غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح لمعة الاعتقاد للشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب لمعة الاعتقاد للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الصالحي رحمة الله تعالى عليه.
في المحاضرة السابقة أحبتي كنا بدأنا حديثنا عن باب السمعيات، وهو المحور الثاني أو الموضوع الثاني في علم الاعتقاد، وعرفنا أن باب السمعيات هو المسائل التي لا سبيل للعقل لإدراكها بنفسه ابتداء، وإنما عليه أن يتلقاها من السمع والخبر، ثم يتفهمها ويتعقلها، هذه وظيفة العقل تجاه هذه المسائل، يتلقاها من السمع، ينقاد إليها ويستسلم لها، ويتعقلها ويتفهمها، وما لم يستطع أن يتعقله في الخارج يعرف صورته فيفوض أمره إلى خالقه سبحانه وتعالى.
عرفنا مجالات باب السمعيات، وقلنا: باب السمعيات لا يتعلق فقط اليوم الآخر، بل باب السمعيات له مجال أيضاً في الحياة الدنيا في مسائل وقعت في الماضي أو ستقع في المستقبل، وذكرنا أمثلة على ذلك: الإسراء والمعراج، وعالجنا قضية لطم موسى لملك الموت التي يثيرها المشككون، ثم انتقل القضية علامات الساعة الكبرى والصغرى كمثال وأنموذج على مسائل في الحياة الدنيا ستقع ولا سبيل للعقل بإدراكها مستقلة. ثم انتقل بعد ذلك للحديث عن مسائل اليوم الآخر، وعرفنا أن المقصود باليوم الآخر هنا في هذا المبحث يشمل كل ما يكون بعد موت الإنسان، وليس ما هو المتبادر إلى الأذهان أن اليوم الآخر يوم القيامة فقط، بل حينما يبحث علماء العقائد في اليوم الآخر فيقصدون هنا ما يدخل من الحياة البرزخية إلى ما بعد ذلك حتى يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، نسأل الله العافية من عذابه، ونسأله أن يجعلنا من أهل نعيمه ورضوانه.
بدأنا في مراحل عذاب القبر، وتكلمنا عن قبل عذاب القبر هناك فتنة القبر، ثم تكلمنا عن قضية النفخات وكم عدد النفخات والخلاف بين أهل العلم في ذلك، ثم تكلمنا عن موضوع البعث وما حقيقته. اليوم أحبتي سأكمل المسير سريعاً في سرد مراحل يوم القيامة إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وما يتعلق بكل مرحلة من هذه المراحل رؤوس الخلافيات فيها، لأنها ليست هي موضوع بحثي في هذه الدورة، وإنما كما قلنا ابن قدامة أصالة أشار إليها إشارة سريعة مقتضبة ليمثل تمثيلاً على مسائل السمعيات، وليس المراد الاستيفاء التام لكل تفاصيلها ودقائقها، فهذا يكون في المستقبل إن كان في العمر بقية بإذن الله.
إذاً، تكلمنا عن النفخات، ثم تكلمنا عن البعث من القبور، الوقوف بين يدي الملك الجبار سبحانه وتعالى، وقبل أن أدخل في المشهد الذي يليه أحبتي علينا أن نستشعر عظمة هذه المواقف، فحينما ندرس مسائل الاعتقاد نحن لا ندرسها مسائل نظرية، هي اسمها مسائل اعتقادية، علينا أن نعتقد هذا في قلوبنا، وأن يظهر أثر هذا الاعتقاد في جوارحنا حينما نسير في هذه الحياة الدنيا نسير ونحن ندرك أن هذه الحياة حياة قصيرة، وأن خطواتنا قليلة، وأننا قريباً سنغادرها، وستطوى آثارنا ونصبح تحت الثرى، ثم سننتقل بعد ذلك في الحياة البرزخية وفي مراحلها، ثم ننتقل إلى الله سبحانه وتعالى، أثر هذه المعتقدات على حياة المسلم ماذا ينبغي أن يكون في اجتنابه للمعاصي، في تقواه لله سبحانه وتعالى، في جعله وقاية بينه وبين عذاب الله، في اجتناب الشبهات، في غض البصر، في الصبر على طلب العلم، في الصبر على لأواء الحياة، في عدم التكبر والتجبر على خلق الله سبحانه وتعالى، في قلة الكلام، في قيام الليل، في قراءة القرآن. نعم، أثر هذه المعتقدات يجب أن يتجلى في حياتنا، وإلا نبقى في الطرح العقدي ضمن الإطار التنظيري، بل ينبغي أن تكون هذه المعتقدات هي الوقود في حياتنا، لذلك نحن ذكرنا أهمية دراسة الاعتقاد في بداية هذه الدورة، وقلنا: أهمية دراسة المعتقد أن يكون المعتقد هو الوقود الذي يحركنا للإنجاز للتقديم للبذل للعطاء في هذه الحياة الدنيا، لأننا نوقن أن المعتقد هو أغلى شيء يملكه إنسان، فاذا كان المعتقد صحيحاً سليماً مستقيماً يسير على طريقة أهل السنة والجماعة، فإن هذا المعتقد ستتفجر طاقاته في الأمة وسيولد لنا إنجازاً حضارياً هائلاً ضخماً بإذن الله.
طيب، حتى لا أطيل في هذه الفكرة هي مجرد فكرة سريعة حتى لا يبقى كما قلنا مجرد كلام تنظيري نريد التطبيق العملي، أعود إلى مبحث مراحل يوم القيامة، الآن وبعد البعث يأتي الحشر، هذا المشهد الجديد مشهد الحشر. ما المراد بالحشر؟ قال أهل العلم: الحشر هو جمع الناس في مكان واحد بعد بعثهم من قبورهم، حيث يحشر الناس عراة حفاة غرلا. ما معنى غرلا؟ أي غير مختونين، وهذا كله جاءت به الأحاديث الصحيحة، فيحشر الناس إلى ربهم عراة حفاة غرلا أي غير مختونين بهماً، بهماً أي لا يملكون أي شيء، الذين كانوا يكنزون في هذه الدنيا في البنوك جبابرة الأرض الذين نهبوا ثروات الشعوب، سيأتون يوم القيامة مثلنا أحبتي حفاة عراة غرلا غير مختونين بهماً، الكل سيستوي في هذا المشهد بين يدي ملك الملوك سبحانه وتعالى، وهذا مشهد مهيب، انظر الخلق من لدن آدم عليه السلام وإلى قيام الساعة، الكل سيأتي إلى هذا الموقف المهيب بهذه الهيئة المهيبة، رجالاً نساءً شيباً وشباباً، الكل سيجتمع في مشهد مهيب مخيف. تفاصيل أحبتي يجب دائماً في أذهاننا مستحضرة، وأنا هنا أنصح أحبتي في قراءة رسالة التوهم للحارث المحاسبي، فإنه أبدع في التوصيف العميق لمشاهد هذا اليوم ودقائق اللحظات، ستشعرون في أثناء قراءتكم لهذه الرسالة اللطيفة رسالة التوهم بعظم هذا المشهد وخطورته وهيبته، وأنها والله لحظات مفزعة إذا لم نعمل لها في الحياة الدنيا فإن الخسارة ستكون وخيمة يوم نلقى الله سبحانه وتعالى، نسأل الله عز وجل ألا يخزينا يوم العرض عليه.
إذاً، يحشر الناس بهذه الهيئة عراة حفاة غرلا غير مختونين بهماً أي لا يوجد معهم شيء، وتكون أرض المحشر، إيش صفة أرض المحشر؟ وتكون أرض المحشر أرضاً بيضاء خالصة، خالصة في بياضها من أنفس الأراضي وأجودها كما جاء في الأحاديث الصحيحة، ولا يعرف هذه الأرض أحد من الناس. إيش طبيعة هذه الأرض؟ أين هي؟ لا يعلمها أحد من الناس، فإن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: 48]. هذه الآية مخيفة أحبتي، يوم تبدل الأرض غير الأرض السماوات وبرزوا لله الواحد القهار، أنت وملك الملوك في المشهد، انتهت، كل العلائق الدنيوية، كل المحسوبات، كل العلاقات، الآن بين يدي ملك الملوك سيبرز كل شيء ورسول الله الواحد القهار.
استشكال جاء في الأحاديث: أن الإنسان يبعث على ما مات عليه، وهنا تقولون يا شيخ أن الناس كلهم يحشرون على حالة واحدة وهي حفاة عراة غرل بهم، فكيف الجمع بين النصوص؟ فهمتم الاستشكال؟ جاء في بعض الأحاديث أن الإنسان يبعث على ما مات عليه، فمن مات ساجداً يبعث ساجداً، ومن مات في ميدان الجهاد عز في ميدان الجهاد، ومن مات على معصية عموم الأحاديث تدل على أنه يبعث على هذه المعصية، نسأل الله السلامة والعافية، بينما نجد أحاديث أخرى مثل هذه الأحاديث التي بين أيدينا تدل على أن الناس يحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا بهماً، فكيف نجمع إذاً بين هذه النصوص وهذه النصوص؟ طبعا هناك عدة أجوبة قدمها أهل العلم لهذا الإشكال، أقرب الأجوبة وهي مسألة اجتهادية في النهاية، أقرب الأجوبة والله تعالى أعلم أن الناس أحبتي أو يعني علينا أن نفرق بين مشهد المبعث ومشهد الحشر، فالأحاديث تقول: الإنسان يبعث على ما مات عليه، هذا مشهد البعث، فيبعث الإنسان فعلاً على ما مات عليه من طاعة أو من معصية، ثم لما يأتي المشهد الآخر مشهد الحشر هنا الكل سيستوي في حاله، فالكل سيكون بصورة الحفاة العراة الغرل البهم، إذاً نفرق بين المشهدين، مشهد البعث يبعث الإنسان على ما مات عليه، ومشهد الحشر تستوي فيه هذه الصورة والله تعالى أعلم.
طيب، نقول: قد دلت النصوص أيضاً على أن الناس يطول وقوفهم في أرض المحشر حتى يشفع لهم النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة العظمى ليبدأ الله عز وجل الحساب، كما سيأتي معنا إن شاء الله في مشهد الشفاعة. يعني هذه أهم الأفكار التي أود أن أسوقها في قضية الحشر، دعونا ننتقل الآن إلى قضية الشفاعة. من مشاهد يوم القيامة العظيمة مشهد الشفاعة، هذا المشهد أحبتي من المشاهد المهمة في اليوم الآخر، وهو من مشاهد رحمة الله، هو تفضل وتكرم من ذي الجلال والإكرام سبحانه وتعالى، وهو من مشاهد رحمة الله العظمى بالخلق، والشفاعة أنواع منها ما اتفق عليه أهل العلم، ومنها ما اختلف فيه، وبعض الخلاف مستساغ وبعضه مبتدع، إذاً شفاعات متفق عليها وهناك شفاعات مختلف فيها، الشفاعات المختلف فيها بعض الخلاف مستساغ نعم مسألة اجتهادية في إثبات أو عدم إثباتها، وبعض الشفاعات لا الخلاف فيها غير مستساغ، أهل السنة لهم منهج دلت عليه النصوص الصريحة، ومن خالفهم فيها فهو من أهل البدع، فهذه الخارطة عموماً في مسائل الشفاعات.
طيب، الآن سأحرد بشكل مختصر أنواع هذه الشفاعات التي ذكرها أهل العلم. أول شفاعة من هذه الشفاعات الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود الذي يناله النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه يوم القيامة على ما عليه جماهير أهل العلم، ويقصد بهذه الشفاعة أحبتي شفاعته صلى الله عليه وسلم لأهل الموقف جميعاً لبدء الحساب، بعدما يطول وقوفهم يشفع للمسلم والكافر فهي شفاعة للخلق جميعاً، لذلك سميت الشفاعة العظمى، يشفع للخلق جميعاً لبدء الحساب بعدما يطول وقوفهم وانتظارهم وتدنو الشمس منهم ويفزعون للرسل والأنبياء، فيذهبون إلى آدم فيعتذر، ثم يذهبون إلى نوح فيعتذر، ويذهبون إلى إبراهيم ويذهبون إلى موسى فيعتذر، ويذهبون إلى عيسى فيعتذر، والكل في النهاية يرفع يديه ولا يبقى إلا محمد صلى الله عليه وسلم يقول: أنا لها، أنا لها، فيذهب عند ربه سبحانه وتعالى ويخر ساجداً بين يدي مولاه، ويفتح الله عليه من محامده ويقول له: يا محمد ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع، إلى آخر التفاصيل التي دلت عليها الأحاديث الصحاح، فيستشفع الرب سبحانه وتعالى حتى يبدأ الحساب للخلق، فيأتي الله سبحانه وتعالى حينئذ لبدء حساب، فهذه هي الشفاعة الأولى العظمى للنبي صلى الله عليه وسلم.
النوع الثاني أو الشفاعة الثانية هي أيضاً شفاعة للنبي صلى الله عليه وسلم، شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين حتى يؤذن لهم في دخول الجنة، فأهل الإيمان الذين قضي لهم من أنهم من أهل الجنة لن يدخلوا باب الجنة حتى يشفع لهم النبي صلى الله عليه وسلم لدخولها، ويكون هو أول داخل بابي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه، هذه الشفاعة الثانية للمؤمنين حتى يؤذن لهم في دخول الجنة.
ثالثاً: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لقوم استحقوا النار وأوجبت عليهم أحوالهم أنهم من أهل النار ألا يدخلوها، إذاً يشفع النبي عليه الصلاة والسلام لقوم استحقوا النار بسبب أعمالهم السيئة ألا يدخلوها، طبعا هؤلاء يكونون من عصاة المؤمنين، أما الكفار لا شفاعة لهم سوى ما سيستثنى من شفاعة أبي طالب، أما الأصل الكفار عموماً لا شفاعة لهم، إذاً شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لقوم استحقوا النار من عصاة المؤمنين ألا يدخلوها. أقول وقد اختلف أهل العلم في إثبات هذا النوع من الشفاعة، والخلاف في إثباتها مستساغ، هذه الشفاعة هي ثابتة في الحقيقة لا توجد أحاديث صريحة صحيحة في إثباتها، شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لقوم استحقوا النار من عصاة المؤمنين حتى لا يدخلوها ابتداء ويعفى عنهم ويذهب بهم إلى الجنة مباشرة، هل هناك أحاديث صحيحة صريحة تثبت هذا النوع من الشفاعة؟ نقول: الحقيقة هناك خلاف بين أهل العلم في إثباتها، أثبتها الإمام النووي رحمة الله عليه، ابن تيمية، ابن كثير، ابن حجر العسقلاني، وسكت عن إثباتها ابن القيم ومجموعة من أهل العلم لعدم وجود الدليل الصريح في إثباتها، فالخلاف كما قلنا في هذا النوع مستساغ، من أثبتها يعني باستنباطات ذكرها ابن تيمية وغيره في المطولات استنباطات وليست صريحات فهذا له وجهة نظر، ومن اختار السكوت عنها وتفويض أمرها إلى الله سبحانه وتعالى يقول الله أعلم في حالها فهذا أيضاً اختيار جيد وذهب إليه طائفة من أهل العلم. إذاً هذه الشفاعة الثالثة وعرفنا أنه وقع فيها خلاف.
الشفاعة الرابعة: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين في الجنة حتى ترتفع درجاتهم، هذه الشفاعة الرابعة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين بعد دخول الجنة حتى يرتفعوا درجات فوق الدرجات التي هم فيها، وقد أثبت هذا النوع من الشفاعة من الذي أثبته من أهل العلم؟ ابن أبي العز الحنفي والنووي رحمة الله عليه، لكن عند التحقيق لا يوجد دليل يثبت هذا النوع من الشفاعة ولا مجال للاجتهاد فيها في الحقيقة، يعني مثل هذا النوع لا يوجد أي دليل صريح أو دليل استنباطي يعني نستطيع أن نأخذ من هذه الفكرة، وفي النهاية نحن كما قلنا في باب السمعيات، وباب السمعيات الأصل نأخذ من السمع، وليست القضية قضية قياس أو اجتهاد، وقد نص ابن عبد البر أن باب اليوم الآخر بالتحديد
لا يوجد في مجال أنك تقيس شفاعة على شفاعة أو تثبت شفاعة من خلال اجتهاد العام أو القياس العام. لابد إما دليل صريح أو فيه تلميح واستنباط قريب كما فعل ابن النحاس وابن تيمية في النوع الذي قبله.
شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لبعض عصاة المؤمنين الذين استحقوا النار حتى لا يدخلوها. أما هذا النوع، النوع الرابع: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين في الجنة حتى ترتفع درجاتهم حتى ولو ذكره ابن أبي العز الحنفي رحمة الله عليه شارح العقيدة الطحاوية أو رجل من أهل السنة، وحتى لو ذكره النووي رحمة الله عليه.
لكن في النهاية بما أنه لا يوجد دليل صريح أو قريب يمكن أن نعتمد عليه في اثباتها، فالاصل إذا أن نسكت عنها ونفوض أمرها إلى الله. الشفاعة الخامسة: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم حتى يدخلوا الجنة مباشرة.
قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. طبعا في خلاف: هل هم أهل الأعراف أم أهل الأعراف شيء آخر؟ أهل الأعراف احبتي ليس متفق أنهم هم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم، هناك أكثر من تسع أقوال في طبيعة أهل الأعراف.
فلذلك نحن الآن لن ندخل في هذه التفاصيل، ونقول عموما: أثبت بعض أهل العلم شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لقوم استوت حسناتهم وسيئاتهم حتى يدخلوا الجنة ويتجاوز الله عز وجل عنهم. وهذه الشفاعة أيضا محل خلاف بين أهل السنة والجماعة ولا دليل واضح على.
طب يا شيخ، لماذا تذكر؟ أذكر أحبتي هذه الانواع لأعطيكم الخلاصة؛ لأنكم ستقرؤون في كتب أهل العلم هذه الأنواع من الشفاعات فتظنون أن كلها متفق عليها، فكان لابد أن أسرده لكم الشفاعة نوعا نوعا، وأبين ما هو متفق عليه وما هو مختلف فيه، وما هي أنواع الخلاف المستساغة وما أنواع الخلاف غير المستساغة.
فإذا وصلنا إلى الشفاعة الخامسة -وهي إلى الآن أنا أسرد الشفاعات الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وانتبهوا على هذا، الشفاعات الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم- فكانت الشفاعة الخامسة شفاعته في قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم حتى يدخلوا الجنة.
الشفاعة السادسة التي يتكلم عنها أهل العلم: شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لعمه أبي طالب حتى يخفف الله عنه العذاب في جهنم، لذلك أبو طالب أخف الكفار عذابا، أخف الكفار عذابا توضع تحت قدمه يعني حجر أو جمرة مغلية يغلي منها دماغه.
وهذا جاء في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الذي استطاع أن ينفع به عمه: يوضع تحته جمرة يغلي منها دماغه، هذا أخف الكفار عذابا، نسأل الله أن يقينا من عذابه وأن يثبتنا على الدين حتى نلقاه. فهذه شفاعة للنبي صلى الله عليه وسلم.
إذا، هذه الشفاعات الست -لاحظوا الآن تكلمنا عن ست شفاعات- أقول جميع هذه الشفاعات الست، المتفق عليها أو المختلف فيها يعني بغض النظر متفق ومختلف فيها، جميع هذه أنواع الشفاعات الست إنما يثبتها أهل العلم خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم. نعيدها سريعا: الشفاعة العظمى لأهل الموقف وهذه متفق عليها، شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين حتى يؤذن لهم في دخول الجنة وهذه متفق عليها، شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لقوم استحقوا النار من عصاة المؤمنين حتى لا يدخلوها وهذه مختلف فيها، شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام للمؤمنين في الجنة حتى ترتفع درجاتهم وهذه مختلف فيها، الخامسة: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لمن استوت حسناتهم وسيئاتهم حتى يدخلوا الجنة وهذه مختلف فيها، شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لعمه أبي طالب حتى يخفف عنه العذاب وهذه ثابتة متفق عليها وهي الشفاعة السادسة.
الآن سأنتقل للشفاعة السابعة، وهذه هي محل الاشكال بين أهل السنة وبين أهل البدع من المعتزلة خصوصا ومن سار على دربهم من الخوارج في قضية الإيمان.
الشفاعة السابعة هي شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم -ركزوا فيها-: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم والنبيين عموما والملائكة والمؤمنين، كل هؤلاء سيشفعون، هذه الشفاعة السابعة، شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام والنبيين والملائكة والمؤمنين في قوم دخلوا النار من أهل الكبائر ليخرجوا منها. قوم من عصاة المؤمنين فعلوا الكبائر فدخلوا النار، يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويأتي النبيون ويأتي الملائكة ويأتي الصالحون والأولياء، كلهم يشفعون لهؤلاء الذين ارتكبوا الكبائر عصاة المؤمنين حتى يخرجوا من النار بعد دخولها.
وهذا النوع أحبتي من الشفاعة دلت عليه الأحاديث الصحيحة القطعية في البخاري ومسلم عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنكار هذا النوع بدعة والذي أنكره هم المعتزلة والخوارج عموما.
لكن المعتزلة ركز عليهم؛ لأنه مر علينا أن المعتزلة يرون أن مرتكب الكبيرة في الحياة الدنيا في منزلة بين منزلتين ويسمونه فاسقا، وفي الآخرة يعتبرونه كافرا مخلدا في النار، فلذلك لا يؤمنون بهذه الشفاعة لأنهم يرونه مخلدا في النار لا يخرج منها.
وكذلك الخوارج الذين يكفرون -كما قلنا- بعموم ما ليس بمكفر، الخوارج الذين يكفرون بعموم ما ليس بمكفر فيكفرون أهل الكبائر وأهل الصغائر وما شابه ذلك فيكفرون بأُمور ليست مكفرة، فمثل هؤلاء الناس من عصاة المؤمنين الذين دخلوا النار بسبب الكبائر سيكونون كفارا عند الخوارج، وبالتالي لن يخرجوا من النار، لن يخرجوا من النار.
نقول: هذا النوع يجب على المؤمن إثباته، وهو علامة مميزة لأهل السنة والجماعة، والنصوص الدالة عليه نصوص صريحة قطعية لا مجال لأحد أن يشكك فيها، وهي شفاعة ليست خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم بل هي شاملة يشفعها النبي عليه الصلاة والسلام والأنبياء عموما والملائكة والصالحون، فهذه إذا هي الشفاعات السبع التي تكون يوم القيامة؛ منها ما هو متفق عليه كما قلنا، ومنها ما هو مختلف فيه اختلاف سائغ، ومنها ما هو مختلف فيه اختلاف غير سائغ ويجب اثباته، وهو النوع السابع بالتحديد.
إذا، انتهيت من مشهد الشفاعة. طبعا أحبتي لو تلاحظون أننا لا نختصر جدا مقارنة بطرحنا السابق؛ لأننا لو أتينا بالادله على كل في مشهد من مشاهد يوم القيامة ونستدل على كل تفصيل من هذه التفاصيل ستطول الدورة كثيرا وليس هذا مقصدي، وإنما مقصدي المرور السريع والعرض العام.
بعد مشهد الشفاعة أحبتي دعونا ننتقل لمشهد آخر: مشهد تطاير الصحف. ومشهد تطاير الصحف وهذا المشهد يكون قبل الحساب، لذلك ذكرته قبل مشهد الحساب، تطاير الصحف، تتطاير الصحف عفوا هو ذاته نشر الدواوين؛ لأنه في بعض الأحاديث جاءت قضية نشر الدواوين، فنقول: مفهوم تطاير الصحف أو هذا المشهد هو نفسه ما يقصد به نشر الدواوين.
تطاير الصحف هو ذاته نشر الدواوين، حيث دلت نصوص الكتاب والسنة على أن صحف الأعمال توزع على العباد يوم القيامة عن طريق التطاير. نصوص الكتاب والسنة دلت على أن صحف الأعمال كيف توزع على العباد وعلى هذا المشهد المهيب؟ تتطاير هذه الصحف فتقع بين يدي العباد.
الآن كيف تقع بين يدي العباد؟ نقول: كل إنسان يقع كتابه بيده، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: 13]. كتاب أعماله يلقاه منشورا.
وقد دلت النصوص على اختلاف الناس في طريقة تلقي الكتاب بسورة الحاقة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: 19-20] فهو في عيشة راضية.
الشخص الآخر، أما من أوتي كتابه بشماله، في سورة الانشقاق أيضا وراء ظهره: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق: 10]. فإذا، على ماذا تدل النصوص في قضية تلقي الكتب؟
نقول أحبتي: دلت النصوص على اختلاف الناس في طريقة تلقي الكتاب. أولا: المؤمن الطائع لله سبحانه وتعالى اتفق أهل العلم على أنه يتلقى كتابه بيمينه، هذه واضحة ودلت عليها النصوص بشكل صريح. الكافر يتلقى كتابه بشماله من وراء ظهره على الصحيح من كلام أهل العلم وهذا دلت عليه سورة الانشقاق، الجمع بينها وبين الآيات يدل على أن الكافر طبيعة تلقيه كتابه بشماله من وراء ظهره، نسأل الله ألا نكون من هؤلاء وأن نكون من أهل اليمين.
النوع الثالث: المؤمن العاصي، هذا الذي وقع فيه الخلاف بين أهل العلم، وهي مسألة اجتهادية؛ المؤمن العاصي اختلف العلماء فيه فقيل: المؤمن العاصي يتلقى كتابه باليمين مثله مثل المؤمن المطيع، وقيل: المؤمن العاصي يتلقى كتابه بالشمال لكن من أمامه وليس من وراء ظهره كالكافر، وقيل: بالسكوت عن الخوض في هذه المسألة وهذا الذي يراه أسلم؛ السكوت؛ لأنه لا يوجد عندنا دليل واضح فيها، ونحن في باب السمعيات، والسمعيات لا تتلقى بالاجتهاد ولا بالعقل وإنما تتلقى من النص، فاذا لم نجد نصا فقد كفانا الله عز وجل مؤنة البحث فيها.
نذهب إلى المشهد الذي يليه: مشهد الحساب، ويقصد به توقيف الله العباد قبل الانصراف من المحشر على أعمالهم، خيرا كانت أو شرا.
ما هو الحساب تعريفه مرة أخرى؟ أن يوقف الله عز وجل العباد قبل أن ينصرفوا من أرض المحشر إلى مصيرهم جنة أو نار، يوقف العباد على أعمالهم التي عملوها في الحياة الدنيا خيرا أو شرا، وجاءت طبعا في الأحاديث تفاصيل الحساب: وأنه ما منكم من أحد إلا وسيكلم ربه ليس بينه وبينه ترجمان إلى آخر الأحاديث التي تجدونها في المطولات بإذن الله ونبحثها، المهم أن نفهم ما هي طبيعة الحساب؛ أن يوقف الله العباد على الأعمال التي عملوها خيرا كانت أو شرا.
الآن أنت تتخيل المشهد، الصحف الآن بين يدي العباد، المؤمن المطيع، المؤمن العاصي، الكافر، كل صحفه بين يديه، والآن سيأتي عرض هذه الصحف، كل إنسان ماسك كتابه بين يدي ربه سبحانه وتعالى، فنسأل الله ألا نخجل ونحن ننظر في هذه الصحف أحبتي: ماذا فعلت في اليوم الفلاني؟ وأين أطلقت بصرك في هذا اليوم؟ وهل نمت عن صلاة الفجر في هذا اليوم؟ وهل قصرت في ذكر الله سبحانه وتعالى وهل عصيت؟
هناك من سيخجل سيتصبب عرقا بين يدي مولاه، فنسأل الله أن يعاملنا بستره، نسأل الله أن يعاملنا بستره وفضله واحسانه إنه ولي ذلك والقادر عليه. نقول: الصحيح الذي دلت عليه النصوص أن الجميع يخضع لهذا المشهد، هناك خلاف بين أهل العلم: هل الكل سيخضع لمشهد الحساب؟ فنقول أحبتي: الصحيح الذي دلت عليه النصوص أن الجميع يخضع لهذا المشهد، الأنبياء، المؤمنون، الكافرون، الجن، لاحظوا الأنبياء والمؤمنون والكافرون والجن.
لكن هناك الحساب اليسير وهناك الحساب الشديد، الله عز وجل سيحاسب بعض الناس حسابا يسيرا، وهو الذي فسره النبي صلى الله عليه وسلم بماذا؟ بالعرض، العرض على الله سبحانه وتعالى سريعا من دون أن يوقفك الله على كل غلطة وعلى كل شيء، الله عز وجل سبحانه وتعالى يصبغ عليك ستره وعافيته، فهذا يحاسب ويسمى أيضا عرضا، وهو حساب يسير.
وأما الحساب الذي ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم: من نوقش الحساب فقد عذب، فهو الحساب الشديد العسر، نسأل الله السلامة والعافية، حيث يوقف الله عز وجل الإنسان فكل همزاته وأخطائه وزلاته وقلة أدبه مع مولاه سبحانه وتعالى، فنسأل الله أن نكون ممن تجاوز عنهم وأن نكون من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة من غير حساب ولا عذاب؛ فإن هناك يعني الأصل العام أن هذا الحساب يخضع له جميع الطبقات حتى الأنبياء، لا يوجد دليل على استثناء الأنبياء فالأنبياء والمؤمنون والكافرون والجن الكل سيخضع لهذا الحساب.
الآن هناك نصوص دلت أن بعض هؤلاء يستثنى لفضائل معينة فعلوها، نعم، مثل السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب كما بين النبي صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء أكرمهم الله سبحانه وتعالى بالتزامهم بفضائل معينة أنهم يدخلون الجنة من دون أن يشهدوا هذا المشهد، من دون أن يشهدوا مشهد الحساب، وإلا في الأصل العام أن الكل سيخضع لهذا المشهد من الأنبياء كما قلنا ومن المؤمنين ومن الكافرين وحتى الجن، الكل سيخضع بين يدي الله سبحانه وتعالى، وإنما الخلاف سيكون في طبيعة الحساب؛ هل هو الحساب اليسير والذي يسمى عرضا، أو الحساب الذي ستتناقش فيه الأمور؟ نسأل الله الستر والعافية.
فإن قيل: ما الفائدة من حساب الكافرين وقد قطع لهم بالنار بسبب كفرهم؟ فالجواب هو أن حساب الكفار في الحقيقة هو ليس لموازنة حسناتهم وسيئاتهم كما يحاسب المؤمن المطيع أو المؤمن العاصي أو ما شابه ذلك، لا، حساب الكفار أحبتي إنما هو حساب لإحصاء أعمالهم عليهم ولإيقافهم على جرائمهم ثم يوبخهم الله عز وجل ثم يلقى بهم في النار.
فهناك يعني طبيعة الحساب الذي يتعرض له الكافر ليس لعملية المقايسة بين خيره وشره، عملية الحساب التي يتعرض لها الكافر هي عملية إحصاء لما فعله من جرائم، من قبائح في حق مولاه، ثم بعد ذلك يلقى به في نار جهنم، نسأل الله السلامة والعافية.
فإذا هناك مشهد عام اسمه الحساب، وطبيعة حساب كل شخص سيختلف بحسب نوعه، بحسب نوعه؛ هناك من يحاسب وسيكون من الكفار الذين يخلدون في النار ويريد الله عز وجل أن يوقفهم على جرائمهم وينتهي بهم، هناك من سيحاسب لتوزن أعماله وسيئاته وتخرج سيئات أكثر فربما يدخل النار نعم فترة ثم يخرج منها، وهناك من يكون حسابه يسيرا مجرد عرض سريع على الله سبحانه وتعالى والله عز وجل يتجاوز عنه ويسبغ عليه ستره، فأشكال الحساب ستختلف بحسب اختلاف الناس، لكن هذا المشهد المهم مشهد عام يتعرض له أهل الموقف عموما إلا من.
استثنتهم النصوص كما ذكرنا.
نذهب إلى المشهد الذي يكون بعد الحساب ألا وهو مشهد الميزان. دلت النصوص على أن الله سبحانه وتعالى ينصب يوم القيامة ميزان حقيقي له كفتان، وهو ميزان حقيقي وليس كما تأول بعض أهل البدع أن المراد بالميزان هو العدل بين العباد وليس شيئا محسوسا. بعض أهل البدع يقولون إن الموازين المذكورة في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: 47] ليست موازين حقيقية لها كفتان، لا لا هذه الموازين رمز للعدل، إن الله سيضع العدل يوم القيامة، هذا المراد.
وهذا مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والموضحة أن الميزان ميزان حقيقي له كفتان، وتوزن فيه أعمال سنأتي إليها إن شاء الله، فهو شيء محسوس قائم. الله تعالى أعلم كيف سيكون صورته النهائية، لكن علينا أن نتمسك بما دلت عليه الأحاديث الصحيحة من أن الميزان شيء حقيقي محسوس له كفتان، ولا نسلك سبل الباطنية الذين يجعلون النصوص القرآنية عبارة عن رموز وإشارات لأفكار بعيدة ويحرفون الكلم عن مواضعه.
ولكن تجدر الإشارة هنا إلى أن المعتزلة مختلفون فيما بينهم في إثبات الميزان، وليسوا متفقين على نفيه كما تنقل بعض كتب العقائد؛ كتب العقائد يقولون الذي ينفي الميزان هم المعتزلة ويطلقون، هذا في الحقيقة ليس إنصافا، بل هناك اختلاف داخل دائرة الاعتزال. بعض المعتزلة يثبت الميزان كالقاضي عبد الجبار المعتزلي، وبعض المعتزلين ينفون الميزان، فيجب أن يكون الطرح فيه إنصاف قبل نسبة القول إليهم.
نقول أحبتي، وقد اختلف أهل العلم في الشيء الذي يوزن على أربعة أقوال. إذا هناك ميزان حقيقي له كفتان، ما الذي سيوزن فيه بالضبط؟ أقول هذه المسألة مسألة خلافية اجتهادية بسبب اختلاف النصوص فيها؛ اختلفت النصوص فبعض أهل العلم جمع بطريقة، البعض جمع بطريقة أخرى، البعض رجح نصا على آخر، البعض تأول بعض النصوص وأخذ بظاهر بعض النصوص. فخلاصة الأقوال سريعا من دون الحاجة إلى الترجيح في هذه المرحلة، نقول اختلف أهل العلم في الشيء الذي يوزن على أربعة أقوال:
القول الأول: أن الذي يوزن هي أعمال العباد. طب كيف توزن الأعمال؟ نقول الله سبحانه وتعالى قادر على أن يحول الأعراض والاشياء المعنوية إلى أشياء محسوسة لها جرم، وهذا علمه عند ربي، المهم أن القول الأول أن الذي يوزن أعمال العباد.
القول الثاني: أن الذي يوزن هو العبد نفسه؛ العابد نفسه يوضع في الميزان، وقد دلت على ذلك بعض النصوص الصحيحة.
القول الثالث: أن الذي يوزن صحائف الأعمال؛ الذي توزن هي صحائف الأعمال، يأتي فلان يقف بين يدي الله توضع صحيفة عمله في هذه الكفة، والظاهر عند تفصيل هؤلاء أن ما يتعلق بالحسنات من هذه الصحف يوضع في كفة، وما يتعلق بالسيئات من هذه الصحف يوضع في كفة أخرى، وليست الصحيفة ستكون بحسناتها وسيئاتها في كفة لأنه لن يكون هناك ميزان بهذه الصورة، وإنما الصحائف التي فيها الحسنات توضع في كفة والصحائف التي فيها السيئات توضع في كفة، فهذا رأي ثالث أن الذي يوزن هو الصحف.
القول الرابع: أن الذي يوزن كل ما سبق؛ أن الذي يوزن هو الصحف، ويوزن العامل، وتوزن الأعمال، فهناك ثلاث عمليات؛ توزن الأعمال وحدها، ثم يؤتى بالشخص نفسه فيوزن، ثم تؤتى بالصحف نفسها فتوزن مرة ثالثة.
الآن هذا رأي لبعض أهل العلم قالوا هذا رأي يجمع الآراء الثلاثة، وبعض أهل العلم قال لا، أنا لا أرى أن هذا هو الرأي الأفضل أن نقول هناك ثلاث أشكال من أشكال الموازين أو ثلاث مرات للوزن، وإنما مثلا نتأول النصوص التي تتكلم عن قضية وزن العامل وصحف الأعمال ونثبت أن الذي يوزن العمل فقط، وهناك من يفعل العكس. فالمهم هناك أربعة أقوال في المسألة كن على دراية بها، والمسألة اجتهادية وليست من أصول العقائد.
سؤال: هل توزن أعمال الكفار؟ بما أنه كافر ومخلد في النار هل ستوزن أعماله؟ وما الفائدة؟ نقول الصحيح من كلام أهل العلم أن أعمال الكفار توزن عليهم، لا لأن لهم حسنات تقابل السيئات، بل من أجل إظهار العدل الإلهي، وهي مسألة أيضا اجتهادية ليست أصولية. بعض أهل العلم من أهل السنة يقول لا توزن أفعال الكفار، وإنما الميزان إنما ورد في نصوص كتاب وسنة إنما هو الوزن لأعمال المؤمنين، وأما الكفار بما أنهم ليس لهم حسنات إذا لا يتعقل علة من وزن أعمالهم. الصحيح من كلام أهل العلم أحبتي أنه لا يمكن أن تتعقل العلة من وزن أعمال الكفار، وبما أن النصوص اتت على عمومها ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فيصعب أن أخصص العموم؛ هذا الاجتهاد يصعب أن نخصص هذا العموم بهذا الشكل من أشكال الاجتهاد، فلذلك نقول الصحيح والذين نذهب إليه والله أعلم أن أعمال الكفار توزن عليهم.
طب يا شيخ، ما هي العلة التي يمكن أن تفهم من هذا؟ نقول العلة التي يمكن أن تفهم من هذا أن وزن أعمال الكفار ليس لمقارنة حسنات بالسيئات لأنه بالتأكيد ليس لهم حسنات، وإنما هو لإظهار العدل الإلهي. أيها الكافر ضع صحيفة أعمالك في هذا الميزان، انظر ما في شيء في المقابل حسنات، إذا ظهر انك خاسر خائب، ثم يلقى به في نار جهنم نسأل الله السلامة والعافية.
بعد قضية الميزان تأتي قضية الحوض. دلت الأحاديث المتواترة على أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه الله عز وجل حوضا في عرصات القيامة. وصفة هذا الحوض كما جاءت في الأحاديث أنه أحلى من العسل، ماؤه أحلى من العسل، وماؤه أشد بياضا من اللبن، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر وعرضه شهر، خامسا: من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا. هذه خمس أوصاف جاءت لهذا الحوض في النصوص الشرعية: أحلى من العسل، أشد بياضا من اللبن، آنيته التي يشرب منها الناس حوله بعدد نجوم السماء شيء مهول أحبتي، أنت تتكلم عن شيء مهول، وطوله شهر وعرضه شهر هذا الوصف الرابع، الوصف الخامس من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا.
واختلف اهل العلم أحبتي هل الحوض يكون بعد الصراط، بعد مشهد الصراط؟ أو الحوض الذي يأتي يشرب منه يكونون قبل الصراط؟ هنا خلاف، ولعل الرأي الثاني هو الاقرب دليلا، أن قضية الحوض هي قبل الصراط، وجاء في ذلك أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أن مشهد الحوض يكون قبل مشهد الصراط.
نسأل الله ألا نذاد عن حوضه، فإن هناك أحبتي من يذاد عن حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم، أناس من أهل القبلة ليشربوا من حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذودهم الملائكة وتمنعهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا رب أمتي أمتي» فيقول الرب سبحانه وتعالى له: «إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك».
وهذا أحبتي يجعلنا نخشى والله أن نكون من أهل الزيغ، أهل البدع، من أهل المدارس الكلامية التي حادت عن منهج أهل السنة والجماعة، وهجرت كلام محمد صلى الله عليه وسلم وضربته بعقولها. القضية؛ قضية اتباع العقيدة الحقة هذه ليست قضية يمكن فيها المجاملة أو قضية تقبل النقاش بين هنا وهناك. نحن حينما ندرس عقيدة أهل السنة والجماعة ونؤكد على أصولها ومنطلقاتها الفكرية نحن لا نريد أن نذاد عن حوض محمد صلى الله عليه وسلم يوم نلقاه، نحن نريد أن يلقانا النبي عليه الصلاة والسلام ونقول يا رب لقد نصرنا سنته، لقد نصرنا حديثه، لم نجابه الأحاديث بعقولنا، لم نقل يا رب إن هذه الأحاديث التي وصلتنا أحاديث آحاد فلن نقبلها في الاعتقاد، يا رب قبلنا البخاري وققبلنا مسلم وقبلنا كل شيء أتى عن نبيك صلى الله عليه وسلم وصح سنده إلينا فقبلناه وعملنا به، وجعلنا عقولنا تابعة له مستسلمة له منقادة له، لم نخض في هذه النصوص بأهوائنا، لم نتقصد تحريفها، لم نتقصد تأويلها، وإنما أردنا يا رب أن نعمل بها، تلقيناها بقلوب مطمئنة لها متيقنة أنها تحمل اليقين والهدى والرشاد.
نوقن يا رب أن عقولنا قاصرة عن إدراك كثير من جوانب عزتك وكمالك، وأن هذه النصوص هي التي دلتنا على كثير من هذه الجوانب العظمى، ومن هذه الصفات العلى، ومن هذه الأفعال المنزهة عن العيب والنقص والجور والشر، سبحانك تعالى شأنك.
لذلك أحبتي نحن نركز على خطورة الاعتقاد، وأن هذه المسائل ليست من المسائل التي يجب أن تؤخذ بالهين ويخفف فيها الطرح، بل هذه مسائل تؤخذ بالعزيمة. نعم الأدب مع أهل العلم، الأدب في النقاش هذا الشيء هو أصل ثابت في منهج أهل السنة أصلا، لكن بعض الناس يحاول أن يهون من مسائل الاعتقاد ومن الخلاف فيها، ويحاول أن يصور أن علينا أن نجتمع مهما كانت صورة اجتماع ما دمنا أننا مسلمون. نقول نعم، لكن نجتمع على الحق ونعمل فيما نرى أنه الحق، لا يجوز أن نجتمع على الأصول الباطلة، لا يجوز أن نجتمع على منطلقات عقلية فاسدة، إنما نجتمع على ما دل عليه الكتاب والسنة، فمن رفض دلالة الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح ومنهج محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلا يمكن أن ألتقي معه إلا فيما التقى معي فيه، وأما فيما خالف فلا يجوز ولا يحل لمسلم أن يلتقي معه فيه. نسأل الله أن يجعلنا دائما على السنة وعليها وأن يميتنا عليها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
تكلمنا عن أن الحوض يكون قبل الصراط. طب سؤال: هل الحوض هو نفس الكوثر أم قضية الكوثر (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) شيء آخر؟ الصحيح أحبتي كأن الحوض شيء والكوثر شيء آخر، فنقول الحوض ليس هو الكوثر، بل الكوثر نهر أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة له ميزابان يصبان في الحوض. إذا الكوثر هو نهر للنبي عليه الصلاة والسلام في الجنة، والحوض هذا في عرصات يوم القيامة. الآن الكوثر كما جاءت الأحاديث الصحيحة هذا النهر له ميزابان يصبان ويفرغان في داخل الحوض، إذا هناك علاقة بين الحوض والكوثر، وهو أن ماء الحوض الذي يكون في عرصات القيامة قبل الصراط من أين أتى؟ هذا الماء من نهر الكوثر الذي في الجنة، لكن ليس الحوض هو نفس الكوثر، إذا علينا أن نفرق بين المسألتين. الحوض ليس هو الكوثر، بل الكوثر نهر أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة له ميزابان يصبان في الحوض، فالحوض متصل بالكوثر إذا من خلال الميزابين.
نذهب إلى هذا المشهد الجديد، الصراط. الصراط هو الجسر المنصوب فوق جهنم ليمر الناس عليه، فمن كتب الله له السعادة تجاوزه إلى الجنة، ومن كتب له الشقاء سقط عنه في جهنم نسأل الله السلامة والعافية. عند كل مشهد من المشاهد سلوا الله السلامة والعافية أحبتي وقولوا: اللهم سلم سلم، فإن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عند الصراط هو: «اللهم سلم سلم».
الصراط جسر منصوب فوق نار جهنم، وسنأتي الآن إلى أوصافه. جسر منصوب فوق نار جهنم تجتازه الأمم، من كان من أهل السعادة يجتازوه باتجاه الجنة، ومن كان من أهل الشقاء سيسقط وتزل قدمه باتجاه النار وبئس المصير.
نقول تواترت الأحاديث في ذكر الصراط وفي إثباته، فهو ثابت بالتواتر ولا نقاش في ثبوته. ومن صفاته التي دلت عليها الأحاديث أنه أرض منزلقة ينزلق الناس عليها، أرض زلقة. ثانيا: أنه أدق من الشعرة. ثالثا: أحد من السيف، الموضوع خطير والله أحبتي. رابعا: عليه خطاطيف وكلاليب تخطف الناس بحسب أعمالهم السيئة، هناك من تخدش خدشا فقط، وهناك من تمسكه وتجره إلى نار جهنم والعياذ بالله.
وقد دلت الآثار على أن المؤمنين تختلف سرعة مرورهم على الصراط بحسب أعمالهم الخيرة، فتزودوا أحبتي من الأعمال الخيرة، منهم من يمر كلمح البصر إلى جنات النعيم، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يزحف زحفا. وأما المنافق أحبتي فانه يذهب ليمشي على الصراط فينتطفئ نوره، يذهب ليبحث عن نور يمر به على الصراط فيضرب بسور باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب. يمنعون الآن من النور، لا يوجد نور، عشتم على النفاق، عشتم على خيانة الأمة، عشتم على محاربة الدين وكنتم تظهرون أنكم من أهل الإسلام وتتشدقون على وسائل الإعلام ولكن قلوبكم مع أعداء الأمة، قلوبكم مع الصليبيين ومع الروافض، تنخرون في جسد هذه الأمة تقتلون رجالها ونساءها.
نعم أحبتي، ضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم: ألم نكن معكم؟ كنا نصلي معكم في الصفوف الأولى، كنا نططلع على الإذاعات ونتكلم بالدين وننظر، ألم نكن معكم؟ قالوا: بلى، ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور. انتهى المشهد.
نعم هذا هو الاستدراج، هذا هو الاستدراج. انظر إلى الله عز وجل كيف يمكر بهؤلاء ويستهزئ بهم لأنهم استهزؤوا بشرعه في الحياة الدنيا، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: 30]، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142] المنافقون، ألم يقل الله عز وجل في كتابه: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾؟ انظروا ذهبوا إلى الصراط المؤمنين كان لهم نور، أرادوا أن يبدؤوا به فإذا هو ينطفئ.
هذا النور. ذهبوا يبحثوا عن نور جعل بينهم وبين المرور الصراط حاجز سور باطنه فيه الرحمة باتجاه الجنة وظاهره من قبله العذاب، وهم كانوا من جهة الظاهر. وأما المؤمنون فأكملوا طريقهم إلى جنات النعيم. نسأل الله أن نكون من أهل الإيمان ونعوذ من النفاق.
نذهب إلى المشهد الذي يليه. طبعا هناك مشهد القنطرة بعد الصراط، المؤمنون بعد أن يتجاوزوا الصراط تأتي مرحلة القنطرة. تسامحون ويتعافون فيه عن بعضهم البعض عما كان بينهم من أخطاء وزلات من المؤمن لأخيه. هذه القنطرة تتصافى فيها القلوب والكل يأخذ بيد أخيه، نسلم وندخل الجنة بإذن الله جميعا إلى رضوان الله سبحانه وتعالى.
نذهب إذا إلى هذا المشهد الأخير، مشهد الجنة والنار، فنقول: يؤمن أهل السنة والجماعة بأن الجنة والنار مخلوقتان الآن، وأنهما لا تفنيان أبدا، وأن الجنة هي مأوى المؤمنين، حتى من يدخل النار منهم من أهل الإيمان فإنه لابد وأن يخرج في النهاية من النار، فإن النار لا يخخلد فيها مؤمن موحد حتى لو أسرف على نفسه بالذنوب والمعاصي والكبائر. لابد أن يخرج المؤمن من النار في النهاية، ونؤمن أن النار هي مثوى الكافرين. إذا، أهل السنة يؤمنون أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، والذي ينفي خلق الجنة والنار الآن من أهل البدع، من الطوائف البدعية الكلامية، من ينفي خلق الجنة والنار الآن، وهذا كلام بدعي. دلت النصوص الصريحة الصحيحة على أنهما مخلوقتان الآن.
فالجنة والنار مخلوقتان، والجنة هي مأوى المؤمنين، حتى الذين يدخلون جهنم من عصاة الموحدين لابد وأن يخرجوا منها إلى جنات النعيم في النهاية، وهؤلاء يسمون بالجهنميين، يسمون كما جاء في الأحاديث بالجهنميين، أهل الجنة حينما يرون هؤلاء يقولون: هؤلاء الجهنميون الذين كانوا في جهنم وخرجوا منها إلى جنات النعيم. وأما القرار الابدي في جهنم فهذا لا يكون إلا للكفار. والجنة والنار أحبتي لا تفنى، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة عموما، أن الجنة والنار لا تفنيان أبدا، لا تفنيان أبدا، لا الجنة تفنى ولا النار تفنى. وتفاصيل الجنة ونعيمها وتفاصيل النار وعذابها مستفيض في نصوص الكتاب والسنة.
وقد صنفت فيه كتب من السلف والخلف، ومن أشهر الكتب ابن القيم في حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، وكتب ابن رجب الحنبلي في النار ووصفها، فأنصحكم أن تقرؤوا هذا الكتاب وهذا الإام، كتاب ابن القيم في الجنة وكتاب ابن رجب في وصف النار. هناك مشهد ختم به ابن قدامة رحمة الله عليه، ترى أنا أحبتي لخصت لكم كلام ابن قدامة في اللمعة، لكن على شكل نقاط، على شكل نقاط ومشاهد، المشهد الأخير مشهد ذبح الموت بين الجنة والنار.
نقول: دلت النصوص الصحيحة على أنه يؤتى بالموت على صورة كبش أملح بعد أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، فيوضع هذا الكبش الأملح الذي هو الموت بين الجنة والنار، ثم ينادى بأهل الجنة وينادى بأهل النار ليطلعوا، فيطلع أهل النار، ويطلع أهل الجنة، ثم يؤتى بالموت فيذبح أمامهم، ويقال لأهل الجنة خلود فلا موت، خلود فلا موت أبدا. كلمة السعادة والراحة والطمأنينة الأبدية، ما أجمل هذه الكلمة حينما نسمعها بإذن الله جميعا، نسأل الله أن نكون من أهل سعادته.
وأما أهل النار فكلمة الكآبة والشقاء، ويقال لأهل النار خلود ولا موت، وهذا يدل على خلود النار، خلود ولا موت. ومن الشبهة التي يثيرها أهل البدع أحبتي في هذا المشهد هو أنه كيف يذبح الموت وهو شيء معنوي؟ ونجيب كما أجبنا في قضية وزن الأعمال، كما أن الأعمال تحول إلى أشياء محسوسة وتوزن، كذلك الله سبحانه وتعالى بقدرته على كل شيء قادر على أن يحول الموت المعنوي إلى شيء محسوس ملموس يمكن أن يذبح وينتهي ويفرغ منه، وهذا لا يؤمن به إلا من يوقن بقدرة الله سبحانه وتعالى الشاملة. أما أصحاب الفكر المادي المحسوس الذين لا ينظرون إلا إلى ما بين أقدامهم فقط، لا يؤمنون بالقدرة الإلهية التي وسعت كل شيء، فإن مثل هذا الكلام لا تستوعبه عقولهم القاصرة. نسأل الله أن يرزقنا الإيمان والطمأنينة والتسليم والتصديق دائما.
إذا أحبتي هكذا انتهينا من الكلام عن باب السمعيات. دعونا ننطلق اليوم للحديث عن الباب الأخير بإذن الله، وهو باب النبوات، وسأسعى ما استطعت في هذه المحاضرة أن تكون المحاضرة القادمة هي المحاضرة الختامية لهذه الدورة، ونسأل الله دائما حسن الختام. أنا أدرك إني أطلت عليكم أحبتي يعني في بعض التفاصيل، لكن صدقوني أن الاعتقاد أهم شيء وأغلى شيء نملكه في حياتنا، الاعتقاد أهم شيء نملكه في حياتنا، ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يسمع هذه المجالس وأن يتعقلها وأن يعرف الفرق بين منهج أهل السنة وبين المناهج المنحرفة.
على العموم طرحنا أحبتي لم ندخل في الاستدلالات المعمقة والنقاشات الجدلية بيننا وبينهم وطرح الأدلة ومناقشة أدلتهم، لا لم نفعل ذلك، وإنما بينا الخطوط العريضة للمسالك الصحيحة والخطوط العريضة للمسالك الفاسدة حتى يكون المؤمن في هذا الزمن على بصيرة من دينه ومن عقيدته. لأن الذين يتكلمون في الساحة كثر والله أحبتي، والذين يتصدرون عبر الإعلام كثر، وأنا أدرك أن أكثر الناس لا يملك المعيار الصحيح والميزان الجيد ليعرف من صاحب المعتقد الصحيح ومن صاحب المعتقد الفاسد، من الذي يتكلم بعلم ومن الذي يتكلم بالجهل، ومن المتبع حقا لمدرسة السلف الصالح، ومن هو المتدثر بها الذي يحاول أن يرتبط بها مع أن هناك كثيرا من الخطوط قطعت بينه وبينها. فلابد إذا من التفصيل، لابد من التشعيب، ونسأل الله دائما الهداية، نسأل الله دائما الهداية.
اهدنا الصراط المستقيم، في كل ركعة، في كل خطوة اهدنا الصراط المستقيم، لأننا نحتاج إلى هداية الله سبحانه وتعالى أن تصاحبنا في كل همسة، في كل خطرة، في كل سطر نقوله، في كل عقيدة نقررها، في كل شيء ندرسه، التوفيق والتسديد من الإله سبحانه وتعالى. اهدنا الصراط المستقيم ليست مجرد أننا نعتقد أننا الآن وصلنا إلى الهداية ونسأل الله فقط الثبات عليها، بل نحن نسأله هداية مستجدة في كل خطوة نخطوها، في كل رأي نتخذه، في كل موقف من مواقف الحياة، حتى مواقفنا العاطفية، حتى مواقفنا السياسية، حتى مواقفنا الثقافية تحتاج إلى هداية وإرشاد رباني، فنسأل الله أن تكون هدايته شاملة لنا في كل خطوة من خطوات حياتنا وأن يرعانا حيثما كنا.
الباب الجديد هو باب النبوة. النبوات أحبتي كما ذكرنا في المجلس السابق هي الموضوع الثالث من مواضيع علم الاعتقاد، فمواضيع علم الاعتقاد ثلاثة: الذات الإلهية بكل المباحث التي أشرنا إليها سابقا، باب السمعيات بالمباحث التي ذكرناها في المحاضرة السابقة ومحاضرة اليوم لكن طبعا بالتفاصيل التي لم نتطرق إلا إلى شيء منها، المحور الثالث أو الموضوع الثالث النبوات. والكلام في النبوات له عدة جوانب، الكلام في كيفية اثبات النبوة، عن طبيعة المعجزة وما الفرق بين المعجزة والكرامة والسحر؟ الكلام عن بعض المسائل الفرعية ما الفرق بين النبي والرسول؟ الكلام عما يجوز على الأنبياء وما يمتنع عليهم أن يفعلوه.
ثم بعد ذلك يتبع أهل العلم لما يتكلمون في النبوات، يتبعون الحديث عن حقوق الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وما يتعلق بأزواج النبي عليه الصلاة والسلام، ثم الكلام عن الخلافة الإسلامية وكيف يتم تنصيب الخليفة المسلم في الإسلام وما حقوق الحاكم وما حقوق المحكوم، ويتكلمون عن الصلاة خلف كل بر وفاجر، وإذا كان الحاكم فاجرا أو فاسقا فكيف يتعامل معه؟ تبدأ قضايا السياسة الشرعية تطغى في هذا المبحث الأخير، ثم بعد ذلك يختمونه بكلام جملي عام عن وجوب مجانبة أهل البدع والثبات على منهج أهل السنة والجماعة والتمسك به، فهذا هو المبحث الأخير والفصل الأخير من كلام ابن قدامة رحمة الله تعالى عليه.
إذا دعونا نبدأ البحث في قضية النبوات ونعلق فنقول: انتقل ابن قدامة رحمة الله عليه إلى المحور الثالث والأخير من محاور علم الاعتقاد وهو محور النبوات، وفي هذا المحور يدور الحديث حول طرق إثبات النبوة، كيف يتم إثبات النبوة وحقوق الأنبياء على الخلق وهذا أيضا مما يبحث في باب النبوات، وما يجوز على الأنبياء وما يتنزهون عنه، ويتبع هذا الباب الحديث عن الصحابة الكرام، كون الصحابة لماذا يبعث أمر الصحابة في باب النبوات؟ كون الصحابة هم اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وهم نقلة الشرع، ثم بعد ذلك يأتي الكلام عن الخلافة في مفهوم الإسلام وطرق توليها.
طيب لماذا الكلام عن الخلافة في باب النبوات؟ لأن الخليفة في المفهوم والتصور الإسلامي هو نائب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تطبيق الشرع على هذه الأمة، ويتحدثون في هذا الجانب أيضا عن حقوق الحاكم المسلم وما موقف الرعية من هذا الحاكم وما واجب الحاكم المسلم في المقابل تجاه الرعية وكيف تتصرف الرعية مع الحاكم في حال فجوره وفسقه؟ مباحث عميقة كبيرة جدا، طبعا نحن لن نستوعبها بحثا، أنا الآن أعتمد في ختام هذا الفصل على أن أواصل باب النبوات محاوره الأساسية، ثم تلك المسائل الأخرى سأتكلم عنها كلاما جمليا عاما يليق في ختام هذه الدورة بإذن الله.
طبعا نقول ابن قدامة في الحقيقة إذا هذا باب النبوات هذه طبيعته، لكن ابن قدامة في اللمعة ماذا كتب؟ ابن قدامة في الحقيقة لم يتطرق إلى كل هذه التفاصيل التي أشرنا إليها، لكنه تحدث عن جملة نافعة منها مقررا فيها طريقة أهل السنة ومعتقدهم في هذه المسائل، يعني ابن قدامة في باب النبوات ليس كلاما مستوعبا بل هو بالعكس، جنح أصلا إلى الاختصار والاختزال والاشارة إلى الخطوط العريضة العامة جدا، لذلك لابد أن أوسع الكلام ابتداء عن باب النبوات وأتكلم عن أصوله، ثم بعد ذلك سنعود إلى ابن قدامة رحمة الله عليه وننظر ما الذي ذكره.
لماذا أفلع ذلك؟ إنه لابد من التأصيل، لا يجوز أحبتي أن نقفز المراحل وندخل في اختزالات وجمليات وكلام عام، لابد من التأصيل العلمي الرصين، وهذا ما نسعى إليه دائما في كل موضوع نحاول أن نقدمه، أن يحصل الطالب على التأصيل العام في هذا المبحث، فكما تأصلنا في باب السمعيات ثم دخلنا في تفاصيله، لابد أن أصؤل في باب النبوات ثم ندخل في شيء من تفاصيله.
الآن أول مسألة سنبدأ بتأصيلها هي كيف نثبت صدق محمد صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأنبياء فيما ادعوه من النبوة؟ باختصار ما هو الدليل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم في نبوته؟ ما هو الدليل؟ طبعا الدليل هو لمحمد عليه الصلاة والسلام ولكل نبي من الأنبياء عموما، فهذا أول سؤال يهتم علماء الاعتقاد بالإجابة عنه، والخلاف فيه عميق بين المدارس العقدية.
وققبل أن أتكلم حقيقة عن هذا السؤال أود أن أقول إن حضور الأصول العقلية والخلافات بين الفرق الإسلامية في باب النبوات حضور قوي أكثر بكثير من حضور المسائل العقلية في باب السمعيات، نحن ذكرنا أن حضور الأدلة العقلية في باب السمعيات حضور محدود جدا جدا جدا، لذلك الخلاف فيها ضيق وأغلب الخلافات خلافات مستساغة، لكن في باب النبوات لا، تعود الأدلة العقلية المتكلفة عند الكلاميين ويبدأ أو يعود نقول التأثر بالفلسفة والنظرات الإغريقية يعود عند المتكلمين ليطغى في تأصيل هذا الباب، كما أنه طغى في باب الذات الإلهية، في الكلام في الأسماء والصفات، في القضاء والقدر، في الإيمان.
كذلك تعود الأصول العقلية الخاطئة لتطغى على العقل الكلامي في باب النبوات كما سنلاحظ. أما أهل السنة والجماعة فالحمد لله الأمر عندنا متسق تماما في كل أبواب الاعتقاد، لأننا جعلنا الأصل هو الوحي، هو الذي نذهب إليه، والعقل خادم لجناب الوحي، لا يوجد عندنا منابع أخرى أصلا نذهب إليها، لا يوجد عندنا فلسفة إغريقية ولا فلسفة هندية ولا فلسفة فارسية، كل هذه الأمور لا التفات إليها عندنا حينما نتكلم عن عقيدتنا لربنا سبحانه وتعالى.
وأما من يريد أن يبحث عن عقيدته لله سبحانه وتعالى عند هؤلاء القوم وعند أصحاب الفلسفات، والله سيضيع عقله ودينه، نسأل الله السلامة والعافية. إذا كما قلنا الأصول العقلية حاضرة في باب النبوات كحضورها في باب الذات الإلهية في السمعيات، نعم خفت بريقها وحضورها، الآن نعود إلى السؤال الذي ذكرناه.
السؤال الأول: كيف نثبت صدق النبي صلى الله عليه وسلم وصدق غيره من الأنبياء في ادعائهم؟ هذا أول سؤال وأخطر وأهم سؤال، وسأجيب عنه بشيء من التفصيل لكنني لن استوعب أكيد لأن هذه الدورة مختصرة. فنقول: اختلف الإسلاميون في طريق إثبات النبوة، اختلف الإسلاميون والفرق الإسلامية في طريقة إثبات النبوة، ما بين مضيق لادلتها وحاصر لها في دليل واحد وما بين موسع لها، وقد تأثر أهل الكلام في هذه المسألة بطرقهم العقلية، وزعم أهل الكلام أنه لا سبيل لمعرفة صدق الأنبياء. انظر هذا الزعم وهذا الأصل الذي سننطلق منه، أن أهل الكلام يزعمون أنه لا سبيل لمعرفة صدق الأنبياء في ادعائهم النبوة إلا من خلال المعجزة فقط.
المدارس الكلامية تقرر هذا الأصل، خاصة الأشاعرة يقولون: طريقة إثبات صدق النبوة هي المعجزة فقط ولا دليل آخر على إثبات صدق النبوة. طبعا حتى أكون منصفا ودقيقا هذا رأي تيار كبير من الأشاعرة، لأن هناك بعض الأشاعرة لا يقبل.
الوجود دلائل على النبوة، لكن يرى أن الدليل الأهم والأبرز الحاضر دائماً في الخطاب يجب أن يكون المعجزة. وهذا من الإنصاف؛ لأن بعض الأشاعرة -نحن قرأنا لهم- وجدنا أنهم يتماشون مع أهل السنة والجماعة في توسيع دلائل النبوة. لكن هناك قطاع كبير من الفكر الأشعري -والمشكلة أن هذا القطاع الكبير من رؤسائهم ومن أساطينهم، أنت تتكلم عن الباقلاني، عن الجويني، عن كثير من المتقدمين- الأشاعرة هم الذين يحصرون اثبات صدق الأنبياء في دليل واحد فقط، ألا وهو المعجزة.
فهل هذا الكلام صحيح؟ دعونا ننظر. قد تأثر أهل الكلام في هذه المسألة بطرقهم العقلية، وزعموا أنه لا سبيل لمعرفة صدق الأنبياء إلا من خلال المعجزة فقط، فهي الدليل الوحيد على صدقهم ورسالتهم، ومن دونها لا يمكن أن يُعرف الصادق في ادعاء النبوة من الكاذب. يعني من دون المعجزة لا يمكن أن يعرف الإنسان الصادق في ادعائه النبوة من الكاذب. الآن في عصرنا كثير ناس تدعي النبوة، كيف يمكن لنا أن نعرف الصادق؟ طبعا نحن لأننا نعلم أن النبي قال: «لا نبي بعدي»، نعرف أن هذه كلياتها كلام فارغ. لكن لو جاءك شخص ملحد، شخص مشكك، شخص ما يعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنه خاتم الأنبياء، وأراد أن يعرف ما هي طرق إثبات النبوة وكيف أعرف الصادق في النبوة من الكاذب في ادعائها؟ فهل نقول: المعجزة هي الدليل الوحيد الأوحد الفريد في معرفة الصادق من الكاذب؟ بالتالي إذا لم تأت معجزة لمدعي النبوة، لا يمكن لنا أن نعرف أنه مرسل من الله سبحانه وتعالى.
هذا هو الطرح السائد عند الفكر الكلامي، أن الشخص الذي يدعي النبوة إذا لم يأت بمعجزة، فلا يمكن للناس عموماً في عصره أن يعرفوا صدقه من كذبه. وهذا كلام -أحبتي- منحرف تماماً عن الجادة، فحصر صدق النبوة أو صدق الرجل في ادعائه النبوة في المعجزة فقط، حصر ليس بسديد أبداً، وهو ينطلق كما قلنا من الفكر الكلامي المنحصر جداً في مفهوم القطعية؛ لأن تحديده للقطعيات منحصر جداً جداً كما سندرس إن شاء الله في المطولات. نقول: هذا التضييق الذي مارسه أهل الكلام في دلائل النبوة، هو نتاج تأثرهم العام بطرق الاستدلال الفلسفي، والمنهج الخاطئ الذي رسموه ابتداء في تصور القطعي؛ ما هو القطع وكيف نتحصل عليه؟
وممن نص من أهل الكلام على أن المعجزة -الآن يا شيخ بدنا منك إثبات أن أهل الكلام ينصون على أن المعجزة هي الدليل الوحيد لإثبات صدق النبوة، يعني صدق ادعاء النبوة، ومن دونها لا يمكن للإنسان أن يعرف أن هذا النبي صادق، ومن دونها لا يمكن أن نعرف أن محمداً صلى الله عليه وسلم مرسل من الله سبحانه وتعالى إلينا لو لم تأت معجزة كما عرفنا ذلك- هكذا يقول علماء الكلام. بدنا دليل على أنهم يرون انحسار الأدلة في هذا الدليل الفريد. فنقول: ننظر في كلام أبي بكر الباقلاني -رحمة الله تعالى عليه- في كتابه البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات. دعونا ننظر في كلام الباقلاني في كتابه البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات، حيث قال: ولا دليل -انظروا كلام الباقلاني- والذي لا يفصل بين الصادق والكاذب في ادعاء الرسالة إلا الآيات المعجزة. انتهى الكلام. لا دليل يفصل بين الصادق والكاذب في ادعاء الرسالة إلا الآيات المعجزة. انتهى كلامه. كلام واضح. الباقلاني يقول: لا أملك أي دليل لإثبات صدق النبي صلى الله عليه وسلم في أنه رسول إلا أنه أتى بالمعجزة.
طيب ننظر وارث علم الباقلاني، وهو الجويني -طبعا وإن كان الجويني لم يتتلمذ مباشرة، لكنه تتلمذ على الطبقة الأولى من تلاميذ الباقلاني- وهو وارث علم الباقلاني، الإمام الجويني ماذا يقول في كتابه الإرشاد؟ يقول: فان قيل هل من المقدور نصب دليل على صدق النبوة بغير المعجزة؟ نقول: ذلك غير ممكن. طرح سؤالاً وأجاب عنه: فان قيل -يعني هل يمكن أن نقيم دليلاً على صدق محمد صلى الله عليه وسلم غير المعجزة؟- فماذا يقول الجويني؟ ذلك غير ممكن. ثم بعد ذلك ساق أسباباً عديدة عقلية في عدم الإمكان، ارجعوا إليها في المطولات لا تهمني، وهي استدلالات خاطئة ابتداء. وانظروا في كلام ابن تيمية في النبوات ونقضها، فإن الكلام عنها يطول.
لكن دعونا نكمل مسيرنا. في الحقيقة أن حصر إثبات صدق النبي صلى الله عليه وسلم في ادعائه النبوة في دلالة المعجزة فقط، هذا الحصر لم يرتضه أكثر العلماء المحققين، فذكروا طرقاً متعددة نستطيع أن نتوصل من خلالها لإثبات صدق النبوة غير دلالة المعجزة. العلماء المحققون، حتى كما قلنا بعض الأشاعرة ذكروا أنه في هناك أدلة متعددة يمكن أن نستدل بها على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، ليست المعجزة هي الدليل الوحيد على صدقه.
طيب أعطونا أدلة تثبت من خلالها صدق النبي عليه الصلاة والسلام. نبدأ من طرق إثبات صدق النبوة، نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأنبياء. أولاً: النظر في حاله وفي شمائله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وبعدها، والنظر في تفاصيل دعوته، وفي علاقته بخصومه، وفي علاقته بأنصاره، وفي تفاصيل حروبه وأيامه، ثم ما آلت إليه دعوته من النصر والتأييد والتمكين وهزيمة أعدائه وما وقع به من التنكيل. من نظر في كل هذا للمشاهد -يعني باختصار من درس سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من أولها إلى آخرها من دون أن يعرف معجزة من معجزاته، فقط نظر في أخلاقه وشمائله وأيامه وحروبه وعلاقته مع العدو والصديق- لابد وأن يجزم أنه نبي مرسل من السماء، أنه نبي أرسله الإله سبحانه وتعالى لأهل الأرض. شيء مهول أحبتي، سيرة النبي عليه الصلاة والسلام بتفاصيلها لا يمكن لبشر أن يفعلها. كل هذا الانسجام والتناسق، عدم وجود أي تعارض في تصرفاته في أخلاقه، لا يوجد أي نشوز في صفاته في هديه، هذا التكامل والتناغم المنسجم الرائع الذي يرسم محمد صلى الله عليه وسلم صورته في هذه الحياة، لا يمكن أن يكون إلا من نبي مؤيد من السماء. فإذاً النظر في حال النبي عليه الصلاة والسلام حتى ولو لم تأت معجزة هو دليل على صدقه في ادعائه النبوة.
طريقة أخرى في إثبات النبوة: النظر في تفاصيل شرعته، وما أتى به من الفضائل ومن مكارم الأخلاق، وما نهى عنه من الرذائل ومن مساوئ الأخلاق. يعني لو أن أي انسان الآن غربي مادي، إنسان ملحد، إنسان مشكك، يطلب الحق بإنصاف -يطلب الحق بإنصاف- أتى فدرس الشريعة الإسلامية من باب العبادات: الطهارة، الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج، المعاملات، ومشى على كل أبواب الشريعة ونظر في الأخلاق التي تدعو إليها الشريعة وتحث عليها، لو تدارسها بإتقان وفهمها، صدقوني لو لم يدرك أي معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، ليعلم أن هذه الشريعة لا يمكن أن تكون من وضع بشر، حتى ولو لم يعرف أي معجزة للنبي عليه الصلاة والسلام، فقط درس الشريعة والقوانين الإلهية، درسها وفهمها واستوعبها، سيؤمن مئة بالمئة أن الذي أتى بهذه القوانين مرسل من إله السماء، لا يمكن أن يكون بشراً عادياً. فإذاً تفاصيل الشرع تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم؛ تناغم عجيب، انسجام كامل، تحقيق مقاصد عامة، شمولية في النظرة، تغطية كل جوانب الحياة، ما من خير إلا دل عليه، ما من شر إلا حذر منه، هذا التناغم يدل على أنه مرسل من السماء.
الطريق الثالث لإثبات صدقه: تبشير الكتب السابقة ببعثته صلى الله عليه وسلم. وكثير من أهل الكتاب في زمنه إنما أسلم وآمن به ليس لوجود المعجزة ابتداء، إنما لأنه يعلم صفاته من الكتب السابقة، فاستدل بصفاته المذكورة في الكتب السابقة عليه. إذاً هذه طريقة من طرق إثبات النبوة من دون الحاجة إلى معجزة.
رابعاً: مطابقة ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم من الحق والعلم لما هو موجود في الكتب السابقة في القسم الذي لم يحرف منها. الآن الكتب السابقة حرفت، لكن بقيت بعض الأقسام وبعض النصوص غير محرفة تماماً. لو قابلنا بين كلام النبي صلى الله عليه وسلم وما يدعو إليه ومع ما بقي من النصوص في الكتب السابقة غير المحرفة، ستجد تناغماً عجيباً يدل على أن كل هذه النصوص خرجت من مشكاة واحدة ونزلت من عند إله واحد، فإذاً هذا التطابق يدل على صدقه صلى الله عليه وسلم.
فإذاً ذكرت لكم الآن أربع طرق تدل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما ادعاه من النبوة وليس في شيء منها تطرق إلى المعجزة، إذاً هذا يدل على أنه يمكن أن نثبت صدق النبي صلى الله عليه وسلم وصدق نبوته وصدق غيره من الأنبياء أيضاً من دون الحاجة إلى المعجزة. فهناك باختصار طرق متعددة يتم إثبات صدق النبوة من خلالها، وليس الطريق طريقاً واحداً هو طريق المعجزة فقط.
ومن عجيب ما وقع في التاريخ أن هرقل ملك الروم استدل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم في نبوته من خلال أخلاقه وحروبه وأيامه وتصرفاته وعلاقته مع أنصاره. فتروي لنا الأحاديث الصحيحة -وانظروا في صحيح البخاري في مطلع الحديث، في صحيح البخاري في مطلعه، حديث ابن عباس رضي الله عنه سرده بطول- ذكر قصة أبي سفيان بن حرب رضي الله تعالى عنه لما خرج في تجارة إلى الشام، تجارة لقريش في أثناء صلح الحديبية. أبو سفيان بن حرب في أثناء صلح الحديبية عام ستة هجري، خرج في تجارة للشام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أرسل أحد الصحابة الكرام إلى هرقل ملك الروم يدعوه إلى الإسلام.
فهرقل أراد أن يستعلم عن هذا النبي وهل هو صادق أم ليس بصادق؟ فسأل: هل هناك أناس من العرب في بلاد الشام الآن في تجارة أو ما شابه ذلك؟ فأخبر أن هناك قافلة قرشية يرأسها أبو سفيان بن حرب موجودة. فاستدعاهم، دخل أبو سفيان على هرقل، فهرقل قال لأبي سفيان: إني سأسألك عن أمور عن هذا الرجل الذي ظهر عندكم فاصدقني. وأخبر من حوله من كفار قريش: إذا لم يصدقني هذا الرجل فكذبوه. أبو سفيان بن حرب استحى أن يكذب، فأخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم كل التفاصيل بكل دقة، أخبر عن تفاصيل النبي صلى الله عليه وسلم بكل دقة وما كذب عليه كذباً.
هرقل عن ماذا سأله؟ سأله عن حال النبي صلى الله عليه وسلم: هل كان يتهم فيكم بشيء؟ طيب كيف حاله؟ من الذي يتبعه؟ فقال أبو سفيان: يتبعه الفقراء. طيب كيف حروبه معكم؟ فقال أبو سفيان: يوم بيوم، يوم نحن ننتصر ويوم هو ينتصر. وبدأ يستفصل ويسأل عن أحكامه، عن تعاليمه. فهرقل بعد كل هذا الاستفسار والسؤال والحصول على الإجابات الصحيحة من أبي سفيان بن حرب رضي الله عنه، وعلم أنهم مئة بالمئة هذا الرجل نبي مؤيد من السماء. وقال لأبي سفيان: إن صدقتني فيما قلت فإن هذا الرجل سيملك موضع قدمي هاتين.
فانظروا كيف أن هرقل ملك الروم استطاع أن يستثبت من صدق النبي صلى الله عليه وسلم من دون السؤال عن المعجزة. يعني لم يأتي في الحديث أن هرقل ملك الروم قال لأبي سفيان بن حرب: ما معجزة هذا الرجل؟ ما سأل أبداً عن المعجزة، سأل عن أخلاقه وهديه وشرعه وتفاصيل أيامه، فعرف بذلك صدق أنه مرسل من الله سبحانه وتعالى.
طبعاً هرقل ملك الروم كان على علم بالكتب السماوية وعلم ما ذكر فيها من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم، فاستطاع أن يجمع بين كل هذه الأمور في أن يتثبت من أن هذا النبي مؤيد ومرسل من الله سبحانه وتعالى. لكن كما قلنا الحرص على الدنيا هو الذي منع جبابرة الأرض في ذاك الزمن أن يسلموا -طبعا حاشا النجاشي الذي رزقه الله سبحانه وتعالى التواضع والأناة واجعله من أهل هذا الدين ومات على هذا الدين، وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب، صلاة الجنازة يعني صلاة الغائب في طيبة الطيبة في العام التاسع من الهجرة.
إذاً المهم نقول: إن من الملفت للنظر أنه هرقل ملك الروم حين أراد الاستعلام عن صدق النبي صلى الله عليه وسلم من أبي سفيان بن حرب، لم يتطرق في أسئلته إلى أمر المعجزة التي ظهرت على يدي النبي عليه الصلاة والسلام، بل انصب اهتمامه على معرفة أحواله وأخلاقه وتفاصيل شرعه وأحوال دعوته، والتي كان هرقل على علم بها من الكتب السماوية السابقة. فعرف هرقل بذلك صدق النبي عليه الصلاة والسلام فيما أتى به.
انظروا هذا السؤال: فهل يا ترى كان هرقل أكثر دراية بطرق معرفة صدق النبوة من المتكلمين الإسلاميين؟ أم تعمد هرقل الاقتصار على أدلة تفيده الظن لا القطع كما يزعم الكلاميون؟ إن هذا السؤال هو الذي أطرحه، يعني هل كان هرقل ملك الروم أدرى بطرق إثبات النبوة من المتكلمين الإسلاميين الذين يحصرون طرق إثبات النبوة في المعجزة؟ أم أن هرقل ملك الروم اكتفى بالأدلة الظنية على صدق النبي عليه الصلاة والسلام ولم يبحث عن الأدلة القطعية كما يزعم المتكلمون؟ يعني المتكلمون
يقولون هذه الأدلة التي تستدلون بها يا أهل السنة والجماعة على صدق النبوة أدلة ظنية ليست قطعية. نقول إذا يعني أو هرقل الروم استدل بأدلة ظنية على صدق النبي عليه الصلاة والسلام، وابتعد عن الأدلة القطعية ولم يتطرق إليها. في الحقيقة يعني هذه الإجابة غير مقنعة من الفكر كلامي.
بل هرقل ملك الروم كان عاقلاً جداً وعلى دراية بالكتب السماوية، وعلى دراية أكثر بكثير من المتكلمين بطرق إثبات النبوة وكيف أعرفها، فبحق الآن لماذا لم يتبع هذا الهوى؟ لكن اتبع منهجاً علمياً في معرفة أن هذا الرجل مرسل من الله سبحانه وتعالى، منهج علمي رصين.
طيب كذلك أحبتي يعني مما يعبر في الخاطر جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في خطبته الشهيرة لما دخل على النجاشي، وسأله النجاشي عن ما أتي بكم، ماذا تفعلون في ديارنا وما طبيعة هذا الرجل الذي خرج في دياركم؟ فجعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه إنما أتاه بتفاصيل شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، أننا كنا نقرض الأرحام ونزني ونشرب الخمور فأتانا آآ فترك فدعانا إلى الفضائل، وحرم علينا الزنا ودعانا لترك يشرب الخمور وما شابه ذلك.
النجاشي اقتنع أن مثل هذه الفضائل ومثل هذه الأمور الخيرة لا يمكن أن يأمر بها إلا نبي مؤيد من السماء، وأن هذا النمط من الشرائع ليس من شرائع الكذابين والمتسلقين والذين يبحثون عن قدم في الدنيا، وإنما هذه الشرائع هي شرائع. والنجاشي أيضاً كما قلنا كان على نصرانية فهو على دراية بالكتب السماوية السابقة، فإذا الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ملوك ذاك العصر الذي عاش فيه النبي عليه الصلاة والسلام، كانوا يستقون إثبات نبوة النبي عليه الصلاة والسلام ويتأكدون من صدقه من خلال طرق متنوعة وليس فقط من خلال المعجزة.
تمام، إذا يا شيخ يعني المعجزة يعني أفهم من كلامك يا شيخ أن المعجزة أمر ثانوي في الدلالة على صدق النبي عليه الصلاة والسلام؟ لا، الآن نعود خطوة إلى الوراء. نقول نحن إشكاليتنا مع الفكر الكلامي هو أنه يحصر إثبات النبوة في المعجزة فقط ويضيق واسعاً، وهذا فكر مغلوط نشأ كما قلنا من نظرتهم لما هو القطعي في الدلالة.
والصحيح أن هناك طرق متشعبة ومتنوعة في إثبات صدق النبوة، لكن المعجزة هي بالتأكيد من أقوى الأدلة لإثبات صدق النبوة، فأقول مستعيناً بالله نحن بهذا التأصيل لا نقلل من أهمية المعجزة في الدلالة على صدق النبوة، بل هي من أهم الأدلة القاطعة على صدق أنبياء، بل هي من أهم الأدلة القاطعة على صدق الانبياء.
لكننا ماذا نأبى؟ لكننا نأبى أن تكون هي المستند الوحيد لإثبات صدقه، وألا يلتفت إلى المسالك الأخرى في إثباتها. وعلينا أن ندرك أحبتي أن الله سبحانه وتعالى إنما أيد أنبياءه بالمعجزات، لماذا؟ هذا سؤال، لماذا أيد الله أنبياءه بالمعجزات؟ رحمة بالخلق، حيث يدرك قطعية دلالة المعجزة على صدق النبوة العامة الذين لا يمتلكون أهلية النظر والتحليل والاستيعاب مثل المتخصصين كهرقل.
يعني هرقل متخصص، رجل مطلع، مثقف، ملك دولة عظمى، لن يكون جاهلا بأمور الحياة وأمور الأديان، كذلك النجاشي. المعجزة يدرك قطعيتها والبعض يقول أنها حجة قهرية، وهذا مصطلح جيد، البعض يقول المعجزة حجة قهرية، يعني حجة قاطعة يدرك قطعيتها في إثبات صدق النبوة، عامة الناس الذين لا يمتلكون أهلية النظر وضعاف العقول كما يدركها الخاصة وأرباب النظر من باب أولى يعني.
إذا كانت المعجزة حجة قهرية يستدل بها العامة وأصحاب العقول الضعيفة صدق النبي عليه الصلاة والسلام، فمن باب أولى أن الخاصة وأصحاب العقول المتينة من باب أولى يتأكدون من خلالها أن هذا الرجل نبي مرسل من السماء، تمام. فإذا المعجزة حجة قاهرة للجميع، للعوام وللخواص.
لذلك أيد الله سبحانه وتعالى بها أنبياءه لتقوم الحجة على جميع الخلق، ولألا يبقى أدنى عذر لأحد من الخلق في تكذيب الرسل وجحد رسالتهم، وليس المقصد إذاً من إظهارها على يد الانبياء أن تكون السبيل الوحيد القطع برسالتهم كما ظن أهل الكلام.
إذاً نقول ما فائدة المعجزة؟ المعجزة دليل قطعي قهري لكل المهم، قاطع يدل على أن هذا الرجل مرسل من الله سبحانه وتعالى، فأرادها الله سبحانه وتعالى كما قلنا أن تكون دليلاً قهرياً حتى يرفع الشك والشبهة عن جميع البشر؛ رجالاً، نساءً، الطبقة المثقفة، الطبقة العامة، جميع أصحاب الصناع والحرف، الكل عندما ينظر للمعجزة يعرف صدق النبوة.
الآن الطرق الأخرى لإثبات صدق النبوة نعم يتفاوت الناس في فهمها، هناك أناس ما عنده قدرة على استخدام الطرق السابقة ولا يفهمها، أو ما عنده اطلاع على الكتب السابقة التي بشرت بالنبي عليه الصلاة والسلام، فنحن نريد أن نقول إن الحجة أو الاستدلال بالمعجزة إلى صدق النبوة أمر مهم وأساسي ويأتي في المركز الأول، ما عندنا مشكلة في هذا الكلام، لكن لا يعني عدم وجود طرق أخرى لإثبات النبوة، هذا الذي نأباه ونرفضه.
حصر إثبات النبوة في المعجزة فقط، إذاً يقول ابن أبي العز الحنفي رحمة الله عليه في شرحه على الطحاوية ماذا يقول؟ اسمعوا ماذا يقول هذا الإام الفحل من أئمة أهل السنة والجماعة، يقول الطريقة المشهورة عند أهل الكلام والنظر هي تقرير نبوة الأنبياء بالمعجزات، لكن كثير منهم الآن بدأ يعترض، لكن كثير منهم أي من أهل الكلام لا يعرف نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات وقرروا ذلك بطرق مضطربة.
حاولوا أن يستدلوا بأدلة ليقنعونا أن إثبات النبوة لا يكون إلا بالمعجزات، من ذهب إلى الإرشاد مثلاً الجويني، الجويني يأتي بأدلة كثيرة يثبت من خلالها أو يريد أن يثبت من خلالها أن إثبات صدق الأنبياء لا يكون إلا من خلال المعجزات، الآن هذه الأدلة التي أتاها الجويني ومن قبل الباقلاني ومن سار على دربهم أدلة مضطربة كما قال ابن أبي العز الحنفي.
فيقول والطريقة المشهورة عند أهل الكلام والنظر تقرير نبوة الأنبياء بالمعجزات، لكن كثير منهم لا يعرف نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات، وقرروا ذلك وأتوا بأدلة مضطربة. ونحن نقول الآن يتكلم ابن أبي العز الحنفي: لا ريب أن المعجزات دليل صحيح، لا أحد يشكك في ذلك مئة بالمئة، بل أقول هي الدليل القهري للجميع، لكن الدليل غير محصور في المعجزات، فإن النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين عبارة لطيفة.
قال بل قرائن الأحوال تعرب عنهما وتعرف بهما، والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة فكيف بدعوى النبوة؟ يعني حتى في المسائل الحياتية يقول لك ابن أبي العز: أنت تعرف من هو الشخص الصادق فيما يقول والكاذب حتى في مسائل الحياة، يعني أنت إذا شخص دعا ادعاءً، ألا تستطيع أن تعرف أنه صادق حتى يأتيك بمعجزة من أمور الحياة؟ لا، تستطيع من خلال قرائن الأحوال ومشاهدة أعماله، تصرفاته، طريقه في الحياة، تستطيع أن تعرف أن هذا الرجل بطبعه لا يمكن أن يكذب، لا يمكن أن يتعمد الكذب، وإن وقع فيقع سهواً.
وأما شخص آخر ينصب على الناس، يسرق الأموال، ينهب، يفعل كل الجرائم، حينما يأتي ليكلمك عن قضية ويشرحها كذا، أنت ابتداءً عندك موقف سلبي منه وتعرف أن هذا الرجل ما عنده مشكلة إشكالية الكذب، لأنه بطبعه خسيس الأخلاق. فيقول ابن أبي العز: إذاً نحن في حياتنا العملية نستطيع أن نكتشف الصادق من الكاذب من دون الحاجة إلى المعجزات، فمن باب أولى في موضوع خطير كموضوع النبوة أننا نستطيع أن نحدد من هو الصادق في ادعائه للنبوة ومن هو الكاذب، يقول هذا من باب أولى موضوع خطير عظيم مثل هذا، ألا يمكن أن يثبت بطرق متنوعة بالنظر في قرائن الأحوال؟ بالتأكيد يمكن أن يثبت.
بالله عليكم أحبتي، هل هناك ريب في كذب مسيلمة الكذاب وفي صدق محمد صلى الله عليه وسلم؟ يعني لو لم يأت محمد صلى الله عليه وسلم بمعجزة، فقط رأينا هدي محمد صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وشمائله وشرعه، ورأينا كلام مسيلمة الكذاب وما ينطق به من الكلام الزيف الذي لا قيمة له، أنت بعقلك السوي وبفطرتك النقية ستقول: هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم صادق، وهذا الرجل كذاب من دون أن تعرف المعجزات.
فهذا ما يريد أن يقرره ابن أبي العز الحنفي، أن حصر دلائل النبوة بالمعجزات حصر غير علمي، يتعارض مع حقائق الوجود وحقائق الحياة والعقل المنطقي، وأهل السنة والجماعة دائماً منهجهم منهج شرعي عقلي، وهذا أؤكد إبراز المنهج العقلي عند أهل السنة والجماعة فريضة الوقت، منهج أهل السنة والجماعة في تقرير العقائد منهج علمي عقلي وشرعي، ليس منهجاً مضطرباً اليوم من هنا واليوم يأخذ من هنا، اليوم يصطدم الكتاب بالعقل، اليوم يصدم السنة بالعقل، لا يوجد هذا في طريقة أهل السنة والجماعة، وإنما هي طريقة الانسجام والتكامل وعدم الاستقاء من منابع أخرى فاسدة، هذا ما يميزنا، أننا لا نستقي من منابع أخرى فاسدة ونحاكمها على نصوص الكتاب والسنة، بل كل شيء نستقيه من نصوص الكتاب والسنة ومن الضرورات العقلية ومن الفطر النقية كما أصلنا في بداية هذه الدورة.
تمام، إذاً فإن النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، بل قرائن أحوالهما تعرب عنهما وتعرف بهما، والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوى النبوة؟! من باب أولى ستجد طرقاً متعددة في إثبات الصادق من الكاذب فيها، وقد أطال الإمام ابن أبي العز الحنفي البحث في هذه المسألة، فليرجع إليه من أحب استزادة.
تمام، إذاً هذه المسألة الأولى التي تطرقت إليها اليوم في قضية النبوات، كيف تثبت النبوة؟ نقول هناك طرق متعددة لإثبات النبوة وليس طريقاً واحداً كما يزعم الكلاميون أو أكثر الكلاميين حتى أكون دقيقاً، أكثر الكلاميين. طب ما هي هذه الطرق؟ أقول أول طريق هي طريق المعجزة، وهي الحجة القاهرة للجميع، وإنما أتى الله عز وجل بالمعجزة ابتداءً لأن المعجزة كما قلنا يدرك قطعيتها على صدق النبي الجميع العامة والطبقة المثقفة، الكل ما أحد يجد إشكالاً، فهي حجة قهرية أنزلها الله رحمة بعبيده لئلا يبقى للناس على الله حجة.
الآن ما هي الطرق الأخرى؟ قلنا من الطرق الأخرى النظر في هدي وأخلاق وشمائله، من الطرق الأخرى النظر في شرعه والقوانين الإلهية التي أتى بها، من الطرق النظر في بشارة الكتب السماوية به، المقارنة بين ما يخبر به صلى الله عليه وسلم وبينما ورد في الكتب السماوية في القسم الذي لم يحرف منها، فهذه طرق متنوعة نستطيع من خلالها إثبات صدق النبوة، والله تعالى أعلم.
طيب، دعونا الآن ننطلق إلى السؤال الثاني، دعونا ننطلق إلى السؤال الثاني الذي وقع فيه أيضاً إشكال بين المدارس الإسلامية، السؤال الثاني هو: ما هي المعجزة؟ نحن نقول الله عز وجل أيد أنبياءه بالمعجزات لتكون المعجزات حجة قهرية على الجميع. طيب، ما هي المعجزة؟ وما الفرق بين السحر والمعجزة؟ وما الفرق بين الكرامة والمعجزة؟
ما هي المعجزة؟ وما الفرق بين السحر والمعجزة؟ وما الفرق بين الكرامة والمعجزة؟ هذا سؤال ثاني ومهم وجليل القدر في كتب العقائد. نقول أحبتي، خاض الإسلاميون كثيراً في تعريف المعجزة وفي تحديد الفارق بينها وبين كرامات الأولياء والسحر، وبنت كل طائفة من الطوائف الإسلامية تصورها عن هذه المسائل على اصولها ومنطلقاتها العقلية، كل طائفة أتت بمنطلقاتها العقلية ومن خلالها انطلقت في فهم طبيعة المعجزة، تمام.
مما سبب كثيراً من الخلط واللبس، حتى وصل الحال ببعضهم إلى إنكار كرامات الأولياء والجحد بالكلية، والبعض أنكر السحر، فقضية تحديد ما هي المعجزة؟ قضية مهمة في علم العقائد. إذاً هناك خلاف بين الإسلاميين في تحديد طبيعة المعجزة وما الذي تختص به المعجزة عن السحر وعن الكرامة؟ سبب الخلاف أساساً هو أن كل طائفة منطلقاتها العقلية وظفتها لفهم طبيعة المعجزة، فمن كانت منطلقاته العقلية باطلة فاسدة سيكون فهمه للمعجزة باطلاً فاسداً كما سيأتي، وأما من كانت منطلقاته العقلية منطلقات فطرية نقية ستكون نظرته للمعجزة نظرة منسجمة مع طبيعة الحياة ومع طبيعة الشرع أيضاً.
الآن أحبتي سأبدأ بالتعريف الخاطئ، ومن التعريف الخاطئ سانتقل إلى التعريف الصحيح بإذن الله. لماذا أبتدئ بالتعريف الخاطئ؟ لأن التعريف الخاطئ للأسف هو المنتشر اليوم في المناهج الدراسية والمناهج الجامعية. ما هو التعريف الخاطئ؟ وما سبب الخطأ فيه؟
نقول من أشهر التعاريف الدارجة للمعجزة في الأوساط العلمية أن نقول: المعجزة أمر خارق للعادة يجريه الله على أيدي أنبيائه يكون مقروناً بالتحدي وادعاء النبوة. أعيد التعريف الخاطئ: المعجزة أمر خارق للعادة يجريه الرب سبحانه وتعالى على أيدي أنبيائه، ويكون مقروناً -يعني هذا الأمر الخارق للعادة لابد يكون مقروناً بالتحدي أن تتحدى المخالف- ادعاء النبوة.
فهذه الثلاثة أشياء إذا اجتمعت وجدت المعجزة: أمر خارق للعادة تتحدى به المخالف وأنت تدعي النبوة، أمر خارق للعادة تتحدى به المخالف وأنت تدعي النبوة. إذا اجتمعت هذه الثلاث توجد المعجزة. بناءً على هذا التعريف وهو تعريف فاسد وفهم خاطئ لطبيعة المعجزة.
طيب، ما هو سبب فساده يا شيخ؟ نقول هذا التعريف في الحقيقة هو من مخرجات الفكر الأشعري ومن دار على فلكهم، ليس فقط عند الأشاعرة، الفكر الأشعري ومن دار في فلكهم. هذا التعريف هو من مخرجات الفكر الأشعري وينسجم مع اصولهم العقلية الخاطئة، وهو منقود من عدة اتجاهات، أولاً نبدأ نقضاً رويداً رويداً، قولهم في بداية التعريف: المعجزة أمر خارق للعادة، نقول تعبير الأشاعرة بلفظ العادة هنا أمر خارق للعادة ينسجم مع تقريراتهم.
من المنطلقات العقلية الفاسدة عند الأشاعرة أنهم ينفون قانون السببية في هذا العالم، وينفون أن الله سبحانه وتعالى أودع هذا القانون في هذا الكون ليسير هذا الكون على طريقة السببية؛ سبب ومسبب، والله هو خالق السبب وخالق المسبب. وقد أشرنا إلى هذا القانون في المجالس السابقة بالتفصيل.
وما الذي دفع الأشاعرة لهذا الخطأ ومرد أهل السنة عليه لابد أن يكون في المطولات، لا يمكن أن يكون في هذه الدورات، لكن أنا أعطيك الإشارات السريعة. فنقول أحبتي إن قول الأشاعرة في بداية تعريف المعجزة أنها أمر خارق للعادة، توظيف كلمة العادة هو الذي ينسجم مع تقريراتهم بعدم وجود قانون سببية في هذا الكون، وأن اقتران الأسبَاب بالمسببات وإنتاج السبب للمسبب الذي يؤمن به أهل السنة والجماعة إنما هو اقتران عادي عند الأشاعرة وليس اقتران سببي.
ما معنى اقتران عادي يا شيخ؟ دعونا نُفسِّر أكثر؛ فالنار عند الأشاعرة ليست سبباً في وجود الإحراق، بل جرت عادة الله -ركزوا على كلمة عادة الله- بل جرت عادة الإله سبحانه وتعالى أن يخلق الإحراق عنده. وهاي العندية احذروا منها متى رأيتموها في كتب شروح الأحاديث، جرت عادة الله هكذا يقول الأشاعرة أن يخلق الإحراق عند وجود النار وليس النار هو الذي سبب الإحراق، اقتران عادي في هذا الكون هو أنه جرت عادة، مجرد عادة، أن يوجد شيء اسمه إحراق ويخلق الله الإحراق حين يوجد شيء اسمه نار. أما أن النار هي التي سببت الإحراق بإرادة الله فهذا لا يعقله الأشاعرة.
طيب، والطعام عندهم ليس سبباً للشبع، بل جرت عادة الله -لاحظوا كلمة عادة الله- بل جرت عادة الله أنه يخلق الشبع عنده، يعني بمصاحبة وجود الأكل، فهي قضية مصاحبة، تزامن، نسميها تزامن نحن اليوم؛ تزامن وجود الشبع مع وجود الطعام، وتزامن وجود الإحراق مع وجود النار. فارتباط هذه الأمور ببعضها ارتباط تزامني، وهذا مخالف لطبيعة هذا الكون أحبتي، ولما يملي به أهل السنة والجماعة، ولما تدل عليه العقول، لكن هكذا اقتنع القوم، وطبعا هناك منطلقات فاسدة هي التي أوصلت إلى هذه العقلية الفاسدة، لكن كما قلنا هذا لا يكون إلا في المطولات بإذن الله.
والطعام ليس سبباً للشبع، بل جرت عادة الله أن يخلق الشبع عند وجود الأكل والطعام. وهكذا، فكل ما يعتبره أهل السنة والجماعة ويعتبره العقل والعلم المعاصر -الآن حتى العلم المعاصر الكل يقول بقانون السببية- فكل ما يعتبره أهل السنة والجماعة والعقل السليم والعلم المعاصر سبب ومسبب نجد الفكر الاشعري مباشرة ينفي علاقة السببية ويعتبرها مجرد ارتباط عادي تزامني، جرت عادة الله أن يخلق شيئاً عند شيء بالتزامن مع الشيء.
وهذا الفهم المغلوط من أكبر إشكاليات الفكر الأشعري التي تناقض المنهج الإسلامي، بل أقول: هي لا تناقض المنهج الإسلامي فحسب، بل تناقض العقل الإنساني وطبيعة الوجود. والله هذه الفكرة أحبتي أنا في الحقيقة أتعجب من أساطين الفكر الأشعري، كيف استطاعوا أن يقتنعوا بها مع أن دلائل وجودها في الكون دلائل ظاهرة والعقول السليمة والفطر النقية تدل على وجودها. قانون السببية أحبتي قانون يحكم هذا العالم أودعه الله عز وجل فيه ولا يتعارض مع أي شيء من مبادئ الشريعة فلماذا ننفي قانون السببية؟ لماذا نفتح المجال للإلحاد وللشكوكيين ليضحكوا على الإسلاميين: أنتم تنفون قانون السببية وهذا القانون في العالم؟
نقول: نحن لا ننفي قانون السببية، الإسلام لا ينفي قانون السببية، والذي ينفي قانونيته هي طائفة تأثرت بالفلسفة الإغريقية وأخذت منطلقات مغلوطة ففهمت الأمر على خلاف ما هو عليه في الواقع، فلا يُنسب هذا إلى الإسلام. احذروا أن تنسبوا هذا الفكر بهذه الصورة إلى الإسلام، الإسلام لا علاقة له بنفي قانون السببية وإنما هي لوثة أشعرية، نسأل الله الهداية للجميع.
لكن ما يهمنا هنا أن نقرره أن إلغاء قانون السببية واعتبار أن الارتباط بين الأشياء في هذا العالم هو مجرد ارتباط عادي تزامني سيلغي في الحقيقة الفرق بين المعجزة والسحر. لماذا أنا أرفض تعريف المعجزة بأنها أمر خارق للعادة؟ لأنه إذا قلت المعجزة هي أمر خارق للعادة ابتداءً، إذاً سيكون السحر هو أمر خارق للعادة، لأنه هي الآن أنتم تفهمون أيها الأشاعرة أن النار والإحراق شيء تزامني، فلا عاد أن يجري مع بعضهما البعض، والشبع مع الطعام أمر تزامني، فلا عاد أن يجري مع بعضهما البعض، هي أمور إذاً اعتيادية.
طيب، الأمور الاعتيادية أحبتي يعني خرقها أو الخروج عنها لا يعتبر أمر- ما هو الخارج عن طاقة الإنسان؟ الخروج عن الأمور الاعتيادية المألوفة ها أمر اعتيادي مألوف، الخروج عن الأمور الاعتيادية المألوفة ليس أمراً خارجاً عن طاقة الإنسان، يمكن للإنسان أن يخرج عن المألوف وعن الأمور المعتادة بحيل، بخداع، باستعانة بشياطين وجن، يمكن، هذا ضمن طاقة الكائنات في هذا الكون.
وبالتالي إذا قلنا إن المعجزة هي مجرد خرق العادة بالتالي لن يكون هناك فرق بين المعجزة والسحر، لأنه في السحر تخرق العادات أيضاً، السحر هو خرق للعادة أن تأتي بالأمور على شكل عجيب غير مألوف، هذا هو السحر، طبعا له أنواع وأشكال، فعندما ترى الساحر يطير في الهواء أو على مكنسة -وافصل ماذا يعمل- أو يمشي على الماء أو ما شابه ذلك، هذه خرق للعادة.
الساحر حينما يمشي على الماء أو يفعل ما يفعل -والآن أنتم تعلمون كثير من طرق السحر- عندما يفعل ما يفعله من تغيير بعض الأمور، بعض الأشياء، بعض التحركات، بعض الأفعال، هذه كلياتها أحبتي هي خرق للعادة، فاذا قلنا المعجزة خرق للعادة ما عاد هناك فرق بين المعجزة وبين السحر، هذا هو الخطأ المنهجي في هذا التعريف.
فنقول: ما يهمنا أن نقرره أن إلغاء قانون السببية واعتبار أن ارتباط الأشياء في هذا الكون كله هو مجرد ارتباط، بالتالي نحن نلغي الفرق بين المعجزة وبين السحر، وبالتالي بطلت دلالة المعجزة على صدق النبوة، لأنه إذا نحن ما عاد هناك فرق بين المعجزة وبين السحر لم تعد المعجزة دليلاً خاصاً واضحاً منفرداً على صدق الانبياء، لأنه لا فرق بين المعجزة وبين السحر، لأن كليهما في النهاية ضمن هذا المنظور الفكري هو خروج عما جرت عليه العادة. وهذا الكلام كله فاسد، بل لابد أن تكون المعجزة تتميز في حقيقتها وجوهرها عن السحر، ولا يقبل أن تكون المعجزة -هذا الدليل العظيم الذي أيد الله عز وجل به أنبياءه ورسله- هو نفسه نفس السحر، لا فرق بينهما.
طبعا كيف سيعالج الفكر الأشعري؟ ترى الفكر الأشعري أدرك هذا المأزق كما سيأتي، أدرك أنه إذا احنا قلنا إن المعجزة أمر خارق للعادة، طيب السحر هو أمر خارق للعادة، إنه ايش هو خرق العادة؟ خرق العادة والخروج عن المألوف أن يكون في العادة شيء ماشي مع شيء، عادة الناس لن تفعل هذا الفعل بهذه الطريقة، فيأتي الإنسان فيخرج عن هذه العادة.
السحر الذي يستعين به ساحر بالجن والشياطين والمخلوقات السحرة يستطيعون أن يفعلوا أموراً على خلاف العادة ويخرج الأمور عما هو معتاد مألوف في أعين الناس، بالتالي أصبحت أعمال السحرة خرق للعادة، والمعجزة في وجهة النظر الأشعرية خرق للعادة، إذاً لا فرق بين معجزة وبين السحر.
طيب، الأشاعرة أدركوا هذا المأزق، نقول وقد انتبه الأشاعرة إلى هذا التلازم وإلى هذا المأزق فحاولوا إذاً تقييد المعجزة بقيود أخرى وردت في التعريف -ترى احنا لسه ما نهينا التعريف- فحاولوا تقييد المعجزة بقيود أخرى وردت في التعريف سنتطرق إليها، لكن هذه القيود في الواقع التي ذكروها فروق غير مؤثرة بل غير صحيحة ابتداءً كما سنبين.
من الذي انتقد الأشاعرة بشكل شديد في هذه الجزئية؟ البعض سذهب ذهنه ابن تيمية، لا، في الحقيقة ليس ابن تيمية الذي ابتدأ مسيرة الرد على الأشاعرة في هذا الخطأ العلمي، ابن حزم الظاهري رحمة الله عليه هو الذي رفع لواء الرد في هذه المرة. يقول ابن حزم الظاهري وهو ينقض مذهب الأشاعرة: ذهبت الأشاعرة إلى إنكار الطبائع جملة. يقول ابن حزم: إن الاشعري ليس فقط أنكرت قانون السببية بل هي تنكر حتى طبائع الأشياء، ليس مجرد انكار قانون سببية بل هي تنكر طبائع الأشياء، فيقول: فانكروا- عفواً- ذهبت الأشعرية إلى إنكار الطبائع جملة فقال: ليس في النار حر -أنكروا طبيعة الحر في النار- وليس في الثلج برد، وأنكروا أن الثلج بارد، أنكروا وجود طبيعة البرودة في الثلج، ولا في العالم طبيعة أصلاً، فانكروا.. يعني ابن حزم يضيف لنا معلومة، يقول لنا إن الأشاعرة أنكروا حتى طبائع الأشياء.
ثم يقول: وهذا المذهب الفاسد حداهم إلى تسمية- يعني قادهم- حداهم إلى تسمية ما أتى به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الآيات المعجزات خرقاً للعادة. إذاً المذهب الفاسد الذي يقوم عليه الفكر الأشعري في إنكار قانون السببية وفي إنكار طبائع الأشياء هو الذي قاد الفكر الأشعري إلى أن يتخيل ويعرف معجزات الأنبياء على أنها خرق للعادة.
طيب ما الارتباط بين إنكار قانون السببية وإنكار طبائع الأشياء وبين تسميتهم للمعجزة بأنها خرق للعادة؟ سيكمل ابن حزم يقول: لأنهم- ها- لأنهم جعلوا امتناع شق القمر وامتناع فلق البحر -هاي كلها معجزات- جعلوا امتناع شق القمر اللي صار للنبي عليه الصلاة والسلام، وامتناع فلق البحر اللي صار لموسى، وامتناع إحياء الموتى اللي كانت لعيسى، وامتناع إخراج ناقة من الصخر معجزة صالح وسائر معجزاتهم، إنما هي فقط.. يعني لماذا يمتنع شق القمر للناس؟ لماذا يمتنع انشقاق القمر للناس؟ قالوا: لأن.. هيك يقول الأشاعرة: لأن العادة فقط جرت ألا ينشق لهم. هل هي عادة أيها الأشاعرة ولا هو قانون يخضع له هذا الكون وطبائع أشياء تحكم هذه الحياة؟
هذه ليست عادات، كلمة عادة كلمة مغلوطة، مفهوم مغلوط عن طبيعة هذا الكون طبيعة هذا الوجود. أيها القوم هناك طبائع للأشياء أودعها الله عز وجل فيها، هناك سببيات وعلاقات تحكم الأشياء أودعها الله عز وجل في هذا الكون، هذه ليست مجرد أمور اعتيادية يمكن أن تنقلب وأن تنخرق في لحظة، لا، هذه سنن كونية، هكذا يعبر عنها أهل السنة والجماعة، ليست عادات، نعبر عنها سنن كونية وقوانين طبيعية وهذا العقل السليم يقوله والعلم كله يثبته.
هناك قوانين سببية وهناك طبائع أشياء، فالأشاعرة كما يقول ابن حزم يقولون: امتناع انشقاق القمر للناس هذا أمر اعتيادي، فإذا شق النبي صلى الله عليه وسلم القمر هذا خرق للعادة. ممتاز. امتناع انفلاق البحر لأي شخص من الناس هذا هو العادة، هذا مجرد أمر عادي، مش طبيعة مركوزة في البحر أنه لا ينفلق أو قانون أودعه الله عز وجل فيه يسير عليه البحر في هذه الحياة، لا، هي مجرد أمر عادي، فإذا جاء موسى ففلق البحر هذا خرق للعادة.
طيب، إخراج ناقة حية من صخر، لماذا يمتنع على أي شخص منا أن يخرج ناقة حية من صخر؟ يقول الفكر الأشعري: هذا أمر عادي، يعني امتناع إخراج ناقة.. عفواً.. ناقة حية من صخر هذا مجرد أمر عادي ولا.. نحن لا نستطيع بقوانين هذا الكون الذي تحكم بطبائع الأشياء أن نفعل هذا، هذا فهم مغلوط، هذه ليست عادة، امتناع خلق ناقة من صخر هذه ليست عادة، بل هي طبيعة الخلق، طبيعة الحياة، أننا لا نستطيع أن نفعل ذلك، هناك عجز وهناك سنن كونية وهناك طبائع وهناك خلق إلهي يحكم هذا العالم، فهذه ليست عادة.
فالأشاعرة لما قالوا إن امتناع خلق ناقة من الصخر هو مجرد عادة، بالتالي لما فعل ذلك صالح عليه السلام هو فقط خرق العادة. انظر ابن حزم ماذا يريد أن يقول وأن يوصل حتى تفهم الخطأ الكبير الذي وقع فيه الفكر الأشعري، إذا تصوروا أن كل هذه الأمور هي مجرد عادات فلما جاء الأنبياء ففعلوها، مجرد هم خرقوا العادة. وماذا فعل الأنبياء في وجهة نظر الأشاعرة؟ خرقوا العادة.
ثم يقول ابن حزم: معاذ الله من هذا، يعني ايش هذا الفكر؟ معاذ الله من هذا، ولو كان هذا عادة لما كان إذاً في ذلك إعجاز أصلاً، لو كان امتناع انفلاق البحر وامتناع انشقاق القمر هو مجرد عادة، فإذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وشق القمر، وما فعله موسى بفلق البحر، وما فعله صالح في إخراج الناقة، هذا ليس معجزة، هو مجرد انخراط للعادة وخرق العادات.
الفكرة لا يخرج عن طاقة البشر، خرق العادات لا يخرج عن طاقة البشر، يمكن للبشر أن يخرقوا العادات وأن تخرق لهم بعض العادات باستخدام بعض الأمور لأن في النهاية عادة، ليست قوانين مركوزة في هذا الكون في الفكر الأشعري، وهذا كلام فاسد، بل نحن نقر أن هناك قوانين تحكم هذا العالم: قانون السببية، قانون طبائع الأشياء هي التي تحكم هذا العالم، تحكمه يعني أودعها الله عز وجل فيه.
مرادي أن الله عز وجل أودعها فيه ليسير هذا العالم على وفقها. طبعا، هل يستطيع الله عز وجل الذي وضع هذا القانون أن يوقفه في لحظة معينة؟ نعم يستطيع، ويستطيع أن يمنع تأثيره، فنحن لا نغلو غلو المعتزلة الذين ذهبوا إلى أن الأسباب هي بذاتها بقدرتها تنتج المسببات، بل نحن في النهاية ننظر إلى جانب معتدل، يعني موقف أهل السنة متزن، أنه نعم الله عز وجل جعل قانون السببية يحكم العالم ويسير عليه هذا العالم، لكنه سبحانه متى أراد..
أن يوقفه يوقفه، ومتى أراد أن يخرق يخرقه. فلذلك الله يخرق قانون السببية ويخرق قانون طبائع الأشياء لأنبيائه ليكون ذلك دليلاً على صدقهم، وبالتالي يكون الإعجاز في فكر أهل السنة والجماعة ليس خرق العادات؛ لأن خرق العادات المألوفات هذا في إمكانية البشر العامة أن يفعلوا من السحرة ومن شابههم.
وإنما طبيعة المعجزة هي خرق السنن الكونية، المعجزة هي انخراط للسنن الكونية وليس انخراط للعادات المألوفة، ففرق هائل بين هذا ومن هنا دعونا نشرع إذاً في بيان نظرة أهل السنة والجماعة للمعجزة، فنقول إن أهل السنة والجماعة يؤمنون بقانون السببية الذي أودعه الله في هذا العالم، وهذا هو مقتضى العقل وطبيعة الوجود.
لذلك فإن المعجزة عند أهل السنة هي خرق للسنن الكونية وليست خرقاً لما جرت عليه العادة. فعبارة خرق السنن الكونية أو خرق القوانين الطبيعية هي الأليق بمذهب أهل السنة والجماعة في تأليفهم للمعجزة، وهي التي تسير مع أصول أهل السنة وهي التي تعبر عن منهجهم، وليست عبارة خرق العالم التي يستخدمها الفكر الأشعري.
ومن هنا يظهر الفرق جلياً بين المعجزة والسحر عند أهل السنة. هنا أهل السنة والجماعة يقولون الفرق واضح بين المعجزة وبين السحر، والفرق بين المعجزة والسحر فرق في جوهر الموضوع؛ أن المعجزة خرق للسننن، وأما السحر خرق للعادة، وفرق هائل بين خرق السنن الكونية وخرق العادة. فالساحر لا يستطيع أن يخرق السنن الكونية.
الساحر لا يمكن ولا يستطيع أن يخرق السنن الكونية، لكنه يستطيع أن يخرق العادة المألوفة للناس بأسلوب السحر الذي يتعلمه ويمارسه. فالسحر حقيقة وحقيقته خرق العادات وليست خرق السنن الكونية التي أودعها الله في هذا الكون.
إذاً ومن هنا يظهر الفرق جلياً بين المعجزة والسحر عند أهل السنة؛ لأن السحر لا يخرق السنن الكونية، والسحر لا يخرج عن مقدور الثقلين -ركزوا-. السحر لا يخرق السنن الكونية، وإنما يخرق المألوفات المعتادات فقط.
والسحر لا يخرج عن طاقة الثقلين الجن والإنس، بخلاف المعجزة التي خاصيتها وجوهرها عند أهل السنة والجماعة هي أنها كما قلنا خرق للسننن الكونية وليست للمألوفات، وأنها خارجة عن مقدور الثقلين. يعني لا يستطيع الإنسان بكل لو اجتمع كل جنس الإنسان وكل جنس الجن وتظاهروا وتكاتفوا، لا يستطيعون أن يخرقوا سنة كونية واحدة، لا يستطيعون أن يفعلوا ذلك.
وبالتالي الله سبحانه وتعالى أيد أنبيائه بالمعجزات الخارقة للسننن الكونية لتكون هذه حجة قهرية؛ لأن البشر جميعاً يعلمون بل السحرة قبل عوام الناس يعلمون أنهم لا يستطيعون أن يخرقوا السنن الكونية، ولا يستطيعون أن يفعلوا كما يفعل الرسل. لذلك لما فجاء موسى بعصاه وجاء سحرة فرعون بعصاهم، فرأى سحرة فرعون العصا التي ألقاها موسى تأكل عصيهم، ادركوا أن ما فعله موسى ليس خرقاً للعادة، وإنما الذي فعله موسى هو خرق للسنن الكونية وخرق لطبائع الأشياء، فأدركوا أن هذا لا يمكن إلا أن يكون مرسلاً من إله، فخضعوا وسجدوا مباشرة؛ لأن الحجة والمعجزة التي أتى بها موسى أمامهم كانت حجة قاهرة.
أهل السحر أهل خبرة فيما يفعلون، يعلمون أن كل حيلهم وكل مكرهم هو مجرد خروج عن المألوف، هو مجرد فعل أشياء لم يعتدها الناس في حياتهم يستعينون فيها بالجن وبالشياطين فقط، هذا ما يفعلونه. فلما جاء موسى بدليل قهري معجزة خرقت طبائع الأشياء، عصى تخرج منها حية حقيقية، هنا دهل السحرة وجاء الإيمان غرساً في قلوبهم أنه هذا مستحيل يكون كاذب، مستحيل هذا خرق السنن الكونية، هذا الشيء نحن لا نفعله لا يمكن لنا أن نطيقه، فأدركوا أن هذا هو الشيء المهول هذا هو المرسل من الله سبحانه وتعالى.
ولذلك أحبتي كان من رحمة الله سبحانه وتعالى بالخلق أنه إذا أرسل نبياً من الأنبياء إلى قوم، تكون معجزة النبي في أمر هو مما يتقنه هؤلاء القوم. تكون معجزة النبي موضوعها في أمر يتقنه هؤلاء القوم؛ لأنهم إذا كانوا يتقنون هذا الامر وشاهدوا رجلاً أتى في هذا الأمر بما هو خارج عن طبائعها وعن سننها، يدركون قهراً أن هذا الرجل سيكون مرسلاً من السماء ولن يكون ساحراً ولا مجنوناً ولا عابثاً.
لذلك لما جاء موسى بالعصا قابله السحرة، فالسحرة يدركون أن ما فعله موسى لا يمكن أن يكون سحراً. ولما جاء محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم؛ لأن العرب وأصحاب البلاغة ادركوا أنه يستحيل أن يكون هذا من كلام بشر. ولما موسى عليه، أضعف الناس، صالح عليه السلام اخرج الناقة من صلب الصخر، وأهل ثمود كانوا أهل نحت، عرفوا أن هذا الذي فعله الرجل هو خرق لطبائع الأشياء وللسنن ولا يمكن أن يكون فعل بشر.
لكن طبعاً هناك من يخضع لقهر المعجزة ويؤمن، وهناك من يبقى معانداً. فإذا وصل الإنسان لمرحلة العناد أمام قهر المعجزة فهذا يستحق العذاب الإلهي، لذلك كان الله عز وجل يؤخر إرسال الآيات: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: 59]. لماذا الآية أحبتي إذا جاءت ثم كذب القوم بعدها يأتي العقاب في سنة الله سبحانه؟ لأن المعجزة أحبتي كما قلنا أمر قهري.
أمر قهري إذا رآه الإنسان أدرك بفطرته النقية وبعقله الأولي أن هذا الفعل ليس خرق للعادة، هذا خروج عن طبائع الأشياء، خروج عن طبيعة هذا الكون، ولا يمكن أن يخرج من أي إنسان إلا من إنسان مؤيد من السماء. فهذه قيمة المعجزة التي للأسف قلل من شأنها الأشاعرة في طرحهم وتصويرهم لها أنها مجرد خرق للعادة.
إذاً فشق القمر، نقول شق القمر وإخراج ناقة من الصخر وإحياء الموتى ونحوها من معجزات الأنبياء، لا يستطيع أحد من الجن والإنس أن يقوم به، لا ساحر ولا غير ساحر، لذلك كان دليلاً على صدق النبوة. بخلاف ما يفعله السحرة مما هو خروج عن المألوف والمعتاد فقط، وأتيان بأُمور عجيبة على طبيعة الناس، فهو ليس على الثقلين؛ ما يأتي به السحرة وكما قلنا خرق للعادة، ليس ممتنعاً على الثقلين لكنه غير معتاد فقط، هي فكرته غير معتاد.
أنت تتعجب وتنبهر منه، لكن هل هو خارج عن مقدور الثقلين؟ أبداً، لا يمكن أن يكون السحر خارج عن مقدور الثقلين، لذا يستطيع الساحر أن يطير في الهواء بمساعدة شياطين الجن، ويمكنه أن يفعل بعض الأمور غير المألوفة لشخص أو للناس، لكنها في النهاية لا تكون خرقاً لسنن الكون، وإنما هي هي شكل من أشكال الاحتيال والخداع واستمتاع الإنس بالجن الذي أخبرنا الله ربنا به في كتابه، أن يخبرنا الله عز وجل أن الإنس يستمتعون بالجن وأن الجن يستمتعون بالإنس: ﴿اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: 128].
فهم يستعينون بعض في قضاء حوائجهم، ويقدرون أن يخرقوا العادة من خلال هذه الاستعانة، وأن يفعلوا غير المألوف للناس، مع أنه لا إعجاز فيه؛ لأنه ليس خارقاً للسننن الكونية، وإنما هو شكل من أشكال الخداع والاحتيال واستمتاع بعضهم ببعض، لكنهم كما قلنا لا يستطيعون خرق السنن الكونية، وهنا محك الفرق بين المعجزة والسحر عند أهل السنة.
ولذا لما وقع الإعجاز بالقرآن وادعى أهل مكة أن النبي صلى الله عليه وسلم افتراه، الله عز وجل رد عليهم فقال قل يا محمد لهم: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]. فالله عز وجل بين أن هذا القرآن خارج عن طبائع البشر، أسلوبه سبقه دقته وتميزه وبيانه خارج عن طبائع البشر. فالله عز وجل يتحدى لو جاء الجن والإنس واجتمعوا وتظاهروا عقلاؤهم وفصحاؤهم وبلغاؤهم ليأتوا بآية قرآنية فيها بلاغة النص القرآني، لا يمكن أن يفعلوا ذلك.
وانظروا التحدي الرهيب في هذه الآية، حقيقة آية تدل على التحدي الرهيب وتعطيك مؤشر عن طبيعة المعجزة؛ المعجزة خارجة عن طاقة الثقلين، خارجة عن طاقة الثقلين. وهذه الآية ترد على الفكر الأشعري في فهمه للمعجزة أنه خرق للعادة وأن السحر أيضاً خرق للعادة، بالتالي المعجزة لا تكتمل إلا بالركنين الأخيرين كما سيأتي، هذه ترد عليهم، المعجزة شيء خارج عن طاقة البشر وعن طاقة الجن وعن مألوف الناس وعن سنن الكون، وليست خرقاً للعادة.
إذاً فبين سبحانه طبيعة الإعجاز القرآني خارج عن قوانين الجن والإنس وعن طبيعتهم، ولا يستطيعون بحال معارضته ولو تساعد الجن مع الجن وقهروا مع بعضهم وفعلوا ما فعلوا من الحيل والخداع.
ولما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم القرآن على الوليد بن المغيرة، ثم عاد الوليد بن المغيرة هذا الرجل الكافر إلى قومه فسألوه ماذا قال لك محمد؟ فقال قرأ علي القرآن وأثنى على القرآن بالثناء المعروف ومدحه مع أنه كافر، فكفار قريش قالوا أنت يا الوليد بن المغيرة أنت تمدح القرآن واحنا مشكلتنا محمد صلى الله عليه وسلم، غداً قبائل العرب ستأتي إلى مكة وتحج، إذا سمعت القرآن ماذا نقول لها؟ اعطينا جواب حتى ننفر الناس عن هذا الرجل. يعني أنت الوليد بن المغيرة وضعهم في مأزق.
قال لهم والله يا إخوان هذا القرآن شيء عجيب، لا يستطيع أحد منا أن يقول مثله، مستحيل يكون لا هو سحر ولا جنون ولا ما شابه ذلك. فالمهم الوليد بن المغيرة بدأ يتشاور مع كفار قريش، ماذا نقول كفار العرب أو قبائل العرب إذا أتت إلى مكة عن هذا الرجل؟ فقالوا له أيقاض الوليد بن المغيرة: يا وليد هل نقول إن هذا القرآن سحر -لاحظوا- هل نقول إن هذا القرآن سحر خرق للعادة؟
فقال الوليد بن المغيرة: والله ما هو بالسحر، يعني هذا القرآن طبيعته مش سحر، هذا مش خروج عن المألوف، مش خرق عادة، هذا شيء عجيب. قال: والله ما هو سحر، فقد عرفنا السحر، فقد عرفنا السحر وخبرناه. ما يعني أنظروا للوليد بن المغيرة وهو الكافر يقول فقد عرفنا السحر وخبرناه، هذا ليس بسحر. هو لما قال القرآن ليس بسحر ليس لأن القرآن تحدى به النبي صلى الله عليه وسلم كفار قريش كما سيقول الباقلاني بعد قليل، أو لأن النبي صلى الله عليه وسلم قارنه بدعوى النبوة.
الوليد بن المغيرة لما يقول هذا القرآن ليس بسحر لأنه خروج عن طبائع البشر، خروج عن طبائع البشر في كلامهم فيما يقدرون أن يفعلوه أن يصوغوه كبشر، لذلك أدرك أن هذا القرآن ليس بسحر، وليس كما يدعي الأشاعرة ومن سار في فلكهم في هذه القضية.
فقال: والله ما هو بالسحر، فقد عرفنا السحر وخبرناه، فالعرب إذا كانت تعرف السحر وطبيعته، فأدركت أن هذا القرآن هو خروج عن طبائع البشر وليس الخروج عن المألوف والمعتاد. بل السحر أحبتي أيضاً مما يبين أنه لا يمكن أن تكون المعجزة والسحر في أصلها شيء واحد خرق للعادة، لا يمكن، مما يدلل على خطأ هذا التفكير أن السحر يمكن تعلمه ودراسته.
لكن القرآن أحبتي شيء آخر، لو أن الإنسان تعلم طوال عمره لن يستطيع أن يأتي بآية واحدة أو بنص واحد يشبه القرآن، لن يستطيع أن يأتي بنص واحد يشبه القرآن. طبعاً لماذا أقول هذا الكلام؟ الآن أحبتي الفكر الأشعري لما قال المعجزة خرق للعادة والسحر خرق للعادة، أراد الأشاعرة في النهاية أن يفرقوا بين المعجزة والسحر فزادوا قيوداً؛ أن المعجزة خرق للعادة لكن بالقيدين الأخيرين ترقوا عن السحر، ما هما؟ خرق للعادة مقرونة بالتحدي وادعاء النبوة.
وأما السحر لا خرق للعادة لكنه لا يصل إلى التحدي وادعاء السحر، طب إذا وصل وادعاء النبوة، طب إذا وصل للتحدي وادعاء النبوة؟ سنبين كيف يجيبنا عن ذلك. بالتالي القرآن الكريم، بالتالي القرآن الكريم في الفكر الأشعري إيش طبيعة إعجازه؟ طبيعة إعجاز القرآن الكريم ستكون بناء على أصوله. الآن دعنا من تقريراتهم في كتب البلاغة؛ لأنهم يؤصلون الشيء ويقررون في كتب البلاغة شيئاً آخر.
لكن بناء على أصولهم القرآن هو خرق للعادة، وإنما كان معجزة تخالف السحر؛ لأنه تحدى به كفار قريش فلم يستطيعوا أن يعارضوه، والنبي صلى الله عليه وسلم قرن الاتيان به بادعائه النبوة، هكذا اكتملت فكرة المعجزة عندهم وهذا خطأ أحبتي.
القرآن لم معجزته في ذاته ليست معجزته في أنه اقترن بالتحدي وادعاء النبوة، معجزته في ذاته، يعني القرآن لو لم يتحدى به النبي صلى الله عليه وسلم كفار قريش، لو أتى هكذا بالقرآن وقرأه هو معجزة بذاته القرآن هو معجزة بذاته، فلو لم يتحدى به وهذا هو الواقع أنه لم يتحدى بالقرآن ابتداء وإنما وقع التحدي بالقرآن حينما قالوا إنه افتراه.
وهنا أصصح لكم معلومة؛ البعض يظن أن التحدي بالقرآن وقع ابتداء، يعني أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن وقال يلا كفار قريش أتيت بالقرآن تعالوا اتحدوا. لا لا هذا ليس فكراً صحيحاً، إنما وقع التحدي بالقرآن لما بدأت المناكفة والمعارضة وأصبحوا يقولون أنت يا محمد افتريته، هنا جاءت الآيات القرآنية: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مَفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: 13]. وإلا ابتداء لم يرد التحدي بالقرآن ابتداء، وإنما أريد به الإعجاز؛ فهو إعجاز لأنه في ذاته وفي جوهره معجز، وليس إعجازه ناتج عن اقترانه بالتحدي وادعاء النبي صلى الله عليه وسلم النبوة من خلاله، هو في ذاته معجز وخروج عن طبائع البشر.
أنا أدرك أحبتي أنني أطلت كثيراً في هذه المحاضرة والأمور ستطول أكثر من ذلك، لذلك دعونا في المحاضرة القادمة نكمل طرح الفكر الأشعري للمعجزة، وكيف سيرد أهل السنة والجماعة على فروعهم في هذا الباب. لست في هذه القضية لن أراها قضية مهمة، وأن التعريف المطروح الآن للأسف في الكتب المعاصرة والأكاديمية هو هذا التعريف الذي يذكره الأشاعرة أن
أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي وادعاء النبوة، وهو تعريف فاسد بجميع فروعه وبجميع أفكاره. نسأل الله الهداية، رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
نسأل الله أن تكون المحاضرة القادمة هي المحاضرة الختامية، إن لم نستطع نؤجل محاضرة أخرى، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل