بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب لمعة الاعتقاد للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي، ولكننا لم نشرع بعد في التعليق على هذا الكتاب، وما زلنا نسير في التأصيل والتقعيد لقواعد الاستدلال ومنهج أهل السنة والجماعة في باب العقائد.
وفي المحاضرة السابقة أحبتي تحدثنا عن القاعدة الأولى من قواعد أهل السنة والجماعة. القاعدة الأولى كانت تتكلم عن أهمية التأصيل العقدي في بناء العقائد الصحيحة، وعرفنا ما معنى التأصيل العقدي؟ قلنا: التأصيل العقدي هو أن تبنى المسألة العقدية بناء محكماً يسير على منهجي الصحيح في الاستدلال ويقوم على قانونه المعتمد، ثم بينا أهمية التأصيل العقدي وعرفنا أن العقائد لا تأخذ صحتها وقوتها من كثرة معتقديها، ولا من قدرة صاحبها الجدل وإيراد الحيل العقلية في الدفاع عنها، وإنما تأخذ صحتها من التأصيل العقدي الصحيح ومن تماسكها المنهجي العلمي الفكري.
وبينا خطوات التأصيل العقدي. وبينا ما هي الخطوات الصحيحة للتأصيل العقدي؟ فقلنا: الخطوة الأولى من خطوات التأصيل العقدي معرفة ما هي الأدلة المقبولة عند أهل السنة والجماعة في الاستدلال تعتمد وليعض عليها الإنسان بالنواجذ، وما هي الأدلة المردودة لتجتنب.
الخطوة الثانية: أن تبحث عن الدليل الذي ستستدل به على المسألة المعينة، وأن تعرف وجه دلالته على تلك المسألة، وهذا قلنا يتطلب استقراء جيدا للأدلة المقبولة، ويتطلب مكنة في علوم الآلة.
ثم انتقلنا إلى الخطوة الثالثة، وهي بعد أن عرفنا الدليل الذي سنعتمد عليه في بناء هذه المسألة المعينة، وعرفنا وجه الدلالة، علينا أن نعرف حجم هذا الدليل من حيث القطع والظن؛ لأن معرفة هذه الجزئية تعيننا على معرفة حجم المسألة العقدية: هل هي مسألة عقدية مقطوع بها، أم مسألة عقدية مظنونة؟ وهنا أحبتي سأقف وقفة قصيرة؛ لأن بعض الطلبة سألني بعد المحاضرة: يا شيخ، هل فعلا هناك مسائل عقدية ظنية؟ هل هناك مسائل عقدية ظنية؟ بعض الطلبة يظن أن كل المسائل العقدية قطعية، وفي الحقيقة هذا الإطلاق ليس صحيحا، فهناك مسائل عقدية قطعية، وهناك مسائل عقدية ظنية. لكنني سأفسر أكثر وأكثر.
فأقول أحبتي: أصول مسائل الاعتقاد، الكليات الكبرى، الحقائق الكبرى في مسائل الاعتقاد ثبتت بالقطع قولا واحدا وعضدتها أدلة متضافرة. فمسألة وجود الله، ومسألة إثبات النبوة، ومسألة القضاء والقدر عموما، ومسألة إثبات الأسماء والصفات عموما، ومسألة اليوم الآخر عموما؛ هذه الكليات الكبرى ثبتت بأدلة قطعية.
لكن فروع مسائل الاعتقاد، ها، فروع مسائل الاعتقاد بعضها ثبت بدليل قطعي وبعضها ثبت بأدلة ظنية. طيب أعطنا يا شيخ مثالا على فرع ثبت بدليل ظني؟ مثال: الآن نحن قلنا من أصول مسائل الاعتقاد التي ثبتت بالأدلة القطعية أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالصفات العلا والأسماء الحسنى، وأن أهل السنة والجماعة يثبتون ما أثبت الله لنفسه من الصفات ولا يردونها بعقولهم وأهوائهم. هذا الأصل الكلي ثبت بأدلة قطعية.
لكن الفروع التي تندرج تحت هذا الأصل، يعني الصفات، آآ يعني الصفات بعينها الصفات بعينها، هل كل صفة ثبتت بدليل قطعي؟ هذا السؤال: هل كل صفة نثبتها لله ثبتت بدليل قطعي؟ هناك صفات نثبتها لله ثبتت بأدلة قطعية، وهناك بعض الصفات، ها، وهناك بعض الصفات ثبتت، لكن ثبوتها إما بدليل ظني من حيث الثبوت، أو هو ثابت قطعا لكنه ظني من حيث الدلالة على هذه الصفة، تمام؟
بعض الصفات وقع في إثباتها نزاع بين علماء أهل السنة والجماعة، والسبب في النزاع في إثبات هذه الصفة بعينها أن هل النص الوارد، أو التي وردت فيه هذه الصفة، هل فعلا ورد لإثبات هذه الصفة لله سبحانه وتعالى؟ أم هذا النص سياقه لابد أن يؤول، أو أن المقصود فيه شكل من أشكال المجاز؟ طبعا هذه القضية عليكم أن تنتبهوا أن تترووا ولا تستعجلوا في الحكم عليها، إن شاء الله من خلال القواعد أكثر وأكثر ستتضح.
فهناك بعض الصفات، أقول بعض الصفات وهي محدودة، وقع خلاف بين أهل السنة والجماعة: هل هي ثابتة لله أم ليست ثابتة لله؟ بناء على طبيعة النص التي وردت فيه من حيث هل هو نص قطعي من حيث الثبوت؟ هذا واحد. وإن قلنا إنه قطعي من حيث الثبوت، هل هو قطعي في دلالته على إثبات هذه الصفة المعينة؟ مما جعل بعض الصفات المعينة هي محل نزاع بين أهل السنة والجماعة، فمن أثبتها منهم أثبتها بدليل ظني، سواء ظني من حيث الثبوت أو ظني من حيث الدلالة، ومن لم يثبتها فانه رأى أن هذا النص مثلا لا يدل دلالة واضحة على إثبات هذه الصفة، وهناك مجال لفهم هذا النص بطريقة أخرى.
وهذا لا يخرجه عن دائرة أهل السنة والجماعة؛ لانه في النهاية هذه المسألة فرعية ظنية، يمكن أن تتقبل النقاش والاجتهاد والأخذ والرد كما يقولون. ومن هنا أنبه بعض الطلبة؛ لأني في الحقيقة تعاملت مع كثير من طلبة العلم وتناقشنا كثيرا في بعض هذه المسائل، بعض الطلبة آآ عنده نوع من الإغلاق في هذه القضايا، يظن أن فروع المسائل العقائدية أيضا يجب أن تكون كلها قطعية، فبالتالي يسارع في تبديع المخالف له في مسألة حجمها في ميزان الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة أنها مسألة ظنية قد تقبل النقاش وليست مسألة قطعية، يبدع المخالف فيها ويخرج من دائرة أهل السنة والجماعة، فالهدوء والاتزان مطلوب، ومعرفة حجم الدليل من حيث ثبوته ومن حيث دلالته.
أن هناك سؤالا آخر وردني أيضا تذكرت الآن، وهو: يا شيخ، أخبار الآحاد ألا تفيد القطع أيضا في دلالتها؟ بينت في دورات سابقة في شرحنا على قواعد الأصول وفي شرحنا على وجهة النظر أن ما عليه الأكثر أن أخبار الآحاد هي في الأصل ظنية الثبوت، ولكنها قد تحف بقرائن توصلها إلى درجة القطع في الثبوت، وأتكلم الآن عن الثبوت، أعيد مرة أخرى لمن سأل عن هذه القضية: أخبار الآحاد هل هي ظنية أم قطعية الثبوت؟ سمعت حديث خبر آحاد، هل أحكم عليه بأنه قطعي الثبوت أم ظني الثبوت؟
نقول: ما عليه الأكثر من أهل العلم أن حديث الآحاد إذا تجرد عن القرائن فهو ظني الثبوت، لكن قد يحف بقرائن توصله إلى درجة القطع في الثبوت، تمام؟ فإذا أخبار الآحاد منها ما هو ظني ومنها ما هو قطعي وليست كلها قطعية من حيث الثبوت.
هذه القضية الأولى. القضية الثانية التي غفل عنها بعض الإخوة أنه حتى لو قلنا إن خبر الآحاد قطعي الثبوت، لكن بقي علينا أن نبحث في دلالته على المسألة، إياكم أن تخفوا بين هذه الجزئية، فقد نحكم على خبر الآحاد بأنه قطعي الثبوت، هناك قرائن دلت على قطعيته، لكن دلالته على هذه المسألة العقدية الفرعية دلالة ظنية، بل حتى الأدلة المتواترة بل حتى دلالة النص القرآني كون النص قطعي من حيث الثبوت لا يعني أنه قطعي من حيث الدلالة.
وهنا يخطئ بعض الطلبة، يظن أن النص إذا كان قطعي الثبوت معناه المسألة العقدية ثبتت قطعا، هذا خطأ علمي في التفكير. كون النص قطعي من حيث الثبوت لا يستلزم قطعية المسألة العقدية؛ لأنه بقي علينا أن نبحث في الجزئية الأخرى وهي قطعية الدلالة، فحينما نحكم على مسألة عقدية بأنها قطعية لابد أن يجتمع في الدليل أنه قطعي الثبوت وقطعي الدلالة، فإذا اختل أحد الركنين فإن المسألة العقدية تنزل إلى مرتبة الظن، هذه أمور ومعلومات مهمة لطالب العلم في سيره المنهجي في باب العقائد.
وضحت ولا أعيدها؟ طيب، أعيدها مرة أخرى: المسألة العقدية حتى نحكم عليها بأنها مسألة عقدية قطعية يجب أن يكون الدليل قطعي من حيث الثبوت قطعي من حيث الدلالة، وكون الدليل قطعي من حيث الثبوت فقط لا يستلزم أن المسألة العقدية قطعية، حتى نقف هل الدلالة في هذا الدليل على المسألة أيضا دلالة قطعية ولا لا؟ حتى لا نخلط بين الأمور. فلو سلمنا وقلنا: لو سلمت وقلت إن أخبار الآحاد قطعية الثبوت، هذا لا يعني أن مسائل الاعتقاد التي ثبتت بأخبار الآحاد قطعية؛ لأنها قد تكون هذا الخبر الآحادي لقطعي الثبوت دل على هذه المسألة العقدية دلالة ظنية، فتبقى هذه المسألة العقدية الفرعية مسألة عقدية فرعية ظنية.
ولكن حتى لو كانت ظنية، نحن نتبع الظن، ومن الذي قال إن مسائل الاعتقاد بأصولها وفروعها يجب أن تكون كلها قطعية؟ هل هناك دليل على أن جميع مسائل الاعتقاد التي نتعبد الله بها ونعقد القلب عليها يجب أن تكون جميعها بأصولها وفروعها قطعية؟ لا يوجد الدليل على ذلك، فنحن متعبدون بالظن ومتعبدون بالقطع، فلو كانت للمسألة العقدية الفرعية، وأنا أركز لكلمة فرعية حتى يرسخ في ذهنك أن أصول مسائل الاعتقاد ليست ظنية أبدا، أي مسألة أصلية في مسائل الاعتقاد تكون الأدلة متضافرة عليها، وهذا بالاستقراء التام لمسائل الاعتقاد، لكن كلامنا عن مسائل الاعتقاد الفرعية نعم بعضها ثبت بأدلة ظنية، ولكن ثبوته بدليل ظني لا يعني أنها لا تعتقد ولا يجوز اتباعها بل تعتقد ويجب اتباعها ويجب أن نعقد القلب عليها وإن كانت في مرتبة الظن.
وكونها في مرتبة الظن يجعلني أعذر المخالف لي في هذه المسألة إذا لم يعتقد كاعتقادي؛ لأني أدرك أن هذه المسألة عندي ثبتت بدليل ظني لم ننتقل إلى درجة القطع، فبالتالي أقبل من المخالف النزاع فيها، تمام؟ فإذا هذه كانت الخطوة الثالثة من خطوات التأصيل العقدي، وهي خطوة مهمة جدا جدا لطالبي علم العقيدة؛ لأن كثيرا من الأخطاء المعاصرة نبعت من هذه الفكرة: عدم إدراك حجم الدليل والدلالة على المسألة العقدية، هل هو دليل قطعي، أي من حيث الثبوت قطعي من حيث الدلالة أم لا؟ فننتبه على هذه الخطوة الثالثة في عملية التأصيل العقدي.
الخطوة الرابعة والأخيرة كانت النظر في دليل المخالف، والنظر في دليل المخالف قلنا يجب أن يستوفى تماما، وأن تنظر في دليله كما تنظر في دليلك، ولا يجوز أن تنظر في دليلك بتفصيل وتدقيق ثم تمر على أدلة المخالف مرور الكرام، هذا بعيد عن الإنصاف في البحث العلمي. هذه الخطوات إذن الأربع التي قلنا هي خطوات التأصيل العقدي.
ثم بعد أن انتهينا من القاعدة الأولى التي تتكلم عن أهمية التأصيل العقدي في بناء العقائد الصحيحة، انتقلنا إلى القاعدة الثانية، وهي: ما هي مصادر الاستدلال المقبولة عند أهل السنة والجماعة؟ وما هي مصادر الاستدلال المردودة عند أهل السنة والجماعة؟ هذه القاعدة الثانية التي انطلقنا في بحثها في المحاضرة السابقة، مصادر الاستدلال المقبولة والمردودة.
لماذا انطلقنا إلى هذه القاعدة؟ لأن أول خطوة من خطوات التأصيل العقدي التي تكلمت فيها، ما هي أول خطوة من خطوات التأصيل العقدي؟ ألم نقل الخطوة الأولى: معرفة مصادر الاستدلال المقبولة لتعتمد، والمصادر الاستدلالية المردودة لتجتنب؟ هذه أول خطوة من خطوات التأصيل العقدي. فبالتالي هنا يطرح على ذهن الطالب سؤال: ما هي مصادر الاستدلال المقبولة حتى أعتمدها؟ وما هي مصادر الاستدلال المرذولة حتى أدعها؟ فانتقلنا في القاعدة الثانية لبحث هذه القضية: ما هي مصادر الاستدلال المقبولة لنتبعها؟ وما هي مصادر الاستدلال المردودة لننجتنبها؟
وبدأنا بمصادر الاستدلال المقبولة عند أهل السنة والجماعة؛ لأنها أشرف من المردودة، فبينا أن مصادر الاستدلال المقبولة أربعة في الجملة: أولا الهداية الفطرية، ثانيا الأدلة العقلية الواضحة التي لا تكلف فيها، وهذان الدليلان الهداية الفطرية والأدلة العقلية الواضحة قلنا إنهما أو يستدل بهما على كليات المسائل العقدية، وليس من مقدرتهما تفصيل المسائل العقدية.
الهداية الفطرية يستدل بها على كليات مسائل الاعتقاد على وجود الله ووحدانيته، وكذلك الأدلة العقلية الواضحة يستدل بها على كليات مسائل الاعتقاد، ولا يستطيع هذان الدليلان تفصيل مسائل الاعتقاد أو تأسيس مسألة عقدية تفصيلية. طب مسائل الاعتقاد التفصيلية من أين نأخذها يا شيخ؟ آآ من الدليلين الآخرين: من نصوص الكتاب والسنة، ومن إجماع الصحابة والسلف الصالح أو ما كان مشهورا مستفيضا بينهم من دون مخالف معتبر.
فهذه هي الأدلة الأربعة: الهداية الفطرية، الأدلة العقلية الواضحة، نصوص الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة والسلف الصالح أو ما كان مشتهرا بينهم من دون مخالف معتبر. الدليل الأول والثاني نستدل بهما على كليات المسائل العقائدية فقط ولا نقحمهما في تفاصيل مسائل الاعتقاد. تفاصيل مسائل الاعتقاد تؤخذ من الدليلين الآخرين: من نصوص الكتاب والسنة ومن إجماع الصحابة والسلف الصالح أو ما كان مشهورا بينهم.
فهذه الأدلة المقبولة عند أهل السنة والجماعة وفصلنا في كل دليل منها تفصيلا أظن أنه كان واضحا بإذن الله.
اليوم أحبتي نبدأ في محاضرة اليوم في الأدلة المردودة عند أهل السنة والجماعة، ما هي مناهج الاستدلال المردودة عند أهل السنة والجماعة في البناء العقدي؟ فنبدأ مستعينين بالله، بسم الله نقول: مصادر الاستدلال المردودة في البناء العقدي، وأنا أركز هنا على كلمة البناء العقدي وسأبين لماذا، المهم المصادر المردودة في البناء العقدي، أي في التأصيل العقدي، والتي أحدثتها الفرق المباينة لطريقة أهل السنة والجماعة لا يعتمد عليها في تأصيل العقائد وتثبيتها حتى ولو أدت إلى نتائج صحيحة في ظاهر الأمر. واضحة هذه الجملة ولا أعيدها؟
مصادر الاستدلال المردودة المبتدعة سمها كما تشاء، المصادر المردودة في البناء العقدي والتي أحدثتها وانتجتها الفرق المباينة لطريقة أهل السنة والجماعة لا يعتمد عليها في تأصيل العقائد وتثبيتها وبنائها في قلوب المسلمين حتى ولو أدت إلى نتائج صحيحة. إذن ركزوا جيدا، أنا أتكلم الآن عن المصادر.
المرفوضة في البناء العقدي، وليس المصادر المرفوضة في الدفاع العقدي. هناك مقامان؛ هناك البناء العقدي أن تبني العقيدة في المسلمين، وهناك مقام الدفاع العقدي حينما تواجه ملحداً بوذياً وثنياً مثلاً.
حينما تواجه هؤلاء أنت الآن في حالة الدفاع العقدي. المصادر، أو أهل العلم -عفوًا، أهل العلم أحبتي خذوا هذه القاعدة واحفظوها- أهل العلم يتساهلون في مقام الدفاع العقدي في إيراد الدلائل، ويتوسعون فيها ما لا يتوسعون في البناء العقدي.
في حال أنك في مقام الدفاع عن العقيدة ولست تبني العقيدة، أنت الآن إذا كنت في مقام الدفاع عن العقيدة في هذا المقام، العلماء يتساهلون في إيراد الأدلة ويتسامحون فيها، ويتوسعون في إيرادها ما لا يتسامحون في مقام بناء العقائد عند المسلمين. إذن مقام الدفاع العقدي قد يتسامح فيه بإيراد بعض الأدلة التي هي أساساً غير مقبولة عند أهل السنة والجماعة، لكن لأنك في مقام الدفاع العقدي قد يتسامح معك في إيرادها.
طب يا شيخ هل عندك دليل على هذه الفكرة، أن علماء الاعتقاد يتسامحون في إيراد الأدلة ويتوسعون في إيراد الأدلة في باب الدفاع عن عقائد ما لا يتسامحون ويتساهلون به في باب بناء العقائد؟ نعم، عندي دليل واضح من كلام الغزالي عليه رحمة الله، ومن كلام ابن تيمية ومن تصرفات ابن تيمية ومن كلام غيره. لاحظ، الغزالي وهو من أساطين الكلاميين، ابن تيمية من أساطير علماء اهل السنة والجماعة، كلهم استخدموا هذا الطريق؛ أنهم كانوا يتوسعون في إيراد الأدلة في حال الدفاع عن العقائد أمام المبطلين، ما لا يتسامحون ويتساهلون في مقام بناء العقائد عند المسلمين. لكن هذا سأورده إن شاء الله في محاضرات قادمة، لن أورد نص الغزالي الذي يؤكد هذه القاعدة الآن، فقط أنا اريد أن أنبهك أنني حينما أكلمك عن مصادر الاستدلال في التأصيل العقدي ومصادر الاستدلال المردودة، أنا أتكلم الآن عن المصادر المقبولة أو المردودة في البناء العقدي في التأصيل العقدي، في بناء العقائد عند المسلمين، ولا أتكلم عن حالة الدفاع العقدي.
لماذا يا شيخ تفرق؟ لأن العلماء هم أنفسهم فرقوا، فتوسعوا في باب الدفاع ما لا يتوسعون به في باب البناء، هذه انتبهوا عليها.
طيب، فقلنا إذاً المصادر المردودة في البناء العقدي عند أهل السنة والجماعة، وهذه المصادر من الذي أحدثها؟ قلنا الفرق المباينة لطريقة أهل السنة، هذه المصادر لا يصح الاعتماد عليها في بناء العقائد وتثبيتها عند المسلمين حتى ولو أدت إلى نتائج صحيحة، حتى ولو أدت إلى نتائج صحيحة في ظاهر الأمر.
لماذا يا شيخ؟ لماذا لا نقبل هذا الدليل الذي أدى إلى نتيجة صحيحة؟ لماذا لا تقبلوه؟ أقول: هذا الدليل البدعي الذي دل على نتيجة صحيحة لا يكون مقبولاً عند أهل السنة والجماعة. نعم، أعيد هذه الفكرة: هذا الدليل البدعي الذي أدى إلى نتيجة صحيحة لا يكون مقبولاً عند أهل السنة والجماعة، لماذا؟ لأن باب الاعتقاد باب حسمته الشريعة في الدلائل كما حسمته في المسائل.
يعني باب الاعتقاد باب حسمته الشريعة، يعني أغلقت وانتهت منه، حسمته الشريعة وأغلقت في الدلائل كما حسمته في المسائل. بدنا توضيح يا شيخ؟ أوضح لك بعبارة أوضح إن شاء الله؛ أي كما أن الشريعة الغراء أتت لتبين مسائل الاعتقاد للمسلمين، بينت لنا أيضاً ما هو المنهج الاستدلالي الذي يجب علينا أن نتبعه في الوصول إلى هذه المسائل العقدية. وضحت الفكرة؟
كما أن الشريعة أتت لتبين مسائل الاعتقاد فإنها بينت أيضاً ما هو المنهج الاستدلالي المقبول الذي يجب عليك أن تتبعه في الوصول إلى هذه المسائل العقدية، وهذا لخطر باب الاعتقاد. لخطر وأهمية باب الاعتقاد، الشريعة لم تقف في بيانها عند حدود بيان المسائل العقدية فقط التي يجب عليك أن تعتقدها، بل تجاوزت ذلك ببيان ما هو المنهج الاستدلالي الذي يجب أن يتبعه المسلم للوصول إلى مسائل الاعتقاد.
فحددت لنا هذه المصادر الأربعة التي ذكرتها لك في المجلس السابق: الهداية الفطرية، الأدلة العقلية الجلية، نصوص الكتاب والسنة، إجماع السلف، تمام؟ لذلك إذا خرج عندنا دليل بدعي جديد لم تدل عليه الشريعة الغراء ولم تعتمده، فإننا لا نقبله حتى ولو أدى إلى نتيجة صحيحة.
واعلموا أن هذه النتيجة الصحيحة، ها، هذه النتيجة الصحيحة لابد أن تكون الأدلة المقبولة عند أهل السنة والجماعة دلت عليها بشكل أوضح وأخصر وأبين من دون شكوك واضطراب. هذه النتيجة الصحيحة التي توصلت إليها أنت بدليل بدعي قطعا جزما بلا ريب، تستطيع الوصول إلى هذه النتيجة من خلال مصادر الاستدلال المقبولة عند أهل السنة والجماعة على وجه أخصر وأوضح من دون اضطراب ولا شك.
وإياك أن تظن أن هذه النتيجة الصحيحة يمكن أن يدل عليها دليل بدعي والأدلة المقبولة لا تدل عليها، لا يمكن، مستحيل. ومن كان عنده مثال فليأتني به أن تكون نتيجة صحيحة يستدل عليها بالطرق البدعية، ولا تكون الأدلة المقبولة عند أهل السنة والجماعة قد دلت عليها، في مسائل الاعتقاد أتكلم، في مسائل الاعتقاد لا يمكن، ومن كان عنده شيء فليأتني به.
طب يا شيخ ما هي الأدلة البدعية؟ ما هو الآن هذا هو السؤال، أنت قلت الأدلة البدعية غير مقبولة في البناء العقدي حتى ولو أدت إلى نتائج صحيحة، لأن باب الاعتقاد باب حسمته الشريعة في الدلائل كما حسمته في المسائل، أي أن الشريعة كما بينت مسائل الاعتقاد بينت ما هي الدلائل التي يجب أن تتبع للوصول إلى مسائل الاعتقاد. الآن نريد منك يا شيخ أن تعطينا ما هي هذه الطرق البدعية.
لكن أقرأ لكم ما كتبته هنا قبل أن أنتقل إلى بيان الطرق البدعية. نقول: لأن باب الاعتقاد باب حسمته الشريعة في الدلائل كما حسمته في المسائل، فكل خوض يخرج عن منهج الاستدلال المقبول ويعدوه، إنما هو خروج عن الجادة وانحراف عن منهج سلف الأمة. وما ضل من ضل من الفرق والطوائف إلا بابتداعهم مسالك منحرفة في الاستدلال.
ما ضل من ضل -انتبهوا الآن على أي فكرة- ما ضلت الفرق ونشأت النحل في داخل الملة المحمدية إلا بابتداع مسالك منحرفة في الاستدلال، زعم أصحابها موصلة إلى المقصود وإلى العقائد الصحيحة، لكنها في الحقيقة ما زادتهم إلا حيرة وجهلاً بربهم، كما يبين ذلك وسنعضده بشهادة أساطين الفرق، وسنعضده بشهادة أساطين الفرق الكلامية الذين خرجوا عن أدلة البلاد المقبولة وانتهجوا مناهج جديدة فاعترفوا بألسنتهم أن هذه الأدلة البدعية الجديدة زادتهم حيرة وضياعاً.
وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». احفظوا هذا الحديث: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، أي مردود باطل لا مكانة له في الشريعة المحمدية.
طيب، نبدأ الآن إذاً بأبرز مناهج الاستدلال البدعية المردودة عند أهل السنة والجماعة. وسامحوني سأطيل ربما في هذا الباب، وخاصة في الباب الأول.
أول منهج استدلالي مردود عند أهل السنة والجماعة في باب العقائد -طبعا الآن بعض الطلبة ايش مشكلتهم في فهم كلامي؟ أنه يأخذ الكلام مجتزأ ولا يفهم الكلام بالصورة الكاملة- أنا أتكلم عن منهج استدلالي مرفوض في بناء العقائد عند أهل السنة والجماعة، كل كلمة مهمة: منهج استدلالي مرفوض في ايش؟ في بناء العقائد، لا أتكلم عن الدفاع عن العقائد. قد يتسامح في إيراد أدلة ليست من الأدلة المعتمدة عند أهل السنة والجماعة، لكن يتسامح في إيرادها في باب الدفاع العقدي.
فأنا أتكلم الآن عن البناء العقدي، يعني عندي شخص مسلم يقول لي يا شيخ أريد أن تبنيني في مسائل الاعتقاد، فأقول: هذا الطريق الذي سأذكره الآن طريق بدعي غير مقبول في بناء مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة. قد يكون هذا الدليل مقبولاً في مسائل العلوم والرياضيات ما عندي مشكلة، قد يكون في مسائل العلوم التجريبية في العلوم اللغوية ما عندي مشكلة، لكن أنا أتكلم عن ماذا؟ عن استعمال هذا الدليل لبناء العقيدة عند المسلمين، هنا يحكم عليه بالرد من هذه الجهة فقط، لكن لا أقول هو أصلاً خطأ في الكل يعني كوسيلة معرفية خاطئة، حتى لا يحمل كلامي على غير مقصوده. وضحت الفكرة؟ تمام.
إذاً ما هو المنهج الاستدلالي المردود في بناء العقائد؟ أولاً: الأدلة العقلية المتعمقة المتكلفة التي تسير على سنن الفلاسفة. هذا واحد، الأدلة -أتمنى من الإخوة يعرضوها- الأدلة العقلية المتعمقة المتكلفة التي تسير على سنن الفلاسفة، فهذه الأدلة العقلية التي فيها تكلف مردودة في بناء المسائل العقدية عند أهل السنة والجماعة.
لقد بعث محمد صلى الله عليه وسلم ابتداء لقوم أميين، العرب كانوا أميين لا دراية لهم لا بالكتابة ولا بالقراءة، فضلا عن الفلسفة ورصف الأقيسة بقوانين الكلاميين. ومع ذلك يعني النبي عليه الصلاة والسلام ربنا عز وجل أرسله ابتداء للعرب الأميين في مكة وفي المدينة ومن حولهم، ومع ذلك أن هؤلاء العرب ما كانوا لا يعرفون لا قراءة ولا كتابة في جلهم، فضلا أن يعرفوا الأدلة القياسية ورصف الكلام على طريقة المتكلمين. ومع ذلك يعني ومع جهل العرب بالأقيسة المنطقية المتفلسفة، ومع ذلك أقام النبي صلى الله عليه وسلم الحجة عليهم وبين لهم السبل وناقشهم بالأدلة العقلية الجلية.
أها، إذاً النبي عليه الصلاة والسلام استخدم أدلة عقلية، لكن ناقشهم بماذا؟ بالأدلة العقلية الجلية التي تتناولها العقول ويدركها العقلاء في فهمها، بعيداً عن التكلف والتشدق، وبعيداً عن الجوهر، والجوهر الفرد، والعرض، والعرض العام، والعرض الخاص، والجسم، والحادث، والهيلولة، وواجب الوجود، وممكن الوجود، والمقولات العشر، وغيرها من العبارات الدارجة في أقيسة الكلاميين المتكلفين. هل النبي عليه الصلاة والسلام تكلم مع كفار قريش بهذا النمط؟ نتحدث عن واجب الوجود وعن الجوهر والجوهر الفرد والعرض العام والخاص والجسم والمركب؟ هل بدأ معهم بهذه الدندنات؟ قال: لا.
ولم يكن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على دراية بهذه المصطلحات، ولم يكونوا على تعامل مع هذه التعمقَات، ومع ذلك كانوا أصح إيماناً وأثبت اعتقاداً من الكلاميين وأصحاب الحجج الفلسفية، وسطّر هذا الجيل الرائع من الصحابة ومن التابعين أروع الصور في نشر الدين والدفاع عن ثوابته، وكانوا أئمة يقتدى بهم. ولهذا نبهنا نبينا صلى الله عليه وسلم على فضلهم وامرنا بلزوم غرسهم والعض على نهجهم رضوان الله تعالى عليهم. هذا الكلام واضح، أليس كذلك؟
فإذاً، النبي عليه الصلاة والسلام لما دعا العرب ولما دعا الصحابة ما دعاهم لا بالأقيسة الفلسفية المتعمقة ولا بتكلفات، وإنما بالأدلة الواضحة. الآن لو كان قياس عقلي واضح جلي ما عندنا مشكلة، القرآن استخدم أقيسة عقلية واضحة جلية، أنا كلامي في الأقيسة العقلية أو الأدلة العقلية التي فيها تعمق وتشدق، وسابينها أكثر وأكثر من خلال طرحه.
إذا فهمتم هذه الفكرة الأولى، هو أن محمد عليه الصلاة والسلام في دعوته وهو الذي يجب أن يتبع في بنائه الدعوي أيضاً. يعني النبي صلى الله عليه وسلم نحن لا نتلقى منه فقط المسائل العقدية، نحن أيضاً نتلقى منه منهج الدعوة، منهج غرس مسائل الاعتقاد في الناس، أليس النبي عليه الصلاة والسلام قدوة في كل شيء؟ إذاً هو قدوة في المنهج كما هو قدوة في المسائل.
وهنا أحبتي سابدأ معكم في استطراد، سأستطرد قليلاً في مسألة يجب أن يدركها طالب العلم في بداية دراسته لعلم الاعتقاد لخطرها. هذه مسألة، لماذا استطردت عليها؟ لأنها خطيرة في هذا الباب. ما هي هذه المسألة؟ هذه المسألة هي أن علم الاعتقاد مصدره الأصيل هو الوحي الإلهي وليس العقل البشري. وهذا وهذا التفريع وهذا الاستطراد هو في الحقيقة مفصل مهم بين منهج أهل السنة والجماعة وبين المناهج الأخرى المنحرفة، هذا مفصل الأساس.
من فهم هذا المفصل سيدرك سبب الخلاف بين أهل السنة وبين الكلاميين، ولا السر أن أهل السنة والجماعة يقولون: علم الاعتقاد مصدره الأصيل والأساسي هو الوحي الإلهي وليس العقل البشري. الكلاميون والمتكلمون وإن لم ينصوا على تقديم العقل البشري على الوحي الإلهي في باب العقائد، لكن من نظر واستقرأ تصرفاتهم يدرك أنهم يريدون ذلك، وسنعرف ما هو السبب، لماذا وصلوا إلى هذه النتيجة الخاطئة والخطيرة.
لكن اعلموا أن منهج الكلاميين يقوم على مباينة منهج أهل السنة والجماعة في هذه الطريقة؛ أهل السنة يرون أن المصدر الأصيل بباب الاعتقاد الأساسي الحاكم على جميع المصادر الأخرى هو الوحي الإلهي وليس العقل البشري، لكن طريقة الكلاميين تقوم على تقديس العقل أكثر من الوحي والنقل في هذا الباب.
سنغوص أحبتي إن شاء الله في كلام مطول، لكن انتبهوا مع تركيز مما ينبغي معرفته في هذا السياق، أن كثيراً من مسائل الاعتقاد -الآن هذا كلامي الذي سأستطرد به بدأته بتفصيله رويداً رويداً- مما ينبغي معرفته في هذا السياق أن كثيراً من مسائل الاعتقاد لا تستطيع العقول إدراكها وتصورها على حقيقتها، لأنها لم تؤت القدرة على ذلك التصور ولا على الوصول إلى هذه الحقائق. ففرض العقل وواجبه التسليم والانقياد لما أخبرت به الرسل ولما جاءت به الكتب، أي للوحي من غير مراء ولا جدال.
طب يا شيخ، أليس في هذا إزراء بالعقل البشري؟ كلا، ليس في هذا إزراء بالعقل البشري، بل هذا بيان لحده الذي يمكنه بلوغه ويدخل ضمن معارفه. فإن كثيراً من الأقوام إنما دخلهم الضلال والزيغ في باب الاعتقاد لما استعلوا بعقولهم -صار هناك استعلاء عقلي على الوحي الإلهي- لما استعلوا بعقولهم وأحسنوا الظن بها أكثر من وثوقهم بالنص الإلهي. سواء في ذلك -طبعا هذا الاستعلاء بالعقل ليس فقط في الفرق المبتدعة التي هي من أهل القبلة، بل حتى سبب كفر الكفار.
كثير من الكفار الذين كفروا وحاربوا الرسل شعروا بالاستعلاء العقلي على الرسل، فقضية الاستعلاء بالعقل كانت سبباً في الكفر، والسبب في الابتداع، وسبب في ظهور الكفر في البشرية، والسبب في ظهور البدع داخل الملة الواحدة.
لذلك قلنا سواء في ذلك هذا الاستعلاء العقلي يستوي فيه أعداء الرسل والرسالات من الفلاسفة، أو من تأثر بمناهج الفلاسفة من فرق الإسلاميين. فالناظر في تراث فلاسفة اليونان، وبالخصوص من خاض منهم -أي من فلاسفة اليونان- في مسائل الإلهيات -أن ليس كل الفلاسفة خاضوا في الإلهيات، بل بعضهم وقف عند علوم الطبيعة والعلوم التجريبية ولم يخض في الإلهيات التي يسمونها ميتافيزيقيا- فالناظر في تراث فلاسفة اليونان، وبالخصوص من خاض منهم في مسائل الإلهيات، يجد اضطرابا شديداً في تصوراتهم عن الإله وعن صفاته وعن تأثيره في هذا الكون، فلا يكاد يتفق اثنان من الفلاسفة على رأي وتصور واضح، وإنما هي مجرد تخيلات توهموها بعقولهم رسموها في أذهانهم، تشهد لنا بعجز العقل البشري عن الخوض في هذا المضمار -مضمار العقائد- من دون نور إلهي وشريعة ربانية ترشده وتبصره بالحقيقة كما هي.
ومن أراد أحبتي أن يتأكد من هذه المعلومة، من أن الفلاسفة كانوا مضطربين في تصوراتهم عن الإله وعن صفات هذا الإله وعن علاقة الله بالكون ويعرف شدة الحيرة في عقولهم لأنهم لم يلتمسوا من الوحي ولم يذهبوا إلى الشرائع بل نبذوها؛ من أراد أن يعرف ذلك بنفسه ويقف عليه بنفسه فليقرأ كتاب تاريخ الفلسفة القديمة لأرمسترونج. هذا الكتاب يوضح لك بجلاء عقائد فلاسفة اليونان على مختلفهم: أفلاطون وأرسطو ومن قبلهم فيثاغورس وغيرهم بالتفاصيل، وكيف كل الفكرة لكل طائفة فلسفية كيف نظرت للإله وتصورت الإله بشكل مخالف تماماً للطائفة الأخرى. فهذا الكتاب إذاً يوقفك على أمثلة عديدة لهذا الاضطراب عند الفلاسفة الذي كان سائدا في الفكر اليوناني.
الآن نحن ما لنا علاقة بالفكر اليوناني، لكن علاقتنا بالفرق الكلامية التي للاسف نهلت وشربت من ذاك المستنقع الكدر، من مستنقع فلاسفة اليونان. وعندما نهل كثير من الإسلاميين من موارد الفلاسفة وتشبعوا بعلومهم، أتوا متأثرين بمنهجهم في تقديس العقل والاستعلاء به على الوحي الإلهي. إذاً من أين نشأت فكرة تقديم العقل وتقديس العقل وجعل العقل حاكماً على النقل؟ للأسف الفرق الإسلامية المباينة لمنهج أهل السنة تلقت هذه الفكرة من فلاسفة اليونان في عملية الترجمة التي وقعت في عصر المأمون وما بعده. لما ترجمت كتب الفلاسفة إلى اللغة العربية ودخلت هذه المنابع الكدرة إلى البلاد الإسلامية، هنا بدأت دائرة الانحراف تتسع، وبدأت الفرق الكلامية المتنوعة تظهر أكثر وأكثر.
لأننا كما بينا في المجلس الأول أن الابتداع سببه ماذا؟ أن المبتدع هو آمن بالرسل جملة، لكنه شرب من منابع أخرى، هذه المنابع الأخرى شوهت عقيدته ولوثت تصوره لمسائل الاعتقاد الحقة. هذه مشكلة الابتداع، أن تشرب من منبع آخر، تأتي لمنبع آخر، ليس هذا المنبع مقبولاً في بناء العقائد. هذا المنبع نعم للأسف سيوقعك في المهالك، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على صفاء المنبع الذي يتلقى منه الصحابة كما سنبين بعد قليل.
فإذاً فكرة تقديس العقل وتقديمه على الوحي الإلهي في باب العقائد وفي غيرها من الأبواب إنما أخذتها الفرق الكلامية من فلاسفة اليونان. إذاً عندما نرى كثيراً من الإسلاميين نهلوا من موارد الفلاسفة وتشبعوا بعلومهم، أتوا متأثرين بمنهجهم في تقديس العقل والاستعلاء به على الوحي، ومعبئين بتشوهات فكرية، صار هناك تشوه فكري عند الكثير من الإسلاميين، وظفوا هذه التشوهات الفكرية في ماذا؟ في تصورهم لمسائل الاعتقاد، فجاء نتاجهم للأسف خليطاً من العقائد الإسلامية والأفكار الفلسفية. هذه عقائد أو عفوا حقائق يجب أن تكون واضحة لديك يا طالب العلم؛ هناك فرق اسلامية نهلت من منابع فلسفية فتتكرت تصوراتها، أصبح عندها تشوهات فكرية، فنظرت في مسائل الاعتقاد بهذا التشوه الفكري. فما هي النتيجة التي حصلت؟ إنه أصبح لدى هذه الفرق خليط من المسائل العقدية الصحيحة ومن التشوهات الفكرية، أي العقائد الخاطئة، فأصبحت كل فرقة فيها جانب من الصواب وجانب من الخطأ. فيها جانب من الصواب أي في تصوراتها العقدية وجانب من الخطأ، وسبب ذلك تكدر المنبع.
بل غلا بعضهم -بعض الفرق الكلامية أو بعض الأشخاص، حتى نقول بعض الأشخاص حتى نكون منصفين- غلا وشطح حتى قال -انتبهوا كيف الإنسان يغلو إذا استمر مع هواه مع عقله حتى شطح بعضهم فقال بتقديم الفيلسوف على النبي!- بعضهم وهذا قانون الفارابي قالوا بتقديم الفيلسوف على النبي، أن الفيلسوف أفضل من النبي! قال لأن الفيلسوف وصل إلى الإله بعقله الحر، أما النبي وصل إلى الإله بواسطة الوحي، ومن وصل بعقله الحر أفضل ممن وصل بواسطة. انظروا الكلام الفاسد! حتى قال بعضهم بتفضيل الفيلسوف على النبي، وبعبارة أخرى أنت لما تقول تقديم الفيلسوف على النبي معناها تقديم العقل على النقل أو أن العقل أفضل من النقل، وهذا معنى تقديم الفيلسوف على النبي، وبعبارة أخرى بتفضيل العقل عن الوحي.
وهذا كله -يعني كل هذه التشوهات وهذا الخلط وهذا الضياع- سببه الابتعاد عن المنبع الأصيل والمورد العذب الذي أمر الإسلام بالنهل منه وحذر من الابتعاد عنه وخلطه بغيره؛ إلا وهو الكتاب الكريم والسنة المطهرة. وفي الجملة الابتعاد عن المصادر المقبولة في الاستدلال عند أهل السنة والجماعة. من ابتعد عن المصادر المقبولة في الاستدلال عند أهل السنة وذهب إلى أخرى ليستدل منها لابد وأن يضيع وأن يتيه. فاحذر واعلم أن باب العقائد واضح في مسائله وواضح في دلائله، إياك أن تخرج إلى مسالك أخرى من هنا وهناك.
وقد قال صلى الله عليه وسلم -انظروا النبي عليه الصلاة والسلام كيف بين لنا ما هو المنهج؟- أنت تقول يا شيخ نريد دليل على أن الشريعة المحمدية حسمت باب الدلائل كما حسمت باب المسائل، نريد دليل، أعطنا دليلاً على هذه الفكرة؛ ألم يقل محمد صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده أبداً؛ كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم» ألم يقل ذلك؟ أو كتاب الله وسنتي.
وانظروا الدليل الآخر؛ عندما أتى عمر بن الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بصحيفة من التوراة. عمر بن الخطاب أتى على النبي صلى الله عليه وسلم وفي يده صحيفة من التوراة، انظر كيف الآن تغيير في المنبع اليس كذلك؟ دعونا نفسر الحادثة؛ أن عمر الآن ينظر في منابع أخرى في كتب التوراة. النبي عليه الصلاة والسلام أدرك الخطر واراد أن ينبه على أن الأمة المحمدية يجب أن تتجرد عن الأمم الأخرى وأن تكون منابعها مستقلة ومصادرها الاستدلالية واضحة لا تتعكر بغيرها من المناهج الاستدلالية الباطلة.
فحينما أتى عمر بن الخطاب بهذه الصحيفة من التوراة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ماذا قال؟ قال عليه الصلاة والسلام: «أمنتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية». بدك تضيع حالك يا عمر؟ كأنه هيك النبي عليه الصلاة والسلام يقول؛ تريد أن تضيع نفسك؟ والله لقد أتيتكم بهذا الدين -يقصد الاعتقاد- قال: «لقد جئتكم بها بيضاء نقية». وهذا الحديث حسن بطرقه كما ذكر ذلك ابن حجر العسقلاني رحمة الله عليه.
هذا الزجر من النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب كان حرصاً منه -بأبي هو وأمي- على صفاء المنبع ونقائه وعدم تكدره بغيره، ليكون البناء العقدي سليماً قوياً عند المسلم، ينبني وفق نظرة الإسلام الخاصة وصبغته الطاهرة التي لا مجال للعقل في إدراك جميع تفاصيلها. يعني الإسلام يريد أن يصبغ عقلك بطريقة معينة حتى ولو لم تدرك أنت تفاصيل هذه الصبغة، لكن قف عند الوحي وستجد فيه الخير.
انظروا كيف النبي عليه الصلاة والسلام لا يريد من الصحابة أن ينظروا في صحف التوراة وفي غيرها. نحن الآن نبنيكم عقدياً لا نريد تشوهات، لا نريد أن تأخذوا من منابع أخرى حتى لا يتكدر المشهد والصورة في ذهنكم. أليس هذا من النبي عليه الصلاة والسلام حرصاً منه أن يكون باب الاستدلال على العقائد واضحاً عند أهل السنة والجماعة محسوم الباب؟ هذا دليل على هذه القضية.
فإذاً الإنسان أحبتي وظيفته التسليم للنصوص الشرعية وليس تقديس العقل وجعله حاكماً على هذه النصوص. ولذا كان أصل باب الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة هو ماذا؟ يعني أول شيء تفعله حتى تدخل في هذا الدين، هذا ما أقصد بأصل مسائل الاعتقاد؛ أول شيء يجب عليك أن تفعله لتدخل في هذا الدين، ما هو؟ النبي عليه الصلاة والسلام ماذا كان يطلب من الناس أن يفعلوا أول شيء عقدي؟ أول مسألة عقدية مطلوب من الناس أن يفعلوها من خلال استقراء منهج محمد عليه الصلاة والسلام -أنتم عليكم أن تجيبوا- ما هو؟
أول شيء كان النبي صلى الله عليه وسلم يطلبه من الناس هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، مع فهمهم وتعقلهم لمعناها. يعني يقولونها مع فهم لها لدلالتها؛ ما معنى لا إله إلا الله؟ لا معبود بحق إلا الله، وأن محمد رسول الله. هل هناك شيء يسبق على ذلك؟ هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يطالب الناس بأمور أخرى وبأقيسة عقلية قبل ذلك؟ كلا.
أول مسألة عقدية طالب بها الإنسان حتى يدخل في هذا الدين ليس قياساً عقلياً ولا قياساً فلسفياً ولا دليل على مقدمة ولا أن يفرق بين الجوهر الفرد والعرض، أول شيء طلبه النبي صلى الله عليه وسلم من الأمم شهادة أن لا إله إلا الله. ما هو الدليل؟ النبي عليه الصلاة والسلام حينما أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن قال: «يا معاذ إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه» ما هو؟ قال: «أول ما تدعوهم إليه» قياس منطقي بمقدمتين ونتيجة؟ ولا قال: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله». نعم، هذا أول شيء تدعوهم إليه، وحدوا الله، هذا الإله الذي تعرفونه بفطركم، هذا الإله الذي تدل عقولكم على وجوده وعلى استحقاقه للتوحيد، وحدوه.
نعم، الأمر لا يحتاج إلى تعمقات ولا إلى تكلفات ولا إلى تشدقات. الدين الإسلامي العقيدة الإسلامية عقيدة واضحة، جفية ما فيها تكلف، تتوافق مع الفطرة، تتوافق مع العقل المنطقي الصحيح الواضح الجلي من دون حاجة إلى تكلفات، ادعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ومن هذا الأصل ومن شهادة التوحيد تتلقى المسائل الاعتقاد الصحيح بعد ذلك وتبنى عليه.
ولهذا أحبتي انظروا كيف كان فقه السلف الصالح رحمة الله تعالى عليهم. الإامم البخاري حينما بدأ تصنيفه لكتابه الشهير صحيح البخاري، ما هو أول كتاب وأول باب عقده في صحيح البخاري؟ أول باب عقده البخاري هو باب بدء الوحي. قال: ولهذا نجد الإمام البخاري بدأ بصحيحه -صحيح البخاري شمل ايش؟ شمل مسائل اعتقاد، شمل تفسير، شمل مغازي، شمل سير النبي عليه الصلاة والسلام، وشمل مسائل الفقه، كلها موجودة في صحيح البخاري- لكن ايش أول شيء بدأ به؟ قال: فبدأ بباب بدء الوحي ونزوله. هذا أول باب، باب بدء الوحي ونزوله أي على النبي صلى الله عليه وسلم.
لماذا؟ يعني الآن بدنا نفكر، البخاري ألم يقل العلماء فقهه في تراجمه؟ لماذا برأيكم البخاري بدأ صحيحه بهذا الباب؟ ما هي الرسالة التي أراد أن يوصلها من خلال هذه الترجمة التي بدأ بها؟ أراد أن يعلم الأمة أن هذا الدين مبناه أساساً على الوحي الإلهي في الكتاب وفي السنة. لذلك بدأ صحيحه باب بدء الوحي ونزوله، يعلم أن الوحي هو الأساس والمنطلق في الملة، والعقل متبع للكتاب والسنة ومنقاد لهما.
وكذلك أيضاً الإمام الدارمي رحمه الله ابتدأ كتابه بدلائل النبوة. هذا الباب قال باب أو كتاب دلائل النبوة. لماذا بدأ بدلائل النبوة؟ لينبه على هذا الأصل وهو أن الوحي الإلهي هو الأصل الذي يجب أن يعود إليه وأول شيء يتمسك به المسلم في بناء مسائل الدين عموماً.
ولما كان أصل الدين ولما كانت العقائد عموماً مبنية إذاً على الإيمان والتسليم للوحي -هذه كما قلنا وجهة نظر أهل السنة والجماعة، المصدر الأصيل للعقائد- نحن ما زلنا في هذا الاستطراد الذي قلنا فيه أهل السنة والجماعة يقولون المصدر الأصيل للعقائد هو الوحي الإلهي وليس العقل البشري. فنقول لما كانت العقيدة مبنية على الإيمان والتسليم للوحي في الكتاب والسنة، كان الإرشاد الإلهي للاهتداء بنورهما والاسترشاد بهما كثير جداً. يعني الآن أنا ما زلت أكثف الأدلة على أن الوحي الإلهي هو الأساس في الاعتقاد، يريد أدلة متعاضدة لنرد بها على المتفلسفة الذين يقولون العقل مقدم على النقل في باب الاعتقاد.
ونحن نقول أهل السنة والجماعة يقولون باب العقائد مبني على التسليم للوحي والانقياد له. الدليل على ذلك أو من الأدلة أيضاً على ذلك أن الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أرشدنا وبين لنا في أكثر من موطن على أهمية الرجوع إلى الوحي والتمسك به، فقال عز وجل في أول سورة البقرة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 2] ما قال تلك الأركشة العقلية ولا تلك الأدلة الفلسفية! قال: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ ارجعوا له، ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] كتاب هداية، كتاب إرشاد. هذا خبر من الله سبحانه وتعالى يخبرنا فيه أن إلى هذا الكتاب وأن لا نقدم عليه شيء إذا أردتم الهداية.
هذا الكتاب، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. وقال في موطن آخر: هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين. هذا كتاب وهذه الصور هي بيان للناس، وانظروا أحبتي كلمة البيان، كلمة البيان ما تتضمنه من الدلالة على الإيضاح، أن هذا الكتاب جاء يوضح للناس المسلك والطريقة والمنهج والعقائد.
فلا يمكن أن يكون بيانا والعقل مقدم عليه وإلا كان العقل هو البيان. فالوحي إذا هو البيان كما قال سبحانه وتعالى. ولا يمكن أيضا -يعني هذا أنبه عليه- إذا قلت الوحي بيان، لا يمكن أن يكون إذا نصوص الكتاب والسنة جاءت لتلغز على الناس، أو تأتي نصوص المراد منها يعني التشكيك أو إضراب الناس في عقائدهم. لابد أن تكون بما أنه هذا الكتاب ربنا يقول هدى للمتقين، وربنا يصفه في موطن آخر أنه بيان للناس، إذا لابد أنه جاء بعبارة مبينة، بعبارة واضحة، ليس المراد منها الإيهام، ليس منها الألغاز، ليس المراد منها التشبيح على الناس وإدخالهم في حيرة.
بل المراد من هذه النصوص قطعا الإيضاح والبيان، فأي شخص يأتي ليقول والله نصوص القرآن في ظاهرها لا ترشد إلى العقائد الصحيحة بل تحتاج إلى تأويل صارف عن ظاهرها لنفهم العقائد الصحيحة فهما، اعلموا أنه لم يعقل عن الله. نعم، من يتكلم بهذا كلام لم يعقل عن الله وخالف القرآن.
الله يقول بيان للناس هدى للمتقين، وانت تقول نصوص القرآن الدالة على الصفات والأسماء أو الدالة على مسائل الاعتقاد ظاهرها لا ترشد إلى العقائد الصحيحة بل لابد أن نأولها وأن نحرفها بعبارة أوضح حتى تدل على العقائد الصحيحة. إذا ما عاد هذا بيان إذا كانت فينا النصوص القرآن بظاهرها لا تدل على العقائد الصحيحة وتحتاج إلى تأويل وتصرف بها حتى نفهم العقائد، إذا في الحقيقة هي ليست بيان وهذا وهذا رد على الله عز وجل. الله يقول بيان وإيضاح وأنت تقول تحتاج إلى تأويل وتحريف، فهذا مما ينبغي أن يحذر منه.
والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: 113]. هذا في سياق امتنان من الله عز وجل على نبيه أو لنبيه عليه الصلاة والسلام أن الله أنزل عليه الكتاب وهو القرآن والحكمة وهي السنة، كما ذكر ذلك الإمام الشافعي في رسالته أن الحكمة المراد منها متى قرنت بالكتاب في القرآن الكريم فالمراد بالحكمة هي السنة ونقل ذلك عن المفسرين قديما ومن أهل زمانه.
والآيات في هذا الباب كثيرة كلها تدل الإنسان وترشده إلى الاهتداء بالوحي الإلهي وألا ينزل عقله منزلة لا يستحقها فيضل ويهلك. كثير من الآيات لو استقرأت نصوص الكتاب الكريم بل حتى لو استقرأت نصوص السنة ستصل فعلا إلى أن الله عز وجل في الكتاب وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم هناك إرشاد واضح إلى أنكم يجب عليكم أن تقفوا في مسائل الاعتقاد عند الوحي الإلهي وتسلموا لكل ما جاء به الوحي، ولا تنازعوا بعقولكم ولا تخوضوا بأهوائكم فتضلوا.
نعم، هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين، ومن أصدق من الله قيلا. لكن للاسف بعض العقول لا يوجد عندها خضوع لهذا التوجيه الرباني. الإمام البربهاري أحبتي وهو من أئمة أهل السنة والجماعة يقول في شرح السنة، له رسالة اسمها شرح السنة، ماذا يقول؟ يقول: اعلم رحمك الله أن الدين إنما جاء من قبل الله تبارك وتعالى. الدين العقيدة من أين أتت؟ من قبل الله، من عند الله، لم يوضع على عقول الرجال آرائهم وعلمه عند الله وعند رسوله فلا تتبع شيئا بهواك فتمرق من الدين. واضح؟
الإمام البربهاري صح، الدين من قبل الله، إياك أن تظن أن الدين هو من العقول، الدين من قبل الله سبحانه وتعالى لم يوضع على عقول الرجال وأهواهم، فعليك أن من الله ورسوله قال: فلا تتبع شيئا بهواك فتمرق من الدين. يعني يمكن فعلا بعض الناس أحبتي للاسف كان داخل دائرة الإسلام لأنه بقي مصرا على اتباع عقله ورد الوحي وعلى جعل عقله حاكما على الوحي، قاده ذلك والعياذ بالله للخروج من الإسلام ومن الملة المحمدية نسأل الله السلامة والعافية.
والعبد لما كان مخلوقا مربوبا للرب الخالق سبحانه إذا وجب عليه أن يعود بالعلم إليه. أنت عبد مخلوق مربوب لإله، يا رب صانع مدبر حكيم، فيجب أن ترجع العلم دائما إليه وأن تفزع إليه ليهديك الصواب وليعرفك عليه تصل إلى العقائد الحقة من خلاله، تفزع إليه في مواطن الخلاف بين الخلق وإلى هدايته وإلى بيانه وإلى وحيه، وإياك أن تفزع إلى عقلك وذوقك وهواك.
ذلك كان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم المتكرر كلما قام للصلاة في آناء الليل، ماذا كان يقول النبي عليه الصلاة والسلام؟ إذا قام للتهجد كان يستفتح الصلاة ويقول: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم».
محمد صلى الله عليه وسلم أذكى البشرية وأنقاهم عقلا وأوضحهم فطرة، يفزع إلى الله سبحانه وتعالى ويلتجئ إليه في مسائل الخلاف: «اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك». يطلب من الله أن يعيده إلى الحق أو أن يوضح له الحق، يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يوضح له الحق في مسائل الخلاف بين الخلق، وهذا محمد عليه الصلاة والسلام من عصمه الله عز وجل من جعله الله رحمة للعالمين وهدى للناس أجمعين وهو يفزع إلى ربه ويطلب من الله الإرشاد والسداد، فكيف يفزع من بعده إلى عقله؟
هذا فعلا شيء عجيب، هذا الدعاء كلما تأملت فيه أدركت عجزنا وافتقارنا الدائم إلى الله عز وجل، أدركت قصور عقولنا عن تحديد معالم هذا الاعتقاد، العقل يرشد إلى بعض مسائل الاعتقاد لكن معالم هذا الاعتقاد معالم الحق فيه التي يريدها الله سبحانه وتعالى الإنسان مفتقر إلى الله سبحانه وتعالى في بيانها.
إياك أن تحمل عقلك ما لا يحتمل، إياك أن تورد عقلك المهالك، أخي الحبيب كن مسلما منقادا لربك سبحانه وتعالى وصدقني ستجد الراحة، الطمأنينة، الوضوح، فإن مسائل الاعتقاد ليست ألغازا، ليست أمور مبهمة، ليست عجب عجاب كما هي في الديانات الأخرى، أمور واضحة سهلة لكنها تحتاج إلى نقاء إلى تسليم وإلى انقياد.
إذا هذه رؤية أهل السنة والجماعة لطبيعة العلاقة بين الوحي والعقل في باب العقائد. طيب أعطينا شيخ النظرة الكلامية ووسع لنا، ما هو منهج المتكلمين؟ أنت قلت أشرت إشارة إلى أن منهج المتكلمين هو تقديم العقل على النقل مع أنك كما أقول لك لن تجد هذا منصوصا عندهم، فهم يتنزهون عن هذا، يعني لو قابلت متكلما يخشى الله عز وجل سيقول لك نحن نقدم الوحي قطعا، لكن أنا أنظر في التصرفات، أنا لا أريد الأمر شعارا ولكن في المضمون والتطبيق غير مطبق، أنا أريد المضمون.
هذا المضمون فعلا أنك تقدم الوحي على العقل، فلو جاء الوحي بما خالف عقلك تسلم وتنقاد للوحي أم أنك تقول أنا أقدم الوحي لكن في التطبيق العملي إذا جاء الوحي مخالفا لما بعقلك قدمت عقلك وجعلته حاكما على الوحي؟ طيب، لكن قبل أن أذكر نظرة الكلاميين في هذه القضية، قضية أيهما مقدم العقل أم الوحي؟
هناك سؤال قد يرد على بعض الطلبة وهو: يا شيخ أنت قلت إن الوحي هو المصدر الأساس الذي يجب الاعتماد عليه في مسائل الاعتقاد وليس على العقل البشري، أليس العقل البشري هو الذي دلنا على صدق الوحي؟ يعني أنا وانت كيف عرفنا أن هذا الوحي الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم صادق؟ أليس العقل والتحليل العقلي هو الذي قادنا إلى صدق محمد صلى الله عليه وسلم وإلى صدق ما أخبر به عن الله؟
إذا العقل البشري هو الذي دلنا على صدق الوحي ابتداء فكيف تقول يجب أن يقدم الوحي على العقل البشري؟ ممكن هذه شبهة ترد عليكم بل وردت عند المتقدمين وهذه شبهة يرددونها. يقول الكلاميون: أليس العقل هو الذي قادنا إلى صدق الوحي وهو الذي من خلاله نجزم بصدق محمد صلى الله عليه وسلم؟ التفكير العقلي المنطقي الصحيح قادنا على إثبات وجود الله، قادنا إلى صدق النبوة وإلى أن ما أتى به محمد صلى الله عليه وسلم هو خبر عن الله، إذا نحن عرفنا صدق الوحي من خلال العقل، فإذا العقل هو الأساس وليس النقل، فكيف نجيب عن هذه الشبهة؟
لعلني أجيب عنها في المجلس القادم بإذن الله حتى لا أطيل عليكم، أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ينفعنا بما سمعنا وأن يهدينا دائما إلى الصواب، ودائما نقول: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل