بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي هدانا إليه وعرفنا عليه، فأخرجنا من ظلمات الجهل إلى نور العرفان، ومن حيرة الشك إلى نور اليقين، وأرسل إلينا رسله بالبينات الواضحات والحجج البازغات، فطمس كل شبهة وأزال كل فري، فله الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد. وأصلي وأسلم على من رفع منار الهدى وشاد منازل التقى، محمد بن عبد الله، وعلى آله ومن لنهجه اقتفى.
أما بعد، فحياكم الله أحبتي في مجلس جديد من مدارس غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، نطرق فيه باب علم جديد من علوم الشريعة الغراء، وهو علم جليل، بل هو أشرف علوم الشريعة وأجلها وأهمها وأخطرها، ألا وهو علم الاعتقاد. ولما كان شرف العلم أحبتي يتبع شرف المعلوم، وكان علم الاعتقاد يتحدث عن الرب سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته وعن كتبه ورسله وملائكته وعن قضائه وقدره وعن اليوم الآخر، استحق هذا العلم أن ينال المرتبة العليا والمنزلة الأسمى من علوم الشريعة الغراء.
ولما كان المسلمون يحاربون في عقائدهم بإثارة الشبهات وزرع الفتن وتغيير معالم الملة، كان لزاماً على كل مسلم أن يتعلم من علم الاعتقاد ما يصحح به عقده مع خالقه سبحانه وتعالى. بل حاجتنا إلى هذا العلم أشد من حاجتنا إلى الطعام والشراب، فبذهاب الطعام والشراب ذهاب الدنيا، وبذهاب علم الاعتقاد ذهاب الدنيا والآخرة.
والكلام أحبتي في علم الاعتقاد خطير وجليل، لأنك تتحدث فيه عن الرب الخالق لهذا الكون سبحانه وتعالى، والكلام في الله ثقيل. نعم، والله إن الكلام في الله عز وجل وفي أسمائه وصفاته وقضائه وقدره واليوم الآخر كلام ثقيل جليل خطير؛ فينبغي لطالب العلم أن يتروى قبل أن يخوض في هذه الأبواب. على طالب العلم أن يهدأ وأن يتزن وأن يعتدل وهو يتعلم هذه المسائل، وليأخذ وقتاً كافياً في تحريرها وفي تأملها وتدقيقها؛ فكم من طالب علم تكلم في هذا العلم بغير إتقان فأتى بالوبال عليه وعلى أمته. فعلينا أن نتقي الله سبحانه وتعالى، وأن نعلم خطر ما نحن مقدمون عليه من الحديث في الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى والكلام عن أفعاله وعن قضائه وقدره. وهذا والله كلام جليل شريف، فنسأل الله عز وجل أن يسددنا فيه وأن يلهمنا رشدنا.
ولنجعل دائماً أحبتي دعاءنا الذي نكرره في هذه المجالس هو دعاء النبي صلى الله عليه وسلم حينما كان يقوم في قيام الليل فيقول: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». ولندعُ دائماً ولنقل: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8].
نعم أحبتي، الكلام في العقائد خطير، فأنت لا تتكلم في مسألة نحوية أو في مسألة أصولية فقهية، أنت تتكلم عن الله عز وجل. فالإنسان في هذه الأبواب خصوصاً يسأل الله عز وجل الرشاد وأن يلهمه التوفيق والسداد ليبقى على الصراط المستقيم وعلى المنهج القويم الذي ارتضاه الله عز وجل لخلقه، ويسأله سبحانه وتعالى أن يصرفه عن الاعوجاج والانحراف عما كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعون والسلف الصالح من هذه الأمة. نحن نسأل الله عز وجل التوفيق، ولا نعتمد على ذكائنا ولا على عقولنا، بل نستعين بالله سبحانه وتعالى ونطلب منه أن يلهمنا رشدنا.
إذاً أحبتي، دعونا نمضي بهمة عالية وبعزيمة ماضية في تحرير مسائل هذا العلم الشريف بهدوء واتزان وتروٍ، ونسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن نبقى على الجادة القويمة المستقيمة التي توصلنا إليه في جنات النعيم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وقد تقرر أحبتي في هذا المجلس المبارك من مجالس غراس العلم أن نتدارس معاً كتاب لمعة الاعتقاد للإمام موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي الصالحي الدمشقي عليه رحمة الله تعالى، المولود عام إحدى وأربعين وخمسمائة من هجرة المصطفى، والذي توفاه الله سبحانه وتعالى عام عشرين وستمائة من هجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام. وهذه الرسالة رسالة جليلة شريفة من رسائل علم الاعتقاد، اهتم العلماء بها شرحاً وتنقيحاً.
ولكنني قبل أن نخوض في معالمها وقبل أن أخوض غمارها وقبل أن أحلل نصوصها، لا بد وأن أقدم لكم أحبتي توطئة في علم الاعتقاد، أبين لكم قواعد والمباني والمناهج العامة لعلم الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة؛ فأرى من الخطأ أن يدخل طالب مباشرة في تحليل مسائل هذا الكتاب والوقوف على عبارات ابن قدامة قبل أن تكون لديه قاعدة واضحة وبناء في أصول الاستدلال عند علماء أهل السنة والجماعة، وما هي معالم هذه العقيدة وقواعدها الأساسية. فلذلك سنقدم في المجالس الأولى من هذه الدورة مجموعة من القواعد والمباني والأساسيات التي يبني عليها طالب العلم المبتدئ أساسه في علم الاعتقاد، ثم بعد ذلك ندخل بإذن الله في ثنايا كلام ابن قدامة في هذه الرسالة الشريفة.
فنقول مستعينين بالله، سائلينه التوفيق والسداد: اعلموا رحمكم الله، اعلموا أحبتي أن حاجة الإنسان لرب يقصده وإله يتعبده حاجة فطرية ضرورية جبل الإنسان عليها؛ فهناك إحساس دائم بالافتقار وحاجة ملحة للارتباط برب وإله تستقر معه النفس وتطمئن إليه الروح، ومن دون هذا الارتباط تبقى هذه النفس في حيرة وضنك واضطراب وقلق، لأنها لم تشبع فطرتها ولم تكمل نقصها ولم تلبي حاجتها. إذاً، من هذه القاعدة سأنطلق معكم أحبتي في دراسة علم الاعتقاد.
أعيدها لتتفهموها مرة أخرى بتروٍ: إن حاجة الإنسان لرب يقصده وإله يتعبده حاجة فطرية ضرورية جبل الإنسان عليها، فهناك إحساس دائم بالافتقار وحاجة ملحة للارتباط برب تستقر معه النفس وتطمئن إليه الروح، ومن دون هذا الارتباط تبقى هذه النفس في حيرة وضنك واضطراب وقلق؛ لأنها لم تشبع فطرتها، ولأنها لم تكمل نقصها، ولأنها لم تلبي حاجتها.
ومن هنا أحبتي، من نظر في تاريخ الأمم يرى أن الأمم منذ فجر البشرية تتجه نحو التعبد والتأله مع اختلاف بينها في معبوداتها، لكنها عموماً تتجه نحو التعبد والتأله لأن هذه هي الفطرة التي فطر الله عز وجل الإنسان عليها. هناك من عبد النجوم والكواكب، هناك من عبد البحار والجبال ومظاهر الطبيعة، هناك من عبد الحيوانات على مختلف أنواعها، وهناك من عبد الإنسان، نعم عبد البشر بعضهم بعضاً، وهدى الله سبحانه وتعالى من شاء من خلقه إلى عبادته سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. لكن المهم أن يعلم أن الأمم عبر تاريخ الإنسانية تتجه في جلها نحو التعبد والتأله لأن هذه هي الفطرة التي فطر الإنسان عليها.
ومن هنا يعلم أن ما تتضمنه دعوات الإلحاد من التجرد عن التأله مطلقاً وأن يحيا الإنسان من دون أن يستشعر وجود إله، أن هذه الدعوات فيها شذوذ فكري ومخالفة للفطرة ومنازعة لما جبلت عليه النفس الإنسانية؛ لذلك هذا الموقف وهذا المشهد، موقف الإلحاد، يمثل تطرفاً في النفس البشرية. عبر التاريخ لم يوجد هذا المظهر إلا في شراذم متفرقة مترامية هنا وهناك، ولم يكن هذا مظهراً عاماً في التاريخ الإنساني، بل كان الإلحاد مظهراً شاذاً متفرقاً تبنته طوائف وشراذم هنا وهناك، ولكنه لم يكن الخط في تاريخ الإنسانية. لماذا؟ لأنه كما قلنا تطرف نفسي، ومنازعة للفطرة، ومخالفة لما جبلت عليه النفس، فلا ترضى النفس الإنسانية به ولا تستقر ولا تهدأ، فلم يقبله إلا شذاذ من الآفاق.
ولربما يقول قائل: نحن نرى اليوم اتساعاً في رقعة الإلحاد سواء في العالم الغربي أو حتى في العالم العربي؛ في الحقيقة هناك أسباب عديدة هي التي سببت اتساع رقعة الإلحاد، من أهمها الثورة المعرفية التي وقعت في العالم الغربي في العصر الحديث. هذه الثورة المعرفية ووصول كثير من روادها إلى قوانين الفيزياء والكيمياء والأحياء وعلوم الفلك وغيرها جعلت الشيطان يستهويهم ويحرفهم عن الجادة، ويحاول أن يقنعهم باستغنائهم عن وجود الإله عز وجل؛ ظنوا أنهم بوصولهم إلى الكثير من قوانين الطبيعة استطاعوا أن يقهروا هذه الطبيعة، وأن يقفوا على دقائقها، وأنهم مستغنون عن الإيمان بوجود إله حق هو الذي يدبر هذا الكون ويدبر هذه القوانين وهو الذي أودعها في هذا الكون. نعم الشيطان غرهم في أنفسهم، جعلهم يستكبرون على عقولهم.
لذلك لو نظرت أحبتي في علماء الفيزياء في الغرب أو كثير من علماء الكيمياء أو الأحياء ممن يهتم بقوانين هذا الكون، تجدهم كثيراً يتجهون نحو هذا المشهد، مشهد الإلحاد، ظناً منهم وإقناعاً منهم لأنفسهم أنهم استطاعوا قهر هذه الطبيعة. ولذلك تجدون أدلتهم في إنكار وجود الرب سبحانه وتعالى أدلة واهية متآكلة هزيلة لا تقوم على ساق؛ في أن هذا الانحراف وهذا الشذوذ الفطري الذي يعانون منه لا يتلاءم مع فطرتهم التي خلقهم الله عز وجل عليها، وإنما هو استهواء من الشيطان لهم، غرهم في أنفسهم وغرهم بعلومهم، فرحوا بما وصلوا إليه من العلوم فحاولوا أن يقنعوا أنفسهم أنهم لا حاجة لهم إلى إله. ولكنهم في أنفسهم يصدق عليهم قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14]. فهذا من أهم أسباب الإلحاد أو اتساع رقعة الإلحاد في الوقت المعاصر، وإلا فهو عبر تاريخ الإنسان ظاهرة شاذة وليست ظاهرة عامة.
والذي أريد أن أصل إليه أحبتي أن الصراع الأكبر عبر تاريخ الإنسانية لم يكن حول هل يوجد إله لهذا الكون أم لا يوجد إله، وإنما الصراع الأكبر عبر تاريخ الإنسانية كان حول من هو الإله الحق الذي يستحق العبادة، هو التوحيد؛ هذا هو الصراع الأكبر بين الأمم وبين رسلهم. لو استقرأنا القرآن الكريم لرأينا قصة نوح مع قومه، قصة عاد، قصة ثمود، قصة موسى، قصة عيسى؛ لو رأينا هذه القصص وتأملنا فيها لوجدنا أن الصراع بين الأمم وبين أقوامهم لم يكن في جملته حول هل يوجد إله لهذا الكون أم لا يوجد إله، بل كان الصراع: من هو الإله الذي يستحق التعبد والإفراد بالتوحيد ونفي الشرك؟
لذلك من الأخطاء التي تقع فيها بعض الطوائف الكلامية أنهم يكثرون الاستدلال ويطيلونه ويعمقونه على وجود الإله لهذا الكون، وهذه الإطالة في الاستدلال على وجود الإله لو كانت مع الطوائف الملحدة لما كان عليها غبار إذا كانت الأدلة المأتي بها أدلة صحيحة. ولكن حينما يطول الاستدلال على وجود الإله ويعمق النظر في هذه المسألة مع طوائف مقرة بوجود إله، حتى ولو كانت مخالفة لك في الديانة لكنها في الجملة مقرة بوجود إله لهذا الكون، فهذا في الحقيقة انحراف عن المنهج الصحيح في الاستدلال؛ أن تستفرغ وسعك ومناقشتك وحوارك في إثبات وجود إله لهذا الكون وأنت تناقش شخصاً مقراً بوجود إله، لكن الإشكالية بينك وبينه هي: من هو الإله الحق الذي يجب أن يفرد بالتوحيد؟ استفراغ الوسع في هذه الأدلة انحراف عن الجادة الصحيحة في الاستدلال.
بل عليّ أن آتي بالأدلة التي تدل على الرب سبحانه وتعالى بأسمائه وبصفاته العلى، وأن أثبت أن هذا الرب هو الرب المستحق للعبادة والتوحيد وأن ينفى عنه الشرك. وأما أن أستفرغ طاقتي وجهدي بأدلة عقلية متعمقة طويلة لأثبت أن هناك رباً لهذا الكون، فهذا أحبتي لا يكون إلا حينما تتكلم مع طوائف ملحدة تنكر وجود الإله، فآتي بالأدلة العقلية لأثبت لهم وجود الإله. وحينما أعد طلبة ليناقشوا هذه الأدلة مع هؤلاء الملحدين، نعم أعلمهم الأدلة العقلية على وجود الإله. لكن حينما أعلم المسلم عقيدته، وهو شخص مسلم مقر بوجود إله، حينما أعلمه عقيدته وحينما أعرفه بربه، أو حينما أناقش شخصاً ليس بمسلم لكنه مقر بوجود إله لهذا الكون وخلافي معه في تحديد من هو الإله الحق، حينما أناقش هذا النوع من المخالفين فإنني لا أستفرغ وسعي وطاقتي بأدلة متعمقة أثبت بها وجود الإله، بل أستفرغ وسعي وطاقتي بأدلة تدل على من هو الإله الحق المستحق للعبادة وللتوحيد. هذا هو المنهج القويم في الاستدلال، فهذه فائدة أحب أن أشير إليها سريعاً.
إذاً، خلاصة ما تكلمت به إلى الآن: أن حاجة الإنسان للتأله حاجة فطرية ضرورية لا يمكن أن يحيا الإنسان من دونها إلا بقلق واضطراب وحيرة وضنك، والأمم عبر تاريخ الإنسانية اتجهت نحو التعبد والتأله لأن هذا هو مقتضى الفطرة، لكن الخلاف وقع بينها في معبوداتها. ثالثاً: الإلحاد وما يدعو إليه من ترك التأله مطلقاً هي دعوة مخالفة للفطرة، منازعة لما جبلت عليه النفوس، وهي تطرف إنساني، لذلك لم يكن عبر التاريخ إلا في شراذم متفرقة هنا وهناك. واتساع رقعة الإلحاد في واقعنا المعاصر من أهم أسبابه كما قلنا المعرفية التي أوهمت كثيراً من هؤلاء أنهم يستطيعون الاستغناء عن وجود إله لهذا الكون.
وهنا في الحقيقة أحب أن أشير إلى قضية، أنه فعلاً من الغريب أحبتي أن تكون قوانين الفيزياء والكيمياء والأحياء التي اكتشفها هؤلاء القوم سبباً في إلحادهم، مع أن المقتضى العقلي أن تكون هذه القوانين التي اكتشفوها ووصلوا إليها سبباً في توحيدهم وفي زيادة ثقتهم بوجود إله لهذا الكون. هذا الكون المحكم بهذه الدقة، هذه القوانين التي تطلعنا على وجود إله مدبر خالق عليم، وسع علمه كل شيء، هذه...
هي دليل، بل هي من أقوى الأدلة على وجود الإله المدبر الخالق لهذا الكون. فمن العجب العجاب أن يستخدمها هؤلاء القوم دليلاً على إلحادهم وعلى إنكارهم وجود الإله الحق؛ في الحقيقة هذا من عجائب النفوس. فنسأل الله سبحانه وتعالى دائماً التوفيق والسداد، وألا يزيغ قلوبنا وألا يزيغ أبصارنا عن الحق والصواب.
بعد ذلك أحبتي، أقول لكم إن من رحمة الله سبحانه وتعالى أنه نصب دلائل وأعلاماً ترشد الخلق إلى معبودهم الحق، وما يستحقه هذا المعبود من التوحيد ونفي الشرك. الله عز وجل لم يترك الخلق سُدى في حيرتهم يعمهون، بل نصب لهم دلائل وأعلاماً ترشدهم إلى المعبود الحق، وإلى ما يستحقه هذا المعبود من التوحيد ونفي الشرك.
أولاً: كان دليل الفطرة هو الدليل الأول الذي يرشد الإنسان إلى معبوده الحق وما يستحقه من التوحيد، والمقصود بدليل الفطرة أحبتي أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان بفطرته موحداً له. فلو أن هذه النفس البشرية انعزلت عن كل المؤثرات الخارجية، ولم يؤثر عليها أي مؤثر خارجي، فإنها بفطرتها تتجه نحو الإله الحق وتتجه نحو التوحيد ونفي الشرك. نعم، هذه الفطرة التي خلق الله عز وجل الإنسان عليها، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه».
ما معنى كل مولود يولد على الفطرة؟ وما معنى قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30]؟ معنى هذه الأحاديث وهذه الآيات أن النفس الإنسانية وأن الفطرة البشرية خُلقت أصالةً موحدة لله عارفة به. فلو لم يؤثر عليها أي مؤثر خارجي فإنها تتجه نحو التوحيد الخالص لله، ولا تحتاج إلى أي دليل آخر. لكن ما سبب هذه الانحرافات في تاريخ البشرية؟ سببها المؤثرات الخارجية، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». فالانحراف عما فُطرت عليه النفس الإنسانية سببه المؤثرات الخارجية، وإلا لو بقيت هذه النفس على فطرتها النقية لاتجهت إلى التوحيد لله عز وجل. إذاً هذا هو الدليل الأول الذي منحه الله سبحانه وتعالى للإنسان ليستدل به عليه؛ دليل الفطرة النقية الطاهرة.
ثم بعد ذلك جاء الدليل الثاني وهو دليل العقل. فنصب الله سبحانه وتعالى الآيات الكونية في السماء وفي الأرض وفي أنفسنا لتدل عليه وعلى توحيده؛ على طريقة البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير. فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدل على اللطيف الخبير؟ وأودع الله سبحانه وتعالى العقل الإنساني القدرة على الاستدلال بالآيات الكونية عليه، فالله عز وجل خلق الآيات الكونية وأوجدها، ومنح العقل الإنساني القدرة على الاستدلال بهذه الآيات الكونية على وجوده سبحانه وتعالى وعلى وحدانيته. فإذاً الدليل الأول على وجود الله وعلى وحدانيته دليل الفطرة النقية الطاهرة التي لم تتلوث، والدليل الثاني دليل العقل الذي إذا نظر في آيات الكون وفي قوانين الكون عرف خالقه سبحانه وتعالى وما يستحقه من التوحيد.
لكن مع وضوح هذين الدليلين، استطاع الشيطان أن يغر فئاماً كثيرة من الخلق، وأن يصرفهم عن معبودهم الحق سبحانه وتعالى. ومع وضوح دليل الفطرة ودليل العقل، إلا أن الشيطان كما قلنا استطاع أن يحرف طوائف كثيرة من البشر عن الإله الحق وعبدهم لأهوائهم. وهذا مصداق قوله صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به عن ربه عز وجل: «خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين». الله سبحانه وتعالى يخبرنا أنه خلقنا على فطرة التوحيد، عبادي حنفاء على فطرة التوحيد، فكيف انحرفوا؟ قال: «فاجتالتهم الشياطين»؛ الشياطين حرفتهم وصرفتهم عن مقتضى فطرهم وعقولهم، فعبدتهم لأهوائهم وزاغت بقلوبهم عن منهج التوحيد الخالص لله عز وجل.
وصور هذا الانحراف وهذا الزيغ وهذا الضلال في تاريخ البشرية جاءت متعددة، وأحصرها لكم في أربع صور انحراف البشرية عن توحيد الله سبحانه وتعالى، كانت أربعة في الجملة. الصورة الأولى من صور انحراف البشرية: قسم انحرف فعبد غير الله ولم يعبد الله أبداً، هناك من عبد النجوم والكواكب، هناك من عبد حجارة، هناك من عبد حيوانات وبهائم ولم يتعبد الله أبداً؛ هذا شكل من أشكال انحراف البشرية واجتيال الشياطين لهم. الصورة الثانية: قسم آخر عبد الله لكنه عبد معه غيره، وهؤلاء المشركون، ومن هنا أتى اسم الشرك؛ عبد الله وعبد سواه، فأشرك مع الله غيره وهذا هو الشرك، كما كان حال كفار قريش يعبدون الله ويعبدون الأصنام؛ فهذا شكل آخر من أشكال انحراف البشرية.
الشكل الثالث: من عبد الله وحده لكنه تصور إلهه على خلاف ما هو عليه، لأنه خاض في الله عز وجل بعقله وهواه من دون التنور بنور الشرائع الغراء. نعم، لم يذهبوا إلى الشرائع بل خاضوا في الله وفي ذات الله بأهوائهم وفلسفتهم وعقولهم، فتصوروا ربهم على خلاف ما هو عليه، كحال ابن عربي والعفيف التلمساني وغيرهم من غلاة التصوف الذين تصوروا الله عز وجل بصور وأشكال منحرفة؛ منهم من تصور الإله على أنه هو هذا الكون الذي نحيا فيه هو الله، منهم من تصور الإله يحل في المخلوق، منهم من تصور الإله متحداً مع المخلوق، تصوروا الله سبحانه وتعالى بأشكال وأنواع مختلفة باطلة. والسبب في هذا البطلان وفي هذا الزيغ أنهم خاضوا في ذات الله سبحانه وتعالى بأهوائهم وعقولهم ولم يقفوا عند الحد الذي وضعه الله سبحانه وتعالى لهم؛ إذاً هذا شكل ثالث من أشكال انحراف البشرية، هم الذين عبدوا الله وحده لكنهم تصوروا إلههم على خلاف ما هو عليه بأهوائهم وعقولهم.
الشكل الرابع والأخير هو مشهد الإلحاد، وكما قلنا لماذا جعلته الأخير؟ لأنه أقل المشاهد انتشاراً في تاريخ البشرية، مشهد الإلحاد وهو إنكار وجود الإله أصالةً. فهذه هي الصور الأربع لانحراف البشرية عن التوحيد الخالص: من عبد غير الله ولم يعبد الله أبداً هذا الشكل الأول، ثانياً من عبد الله وعبد معه غيره هذا الشكل الثاني، من عبد الله وحده لكنه تصور إلهه على غير ما هو عليه بهواه الشكل الثالث، من جحد وجود الله سبحانه وتعالى وهؤلاء هم الملحدون الشكل الرابع.
إذاً كما قلنا الله سبحانه وتعالى نصب الأعلام والدلائل على وجوده بالفطرة والعقل، لكن اجتالت الشياطين فئاماً كثيرة من الناس فحرفتهم عن دلالة الفطرة والعقل ووجهتهم نحو هذه الانحرافات الأربع. فكان من رحمته سبحانه وتعالى بالخلق أن أتاهم بالدليل الثالث وهو الرسل والرسالات، لئلا تبقى هناك حجة للناس على الله سبحانه وتعالى، وألا يقول قائل لله عز وجل يوم القيامة: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ﴾ [طه: 134]. أتى الله عز وجل بالرسل والرسالات ليعيدوا الخلق الذين اجتالتهم الشياطين إلى معبودهم الحق، وليزيلوا عنهم كل التصورات والأوهام الباطلة التي تلقوها عن آبائهم أو توهموها بعقولهم وأهوائهم؛ لأن التصورات الباطلة عند الإنسان إما أن يأخذها بالتقليد عن الآباء والأجداد والأسلاف، وإما أن يخوض فيها بعقله وهواه من دون نور الشريعة الغراء. فجاءت الرسل والرسالات إذاً لإعادة الخلق الذين اجتالتهم الشياطين إلى معبودهم الحق، وإزالة التصورات والأوهام الباطلة التي تصوروها عن هذا الإله.
فباختصار، الرسل والرسالات نبهت الخلق إلى دليل الفطرة وإلى دليل العقل مرة أخرى. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]. هذه آية تلخص لنا وظيفة الرسل؛ بعثهم الله سبحانه وتعالى في المدن والقرى ليدلوا على توحيده، وليعيدوا دلالة الفطرة النقية إلى ما كانت عليه، وليعيدوا العقل إلى الاستدلال الصحيح. والرسل حينما خاطبت الأقوام عرفتهم بربهم سبحانه وتعالى، عرفتهم بأسمائه الحسنى وبصفاته العلى، عرفتهم بكتبه وملائكته، عرفتهم باليوم الآخر وبثوابه وعقابه. فكانت هذه المادة العقدية -تعريف الناس بالله سبحانه بأسمائه وصفاته وكتبه ورسله وملائكته وبقضائه وقدره واليوم الآخر- هي المادة المشتركة بين جميع الرسل والرسالات، فما من نبي وما من رسول إلا ودعا قومه إلى اعتقاد هذه المادة العقدية.
فبالتالي أصبحت الأدلة على توحيد الله وعلى وجود الله ثلاثة: الدليل الأول هو دليل الفطرة، الدليل الثاني هو دليل العقل، الدليل الثالث هو الرسل والرسالات. فاجتمعت الفطرة مع العقل مع الرسل والرسالات للدلالة على وجود الله سبحانه وتعالى وعلى ما يستحقه من التوحيد والإفراد بالعبادة ونفي الشرك عنه.
وبعد هذه الأدلة الثلاث، برأيكم كيف واجهت البشرية دعوة الرسل والرسالات؟ هل البشرية جمعاء قبلت دعوة الرسل والرسالات أم كان هناك انقسام؟ في الحقيقة انقسمت البشرية تجاه الرسل والرسالات إلى قسمين. القسم الأول هم الذين قبلوا دعوة الرسل وآمنوا بأنبيائهم، وهذا القسم الأول انقسموا إلى طائفتين: الطائفة الأولى هي التي سلمت للرسل كل ما أتت به عن ربها سبحانه وتعالى، وأذعنت لهم ولم تخض في مسائل العقائد بأهوائها ولم تخض بعقولها، بل منعت هذا العقل من الخوض فيما لا مطمع له في دركه؛ هذه الطائفة هي التي نسميها في الملة المحمدية بأهل السنة والجماعة. سُموا بأهل السنة لماذا؟ لأن السنة هنا تعني الاتباع، فهم اتبعوا الرسل بما أتوا به عن ربهم سبحانه وتعالى ولم يخوضوا بأهوائهم ولم يخوضوا بعقولهم فيما لا مطمع لهم في إدراكه، فهؤلاء نسميهم في ملتنا المحمدية بأهل السنة والجماعة.
الطائفة الثانية التي آمنت بالرسل هي طائفة آمنت بالرسل في الجملة، آمنت بدعوة الرسل عموماً، لكنها للأسف شربت من منابع أخرى غير نقية فيها كدر، فتلوثت في عقائدها وأصبح في تصوراتها شوب، وهذه الطائفة هي التي نسميها في ملتنا المحمدية بأهل البدع. قبلوا دعوة الرسل عموماً، لكن أين كانت المشكلة عندهم؟ أنهم نهلوا من منابع أخرى غير نقية، فماذا حدث؟ أصبح هناك تلوث في عقائدهم وأصبح هناك شوب في تصوراتهم عن الله سبحانه وتعالى وعن أسمائه وصفاته وأفعاله، وهؤلاء هم أهل البدع.
وهتان الطائفتان إياكم أن تظنوا أنهما منحصرتان في الملة المحمدية، بل حتى الديانات السابقة كان فيها هذا الأمر وهذا الاختلاف؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وأبو داود يقول: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة». قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي»، وفي رواية: «هم الجماعة». المهم النبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا في هذا الحديث أن اليهود الذين آمنوا بموسى افترقوا في دينهم على إحدى وسبعين فرقة، وأن النصارى الذين آمنوا بعيسى افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين فرقة، وأن هذه الأمة ستفترق في دينها. فالافتراق في الدين وفي الملة هذا ليس خاصاً بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وجود أهل سنة وأهل بدعة داخل الملة ليس خاصاً بملة محمد صلى الله عليه وسلم، بل وُجد حتى في الأمم السابقة. لكن هذه التسمية بأهل السنة وأهل البدعة، نعم هي موجودة في ملتنا، لكن المضمون والفحوى موجود في الأمم السابقة أحبتي.
إذاً هذا القسم الأول من البشرية، القسم الذين آمنوا بدعوة الرسل ولكنهم انقسموا إلى فرقتين: فرقة اتبعت الرسل حذو القذة بالقذة وهؤلاء هم أهل السنة، وقسم آمنوا بالرسل عموماً لكنهم نهلوا من منابع أخرى فانحرفوا عن الجادة وتلوثت عقائدهم وهؤلاء هم أهل البدع. القسم الآخر من البشرية هم الذين حاربوا الرسل وواجهوهم ووقفوا في طريقهم، القسم الآخر رفضوا دعوة الرسل ابتداءً وحاربوا هؤلاء الرسل وصدوا ووقفوا في طريقهم، وهؤلاء هم الذين نسميهم الكفار. إذاً البشرية انقسمت إلى هذين الموقفين الأساسيين: موقف آمن بالرسل والرسالات، وموقف كفر بالرسل والرسالات. الذين آمنوا بالرسل والرسالات منهم من اتبعها تماماً، ومنهم من اتبعها وخلط معها غيرها. هكذا انقسمت البشرية وهكذا ستبقى إلى يوم القيامة.
الآن أحبتي، ماذا فعل الرسل وأتباع الرسل تجاه هذا الخلاف الواقع؟ الرسل وأتباع الرسل أحبتي في النهاية دارت بينهم وبين مخالفيهم حروب ومواجهات، لكن كانت معركة الرسل وأتباع الرسل في كل عصر تدور رحاها في الدرجة الأولى مع الكفار المعاندين الذين رفضوا الدعوة وحاربوها وأنفقوا أموالهم في الصد عنها. فكانت المعركة بين الرسل وأتباعهم مع مخالفيهم؛ المعركة الأولى كانت مع الكفرة المحاربين الصادين عن الله ورسوله، كانت المواجهة ابتداءً بالحجج والبينات والنقاش والجدال، ثم بعد ذلك أتت مرحلة الجهاد وبذل الأنفس والمهج والأرواح إعلاءً لهذا الدين ومحاربة للكفرة والمشركين.
ثم بعد ذلك، إذاً المعركة الأولى أو المعركة في الدرجة الأولى تكون مع الكافرين المعاندين. ثم بعد ذلك المعركة في الدرجة الثانية تأتي مع تلك الطوائف التي قبلت الرسول عموماً، لكنها زاغت عن المنهج القويم لما نهلت من منابع أخرى غير المنهل العذب الزلال، فهذه المعركة تأتي في الدرجة الثانية. فبين أتباع الرسل لهؤلاء المبتدعة معالم طريق الأنبياء وما هو منهج السلامة، وردوا كل بدعة ودحضوا كل شبهة حتى يبقى منهج الرسل وتبقى دعوة الرسل نقية على المحجة البيضاء. لكن هذه المعركة أحبتي مع أهل البدع تكون في الدرجة الثانية وليست في الدرجة الأولى. ولماذا أقول هذا الكلام وأؤكد عليه؟ لأنبه هنا على خطأ كبير يقع فيه بعض من ينتسب إلى السنة والجماعة، وهو أنه يناصب من تلبس ببدعة العداء أكثر من مناصبته العداء لليهود والنصارى وللمحاربين لله ورسوله؛ هذا خطأ كبير يقع فيه بعض من ينتسب إلى السنة.
أنه يعامل من قبل دعوة الرسل في الجملة، لكنه ضل في بنيات الطريق معاملة اليهود والنصارى بل أشد من ذلك، وهذا من تلبيس إبليس. فالذي اتبع الرسل وقبل دعوتهم عموما لكنه ضل في بنيات الطريق، لا يمكن بحال أن يستوي مع من حارب الله ورسوله، كفر بالرسل ووقف في طريقهم.
وهنا أنقل لكم نصا نفيسا للإمام الذهبي رحمة الله عليه يعلق به على هذه القاعدة فيقول: «أبى الله عز وجل أن يجعل من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر وصام وصلى وحج وزكى وإن ارتكب العظائم وضل وابتدع، كمن عاند الرسول صلى الله عليه وسلم وعبد ونبذ الشرائع وكفر». ولكن نبرأ إلى الله من البدع وأهلها، انظروا إلى كلام الذهبي المتزن.
يقول الذهبي: أبى الله أن يجعل من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر، حتى وإن ارتكب العظائم وضل وابتدع، أبى الله أن يجعله كمن عاند الرسل وحارب الدعوة، لا يمكن أن يستوي هذا وهذا. لكننا في النهاية نواجه البدع ونتبرأ منها ومن أهلها، لكننا لا نعاملهم كمعاملتنا للكفار المعاندين المحاربين. هذا خلل في الرؤية، خلل في المنهجية، عليكم أن تنتبهوا إليه وأن تطهروا قلوبكم منه؛ فإنه فاشٍ منتشر في هذا الزمن.
ترى للأسف كثيرا ممن هو من أهل الملة المحمدية إذا رأى أخاه مخالفا له في الطريقة العقدية يناصبه العداء ويحاربه، ويكون قلبه مليئا بالضغينة عليه ولا يلتفت إلى أعداء الأمة وإلى المؤامرات والمكائد التي ترسم لاجتثاث هذه الأمة من تاريخها ومن أرضها. فهذا انحراف في المنهج وفي المسلك، كل شيء يجب أن يوضع في مرتبته التي أنزلها الله سبحانه وتعالى.
فالمعركة بين الرسل وأتباع الرسل تكون في الدرجة الأولى مع المعاندين لهم، ثم في الدرجة الثانية تكون مع أهل البدع والزيغ والانحراف. ولا يمكن أن تكون المعركة مع الكفرة ومع المبتدعة في مرتبة واحدة أو في منزلة واحدة، لا يمكن ذلك أحبتي. فنحن ندحض البدع ونرد البدع، نهجر أهل البدع إذا كان هناك مصلحة في الهجران، لكننا لا نعاملهم أبدا معاملة اليهود والنصارى.
اللهم إلا إذا كانت بعض البدع مكفرة، التي هي أبلغ وأشد من كفر اليهود والنصارى كبدعة النصيرية ومن شابههم الذين يؤلهون علي بن أبي طالب ويرتكبون الفظائع في دياناتهم، فبعض البدع المكفرة فاقت بدع اليهود والنصارى؛ فهذه البدع لها وضعها الخاص في التعامل معها، نعم هذه بدعة غليظة جدا الكفر بها أشد من كفر اليهود والنصارى. لكن نحن نتكلم عن البدع التي لا تخرج صاحبها عن دائرة الملة المحمدية؛ فهذه البدع لا يستوي صاحبها مع المعاند لله ورسوله.
إذا هذه الخلاصة التي أحببت أن أجعلها توطئة للطالب في علم الاعتقاد، أن يتصور كيف نشأ هذا العلم من بداية البشرية، كيف أن الله سبحانه وتعالى فطر هذه النفس محتاجة للتأله، خلقها متجهة وفطرها متجهة إلى التوحيد الخالص، ثم بعد ذلك منحها أدلة العقل، ثم حينما أضلتهم الشياطين أرسل إليهم الرسل والرسالات ليعطوهم المادة العقدية النقية مرة أخرى واضحة جلية، ويوقفوهم على بعض المسائل العقدية التي لا تستطيع الفطر والعقول أن تصل إليها.
هل كل المسائل العقدية الفطر والعقول تستطيع الوصول إليها؟ كلا، هناك مسائل عقدية لا يمكن أن تصل إليها البشرية إلا من خلال إخبار الله سبحانه وتعالى لهم، من خلال الرسل والرسالات. فجاءت إذا وظيفة الرسل لإيقاظ دليل الفطرة ودليل العقل وإخبار البشرية ببعض المسائل العقدية التي لا يمكن أن يقفوا عليها بفطرهم وعقولهم.
ثم عرفنا ما هو موقف البشرية من دعوة الرسل والرسالات، موقف من قبل الدعوة، وموقف من حارب الدعوة، والذين قبلوا الدعوة انقسموا إلى طائفتين: طائفة سلمت للرسل في كل شيء، وطائفة سلمت للرسل لكنها شربت من منابع أخرى ونهلت من منابع كثيرة غير صافية فنشأ عندها انحراف وزيغ. وعرفنا أن معركة الرسل ومعركة أتباع الرسل تتجه في الدرجة الأولى مع الكفرة المعاندين، ثم بعد ذلك يأتي النقاش والخصومة مع المبتدعة المنحرفين، والتسوية بين الطائفتين من تلبيس إبليس.
فهذه إذا هي التوطئة التي قدمناها لكم أحبتي، أواصل من خلال هذه التوطئة لبيان شرف علم الاعتقاد وخطر هذا العلم وأهمية هذا العلم في حياة المسلم، سأستخلص لكم هذه الفوائد وهذه الأهمية وهذا الشرف لعلم الاعتقاد من خلال هذه المقدمة التي سردتها لكم، آتي بها على شكل نقاط.
الآن أحبتي سنبين لكم أهمية علم الاعتقاد وشرف علم الاعتقاد وخطورة علم الاعتقاد من خلال النقاط التالية التي استخلصناها من هذه المقدمة التي بدأنا بها مجلسنا، تتجلى أهمية علم الاعتقاد في هذه النقاط التالية. النقطة الأولى: علم الاعتقاد يعالج أهم القضايا الحساسة والمؤثرة في حياة الإنسان، ويقدم إجابات شافية عن كل التساؤلات التي تدور في خلده.
هناك أحبتي أسئلة نسميها أسئلة الفطرة، هذه الأسئلة تدور في خلد الإنسان وتنبع من فطرته ولا يمكن أن تنفك عنه، وإذا لم تقدم إجابات شافية لهذه الأسئلة يبقى الإنسان يشعر باضطراب وقلق وحيرة من أمره؛ لأن هذه الأسئلة دائما تدور في خلده، ويحاول أن يبحث عن إجابة عنها، والذي يقدم له الإجابة الشافية ويعالج له هذه الأسئلة هو علم الاعتقاد.
أهم أسئلة الفطرة التي تدور في قلب الإنسان ويحتاج لإجابة شافية عنها: أولا، من هو الإله الحق وما هي صفاته وأفعاله؟ وما هي العلاقة التي تربط العبد به؟ وما سر وجودنا على هذه الأرض؟ وهل هناك عالم آخر ينتظرنا بعد هذا العالم؟ وما تفاصيله ومشاهده؟ وهل الإنسان مسير في هذه الحياة الدنيا أم هو مخير؟ وكيف ترتبط الأسباب بمسبباتها؟ وكيف ترتبط عناصر الكون مع بعضها؟ وهل هناك عوالم أخرى في هذا الكون لا نشاهدها؟
هذه أسئلة وأنتم قد تقترحون أسئلة أخرى تسمونها أسئلة الفطرة، لكن أظنكم تتفقون معي أن هذه الأسئلة تنبع من داخل الإنسان وتحتاج إلى إجابة شافية واضحة عنها حتى يشعر بالاطمئنان والهدوء، وإلا سيبقى هذا الذهن في حيرة وفي شك واضطراب. أين سيجد الإنسان الإجابات الشافية؟ في علم الاعتقاد بإذن الله.
ننتقل إلى الأهمية الثانية لعلم الاعتقاد: أن مادة هذا العلم مادة ثابتة في الجملة عبر تاريخ البشرية، اشترك الأنبياء كلهم في الدعوة إليها وتعريف الناس بها، ولا تقبل التبديل والنسخ، إذ هي بطبيعتها إخبارات يجب الإيمان بها وعقد القلب عليها والسعي في الحياة على وفقها.
هذه القاعدة الثانية أو الأهمية الثانية لعلم الاعتقاد أن مادة هذا العلم مادة ثابتة عبر التاريخ الإنساني، مادة لا تقبل التبديل ولا تقبل النسخ، لا يمكن أن تتغير بين نبي ونبي وبين شريعة وشريعة؛ لأن هذه المادة عبارة عن إخبارات أخبرنا الله سبحانه وتعالى بها بواسطة أنبيائه، هذه الإخبارات ليست أمورا إنشائية بل هي أمور خبرية، المطلوب منا أن نؤمن بها وأن نعقد القلب عليها وأن نسعى في الحياة على وفقها.
لذلك أحبتي لا يمكن مثلا أن يكون الإيمان باليوم الآخر عقيدة نبي من الأنبياء ثم ينسخ هذا في عقيدة نبي آخر، لا يمكن. لا يمكن أن يكون القضاء والقدر عقيدة نوح ثم ينسخ بعد ذلك في ملة محمد عليه الصلاة والسلام. هذا لا يقبل لأن طبيعة المادة العقدية كما قلت لكم في المقدمة مادة مشتركة بين جميع الرسل والرسالات، كل الرسل والرسالات دعوا قومهم إلى هذه المادة ووجهوهم إليها وأمروهم بعقد القلب عليها.
فإذا هي مادة مشتركة وهي إخبارات ليست أوامر ونواهي إنشائية، إخبارات من الله سبحانه وتعالى طلب من البشر أن يؤمنوا بها، فلا يمكن أن تكون هذه الإخبارات صادقة في عهد نبي من الأنبياء ثم تنسخ وتكذب في عهد نبي آخر. أنتم لو لاحظتم لو فكرتم في هذا الموضوع، كيف يمكن أن تكون مسألة عقدية صادقة في عهد نوح عليه السلام ثم تنسخ في عهد محمد صلى الله عليه وسلم وتصبح كاذبة؟ هذا فيه نسبة الخلف والكذب لله سبحانه وتعالى، حاشاه عز وجل من ذلك.
فثبات المادة العقدية مع معالجة هذه القضايا الحساسة والمؤثرة في حياة الإنسان يدل على أهمية وشرف علم الاعتقاد، يعني لو عقدنا مقارنة أيهما أشرف: علم مادته ثابتة مركزة لا تتبدل ولا تتغير، أم علم مادته متغيرة متبدلة متنقلة؟ المادة الثابتة المستقرة التي لا تتبدل بالتأكيد أشرف وأجل من المادة المتغيرة المتنقلة المتبدلة، أليس كذلك؟
لأن المادة الثابتة المستقرة لم تثبت ولم تنل صفة الاستقرار إلا لأهميتها ولخطرها في حياة الإنسان، والمادة الثانية المتغيرة المتبدلة لها أهمية، لكن أهميتها ليست في نفس الدرجة التي لأهمية المادة العقدية، ولو كانت في نفس الدرجة لثبتت في كل دعوات وعند جميع الرسل والرسالات. لذلك عليكم أن تنتبهوا على هذه القضية، ثبات مادة العلم واستقرارها في الجملة مع حساسية القضايا التي تعالجها هذه المادة جعل هذا العلم ينال مرتبة عليا، جعله علما شريفا مهما خطيرا للنفس الإنسانية وللحياة البشرية جمعاء.
ننتقل أيضا إلى نقطة ثالثة أراها مهمة تبين أهمية هذا العلم: أن جل مادة هذا العلم مصدرها من الخالق سبحانه وتعالى، وليست مبنية على الاجتهاد البشري والإبداع الإنساني. نعم، يميز علم الاعتقاد أحبتي عن سائر العلوم الأخرى أن علم الاعتقاد مادته مأخوذة من الخالق سبحانه وتعالى، هو الذي أخبرنا عن أسمائه وصفاته وأفعاله وقضائه وقدره واليوم الآخر، وهو سبحانه وتعالى أعلم بنفسه من غيره.
فمادة علم الاعتقاد في جلها مصدرها من الخالق، وهذا أيضا يدل على شرفها، فالعلم الذي مصدره من الخالق ولا نستطيع أن نصل إليه إلا من الخالق بالتأكيد هو أجل وأشرف من العلم الذي نستطيع أن نصل إليه بأنفسنا بعقولنا ونظرنا وتتبعنا. هناك فرق بين علم النحو وعلم الصرف وعلم البلاغة الذي وصلنا إلى قواعده ومعلوماته بالاستقراء والتتبع، وبين علم الاعتقاد الذي أخذ مادته من الرسل والرسالات مباشرة الذين يأتوننا بهذه المادة عن الخالق سبحانه وتعالى.
فكون مادة علم الاعتقاد من الخالق جعل هذا العلم ينال مرتبة عليا، طبعا نحن لا ننكر أن العقل يستطيع أن يصل إلى بعض المسائل العقدية المهمة، العقل كما قلنا قبل قليل يستطيع أن يدرك وجود خالق لهذا الكون حتى ولو لم تأت الرسل والرسالات، لأن الله سبحانه وتعالى منحه هذه القدرة. فالعقل نعم يستطيع أن يصل إلى بعض القضايا العقدية لكن جل المسائل العقدية يقف العقل عاجزا حائرا أمام إدراكها، وإنما محله للوصول إليها أن يأخذ من الخالق سبحانه وتعالى عن طريق الرسل والرسالات. فهذا يدل على شرف علم الاعتقاد أيضا أن جل هذه المادة مصدرها من الخالق وليست مبنية لا على الاجتهاد البشري ولا على الإبداع الإنساني.
الأهمية الرابعة لعلم الاعتقاد أن مادة هذا العلم هي الوقود الذي يحرك الإنسان في هذه الحياة، ويرسم معالم سيره وأهدافه، ويحكم نظرته ورؤاه للعديد من القضايا العليا. المهم أن مادة هذا العلم هي الوقود الذي يحرك الإنسان في هذه الحياة ويرسم معالم سيره وأهدافه، فعلا مادة علم الاعتقاد أحبتي لو نظرتم فيها تجدونها هي الوقود الذي يحركنا للعمل للإنجاز للتضحية للدفاع عن هذا الدين.
هذه المادة من دونها الإنسان يعيش على هامش الحياة، من دونها لا يملك أي مشروع أو هدف حقيقي، لا يملك وازعا أو دافعا يدعوه إلى التقديم والبذل وترك بصمة في تاريخ الأمة. المادة العقدية إذا مادة مهمة ودافع قوي في حياتنا للعمل للتقدم للتضحية للبذل، لذلك تجدون الناس يموتون من أجل تقرير عقائدهم، تجد الناس يبذلون أرواحهم ومهجهم من أجل إيصال هذه العقائد إلى الخلق.
لاحظ كيف أصبحت هذه المادة العقدية وقودا محركا، أنت نفسك لاحظ نفسك كيف تحترق على مسائل هذا الدين، حينما ترى من يتلاعب بها، حينما تنظر في من يستهزئ بالله ويستهزئ برسله وبكتبه بتعاليم هذا الدين، انظر كيف يحترق قلبك، ما سبب هذا الاحتراق؟ وجود المادة العقدية التي هي وقود في حياتك تدفعك لأن تحميها ولأن تموت من أجلها ولأن تدعو الناس إليها، وهي التي كما قلنا تدعوك للإنجاز والعمل والتقديم والبذل.
فالمادة العقدية مادة محركة للإنسان، تحكم رؤاه تحكم تطلعاته وتحكم نظرته في العديد من القضايا، فلذلك أي مسألة عقدية تعتقدها خطيرة جدا؛ لأن بناء على اعتقادك سترسم معالم وتصورات لهذا الكون ولهذه الحياة، بناء على معتقدك سترسم معالم وتصوراتك عن هذا الكون، فلذلك مادة هذا العلم مادة خطيرة ومهمة.
الأهمية الأخيرة لعلم الاعتقاد التي تدل أيضا على شرفه وخطره، أن دراسة علم الاعتقاد بأدلته يمنح طالب العلم وورثة الأنبياء سلاحا قويا في مواجهة أعداء الرسل وأصحاب المناهج المنحرفة عن السنة. نحن قلنا أحبتي في المقدمة أن معركة الرسل وأتباع الرسل مع مخالفيهم على درجتين، الدرجة الأولى المعركة مع المحاربين والكفرة، والمعركة الثانية هي المعركة مع المخالفين لمنهج أهل السنة والجماعة من أهل البدع.
وخوض هذه المعركة لا يكون بالسلاح دائمًا والمواجهة العسكرية، بل لابد أن تبدأ بالنقاش والحوار وإزالة الشبهات والإقناع العقلي. قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]. لابد من الحوار، ولابد من إزالة الشبهات، ولابد من تطهير العقول والقلوب وتنقية الفطر؛ فلا بد من النقاش والحوار وتصحيح التصورات.
كيف أناقش رجلًا مخالفًا؟ بغض النظر هل هو في الدرجة الأولى من المحاربين لله ورسوله أم من الدرجة الثانية، إذا كنت صفرًا وخلوًا من علم الاعتقاد لا يمكن أن أناقش، لا يمكن أن أحاور، وإلا سآتي بالوبال على ديني وعلى عقيدتي. كثير من الناس يتصدرون للدفاع عن العقائد الحقة لكنهم لا يملكون أداة، ولا يعرفون كيف يستدلون على العقائد الحقة، فيكون أثرهم سلبيًا على الملة المحمدية لأنهم يظهرونها في ثوب مهترئ.
كيف أقوي نفسي في الجدال ومحاربة الشبهات ومكافحتها؟ عليك بدراسة علم الاعتقاد، فعلم الاعتقاد هو الذي يمنحك سلاحًا قويًا لهدم معاقل الشرك، ولرد البدع إلى جحورها خائبة. نعم، من دون علم الاعتقاد ومن دون الوقوف على مسائل هذا العلم وتحريرها، لا يمكن لطالب العلم أن يكون صورة متكاملة نقية، ولا يمكن أن يمتلك سلاحًا قويًا يستطيع من خلاله أن يواجه الشبهات وأن يحاربها وأن يجادل وينافح عن هذا الدين؛ فدراسة علم الاعتقاد تمنحك هذا السلاح بإذن الله.
إذاً أحبتي، هذه النقاط الخمس هي خلاصة ما قدمته لكم في هذه المحاضرة؛ بينت فيها أهمية علم الاعتقاد في معالجة القضايا الحساسة المؤثرة في حياة الإنسان، وإجابته عن أسئلة الفطرة. القضية الثانية التي تكلمت عنها هي أن علم الاعتقاد مادته ثابتة مستقرة لا تتبدل ولا تتغير.
ثالثًا: أن مادة هذا العلم مصدرها من الخالق وليس من المخلوق. ورابعًا: أن مادة هذا العلم هي الوقود التي تحرك الإنسان في رؤاه وفي تطلعاته وفي عمله. خامسًا وأخيرًا: أن دراسة علم الاعتقاد بأدلته يمنح طالب العلم وورثة الأنبياء السلاح القوي في مواجهة المشركين وفي مواجهة المناهج المنحرفة عن طريقة أهل السنة والجماعة.
هذه خلاصة هذا الدرس، لا أطيل عليكم أكثر من ذلك، وبإذن الله في المجلس القادم نبدأ بدراسة قواعد الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة، قاعدة قاعدة. أنا لم أجمع كل القواعد، لكنني ذكرت أهم القواعد التي أرى أنها من المهم أن تُطرح للطالب المبتدئ في هذا العلم، وأن ينتقل من خلالها إلى دراسة المصنفات العقدية.
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يهدينا إلى صراطه المستقيم. وتذكروا دائمًا هذا الدعاء: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». وإلى اللقاء في مجلس آخر بإذن الله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل