تسجيل الدخول

شرح لمعة الاعتقاد (4) / موقف المتكلمين من العقل

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمد سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب لمعة الاعتقاد للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الدمشقي رحمة الله تعالى عليه، وما زلنا نسير أحبتي في مقدمات هذه الدورة المباركة، ونتكلم عن القواعد العامة في الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة. تحدثنا في المجالس السابقة عن القاعدة الأولى وهي أهمية التأصيل العقدي في بناء العقائد الصحيحة، ثم عرفنا طبعاً معنى التأصيل العقدي وخطوات التأصيل العقدي.

ثم انتقلنا بعد ذلك إلى القاعدة الثانية، وهي: ما هي المصادر المقبولة عند أهل السنة والجماعة لتعتمد، وما هي المصادر الاستدلال المردودة لتجتنب؟ وتحدثنا عن مصادر الاستدلال المقبولة بالتفصيل وعرفت أنها الهداية الفطرية، ثم نصوص الكتاب والسنة، ثم تكلمنا عن إجماعات الصحابة والتابعين أو ما كان مشتهراً بينهم ولم يعلم له مخالف معتبر، وتكلمنا عن الأدلة العقلية الواضحة السهلة. فهذه الأربعة هي مصادر الاستدلال المقبولة في البناء العقدي، وأنا ركزت أنني حينما أتكلم عن مصادر الاستدلال المقبولة عند أهل السنة أو مصادر الاستدلال المردودة فأننا أتكلم عن المصادر المقبولة أو المردودة في البناء العقدي، وليس في الدفاع العقدي.

وقد ركزت على هذه الفكرة بشكل واضح وجلي في المجلس السابق أننا نتحدث عن مصادر البناء العقدي؛ لأن مقام الدفاع العقدي يتوسع فيه ما لا يتوسع في مقام بناء العقائد. هذه فكرة واضحة؟ تمام، إذن أنهينا الحديث عن مصادر الاستدلال المقبولة، وانتقلنا في المحاضرة السابقة إلى مصادر الاستدلال المردودة التي لا تقبل عند أهل السنة والجماعة في بناء العقائد. وعرفنا أن هذه المصادر لا يعني بالضرورة أنها توصل إلى نتائج خاطئة دائماً، بل قد توصل أحياناً إلى نتائج صحيحة، لكن لماذا رددناها؟ هذا السؤال الذي يريد أن يتقنه طالب العلم. لماذا رددناها؟ لأن الشريعة في باب الاعتقاد حسمت باب الدلائل كما حسمت باب المسائل؛ فكما أن الشريعة جاءت لتبين مسائل الاعتقاد ما هي، جاءت لتبين المسالك والمناهج التي علينا أن نتبعها في الوصول إلى مسائل الاعتقاد؛ وذلك لخطر هذا الباب، فلم ترد هذه الشريعة أن يبقى هذا الباب مفتوحاً على مصراعيه حتى لا يضل الناس، وأنتم تنظرون فيمن فعلاً أخذ من منا منابع أخرى وابتعد عن مصادر ومسالك الاستدلال المقبولة كيف ضل وانحرف عن جادة الصالح رحمة الله تعالى عليهم.

فبدأنا إذن في ذكر مصادر الاستدلال المردودة في البناء العقدي عند أهل السنة والجماعة، وكان المصدر الأول هو الأدلة العقلية المتكلفة المتعمقة التي تسير على سنن الفلاسفة. وعرفنا أن محمداً صلى الله عليه وسلم حينما أتى بدعوته أتى إلى أمة لا تعرف القراءة ولا الكتابة فضلاً عن أن تعرف الأدلة المتعمقة والفلسفية وترتيب الأقيسة، وهذا قياس من الشكل الأول وهذا قياس من الشكل الثاني، لم يكن العرب يعرفون ذلك، ولم يكن الصحابة يعرفون ذلك، ومع ذلك كانوا أشد إيماناً وحباً وتعلقاً بالله سبحانه وتعالى، وكانوا أرسخ اعتقاداً ممن بعدهم. فهذا يدل على أن القضية ليست قضية تعمق في إيراد الأدلة العقلية، بل هي قضية إيمان حقيقي وقر في القلب وصدقه العمل.

وفي ضمن حديثنا عن الأدلة العقلية المتعمقة كأول دليل مردود، تطرقت معكم إلى تفريع؛ لكنه تفريع مهم، بينت فيه أن أهل السنة والجماعة يقولون: المصدر الأصيل والأول في باب العقائد هو الوحي الإلهي وليس العقل البشري. نعيدها لأنها مهمة جداً لط طالب العلم الآن في خضم الشبهات المعاصرة، نقول أحبتي: المصدر الأصيل في البناء العقدي عند أهل السنة والجماعة هو الوحي الإلهي وليس العقل البشري، فوظيفة العقل البشري أن يسلم وأن ينقاد لما أتت به النصوص. وإنما دخلت فكرة تقديم العقل البشري على الوحي لما شربت بعض الطوائف الإسلامية من منابع أخرى، وهي منابع الفلسفة أو فلسفة اليونان، هذه المنابع الكدرة هي التي سببت نشوء طوائف داخل الصف الإسلامي تقدس العقل على حساب النقل، وسأعلق على هذه القضية بعد قليل بإذن الله.

لكنني حينما أتيت إلى هذا التفريع في المحاضرة السابقة، وهو أن أهل السنة والجماعة يرون أن الوحي الإلهي مقدم على العقل البشري، ذكرت لكم أدلة ذلك، وكيف أن الله سبحانه وتعالى أرشدنا إلى الاهتداء بالكتاب وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من المواطن؛ فقد قال: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]، وأمرنا الله عز وجل بالتمسك بالكتاب والحكمة، وفسرنا الحكمة بأنها السنة. فلو تتبعت كتاب الله سبحانه وتعالى لوجدت الله عز وجل يحثك ويؤزك إلى أن تتمسك بالكتاب والسنة، لم يأمر الله عز وجل بالتمسك بالعقول المجردة، نعم نبه إلى أهمية إعمال العقول في التفكير والتأمل، لكنه حينما أرشدك إلى التمسك بشيء والعض عليه بالنواجذ أرسلك إلى كتابه وإلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده أبداً». ايش قال؟ هل قال تركت عقولكم؟ ولا قال كتاب الله وسنتي؟ قال: «كتاب الله وسنتي». إذن علينا أن نأخذ هذا الارشاد النبوي محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا التوجيه الإلهي لنا بالتوجه إلى الوحي الإلهي لنتمسك به ولنعض عليه بالنواجذ، ولنجعل العقل خادماً لهذه النصوص منقاداً لها متفهماً لها وليس متجاسراً ومتسلقاً عليها. فهذا هو المنهج السديد السليم الحكيم الذي سار عليه علماء أهل السنة والجماعة تماماً.

وذكرت لكم النص الذي نقله البربهاري رحمة الله عليه أو نص عليه في شرح السنة: اعلم رحمك الله أن الدين إنما جاء من قبل الله تبارك وتعالى، لم يوضع على عقول الرجال آرائهم، وعلمه عند الله وعند رسوله، فلا تتبع شيئاً بهواك فتمرق من الدين. وعرفنا أن العبد لما كان مخلوقاً لهذا الاله العظيم ومفتقراً إليه محتاجاً إليه، كان الأولى والحري به أن يعود في علم مسائل الاعتقاد إليه، ولا يعود إلى نفسه المقصرة، ولا يعود إلى عقله القاصر، هذا هو المنطق السليم، المنهج الصحيح. أنت عبد مخلوق لخالق، فالأصل أن تعود إلى هذا الخالق لتتعرف منه على نفسه، على أسمائه، على صفاته، على أفعاله، على أوامره، على نواهيه، على قضائه وقدره، على مخلوقاته. استق كل شيء من منبعه من عند الإه سبحانه وتعالى، ولا أعتمد على عقلي ولا أجعلي عقلي محارباً لوحي مصاداً عنه حاكماً عليه، هذا المنهج غير مقبول أبداً.

وكنا ختمنا المجلس السابق أحبتي في سؤال، ختمناه بسؤال لكني لم أجب عنه، وقلت لكم سأجيب عنه في محاضرة اليوم بإذن الله. السؤال الذي ختمناه به المجلس السابق هذا السؤال هو: يا شيخ أنت قلت إن الوحي الإلهي مقدم على العقل البشري، وإن المصدر الأصيل للاعتقاد والمصدر الأول للاعتقاد هو الوحي الإلهي وليس العقل البشري، تمام نريد أن نسألك سؤالاً: أليس العقل هو الذي دلنا على صدق الوحي وصحته؟ فكيف تعتبر أنت الوحي الإلهي هو المصدر الأعلى والارفع والأقدس في باب الاعتقاد؟ هذه شبهة، كيف نجيب عنها؟

أعيدها مرة أخرى: أليس العقل؟ ركزوا فيما أقول: أليس العقل هو الذي أرشدنا إلى صدق النقل وصحته؟ أين أنت كيف عرفت أن هذا الكتاب الذي بين يديك وحي من الله؟ كيف عرفت أنا وانت؟ كيف عرفت؟ كيف عرفنا هذه القضية؟ كيف عرفنا وأدركنا بعثة محمد صلى الله عليه وسلم؟ أليس عقلنا أرشدنا إلى أن هذا الكتاب؟ أليس عقلنا أرشدنا إلى وجود الصانع الخالق لهذا الكون الإله الحق؟ أليس عقلنا أرشدنا إلى أن محمد صلى الله عليه وسلم هذه حقيقة في التاريخ وآثارها ما زالت قائمة ونحن نستقي منها؟ ألم تستق هذه الأمور بعقلك؟

فأقول: نعم، العقل أرشدنا إلى وجود الإله، والعقل أرشدنا إلى صدق محمد صلى الله عليه وسلم وإلى صدق مبعثه، العقل أرشدنا فعلاً إلى أن هذا الكتاب الذي بين أيدينا لا يمكن أن يكون كلام بشر، بل هو كلام الله سبحانه وتعالى. لكن اسمعوا ماذا أقول: أولاً كون العقل دل على صدق الوحي فهذا لا يعني أن العقل حاكم على الوحي في مسائل الاعتقاد، ولا يعني أن العقل أقوى دلالة منه. كون العقل أرشدنا إلى مسائل اعتقادية مهمة كلية، العقل أرشدنا إلى وجود الإله لما تعقلنا ومررنا في هذا الكون في سماء أبراد وفي أرض ذات فجاج فدلنا هذا على الإله، لما نظرنا في البعر تدل على البعير والأثر يدل على المسير عرفنا وجود الإله، نعم العقل أرشد إلى وجود الإله سبحانه، العقل أرشدنا إلى صدق محمد صلى الله عليه وسلم.

لكن هل هذا يعني أن العقل أصبح أقوى دلالة من النقل، وأن العقل يصح أن يكون حاكماً على النقل بعد الوحي الإلهي؟ كلا! بل خذوا هذه الكلية: بل العقل هو الذي دلنا على أن النقل مقدم عليه، العقل هو الذي أخبرنا أن الوحي يجب أن يكون أرفع منه، العقل يا شيخ يخبرنا أن الوحي يجب أن يكون هو المقدم، العقل هو الذي يخبرنا أننا يجب أن نقدم النقل. كيف ذلك؟

طيب، سأذكر لكم مثالاً وتأملوا فيه، سأذكر لكم مثالاً هذا المثال يوضح لكم طبيعة العلاقة التي تربط بين النقل والعقل في اعتقاد أهل السنة والجماعة وفي المنطق الصحيح. هذا المثال يوضح لنا العلاقة التي تربط النقل مع العقل عند أهل السنة والجماعة وفي المنطق الصحيح أصلاً يعني قبل أهل السنة والجماعة هكذا المنطق الصحيح يفرض العلاقة بينهما. خذوا هذا المثال ودعونا نتأمل فيه: لو أن عامياً من عوام المسلمين تعرف على عالم مجتهد، أحد عوام المسلمين ربنا عز وجل هداه تعرف على من؟ على عالم مجتهد متفنن متقن، فأصبح هذا العامي يدل الناس ويرشدهم إلى هذا العالم المجتهد المتقن، يقول: أيها الناس، لقد وصلت إلى عالم متفنن متقن فاذهبوا إليه ماشيين في المثال. إذن أصبح هذا العامي يرشد الناس إلى هذا العالم المتفنن المتقن، وهذا العامي يثني على علمه ويزكيه ويقول: ما شاء الله فلان بحر علامة لا يعني لا يدرك في علمه.

وفي يوم من الأيام وفي مسألة من المسائل التي يتكلم بها هذا المجتهد، وكان هذا العامي حاضراً جالساً في مجلسه، إذا بهذا العامي يغضب ويخالف هذا المجتهد، ويخالف أستاذه النحرير، ويقول للناس: لا تقبلوا من هذا المجتهد قوله في هذه المسألة، اتبعوني وذروكم من هذا العالم، فكلامه لا يوافق منطقي.

الآن السؤال إليكم برأيكم كيف ينبغي أن تكون ردة فعل الناس على هذا العامي؟ ماذا يقولون لهم؟ أليس الأصل المنطق يعني أنا أتكلم أن يقولوا لهذا العامي: من أنت حتى تخاصم هذا العالم؟ أنت عامي، من أنت حتى تخاصم هذا العالم النحرير؟ ماذا تعرف؟ وماذا درست؟ وماذا تعلمت؟ وماذا حصلت؟ هذا عالم النحرية بل أنت ارشدتني إليه وقلت: لا نأخذ العلم منه، أليس كذلك؟ طيب، إذن فإن الإجابة السوية من عوام المسلمين لهذا العامي أن يقولوا له: نحن نتبع العالم الذي شهدت أنت بنفسك أنه فحل وضابط، ولا نتبعك.

أليس هذا منطق عقلي سليم؟ صح، إذن العالم أبدى رأياً في مسألة، هذا العامي قال وغضب وقال: أنا أخالف العالم فإن كلامه لا يوافق منطقي، عوام الناس المنطق الصحيح منهم أن يقولوا لهذا العامي: من أنت حتى تخالف هذا العالم؟ ألسْتَ أنت الذي زكيت هذا العالم وأرشدتنا إليه؟ لاحظوا الفكرة هاي، ألسْتَ أنت الذي زكيت هذا العالم وأرشدتنا إليه؟ طيب، فإن قال لهم هذا العامي، هذا العامي بدأ يناقش الناس: لماذا لا تتبعوني؟ ألسْتُ أنا من وجهكم ودلكم على هذا العالم؟ ليه ما بتتبعوني؟ ألسْتُ أنا الذي أخبرتكم أن هذا العالم؟ إذا أنا الذي أرشدتكم إلى هذا العالم، إذن الأصل أن تتبعوني!

بالله عليكم هل هذا منطق بالعقل؟ فكروا الآن بتأمل. هذا العامي بدأ يجادل الناس يقول: ألسْتُ أنا من أخبرتكم وزكيت لكم هذا العالم؟ إذن الأصل أن تتبعوني حينما أخالف هذا العالم. الناس بدأت تفكر: ما هو المنطق الذي يفكر به هذا العامي؟ دعونا نكمل القصة: لماذا لا تتبعوني؟ ألسْتُ أنا من وجهكم ودلكم على هذا العالم؟ إذن ينبغي أن يكون الحق في قولي وفي رأيي دون رأيه. طيب، وإذا انظر بدأ يكمل قال: وإذا قدحتم أيها العوام في رأيي فهذا قدح منكم في العالم الذي أرشدتكم إليه. لاحظوا كل هذه المغالطات التي يرتكبها هذا العامي. ايش قال هون أول اشي؟ لماذا لا تتبعوني؟ ألسْتُ أنا من وجهكم مرشدكم إلى هذا العالم؟ طيب، حتى لو كنت أنت أرشدنا إلى هذا العالم، هل هذا يعني أنه المنطق السليم أنه إذا أنت خالفت العالم أنه نتبعك أنت؟ هيك المنطق السليم بحكي؟

طيب ما زال هذا يكمل ويقول للعوام: إذا قدحتم في رأيي وامتنعتم من قبوله فانتم في الحقيقة تقدحون في العالم الذي أرشدتكم إليه. طب كيف يعني؟ كيف يكون قدحنا في رأيك هو قدح في العالم الذي أرشدتكم إليه؟ ما التلازم في ذلك؟ فهذه كلها مغالطات يرتكبها هذا العامي في الدفاع عن نفسه، فماذا سيجيب الناس هذا الرجل؟ فيقول الناس له الآن أنظروا الخطاب العقلاني، الناس تتحاور مع هذا العامي، هذا العامي متبجح يريد أن يفرض نفسه في الميدان.

فالعوام والناس بدأت ترد عليه، تقول له: لما شهدت لنا أيها العامي بثقة هذا العالم وضبطه؟ يعني احنا كعوام من اللي دلنا على هذا العالم؟ احنا بنعترف إنه أنت الذي دللتنا على هذا العالم.

في اعتراف، لكن لما شهدت لنا أنت بثقة هذا العالم وضبطه، وأنك تعلمت منه، وأنك تعود إليه، كان ذلك إخباراً منك لنا بأن نتبع هذا العالم دونك بشكل منطقي؟ أنت لما أخبرتني إنه هذا العالم ثقة، وإنه أنت بتتعلم على يده وتستقي منه المعلومات، أليس هذا يتضمن إخباراً منك لنا أننا علينا أن نعود إلى هذا العالم وألا نقبل رأيك؟ هذا فحوى كلامك.

وهذا الكلام منك يتضمن أن نرجع إليه وألا نرجع إليك، فاتباعنا لهذا العالم في رأيه وترك الرجوع إلى رأيك، لا يعني أننا نقدح في إرشادك لنا إليه، ولا ننكر فضلك علينا، أنت الله يجزاك الخير، أنت دللتني على هذا العالم، لكن لما نأخذ برأي هذا العالم وندع رأيك، هذا لا يحط من قدرك، وفي نفس الوقت لا يعني إزراء بك.

صحيح، لكن في المقابل انظروا لهذا الحوار، حوار عقلاني صح؟ لكن في المقابل لا يلزمنا ولا يتوجب علينا أن نرجع إليك كلما خالفت أنت هذا العالم برأيك، بل المنطق السوي يقتضي منا الرجوع إلى هذا العالم الذي يعقل الأمور أكثر منك، ووقف على علم لم تقف عليه أنت باعترافك أنت.

هكذا الإنسان السوي يفكر، انتهى المشهد. ما رأيكم بهذا الحوار؟ هذا الحوار أحبتي هو يمثل لنا مثلاً نضربه للعلاقة بين العقل والوحي، فالوحي هو هذا العالم النحرير، والعامي الذي أرشد الناس هو العقل، تمام؟

فالعقل أرشدنا إلى الوحي، إلى العالم النحرير، تمام؟ هو الذي أرشدنا إليه، لكن بعد أن أرشدنا نحن، أنا وانت، نحن عوام الناس، جاءت عقولنا فقالت لنا: هناك إله فاتبعوه، هناك وحي فاعلموه، صح؟ عقولنا أرشدتنا، لكن هل إرشاد عقولنا إلى الإله الحق يعني أننا يجب دائماً أن نقدم عقولنا على الوحي إذا لم يعجب عقلنا؟

هل هذا، هل لأن العقل دلنا على الإله، هل هذا يعني أننا يجب علينا أن نتبع عقولنا كلما خالفت عقولنا للإله وللوحي؟ هل هذا المنطق السليم؟ كلا، ليس هذا المنطق السليم، بل المنطق السليم أننا نشكر العقل ونقول له: جزاك الله خيراً على أن أرشدتنا إلى الإله، لكن الآن علينا أن نأخذ برأي الإله، أو عفواً، علينا أن نأخذ بوحي الإله وبما أرسله إلينا، وبما وجهه إلينا من الرسل والرسالات والآيات والنصوص.

وإذا جاء نص إلهي يخالفك أيها العاقل فسامحنا، الوحي الإلهي مقدم عليك؛ لأنك أنت اعترفت لنا أن هذا الوحي الإلهي معصوم من الخطأ، وأن هذا الوحي الإلهي من الله الذي وسع علمه كل شيء، أنت أخبرتنا بكل هذه التفاصيل، فكيف إذا جاء نص من هذا الإله العظيم يخالف عقلك ومنطقك، تطالبنا بأن نتبعك، وأن نترك هذا الإله العظيم، وأن نترك هذا الوحي، وأن نعرض عنه؟ هذا منطق ليس بسديد.

فهمتم المثال؟ وفهمتم كيف نطبقه على العلاقة بين العقل والوحي؟ هذا هو المثال، هذه واقع القضية أحبتي، العقل إنسان عامي أرشدنا إلى وجود الإله، لكن لما الحمد لله وصلنا إلى الإله عرفنا إنه إله حكيم عليم وسيعلم كل شيء، فإذا جاءنا منه شيء ثابت صحيح فلا يصح لنا أن نعترض على هذا الشيء بعقولنا بحجة أن العقول هي التي دلتنا على هذا الإله، بالتالي علينا أن كل ما يجيء من هذا الإله على هذا العقل، هل هذا يقوله انسان عاقل؟

يعني كأنك تقول في المثال: بما أن هذا العامي أرشدنا إلى هذا العالم معناه كل فتوى بدها تيجي من هذا العالم لازم أعرضها على هذا العامي، هيك الفكرة؟ إذا وافق العامة عليها واقتنع، معناته نقول لهذا العالم: سنأخذ فتواك، ليه؟ لأنه العامي الحمد لله اللي دل عليك قبلها.

هكذا العقول تفكر؟ هكذا المنطق السوي؟ لا يمكن أحبتي، فهذا المثل المضروب يمثل لنا العلاقة التي تربط العقل بالنقل، مع ملاحظة، يعني حتى أنتم بدكم تلاحظوا إنه في فرق ترى بين العلاقة بين العقل والوحي والعلاقة بين العامي والعالم مع وجود فرق، ايش هو الفرق؟

مع ملاحظة أن العالم المجتهد، العالم هذا المجتهد الذي دلنا عليه العامي ينكر عليه الخطأ، صح؟ مش ممكن العالم مش راضي يخطئ كإمكان، ممكن ولا مش ممكن؟ ممكن، في أحد معصوم من الخطأ؟ مع ملاحظة أن العالم المجتهد يمكن عليه الخطأ، والعامي هذا الضعيف يستطيع في يوم من الأيام لو بذل جهده أن يرتقي إلى أن يصبح هو عالم مجتهد هذا في مثالنا، بينما في أبواب العقائد العقول لا تستطيع في حال من الأحوال أن تصل إلى درجة الوحي، صح؟

العامي ممكن يصير عالم، لكن العقل لا يمكن يصبح في درجة الوحي.

ثانيا: الوحي لا يمكن بحال من الأحوال إذا كان صحيحاً ثابتاً عن الله وعن رسوله عليه الصلاة والسلام أن يخطئ، بينما العالم المجتهد يمكن أن يخطئ، فإذا كنا نحن في قصة العامي مع العالم كان منطقنا يقودنا إلى أن نتبع العالم ونترك العامي، مع أن العالم يمكن عليه الخطأ، والعامي قد يصيب وقد يصل إلى درجة الاجتهاد إذا تعب على نفسه، فمن باب أولى في مسألتنا مسألة العقل والوحي أن الوحي هو الذي يجب أن يتبع في كل الأحوال والصور؛ لأنه معصوم من الخطأ، والعقل لا يمكن بحال من الأحوال أن يصل إلى درجة الوحي.

فبالتالي بهذا المثال وبهذا التصور أجبنا عن هذه الشبهة التي تدور في أذهان كثير من طلبة العلم، وهو: إذا كان العقل هو الذي قادنا إلى الوحي، فاذاً يجب علينا أن نقدس العقل ونجعله هو الأصل الأصيل في باب العقائد.

كلا، بل الأصل الأصيل في باب العقائد هو الوحي، والعقل عامي أرشدنا إلى وجود الوحي، أرشدنا إلى وجود الوحي، فعلينا إذاً أن نقدس الوحي.

تمام، إذاً أنا في المحاضرة السابقة أحبتي في الحقيقة تكلمت عن نظرة أهل السنة والجماعة، أن هذا الذي ركزت عليه في المحاضرة السابقة، نظرة اهل السنة والجماعة للعلاقة التي تربط بين الوحي والعقل، وذكرت الأدلة على أن أهل السنة لماذا يقدمون الوحي على العقل؟ ولماذا، وما هي وظيفة العقل تجاه الوحي، والأدلة من الكتاب والسنة، وأن أول واجب على الانسان شهادة التوحيد، إلى غير ذلك.

اليوم في فقرة قصيرة سأختم أبين فيها بشكل عام بخطوط عريضة منهج المتكلمين في، أو منهج الذين حادوا عن أهل السنة والجماعة عموماً، لا أريد أقول منهج المتكلمين فقط، منهج كل من حاد عن منهج أهل السنة والجماعة، كيف قدموا العقل على الوحي، كيف قدموا العقل على النقل.

ساتكلم الآن بفقرة قصيرة عن هذا الموضوع، ثم بعد ذلك ألخص لكم خلاصة تبين الفرق بين المنهج القرآني الصحيح في الاستدلال على مسائل الاعتقاد، والمنهج الكلامي الذي يقدم العقل على النقل.

فاقول أحبتي، اتماما للكلام الذي ختمنا به المجلس السابق، في المجلس السابق كنا نتكلم في الاستطراد الذي استطردنا فيه موضوع الوحي على العقل، وبينت لكم منهج اهل السنة والجماعة في تقديم الوحي على العقل، وذكرت الأدلة وكل هذه التفاصيل، ثم الوقت لم يسمح لي، فختبت بهذا السؤال: إذا كان العقل دلنا على الوحي فكيف نقدم الوحي على العقل؟

اليوم الآن ماذا سافعل؟ الآن سانطلق في محاضرة اليوم بإذن الله، لا، ساتكلم عن بشكل عام المناهج المنحرفة عن أهل السنة والجماعة كيف قدمت وقدست العقل على الوحي، ثم أعطيكم خلاصة بهذا الاستطراد حتى ننتقل إن شاء الله إلى الدليل الثاني أو المنهج الثاني المردود في الاستدلال على مسائل الاعتقاد.

لكن لا أظن أن حتى الخلاصة التي أقدمها لكم ستنتهي اليوم، أنا أحاول أن أركز المعلومة أن يكون فيها زخم، نعم أدرك ذلك؛ لأنني أحاول أن أؤصل الطالب؛ لأننا في عصر في الحقيقة أحبتي تداخلت الأمور عند كثير من طلبة العلم، تداخلت الأمور عند كثير من طلبة العلم، تاهت المسائل، حتى الطالب الذي يسير من أهل السنة والجماعة هناك بعض الضبابيات عنده في المنهج، بعض الأمور غير الواضحة في الاستدلال، قد يقتوده أحياناً عدم فهم طريقة بناء المسائل العقدية أو حجم المسائل العقدية إلى تعنت في بعض المسائل، فأظن هذه المقدمة التي أقدمها على طولها مقدمة تأصيلية مهمة، أسأل الله العظيم أن ينفع بها.

فالمهم، ما هي نظرة الطرف الآخر الذي خرج عن دائرة أهل السنة والجماعة؟ ما هي نظرتهم إلى العلاقة بين العقل والنقل؟ عرفنا أن نظرتهم العامة هي تقديم العقل على النقل.

فاقول: وأما من حاد عن منهج أهل السنة والجماعة من الفرق الكلامية وغيرها، فإنهم يجعلونه، ركزوا الآن في الكلام، فإنهم يجعلون عقولهم هي المبدأ في الاعتقاد، وهي المنطلق في التفكير العقدي، وهي الحاكمة، هنا بلشت بدأنا بالأخطاء، وهي الحاكمة على صحة النصوص أو بطلانها، وهي الحاكمة على النصوص للتأويل أو عدم حاجتها للتأويل، وهي الحاكمة على ما يستحقه الرب من الصفات وما لا يستحقه من الصفات، فقط العقول المجردة.

وهذه كلها أخطاء منهجية خطيرة، أخطاء منهجية خطيرة، الفرق المباينة لمنهج أهل السنة والجماعة جعلت العقول هي المبدأ في الاعتقاد، هي المنطلق في الاعتقاد، هي حاكمة على صحة النصوص أو بطلانها، هي الحاكمة على حاجة النصوص للتأويل أو عدم حاجتها للتأويل، هي الحاكمة على ما يوصف به الرب وما لا يصح أن يوصف به الرب، كله يعود إلى عقولهم، وهذا في الحقيقة خروج عن منهج أهل السنة والجماعة، وخروج عن الجادة الصحيحة التي ينبغي أن تبنى عليها مسائل الاعتقاد.

وجل كلام هؤلاء وعمدته، ها، جل كلام المخالفين لمنهج أهل السنة والجماعة، جل كلامهم وعمدة كلامهم في مصنفاتهم العقدية على ماذا يدور؟ إنما هو في القضايا التي يسمونها العقليات، لو فتحت أنت أي كتاب يسير على منهج الكلاميين، أي كتاب يريد أن يبني العقيدة لكنه على طرق الكلاميين، ستجد هذا الكلام وهذا الكتاب من بدايته إلى نهايته معبأ بمسائل عقلية، معبأ بمسائل عقلية، والنصوص النقلية هي عندهم كالملح على الطعام فقط.

وأما هذا الكتاب من أوله إلى آخره مسائل يسمونها عقليات وأدلة عقلية متكلفة في أكثرها، لا أريد أقول في كلها حتى أكون دقيقاً علمياً، أدلة عقلية متكلفة في أكثرها يسمونها العقليات.

ثم بشكل عام أحبتي، علماء الكلام كيف يتكلمون في مسائل الاعتقاد في مصنفاتهم العقدية؟ انظروا في الخريدة البهية، انظروا في السنوسية الكبرى، انظروا في كتبهم، أنا لا يعني آتي بشيء من عندي، أنا أريد منكم أن تنظروا وأن تتأملوا لتحكموا هل كلامي دقيق أم ليس بالدقيق؟

هم يبدؤون كلامهم في مسائل الاعتقاد أولاً ببيان أحكام العقل الثلاث، انظر في الخريدة البهية هذا للعدوي رحمة الله تعالى عليه، انظروا كيف بدأ عقيدته، بدأها بعد الصلاة والسلام على النبي عليه الصلاة والسلام ببيان ما هي الأحكام العقلية، هو الآن يبني عقيدة مسلم، بدأها ببيان ما هي الأحكام العقلية، فاعلم أن الأحكام العقلية ثلاث: الواجب العقلي، المستحيل العقلي، الممتنع العقلي، ثم يعطيكم تعريف: ما هو الواجب العقلي؟ ما هو المستحيل العقلي؟ ما هو الممكن العقلي؟

بعد أن يتكلم عن الأحكام العقلية الثلاث ينتقل بعد ذلك، طبعا هناك يعني تباين بينهم، وهناك من يقدم شيئاً على شيء، يؤخر شيئاً على شيء، ليست يعني طريقة بالسطر وباللفظ، لكن هي الطريقة العامة، بعد أن يبينوا الأحكام العقلية ينطلقون بعد ذلك إلى الأقيسة التي تثبت وجود صانع لهذا الكون، هذه الأقيسة التي يهتمون بها، يأتون بالأقيسة العقلية التي تثبت وجود صانع، يعني هنا لهذا الكون صانع.

هذا القياس العقلي يهتمون به ويضعونه في رأس كتب الاعتقاد، ويعتبرونه أصل الأصول، وفي المجلس الأول من مجالس هذه الدورة المباركة بإذن الله بينت لكم أن الأمم عموماً عبر تاريخ البشرية لم تنكر وجود صانع، وإنما الخلاف كان بينها في من هو المعبود الذي يستحق العبادة، وإنما إثبات وجود صانع تحتاج وأنت تناقش شخص ملحد؟ اه، نعم أحتاج إلى هذه القضية، لكن أنا كإنسان مسلم، بل حتى من يخالفنا من اليهود والنصارى في الأديان، وغير اليهود والنصارى، جل الأديان وجل العقائد تثبت وجود صانع، لكن نزاعنا من هو؟ من هو؟ وليس نزاعنا أن نثبت هل هناك للعالم صانع؟ هذا مع بعض الملحدين، مع شذاذ من الآفاق، نعم ربما اتسعت الدائرة اليوم، هناك أسباب لها في الإلحاد، لكن بشكل عام لم يكن الإلحاد منهج بشري عام، تمام؟

فلماذا نستفرغ الوسع في ذكر أدلة وجود صانع بأقيسة؟ ولو كان يعني إشارة عابرة ما عندي مشكلة، لكن الكلام بذكر أقيسة من مقدمات ونتائج، وهذه الأقيسة نبدأ ندلل على مقدمات المقدمة الأولى، نثبت صدقها مقدمتها، نثبت صدقها، ثم نصل إلى موضوع متعب وطويل ولا يحتاج كل ذلك التعب، هكذا يفعلون.

المهم، يبدؤون بذكر الأحكام العقلية، وانظر الرسالة التي تصل إليك، أنت حينما تجد كتاباً عقدياً يبتدأ بذكر الأحكام العقلية الثلاث، ما هي الرسالة التي تصل إليك؟ ماذا تفهم؟

أنا ما أفهم أن صاحب هذه الرسالة يريد أن يؤسس العقيدة على العقل، أنا هذا الذي أفهمه، هذه أول رسالة من الإشارة أو إشارة من الإشارات التي تصل إلى فهمي كطالب علم يريد أن يتعلم، تبدأ العقيدة معي، لا تبدأ بتعريفي بالإله لسا، لا تبدأ بتعريفي بالنبوة، لا، لا، تبدأ بما هي الأحكام العقلية الثلاث.

طب بالله عليكم، هل محمد صلى الله عليه وسلم في بنائه العقدي للصحابة الكرام وفي دعوته لأهل مكة ولغيرهم، هل بدأ في بنائهم العقدي يلا ما هي الأحكام العقلية؟

ثلاث وبدأ يخبرهم بالواجب العقلي والمستحيل العقلي والممتنع العقلي. إياك أن تقول ذاك زمن وهذا الزمن، لا لا. دعوكم من هذا التعليل البارز. منهج محمد صلى الله عليه وسلم هو المنهج الذي يجب أن يتبع في بناء العقائد، ومن قال إن منهج محمد صلى الله عليه وسلم كان صالحاً لزمانه ونحن نحتاج إلى مناهج جديدة تلائم زماننا فعليه أن يعيد نظره فقط، هذا ما أقوله: عليه أن يعيد نظره وأن يتقي الله سبحانه وتعالى فيما يتكلم به، فإن هذه الكلمة خطيرة. ورب كلمة يتكلم بها الإنسان لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً. كلمة عظيمة وخطيرة أن تقول إن منهج محمد صلى الله عليه وسلم في بناء العقائد كان صالحاً لزمنه، وأما في أزماننا فنحتاج إلى مناهج أخرى في بناء العقائد.

نعم، لا مانع من أن نستفيد من الثورة الصناعية ونوظفها في الهداية وإرشاد مثلاً من كان وقع في إلحاد أو شبهة، يعني في الدفاع عن عقائدنا، لكن في بنائنا العقدي الشخصي، في بناء المسلمين، في دعوتهم، لا؛ لا تقل منهج محمد صلى الله عليه وسلم منهج صالح لزمنه، بل عليك أن تقرأ منهجه وأن تنظر في همساته وأن تراقب كلماته وتأخذ من المنهج والمنبع، فإياك ثم إياك أن يغرك الشيطان بكلام يخرج من فيك قد يوبقك ويهلكك، نسأل الله السلامة والعافية.

فالمهم، نعود -أنا أخرج السطر ثم أعود- كتب العقائد إذاً عند المناهج المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة تبدأ بالأحكام العقلية؛ تبين لك ما هي الأحكام العقلية، ثم تبدأ في ذكر الأقيسة العقلية على إثبات وجود صانع لهذا الكون، طبعاً من هو الصانع؟ لسا ما عرفناه، في صانع لهذا الكون، وهذا كما قلنا أنت لم تصلني بعد إلى النتيجة التي أريد: من هو الصانع؟ ثم يأتون أو يخوضون بعد ذلك في صفات الله سبحانه وتعالى، فيقول يعني ما هي الصفات التي يجب أن يتصف الرب بها وجوباً عقلياً؟ هم لماذا يبدأون بالأحكام العقلية الثلاث ويعرفونك بها؟ لأنهم سيبنون عليها مسائل الاعتقاد.

فيبدأون ما هي الأحكام أو ما هي الصفات التي يجب عقلاً أن تكون في الله سبحانه، وما هي الأمور التي تمتنع عقلاً أن تكون في الله سبحانه وتعالى؟ وما هي الأمور التي يمكن أن تكون ويمكن ألا تكون؟ طيب، وبعد أن يخوضوا بالامكانيات العقلية، الجهات العقلية والمستحيلات العقلية في الله عز وجل، ينتقلون إلى إثبات النبوة بالأدلة العقلية؛ ينتقلون إلى إثبات النبوة بماذا؟ بالأدلة العقلية، يعني دلالة المعجزة على صدقه، وهذا الدليل تكلمت عنه في مجلس أو في عفو محاضرات سابقة، لا أتكلم عنه الآن.

المهم، أنت ما زلت تسير مع العقل، مع العقل، مع العقل، ثم بعد أن تثبت وجود صانع ثم تثبت صدق النبوة يقولون لك: الآن انتهينا من هذه الأمور، نأتي إلى باب السمعيات. السمعيات نعم، يأتون فيه بالاحاديث والآيات القرآنية، فمثلاً يأتون بالآيات التي تتكلم عن عذاب القبر والأحاديث تتكلم عن عذاب القبر، فباب السمعيات سنأتي إليه إن شاء الله ونحن نشرح كلام القدامى. الباب الذي يتكلم عن عذاب القبر، عن أحوال يوم القيامة، عن علامات آخر الزمان، عن بعض المشاهد العقدية التي لا تتعلق بالإله مباشرة، وإنما تتعلق بماذا؟ بأمور الغيب، كالملائكة، أمور تتعلق بالجن، أمور تتعلق باليوم الآخر، بالجنة، بالنار، فيقولون هذه السمعيات نستطيع نعم أن نأخذها من الكتاب والسنة وعقولنا لا تدركها، هم يقرون هنا أن العقول لا مخاض لها.

لكن كل هذا المسير السابق، يعني هل كان فعلاً مقبولاً منكم أن تحكموا عقولكم به؟ في قضايا الاستدلال على وجود الصانع وفي قضايا، نعم يعني أنا ما عندي مشكلة أعود حتى ما يفهم كلامي خطأ، ما عندي مشكلة في أن نستخدم أدلة عقلية واضحة جلية من دون تكلف في الدلالة على وجوده، لكن أن تقف بي عند حدود وجود الصانع، طب من هو الصانع هذا أولاً؟ ثانياً: أن تبني صفات هذا الصانع وأفعال هذا الصانع، ما هي صفاته؟ وما الذي يستحق من الصفات؟ أن تبنيها أيضاً على ما تقول به العقول أيضاً، لا يصلح، هذه أمور يجب أن تأخذها منه، هو الذي يخبرنا ما يتصف به من الصفات العلا والأسماء الحسنى، نحن نأخذ ذلك منه ونتلقاه منه وليس من عقولنا، فإن عقولنا قاصرة عن معرفة ذاته سبحانه وتعالى وعما يستحق من الصفات.

نعم، نحن نعلم بالعقل أنه لا يمكن أن يكون متصفاً بالنقص، ونعلم بالعقل أنه دائماً متصف بالكمال، لكن ما هو الكمال؟ ما هو النقص الذي يمتنع عنه؟ يخبرنا به سبحانه وتعالى، فلا نقبل إذاً أن نستهلك الوقت الأكبر في بنائنا العقدي في أقيّس عقلية متعمقة متفلسفة، أيضاً طبيعة الأقيسة أحبتي -يعني عندنا عدة مشاكل أنا في الحقيقة لا اريد أن أسهم، عدة مشاكل في طرحهم ولعلي سأمر عليها إن شاء الله أكثر وأكثر الآن- حينما أبين الفرق بين منهج القرآن في تأسيس العقائد ومنهج الكلاميين، طريقة الأقيسة بتعمقها، باضطرابها، إشكالية كبيرة أيضاً، فطالب العلم يخرج من دوامة عقلية إلى دوامة عقلية أخرى، ومن شبهة عقلية إن نفذ منها لا يكاد يسلم من شبة عقلية أخرى.

فهناك مشكلة إذاً سواء في طريقة البناء العقدي، ثانياً في المحتوى الذي يبنون به نفس المضمون كيف تقدمونه؟ عدة مشاكل هي للأسف التي تخرج الإنسان من الجادة الصحيحة التي سار عليها محمد صلى الله عليه وسلم في بناء العقائد إلى الجادة المردودة الردية. طيب، أنا أصبت ربما في هذا الكلام لحرقته، لكن تذكرت قضية قال أحد الطلبة أو سألني عنها أحد الطلبة، بسم الله، أحد الطلبة يسأل أحبتي ويقول: أنت يا شيخ في المحاضرة السابقة قلت إن علماء الكلام لا يصرحون بتقديم العقل على الوحي.

نعم، أنا قلت إن علماء الكلام لا يصرحون بتقديم العقل على الوحي، لكن هذا هو مضمون فعلهم، يعني هذه هي الحقيقة الواقعية التطبيقية أنهم يقدمون وإن كانوا لا يصرحون أننا نقدم العقل على الوحي، فهذا الطالب يسأل يقول: يا شيخ أنا رأيت كثير من العلماء يصرح بأنه يقدم العقل على النقل، فكيف تقول أنهم لا يصرحون بتقديم العقل على الوحي؟ أو حتى قضية مثلاً الجملة لو غيرناها تقديم العقل على النقل.

في الحقيقة اخي الكريم الذي سأل وللجميع، هذا الكلام قضية هل علماء الكلام -يعني خاصة أصحاب الديانة منهم من نحسن فيهم الظن من العلماء الكبار في التاريخ الإسلامي ممن تصدر لعلم الكلام كالجويني والغزالي والرازي وغيرهم من أساطين علم الكلام- هل هؤلاء يقولون صراحة وبملء أفواههم -ركزوا الآن الكلام دقيق شوي- هل هؤلاء يقولون صراحة وملء أفواههم إننا نقدم عقولنا على الوحي؟ في الحقيقة هذه الكلمة صراحة لا تصدر منهم.

بل هذه الكلمة لو صدرت من إنسان، لو قال شخص: أنا أقدم عقلي على الوحي لكفر، غير معقول غير مقبول أن تقول أنا أقدم عقلي على الوحي، لأنك بهذا الطريق أنت تنصب عقلك مشرعاً وتجعله أقدر من الوحي على الوصول إلى المسائل، فهذه الكلمة لا يمكن أن تصدر من عالم كبير من علماء المسلمين، وإن كنا نخالفه في منهجه العقدي وفي مسلكه العقدي، لكننا نحسن الظن بهم ونترحم عليهم ولا نظن بهم إلا خيراً، رحمة الله على علماء المسلمين.

فلا تظن أخي أن هذه الكلمة بهذه الصراحة تصدر منهم، لكن ما الذي يصدر منهم ويجعلك تتوهم هذا الوهم أنك تقول: يا شيخ هم يقولون نحن نقدم العقل على النقل؟ هم ماذا يقولون؟ هم يقولون أحبتي إذا جاءت مسألة من النقل وعقولنا حكمت بامتناعها أنها غير مقبولة، العاقل يقول والله هذا ممنوع، فإن هذا النقل إما أن يكون لم يثبت فهو ضعيف من حيث السند، وإذا كان ثابتاً من حيث السند فهو إما مؤول أو نفوض علمه إلى الله ونقول الله أعلم بمعناه.

هذه طريقتهم، وفرق بين الطريقتين، يعني دائماً أحبتي الإنصاف من شيم الأشراف، فحينما تنقد منهجا خاطئاً إياك أن تجور على أصحابه وأن تقولهم ما لا يقولون إياك، بل عليك أن تفهم كلامهم على مقصدهم وليس بالطريقة التي تريد أنت أن تفهمها، لا يصح ذلك، عليك أن تفهم كلامهم على مقصدهم، ثم بعد ذلك تحلل: هل هذا صحيح أم خاطئ؟

فنحنا ماذا نقول؟ نقول: علماء الكلام لا يصرحون -لا، ما في أحد من علماء الكلام الكبار من شهدت لهم الأمة بالخير كما نحسبهم- لا يقولون والله نحن نقدم عقولنا على الوحي الإلهي، لا يقولون ذلك، وهذه كلمة خطيرة أصلاً لا تصدر منهم، ولكن ماذا يقولون؟ يقولون: نحن نقول إن العقل إذا جاء مخالفاً للنقل فان -يعني هذه طريقته طبعاً هي طريقة خاطئة- وطريقة بفحواها وبمضمونها النهائي تدل على ماذا؟ تدل على أنكم تقدمون العقل على النقل، لكنهم لا يصرحون بذلك.

هم يقولون: إذا جاء عقلنا مخالفاً للنقل فإن هذه قرينة واضحة على أن هذا النقل إما ضعيف في سنده لم يثبت، وإذا كان قوياً في سنده كالقرآن الكريم لا يستطيع أحد منهم أن يكون ضعيف في سنده، فإن هذا النص إما مؤول، ودليل تأويله قرينة عقلية وهي امتناع العقل بظاهره، امتناع العقل أن يقول بظاهره، وأما أن نفوضه.

وأما أن يقول عالم من علماء الكلام صراحة: أنا أقدم عقلي على نقل ثابت صحيح عن الله أو عن رسوله واضح الدلالة ولكني أخطئه؟ لا يقول ذلك أحد منهم، انتبه: الغزالي لا يقول ذلك، الجويني لا يقول ذلك، الرازي لا يقول ذلك، لا يقولون ذلك، ولا يحق لنا أن نقولهم ما لا يقولون.

هم بهذا المنهج -أنا أعيد هذه الأفكار لبعض الطلبة الذي قد يكون أخذ موقف من هؤلاء العلماء الكبار، قد يحمل كلامهم ما لا يحتمل لعدم فهمه لمقاصد كلامهم- أعيد مرة أخرى: حينما يقولون أحياناً إذا تعارض العقل مع النقل فإننا نقدم العقل، لو صدرت من شخص منهم فعليك أن تفهم ما المقصود بهذا الكلام؟ مقصودهم أن العقل إذا حكم بامتناع ما دل عليه النقل، فإما أن يكون النقل ضعيفاً في سنده، وإذا لم يكن ضعيفاً في سنده فإما أن هذا النقل يؤول أو يفوض، هذه طريقتهم.

طيب يا شيخ، طب إيش معنى هذا الكلام؟ إذا هو معنى هذا الكلام كتطبيق عملي: كتطبيق عملي أنهم قدموا العقل على النقل، لكننا نحسن الظن بهم أنهم يتبعون هذا المنهج وليس مقصد أحد منهم أنه يرى عقله مقدماً ومقَدَّساً على الوحي الإلهي، لا يمكن ذلك، ففرق بين أن تقول إنهم يقولون أن عقولنا مقدمة على الوحي الإلهي، هذه عبارة لا تصدر من علماء الكلام الثقات الكبار، وبين أن تقول هم مضمون أفعالهم أنهم يقدمون العقل على النقل، لكنهم يقصدون بذلك طريقة معينة هي أن النقل إما أن لا يكون ثابتاً وإما أن يكون مؤولاً أو يفوض أمره إلى الله ونتوقف في فهم النقل، لكن المهم أن يبقى العقل قائماً، وهذا في الواقع العملي تقديم للعقل على النقل، نعم، كذا نحن ننظر إليهم.

لكن مع نظرتنا إليهم بهذه الطريقة علينا أن نفهم طرائقهم لأننا لا نريد أن نحملهم ما لا يحتمل كلامهم، إذاً هذا كان استطراداً في إجابة هذا السؤال، لأنني أرى أن هذا السؤال مهم أن يُجاب حتى لا يحمل كلام العلماء الكبار ما لا يحتمل.

المهم السؤال الآن أحبتي، هذه الطريقة التي يكتب بها علماء الاعتقاد من المتكلمين المصنفات، طريقة أننا نبدأ بأحكام العقل نبينها الثلاث ثم ننتقل إلى أقيسة عقلية تتكلم عن إثبات الصانع ثم أقيسة عقلية لإثبات النبوة، ثم بعد ذلك من أحب منهم أن يتطرق إلى السمعيات تطرق، وليس كل الكتب الكلامية تتطرق إلى السمعيات، كثير منها لا يتطرق أصلاً إلى السمعيات، يكتفي بالعقليات ويقول السمعيات يأخذها الإنسان من الكتب وانتهى الأمر.

هذه الطريقة من أين أتوا بها؟ في الحقيقة انتبهوا لهذا الأمر، هم يحاكون بهذا المنهج الذي يسلكونه في باب الاعتقاد يحاكون الفلاسفة، خاصة فلاسفة اليونان، يسلكون على نفس المسلك لأنهم في الحقيقة تلقوا المنهج عنهم، وللأسف كما قلنا شربوا من منابع كدرة فتلطخت تصوراتهم وطرائقهم، أقول في هذا الباب: وهم يحاكون بذلك أي بطريقتهم في بناء عقائدهم وفي كتابة المصنفات العقدية يحاكون بذلك طريقة الفلاسفة التي بنوا عليها فكرهم في الإلهيات.

الفلاسفة كيف بنوا فكرهم في الإلهيات؟ طبعاً الآن أحبتي الفلاسفة الفلاسفة اليونان منهم من تكلم في علم الإله ويسمونه الميتافيزيقيا، ومن الفلاسفة من لم يتطرق إلى علم الإلهيات واقتصر فقط على علوم الطبيعة وعلوم الرياضيات ولم يتكلم أصلاً ولم يخض في الإلهيات، الكلام عن الفلاسفة الذين خاضوا في الإلهيات، هذا القسم من الفلاسفة الذي خاض في الإلهيات، كيف تكلموا في مسائل الإلهيات وعن وجود الإله للكون وعلاقة الإنسان بالإله؟ كيف تكلموا؟ تكلموا بهذا المنهج الذي أسنده لكم الفلاسفة، وهم يحاكون بذلك كما قلنا طريقة الفلاسفة التي بنوا عليها فكرهم بالإلهيات.

كيف فكر الفلاسفة الإلهيات؟ يبدأون بأنفسهم فيجعلونها الأساس، هكذا فلاسفة اليونان كانوا يفعلون، يبدأون بأنفسهم في كلامهم في الإلهيات، يجعلون هذه الأنفس هي الأساس الذي عليه، فيخوضون أولاً -أول مسألة يتكلمون عنها- في طرق إدراك النفس للمعلومات، هذه النفس وهذا الذهن كيف يصل؟ فيقسمونها فيقولون: النفس تحصل على المعلومات إما من خلال الحواس، وإما من خلال العقل، وإما من خلال اجتماع الحواس مع العقل. هذا أولاً، ثم يتكلمون بعد ذلك عن طرق الوصول إلى اليقين، كيف هذه النفس تستطيع من خلال وسائل المعرفة التي ذكرناها أن تصل إلى اليقين.

يخوضون في هذا. بعد هذا الكلام يبدأون في دراسة العلوم الطبيعية والحسابية، ثم بعد ذلك ينتقلون إلى دراسة علوم الإلهيات. فلاحظوا كيف البناء عند الفلاسفة يبدأ من أسفل إلى أعلى، صح؟

يبدأون بأنفسهم يتكلمون عن وسائل المعرفة والحصول عليها، وكيف لليقين، يبدأون بما حولهم من العلوم الأرضية، تجريبيات، طبيعيات، ثم ينتقلون رويداً رويداً إلى علوم الإلهيات، فيبدأون إذاً من أنفسهم إلى الأعلى.

ثم ينتقلون إذاً، قلنا بعد ذلك، للحديث عن الإلهيات والعلوم العلوية. والفلاسفة، لاحظوا الفلاسفة، وإن كانوا في العادة هم يتوسعون في كلامهم عن العلوم التجريبية الطبيعية والحسابية أكثر من كلامهم عن العلوم الإلهية، بخلاف المتكلمين؛ المتكلمون علماء الكلام في الإسلام يتكلمون في الإلهيات كثيراً، وخوضهم في العلوم الطبيعية والعلوم الحسابية قليل محدود. الفلاسفة بالعكس، الفلاسفة أكثر خوضهم في العلوم الرياضية والطبيعية، ويقل في باب الإلهيات.

لكن المشكلة أن هناك تشابهاً بين المتكلمين وبين الفلاسفة في طريقة البناء، وهو طريقة الانتقال أو البدء من النفس وما حولها ومعارفها، ثم الانتقال بها إلى الإلهيات. وهكذا فعل علماء الكلام أنهم يبدأون بأنفسهم، يبدأون بعقولهم، لما يتكلم عن الواجب العقلي والمستحيل العقلي والممتنع العقلي، ثم يعطيك معلومات عن هذه الأفكار. إذاً، بدأ بنفسه.

ثم انتقل بعد ذلك للحديث عن الأقيسة العقلية التي توصلك إلى الإله. إذاً، بدأ بنفسه وانتقل إلى الأعلى. لكن أهل السنة والجماعة لا، في تجديدهم لمسائل الاعتقاد وفي بنائها في نفوس روادهم، يبدأون من الوحي الإلهي.

يبدأون من إيش؟ من الوحي الإلهي. طب يا شيخ، اليس من الواجب أن نستفرغ الوسع في أقيسة عقلية نثبت بها صدق هذا الوحي ثم بعد ذلك نخوض في الوحي الإلهي؟

أخي الحبيب، إثبات وجود الصانع ووجود إله لهذا الكون لا يحتاج إلى كل هذا التعب الذي تتوهمه. لماذا؟ لأني في أول مجلس ذكرته، أخبرتك أن حاجة الإنسان للإله حاجة فطرية ضرورية، حاجة فطرية ضرورية.

يعني بعبارة أخرى، لا حاجة في الواقع العملي للاستدلال على وجود صانع؛ لأن هذا أمر واضح جداً. وفي علم المنطق يقولون: الأمور التي تحتاج إلى حجج هي الأمور النظرية.

وأما الأمور الضرورية فلا تحتاج إلى استدلال وأقامة حجاج عليها، وهذا درسناه في علم المنطق. العلوم والمسائل التي تحتاج إلى دليل، إلى قياس، إلى حجة، هي المسائل النظرية، المسائل التي تحتاج إلى نظر وتأمل، هذي تسمى مسائل نظرية.

ويقولون هم أنفسهم يقولون: المسائل الضرورية التي لا تحتاج إلى نظر وتأمل لا يحتاج فيها إلى قياس ولا إلى حجة. ووجود صانع لهذا الكون هذه مسألة ضرورية يا أخي الكريم. ولو أفترضت أنها وتنزلت أنها مسألة نظرية تحتاج إلى تأمل، فإن التأمل فيها يسير، لا يحتاج إلى تصفية الكلام ورصفه، بل يحتاج إلى أدنى أدنى تأمل في هذا الكون وفي عظمته وفي جلاله، فإن هذا يقودك إلى الإله.

فإذا كانت الفطرة مفطورة على وجود إله، وإذا كان كل شيء في هذا الكون يدل على وجود إله، بالله عليك هل أحتاج إلى أن أستفرغ الوسع في أقيسة وأثبت المقدمات وما صدق المقدمات لإثبات وجود صانع لهذا الكون؟ فلا تشتغل بشيء معلوم لديك، بل اشتغل بما هو المطلوب منك: من هو هذا الإله؟ ما يستحقه هذا الإله؟ توحيد هذا الإله، أن نتعبد إلى هذا الإله وأن أقصد, هذا هو المطلوب منك يا أخي الكريم.

طب يا شيخ، القرآن ألم يخبرها أن علينا أن ننظر في الآيات الكونية؟ القرآن ألم يخبرها بأهمية الوقوف على الآيات الكونية والتأمل فيها؟ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران: 190-191] إلى آخر الآيات، هذه ستأتي. تأمل في الكون، طيب، هذا التأمل هو لتعميق جذور الإيمان، لتعميق جذور الإيمان؛ لأنك في بعض اللحظات، أنا وانت تمر بنا لحظات نغفل عن وجود الإله فنرتكب المعاصي والذنوب والأخطاء.

ولو كان الإنسان في كل لحظة يستحضر وجود مولاه، هل تظنونه يعصي؟ لكننا في لحظة المعاصي والغفلة هناك غشاوة تأتي علينا، ننسى وجود الإله فنرتكب المعاصي والذنوب. وكلما كانت هذه الغشاوة أعلى وأعلى، إنما يكون ذلك بسبب نسياننا وعدم استحضارنا لوجود الإله.

فتأتي الآيات تحث الإنسان على تعميق النظر في هذا الكون حتى يتجذر ويتعمق في قلبك دائماً وأبداً وجود الإله، حتى لا تنساه، حتى يبقى هذا الإله، حبه والانقياد إليه وطاعته في قلبك دائماً منبهة لك. إذا هممت بمعصية تتذكر الإله، إذا نظرت نظرة حرام تتذكر الإله. هذا التذكر الدائم للإله إنما هو ناتج عن التأمل وعن تجديد الفكر في التفكر في مخلوقات الله وفي عظمة الإله وفي جلال الإله.

هذه الآيات تدعوك إلى هذا التعمق في تجذير جذور الحب، تجذير جذور الإيمان، حتى يتولد الطاعة، ولا تدعوك إلى تعميق النظر في أدلة فلسفية وأقيسة منطقية في النهاية لا توصلك إلى زيادة الإيمان وتعميق جذور الحب في قلبك لله سبحانه وتعالى.

في الحقيقة المحاضرة تسير وتسير، ولم أصل بعد إلى ربما ما أريد أن أعطيه لك، لكن اظن هذا التأصيل مهم جداً جداً حتى نعرف مفاصل مسائل الاعتقاد بين منهج أهل السنة وبين المناهج الخاطئة، ولا أصلح لي أن أسرداً المسائل سردًا والطالب بعد ما زال هناك عنده بعض المبهمات فيما هو الفرق بين منهج أهل السنة والجماعة الذي هو المنهج القرآني وبين منهج المتكلمين.

والآن كما وعدتكم سابدأ بالخلاصة؛ خلاصة أتكلم بها بشكل نقاط، يعني خلاصة لما لكل ما سبق، ولكنها خلاصة مركزة في ثلاث نقاط. خلاصة مركزة في ثلاث نقاط أتكلم فيها عن الفرق بين المنهج القرآني وهو منهج اهل السنة في بناء العقائد وعن منهج المتكلمين ومنهج الفرق عموماً التي خرجت عن مسلك اهل السنة والجماعة. ميزات المنهج القرآني السني في بناء العقائد، وما هي؟ وما هو الفرق بينه وبين المنهج البدعي في بناء العقائد؟ هذا سالخصه بثلاث نقاط، وتستطيع تعتبرها تلخيص وتوضيح للأفكار المترامية التي بثتها لكم في هذه المحاضرة وفي المحاضرة السابقة.

إذاً ما هو السؤال؟ هذا سؤال ونبدأ نجيب عليه: ما هو الفرق بين الطريقة القرآنية والطريقة الكلامية في الاستدلال على مسائل الاعتقاد؟ في الاستدلال على مسائل الاعتقاد أو قل بعبارة أخرى في بناء مسائل الاعتقاد، ما عندي مشكلة، هناك عدة فروق.

أولاً، نبدأ بالفرق الأول. وهناك تعمق، أنا أدرك ذلك، لكنه تعمق مهم جداً جداً وبإذن الله ستتمتعون أكثر وأكثر وأنتم تحللون وتتأملون وتفكرون. لا أريد أن يبقى الطالب في مكان الاستقبال فقط؛ حلل، فكر، انظر، تأمل، حتى تدرك الحق على ما هو عليه بإذن الله، والذي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرشدنا إليه دوماً، وأن نحيا عليه وأن نموت.

الفرق الأول: أولاً، الطرق الكلامية في الاستدلال على مسائل الاعتقاد مبنية على أدلة عقلية متعمقة، حد يفهمنا صح؟ الطرق الكلامية في الاستدلال على مسائل الاعتقاد مبنية على أدلة عقلية متعمقة.

وهذه الأدلة العقلية أولاً متعبة، متعبة للذهن، تحتاج إلى تأمل ونظر. يعني لا يغرك أنك فهمت بعضها، انظر في كلام صاحب المواقف وفي كلام غيره تجد التعمق. انظر في كلام الرازي في تأسيس التقديس ستجد التعمق الذي فيه تعب وكد. المهم هذه الأدلة العقلية متعبة.

اثنين، فيها مقدمات كثيرة، فيها طول.

ثلاثة، عليها إيرادات ومناقشات واعتراضات كثيرة، وهم أنفسهم أهل الكلام ليسوا متفقين على المقدمات التي يريدونها. ولو اتفقوا عليها، لو اتفقوا على المقدمات وعلى أدلتهم، تنازعوا في طرق إثباتها.

الآن المنطقية أحبتي نحن درسنا في أن القياس المنطقي سواء كان قياس اقتراني أو استثنائي هو من مقدمتين ونتيجة، اليس كذلك؟ هاتان المقدمتان أولاً لابد أن تثبت صحتهما قبل أن تنتقل إلى النتيجة. فهذه الأدلة العقلية المتكلفة التي يأتون بها، هم ليسوا متفقين على مقدماتها. ولو اتفقوا على هذه المقدمات، اختلفوا في طرق إثباتها؛ فهذا يثبتها بطريقة، وهذا يثبتها بطريقة أخرى. ولو اتفقوا على طرق إثباتها، فلا يصل إلى فهمها إلا الأذكياء منهم.

انظروا المشاكل التي نمر بها، إذاً هذي الكلام في نقطة الأولى نعيدها حتى الطلبة يكتبون: الطرق الكلامية في الاستدلال على مسائل الاعتقاد مبنية على أدلة عقلية متعمقة متعبة. هذي ميزتها طبعا ميزة سلبية وليست ميزة ايجابية؛ متعبة، فيها مقدمات كثيرة، وعليها إيرادات واعتراضات كثيرة.

أيضاً وهم أنفسهم علماء الكلام ليسوا متفقين على المقدمات. إذا اتفقوا على مقدمات بعض الإخوة سيختلفون في طرق إثبات صحة هذه المقدمات. إذا أثبتوا صحة هذه المقدمات تكتشف في النهاية أن الذين يدركون طريقة هذه الأقيسة ودلالتها هم فئة محدودة، واما من لا يعرف طرق القياسيين ومن ليس له دراية بتعمقات العقول من عوام الناس، لا يستطيع أن يفهم كل هذه الأمور. فكان الاستدلال على مسائل الاعتقاد أصبح محصوراً في طبقة معينة من الأذكياء.

والناظر في كتب الكلاميين المعتمدين على الأدلة المتعمقة -ما زلنا نكمل ذكر السلبيات- يظهر له حجم النزاع الدائر بينهم، كما قلنا في إثبات المقدمات القياسية؛ فما يثبته فلان ويلزم به ينقضه فلان.

أنا أسلط الضوء أكثر وأكثر على بعض الجزئيات. نحن قلنا إنهم علماء الكلام ليسوا متفقين على المقدمات التي يريدونها في الأقيسة، فما يأتي به فلان من المتكلمين ويثبته ويجزم به ينقضه فلان ويعترض عليه ويقول: لا، المقدمة الصحيحة ليست مقدمتك بل مقدمتي، تمام! فما يثبته فلان من المتكلمين ويلزم به ينقده صاحبه.

وما يعتبره فلان بعقله قطعياً يقول لك هذه مقدمة قطعية، بعضهم يجزم بهذه الطريقة، وما يعتبره فلان بعقله قطعياً لا يقبل النقاش بأي حال من الأحوال، يعتبره متكلم آخر وهماً كاذباً، بيقول أصلًا خطأ، يعني قضية قطع أو عدم قطع، أصلاً هذه المقدمة التي تقطع به أنا أراها وهماً كاذباً، خاطئة علمياً.

انظروا إلى ما هي المراحل التي وصلوا إليها وهم كاذباً نشأ عن قلة التأمل، وبعضهم يبني حجته على وهم عقلي يزعم أنه بديهة عقلية، إشكالية أخرى. بعضهم لما يأتي للمقدمات يقول: والله هذه من ضرورات العقول. وإذا أنت تكتشف أن هذا الذي اعتبرها من ضرورات العقول ومن واجباتها إذا هي وهم عقلي قال به، وربما يرد بوهمه الحقائق العقلية الثابتة فعلاً.

يعني هو أتى لوهمه العقلي جعله قاطعاً، ثم بهذا الوهم العقلي فند الحق الأصيل. وهذا كله مشكلة فوق مشكلة. يعني المقدمات تختلفون عليها، أنت تقول أنها قطعية هذا يقول أنها كاذبة أصلًا. ما يثبته فلان من المتكلمين ينقضه فلان من المتكلمين. ما يعتبره فلان الدليل القاطع في المسألة يعتبره فلان دليل ظني. كلياتها عبارة عن نقاشات بينهم لا توصل الإنسان إلى برد اليقين وإلى روح الإيمان الحق وإلى الاطمئنان الثابت وإلى استقرار النفس. فعجب عجاب كيف تطمئن قلوب القوم إلى مثل هذه الأقيسة!

لكن سأبيّن لكم من كلام أساطينهم ومن حروفهم كيف أنهم عادوا في نهاية أعمارهم ليقولوا إن هذا المسلك الذي سلكناه مسلك خاطئ، لكن دعونا في، إن شاء الله، في هذا الدرس أو في الدرس القادم أذكر لكم هذه النصوص عنهم.

ومما يؤكد لنا أحبتي قصور العقول، أنا سأعطيك مثال يؤكد قصور العقول عن الخوض في مسائل الاعتقاد وعن التعمق فيها، مما يؤكد قصور العقول ما أثبتته العلوم التجريبية المعاصرة من خطأ كثير من المقدمات والنظرات الفلسفية المتعمقة التي كان يعدها أصحابها قطعيات، فإذا هي أوهام لا حقيقة لها.

وهذا في باب العلوم التجريبية الطبيعية، فما ظنك في باب الإلهيات الذي كانوا يعتمدون فيه قياس الغائب على الشاهد؟ يعني أنا بدي أعطيك دليل على أن كثير من علماء الكلام لما يقول هذه مقدمة قطعية العقل يقول بضرورتها أن هذه الكلمة تحتاج إلى أن تدرسها، ولا تأخذها بالتسليم. من قال أن هذه قطعية؟ ناقش. من قال إنها من بديهيات العقول؟

لأن لماذا أقول؟ يجب النقاش كثير من القضايا العقلية ومن المقدمات العقلية كانت تعتبر عند فلاسفة اليونان بل حتى عند بعض المتكلمين الإسلاميين يعتبرون كونها مقدمة عقلية قاطعة لا تقبل النقاش في علوم الحياة التجريبية وفي العلوم الطبيعية والرياضية، مقدمة قاطعة ويدافع عنها ويموت بسبب من أجلها، ثم مع الاكتشافات الحديثة في العلوم التجريبية وفي العلوم الحياتية نكتشف أن هذه المقدمات التي كان ذاك الفلسفي من اليونان أو ذاك المتكلم يعتبرها قاطعة، نكتشف إذا هي وهم لا وجود له وأنها كانت خاطئة، هو كان يجزم بها ويحارب من أجلها، والعلوم الحديثة تثبت أنها أوهام.

إذا كان هذا القصور العقلي في مسائل الحياة، في علوم الحياة التي نشاهدها ونحس بها، فكيف هو برأيك مقدار القصور العقلي في إدراك مسائل الإلهيات والاعتماد على مسائل الإلهيات عند الفلاسفة وعند المتكلمين؟ على ماذا؟ على قياس يسمونه قياس الغائب على الشاهد.

إيش يعني قياس الغائب على الشاهد؟ الغائب هو الله؛ لأنه غيب، أنت لا تستطيع أن تنظر إليه، صح، في الدنيا. والشاهد هو الخلق، هذا الكون. فهم الفلاسفة اليونان كيف أخذوا تصوراتهم عن الاله وبنوا أفكارهم عن الإله؟ هل عادوا إلى وحي؟ كلا. قاسوا الإله، وهو الغائب يسمونه، على ما يشاهدونه في هذا الكون. فأصبحوا الأشياء التي يشاهدونها في هذا الكون يفسرونها ويقيسونها عن الإله، حاشاه سبحانه. الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] وهم يقيسون الله على مخلوقاته.

وهذا القياس يستخدمه كثير من المتكلمين الإسلاميين، وإن كان بعضهم كالجويني في البرهان ربما لم يقتنع به وله مناقشات مع.

لكن كثير من المتكلمين يعتمد قياس الغائب على الشاهد في باب العقائد، ويقول -أعني يبني فكره في الإله، وما يجب على الإله، وما يمتنع على الإله- على ما يتصوره في هذا الكون وفي حياته المشاهدة، وهذا خطأ. أنت كيف تبني ما يجب على الإله وما يمتنع عن الإله بناء على تصوراتك عن هذا الكون المشهود المحسوس؟! الإله غيب، وهذا الكون مشهود، وليس كمثل الإله شيء، هو قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11].

فإذا كان العقل -أنا ما أُريد أن أقوله- إذا كان العقل يجزم بصحة مقدمات في علوم تجريبية، طبيعية، حياتية، ثم نكتشف بعد فترة أنه ما كان يلزم به عبارة عن وهم علمي، وهذا كثير، عودوا وابحثوا عنه، فكيف هو مقدار الخطأ المتوقع في مسائل الإلهيات، وأنت هنا تتكلم عن أمور غيبية؟! فما تجزم به أنت أيها العقلاني المتكلم، ما يدريني أنك بعد مدة أو بعد سنة تكتشف أن هذا الجزم والقطع إذا هو وهم عقلي؟!

فانظروا إذاً كيف أن منهج المتكلمين انبنى على أدلة عقلية متعمقة، فيها تعب، فيها طول، لا تسلم من المناقشات، ما يجزم به فلان ينقضه فلان، ما يعتبره فلان قطعي يعتبره آخر وهم. وهذا فلان بعقله يتوهم شيئاً مجزوماً به، فيبني عليه مسائل الاعتقاد، ويعتبر الحق الثابت فعلاً هو الوهم، كلها مشاكل سببها أنك عدت إلى التعمق والتكلف في استخدام العقل فيما لا طاقة له به.

العقل أرشدك إلى وجود الإله بشكل واضح جلي، من دون ما تتعمق وتتكلف وتدخل نفسك وتقحم نفسك في مقدمات صعبة، مبنية أصلاً على ألفاظ مختلف فيها، ثم تبني على هذه المقدمات نتائج قد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة، هذا كله لا نحتاج إليه. ومن طالع كتب الكلاميين في باب الاعتقاد يدرك صحة ما قلناه، فإذا نظرت في كتب الاعتزال -علماء الاعتزال- لو نظرت في كتبهم تجدهم يسوقون أقيسة عقلية يزعمون أنها قطعية -أنا بدي أعقد مقارنة أنا الآن بين الفرق الكلامية-.

ائتني بكتاب اعتزالي لعبد الجبار أو لغيره من علماء الاعتزال، وانظر في الأقيسة العقلية التي يريدونها، يأتون بقياس عقلي ويقولون: هذه أقيسة عقلية لا تقبل النقاش ولا النزاع، هكذا العقل يقول، تمام، تجدهم يسوقون أقيسة يزعمون قطعيتها وأنها قامت على بديهيات عقلية وضرورات عقلية. طيب، ثم إذا نظرت في كتب مخالفيهم من الأطرق الكلامية كالأشاعرة أو الماتريدية تجد الأشاعرة يردون على المعتزلة بقياس آخر يزعمون أنه هو القياس القطعي الذي لا يقبل النقاش، وأن قياس أهل الاعتزال كان خاطئاً.

في هذه الحالة تقف حائراً كيف يكون القياس ونقيضه قاطعاً؟! يعني الأشاعرة أتوا بقياس زعموا أنه قاطع، ردوا به على المعتزلة الذين أتوا بقياس زعموا أنه قاطع، طب هنا من هو القاطع بالضبط؟! هل قياسك أيها الاشعري أم قياسك أيها المعتزلي؟ فتقف حائراً متعجباً كيف يكون القياس ونقيضه قاطعاً؟ طبعا مع اختلاف الأشخاص، يعني هو هذا القياس قاطع عند الأشاعرة، لكنه عند المعتزلة يعتبرونه وهم، وقياس المعتزل هو القطع عند المعتزل، ويعتبره الاشعري وهم.

فالسؤال الآن: هل عقل المعتزل أولى بأن أثق به من عقل الاشعري في بناء ومعرفة ما هو القطع؟ أم عقل الاشعري أولى من عقل المعتزلة؟ هذا سؤال إليكم، أي العقلين هو الصواب؟ أليست هذه مشكلة؟ يعني لماذا يعتبر المعتزلة أنفسهم هم الذين وصلوا إلى الأقيسة القطعية، ويعتبرون مخالفيهم من الأشاعرة أنهم وصلوا إلى أهام ليست أقيسة عقلية قطعية، لماذا؟ وفي المقابل لماذا الأشاعرة أو الماتريدية يعتبرون أقيستهم هي الأقيسة العقلية القطعية، ويعتبرون أقيسة المعتزلة أقيسة فاسدة؟

فأنت كمسلم برأيك أي العقلين أولى أن تتبع؟ عقل المعتزلي أم عقل الاشعري أو الماتريدي؟ وهذه إجابة يعني هذه أسئلة من حق أي إنسان أن يسألها: لماذا أعتبر عقلك هو المقياس الصحيح الذي يجب علي أن أتبعه؟ لماذا لا يكون عقل مخالفك هو المقياس؟ ومتى جعل المقياس في عقول البشر ضل الناس عن الإله الحق؟! هذه هي القاعدة، نعم، نحن لا نعود لا إلى عقل فلان ولا إلى عقل فلان، وإنما نعود إلى الوحي الإلهي.

وضرورات العقول هناك ما نسميها الأوليات العقلية، هذه الأوليات العقلية أحبتي اشترك فيها الناس جميعاً، الناس جميعاً يشتركون في الأوليات العقلية وفي ضرورات العقول العامة، وأما ما يدعيه بعض الناس من ضرورات العقول فهذا دعوكم منه، هناك ضرورات يعني تتفق الخلق جميعاً على اختلاف أديانهم ونظائرهم، يعني قضية أن الواحد نصف الاثنين -يعني في واحد من البشر يخالفنا فيها؟!- هذه ضرورات عقلية، وأن الجزء أكبر من الكل.

وأنا مؤمن أن وجود الإله والصانع لهذا الكون هذه ضرورة عقلية لا تحتاج إلى دليل، ضرورة عقلية لا تحتاج إلى إثبات، والنظر في الأدلة الكونية تزيدك يقينًا بعد يقين وتجذر جذور الإيمان في قلبك، أما هل هي فقط التي دلتك على وجود الإله؟ كلا، فنحن أخبرناك سابقاً أننا فطرنا على وجود الإله، كما أنك فطرت وتعلم من نفسك أن الجزء أكبر من الكل أو أن الواحد نصف الاثنين.

طبعا هناك خلاف، هل هذه الأوليات العقلية أو البديهيات العقلية هي أمور تتراكم في عقلك الإنسان وتصبح ضرورة عقلية بسبب الاستقراء في حياته، أم هي من أمور الفطرة التي فطر عليها؟ هذا خلاف بالنسبة ليس شيئاً كبيراً، يعني سواء قلت هذا أو قلت هذا لا يهمني، لكن هناك ضرورات عقلية بديهية عقلية لا ينكرها العقلاء جميعاً، أطفالاً، كباراً، ذكوراً، إناثاً، كانوا من المسلمين، من اليهود، من النصارى، من.. هناك هذه البديهيات العقلية، وأما ما بعد ذلك فتحتاج إلى نظر، فما يدعيه فلان أنه ضرورة عقلية يجب أولاً أن أتاكد هل فعلاً ضرورة عقلية؟

وأحياناً وكما ذكرت في شرح هذا السلم قد تكون بعض الضرورات العقلية ضرورتها نسبية، يعني هي ضرورة عقلية في مجتمع دون مجتمع آخر، لا أُريد أن أتعَبكم أكثر من ذلك. طيب، المهم عرفنا يعني كيف ننظر أنه لماذا أعتبر عقل المعتزل أولى من عقل الأشاعرة، وعقل الأشعري أولى من عقل المعتزلة؟! ففي الحقيقة ليس لي من عقول البشر مقياس، وإنما مقياس هو الوحي الإلهي الذي أسترشد به وأنظر فيه بالنظر العقلي الواضح الجلي الذي لا يعتمد على التكلفات.

هذه هي الفكرة التي أُريد أن أُوصلها، إذاً هذه هي المنهج، يعني هذه النقطة الأولى نحن الآن الطلاب ضاعوا معنا، نحن نتكلم ما هي الفوارق بين المنهج القرآني ومنهج أهل السنة وبين منهج المتكلمين في بناء العقائد؟ أولاً نحن ما زلنا في النقطة الأولى، أن منهج المتكلمين يقوم على أدلة عقلية متعمقة، متعبة، فيها مقدمات كثيرة، إيرادات عديدة، هم أنفسهم يختلفون فيها: هذا يعتبر قياسه قطعي، هذا يعتبر لا، أن قياسك باطل وأنا قياسي قطعي؛ فهم إذاً في حيرة من أمرهم، وفي أخذ ورد وجذب في هذه الأمور.

لكن الآن المقارنة أنا ما زلت ما بينت المنهج القرآني، أما من تأمل في هدي محمد صلى الله عليه وسلم في دعوته للناس وفي تعليمهم مسائل الاعتقاد، وقارن بين منهجه عليه الصلاة والسلام بأبي وامي وبين المنهج الكلامي، يتضح له مدى التعقيد الذي وصل إليه الكلاميون من الإسلاميين في طرح مسائل الاعتقاد وصياغتها وفي تصويرها كمسائل لا يدرك حقائقها إلا عليا القوم وخاصتهم.

يعني من قرأ في كتب مثلاً تأسيس التقديس أو في كتاب المواقف أو في غيرها من كتب حتى المعتزلة يظن أن هذه العقيدة عقيدة معقدة صعبة، من الذي يفهم كل هذا الكلام ويستطيع أن يدرك كل هذه الأقيسة؟! بينما النبي صلى الله عليه وسلم خاطب بدعوته الأعراب في البوادي، والنساء، وخاطب الأكاسرة والقياصرة في عروشهم بعيداً عن أي تعقيد وخفاء، وبمنهج يشترك البشر جميعاً في فهمه وتعقله.

حتى الأدلة العقلية التي أتى بها المنهج الإسلامي الصحيح والمنهج القرآني أدلة عقلية واضحة جداً، سأذكر مثال عليها إن شاء الله في نهاية الدرس القادم، لا أظن أني سأدرك في درس اليوم، الدرس القادم سأذكر لكم مثال تطبيقي نناقش فيه المنهج القرآني والمنهج.. المهم، لكن حتى الأدلة العقلية القرآنية واضحة سهلة، يدركها الأطفال ويدركها الذكور والإناث من له أدنى نظر عقل، لا يحتاج إلى إنسان متعمق متفلسف ناظر، بطح كتب الفلاسفة وتأمل فيها، أو إنسان تخصص في علوم المنطق ودرس المنطق أشكال القياس، لا لا، هكذا الطريق القرآنية إذاً وبمنهج يشترك البشر جميعاً في فهمه وتعقله.

وهذا ينسجم مع شمولية -يعني هذا الحقيقة المنهج القرآني ومنهج أهل السنة والجماعة في بناء مسائل الاعتقاد هو الذي ينسجم مع شمولية هذا الدين للناس جميعاً وللعقول جميعاً من مشارق الأرض إلى مغاربها- أليس هذا الدين للناس جميعاً؟ للعربي والعجمي، للأصفر والأبيض والأسود، للنساء والذكور، ليس لكل الناس؟

فاذا بما أن هذا الدين وهذه المادة العقدية هي مادة لكل الناس، فالاصل أن يكون بناءها في قلوب الناس وفي عقولهم بناءً سهلاً، ميسوراً، هَيناً، ليناً، ما في تعقيد، هذه معنى شمولية العقيدة، هذه معنى أن المادة العقدية مادة مشتركة بين الرسل جميعاً وللأمم جميعاً، هذا يقتضي أن تكون سهلة الفهم، والله إن العقيدة سهلة، والله إن العقيدة أحبتي لا تعقيد في دين الإسلام، دين سهل، واضح في مسائل الاعتقاد، لكن من الذي يعقد الأمور؟ نحن، حينما نتكلم ونتعمق في بنائنا للاعتقاد، ونبدأ بالتعمق في الأقيسة بمقدمات تحتاج إلى مقدمات أخرى، ونقاشات عقلية متفلسفة، نعم عقدنا الدين.

بدل أن نهتم بالجانب العملي الروحاني الإيماني التطبيقي الإنجازي الحضاري، اهتممنا بمناقشات عقلية متعمقة لم تفدنا في بناء العقائد شيئاً، نعم قد نكون استفدنا من بعض التعمقات في الرد على الملحدين، لا إشكال عندك، أكرر هذه القضية، لكنني في بناء العقائد معذرة لا أحتاج إلى كل هذا التكلف والتعمق، فديني سهل واضح، نظرت في الكتاب ونظرت في سنة محمد صلى الله عليه وسلم ونظرت في كلام الأصحاب فلم أجد تعقيداً، وجدتها مسالك واضحة ومناهج نقية سهلة تأخذها.

لكن الصعوبة في الحقيقة في التطبيق، في مطاوعة القلب للتوحيد الحق لله، هنا عليك أن تتعب، هنا عليك أن تنصب في العمل، في تحقيق التوحيد الخالص لله، في أن تجتنب الشرك الأكبر والأصغر، في ألا تخطئ، هنا تتعب، أما أن أتعب عقلي في إثبات أمور واضحة جلية، وأما في جانب العمل والتطبيق إذاً أنا ضعيف هزيل! هذه مفارقة في المنهج عن منهج الإسلام العظيم.

فاقول بطريقة الوحي القرآن والسنة -ما زلت أكمل في بيان منهج محمد صلى الله عليه وسلم السهل الواضح الذي لا يحتاج إلى تعب، لا يحتاج إلى مقدمات كثيرة، لا يوجد فيه منازعات بين الصحابة وبين السلف الصالح، ما في منازعات، لأنه منهج واضح يتفق مع الفطرة ويتفق مع البديهيات وضرورات العقول فعلاً-.

طريقة الوحي في القرآن والسنة والوحي ما هو؟ القرآن والسنة، طريقته في الاستدلال العقلي ميزتها ما هي؟ ميزة الاستدلال القرآني على مسائل الاعتقاد من خلال الأدلة العقلية إيش ميزته؟ أنها تعتمد الاستدلال المباشر على الإله الحق بما تفهمه بداهة العقول من دون الحاجة إلى ترتيب مقدمات وإلى اختبارها وإلى التدليل على صحة هذه المقدمات.

أعيد مرة أخرى: طريقة الوحي وهي القرآن والسنة في الاستدلال العقلي على مسائل الاعتقاد، كيف القرآن وكيف سنة النبي صلى الله عليه وسلم وظفت الأدلة العقلية للاستدلال على مسائل الاعتقاد؟ الأدلة القرآنية أحبتي في جلها في جلها تعتمد على الاستدلال المباشر على الإله الحق بما تفهمه بداهة العقول، يعني كل العقول بتفهم هذا الاستدلال المباشر، واستدلال مباشر على الإله الحق الذي يجب أن يعبد من دون الحاجة إلى ترتيب مقدمات ولا إلى اختبار هذه المقدمات ولا إلى التدليل على صحة المقدمات.

لأن المسائل العقدية أصالة التي يحتاج فيها إلى العقل -المسائل العقدية التي يحتاج فيها العقل ما هي برأيكم، ما هي المسائل العقيدية التي يحتاج فيها إلى العقل فعلاً؟- هي المسائل الواضحة الجلية؛ مسألة وجود الإله، مسألة النبي عليه الصلاة والسلام، العقل لا يستطيع أن يؤسس لنا أيها الأحبة عقيدة تفصيلية كما ذكرنا.

فالمسائل العقائدية هي التي يستدل عليها بالعقول أصالة هي مسائل الاعتقاد الواضح الجلية التي يمكن أن تدرك بأدنى وأسهل نظر عقلي، تمام، بالله عليكم أحبتي أعطوني مسألة عقدية تحتاج إلى إتعاب الذهن وإكلاله في فهمها، أنا أطالبكم هنا بمثال، أعطوني مثال على مسألة عقدية تحتاج إلى تعب ذهني حتى تفهم.

هل هناك صعوبة في فهم مثلاً مسألة وجود صانع لهذا الكون؟ هل تجدون صعوبة في فهمها؟ هل تجدون صعوبة في فهم مثلاً أن هذا الصانع بما أنه هو الصانع الذي انفرد بخلق هذا الكون وتدبيره، هو الذي يستحق العبادة، هل المسألة صعبة؟ هل مسألة اتصاف الله بالأسماء والصفات العلى والأسماء الحسنى مسألة صعبة؟

المسائل الصعبة في الاعتقاد هي المسائل التي لا يجوز للعقل أن يخوض فيها، كأن تفكر كيف يتصف الله بهذه الصفة، نعم هذه مسألة صعبة ولا يمكن أن تدركها فلا يجوز لعقلك أن يخوض فيها وإلا وقعت في التشبيه. فالمسائل الصعبة هي أن تدرك حقائق بعض الأمور التي لا يمكن للعقل أن يدرك حقائقها، فواجبك أن تقف وألا تخوض فيها، أما فهم مسائل الاعتقاد أتحدى أن يأتيني إنسان ويقول: والله يا شيخ فهم هاي المسألة العقدية صعب جداً أو يحتاج إلى عمل عقدي.

عميق جداً. لا يوجد فالقرآن الكريم والسنة المطهرة استخدمت أدلة عقلية نعم، لكن كيف طريقة استخدام الأدلة العقلية؟ استخدمت الأدلة العقلية التي تعتمد على لا للمباشر على الإله. طبعا شو يعني استدلال مباشر واستدلال غير مباشر؟ الاستدلال المباشر لا يتوقف على مقدمات. الاستدلال غير المباشر هو ليس المنطقية بنوعيها وهذا يحتاج إلى مقدمات. وقد ذكر ذلك في شرحه على المنطق، فالقرآن أحبتي لما يأتي بالأدلة العقلية للكلام عن وجود الصانع وعن ما يستحقه هذا الصانع أو عن استحالة وجود آلهة متعددة، القرآن أحبتي يستخدم عادة الأدلة العقلية المباشرة التي لا تتوقف على مقدمات.

وإذا استخدم أدلة عقلية غير مباشرة تتوقف على مقدمات فتكون هذه المقدمات واضحة جلية جداً. أعطيكم مثالاً؛ قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]. الآن هذا فعلاً استدلال غير مباشر يتكون من مقدمة كبرى، هذا قياس لما يسمونه قياس استثنائي يتكون من مقدمة كبرى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، ثم حذفت المقدمة الثانية لوضوحها. إيش المقدمة الثانية الصورة المحذوفة؟ لكنهما لم تفسدا. هذه المقدمة الصورة المحذوفة أنه السماوات والأرض هل فسدتا؟ ما فسدتا. هل هي تحتاج لتفكير؟ طب ما هي أمامنا، ما هم أمامنا لم تفسدا. هذا لا ينافس فيه عاقل، فحذفت المقدمة الصغرى لوضوحها.

ثم ما نتيجة على ذلك؟ لو كان في السماوات والأرض آلهة إلا الله لفسدتا، المقدمة الثانية: لكنهما لم تفسدا، فإذا النتيجة؟ إذا لا يوجد إلا إله واحد. بالله عليكم هل تعبتم في هذا القياس؟ هل احتجتم إلى تأمل وتعمق وتكلف؟ يعني سواء كان الاستدلال مباشراً أو غير مباشر، فإن أسلوب القرآن والسنة المطهرة أن هذا الاستدلال سهل ميسور جداً جداً لا يناقش فيه عاقل، باختصار لا يناقش فيه عاقل من دون حاجة إلى تكلف. لذا عموماً كان الاستدلال القرآني سهلاً واضحاً جلياً وهو في متناول العقول جميعها، لا يحتاج إلى مقدمات ولا إلى تركيب أقيسة متعمقة، ويعتمد على المحسوسات المشاهدة التي يدركها الجميع، أو يعتمد بشكل عام على بديهيات العقول، ولا يعتمد على الصعوبات العقلية التي تتفاوت العقول في درجة إدراكها.

خلاصة الفرق الأول؛ ها خلاص خلاصة وختم بها. خلاصة الفرق الأول، احنا قلنا الآن نفرق بين منهج القرآن ومنهج المتكلمين. الفرق الأول ما خلاصته؟ منهج المتكلمين يقوم على أدلة متعمقة، متكلفة، متعبة، طويلة المقدمات، عليها اعتراضات ومناقشات وهم أنفسهم ليسوا متفقين عليها. الدليل القرآني يعتمد عموماً على السهولة والجلاء في طرحه. وحينما يأتي القرآن بالأدلة العقلية وتأتي السنة بالأدلة العقلية لتستخدمها، فيعتمد على أدلة عقلية، إما أدلة عقلية مباشرة لا تحتاج إلى مقدمات وتدل على الإله الحق مباشرة. وفي الدرس القادم سأعلمكم ما معنى أنها تدل على الإله مباشرة.

ويستخدم أيضاً، وإذا استخدم الأدلة غير المباشرة التي تحتاج إلى مقدمات، فتكون مقدمات واضحة جداً جداً جداً يشترك الجميع في إدراكها، ليست متخصصة بعلية القوم وبأذكياء الناس، الكل يفهمها. فالقرآن سهل، هين، واضح، لين، يفهمه الناس في الصحاري وفي الغابات وفي الجبال وفي الوديان. بينما الأدلة المتفلسفة المتعمقة أدلة فيها وعورة في المسلك، صعوبة في الفهم، لا يحتاج إليها في بناء العقائد. وهذا نهاية المجلس، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية طريقك نحو علم شرعي راسخ.