق يقظة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وانطلاق النبي عليه الصلاة والسلام مع جبريل إلى المسجد الأقصى ثم العروج إلى السماء الدنيا بعد ذلك.

فإذاً هناك اختلاف في الروايات. من هنا حاول بعض أهل العلم الجمع بين كل هذه الروايات، وجعل الحادثة حادثة واحدة وقعت مرة واحدة، وضعفوا بعض الألفاظ التي ذكرت في بعض طرق هذا الحديث، واعتبروا هذه الألفاظ ألفاظاً زائدة هي التي سببت إشكالاً، فمن زادها أخطأ في زيادتها. يعني بعض أهل العلم قال: الإسراء والمعراج وقع مرة واحدة فقط. طيب، في روايات تدل على قضية أنه فرج عن سقف بيته وهو نائم وعرج به إلى السماء مباشرة، وفي بعض النقول فاستيقظت. بعض أهل العلم قال: الذين قالوا إن الإسراء والمعراج وقع مرة واحدة فقط ذهبوا إلى تضعيف هذه الزيادات، زيادة فاستيقظت، والبعض حاول أن يتأول قضية فرج عن سقف بيته وتحويلها إلى أنها هي في نفس الواقعة لكن وقعت بشكل الله تعالى أعلم به.

إذاً، حاول البعض أن يجمع بين كل هذه الروايات ويصل إلى أن الإسراء والمعراج وقع مرة واحدة فقط، إما بتضعيف بعض الألفاظ الزائدة التي قد توهم خلاف ذلك، أو تأويل بعض النصوص التي قد توهم خلاف ذلك، هذه الطريقة. بينما ذهب البعض إلى أن المعراج إلى السماء -المعراج إلى السماء بحد ذاته- وقع مرتين: مرة في منامه صلى الله عليه وسلم وهذا كان قبيل مبعثه إلى هذه الأمة، وهذه الرؤية التي رآها في منامه أنه سيعرج به إلى السماء كما قلنا رآها قبل مبعثه بأشهر، وهذه الرؤية سيحققها الله عز وجل له بعد ذلك في العام الحادي عشر من بعثته حقيقةً؛ لأن رؤيا الأنبياء حق، وما رآه النبي صلى الله عليه وسلم في نومه من عروجه إلى السماء الدنيا قبل مبعثه سيراه ويعيشه حقيقةً يقظةً في حادثة الإسراء والمعراج في العام الحادي عشر من بعثته.

فإذاً نقول: ذهب بعض أهل العلم إلى أن المعراج إلى السماء وقع مرتين: مرة في منامه قبيل مبعثه وهذه كانت من الرؤى التي سيحققها الله له؛ لأن رؤيا الأنبياء حق، والمرة الثانية التي عرج بها إلى السماء كانت في اليقظة بروحه وجسد، وكان معها صعود إلى المسجد الأقصى. فالمرة الثانية المعراج كان يقظة وصاحبه الإسراء قبل ذلك تماماً، وكان معها الإسراء إلى المسجد الأقصى وهذا كان في العام الحادي عشر. وهذا القول أحبتي في الحقيقة أجد أن له حظاً كبيراً من الصحة؛ لأنه أولاً بعيد عن التكلف في الجمع بين النصوص، ويجمع بين الروايات من دون الحاجة إلى تضعيف شيء منها أو تخطئة بعض الرواة فيما زاده.

الرأي الذي يقول إن المعراج وقع مرتين: مرة قبيل مبعثه وكانت رؤيا منام، والمرة الثانية كانت في العام الحادي عشر من بعثته وكان يقظة بروحه وجسده، والإسراء كان يقظة مع المرة الثانية -الإسراء صاحب المرة الثانية من المعراج وليس المرة الأولى- هذا الجمع أراه حرياً أن يكون محل اهتمام من الباحثين؛ لأنه كما قلنا يجمع بين كل الروايات التي وردت بحادثة الإسراء والمعراج من دون أن يحدث اصطدام بينها واحتياج إلى تأويل متكلف أو تضعيف بعض الزيادات التي وردت في الحديث. وفي النهاية المسألة ستبقى اجتهادية والله تعالى أعلم، لا يثرب فيه أحد على أحد مادام الجميع يريد أن يصل إلى الحق فيها.

تجدر الإشارة أحبتي إلى أن أكثر هذه التفاصيل هذه لا يبدع فيها المخالف أبداً، لكن طلب الحق فيها مطلوب؛ يعني عدم تبديع المخالف لا يعني أننا لا نبحث عن الحق، بل نبحث عن الحق لكن لا يبدع بعضنا بعضاً.

طيب، انتهينا إذاً من مسألة الإسراء والمعراج كمثال على مسائل السمعيات، مسألة سمعية وقعت سابقاً في الحياة الدنيا، العقل لا يستقل بإدراكها وإنما يتلقاها من السمع. طيب، نذهب الآن إلى المسألة الثانية من مسائل السمعيات التي تطرق إليها ابن قدامة، وهي مسألة خطيرة ومهمة جداً، واليوم الليبراليون الحداثيون يحاولون الطعن في الأحاديث الصحيحة من خلالها.

مسألة قصة موسى عليه السلام مع ملك الموت؛ من المسائل السمعية التي يجب التسليم فيها للنص ولا مجال للعقل لأن يخوض فيها ابتداءً ويبطلها، أو أيضاً قصة لطم موسى لملك الموت. يعني هذه القصة لا مجال للعقل أن يثبتها بنفسه، وكذلك ليس له أن يبطلها؛ فأنت لا تثبتها بالعقل أساساً، وإنما تتلقاها من السمع، فإذا تلقيتها من السمع عليك أن تقبل وتنقاد ولا تبطل ذلك بحجة أنك لم تفهم ولم تتصور ذلك بعقلك.

فنقول: روى هذه القصة البخاري ومسلم في صحيحيهما وغيرهما من أصحاب السنن والمسانيد عن طريق أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -اسمعوا الحديث؛ لأن سماع الحديث بتدبر وتعقل يوصلنا إلى الحقيقة بإذن الله-: يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام فقال له: أجب ربك. فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها. فرجع الملك إلى الله سبحانه وتعالى فقال: يا رب، إنك أرسلتني إلى عبد».

لا يريد الموت، وقد فقع عيني، فرد الله إليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدي فقل له: الحياة تريد؟ يعني هل تريد أن تبقى حيا؟ الحياة تريد، فإن كنت الحياة تريد فضع يدك على متن، على ظهر ثور، فما توارت يدك من شعرة، فإنك أو من شعرة عفوًا، فما توارت يدك من شعره فإنك تعيش بها، يعني ضع يدك على متن ثور واقبض، أو واقبض كل شعرة قبضت عليها ستعيش بها سنة، كل شعرة قبضت عليها ستعيش بها سنة، تمام؟ إذا فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور، فما توارت يدك من شعره فإنك تعيش بها سنة، أي بكل شعرة سنة. قال موسى: ثم مات؟

الآن الحديث اختصر المشهد، أنه ملك الموت ذهب بهذه الرسالة من الله باتجاه موسى، ذهب ذلك الموت إلى موسى بصورة رجل، فقال لموسى: إن الله عز وجل يقول لك: الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور. المهم موسى ماذا رد على ملك الموت؟ قال موسى: ثم ماذا؟ الآن هو يرد على ملك الموت، قال له ملك الموت: ثم الموت، يعني بعد يعني موسى يقول له: طيب إذا قبضت على ظهر ثور ولي بكل شعرة أقبض عليها سنة من الحياة، بعد كل هذه السنوات التي سأعيش، ماذا سيكون؟ فقال له ملك الموت: بعد ذلك ستموت، يعني هو في النهاية الموت كتب على كل البشر.

قال موسى: فالآن من قريب. إذا كنت ستجرع طعم الموت ولو بعد حين، فخذ هذه الروح الآن، فالآن من قريب. وسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر، يعني سأل موسى ربه أن يكون قبره قريب من الأرض المقدسة المسجد الأقصى برمية حجر، يعني مسافة رمية حجر بين قبره وبين الأرض المقدسة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم يختم الحديث ويقول: «لو كنت ثَمَّ»؛ أي لو كنت في الأرض المقدسة لاريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر. والله تعالى أعلم ماذا يقصد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر.

لذلك نحن الآن لا نعرف بالتحقيق أين قبر موسى عليه السلام، بل ذكر ابن تيمية أنه لا يوجد لدينا أي دليل على قبر نبي من الأنبياء إلا قبر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وبعض أهل العلم يثبت قبر إبراهيم في الخليل، لأن بعض أهل العلم مع أن هذا ما زال أيضًا محل شك وبحث، وأما ما سوى ذلك من قبور الأنبياء فلا علم لنا بها. طيب بعد العرض سمعتم الحديث، تمام؟ هذا الحديث أحبتي ينكره كثير من أهل البدع والزندقة، الذين يجعلون عقولهم حاكمة على الشرع، بل طعنوا في صحيح البخاري بسببه جهلًا منهم بمعناه وبطريقة تفهمه، وهذا هو ديدن الذين يعترضون بعقولهم على الشرع ويردون كل ما اشتبه عليهم، أو كلما اشتبه عليهم علمه، نعم، ويردون كل ما اشتبه عليهم علمه، ولو ردوا هذه الأحاديث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى أولي الأمر منهم، أصحاب العلم والفهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، لذا لم يعترض على هذا الحديث عبر تاريخ الإسلام عالم رباني يوثق بعلمه، وإنما من يعترض عليه عادة هم الجهال والزنادقة والملحدون الذين يريدون أن يطعنوا في هذا الدين من وراء ظهره.

طيب إذا هذا الحديث انكره أهل البدع والزنادقة، وجعلوه وسيلة للطعن في صحيح البخاري ومسلم أصح الكتب بعد كتاب الله سبحانه وتعالى. طيب يا شيخ ما أبرز الشبهات التي أثارها أهل البدع والزندقة حول هذا الحديث؟ نقول أبرز الشبهات ثلاثة: الشبهة الأولى: كيف استطاع موسى أن يرد قدر الله وأن يؤخر أجله إذا كان ملك الموت قد أتاه ابتداء لقبض روحه؟ هذا السؤال الأول الذي أثاروه: كيف استطاع موسى أن يرد قدر الله وأن يؤخر أجله إذا كان ملك الموت قد أتاه لقبض روحه ابتداء؟

السؤال الثاني الذي شككوا به: لماذا لم يطبق على موسى القصاص وقد فقأ عين الرجل؟ هل هذا عدل؟ ثالثًا: كيف تفقع عين ملك الموت؟ يعني كيف يمكن أن تفقع عين ملك الموت؟ لاحظوا الآن العقل أنهم كيف بدأ يسبح، كيف تفقع عين ملك الموت؟ هذه هي الشبهات الثلاث، أو أبرز الشبهات التي أثاروها حول هذا الحديث، وسأقدم إجابة عنها باختصار وبشكل سريع، لذلك انتبهوا أحبتي الإجابة باختصار.

أولًا، انتبهوا حتى تفهموا سياق الحديث، سياق الحديث أن تقرأوا بتأمل وتدبر، هو الذي سيجلي لكم كل هذه الأمور، وتكتشف تهافت كل هذه الشبهات التي يثيرها الزنادقة والملحدون والحداثيون. نقول: لقد جاء ملك الموت إلى موسى بصورة رجل لا يعرفه موسى، فتفاجأ موسى بهذا الرجل أمامه يقول له: أجب ربك، أجب ربك، يعني تخيلوا أنفسكم لو أن الواحد منكم كان جالسًا في بيته، فجأة يجد شخصًا أمامه في البيت دخل لا يعرف هذا الرجل، وهذا الرجل يقول لك: أجب ربك، أجب ربك، من دون أن يعطيك أي تفاصيل أخرى، أنت ستخاف وتخشى على نفسك، تشعر أن هذا الرجل يريد أن يتهجم عليك، يريد أن يؤذيك، وهذا ما وقع مع موسى عليه السلام، يعني موسى بشر يحيا في هذه الحياة الدنيا، لا نستطيع أن نفصل بشريته، فموسى عليه السلام وجد رجلًا لا يعرفه أمامه يقول له: أجب ربك، أجب ربك، فهنا موسى من باب الدفاع عن نفسه بادر فلطم هذا الرجل ففقأ عينه.

السؤال هنا: لماذا لطم موسى عين هذا الرجل؟ سؤال وارد، لماذا لطم موسى عين هذا الرجل؟ هل يعقل أن موسى عليه السلام لطم عين هذا الرجل من دون أي سبب ومن دون أي مبرر؟ يعني هذا الرجل عرف موسى أنه ملك الموت، فقال له: أريد أن أقبض روحك، فلطمه موسى، هل يعقل أن يفعل هذا نبي من أنبياء الله؟ حاشاه. إذا هل يعقل أن موسى لطم عين هذا الرجل من دون أي سبب ومن دون أي مبرر؟ بالتأكيد لن يفعل ذلك أحد منا، فما ظنك بنبي من الأنبياء؟ يعني هل يعقل أنت كإنسان عاقل -أنا أقول عن العقلاء- إنسان عاقل يأتي رجل أمامه يقول: أجب ربك، مباشرة يلطم من دون أي سبب أو قرينة في السياق تدفعه إلى اللطم والدفاع عن نفسه؟ هذا في الحقيقة هو السؤال هنا. إذا موسى عليه السلام هو نبي من الأنبياء ومن أولي العزم، لا يعقل أن يكون لطم هذا الرجل من دون أي سبب ومن دون أي مبرر.

طيب دعونا نكمل، إذا موسى عليه السلام لم يكن يعرف هذا الرجل، ولم يكن يعرف موسى أن هذا الرجل هو ملك الموت أساسًا، لأن الحديث لم يقل لنا أن هذا الرجل أتى لموسى فقال له: ملك الموت جئتك من عند الله، ما أتى هذا الرجل وقال لموسى هذه التفاصيل، لم يذكر هذا في الحديث، بل صورة المشهد كما قلنا أن موسى تفاجأ برجل أمامه يجهله ويقول له: أجب ربك، هنا بالتأكيد شعر موسى بالتوجس من هذا الرجل وما الذي يريده منه، ولعل هذا الرجل -أقول: ولعل هذا الرجل- صدر منه ما زاد تخوف موسى، بأن دخل على بيت موسى فجأة، وهذا ذكره ابن حجر في فتح الباري أن هذا الرجل دخل على موسى بيته فجأة، لكن احتاج إلى مستند حتى أتاكد أنه فعلًا دخل على موسى فجأة إلى البيت، الله تعالى أعلم، لكن كما قلت ذكره بعض الشراح، لكن عموما نقول: ولعل هذا الرجل صدر منه ما زاد تخوف موسى، كأن دخل عليه بيته فجأة كما ذكر بعض شراح الأحاديث، أو أن هذا الرجل لما قال لموسى: أجب ربك، اقترب من موسى ليقبض روحه، المهم أن موسى عليه السلام لم يطمئن لحال هذا الرجل وشك في أمره، فلما بدرت هذه البوادر من محاولة قبض روحه ودنى منه أو دخل بيته -الله تعالى أعلم بالتفاصيل- هنا موسى قام بالدفاع عن نفسه أو عن بيته وحرمته فلطم هذا الرجل وفقأ عينه.

في هذه الحالة بعد أن فقأ عينه، عاد ملك الموت الذي كان على صورة رجل، عاد ملك الموت إلى الله سبحانه وتعالى فقال له: يا رب، أرسلتني إلى رجل لا يريد الموت، يعني أنت يا رب أرسلتني لأقبض روحه، لكن هذا الرجل فيما يظهر أنه لا يريد الموت. طبعا موسى عليه السلام لو كان يعلم أن هذا أمر وأنه هذا ملك الموت فعلًا، هل سيلطم ملك الموت؟ لن يلطم أحبتي ملك الموت، موسى نبي من الأنبياء، لا يمكن أن يعتدي ولو شعرة على حق الله سبحانه وتعالى، موسى لم يكن يعرف من هذا الرجل وجهله، ورجل فجأة تفاجأ به أنت في الطريق أو في بيتك يقول لك: أجب ربك، أظن أي شخص منا يفعل هذا الفعل معه إذا لم يفعل أكثر من ذلك.

ثانيًا، إذن أنا أولًا سقت لكم المشهد: رجل مجهول دخل على موسى في بيته أو في الطريق، قال له: أجب ربك، موسى عليه السلام توجس منه، خاف، شعر أن هذا الرجل يريد أن يعتدي عليه، ولعل هناك بوادر صدرت من هذا الرجل كما قلنا، أما أنه دخل على بيت موسى أو اقترب منه ليبدأ قبض الروح، فموسى دفاعًا عن نفسه لطمه عينه، لأن موسى عليه السلام ضربته شديدة، فعاد هذا الرجل الذي هو ملك الموت إلى الله وقال: يا رب، أرسلتني إلى رجل لا يريد الموت.

السؤال الثاني: هل فعلًا استطاع موسى أن يؤخر أجله المكتوب له عند الله كما يريد أن يطعن الزنادقة؟ الزنادقة يقولون: كيف موسى استطاع أن يؤخر أجله؟ نقول: هل موسى فعلًا استطاع أن يؤخر أجله المكتوب عند الله؟ الجواب الصحيح: لا بالطبع، بل الله سبحانه وتعالى إنما أرسل ملك الموت بصورة رجل إلى موسى ابتداءً ابتلاءً وامتحانًا لموسى، ولم يحن موعد قبض روحه بعد في علم الله، يعني صحيح الله عز وجل قال لملك الموت: اذهب فاقبض روح موسى، لكن الله يعلم في علمه السابق سبحانه وتعالى أنه لم يحن بعد اللحظة التي سيقبض فيها روح موسى، ملك الموت ما عنده علم، ملك الموت منفذ، أخذ الأمر من الله وذهب ليقبض الروح، الله سبحانه وتعالى يعلم أن لحظة موسى النهائية لم تأتِ بعد، وإنما كان إرسال ملك الموت إلى موسى بصورة رجل من الابتلاء والامتحان.

فهذا السؤال أظن الجواب عنه كثير سهل، يعني أن تقول: لم تأتِ لحظة موت موسى بعد، والله سبحانه وتعالى يعلم ذلك، لكن لا مانع من أن يكون ملك الموت لم يعلم ذلك فأنفذ لينفذ الأمر فوجد أن موسى امتنع عن ذلك، فعاد ملك الموت إلى الله وقال: يا رب، هذا الرجل لا يريد الموت، والله يعلم ذلك سبحانه وتعالى ويعلم أن لحظة موسى لم تأتِ.

طيب نذهب إلى السؤال الثالث: هل موسى فعلًا كان كارها للموت؟ يعني هل يكون نبي من الأنبياء لا يحب الموت؟ كيف تجيب عن هذه الشبهة؟ الجواب: لا مانع أن يكون موسى كارها لطعم الموت، فلا أحد يحب طعم الموت، والإنسان بطبعه يكره الموت كموت ويتخوف منه، لذا دافع موسى عن نفسه وعن حياته أمام هذا الرجل، لكن هذا لا يعني أن موسى لم يكن يحب لقاء الله سبحانه وتعالى، ففرق بين أن نقول: إنني لا أحب الموت ولا أحب طعمه وأتخوف منه، وبين أن تقول: أنا لا أحب لقاء الله، هذا يعني هذه الكلمة خطيرة، تقول: لا أحب لقاء الله، خطيرة جدا، لكن أن تقول: لا أحب الموت، فهذا بطبع الإنسان أنه لا يحب الموت، ولا حرج في ذلك، لا على نبي، ولا على ولي، ولا على رجل من عامة البشر، فالانسان بطبعه يدافع عن حياته، الإنسان بطبعه كإنسان يدافع عن حياته، وأما قضية أنه يشتاق للقاء الله، فموسى كان مشتاقًا للقاء الله، وسأدلل على ذلك من ختام الحديث.

طيب إذا قضية أنه كان يكره الموت، نقول: لا حرج أن يكره الإنسان الموت وأن يكره طعمه، وإنما الحرج هو أن يكره لقاء الله سبحانه وتعالى، وموسى لم يكن كارها لقاء ربه. طيب الإجابة الرابعة أو الإشارة الرابعة: لماذا لم يقتص من موسى عليه السلام على ما فعل؟ هذا يطرحه الزنادقة: موسى فقع عين رجل، لماذا لم يقتص منه؟ كيف نجيب عن هذه الشبهة؟

نقول: أولًا ليس من المنهجية العلمية أن يبني الشخص اعتراضًا هوائيًا على تفاصيل غير واردة في الحديث، فادعاء وجوب القصاص على موسى ينبني أولًا على معرفتنا بتفاصيل المشهد تمامًا، ثانيًا معرفتنا بالسبب الرئيس الذي دفع موسى لطم هذا الرجل، ثم بعد ذلك نقرر: هل الموضوع يستحق القصاص؟ وهل هناك قصاص مستوجب على موسى أم لا؟ أما أن تفترض -كما قلنا- افتراضًا هوائيًا من عند نفسك أن الموضوع كان يستحق القصاص، ثم تعترض: لماذا لم يقتص من موسى؟ ثم تجعل ذلك سببًا في الطعن في الحديث، ثم تجعل ذلك سببًا في الطعن في البخاري وفي صحيح البخاري، هذه كلها سلسلة من الباطل والزور والابتتعاد عن المنهج.

العلم الرصين. أولا: هل عندك معطيات هذه القصة بتفاصيلها؟ حتى تبدأ تطرح هذه الأطروحات وتعترض بهذه الاعتراضات إذا كنت تملكها قدمها لنا؛ الحديث لم يتطرق إلى كل هذه التفاصيل، وإنما هي إشارات عامة كما قلنا.

الإجابة الثانية عن هذه الشبهة: ذكر كثير من شراح الحديث أن موسى لم يكن مذنبا في الدفاع عن نفسه، لأن هذا الرجل دخل عليه بيته أو حاول الاقتراب منه بشكل مريب، وموسى عليه السلام دافع عن نفسه من باب الدفع السائل، ومن كان هذا حاله فلا قصاص عليه. لو أنا دافعت عن نفسي لشخص صال علي أو على بيته وضربته وفقعت عينه في الشريعة المحمدية لا قصاص عليك أصلا. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح»، أي لا قصاص في هذه الحالة. فموسى عليه السلام ما الذي يدريك أنه كان عنده مبرر واضح جدا لأن يدافع عن نفسه أمام هذا الرجل المجهول؟

الإجابة الثالثة: على فرض نفترض أن موسى عليه السلام فرضا كان مخطئا، واستعجل في لطم هذا الرجل فرضا، فإن القصاص هو حق للمضروب، يعني من الذي يطالب بالقصاص؟ هذا الرجل المضروب هو الذي له أن يطالب بالقصاص، وفي نفس الوقت للمضروب أن يعفو عن حقه وألا يطالب به. وهذا المضروب عندنا في هذه القصة كان ملك الموت، الذي تمثل في صورة آدمي، وهو رضي ملك الموت أن يعود إلى ربه سبحانه وتعالى ليعيد الإله له عينه، ولم يطالب ملك الموت بالقصاص من موسى عليه السلام. يعني على كل الأحوال هذه شبهة فاسدة باطلة، من أينما أتيتم ستجدون الإجابة واضحة عند أهل السنة والجماعة. فالقضية كما قلت لكم أحبتي مجرد أهواء والله، مجرد قلوب مريضة تريد أن تطعن بالكتاب والسنة، وعقول متدنية في التفكير العلمي لا تملك أي منطقية وأي عقلانية، نسأل الله السلامة والعافية.

طيب، من الشبهات التي أثاروها أيضا وهي المسألة الرابعة: هل العين المفقوءة هي عين ملك الموت فعلا، أم عين الرجل الذي تشكل ملك الموت على صورته؟ هذه شبهة أيضا أثاروها، فنقول: لا شك أن العين المفقوءة هي عين ذلك الرجل الذي تشكل ملك الموت على صورته، وليست عين ملك الموت. طيب، إذا كيف يحصل يعني كيف ينفصل ملك الموت كملك عن الرجل الذي تشكل في صورته، فبالتالي ملك الموت سليم بين الرجل هو الذي فقعت عينه؟ يعني كيف نجمع بين الحياة النورانية أو الطبيعة النورانية للملائكة والطبيعة الجسدية التي قد يتشكل فيها؟

فاقول هنا أحبتي علينا أن نقف نقول: الذي فقعت عينه هو الرجل هذا ما جاء في الحديث، هو الرجل، لكن كيف يكون هذا وكيف تنفصل الناحية النورانية للملائكة عن الناحية الجسدية؟ فأقول هنا يأتي دور الإقرار والتسليم، علم الغيب الذي لا طاقة للإنسان للخوض فيه. ولكن العقل لا يحيل ذلك بما أنه ما في تناقض عقلي، نعم شيء قد لا تدركه في عقلك قد لا تتصوره كما يقول لك ابن قدامة: قد تجهل طبيعته، لكن عقلك لا يحكم باستحالته، بالتالي عليك أن تتعامل بمنهجية الإقرار والتسليم.

إذا، هنا يأتي دور الإقرار والتسليم لععلم الغيب الذي لا طاقة للإنسان للخوض فيه، فالعقل البشري عاجز عن الخوض في علم الغيب وما أطوى الله عنا تفهمه وكونه، ومحاولة تصور كل قضية غيبية بالعقل وتخيلها هو الذي ذمه الله في كتابه، إنه أصحاب الانحراف وأصحاب المناهج الزائغة يحاولون تخيل أي قضية غيبية في عقولهم، إذا عقولهم ما استطاعت تتخيلها في الواقع يقول: هذه قضية مكذوبة، وهذا ليس منهج المسلمين وليس منهج الإسلام، الإسلام ميزته ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3]، ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾.

فمحاولة تصور كل قضية غيبية بالعقل وتخيلها هو الذي ذمه الله في كتابه فقال سبحانه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 7]. قلنا: الآيات المتشابهات والأشياء المتشابهات يعلم معناها في الشرع، لكن لا يعلم حقيقتها في الخارج وطبيعتها. ﴿فَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: 7] أي طلبا لفتنة الناس وإثارة البلبلة في المعتقدات والطعن في الأحاديث، ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: 7] أي بحثا عن تأويله.

إن معنى التأويل هنا بحثا عن صورته في الخارج، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7]، لا أحد يعلم صورة هذه الأمور في الخارج إلا الله سبحانه وتعالى، وهؤلاء المبتدعة يصدق علي أو تصدق عليهم الآية بالتمام، وهو أنهم يحاولون تطلب حقائق قضايا الغيب لفتنة الناس ولتشكيكهم في الأحاديث الصحيحة والأصول الثابتة، نسأل الله العافية.

خامسا وأخيرا فيما يتعلق بالإجابة عن هذا الحديث أو الشبهات التي أثيرت حوله، لقد جاء هذا ملك الموت مرة أخرى إلى موسى؛ ملك الموت الآن عاد مرة أخرى إلى موسى بصورة رجل. ويا ترى هنا سؤال: هل عاد ملك الموت هذه المرة بصورة ذلك الرجل نفسه الذي فقأ موسى عينه قبل قليل، وبالتالي رأى موسى هذا الرجل مرة أخرى سليم العينين، فعرف أن هذا الرجل يستحيل أن يكون بشرا؟

إذ كيف لرجل أففقئوا عينه قبل قليل يذهب ثم يعود لي بعينين سليمتين؟ وموسى بكونه نبي من الأنبياء عرف بالتالي: أها، إذا في رسالة إلهية، هذا ليس بشر طبيعي، هذا ملك مرسل من الله سبحانه. إذا، هل يا ترى عاد هذا الرجل بصورته السابقة، أو هل يا ترى عاد إليه بصورة ذلك الرجل نفسه الذي فقأ عينه فرآه موسى في هذه الحالة سليم العينين فأدرك حينئذ أن هذا الرجل هو ملك الموت فعلا، أو أنه ملك الموت جاء في هذه المرة الثانية إلى موسى بصورة رجل آخر كان موسى يعتاد على ملك الموت أن يأتي بها؟

هذا أيضا احتمال آخر وارد. لماذا هذا الاحتمال وارد؟ جاء في بعض الأحاديث أحبتي أن ملك الموت كان يأتي موسى ويزوره بشكل متكرر بصورة رجل يألفها موسى ويعرفها، فإذا جاء بصورة هذا الرجل يعرف موسى أن هذا الرجل ملك الموت. لكن في المرة التي فقأ فيها موسى عين ملك الموت، ملك الموت لم يأت بالصورة المعتادة وبصورة الرجل المعتادة، وإنما أتى بصورة رجل آخر، فموسى لم يعرف أن هذا الرجل الآخر هو نفسه ملك الموت، عرفتم؟

فبالتالي وقع خلاف بين شراح الحديث: هل ملك الموت لما عاد في المرة الثانية عاد بنفس صورة الرجل الذي كانت فقئت عينه قبل قليل، لكن لما رآه موسى سليم العينين عرف أن هذا الرجل ليس إنسانا طبيعيا وإنما من عند الله؟ أم أن ملك الموت جاء في المرة الثانية بصورة رجل آخر يعرفها موسى ويألف أن يزوره ملك الموت عليها؟

سيبقى في النهاية احتمال قال الله تعالى أعلم ما هو الصحيح منهما، لكن المهم أن ملك الموت جاء في المرة الثانية وقد تيقن موسى حينئذ أن هذا الرجل هو ملك الموت وأنه مرسل من عند الله، فهنا أقر وسلم موسى لحكم الله. فقال له ملك الموت: إن الله يقول لك: إن كنت تريد الحياة فادخل يدك في شعري، فلك بكل شعرة تقبضها سنة تحياها.

هنا موسى أجاب ملك الموت وقال له: ثم ماذا؟ أي بعد كل هذه السنوات التي سأحياها ماذا سيكون؟ فقال ملك الموت: ثم يكون الموت. فهنا قال موسى: إذا اقبض روحي الآن، هذا بمعنى الكلام، اقبض روحي الآن أي بما أن الموت سيصيبني ولابد أن أتجرع مرارته وأذوق طعمه فدعني أموت الآن فلا حاجة لي بالدنيا، ولقاء الله أحب إلي.

إذا موسى ما كان كارها للقاء الله حاشاه عليه الصلاة والسلام، لكن كان لربما كارها لطعم الموت، وهذا لا إشكال فيه أبدا كما قلنا على بشر، الكل يكره طعم الموت ومرارة الموت. فموسى لما علم أنه بعد كل هذه السنوات التي يمكن أن يحياها سيذوق طعم الموت قاردا لا أريح الحياة الدنيا زهد فيها، وأحب لقاء ربه سبحانه وتعالى، وسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر.

إذا بهذا الجمع وبكل هذه الطرق يلتئم الحديث يتضح معنا، لا يبقى فيه أي لبس ولا ريب إلا لأصحاب القلوب المريضة الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم.

المسألة الثالثة أحبتي: ننتقل الآن إلى أشراط الساعة، فإن ابن قدامة أيضا في لمعته تطرق إلى أشراط الساعة باختصار. إذا المسألة الأولى تكلمنا عنها الإسراء والمعراج. المسألة الثانية من السبعيات لطم موسى لملك الموت، وهذان مثالان على أمرين وقعا في الحياة الدنيا سابقا، مثالان على أمرين وقعا في الحياة الدنيا سابقا لا مجال للعقل إلا أن يتلقاها من النقل بالتسليم والقبول والانقياد.

الان سيذهب ابن قدامة إلى مسائل تقع في الحياة الدنيا مستقبلا، مسائل تقع في الحياة الدنيا مستقبلا ولا مجال فيها للعقل، وإنما تتلقى من السمع فقط، وهو أشراط الساعة. المسألة الثالثة: إذا أشراط الساعة ذكر منها خروج المسيح الدجال. ثانيا: نزول عيسى ابن مريم من السماء فيقتل المسيح الدجال عند باب اللد في فلسطين. ثالثا: خروج يأجوج ومأجوج. ويأجوج ومأجوج آدميون أحبتي، يأجوج ومأجوج آدميون موجودون على الأرض خلف السد الذي بناه ذو القرنين، ولا ينبغي الدخول في أكثر من ذلك كالسؤال عن مكانهم الآن وفرض فرضيات عقلية أن يأجوج ومأجوج هم هذا الشعب أو ذاك الشعب، هذا لا دليل عليه، وإن خوض الإنسان فيه خوض فيما لا علم له به ومن باب الرجم بالغيب.

يعني هذه فقط تفاصيل دقيقة أتكلم عنها، واما استيعاب وسائل علامات الساعة وتفاصيل العلامات التي وردت في الكتاب والسنة، هذا إن شاء الله نأخذه في المطولات، أما هنا أنا فقط أذكر أمثلة سريعا: خروج المسيح الدجال، ونزول عيسى بن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة على الناس ضحى عند البيت الحرام تحدث الناس وتسمهم في جباههم؛ هذه تسمه بأنه مؤمن، وهذا تسمه بأنه كافر.

وهذه العلامة كما ذكر ابن أبي العز هذه العلامة خروج الدابة على الناس في وقت الضحى لتسمهم إلى مؤمن كافر هي أول العلامات الأرضية، أول العلامات الأرضية الكبرى، كما أن طلوع الشمس من مغربها هي أول العلامات السماوية والعلامة الأخيرة إذا هي طلوع الشمس من مغربها. إذا ذكرنا أظن خمس علامات: خروج المسيح الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، خروج يأجوج ومأجوج، خروج الدابة على الناس الضحى لتسليم الناس إلى مؤمن وكافر، وطلوع الشمس من مغربها.

إذا خمس علامات، وابن قدامة لم يستوعب ذكر علامات الساعة أحبتي، لم يستوعب ذكرها وإنما كما قلنا إشارة إلى بعضها إشارة عابرة كنموذج على السمعيات، ينبغي الإيمان بها وتلقيها بالتسليم والقبول. ومن أجمع الأحاديث الصحيحة التي ذكرت أشراط الساعة حديث حذيفة بن أسيد رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم قال: اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر فقال: «ما تذاكرون؟» قلنا: نذكر الساعة. فقال عليه الصلاة والسلام: «إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب». والعلامة العاشرة والأخيرة قال: «واخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم».

فهذا الحديث من أجمع الأحاديث الصحيحة التي ذكرت علامات الساعة الأصول التي يسميها طائفة من أهل العلم علامات الساعة الكبرى. وهنا في الحقيقة سأشير إلى قضية، وهو أن بعض أهل العلم كما قلنا يقسم علامات الساعة إلى علامات ساعة كبرى، إلى علامات ساعة صغرى. ولا إشكال في أصل هذا التقسيم، يعني عموما يعني التقسيم اجتهادي، لكن الإشكال سيكون في ما هو الضابط بالضبط؟ ما هو الضابط المحدد؟ لأن هذه العلامة هي من العلامة الصغرى أو هذه العلامة ستكون من العلامات الكبرى، لأننا لا نملك نصا شرعيا قاطعا أو واضحا بينا أو ظاهرا يخبرنا أن علامات الساعة الكبرى هي كذا وكذا وكذا، وأن علامات الساعة الصغرى هي كذا وكذا وكذا.

فتحديد أو تقسيم العلامات إلى علامات ساعة كبرى، وعلامات ساعة صغرى اجتهاد من أهل العلم، اجتهاد من أهل العلم، لذلك يمكن أن تجد اختلاف، فبعضهم يعد هذه العلامة من الصغرى وبعضهم يعدها من الكبرى. وسبب الخلاف كما قلنا أن النصوص الشرعية لم تأت بضابط محدد لما هو من الكبرى وما هو من الصغرى، وإنما هو اجتهادات استنباطات من بعض أهل العلم.

فلاحظوا أن هناك علامات النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتف بها احتفالا مثلا بهذه العلامات العشر التي ذكرت في الحديث قبل قليل حديث حذيفة بن أسيد، وهناك علامات ركز النبي صلى الله عليه وسلم عليها نبه عظم من شأنها وهي التي تكون عند تقارب الساعة فنعدها كبرى. إذا هي اجتهادات واستنباطات لأهل العلم من الأحاديث في تقسيمهم للعلامات إلى صغرى وإلى كبرى، وهي مسألة اجتهادية وليست مسألة أصلية في الاعتقادات.

طبعا تفاصيل علامات الساعة ما يتعلق بهذه العلامات صنفت فيه العديد من المصنفات لابن كثير ولغيره من أهل العلم، يمكن الرجوع إليه، وسنفصل فيها بإذن الله إن كان في العمر بقية في دورات قادمة بإذن الله. أنا فقط الآن أسير سريعا لسرد باب السمعيات. طيب، أين إذا من قضايا أشراط الساعة وهو مثال على ما سيقع في الحياة الدنيا؟ الآن سينتقل بنا ابن قدامة إلى ما يتعلق بالدار الآخرة، تكلم عن السمعيات.

المسألة الرابعة: اليوم الآخر. من مسائل السمعيات: اليوم الآخر. ذكر ابن قدامة مجموعة من المسائل المتعلقة بالقبر وما بعده من أهوال يوم القيامة، ومن مشاهده. ونحن عرفنا المقصود باليوم الآخر في هذا الباب: من موت الإنسان وحتى يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. هذا هو المقصود باليوم الآخر هنا.

ابن قدامة ذكر مجموعة من المسائل المتعلقة بالقبر، وسيكون في القبر من الفتنة، ذلك ما بعد القبر من أهوال ومشاهد يوم القيامة. وسنذكرها كما ذكرها ابن قدامة تباعاً وبفصيل يسير مختصر يليق بهذه المجالس المختصرة، وإن كان ابن قدامة لم يستوعب جميع مشاهد القبر وجميع مشاهد يوم القيامة بالتفصيل؛ لأنه كما ذكرنا إنما قصد التمثيل لمسائل السمعيات ولم يقصد أن يحشرها جميعاً أو أن يحصيها جميعاً كما قلنا. لكن في الحقيقة هو أشار إلى أبرزها كما سيظهر معنا الآن، وأشار إلى أبرز مشاهد القبر وأبرز مشاهد اليوم الآخر.

دعونا ننظر ما هي المسائل التي أتى بها ابن قدامة رحمة الله عليه في هذا الباب. أولاً: بدأ بعذاب القبر ونعيمه. فنقول: يعتقد أهل السنة والجماعة -ويتبعهم على ذلك جمهور الفرق الإسلامية من الأشاعرة والماتوريدية والمعتزلة، وانتبهوا إلى كلمة المعتزلة- يعتقدون أن عذاب القبر ثابت وأن نعيم القبر ثابت. وهذه المسألة مسألة خبرية نقلية تثبت بالنص، وليس للعقل مجال في إثباتها أو أن يرفضها بناء على عدم مشاهدته لهذا العذاب كما يدعي الماديون والحداثيون.

وتجد بعض كتب الاعتقاد -وهذا هو التنبيه لقضية المعتزلة- أننا نجد بعض كتب الاعتقاد تنسب للمعتزلة أنهم ينفون عذاب القبر، لكن في الحقيقة هذه النسبة ليست دقيقة. فقد قال القاضي عبد الجبار -وهو من رؤوس الاعتزال ومن أئمته الذين يأصلون للأفكار الاعتزالية- في كتابه شرح الأصول الخمسة يقول: فصل في عذاب القبر. عقد فصلا في عذاب القبر. يقول فيه: فصل في عذاب القبر وجملة ذلك أنه لا خلاف فيه بين الأمة إلا شيء ينقل عن ضرار بن عمرو. وكان من أصحاب المعتزلة. ضرار بن عمرو يقول عبد الجبار: كان من أصحاب المعتزلة ثم التحق بالمجبرة. إذاً أحبتي، عبد الجبار وغيره من أئمة الاعتزال ينصون على أن الفكر الاعتزالي يثبت عذاب القبر، بالتالي القول بأنهم لا يثبتون عذاب القبر النسبة ليست دقيقة. إذاً هذا ما يتعلق بعذاب القبر ونعيمه.

سريعاً، ما هي الأدلة على ثبوت عذاب القبر؟ نقول: استدل أهل العلم على عذاب القبر بالعديد من الأدلة الواردة في الكتاب والسنة، وإن كانت نصوص القرآن لم تصرح بشكل قطعي بعذاب القبر لكن نصوص السنة متواترة ومستفيضة في إثباتها. الان هناك آيات قرآنية فيها إشارة لعذاب القبر، لكن البحث العلمي يقتضي أن نقول إنه لا يوجد التصريح بكلمة عذاب القبر في القرآن، لكن في السنة المطهرة عذاب القبر ثابت بشكل متواتر ومستفيض.

فمن الأدلة القرآنية والإشارات القرآنية لعذاب القبر قول الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46]. هذه الآية تدل على أن فرعون وقومه كانوا يعرضون على النار قبل يوم القيامة: النار يعرضون عليها غدواً وعشياً. وحين تقوم الساعة يوم القيامة يقال لآل فرعون: أدخلوا النار. بالتالي العرض على النار هو شكل من أشكال التعذيب في القبر، تعذيب نفسي، ما في مشكلة لكنه شكل من أشكال التعذيب في القبر. وقد استدل بهذه الآية عدد كبير من علماء السلف والخلف على إثبات عذاب القبر، كالامام البخاري في صحيحه ومجاهد بن جبر إمام المفسرين.

أيضاً من الآيات التي تدل على عذاب القبر قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: 101]. نقول: ذهب جمهور السلف إلى أن أحد العذابين المقدمين المذكورين في الآية هو عذاب القبر، أحد العذابين المقدمين على عذاب النار سيكون عذاب القبر. وقال ابن جرير الطبري في تفسيره: والأغلب من إحدى المرتين أنها في القبر. وهذه أصلح الآيات نقولها، أوضح الآيات وأصلح التي تشير إلى قضية عذاب القبر ونعيمه.

لكن كما قلنا لا يوجد تصريح قرآني بكلمة عذاب القبر، وأما السنة فقد ورد في السنة عدد كبير من الأحاديث تتكلم عن عذاب القبر وعن أنواعه ومن يستحقه وبعض التفاصيل المتعلقة به، تصل إلى حد التواتر المعنوي القطعي الذي لا يجوز جحوده لمسلم. وممن حكم بتواتر أحاديث عذاب القبر ابن تيمية وابن القيم وابن رجب وغيرهم من أهل العلم. من أشهر هذه الأحاديث حديث مثلاً الاستعاذة من عذاب القبر الذي نقوله في ختام كل صلاة، أن النبي صلى الله عليه وسلم في ختام الصلاة يتعوذ بالله من أربعة: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر. فحديث الاستعاذة من عذاب القبر في دبر كل صلاة الوارد في البخاري ومسلم. وقد أشار إليه ابن قدامة في لمعته، ابن قدامة استدل بهذا الحديث في إثبات عذاب القبر في لمعة الاعتقاد عندكم.

ومنها أيضاً من الأحاديث التي تثبت عذاب القبر ومن أصلحها قوله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر». وأنا ركزت على هذين الحديثين لأن فيه التصريح بكلمة عذاب القبر، فيها تصريح بكلمة عذاب القبر وهي نصوص صريحة في إثبات هذا العذاب باسمه الصريح.

سؤال سريع: على ماذا يقع عذاب القبر؟ هذه المسألة أحبتي من مواطن الخلاف بين أهل العلم وقد ذكر فيها ثلاثة أقوال. على ماذا يقع عذاب القبر؟ هل هو على الروح والجسد أو على الروح فقط أو على الجسد فقط؟ القول الأول: أن عذاب القبر يقع على الجسد فقط دون الروح، وهذا القول هو الذي ذهبت إليه الكرامية، باب القبر عندهم يقع على الجسد دون الروح، ونسب إلى ابن جرير الطبري إمام المفسرين رحمة الله عليه.

القول الثاني بالعكس: أن عذاب القبر يقع على الروح فقط وليس على الجسد، وهذا القول هو الذي نصره ابن حزم الظاهري رحمة الله عليه، أن عذاب القبر موطنه ومتعلقه على الروح. والقول الصحيح الذي عليه جمهور السلف والخلف: أن عذاب القبر يقع على الروح والجسد معاً. وهذا القول كما قلنا كان عليه جمهور الخلف، بل عد ابن تيمية الرأيين السابقين شاذين لا التفات إليهما.

وأصرح الأدلة التي تدل على أن عذاب القبر يقع على الروح والجسد معاً ما ورد في حديث البراء بن عازب الطويل في أهوال القبر وأحوال الآخرة، لما أتى إلى ذكر عذاب القبر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم تعاد الروح إلى الجسد». فهذا يدل على أن الميت تعاد روحه إلى جسده فيسأل في قبره كما يأتي بعد قليل عن ربه ودينه ونبيه، ويتعرض للعذاب بناء على هذا أو للنعيم بناء على هذا. فبالتالي الصحيح أن عذاب القبر يحل على الروح والجسد وليس على أحدهما فقط، والله تعالى أعلم.

انتهينا من عذاب القبر، هذه أول مسألة من مسائل اليوم الآخر التي تكلم عنها ابن قدامة. المسألة الثانية: فتنة القبر. المراد بفتنة القبر ما هو أحبتي؟ فتنة القبر هو سؤال الملكين للناس في قبورهم عن ربهم ودينهم ونبيهم، هذه هي باختصار. سؤال الملكين للناس في قبورهم عن ربهم ودينهم ونبيهم، ويكون ذلك أحبتي قبل البدء بعذاب القبر أو نعيمه، يعني عذاب القبر ونعيمه يكون بناء على نجاحك أو فشلك في فتنة القبر.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من فتنة القبر كما كان يستعيذ أيضاً من عذاب القبر، وقد قال عليه الصلاة والسلام -وهذا حديث يثبت فتنة القبر-: «أنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريب من فتنة الدجال». وهذا يدل على أن فتنة القبر أحبتي فتنة شديدة، نسأل الله السلامة والعافية.

هل يمكن استثناء بعض الناس من هذه الفتنة؟ هذا الأمر أيضاً مردود لنصوص، دلت النصوص على أن بعض الناس تستثنى من فتنة القبر نتبعها، وليس هذا الأمر مناط بالاجتهاد. فنقول: دلت بعض النصوص على استثناء بعض الناس من فتنة القبر. أولاً: الشهيد يعصم من فتنة القبر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كفى ببارقة السيوف فوق رأسه فتنة». الشهيد، ونسأل الله أن يرزقنا الشهادة وأن يعصمنا من فتنة القبر، الشهيد يعصم من فتنة القبر كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة.

أيضاً من يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة، كما جاء في ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر». رواه الإمام أحمد وحسنه طائفة من أهل العلم. هنا خلاف في تضعيفه ولكن طائفة من أهل العلم حسنوه.

الثلاثة الذي يستثنى من فتنة القبر: المرابط في سبيل الله والملازم لثغور المسلمين ليحمي أعراضهم وبلادهم من الاحتلال. ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي يلازم ثغور المسلمين حتى ولو لم يمت شهيداً، أن الله عز وجل يؤمنه من الفتانين، والمراد بالفتانين كما جاء في الحديث المراد من الفتانين الملكان اللذان يسألان الناس في قبورهم.

نقول: وقد دلت الآثار على أن عدد الملائكة التي تسأل الميت في قبره اثنان، يعني كم ملك يأتي ليسألك؟ الصحيح أنهما اثنان، وقد جاء تسميتهما في بعض الأحاديث بأن أحدهما اسمه منكر أو منكر -على خلاف في حركة الكاف: منكر أو منكر- والثاني اسمه نكير. هذا الحديث الذي وردت فيه هذه التسمية اختلف أهل العلم، البعض يحسنه والبعض يضاعفه، وفي النهاية ستبقى مسائل محل نظر واجتهاد وليست مسائل قطعية.

نذهب الآن إلى المشهد الذي يليه. ذكرنا عذاب القبر وذكرنا فتنة القبر، الآن سنبدأ باليوم الآخر حقيقة يعني بيوم القيامة وأول مشهد من مشاهده البعث بعد الموت -طبعاً سأعود إلى قضية الصعق والنفخ في الصور عموماً في الصور سأعود إليها بعد قليل لأنه هي النفخة تكون بعدها البعث، سأعود إلى قضية النفخ وكم نفخة في الصور بعد قليل، لكن دعوني أتكلم عن البعث تبعا لابن قدامة رحمة الله عليه-.

فاقول أحبتي: البعث بعد الموت يقصد بالبعث بعد الموت أحبتي أن الناس يبعثون من قبورهم أجساداً وأرواحاً ليحاسبوا، يعرض على الله ثم يذهب كل إنسان إلى مصيره من جنة أو نار. هذا المراد بالبعث بعد الموت، أن الناس يخرجون من قبورهم جسداً وروحاً ليعرضوا على الله وليحاسبوا ثم يذهب بكل إنسان إلى مصيره إما إلى الجنة وإما إلى النار، نستعيذ بالله من النار ونسأله سبحانه أن نكون من أهل الجنة.

وقد أجمع على البعث أهل الإسلام وأصحاب الأديان السماوية عموماً، وإنما أنكره بالكلية الدهريون من عرب الجاهلية، وقد أشار الله عز وجل إليهم في كتابه وقالوا: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: 24]. لذلك نسميهم، وكذلك أنكره الماديون من الفلاسفة قديماً وحديثاً الذين لا يؤمنون إلا بالمحسوس المشاهد ويرفضون قضية وجود عالم غيبي آخر.

والذي عليه أهل السنة والجماعة أحبتي أن البعث يكون للروح والجسد معاً، والمقصود ببعث الجسد -وهذا انتبهوا إليه لأن القضية دقيقة- ما المقصود أن الأجساد تبعث؟ المقصود ببعث الجسد هو إرجاع حقيقة الإنسان وصورته التي كان عليها في الدنيا، فإن كل إنسان منا له صورة، له حقيقة، له خصائص شكلية عن أقرانه، فحتى في الحياة الدنيا يعني في الحياة الدنيا لو تلف جلدك وخرج جلد آخر لك ستبقى خصائصك الشكلية كما هي وستبقى زيد زيد وسيبقى عمرو عمرو. فكما أنه في الحياة الدنيا لو تبدل جلد الإنسان كله سيبقى محافظاً على خصائصه الشكلية، فهكذا الشأن في البعث عند الله عز وجل في الآخرة.

فإن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يبعث الناس يمنح العبد جسداً وجسماً ينبت من عجب الذنب أو عجب الذنب -بالميم وبالباء يعني جاءت عجب الذنب وعجب الذنب في الأحاديث- فإن الله عز وجل منح هذا العبد جسداً وجلداً جديداً ينبت من عجب الذنب، ينبت من عجب الذنب فيتشكل هذا الجسد بالصورة التي كان عليها الإنسان في الحياة الدنيا، وبالخصائص الشكلية التي كان عليها الإنسان في الحياة الدنيا، فتعرف أن هذا زيد وأن هذا عمرو، وإن كان هذا الجلد جديداً، فإن تبدل الجلد هذا ليس فقط في الدار الآخرة بل هناك تبدل جلدي في الحياة الدنيا. نعم تفاصيل هذا التبدل وشكل هذا التبدل الله تعالى أعلم بالتفاصيل الدقيقة هذا عالم غيبي، لكن أصل الفكرة واردة عندنا في الدنيا فلا مجال أن يعترض أحد على ذلك كيف يكون في الدار الآخرة.

فإن الله يمنح العبد جسداً ينبت من عجب الذنب أو من عجب الذنب كما جاء في الآثار، هذا الجسد يمتلك نفس الصورة والخصائص الشكلية التي كان عليها هذا الإنسان في الدنيا، وإن كان هو كجلد وعظم يعتبر خلقاً جديداً له، والذي خلق الإنسان أول مرة هو بالتأكيد قادر على أن يعيد تشكيله مرة أخرى، كما بدأنا أول خلق نعيده. قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27].

فإعادة الصورة الشكلية أهون من إنشاء الصورة ابتداءً. طبعا الله عز وجل كل شيء عليه هين، لكن هو سبحانه يخاطب المشركين الذين كانوا ينكرون البعث. فيقول سبحانه إعادة الصور أصلاً في العقل والمنطق هي أهون من إنشاء صورة جديدة مستقلة، فلماذا تنكرون البعث؟

وها أنتم تقرون بأنكم مخلوقون في الحياة الدنيا، فهذا من الإلزام العقلي لهم. تطرق ابن قدامة رحمة الله عليه إلى موضوع النفخ في الصور، هنا يطرح سؤال مهم لأهل العلم وهو كم عدد النفخات التي تكون في الصور؟ نقول اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال على عدد النفخات التي تكون.

القول الأول: أن النفخ في الصور مرتان فقط؛ مرة للفزع والصعق ومرة ثانية يحصل بها البعث. يعني المرة الأولى مرة الفزع والصعق، وهذه تكون لمن بقي حيا على هذه الحياة الدنيا أو من كان موجودا على هذه الأرض يينهيه الله سبحانه وتعالى بالنفخة الأولى نفخة الفزع والصعق، ثم تأتي نفخة أخرى تبعث الناس من قبورهم. وهذا هو اختيار القرطبي رحمة الله تعالى عليه.

القول الثاني: أن الصور ينفخ فيه ثلاث نفخات. النفخة الأولى نفخة الفزع؛ حيث يفزع الناس ويخافون، الناس الذين تقوم عليهم الساعة آخر من يبقى على هذه الأرض ينفخ أول ما فيهم نفخة الفزع فيفزعون، وهذه دلت عليها آية النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّمَاوَاتِ وَمَن في الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: 87].

النفخة الثانية: نفخة الصعق؛ حيث يموت هؤلاء الناس جميعا بعد فزعهم، فأولا هناك فزع ثم نفخة ثانية تكون للصعق. ونفخة الصعق على سورة الزمر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68]. فهذه نفخة الصعق.

النفخة الثالثة: نفخة البعث، وهي التي دلت عليها سورة الزمر أيضا؛ لأنه قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾. فسورة النمل دلت على نفخة الفزع، وسورة الزمر دلت على نفخة الصعق ونفخة البعث. وهذا القول اختاره أكثر المحققين من أهل العلم كابن العربي المالكي رحمة الله عليه -ابن العربي بالتعريف وليس ابن عربي رأس الفكر الاتحادي- ابن العربي المالكي رحمة الله عليه، وابن تيمية وابن القيم وابن كثير.

إذاً القول الأول نفختان، القول الثاني ثلاث نفخات. القول الثالث: أن النفخات أربع؛ نفخة إماتة ثم إحياء، ثم فزع وصعق ثم استيقاظ من الصعق. فهناك أربع نفخات على هذا الرأي؛ نفخة إماتة يموت منها الناس الذين كانوا على وجه الأرض، ثم نفخة إحياء للبعث، ثم نفخة فزع وصعق تكون في اليوم الآخر هذه النفخة الثالثة، نفخة وصعق الناس الذين كانوا في أرض المحشر يفزعون ويصعقون ويسقطون، لكن هذا لا يكون موتى، يصعقون لكنه لا يكون موتى، ثم تأتي نفخة رابعة الاستيقاظ من الصعق، وذهب إليه طائفة من أهل العلم.

فإذاً المسألة فيما يظهر مسألة اجتهادية بناء على فهم النصوص الشرعية، ما هو الفهم الصحيح والأقرب لها؟ إلا الفهم الثاني وهو أن هناك ثلاث نفخات قد يكون هو الأقرب لدلالة النصوص، والله تعالى أعلم.

فائدة سريعة، وهو أن ما معنى كلمة الصور؟ النفخ في الصور ما هو الصور؟ الصور في اللغة هو البوق، وأظن البوق معلوم لديكم. والملك الموكل بالنفخ في الصور كما دلت على ذلك الآثار الصحيحة هو إسرافيل عليه السلام، إسرافيل عليه السلام بل نقلها حتى بعض أهل العلم الإجماع على ذلك.

إذا انتهينا من قضية البعث وطبيعة النفخات التي تتعلق بالبعث، نتكلم عن قضية الحشر أو نلجأها للمحاضرة القادمة نكمل، أظن أنني أطلت عليكم في هذه المدارس.

إذاً أحبتي، موضوع إكمال أهوال يوم القيامة مشاهد يوم القيامة السمعيات سنكمله بإذن الله في المحاضرة القادمة، وننطلق إلى المحور الثالث. بدأنا رحلة إن شاء الله في هذه الدورة، ننطلق إلى المحور الثالث محور النبوات.

اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، طريقك نحو علم شرعي راسخ.