تسجيل الدخول

شرح لمعة الاعتقاد (2) / التأصيل العقدي ومصادر الاستدلال

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي في المجلس الثاني الذي نعقده في شرح رسالة لمعة الاعتقاد للإمام موفق الدين ابن قدامة. وما زلنا لا ندخل بعد في هذه الرسالة، وكما وعدناكم سنمهد بمجموعة من القواعد والمناهج المهمة لطالب العلم في مسائل الاعتقاد قبل أن نلج في تحرير مسائل هذا الكتاب المبارك.

وعموماً قبل أن أدخل في شرح اليوم، نقول طريقتنا في المدارسة أحبتي: أنني سأقرأ من تعليق علقه العبد الفقير على هذه الرسالة، وأقوم بالتحليل والتفصيل فيما علقته عليها، ووظيفتك يا طالب العلم أن تقوم بالتلخيص وكتابة الفوائد التي تسمعها مني بيدك؛ لأن طالب العلم الذي لا يعتاد الكتابة ولا يريد أن يتعب ويريد دائماً أن يحصل الفوائد من دون كد لا يمكن أن يفلح أبداً. فعليك أن تهتم باقتناص الفوائد وتهذيبها، والله سبحانه وتعالى الموفق لما يحبه ويرضاه. لكن المهم أن تكتب بيدك، وأن تتعلم كيف تقتنص وكيف تهذب وكيف ترتب؛ أما من يريد الشيء جاهزاً سهلاً دائماً فهذا لا يقبل لطالب العلم.

إذاً كما قلنا، الطريقة ستكون أني أقرأ من شرح وأحلله وأشرحه بالتفصيل بإذن الله، فنبدأ مستعينين بالله. في المحاضرة السابقة أحبتي قدمت بتوطئة عامة، بينت فيها أن حاجة الإنسان للإله حاجة فطرية ضرورية لا يمكن للإنسان أن يحيا بدونها إلا بحيرة وقلق واضطراب وضنك، لذلك اتجهت الأمم في جلها نحو التعبد والتأله على اختلاف بينها في معبوداتها. وعرفنا أن الصراع الأكبر بين الرسل وبين أعداء الرسل، أي بين أقوامهم، إنما كان حول من هو الإله الذي يستحق العبادة والتوحيد وينفى عنه الشرك، ولم يكن الصراع الأكبر حول لا يوجد إله أم لا يوجد إله؟ لأن موقف الإلحاد كما قلنا هو شذوذ فطري ومنازعة لما جبلت عليه النفس، فلم يكن إلا عند متفرقة من الأقوام ولم يكن منهجاً عاماً للبشرية.

ثم عرفنا بعد ذلك أن الله سبحانه وتعالى نصب أدلة على وحدانيته سبحانه وتعالى، أولها الدليل الفطري ثم الدليل العقلي. وبعد أن أضلت الشياطين الناس عن معبودهم الحق، جاء الدليل الثالث هم الرسل والرسالات ليعيدوا الخلق إلى معبودهم الحق، ويبينوا لهم تفاصيل مسائل الاعتقاد. وعرفنا أن موقف البشرية تجاه الرسل كان ينقسم عموماً إلى موقفين: من آمن بالرسل وقبل عنهم، ومن عاد الرسل وحاربهم. وهؤلاء الذين آمنوا بالرسل انقسموا إلى طائفتين: طائفة آمنت بكل ما أتت به الرسل وأذعنت لها وهم أهل السنة، وطائفة آمنت بالرسل عموماً لكنهم أخذوا من منابع أخرى شوهت عقائدهم وأصبح فيها دخن وهؤلاء هم أهل البدع. وأما القسم الآخر كما قلنا هم الذين حاربوا الرسل وصدوا عن الدعوة، وعرفنا أن معركة الرسل ومعركة اتباع الرسل كان رحاها يدور في المرتبة الأولى وفي الدرجة الأولى مع من؟ مع المحاربين الصادين عن الله ورسوله، أي باختصار مع الكفرة، ثم تأتي بعد ذلك المعركة في الدرجة الثانية مع أهل البدع الذين حادوا عن منهج أهل السنة، ولا يجوز أن نسوي بين أهل البدع الذين هم من أهل القبلة مع الكفرة المعاندين لله ورسوله، ونقلنا لكم النص الذي ذكره الإمام الذهبي رحمة الله تعالى عليه في عدم التسوية بين الطائفتين. واختتمنا المحاضرة السابقة بذكر مجموعة من المسائل التي تدل على أهمية علم الاعتقاد وشرف علم الاعتقاد وخطر هذا العلم في حياة المسلم.

اليوم أحبتي سنبدأ معاً بإذن الله في تأصيل مجموعة من القواعد المهمة في باب الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة؛ لماذا؟ لأنه ينبغي لطالب علم الاعتقاد قبل أن يلج في تحرير مسائل الاعتقاد وتدقيقها أن يستصحب معه في مسيره مجموعة من القواعد المهمة ليكون سيره راشداً مثمراً موصلاً للغاية المقصودة، ويسير على منهج مستقيم وعلى درب قويم بإذن الله. من الخطأ الذي يرتكبه بعض طلبة العلم في بداية تعلمهم لمسائل الاعتقاد أنهم يلجون مباشرة في تحرير المسائل والاستدلال عليها قبل أن يعرفوا القواعد والمناهج التي يقوم عليها باب الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة. إذاً ينبغي على الطالب المبتدئ أن يؤسس نفسه بباب الاعتقاد ابتداءً، وأن يعرف ما هي القواعد العامة التي تحكم أهل السنة والجماعة في هذا الباب، ثم بعد ذلك يلج في عملية التحرير والوقوف على أدلتها بأعينها.

فنبدأ مستعينين بالله بالقاعدة الأولى من قواعد علم الاعتقاد عند أهل السنة. القاعدة الأولى تقول أحبتي: أهمية التأصيل العقدي في بناء العقائد الصحيحة. هذه هي القاعدة الأولى التي سندندن حولها، من الأمور المهمة التي ينبغي الاعتناء بها في بناء المسائل العقدية صحة التأصيل العقدي للمسألة حتى نطمئن على صحة النتائج التي نصل إليها ونؤمن بها ونعقد القلب عليها وندافع عنها، بل قد نبدع مخالفها. إذن هذا أمر مهم جداً؛ أهم أمر بالبناء العقدي هو صحة التأصيل العقدي للمسائل حتى نطمئن على صحة النتائج التي نصل إليها وسنعقد القلب عليها وسنستدل عليها وسندافع عنها، بل قد من أجلها يمكن إنسان يموت في سبيل مسألة عقدية، صحيح؟ لكن هذه المسألة العقدية لم تعتمد على تأصيل عقدي صحيح وهذه خسارة. أهمية التركيز على التأصيل العقدي أمر مهم جداً في بناء طالب العلم في أبواب الاعتقاد.

السؤال الآن الذي يرد على أذهانكم: ما معنى التأصيل العقدي؟ هذا المفهوم نريد أن نوضحه ابتداءً. التأصيل العقدي أحبتي يمكن أن نعرفه وأن نوضحه فنقول: هو بناء المسائل العقدية بناء محكماً موافقاً للمنهج الصحيح في الاستدلال، ويسير على قانونه المعتمد. هذا هو التعريف الذي نختاره لمفهوم التأصيل العقدي؛ بناء المسألة العقدية بناء محكماً يسير على المنهج الصحيح في الاستدلال ويقوم على قانونه المعتمد.

لماذا نهتم بالتأصيل العقدي؟ عرفنا إذاً أن التأصيل العقدي هو أن تبني المسألة العقدية بناء محكماً متقناً، هذا البناء يقوم على ماذا؟ على المنهج الصحيح في الاستدلال، خطوات معينة هي التي تمثل المنهج الصحيح في الاستدلال. وسأبين هذه الخطوات ما نسميه خطوات التأصيل العقدي، سأبينها الآن بعد قليل بإذن الله، لكن أريدك الآن فقط أن تفهم ما معنى التأصيل العقدي وما أهمية التأصيل العقدي؟ إذاً التأصيل العقدي البناء المحكم المتقن للمسائل وفق منهج معين صحيح في الاستدلال وفق قانون معين. سنبين ما هو المنهج الصحيح وما هو القانون بعد قليل، لكن السؤال الآن هو: ما أهمية هذا التأصيل؟ أريد أن أوضحها مرة أخرى. العقائد أحبتي لا تستمد قوتها وصحتها من كثرة معتقديها، انتبهوا عليها، العقائد الحقة لا تستمد صحتها من كثرة معتقديها، أو من قدرة صاحبها على الجدل والمراء عنها وإيراد الحيل العقلية في المدافعة، كلا ليس هذه هي الطريقة الصحيحة لإثبات أن هذه العقيدة حقة وأن هذه العقيدة باطلة. وركزوا على هذا الكلام؛ لأن بعض الناس طريقتهم في الاستدلال على صحة العقائد هي الكثرة أو قدرة صاحب هذه العقيدة في إيراد الحيل العقلية في نصرة معتقده، وهذه مناهج خاطئة. العقائد الحقة لا تستمد قوتها ولا تستمد صحتها من كثرة معتقديها، ولا من قدرة صاحبها في إيراد الحيل العقلية في الدفاع عنها، بل صحتها تستمد وتكون بقدر تماسكها المنهجي، وسلامة بنائها العلمي، وحجم الأدلة التي تأزرها. هكذا نستدل على صحة العقائد، تستمد قوتها بقدر تماسكها المنهجي وسلامة بنائها العلمي وحجم الأدلة التي تأزرها.

لذلك الإمام مالك بن أنس يقول مقولة جميلة في هذا الباب، ماذا يقول؟ يقول: «أكلما جاءنا رجل أجدل من رجل أردنا أن نرد ما جاء به جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟». ماذا تفهمون من هذه الكلمة لمالك بن أنس؟ لاحظ إيش يقول مالك بن أنس: أكلما جاءنا رجل أجدل من رجل، يعني أكثر قدرة على الجدل وإيراد الحيل العقلية من غيره، وكلما جاءنا رجل أجدل من رجل أردنا أن نرد ما جاء به جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ لا يقبل هذا المسلك في تحديد مسائل الاعتقاد الصحيحة. اليوم سمعت فلاناً عنده قدرات عقلية في النقاش عالية فأعجبك فاتبعته في معتقده وظننت أنه على المعتقد الصحيح، غداً يأتيك رجل أجدل منه يعجبك منطقه فتقول: لا، لا، فلان ليس جيداً في الاعتقاد، هذا أدق منه، فتتبع فلاناً في اعتقاده؛ هكذا لن يثبت لك قدم في باب الاعتقاد.

وانظروا كيف السلف رحمهم الله كلماتهم رصينة دقيقة في هذا الباب. ومن بنى عقيدته أحبتي على جدل الرجال، وكلما رأى رجلاً أجدل من غيره قلده في دينه واتبعه، قل أن تثبت له قدم في باب الاعتقاد. وهذا المسلك كثر الخطأ فيه في هذا الزمان، اتباع الناس في عقائدهم لأجل قدراتهم في الجدل، هذا المسلك كثر الخطأ فيه في هذا الزمان فكان لا بد من تنبيه العامة عليه؛ لأن وسائل الإعلام للأسف أصبحت تصدر لنا أناساً يحسنون صف الكلام ورصفه وتزيينه وتزويقه فيفسدون على العوام عقائدهم؛ لماذا؟ لأن العامي لا يحسن التأصيل العقدي الصحيح لمسائل الاعتقاد، ولا يعرف المناهج الصحيحة في الاستدلال من المناهج الخاطئة، فالذي يهمه ويشده ما هو؟ صف الكلام ورصفه وتزيينه وتزويقه، هذا الذي يجذب العامي، فيجب أن ننتبه على هذه القضية.

بل حتى المناهج العقدية الفاسدة قديماً كانت تعتمد على الفصاحة والبلاغة في ترويج بدعها على العوام؛ فالمعتزلة وغيرهم كانوا يعتمدون على الخطب الرنانة الفصيحة في جذب العوام. الجاحظ، ثمامة بن أشرس، النظام، وغيرهم من رؤوس المعتزلة كانوا أصحاب خطب رنانة وكانوا فحولاً في العربية. هل هناك أحد ينكر أن الجاحظ فحل من فحول العربية؟ لا ينكر ذلك عاقل، وللأسف كما قلنا الفرق الكلامية المبتدعة قديماً استخدمت الفصاحة والبلاغة لترويج بدعها وجذب الناس إليها؛ لأنهم يعلمون أن العامة لا يملكون قانوناً ومنهجاً صحيحاً في الاستدلال والتأصيل لمسائل الاعتقاد، وإنما يبهرهم الفصاحة والبلاغة والكلام الرنان. واليوم ربما الفصاحة والبلاغة ليست في تلك الدرجة من الأهمية، وإنما الذي يغر العوام اليوم الصناعة في الإعلام اليوم يقوم مقام الفصاحة والبلاغة في الزمن القديم؛ الصناعة الإعلامية المتقنة والإخراج المبهر يجعل العامي يظن أن المتكلم صاحب عقيدة صحيحة سليمة، ولا يدرك المسكين أن هذا المتكلم ليس له باع في باب الاعتقاد أصالة.

طيب، هذا كله هو الذي ينبهنا على أهمية التأصيل العقدي الصحيح للمسائل، هذا كله دلالة على أهمية التأصيل العقدي. العقائد، احفظوا هذه الكلمة، لا تستمد قوتها من كثرة المعتقدين، فأهل الحق قد يكونون قلة، أي نعم قد يكونون قلة. العقائد الحقة لا تستمد قوتها وصحتها من كثرة معتقديها، ولا من قدرة الرجال على الجدل عنها، وإنما تستمد قوتها من تماسكها المنهجي وحجم الأدلة التي تأزرها وبنائها على المنهج في الاستدلال؛ هكذا تستمد قوتها وصحتها. فلذلك لا بد أن نعرف طرق التأصيل العقدي الصحيحة لنتبعها.

وننتقل الآن إلى هذه الخطوة؛ ما هي خطوات التأصيل العقدي؟ هذا السؤال الثاني الذي نجيب عنه في محاضرة اليوم. بعد أن عرفنا تعريف التأصيل العقدي وأهمية التأصيل العقدي في الوصول إلى العقائد الحقة، السؤال الآن الذي يرد إلى أذهان الطلبة: ما هي خطوات التأصيل العقدي الصحيحة حتى نتبعها يا شيخ؟ نقول أحبتي، هناك خطوات معينة للتأصيل العقدي الصحيح.

الخطوة الأولى: تحديد مصادر الاستدلال العقدي المقبولة عند أهل السنة والجماعة ليتبعه الطالب ويعض عليها بالنواجذ، ومعرفة مصادر الاستدلال المرفوضة عند أهل السنة والجماعة ليتم اجتنابها وتنحيتها. هذه هي الخطوة الأولى المهمة جداً، وأصلاً من هذه الخطوة الأولى امتاز منهج أهل السنة والجماعة عن المناهج الأخرى المخالفة له في طبيعة مصادر الاستدلال. إذاً نعيد الخطوة الأولى من خطوات التأصيل العقدي: تحديد مصادر الاستدلال المقبولة عند أهل السنة والجماعة ليتم البحث والنظر من خلالها، وتحديد مصادر الاستدلال المرفوضة عند أهل السنة والجماعة ليتم اجتنابها وتنحيتها. طب يا شيخ ما هي مصادر الاستدلال المقبولة؟ وما هي مصادر الاستدلال المرفوضة؟ هذا ما سنبحثه بإذن الله في القاعدة الثانية، هذا ما سنبينه بالتفصيل بإذن الله في القاعدة الثانية.

لكن دعونا الآن نسير في خطوات التأصيل العقدي؛ الخطوة الأولى تحديد المصادر المقبولة والمصادر المرفوضة. الخطوة الثانية من خطوات التأصيل العقدي: عند البحث عن مسألة عقدية معينة عليك أن تحدد المصدر الذي ستعتمد عليه في استنباط حكم هذه المسألة العقدية منه؛ أنت الآن ابتداءً حددت المصادر العقدية المقبولة في الخطوة الأولى تمام، في الخطوة الثانية ماذا ستفعل؟ الآن عندك مسألة عقدية معينة، عليك أن تحدد المصدر الذي ستعتمد عليه باستنباط حكم هذه المسألة العقدية أو في تحديد حكم هذه المسألة العقدية. وهذا يتطلب بالتأكيد استقراء جيداً للمصادر العقدية، لا بد أن تستقرئ المصادر العقدية حتى تحدد ما هو المصدر الذي ستعتمد عليه. هذا واحد.

ويحتاج أيضاً إلى امتلاك الطالب لآلات الفهم؛ امتلاك الطالب لآلات الفهم الصحيحة من علوم اللغة العربية، ومعرفة الطالب بأساليب العرب في مخاطباتها، ومعرفة العلوم العقلية، ومعرفة أصول الفقه عموماً؛ هذه علوم الآلات التي دائماً ندندن حولها. لا يمكن للإنسان أن يتخصص في علم الاعتقاد وهو ضعيف في علوم الآلات وهو ضعيف في علوم الناس، لا يمكن، لا بد أن تمتلك يا طالب العلم الذي تريد التأصيل الصحيح في مسائل الاعتقاد، لا بد أن تملك مقداراً جيداً من علوم الآلات.

إذن الخطبة الثانية: البحث عن المصدر الذي ستعتمد عليه لاستنباط حكم المسألة العقدية التي بين يديك، وهذا يتطلب كما قلنا استقراءً جيداً للمصادر العقدية المقبولة، وامتلاك آلات الفهم؛ كاللغة العربية والقواعد العقلية.

ثم بعد ذلك؛ بعد أن وصلت إلى الدليل الذي ستعتمد عليه، عليك أن تبين وجه دلالته على المسألة. يعني أنت الآن قلت لنا: سأعتمد في بيان حكم هذه المسألة على هذا الدليل. فنقول لك: بين لنا وجه دلالته على هذه المسألة. أليس كذلك؟ هكذا العقل يقول. فكم من شخص أصاب الدليل وجهل وجه دلالته، والسبب في ذلك عادة يكون ماذا؟ ضعف الآلة العلمية. هناك أناس أحبتي يصلون إلى الدليل لكنهم لا يعرفون وجه دلالة هذا الدليل على المسألة العقدية؛ لضعف في العلوم اللغوية أو في العلوم العقلية. ومن هنا تفاوت العقلاء والعلماء واختلفت المذاهب والمشارب، وظهرت الفرق والنحل. فكلما قويت معرفة المسلم بأصول الاستدلال الصحيح عند أهل السنة، وأصاب دليل المسألة، وامتلك آلة تعينه على فهم وجه دلالته مع استصحاب التوفيق الإلهي وحسن القصد؛ كلما كان منهجه أسلم ومعتقده على الجادة المرضية.

إذن أنت عرفت ما هي أصول الاستدلال المقبولة عند أهل السنة، ثم أتيت بالدليل الصحيح على المسألة المعينة التي تبحث عنها، ثم عرفت وجه دلالة هذا الدليل على المسألة التي تريدها؛ حينئذ مع توفيق الله سبحانه وتعالى لك تصل إلى البناء العقدي الصحيح للمسألة.

لم ننتهِ بعد من خطوات التأصيل؛ هذا كله يدندن فيه في الخطوة الثانية، ما زلت. إذن الخطوة الأولى كانت في التأصيل العقدي ما هي؟ تحليل مصادر الاستدلال المقبولة عند أهل السنة لتتبع، والمصادر المرفوضة لتجتنب. الخطوة الثانية: عندما تبحث في مسألة معينة عليك أن تعين ما هو الدليل الذي ستعتمد عليه، ثم تبين وجه دلالته على المسألة. وهذا كما قلنا يحتاج إلى امتلاك الطالب لعلوم الآلات، مع استقراء النصوص؛ لأنه كلما ضعفت ملكة الطالب في علوم الآلات كلما جهل وجه دلالة الدليل.

طيب، بعد أن عرفت الدليل الذي سأعتمد عليه في بناء هذه المسألة المعينة، وعرفت وجه دلالة هذا الدليل على هذه المسألة، ننتقل إلى الخطوة الثالثة في التأصيل العقدي. الخطوة الثالثة بعد الظفر بدليل المسألة من مصدره الصحيح وبيان وجه دلالته، عليك أن تقوم بفحصه وبيان مرتبة هذا الدليل وهذه الدلالة من حيث القطع والظن. إذن الخطوة الثالثة باختصار: أن تفحص هذا الدليل وهذه الدلالة؛ هل هو قطعي أو ظني؟ تمام؛ لأن الأحوال أربعة أحبتي، وهذه درسناها في أصول الفقه: أن يكون الدليل الذي تستدل به قطعي الثبوت قطعي الدلالة، الحالة الثانية أن يكون الدليل قطعي الثبوت لكنه ظني الدلالة، الحالة الثالثة معاكسة أن يكون الدليل ظني الثبوت قطعي الدلالة، والحالة الرابعة والأخيرة أن يكون الدليل ظني الثبوت ظني الدلالة.

فإذا بعد أن تختار وتعين الدليل الذي ستعتمد عليه في بناء المسألة، وتعرف وجه دلالته، عليك أن تذهب إلى الخطوة الثالثة؛ وهي أن تفحص الدليل وتفحص هذه الدلالة، وتبين درجتها من حيث القطع والظن. طيب لماذا؟ قال العلماء: لتعرف حجم المسألة العقدية؛ هل هي مسألة في أصول مسائل الاعتقاد أم هذه المسألة من المسائل التي تقبل النقاش والاختلاف والاجتهاد؟ معرفة حجم المسألة العقدية أحبتي أمر مهم جداً يخطئ فيه كثير من طلبة العلم؛ يأتون إلى مسألة عقدية ويأتون بأدلتها ويجزمون بها ويبدعون مخالفها، مع أن المسألة في النهاية هي مسألة ظنية وليست مسألة قطعية كما يتوهمون؛ فانتبهوا على هذا الأمر. أهمية معرفة حجم المسألة عقديّاً مهم جداً، فكم من مسألة أوصلها صاحبها إلى الجزم والقطع، وبدع المخالف له وحاربه ولربما سفك دمه وهي في النهاية من المسائل الظنية في الاعتقاد.

يا شيخ، هل بعض مسائل الاعتقاد ظنية؟ إي نعم، إياك أن تظن أن كل مسائل الاعتقاد وصلت إلى مرتبة الجزم؛ نعم حجم كبير من مسائل الاعتقاد مجزوم بها، لكن ليس كل مسألة عقدية مسألة ملزومة بأدلتها، بل هناك بعض مسائل الاعتقاد مسائل ظنية. فإذاً الخطوة الثالثة مهمة جداً؛ هي باختصار أن تعرف هل الدليل والدلالة التي توصلت إليها قطعية أم ظنية؟ لأن هذا سيؤثر في حجم المسألة العقدية في ذهنك وقلبك وعقلك.

طيب بعد أن انتهينا من الخطوة الثالثة ننتقل للخطوة الرابعة والأخيرة. الخطوة الرابعة والأخيرة تقول لك: بعد النظر في أدلتك وتأسيسها وتأصيلها ومعرفة حجم المسألة من حيث القطع والظن، عليك في الخطوة الرابعة أن تنتقل إلى كلام المخالفين؛ فتنظر في تأصيلهم هم لهذه المسألة، وفي الأدلة التي أتوا بها، وفي الاعتراضات التي وجهوها على دليلك. إذن الخطوة الرابعة: النظر في كلام المخالفين، وفي تأصيلهم هم للمسألة، وفي الأدلة التي استدلوا بها، وفي الاعتراضات التي وجهوها إلى دليلك.

وينبغي أن يكون نظرك في أدلة المخالف بقدر نظرك في أدلتك؛ أليس هذا هو الإنصاف؟ النظر في أدلة المخالف وفي تفهمها وتأملها يكون بحجم النظر في أدلتك. لماذا؟ لأن بعض الناس إذا نظر في أدلته دقق ووقف على تفاصيل دليله، وإذا نظر في دليل مخالفه مر عليه مرور الكرام، وهذا ليس من دأب المنصفين الذين يريدون الوصول إلى تأصيل عقدي صحيح للمسائل. إذن ليُعطِ أدلة المخالف حظها الوافر من النظر، وليُعطِ كل اعتراض اعترض به المخالف حظه من النظر والتأمل، ولينظر إليه بعين الإنصاف والاتزان؛ فلعل هذا الاعتراض يوقف طالب العلم على ضعف في استدلاله أو خطأ في فهمه. ألا يوجد احتمال أن تكون أخطأت في الاستدلال؟ أو أن تكون أنت الذي أخطأت في الفهم عن السلف؟ احتمال وارد.

فإذا تيقنت من فساد الاعتراض الذي وجهه المخالف إليك، وتيقنت من عدم مطابقته للصواب، فعليك أن تبين وجه الخلل فيه ومواطن الضعف فيه بأدب، وهذه كلمة بأدب ضعوا تحتها خطوطاً عريضة؛ بأدب بعيداً عن الطعن في صاحبها والقدح في نيته، ما دام المخالف لك ممن يُشار إليه بالعلم ويُثنى عليه بالفضل ولو خالفك في الاعتقاد. وهذه قضية مهمة؛ أنت حينما تبين خطأ المخالف عليك أن تبينه بأدب من دون أن تقدح في شخصه وتطعن في قصده ونيته، ما دام هذا المخالف لك من أهل العلم وممن عُرف بالبحث عن الحق. فالإنسان يكون مؤدباً مع مخالفيه؛ لأن المقصد في النهاية هو الوصول إلى الحق، وليس المقصد هو الطعن في الآخرين والدخول في نواياهم والتقليل من شأنهم؛ فإن هذا من دأب السفهاء في الحقيقة. متى ما وجدتم الإنسان المتصدر لتعليم الاعتقاد شأنه وهمه أن يطعن في مخالفيه، وأن يقدح في نياتهم، وأن يستهزئ بهم ويتهكم بهم، فاعلموا أنه حُرم التوفيق؛ فإن الإنسان الموفق أحبتي هو الذي يهتم بالوصول إلى الحق، ولا يهتم بالمخالف له وبشخصه وقصده ونيته. هذا ليس مقصداً مطلوباً شرعاً أصالةً.

المهم، إذاً هذه الخطوات الأربع هي خطوات التأصيل العقدي: الخطوة الأولى معرفة أدلة الاستدلال عند أهل السنة والجماعة المقبولة ليعتنقها الإنسان وما هي الأدلة المرفوضة ليجتنبها. ثانياً: عند البحث عن حكم مسألة معينة عليك أن تحدد الدليل الذي ستعتمد عليه في بنائها وفي وجه دلالته على هذه المسألة، وهذا يحتاج إلى استقراء صحيح وإلى امتلاك آلة الفهم. الخطوة الثالثة: عليك أن تبين حجم هذا الدليل وحجم هذه الدلالة من حيث القطع والظن حتى تعرف حجم هذه المسألة في أبواب الاعتقاد. والخطوة الرابعة والأخيرة هي أن تنظر في أدلة المخالفين لك وفي اعتراضاتهم على دليلك، وأن تعطيها الحظ الوافر من النظر؛ إن وجدت كلامهم صحيحاً تتبعه، وإن وجدت كلامهم خاطئاً تبين وجه الخطأ بأدب واحترام وتوقير وإجلال لأهل العلم. فهذا هو مفهوم التأصيل العقدي.

نحن ابتداءً عرفنا التأصيل العقدي؛ قلنا بناء المسألة بناءً محكماً يسير على المنهج الصحيح في الاستدلال وعلى قانونه المعتمد. الآن هذه الخطوات الأربع بينت لك ما هو المنهج الصحيح في الاستدلال، وبقي عليك أن تطبق. طيب، قبل أن أنتهي وأنتقل إلى القاعدة الثانية من قواعد أهل السنة والجماعة في باب العقائد، أريد أن أختم بخاتمة في قضية التأصيل العقدي أُبين فيها أحبتي أمراً مهماً، وهذا الأمر هو أن المنشغلين في التأصيل العقدي من العلماء ومن طلبة العلم لو تتبعنا حالهم لوجدناهم ينقسمون إلى طائفتين عموماً.

الطائفة الأولى: طائفة ترث العقائد عن أشياخها، وتتلقاها منهم بالتسليم إحساناً للظن بهم، ثم بعد ذلك يجتهدون في التأصيل لهذه العقائد التي تلقوها من أشياخهم بالتسليم، ويجتهدون في الدفاع عنها من دون أن يتعبوا أنفسهم في مراجعتها ومعرفة مدى مطابقتها للأدلة المحايدة. وهذا واقع حال أكثر المشتغلين بالتأصيل العقدي من كافة الفرق؛ هم من هذه الطائفة الأولى، يأخذون العقائد من أشياخهم بالتسليم. إنسان نشأ في بيئة معينة وتحت مظلة شيوخ معينين يحسن الظن بهم، فحينما يدلون بمسائل الاعتقاد له يتلقى هذه المسائل بالتسليم؛ طيب ماذا يكون شغله في التأصيل العقدي؟ يكون شغله في التأصيل العقدي هو الدفاع عن هذه المسائل التي تلقاها، والاستماتة في سبيلها من دون أن يتعب نفسه في مراجعة هذه المسائل من خلال الأدلة المحايدة.

طيب هذا إلى ماذا سيؤول أمره؟ إذا كان المعتقد الذي تلقاه من شيوخه فاسداً غير مطابق للواقع، فإن هذا المعتقد مع زيادة الدفاع عنه ومحاولة التأصيل له سيبقى قائماً في نفسه، وسيزداد بدفاعه عنه حجم الشبهات التي تعضده في عقله وفكره. وأما الاحتمال الثاني وهو أن تكون هذه المسائل العقديّة صحيحة، فإذا تلقيت المسائل العقديّة الصحيحة من دون نظر متجرد في الأدلة المحايدة، فإن هذه المسائل العقديّة الصحيحة مع مرور الوقت سيكتنفها الغموض، ويسهل أن يُشكك فيها من قبل مخالفيك؛ لماذا؟ لأنك لم تعتقدها بناءً على نظر متجرد محايد، وإنما تلقيتها بالتقليد للأشياخ، فيسهل للمخالف أن يشكك في معتقدك، وأن يثير الشبهات، وأن يزعزع الثقة عندك بهذا الاعتقاد مع مرور الوقت. وهذا حال أكثر الذين يتصدرون للتأصيل العقدي.

النوع الثاني أحبتي من الباحثين في المسائل العقديّة وفي المؤصلين لها: نوع يبحث عن الحقيقة بتجرد وإنصاف، قائده الدليل والحجة ولا يلوي عنه ولا يطلب غيره. تجده وقافاً عند الأدلة؛ متى وقف على دليل صحيح مبني على منهج التأصيل العقدي الصحيح، وكان هذا الدليل الذي وقف عليه يخالف ما نشأ عليه وما تلقاه من أشياخه، فإنه لا يتكلف برده وتأويله والتشكيك فيه، بل يقف معه وقفة المنصف. وهذه هي العقبة الكؤود؛ أنك إذا وقفت على دليل صحيح يسير على خطوات التأصيل العقدي الصحيحة التي بيّناها، وكان هذا الدليل يقرر المسألة على صورة تخالف ما تلقيته من أشياخك، أن تقف عنده بتجرد وإنصاف، وأن تتبعه وتترك ما نشأت عليه. هذا هو التوفيق الإلهي والتسديد الرباني، وهذه عقبة كؤود فعلاً؛ أن يتخلص الإنسان من أثر البيئة التي نشأ فيها، وأن يكون نظره بتجرد وإنصاف للمسائل العقديّة؛ لأنه في الحقيقة ما هدفك أنت من التأصيل العقدي؟ هل هدفك نصرة الأشياخ أم الهدف الوصول إلى الحق الذي يرضي الله سبحانه؟ هدفنا جميعاً بإذن الله هو الوصول إلى الحق الذي يرضي الله، بغض النظر أخطأ شيخي أم لم يخطئ.

أليس كذلك؟ فبما أن الهدف الوصول إلى الحق، فينبغي أن تكون متجرداً في بحثك العقدي. طبعاً وهذا الكلام أبثه للمنشغلين بالتأصيل العقدي؛ ربما يقول قائل: طب يا شيخ هل كل مسائل الاعتقاد ينبغي أن أنظر فيها نظرة المتجرد، وأن أقف ابتداءً شاكاً ثم أبحث عن أدلتها؟ لا في الحقيقة أنا لا أقصد هذا؛ هذا التجرد والوقوف والبحث بإنصاف إنما أقصد وأوجهه إلى المسائل العقديّة التي وقع فيها نزاع بين الإسلاميين عموماً. هذا الكلام الذي قلته الآن أن الناس ينقسمون في التأصيل العقدي إلى من يتلقى المسائل بالتسليم ومن ينظر بتجرد، هذا الكلام أتكلم فيه في المسائل العقديّة التي هي محل نزاع، لكن هناك مسائل عقدية واضحة جلية تدل عليها الفطر السليمة وبداهة العقول، فهذه المسائل لا يتلقاها أحد بالتقليد.

كمسألة وجود الله سبحانه، ما في أحد يقول: والله هذه مسألة أنا تلقيتها من أشياخي بالتقليد؛ لأن هذه المسألة الفطرة تدل عليها، والأدلة وبداهة العقول تدل عليها. كذلك مثلاً بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، في أحد يقول: والله هذه المسألة ما بحثتها بتجرد وإنما تلقيت من أشياخي بالتقليد أنه يوجد نبي اسمه محمد عليه الصلاة والسلام؟ أيضاً هذا ليس محلاً للتقليد أصالةً، وإنما هو مسألة معروفة متواترة ومستفيضة ومشهورة أصبحت من المعلومات بالضرورة، فهذه أصلاً ليست مما يؤخذ بالتقليد.

وإنما كلامي في هذا التقسيم في ماذا؟ في المسائل العقدية التي هي محل نزاع بين الإسلاميين، كبعض مسائل الأسماء والصفات والقضاء والقدر إلى غيرها من المسائل. هذه التي أتكلم فيها أن المنشغلين بالتأصيل العقدي ينقسمون إلى من يتلقونها بالتقليد لأشياخهم ومن يبحث فيها بتجرد وإنصاف. وأما المسائل العقدية العالية الواضحة، ما يسمى كليات مسائل الاعتقاد التي تعرف بالفطر السليمة وبداهة العقول، فهذه أيضاً أصلاً ليست محلاً لأن تتلقى بالتقليد من الأشياخ، فانتبهوا على هذا الكلام.

انتهينا أحبتي هكذا من القاعدة الأولى، وهي أهمية التأصيل العقدي في بناء العقائد الحقة. عرفنا ما معنى التأصيل العقدي، عرفنا أهمية التأصيل العقدي؛ لأن صحة العقائد يؤخذ من التأصيل العقدي الصحيح وليس من كثرة معتقديها ولا من جدل للمجادلين عنها. عرفنا ما هي خطوات التأصيل العقدي الصحيح؟ وبينت لكم في النهاية مسالك المؤصلين العقديين في مسائل الاعتقاد التي وقع فيها النزاع بين الإسلاميين؛ طائفة منهم تتلقى هذه المسائل بالتسليم ثم تبدأ بالدفاع عنها، وهذا ليس هو الإنصاف الكامل، وطائفة لا تبحث في مسائل الاعتقاد بتجرد تام، وهذا هو المنهج والمسلك التام الصحيح بإذن الله.

دعونا ننتقل الآن إلى القاعدة الثانية من قواعد باب الاعتقاد. القاعدة الثانية هي التي وعدناكم بها قبل قليل، وهي بيان مصادر التأصيل العقدي المقبولة والمردودة عند أهل السنة والجماعة. سنبسط فيها الكلام عن مصادر التأصيل العقدي المقبولة والمردودة عند أهل السنة والجماعة؛ لأنه أحبتي ما هي أول خطوة من خطوات التأصيل العقدي التي ذكرناها قبل قليل؟ معرفة مصادر الاستدلال المقبولة لنتبعها، ومصادر الاستدلال المردودة لنجتنبها. فجئنا هنا في القاعدة الثانية لنبين ما هي مصادر الاستدلال المقبولة عند أهل السنة والجماعة؟ وما هي مصادر الاستدلال المرفوضة المردودة عند أهل السنة والجماعة؟

نبدأ بالقسم الأول للأشرف، وهي مصادر الاستدلال المقبولة عند أهل السنة والجماعة. ما هي مصادر التلقي المقبولة عند أهل السنة والجماعة؟ بدأنا بالمقبول لأنه أشرف. هنا نبدأ بالدليل الأول وهو الهداية الفطرية، هذا أول دليل مقبول عند أهل السنة والجماعة. ماذا نقصد بالهداية الفطرية؟ اعلموا أحبتي أن الهداية الفطرية أمر محقق في الكائنات الحية جميعها وليس في الإنسان فقط. فما من كائن خلقه الله إلا وأودعه هداية فطرية تعينه على تصريف شؤون حياته؛ فالطيور تدرك أين تبني أعشاشها لتحفظ أولادها، هذه هداية فطرية. الوحوش في الغابات تعرف كيف تحمي نفسها وكيف تطعم جائعها، هذه هداية فطرية بفطرتها. النحل، العناكب، غيرها من الكائنات، كل يقيم حياته الخاصة وفق هداية فطرية خلقت فيه، الهدف منها إصلاح شؤون حياته.

وكذلك الإنسان، خلقه الله سبحانه وتعالى بهداية فطرية يصلح بها شؤون حياته ويحافظ بها على نسله، توجه الإنسان نحو التناكح مثلاً، هذه هداية فطرية غرزها الله سبحانه وتعالى في فطرنا، لها مقاصد شريفة عالية في الحفاظ على النوع الإنساني. إذاً الإنسان له عناية فطرية أيضاً أودعها الله سبحانه وتعالى فيه. وانتبهوا الآن ماذا سأقول: وإذا كانت العناية الإلهية أحاطت الإنسان بل وجميع الكائنات في صلاح معاشها في الدنيا، فهل يعقل أن تغيب هذه العناية الإلهية عن المقصد الأهم في هذا الكون والذي من أجله خلق الإنسان، وهو توحيد الله وعبوديته؟ إذا كان الله سبحانه وتعالى أحاطك بعناية في شؤون حياتك، فهل يعقل أن يهملك الله سبحانه وتعالى من العناية في شؤون آخرتك وفي المقصد الأهم الذي وجدت من أجله ووجد من أجله هذا الكون، وهو توحيده سبحانه وتعالى؟ لا يمكن ذلك.

هذا يدل أحبتي على أنه كما أن هناك هداية فطرية تقودك إلى معرفة شؤون الدنيا، هناك هداية فطرية تستدل بها وتقودك إلى خالقك ومعبودك الحق، وهذا معنى أن الهداية الفطرية من الأدلة المقبولة عند أهل السنة والجماعة. أخبرنا ربنا سبحانه وتعالى أنه خلق الإنسان على فطرة التوحيد الخالص. هذه الفطرة تدلك على وجود الإله وتدلك على توحيده وانتفاء الشرك عنه؛ خلق الإنسان على فطرة التوحيد الخالص التي تقوده إلى إفراد الرب الحق والتوجه إليه، كما قال تعالى في سورة الروم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30].

وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». فالفطرة الإنسانية النقية تدرك وجود الإله الحق وتدرك ما يستحقه هذا الإله من التوحيد وتتوجه إليه، لو تركت هذه الفطرة من دون مؤثر خارجي يحرفها ويعكر صفوها. الفطرة الإنسانية تهديك وتقودك إلى الإله الحق وإلى توحيده، لكن بشرط أن تتجرد من المؤثرات الخارجية، أما إذا جاءت المؤثرات الخارجية فهل يمكن أن ينحرف الإنسان عن التوحيد؟ نعم. وهذا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». هذه هي المؤثرات الخارجية، الأب والأم؛ فما بالك بالمؤثرات الأخرى اليوم من الإعلام وغيرها؟ كلها مؤثرات خارجية تحرف الفطرة عما نشأت عليه من التوحيد الخالص لله عز وجل.

بل اسمعوا هذه، دلالة الفطرة على وجود الله وعلى ما يستحقه هذا الإله من التوحيد أقوى وأشد من دلالة الأقيسة العقلية المتعمقة التي يأتي بها المتكلمون ليثبتوا وجود خالق لهذا الكون. دلالة الفطرة الإنسانية النقية على وجود الله أرسخ وأعمق من دلالة الأدلة العقلية المتعمقة التي يأتي بها الكلاميون للاستدلال على وجود الله. تصوروا لهذا كثير من علماء الكلام قبل وفاتهم تمنوا أن يموتوا على عقائد عجائز نيسابور. لماذا برأيكم هذا المتكلم العتيد العنيد الذي قضى العمر وهو يؤصل لوجود الله سبحانه ولوحدانيته بأدلة عقلية متعمقة متكلفة، لماذا في آخر عمره تمنى أن يموت على عقيدة عجائز نيسابور؟ لأن عقيدة العجائز عقيدة مبنية على دلالة الفطرة النقية، استدلت على الله سبحانه وتعالى بالفطرة النقية ولم تدخل في وساوس الأدلة العقلية المتعمقة، فكانت عقائدهم أرسخ من عقائد المتكلمين.

بل الغزالي كما سأنقل لكم، نص على أن عقائد العوام قد تكون أرسخ بكثير من عقائد علماء الكلام؛ لأن عقائد العوام بنيت على الدليل الفطري على الهداية الفطرية. وكثير من علماء الكلام للأسف أقحموا أنفسهم في أدلة عقلية متكلفة؛ مقدمات والاستدلال على المقدمات ومناقشة هذه المقدمات وما يرد عليها، فيقع في النهاية في وسوسة وفي شك وحيرة من أمره، ولو بقي على هدايته الفطرية لكانت عقيدته عقيدة الجبال، عقيدة راسخة كالجبال لا تتبدل، فانتبهوا إلى قضية الهداية الفطرية وأنها أرسخ في الحقيقة من الأدلة العقلية المتعمقة المتكلفة. لكن المشكلة هي كيف نبقي هذه الفطرة على نقائها من دون مؤثرات خارجية؟ هذه هي الصعوبة. عجائز نيسابور ما كان عندهم لا تلفزيون ولا شيء يزعجهم، ونشأوا على فطرهم السليمة، امرأة ختيارة تذكر الله سبحانه وتعالى تسبح وتصلي وتذكر في حالها وفي بالها، لا يشغلها أحد، فبقيت على نقاء الفطرة، لكن اليوم مع زخم وسائل الإعلام والفتن وإثارة الشبهات، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

لكن قبل أن أنتقل إلى الدليل الثاني المقبول عند أهل السنة والجماعة، أحب أن أنبه على قضية، وهي أن الهداية الفطرية وإن قلنا إنها دليل من الأدلة المقبولة عند أهل السنة والجماعة، لكنها لا تدل على تفاصيل مسائل الاعتقاد. نحن نستدل بها على الكليات الكبرى، على وجود الإله، على توحيد الإله سبحانه وتعالى، وعلى تفرده بالربوبية والألوهية، لكن لا نستطيع التوصل من خلال هذا الدليل إلى تفاصيل مسائل الاعتقاد، فالتفاصيل تؤخذ من أدلة أخرى. لذلك كما قلنا: الخطوة الثانية من خطوات التأصيل العقدي هي تعيين الدليل الذي ستعتمد عليه في بناء المسألة، لأنه كون الدليل مقبولاً في الجملة عند أهل السنة لا يعني أنه هو الدليل الصحيح على هذه المسألة المعينة. فاعلموا أن الهداية الفطرية وإن كانت دليلاً مقبولاً، لكن محل الاستدلال بها في الكليات الكبرى؛ الاستدلال على وجود الإله ووحدانيته ونفي الشرك عنه، لكن لا يمكن أن تستخدمها في بيان تفاصيل مسائل الاعتقاد.

انتهينا من الدليل الأول الهداية الفطرية. ننتقل إلى الدليل الثاني؛ الدليل الثاني المقبول عند أهل السنة والجماعة أحبتي هو النصوص الشرعية في الكتاب والسنة. من مصادر الاعتقاد الأساسية عند أهل السنة والجماعة الوحي الإلهي، صوره الكتاب والسنة، فمن مصادر الاعتقاد الأساسية عند أهل السنة والجماعة الوحي الإلهي الثابت في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وبهذا القيد. لماذا من مصادر الاستدلال العقدي الوحي الإلهي؟ ألا نستدل ونكتفي بدلالة الفطرة والعقل؟ لا يمكن أن تكتفي بذلك، لأن علم الاعتقاد يتعلق أساساً ويتحدث أساساً عن الله بأسمائه وصفاته وأفعاله وما يتفرع عن ذلك، ولا أحد أعلم بالله سبحانه وتعالى منه بنفسه؛ هل أنت تعرف عن الله سبحانه وتعالى أكثر مما يعلم هو عن نفسه سبحانه؟ حاشا وكلا، ما أحد يعلم عن الله كما يعلم هو عن نفسه، فبالتالي وجب على كل مؤمن موحد أن يتلقى أخباره سبحانه وتعالى عن نفسه، وما أخبرنا به عن ذاته الشريفة من الأسماء الحسنى والصفات العلى ومن الأفعال، كيف نتلقى هذه الأخبار؟ بالتسليم والتصديق والقبول من دون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.

هذه المصطلحات الأربع: التحريف، التعطيل، التكييف، التمثيل؛ سأبينها بإذن الله بالتفصيل في مجالس قادمة. لكن اليوم خذوها وسجلوها؛ المؤمن الموحد يتلقى أخبار الله سبحانه وتعالى التي أخبر بها عن نفسه في القرآن وفي السنة بالتسليم والقبول والانقياد، ولا ينازعها بتحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وليحذر المؤمن من محادة هذه النصوص بعقله وصرفها بهواه عن معانيها التي تدركها العرب منها. أحذر من هذا المسلك، من أن تحاد وتعاند النصوص الإلهية بعقلك وتخوض فيها بهواك وتحرفها عن معانيها التي تدركها العرب منها. إذاً هذا هو المصدر الثاني المقبول عند علماء أهل السنة والجماعة بالاستدلال: الوحي الإلهي بفرعيه الكتاب والسنة الصحيحة المطهرة. ولماذا نعتمد على هذا المصدر؟ لأن علم الاعتقاد يتحدث عن الله وعن أسمائه وصفاته وما يتفرع عن ذلك، ولا أحد أعلم بالله من نفسه، فبالتالي المنطق العقلي أصلاً يقول: ينبغي أن أتلقى الأخبار عنه منه، فلابد قطعاً من الاعتماد على الوحي الإلهي.

وهنا أنبه على قضية تتعلق بدليل السنة بالتحديد، قضية أنبه عليها تتعلق بالسنة بالتحديد؛ السنة الصحيحة أحبتي حجة مطلقاً في باب الاعتقاد عند علماء أهل السنة والجماعة، متواترها وآحادها من دون تفريق بينهما خلافاً لأهل البدع الكلامية. لماذا نص على هذا؟ السنة أحبتي كلها حجة في باب الاعتقاد سواء أحاديث متواترة أو أحاديث الآحاد، خلافاً لأهل البدع الكلامية الذين يردون أخبار الآحاد في باب الاعتقاد بحجة أنها تفيد الظن، وبعضهم يقبل الآحاد في أبواب تسمى أبواب السمعيات، وسأبين إن شاء الله ما يتكلم عنه اليوم من أخبار عذاب القبر وتفاصيل هذه الأمور، يسميها علماء الكلام بالسمعيات، فبعض الفرق الكلامية تقبل أخبار الآحاد في باب السمعيات وبعض الأبواب وترفضها في أبواب أخرى.

هناك صنف آخر يقبل أخبار الآحاد في أبواب معينة من علم الاعتقاد ويرفضها في أبواب أخرى بحجة أنها أدلة ظنية، وبعضهم يقبل الآحاد في باب السمعيات ونحوها ويردها في أبواب الصفات وأصول الاعتقاد. وهذه المذاهب كلها مردودة وكل هذه المذاهب مذاهب رديئة، مخالفة لما كان عليه نهج محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم، خوضوا هذا الاستدلال الذي أبين فيه أنه يجب الاعتماد على أخبار الآحاد كما يجب الاعتماد على الأخبار المتواترة ولا يجوز التفريق بينهما. ما هو دليلك يا شيخ؟ خذ هذا الدليل.

ألم يرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى أهل اليمن يدعوهم إلى التوحيد، وهو رجل واحد فقط؟ وقال: «يا معاذ، إنك تأتي قوما أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله». معاذ رجل واحد أحد، أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى بلد بأكمله ليبين لهم التوحيد وتفاصيل هذا التوحيد.

وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يرسل الأفراد برسائل إلى ملوك الأرض، إلى كسرى وقيصر وملوك مصر وغيرها. كانوا أفرادا أخذوا رسائل وأوصلوها، وأقام النبي صلى الله عليه وسلم الحجة على هؤلاء القياصرة والدهاقنة والرؤساء من خلال أفراد. ألم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يرسل الواحد والاثنين من الصحابة إلى القبائل والأعراب التي كانت تسكن حول المدينة فيعرفهم بحقائق التوحيد ومسائل التوحيد؟

كانوا أفرادا، وهذا كله يدل -كل هذه القصص دلالتها قطعية متواترة- على صحة الاستدلال بأخبار الآحاد في مسائل الاعتقاد. ولو كانت أخبار الآحاد غير مقبولة في مسائل الاعتقاد لما صلح من النبي صلى الله عليه وسلم أن يرسل آحاد الصحابة إلى المدن والقرى والأمصار ليدلوا الناس على توحيد الله سبحانه، ويخبرونهم بما يستحقه الله عز وجل من هذا التوحيد. فإرساله النبي صلى الله عليه وسلم للأفراد والآحاد ليقيموا الحجة على الخلق دليل على أن أخبار الآحاد مقبولة في مسائل الاعتقاد، وأن التفريق بين المتواتر والآحاد في باب الاعتقاد من صنع أهل البدع من الفرق الكلامية، وليس من أصول أهل السنة والجماعة.

بل في الحقيقة أحبتي، أنا لا أريد أن أطيل البحث في هذه الجزئية، لكن سريعا أبين لكم أن تقسيم الحديث إلى متواتر وآحاد -وإن كنا نقبله بمعنى صحيح ونرفضه بالمعنى الكلامي- لكن أصل هذه القسمة بهذه الطريقة متواتر وآحاد أتى بها علماء الكلام وأبرزوها وأكثروا من ذكرها في كتبهم ومصنفاتهم. لأنهم ماذا فعلوا؟ قالوا: الأحاديث النبوية متواترة وآحاد. ولما فسروا المتواتر، علماء الكلام لما فسروا ما معنى التواتر في الحديث؟ فسروه بالتواتر بالمعنى الأرسطي، التواتر المنطقي بالمعنى الأرسطي.

والتواتر المنطقي بالمعنى الأرسطي لا تكاد تظفر به في حديث أو حديثين من أحاديث محمد صلى الله عليه وسلم، وكل الأحاديث على طريقة التواتر المنطقي الأرسطي ستكون آحاد. التواتر المنطقي الأرسطي لا تكاد تظفر به في الأحاديث النبوية، فهم ماذا فعلوا ابتداءً؟ انظروا كيف الخطوات: قالوا الأحاديث تنقسم إلى متواتر وآحاد. طب ما هو التواتر؟ فسروه بالمعنى المنطقي الأرسطي. ولعلي أقدم لكم بحثا في هذه الفكرة في أن تقسيم الأحاديث متواتر وآحاد هو تفسير التواتر بالمعنى المنطقي الأرسطي، إشكالية كبيرة فكرية في التاريخ العقدي، وقد كتبت في ذلك بحثا.

فكما قلت لكم: قالوا الأحاديث متواتر وآحاد. ما هو التواتر بالمعنى المنطقي الأرسطي؟ وعلى المنطق الأرسطي لن يوجد متواتر في الأحاديث النبوية إلا بضعة أحاديث لا تتجاوز أصابع اليد، وستكون كل الأحاديث الأخرى من أبواب الآحاد. طيب، أبواب الآحاد مقبولة في الاعتقاد؟ لا، هكذا قالوا. طب ما هو المقبول؟ المتواتر. طب كم متواتر عندنا؟ أربعة وخمسة أحاديث. طب إذا باختصار ما في أحاديث متواترة نستطيع الاعتماد عليها في باب الاعتقاد. طب إذا في ماذا سنعتمد في الاعتقاد؟ قالوا: إذا بما أنه ما في أحاديث يعتمد عليها في الاعتقاد إذا فلنعد إلى عقولنا. هذه القصة باختصار، عليكم أن تنتبهوا لما يثار أحبتي.

هل أنت يا شيخ ضد تقسيم الأحاديث لمتواتر وآحاد؟ لا، في الحقيقة أنا أقسم الأحاديث إلى متواتر وآحاد لكنني أمنح التواتر مفهوما صحيحا واسعا، ولا أضيقه بالتواتر بالمعنى الأرسطي المنطقي. هذا واحد. ثانيا: مع تقسيم الحديث إلى متواتر وآحاد فإنني أقبل المتواتر والآحاد في أبواب الاعتقاد ولا أفرق بينهما، عرفتم؟ فلا يعني أنني إذا رفضت طريقة المتكلمين في تنحية الآحاد عن أبواب الاعتقاد أني أرفض كل تقسيم الأحاديث إلى متواتر وآحاد. لأن بعض الناس عندهم دائما ردة فعل معاكسة أيضا، يقول: بما أن تقسيم الحديث إلى متواتر وآحاد اشتهر عند علماء الكلام إذا فلنلغ هذا التقسيم.

لا، في الحقيقة قطعا هناك أحاديث نقلت بطرق متعددة كثيرة، وهناك أحاديث نقلت بنقل الواحد عن الواحد، لا تستطيع أن تنكر هذا. انظروا في كتب الصحائف والسنن تجدون هذا النوع موجود، لكن ما هو الحديث الذي يسمى متواترا؟ وما هو الحديث الذي يسمى آحادا؟ هذا نحتاج إلى إعادة تحريره. ثانيا: هل كون الحديث آحاد يعني أن لا يرد في مسائل الاعتقاد؟ هذا الذي نرفضه. فأصل التقسيم لا نأبه، ما عندنا مشكلة في تقسيم الحديث لمتواتر وآحاد، لكن عندنا مشكلة في أولا: ما هو معنى التواتر؟ وما هو معنى الآحاد؟ والمشكلة هو أننا وإن قسمنا الأحاديث لمتواتر وآحاد فإننا لا نرد الأحاديث في أبواب الاعتقاد، بل نقبل جميع الأحاديث. كما أننا نقبل المتواتر والآحاد في أبواب الفقه، فإننا نقبل المتواتر والآحاد في أبواب الاعتقاد. باختصار.

طيب، لكن هنا أنبه على قضية، في النهاية دائما أحب التوازن في الطرح لتكون الصورة كاملة. ينبغي مراعاة أمر معين في قضية التفاوت بين المتواتر والآحاد، هذا الأمر المعين هو الخطوة الثالثة من خطوات التأصيل العقدي التي ذكرتها قبل قليل. ايش كانت الخطوة الثالثة من خطوات التأصيل العقدي؟ أيوا يا شيخ، الخطوة الثالثة من خطوات التأصيل العقدي ما هي؟ نعم؟ لا، وجه الاستدلال أنا ذكرته ضمن الخطوة الثانية. الخطوة الثالثة كانت بيان حجم الدليل من حيث القطعية والظنية، لنعرف حجم المسألة العقدية، أليس كذلك؟

تقسيم الحديث إلى متواتر وآحاد يمكن أن يوظف في هذه الجزئية، أنه حديث المتواتر بالمعنى الصحيح الشرعي هو بالتأكيد أقوى وأكثر قطعية من حديث الآحاد. بالتالي لو كانت عندي مسألة عقدية ثبتت بحديث متواتر، ومسألة عقدية ثبتت بأحاديث آحاد، أيهما أقوى؟ نحن قلنا سنقبل كلا المسألتين لأننا لا نفرق بين المتواتر والآحاد، لكن من ناحية علمية عقلية، أي المسألتين أعلى؟ مسألة ثبتت بحديث متواتر، وإلا مسألة ثبتت بحديث آحاد؟ أكيد المسألة التي ثبتت بالتواتر أقوى من المسألة التي ثبتت بالآحاد. فتقسيم الأحاديث النبوية لما تواتر وآحاد قد نوظفه في هذه الجزئية، في بيان حجم المسألة العقدية.

هذا التوظيف صحيح، أنه مسألة عقدية تضافرت عليها الأدلة الشرعية وتواترت في الدلالة عليها، هذه مسألة عقدية كبرى، لكن مسألة عقدية لم تثبت إلا بخبر آحاد واحد، هي مسألة صحيحة يجب اعتقادها، لكنها في حجمها وفي تعاملنا معها ليست كالمسألة التي ثبتت بالتواتر وتضافرت الأدلة في الدلالة عليها، أليس هذا هو المنطق؟ تمام. إذن هكذا انتهيت أنا من الكلام تقريبا عن الدليل الثاني من أدلة الاستدلال المقبولة عند أهل السنة والجماعة، وهو الوحي الإلهي: الكتاب والسنة. ولي عودة إلى هذا المصدر بعد فترة إن شاء الله، لكن أريد الآن أن أنهي الأدلة المقبولة.

الدليل الثالث المقبول عند أهل السنة والجماعة من مصادر الاستدلال، قالوا: إجماع الصحابة والتابعين، أو ما كان مشتهرا بينهم ولم يعلم له مخالف معتبر، وكلمة معتبر مهمة. من مصادر الاستدلال المقبولة عند أهل السنة والجماعة ما أجمع عليه الصحابة والتابعون، أو ما كان مشتهرا عندهم في مسائل الاعتقاد ولم يعرف لهم مخالف معتبر، فهذا دليل من أدلة الاعتقاد الصحيح. تمام.

تقول: من مصادر الاعتقاد المهمة عند أهل السنة والجماعة معرفة الأقوال والآثار الواردة عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين أهل القرون المفضلة الذين ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم وأثنى عليهم في بيان مسائل الاعتقاد. هذا مصدر؛ آثار الصحابة وآثار التابعين وتابعيهم القرون الثلاثة المفضلة، أقوالهم مصدر من مصادر الاعتقاد نستدل بها على مسائل الاعتقاد. طيب يا شيخ، هل هم معصومون؟ الصحابة معصومون؟ هل التابعون معصومون؟ نحن قلنا انتبهوا على هذه القضية، ما هو الدليل الثالث؟ لم نقل قول واحد من الصحابة، نحن قلنا إجماع الصحابة وإجماع التابعين أو ما كان مشتهرا بين الصحابة والتابعين في مسائل الاعتقاد ولم يكن لهم مخالف معتبر في ذلك.

فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال في الحديث: «خير القرون خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، هذه تزكية منه صلى الله عليه وسلم لمنهج هذه القرون المفضلة، ولما يكون عليه حالها في باب الاعتقاد. يعني إذا لم تكن الخيرية في باب الاعتقاد فبماذا ستكون؟ أليس كذلك؟ فهذه تزكية منه صلى الله عليه وسلم لهذه القرون في أبواب الاعتقاد، وأنها في الجملة في الجملة تسير على معتقد صحيح بإذن الله. فلأن النبي صلى الله عليه وسلم زكاهم وأثنى على اعتقادهم، عرفنا أن اعتقادهم في الجملة يسير على المنهج المرتضى الذي يرضي الرب سبحانه وتعالى.

فإن أهل السنة مطبقون على خيرية تلك القرون وصلاحها وسلامة معتقدها. والسبب في ذلك أولا: ثناء النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، هذا واحد. ثانيا: لاتصال هذه القرون وقربها من عهد النبوة وظهور معالم الشريعة واجتماع الكلمة في الجملة سوى ما شذ من القليل النادر. هذه القرون قريبة من عهد النبوة، بالتالي أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، همسات النبي عليه الصلاة والسلام، منهج النبي صلى الله عليه وسلم في الاعتقاد بالتأكيد كان واضحا جليا عند الصحابة خصوصا، ثم بعد ذلك عند التابعين الذين أخذوا من الصحابة، والخلاف الذي وقع في عصر الصحابة وفي عصر التابعين كان خلاف محدود جدا، وكان هناك اتفاق عام على مسائل الاعتقاد.

فما كان شائعا بين الصحابة والتابعين من الأقوال في مسائل الاعتقاد فهو بالتأكيد طريق السنة، ما كان شائعا مشهورا مستفيضا بين الصحابة والتابعين في مسائل الاعتقاد هو بالتأكيد طريق السنة التي يجب اتباعها ولا يجوز معارضته بأقوال المتأخرين من العلماء مهما بلغ المتأخرون من الذكاء والحصافة. ولا نكرر قول أرباب البدع الذين يقولون: إن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم، هذه مقولة بدعية اشتهرت عند علماء الكلام. ايش يقولون؟ يقولون: إن طريقة السلف أسلم، من يريد السلامة فليتبع طريقة السلف، وطريقة الخلف أحكم، يعني أدق من الناحية العلمية. هذه مقولة خطيرة، أن تقول إن طريقة السلف هي طريقة السلامة لكن طريقة الخلف هي طريقة الدقة والإحكام والإتقان، هذا فيه أولا قدح بمنهج الصحابة والسلف في الاستدلال، هذا واحد، وثاني شيء سأبين بعد قليل.

إذن ولا نكرر قول أرباب البدع حين قالوا: إن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم، مدعين بهذا الكلام أن طريقة الخلف -ماذا يقصدون بطريقة الخلف؟ طريقة الخلف هم الذين خاضوا في علم الكلام- مدعين بذلك أن طريقة الخلف ممن خاض في علم الكلام ووقف على دقائقه أحكم في باب الاعتقاد وأكثر دقة. هذا كلام خطير جدا، أن يدعي الإنسان أن طريقة علماء الكلام أدق وأحكم من طريقة السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم. طبعا لو أنت لو ناقشت هؤلاء ماذا سيقول لك؟ سيقول لك: علماء السلف كانوا يدركون هذه المسائل الكلامية التي نتكلم بها لكنهم سكتوا عنها طلبا للسلامة، يعني هذا أفضلهم حالا يعلل بهذه الطريقة. لكن علينا أن نحذر من هذا الكلام، فإن طريقة السلف هي الأحكم، وهي الأسلم، هي الأحكام والأدق وهي الأسلم.

بل طريقة الصحابة والتابعين هي الأحكم والأسلم عند علماء أهل السنة والجماعة. وما نشأ بعدهم من اختلاف إنما نشأ ممن هجر نهج الصحابة وسلك غير مسلكهم من أرباب الطرق الكلامية، فضلوا عن الجادة الصحيحة. إذا من مصادر الاستدلال عند أهل السنة ما كان عليه الصحابة والتابعون، فنحن نعتقد أن طريقة الصحابة وطريقة التابعين هي طريقة السنة، وهي الطريق الأحكم والأسلم، ولا نكرر قول أرباب البدع الكلامية من أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أدق وأحكم، ويقصدون بطريقة الخلف طريقة الخوض في علم الكلام والأقيسة المنطقية. أبدا، بل والله طريقة السلف أسلم وطريقة السلف أحكم.

لذا أحبتي الناظر في كتب علماء أهل السنة والجماعة في أبواب الاعتقاد يجد فرقا واضحا بينها وبين كتب علماء الكلام في علم الاعتقاد. أنت عد وانظر في كتاب لعلماء أهل السنة والجماعة في أبواب الاعتقاد، وأمسك كتاب آخر لعلماء الكلام في باب الاعتقاد وقارن، لا تأخذ قولي مسلما، اذهب بنفسك وقارن. قارن بين كتاب كتبه أحد علماء أهل السنة والجماعة وانظر في طريقته في الاستدلال على مسائل الاعتقاد، وخذ كتابا لأرباب الكلام وانظر في طريقته في الاستدلال لأبواب الاعتقاد. علماء أهل السنة والجماعة حينما يكتبون كتب الاعتقاد ويستدلون فيها يهتمون بماذا؟

يحرص علماء أهل السنة والجماعة، وهذا واضح في كل كتبهم، يحرص علماء أهل السنة والجماعة الذين كتبوا في علم الاعتقاد على بيان أن ما يقررونه من مسائل الاعتقاد إنما تلقوه بسند متصل من أشياخهم إلى السلف الصالح، هذا ديدنهم ليدللوا بذلك على أنهم أهل اتباع ووقوف حيث وقف السلف. ما معنى هذا الكلام؟ لو أخذت أي كتاب من كتب علم الاعتقاد عند علماء أهل السنة ستجد هذا العالم يحرص أن يبين أن المسائل العقدية التي يقررها إنما تلقاها من أشياخه بالسند المتصل إلى السلف الصالح، وليست من هواه أو من إبداعه العقلي أو اجتهاده المعرفي. يحرصون على بيان هذا الأمر، وأنهم إنما تلقوا هذه المسائل بالاتباع والسنة ولم يتلقوها بالعقول وبالأقيسة المنطقية. أعطيك أمثلة على ذلك، خذ أمثلة على ذلك الإمام البربهاري من علماء أهل السنة والجماعة، توفي ثلاثمائة وتسعة وعشرين، يقول في كتابه شرح السنة -له كتاب اسمه شرح السنة ماذا يقول فيه؟ ولاحظوا طبعا هذه ملاحظة كتب علماء أهل السنة والجماعة في باب الاعتقاد أغلبها يسمى كتاب شرح السنة.

كثير من هذه الكتب تسمى شرح السنة وكتاب السنة. لماذا سميت بالسنة؟ لأن السنة تعني الاتباع، فهم يسمون كتبهم كتاب السنة؛ لأنهم يريدون أن يبينوا أنهم أهل اتباع وليسوا أهل ابتداع.

انظر في هذا المثال الأول: الإمام البربهاري، المتوفى سنة ثلاثمئة وتسع وعشرين هجرية، يقول في شرح السنة بعد أن سرد معتقد أهل السنة والجماعة، انظروا ماذا يقول: قال: وجميع ما وصفت لك في هذا الكتاب -يعني جميع المسائل التي وضعتها في هذا الكتاب في أبواب الاعتقاد- فهو عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه وعن التابعين والقرن الثالث إلى القرن الرابع. انظر يبين الأصول التي اعتمد عليها في مسائل الاعتقاد، هذا هو التأصيل العقدي؛ أن يبين ما هي الأصول الاستدلالية التي أسس عليها المسائل العقدية في كتابه. قال: تلقيتها عن الله -يقصد القرآن- وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم -يقصد السنة- وعن الصحابة والتابعين، وعن علماء القرن الثالث والرابع؛ لأن هذه القرون سلم اعتقادها من الابتداع في الجملة.

انظر مثالاً آخر: الإمام المزني الشافعي، رحمة الله عليه، المتوفى سنة مئتين وأربع وستين هجرية، يقول في كتابه شرح السنة أيضاً: هذه مقالات وأفعال اجتمع عليها الماضون الأولون من أئمة الهدى، وبتوفيق الله اعتصم بها التابعون قدوةً ورضا. لاحظ أنه يريد أن يبين أن الأقوال التي يقررها اجتمع عليها الماضون الأولون من السلف الصالح.

المثال الثالث: ابن أبي حاتم، إمام كبير من علماء الحديث، توفي سنة ثلاثمئة وسبع وعشرين هجرية. يقول في العقيدة المشهورة بعقيدة الرازيين: سألت أبي أبا حاتم وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين وما أدرك عليه العلماء في جميع الأمصار. لاحظ عن ماذا سألهم؟ ليس عن رأيهم واجتهادهم، بل سألتهم عما أدرك عليه العلماء في جميع الأمصار، وهؤلاء طبعاً أبو زرعة وأبو حاتم من علماء السلف. فابن أبي حاتم يسأل والده: ما هي مسائل الاعتقاد التي تلقيتها من أشياخك؟ يعني من السلف الصالح. وما يعتقدان في ذلك؟ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار؛ حجازاً وعراقاً ومصراً وشاماً ويمنياً، فكان من مذهبهم كذا وكذا. ثم سردا اعتقاد أهل السنة الذي أدركوا عليه السلف. انظر، واضحة القضية؛ أنهم يستدلون في مسائل الاعتقاد بما كان معروفاً مستفيضاً عند الصحابة والتابعين، هذا مصدرهم في الاستدلال بعد الكتاب والسنة والهداية الفطرية.

الشاهد الرابع: قال الصابوني، الإمام الصابوني، المتوفى سنة أربعمئة وتسع وأربعين هجرية، في كتابه عقيدة أهل الحديث: سألني إخواني في الدين أن أجمع لهم فصولاً في أصول الدين التي استمسك بها الذين مضوا من أئمة الدين وعلماء المسلمين، وهدوا ودعوا الناس إليها في كل حين. ومضى بعد ذلك في بيان مسائل الاعتقاد عند علماء أهل السنة والجماعة. فلاحظ، هذا هو المنهج العام عند علماء أهل السنة في مصنفاتهم؛ أن يبينوا أن الأقوال والمسائل العقدية التي يقررونها إنما أخذوها بالاتباع والسنة. قل أن تجد عندهم عقيدة متعمقة متكلفة عقلياً، وإذا أتوا بالأدلة العقلية يأتون بها واضحة جلية على الطريقة التي سنبينها بعد قليل، وأما جل الكلام في السنة فإنما هو اتباع وتلقٍ من السلف الصالح.

وانظر كذلك في شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي، وانظر في ذم الكلام للإمام الهروي، وانظر في اعتقاد أئمة هذا الحديث لأبي بكر الإسماعيلي. كل هذه الكتب وغيرها من المصنفات التي دونت في القرن الثالث والرابع والخامس الهجري لنصرة عقيدة الصحابة والتابعين وبيان ما كانوا عليه في أصول الدين، هي للدفاع عن هذه العقيدة من عقائد أهل البدع. والناظر في الهيئة التي كتبت بها هذه العقائد يجد اختلافاً شاسعاً بينها وبين كتب الاعتقاد التي سطرها المتكلمون؛ فكتب علماء أهل السنة تتميز بالنقل عن الصحابة والتابعين وسرد الأسانيد المتصلة. انظر في الالكائي بالسند المتصل بينه وبين أئمة السلف، ما في نقل مجتزأ، ما في شيء بالهوى، ما في شيء متكلف؛ نقل متصل عن الصحابة، عن سفيان، وعن التابعين، عن سعيد بن المسيب، عن ابن شهاب الزهري، عن أحمد بن حنبل، عن الشافعي، عن سفيان الثوري، عن سفيان بن عيينة، عن أئمة أهل السنة من علماء الحديث.

فلو نظرت في كتب علماء أهل السنة تجد ميزتها الظاهرة هي النقل عن الصحابة والتابعين. وأما كتب أهل الكلام فتجدها مهتمة بالأحكام العقلية، انظر في الخريدة البهية للدردير رحمة الله عليه، بدأها في بيان ما هي الأحكام العقلية، ما هو الواجب العقلي، وما هو المستحيل العقلي، وما هو الممكن العقلي؟ ويقول: نحن نحتاج إلى الأحكام العقلية ندخل من خلالها في علم الاعتقاد. انظر الفرق الهائل في التأصيل العقدي؛ شخص يبدأ كلامه في مسائل الاعتقاد ببيان الأحكام العقلية وتعريفاتها، وشخص يبدأ كلامه في الاعتقاد بالرجوع إلى كلام السلف الصالح.

وأما كتب أهل الكلام فتجدها مهتمة بالأحكام العقلية وتفصيلها والدخول في دهاليزها. ثم العامي ماذا يفعل إذا أراد أن يتأصل في مسائل الاعتقاد؟ هل ينبغي أن يعرف ما هو الواجب العقلي وما هو المستحيل العقلي؟ هكذا تأصل عقيدة السلف الصالح في قلوب العوام؟ وأما كتب أهل الكلام فتجدها تكاد تخلو من إشارة إلى أن مسلكهم هو مسلك الصحابة والتابعين، أو أنهم تلقوه عنهم، إلا على سبيل الاستحياء. لو نظرت في كتب علماء الكلام، هل تجدهم يقولون: مسلكنا في باب الاعتقاد وطريقتنا في الاستدلال تسير على طريق الصحابة والتابعين؟ لا يذكرون ذلك إلا على سبيل استحياء وإشارة مجملة موهمة. لماذا لا يذكرون ذلك برأيك؟ لأنهم يدركون أنهم حين يطالبون بالدليل على أن طريقتهم في الاستدلال هي طريقة السلف، لن يظفروا إلا بمجملات ومتشابهات.

لو قلت لعلماء الكلام: ائتونا بدليل واضح على أن منهجكم في الاستدلال على مسائل الاعتقاد هو منهج السلف الصالح، لم يجدوا دليلاً إلا مجملات ومتشابهات؛ لذلك يعدلون إلى مقولتهم المشهورة التي هي: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أحكم. فهم يقرون في النهاية أن السلف لم يستخدموا أقيستهم المتعمقة المتكلفة؛ هم يدركون ذلك، لكنهم حتى يهربوا من هذا المأزق يقولون: طريقة السلف أسلم، كانوا يطلبون السلامة، وطريقة الخلف أحكم. ليبرروا طرائقهم في الاعتقاد، وأنها وإن لم تكن هذه الطرائق موروثة عن السلف، فالسلف كانوا على علم بها لكنهم سكتوا عنها وغضوا الطرف عن الحديث فيها طلباً للسلامة.

انظر كيف يؤصلون لك هذه الأفكار؛ أن السلف الصالح يعرفون هذا الكلام الذي نتكلم به في مصنفاتنا، لكنهم لماذا سكتوا عنه؟ طلباً للسلامة وإبعاداً للناس عن الخوض في هذه الأمور. وأما نحن فنحتاج إلى أن نخوض في هذه الأدلة المتكلفة وأن نتعمق فيها لظهور أهل البدع والمخالفين لنا، ونحتاج إلى سرد هذا. وفي الحقيقة إنما هو التلقي من المنابع الأخرى. ألم نقل في المحاضرة السابقة إن الذين قبلوا عن الرسل انقسموا إلى فرقتين؟ فرقة تبعت الرسل في كل ما أتت به عن ربها وأذعنت وسلمت بالإطلاق، وهم أهل السنة، وفرقة أخرى قبلت ما جاءت به الرسل في الجملة لكنها شربت من منابع أخرى، نعم، الفرق الكلامية شربت من منابع أخرى وأصبح في اعتقادها دخن وفيه كدر من منابع الفلاسفة والإغريق وغيرهم من أصحاب الملل الذين ترجمت كتبهم ومصنفاتهم إلى الدولة الإسلامية في عهد المأمون، ثم بعد ذلك بدأت الفتن تحرق وتلعب في هذه الأمة.

سؤال خطير ومهم ودقيق لمن ينتسب إلى أهل السنة والجماعة: متى نقول عن قول معين أو عن مسألة عقدية معينة إنها مذهب السلف، وما خالفه فهو بدعة خارجة عن طرائقهم؟ لماذا هذا سؤال خطير؟ لأن بعض المستعجلين من طلبة العلم، للأسف ممن ينتسبون إلى أهل السنة، يستعجلون في الحكم على قول معين بأنه مذهب السلف. أي مسألة ذكرت عن رجل أو عن رجلين من السلف مباشرة يجعلونها مذهباً عاماً للسلف ويدعون الناس إليها ويبدعون مخالفها، وهذا قضية خطيرة.

هناك طريقان لنحكم على قول معين بأنه مذهب السلف في الجملة: الطريق الأول، إذا كان هذا القول مشهوراً مستفيضاً عن السلف الصالح، فإننا نعد هذا القول مذهباً لهم؛ إذن الشهرة والاستفاضة هذا الضابط الأول. فمتى كان القول مشهوراً مستفيضاً عند السلف على مسألة معينة، يعني قولاً صريحاً مشهوراً مستفيضاً عنهم، فإننا نقول: إذاً هذه المسألة، بما أنها مشهورة مستفيضة على هذا القول الصريح، فهذا يدل على أنه مذهبهم، ومن خالفه فهو مبتدع. كمثل مسألة القول بأن القرآن غير مخلوق، هذه الجملة: القرآن غير مخلوق بل هو كلام الله، جملة نقلت صراحة عن السلف بالاستفاضة والشهرة، ولا يعرف لعلماء السلف مخالف إلا من أهل البدع من المعتزلة وغيرهم. هل القرآن كلام الله غير مخلوق؟ نعم هذا مذهب السلف؛ لأن هذه المسألة نقلت نقلاً مستفيضاً مشهوراً. إذاً هذه الطريقة الأولى في الحكم على قول معين بأنه مذهب السلف.

الطريقة الثانية، أن يحكي من هو معروف بالتحقيق في العلم عن قول معين بأنه إجماع السلف، أو مستفيض عن السلف، كمثل محمد بن نصر المروزي ممن عرف بالتحقيق في العلم، كذلك ابن عبد البر واللالكائي وغيرهم من العلماء الثقات المعروفين بالتحقيق. إذا وجدنا عالماً ثقة قال عن قول معين إن إجماع السلف كان عليه، فإننا نعتبر هذا القول مذهب السلف.

ما الفرق بين الطريقة الثانية والطريقة الأولى؟ في الطريقة الأولى نحن وجدنا أقوال السلف بين أيدينا متواترة ومستفيضة مشهورة، لم نحتج إلى نقل إمام معين للإجماع عليها، بل هي موجودة بين أيدينا وصلت إلينا؛ فهي مستفيضة واستفاضتها ظاهرة لدينا. في الطريقة الثانية نحن لم نجد أقوالاً مستفيضة بين أيدينا، لكن وجدنا أحد العلماء المحققين من أهل العلم نقل إجماع السلف على هذا القول أو استفاضة هذا القول عند السلف؛ فحينئذ أيضاً نتبعه؛ لأنه عالم محقق معلوم عند أهل العلم بالتحقيق في فهم أقوال السلف والرجوع إليها.

ومن هنا يعرف أحبتي أن ما يسلكه بعض المستعجلين من طلبة العلم على قول نقل عن رجل أو رجلين من علماء السلف ولم يشهر ولم يكن مستفيضاً عند علماء السلف، ولم ينقل الإجماع عليه من العلماء المحققين، فيأتي هذا الطالب على هذا القول المعروف عن رجل أو رجلين فيجعله مذهباً للسلف ويبدأ يبدع، هذا ليس منهجاً صحيحاً. فإياك أن تستعجل في الحكم على مسألة عقدية بأنها مذهب السلف بالعموم، الأمر ليس بالسهل. هذا الخطأ الأول، أن تأتي إلى قول عرف عن رجل أو رجلين فقط من السلف فتجعله مذهباً عاماً للسلف وتنافه عنه، هذا مسلك خطأ.

المسلك الخطأ الثاني، بعض المنتسبين إلى السنة يقوم بتفهم كلام السلف ثم يجعل فهمه حجة يبدع به المخالف. ما معنى هذا الكلام يا شيخ؟ بعض طلبة العلم أيضاً يستعجل بصورة أخرى؛ يأتي إلى كلام للسلف مجمل، محتمل، حمال وجوه، فيفهم هو منه فهماً معيناً، فيعتبر فهمه حجة يجب على الناس أن تتبعها ويبدع المخالف له في هذا الفهم. فهمتم هذا المسلك الخاطئ الثاني؟ أن يأتي الإنسان إلى كلام للسلف مجمل -كلام ليس صريحاً- فهذا الطالب يفهم من هذا الكلام فهماً فيعتبر فهمه هو حجة على الناس يجب أن تتبعها ويعتبر مخالفه مبتدعاً، وهذا منهج خاطئ أيضاً. ففهمك ليس حجة على الناس، جزاك الله خيراً على اجتهادك، فهمك واجتهادك ملزم لك لكنه ليس ملزماً لغيرك. انتبه، فهم يجعلون فهمهم حجة يبدعون به المخالف، فهذا أيضاً مسلك خاطئ ولا يصح اعتماده في اعتبار عقائد السلف الصالح؛ لأن هذا المسلك يعتمد على الفهم، فهمك أنت واستنباطك أنت، وليس على النقل الواضح الصريح عن علماء السلف.

فأنت فهمت فهماً معيناً لكلام السابقين ولم نجد هذا الفهم الذي فهمته مصرحاً به عنهم. لو كان هذا الفهم هو صريح كلام السابقين، لنقلنا عنهم بالاستفاضة، وخلص عدنا إلى الطريقة الأولى؛ أن هذا القول الذي اعتقدته أنت هو قول منقول نقلاً صريحاً مستفيضاً مشهوراً. لكن كلامنا في كلام مجمل للسلف يمكن أن يفهم على أكثر من وجه؛ جاء شخص فهمه بطريقة معينة، فنقول: هذا فهمك، ويمكن لشخص آخر أن يفهم هذا الكلام بطريقة أخرى؛ فإياك أن تجعل فهمك حجة على الناس ملزماً لهم.

هكذا نكون انتهينا من تأصيل المصدر الثالث من مصادر الاستدلال عند أهل السنة والجماعة. بقي عليه المصدر الرابع والأخير وهو الذي سأختم به محاضرة اليوم. تجاوزنا الساعة، صح؟ ساعة ونصف، والطلاب سيعقدون علينا؛ فقط أختم بالمصدر الرابع والأخير. المصدر الرابع والأخير: الأدلة العقلية الصريحة. هل الأدلة العقلية الصريحة مصدر من مصادر الاستدلال عند أهل السنة؟ نعم، الأدلة العقلية الصريحة، وكلمة الصريحة قيد؛ لأني سأفرق.

من الأدلة العقلية المتعمقة والأدلة العقلية الصريحة؛ فالأدلة العقلية الصريحة الواضحة من مصادر الاستدلال ومصادر بناء الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة. ركزوا يا أحبتي في قضية، وهذا أمر مهم عندي: أنني الآن أتكلم عن مصادر ماذا؟ بناء المسائل العقدية. بناء المسألة العقدية عند أهل السنة والجماعة، كيف تبنى الآن في مناقشات الملحدين وأصحاب الشكوك واللاوجوديين وغير ذلك من أصنافهم. لو دخلت في تعميق الأدلة العقلية ما عندي مشكلة، لكنك أنت الآن في مقام الدفاع عن العقائد وليس في مقام بناء العقائد، وعليكم أن تفرقوا بين مقامين: مقام بناء المسألة العقدية عندك وعند المسلمين والاستدلال عليها، ومقام الدفاع عن المسائل العقدية في مواجهة الملحدين.

نحن هذه الأدلة التي نقول إنها مصادر الاستدلال عند أهل السنة والجماعة هي مصادر التأصيل العقدي، يعني البناء العقدي لمسائل الاعتقاد عندنا تمام. فهذه الأدلة المقبولة لدينا، لكن في مقام الردود والدفاع والنقاش مع الملحدين قد يتساهل في بعض الأدلة العقلية المتعمقة ويتسامح بها للحاجة إليها في ذاك الموطن، لكن لا آتي بهذه الأدلة المتعمقة وأجعلها أصلاً في بناء المسائل العقدية. ففرقوا بين مقام البناء العقدي ومقام الدفاع العقدي. واضح؟ أنا أتكلم الآن في الأدلة التي يعتمد عليها في ماذا؟ في البناء العقدي وليس في الدفاع العقدي.

الرابع والأخير: الأدلة العقلية الصريحة. الأدلة العقلية الواضحة الجلية أحبتي التي يشترك جل الناس في فهمها وإدراكها، يتفق العقلاء عليها دون الحاجة إلى تعمق الفلاسفة من الأدلة المعتبرة عند أهل السنة والجماعة على مسائل الاعتقاد. ما معنى الأدلة العقلية الواضحة؟ أنا الآن أبين لكم: هي الأدلة العقلية التي يشترك جل الناس في فهمها وإدراكها، يتفق العقلاء عليها دون الحاجة إلى تعمق الفلاسفة. هذا معنى أن الأدلة العقلية الصريحة من مصادر الاستدلال عند أهل السنة. هذا النوع من الأدلة نعم مقبول عندنا في البناء العقدي؛ أدلة يشترك جل الناس -لا أقول كل الناس، أكيد في ناس ضعاف العقول جداً جداً أو الصبيان أو من لا شغل له بالعقول ابتداء، هذا دعوه- أنا أقول الأدلة العقلية التي يشترك جل الناس ويتفق العقلاء على فهمها نعم هي من الأدلة ومن مصادر الاستدلال المقبولة عند علماء أهل السنة والجماعة.

هذا النوع من الأدلة هو الذي اهتم القرآن الكريم بإيراده والاحتجاج به، أليس كذلك؟ كمثلاً كالاستدلال بالخلق المتقن على وجود الخالق؛ هذا دليل عقلي واضح يشترك العقلاء في فهمه. كذلك من الأدلة القرآنية العقلية الاستدلال على وحدانية الله بما يلزم من تعدد الآلهة فيها من فساد نظام هذا الكون، صح؟ ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]. دليل عقلي، لكنه دليل عقلي واضح جلي لا يحتاج إلى تعمقات تمام؟ إذاً كالاستدلال أيضاً على وحدانيته بما يلزم من تعدد الآلهة من فساد لنظام الكون وغير ذلك من الأدلة العقلية الجلية التي لا تحتاج إلى تعمق.

فإن قال قائل أحبتي: إن الاستدلال العقلي قد يخطئ، أليس العقل يمكن أن يخطئ كما أنه يمكن أن يصيب؟ فكيف تعتبرون الأدلة العقلية مصدراً من مصادر الاستدلال العقدي وتبنون عليها المسائل العقدية؟ فنقول أحبتي: الأدلة العقلية العادية وإن كانت نعم قد تخطئ في بعض المطالب لكنها لا تخطئ في إدراك القضايا الأساسية للاعتقاد. الأدلة العقلية الواضحة لا تخطئ في إدراك المسائل الأساسية في أبواب الاعتقاد. لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى منح هذه العقول القدرة على إدراك هذه المسائل الأساسية، وأيد العقول بالآيات الظاهرة في الآفاق وفي الأنفس على وجه مانع للخطأ تماماً لمن نظر بعقله متجرداً عن الهوى والعناد. فاحفظوا هذه القاعدة: الدليل العقلي لا يخطئ في أساس الاعتقاد؛ لأن الله منح العقول القدرة على الاستدلال عليه من خلال تأييدها بالأدلة الظاهرة المستفيضة في الآفاق وفي أنفسنا على وجه قاطع للخطأ تماماً، لكن بشرط أن ينظر الإنسان بماذا؟ بالعقل مريداً الحق بعيداً عن الهوى والعناد.

ومما ينبغي التنبيه عليه أيضاً أحبتي أن الأدلة العقلية إنما تستقل في دلالتها على ماذا؟ يعني الدليل العقلي على ماذا يمكن أن أعتمد عليه أساساً واستقلالاً؟ يمكن الاعتماد عليه في مسائل الربوبية، أي إثبات وجود الرب لهذا الكون، نعم العقل يستطيع باستقلاله أن يعرف وجود الرب، وأستطيع أن أستخدم العقل استقلالاً في إثبات صدق النبي عليه الصلاة والسلام. نعم، لكن العقل لا يستقل بعد ذلك بتأسيس عقيدة تفصيلية. بعد أن يستدل العقل على وجود الرب ويستدل على ثبوت النبوة لا يستطيع بعد ذلك أن ينشئ عقيدة تأسيسية تفصيلية، وإنما العقائد التفصيلية تؤخذ من الوحي من الكتاب والسنة، ووظيفة العقل أن يتفهم وأن يتعقل ما ورد في الكتاب والسنة مع الإذعان والتسليم والانقياد لها.

ويتفهمها لكنه يذعن ويسلم لها، من دون اعتراض على هذه الأدلة والله بحجة عدم إدراك العقل لها، أو والله إن العقل يحكم بالامتناع العقلي، فالعقل يحكم بالامتناع على ظاهر هذا النص فيجب أن أؤول وأن أحذف هذا النص. إذ لا يوجد، انتبهوا، لا يوجد نص صحيح صريح في الكتاب والسنة يخالف صريح العقول، ما في. وإنما التعارض الذي ينشئه المتكلمون بين ظواهر النصوص وبين عقولهم نشأ في أوهام الفلاسفة والمتكلمين ومن تبعهم الذين ادعوا ممتنعات عقلية؛ جاءوا على أمور قالوا هذه ممتنعات عقلية وجاءت ظواهر النصوص على هذه الممتنعات العقلية، فقالوا: هل يجوز أن يكون ظاهر النص ممتنعاً عقلاً؟ لا يمكن، فعلينا إذاً أن نؤول النص وأن نحرف النص.

فأتوا إلى أمور معينة جعلوها ممتنعات عقلية، وإن كانت في الحقيقة ليست ممتنعات عقلية وإنما هي أوهام عقلية هم توهموها وجعلوها ممتنعات. فإياكم أن تظنوا أن الإنسان إذا حكم على شيء بأنه يمتنع عقلاً معناه فعلاً كلامه صحيح أنه ممتنع عقلاً، لا؛ انتظر، من قال لك إن هذا الأمر ممتنع عقلاً؟ أنت بتصورك وتوهمك. بل في الحقيقة أحبتي من نظر في تاريخ الأمم عبر تاريخ البشرية تجد مثلاً قوماً يقولون هذا الأمر ممتنع عقلاً -السمنية قالوا بعثة الأنبياء ممتنعة عقلاً ورد عليهم أهل الكلام- طيب لو كان كل إنسان سيزعم أن هذا الأمر ممتنع عقلاً وبالتالي نتبعه في ذلك، سنرد كل النصوص. فلان يرى أن هذا الأمر ممتنع عقلاً وهذا النص إذاً بالتالي جاء على الممتنع فيجب أن يؤول، وفلان يرى أن هذا الأمر ممتنع عقلاً بالتالي إذاً يجب أن يؤول النص. فما هي الممتنعات العقلية؟ وما هي الأوهام العقلية؟ هذا هو الذي ينبغي علينا أن نفرق بينهما.

العقل كما قلنا، إن خلاصة الكلام -لا نشتت الكلام- العقل يستقل بإدراك وجود رب، يستطيع أن يستقل بإثبات صدق النبي عليه الصلاة والسلام، لكن بعد ذلك لا يستقل بتأسيس عقيدة تفصيلية، وإنما محله التلقي من الوحي من الكتاب والسنة. ويكون وظيفة العقل حينئذ أن يتفهم ويتعقل ما ورد في الكتاب والسنة مع الإذعان والتسليم لها، ولا يحق للعقل أن يعاند وأن يحاد نصوص الكتاب والسنة وأن ينشئ بوهمه ممتنعات عقلية يجعلها في مقابل النصوص الشرعية ليحرف النصوص الشرعية عن دلالتها الظاهرة إلى ما يهواه ويعتقده؛ فهذه انتبهوا عليها.

إذاً باختصار هذه مصادر الاستدلال المقبولة عند أهل السنة والجماعة التي يجب أن يكون البحث من خلالها فقط: الهداية الفطرية، الوحي بالكتاب والسنة، ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين -وعرفنا ضابط ما عليه السلف الصالح- والأدلة العقلية الصريحة. هذه الأدلة هي التي يعتمد عليها في ماذا في البناء العقدي عند أهل السنة والجماعة. أكرر كلمة البناء العقدي، تهمني هذه الأدلة هي التي ينبغي أن يعتمد عليها في البناء العقدي؛ أن تبني العقيدة عند المسلمين، عند الموافقين لك، تبنيها من خلال هذه الأدلة، لا نحتاج إلى أكثر من ذلك. وأما عملية الدفاع العقلي وما يتسامح فيها من التعمق في بعض الأدلة العقلية فهذا أمر آخر، دعوه على جنب، ندرسه إن شاء الله في المحاضرة القادمة. لكن في البناء العقدي عند المسلمين نبني عقائدنا وعقائد العوام من خلال هذه الأدلة فقط، ولسنا محتاجين إلى التعمقات ولا إلى التكلفات ولا إلى التحريفات ولا إلى الهوى، نحتاج أن نكون متبعين لا مبتدعين.

لا أطيل عليكم أكثر من ذلك، في المحاضرة القادمة بإذن الله نقف على مصادر الاستدلال المرفوضة عند علماء أهل السنة وما وجه رفضها، وهل يمكن توظيف هذه الوسائل المرفوضة في أماكن معينة تصبح بها مقبولة؟ هذه سنتكلم عنه إن شاء الله في المحاضرة القادمة، وننطلق إلى قواعد عقدية أخرى عند أهل السنة والجماعة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.