تسجيل الدخول

لمعة الاعتقاد (5) / الفرق بين الطريقة القرآنية والكلامية في الاستدلال

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح لمعة الاعتقاد لشيخ إبراهيم رفيق الطويل.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده بشرح كتاب لمعة الاعتقاد لموفق الدين ابن قدامة المقدسي رحمة الله تعالى عليه، وما زال مسيرنا في المقدمات، وفي القواعد، وفي المناهج التي سار عليها أهل السنة والجماعة في باب الاعتقاد، وما يميز منهجهم عن المناهج المنحرفة التي خرجت عن الجادة.

وكنا في المحاضرة السابقة أحبتي بدأنا في ذكر الفوارق المنهجية التي تميز بين المنهج القرآني؛ منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال، وبين منهج المتكلمين القائم على العقليات. بدأت في نهاية المحاضرة السابقة بذكر الميزات التي يتسم بها المنهج القرآني الذي تقوم عليه طريقة أهل السنة والجماعة في الاستدلال وبناء مسائل الاعتقاد، ومنهج المتكلمين الذي يقوم على المنهج العقلاني أو المنهج العقلي والتعمق فيه والتكلف فيه.

وهذا الكلام يأتي في ختام حديثه عن الدليل الأول المردود في بناء العقائد عند أهل السنة والجماعة، وهو الأدلة العقلية المتعمقة المتكلفة. ولربما يسأل بعض الطلبة: لماذا يا شيخ أطلت هذه الإطالة في بيان فساد الدليل الأول وهو الأدلة العقلية المتكلفة؟ لماذا أطلت في بيان فساد هذا المصدر في بناء الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة وأثبت فيه وذكرت كل هذه التفاصيل؟

السبب في ذلك أحبتي حقيقة هو أن هذا المصدر هو أكثر مصدر سبب انحرافاً للفرق الإسلامية عبر التاريخ، الاعتماد على الأدلة العقلية المتكلفة التي تسير على سنن الفلاسفة، هذا أكبر مصدر سبب انحرافاً للفرق الإسلامية عبر التاريخ الإسلامي.

ولأنه الدليل المردود الأكثر إقناعاً، سنذكر دليلاً مردوداً آخر يعتمدون عليه، لكن الأكثر إقناعاً من الأدلة المردودة ويجذب كثير من الناس ومن عوام طلبة العلم الأدلة العقلية المتكلفة المتعمقة، فأردت أن أتعمق في بيان عدم صحة الاعتماد على هذا النوع من الأدلة في بناء العقائد عند أهل السنة والجماعة، وأردت أن أبين الفوارق بين منهج أهل السنة والجماعة في بناء العقائد وفي الاستدلال عليها وبين منهج المتكلمين الذي يقوم على هذه الأدلة العقلية المتكلفة.

ففصلت في أولاً بيان منزلة الوحي والعقل أو العلاقة بين الوحي والعقل عند أهل السنة والجماعة، ثم بينت العلاقة بينهما على طريقة المتكلمين، ثم الآن في بيان أو شرعت أنا في نهاية المحاضرات السابقة وأكمل اليوم.

نكمل ما شرعنا فيه في نهاية المحاضرة السابقة من بيان الفوارق المنهجية المميزات الواضحة التي تميز منهج أهل السنة والجماعة أو المنهج القرآني أقول في بناء العقائد ومنهج المتكلمين الذي يقوم على الأدلة العقلية المتكلفة في بناء العقائد، فذكرت في ختام المجلس السابق أول فرق يميز بينهما، وكان خلاصته أن المنهج القرآني حينما يطرح أدلة بناء العقائد فانه يعتمد على الأدلة الواضحة الجالية السهلة التي يشترك العقلاء في إدراكها.

بينما منهج المتكلمين يقوم على الأدلة العقلية المتكلفة المتعبة التي فيها طول في مقدماتها، وعلى هذه المقدمات إيرادات عديدة ومناقشات واضطرابات، وما تعتبره الفرقة الكلامية هذه صائباً تعتبره الفرقة الكلامية الأخرى خاطئاً، وما تعتبره هذه الفرقة قطعياً تعتبره تلك الفرقة الكلامية الأخرى وهماً ذهنياً، فهناك اضطرابات بينهم اختلاف فيما هو قطعي فيما هو ظني.

فإذا كان هذه خلاصة الفرق الأول؛ السهولة والوضوح واشتراك العقلاء في إدراك الأدلة بالنسبة للمنهج القرآني، بينما التعمق التكلف اطالة الحديث الاضطرابات في المنهج العقلي الذي يسير عليه المتكلمون.

طيب اليوم سأتكلم بإذن الله عن الميزة الثانية التي تميز المنهج القرآني عن المنهج الكلامي والميزة الثالثة التي تميز المنهج القرآني يعني منهج الكلام، فهي ثلاث ميزات سأقتصر عليها ولن أطيل أكثر من ذلك، لكن تحتاج إلى شيء من الإطالة وشيء من التفصيل، فأعانكم الله على الفهم.

إذن أنا أحب دائماً الإخوة يتنبهوا أين نسير نحن الآن؟ نحن الآن نتكلم بميزات تميز المنهج القرآني عن المنهج الكلامي، وهذا ما ساختم به حديثي عن الدليل المردود الأول عند أهل السنة والجماعة وهو الدليل العقلي الذي يسير على طرق الفلاسفة، ثم سانتقل بعد ذلك إن شاء الله في المحاضرة القادمة إلى الدليل المردود الثاني عند أهل السنة والجماعة.

طيب إذا ننتقل إلى الفرق الثاني: الفرق الثاني أحبتي بين المنهج القرآني والمنهج الكلامي هو أن الطرق الكلامية في حاصلها وفي ثمرتها بعد ذاك الكد والتعب في ترتيب المقدمات وفي البحث عن صحة هذه المقدمات، في النهاية ما هو الحاصل؟ ما هي الثمرة؟ ما هي النتيجة التي نتوصل إليها عبر الطرق الكلامية؟

فنقول: الطرق الكلامية حاصلها وثمرتها بعد كل ذاك التعب في رصف المقدمات والتدليل على صحتها، الحاصل أمور علمية عامة، النتيجة التي تحصلها أنت من تلك الأقيسة المتكلفة أمور علمية عامة. كيف يعني أمور علمية عامة؟ المراد بالأمور العلمية العامة أن هذه العقلية لا تعطيك في نتائجها الدلالة على الإله الحق سبحانه وتعالى مباشرة، نتائجها لا تتكلم عن الإله الحق عز وجل المستحق للعبودية والإفراد بالتوحيد ونفي الشرك، وإنما نتائجها قضايا عامة ربما تشترك الأديان الأخرى في موافقتنا عليها.

أعطينا مثال يا شيخ يتضح الأمر: الآن أهم وأشهر قياس يعتمد عليه علماء الكلام في إثبات وجود إله لهذا الكون ويبدؤون به في مصنفاتهم العقدية، ما هو؟ قياس عقلي أنا سأتكلم عنه وأعيده مرة أخرى بعد قليل لكن لابد أشير إليه الآن سريعا، هم ماذا يقولون؟ من باب التمثيل حتى تفهم الفكرة، يقولون: العالم متغير، هذا هو القياس الذي يبنون عليه إثبات وجود الصانع، يقولون: العالم متغير، وكل متغير حادث، إذن النتيجة: العالم حادث، يأخذون هذه النتيجة ويجعلونها مقدمة في قياس آخر، فيقولون: العالم حادث، وكل حادث لابد له من محدث، إذن النتيجة النهائية: العالم له محدث، وهو معنى قولنا: العالم له صانع، نفس القضية إذاً العالم له محدث.

هذه هي النتيجة التي توصل إليها هذا القياس المنطقي المركب الذي يعتمده المتكلمون ويعتبرونه أساساً في بناء العقائد عند المسلمين، بل بعضهم لا يصحح الإيمان إلا بعد فهم هذا الدليل، بعضهم ليس كل ليس كل المتكلمين لكن بعضهم لا يصحح الإيمان إلا بعد فهم هذا الدليل.

المهم لاحظوا النتيجة النهائية التي توصلوا إليها في هذا القياس: العالم له محدث، العالم له صانع. لاحظوا أن هذه النتيجة هي نتيجة عامة جداً يشترك معنا بإدراكها وفي الإيمان بها جميع الأديان التي تقول بأن هذا العالم له محدث، فاليهود يقولون: العالم له محدث، والنصارى تقول: العالم له محدث، وكذلك ربما البوذيون والهندوس وغيرهم من أصحاب الديانات الباطلة كثير منهم يقولون: العالم له محدث.

فهذه النتيجة التي توصلتم إليها أيها الكلاميون بعد سرد هذا القياس -طبعا أنا سردت القياس باختصار وإلا فهذا القياس هناك إطالة وإسهاب لأنه كل مقدمة في هذا القياس الذي يريدونه لابد لها من إثبات حتى تصل إلى مرحلة القطعية وإلا لا يعتبرون هذا القياس صحيحاً، وفلان من المتكلمين أثبت هذه المقدمات بطريقة وآخر يثبتها بطريقة أخرى ويبطل طريقة صاحبه، أنا لا أريد أن أتعبكم في كثرة هذه الأفكار لكن أريدك أن تفهم أن هذا القياس قياس عندهم يحتاج إلى أدلة وإلى استدلال وإلى تفحص في إثبات المقدمات- بعد كل هذا التعب عندما وصلنا للنتيجة إذ بهذه النتيجة نتيجة عامة تشترك كثير من الديانات الباطلة في الإيمان بها أيضاً.

فحينما تقول: العالم له محدث، هذا قدر مشترك بين كل من يثبت صانعاً لهذا الكون، ونحن في مجلسنا الأول في شرح لمعة الاعتقاد أو في هذه الدورة المباركة بإذن الله بينا أن المشكلة عبر التاريخ أحبتي بين الأمم وبين الرسل لم تكن في إثبات وجود صانع لهذا الكون، أو أن هذا العالم له محدث، ليست هذه المشكلة الكبرى، وإنما كانت المشكلة الكبرى بين الرسل وبين الأقوام عبر تاريخ البشرية هي: من هو هذا الصانع؟

نحن نحن وكفار قريش واليهود والنصارى الكل يثبت وجود صانع من هؤلاء، لكن المشكلة: من هو هذا الصانع الذي يستحق العبودية وينفى عنه الشرك ويستحق التوحيد؟ هذه هي المشكلة.

فأنت بعد أن تتعبني بسرد قياس في بداية مصنفاتك العقدية وتطيل في إثبات وتطيل الأمر في إثباته وإثبات مقدماته توصلني إلى نتيجة عامة جداً: العالم له محدث، هذه النتيجة لو كنت أنا أتحاور مع ملحد إنسان لا يؤمن بوجود صانع لهذا الكون، أقول والله نعم هذه النتيجة جيدة تساعدني في الدفاع عن العقيدة أمام هذا الملحد، هذا الملحد عنده شبهة فأنا أهدم هذه الشبهة وأبين له أنه لا يمكن لهذا العالم أن لا يكون له محدث، في حوارك مع الملحدين ما عندي مشكلة.

لكن في بناءك العقلي للمسلمين الذين تخاطبهم أو حتى حينما تحاور رجلاً يهودياً أو نصرانياً وتريد أن تبني العقيدة عنده، كل هذا القياس أنت لست بحاجة إليه في الحقيقة لأنه يعني متفق عليه بين المسلمين جميعاً أن العالم له صانع، ومتفق أيضاً عليه بين كثير بأكثر الأديان أن العالم له صانع، نحن نريد أن نكد فيما هو أهم، وهو: من هو هذا الصانع؟ تكلم عن الله مباشرة، أما هكذا: العالم له صانع، من هو هذا الصانع؟

فلاحظوا إذاً مشكلة الدليل الكلامي وفي النهاية نعم ربما تقول النتيجة صحيحة يا شيخ لماذا تلوم؟ نعم لربما النتيجة صحيحة ما عندي مشكلة، لكن هذه النتيجة الصحيحة أنت أوصلتني إليها بعد كل هذه المقدمات والنقاش في المقدمات وإذا هي بنتيجة عامة يشترك المسلمون مع أكثر الأديان في فهمها.

إذن النتيجة ليست بذاك الأمر الكبير لأنها معلومة مسبقاً عندي وعند سائر المسلمين وعند أكثر الأديان، وإنما النتيجة قد توظفها كما قلنا في رد على ملحد أو مشكك أو ما شابه ذلك، أما أن تبدأ بهذا القياس وتجعله في بداية كتب العقائد التي تبني بها العقيدة عند المسلمين وتطيل النفس فيها، بينما الأمور الأهم فيها النقاش والحوار والجدل تغض عنها الطرف أو تتكلم عنها على سبيل التبع من دون تركيز، هذا خطأ منهجي كبير.

طيب خلونا نكمل، ترى لسا ما انتهينا من النقطة الثانية: إذن الطرق الكلامية بعد كل الكد والتعب فيها توصلك كما قلنا إلى إثباتات عامة لا تتكلم مباشرة عن الإله الحق، وإنما تتكلم عن صانع بشكل عام لهذا الكون، عن محدث بشكل عام لهذا الكون.

والمشكلة الثانية أيضاً أن النتيجة التي نحصلها من العقلية المتكلفة، النتيجة التي نحصلها من هذا التكلف ما هي؟ نتيجة علمية لا تربطنا بالعمل، فالأقيسة العقلية تعطينا نتائج علمية لكنها لا تقودنا إلى العمل ولا تربطنا بالعمل.

ماذا تقصد بالعمل يا شيخ؟ أقصد بالعمل أنها لا تربطك بالعبودية لهذا الصانع، توحيد هذا الصانع، وجوب صرف العبادة لهذا الصانع، هذه الأمور العملية والتي سنعرف إن شاء الله أنها تسمى توحيد الألوهية، هذه الأمور لا نستفيدها من خلال الأدلة العقلية المتكلفة، وإنما الأدلة العقلية المتكلفة تقف عند حدود إثبات صانع لهذا الكون.

طب هذه مسألة علمية لكن ينبغي أن ترتب عليها العمل، إذا كان هناك صانع لهذا الكون عرفني من هو هذا الصانع؟ وما الذي يستحقه هذا الصانع؟ أما أن أقرأ كتاباً عقدياً من بدايته إلى نهايته يتكلم فقط عن إثبات صانع وإله لهذا الكون، ولا تدلني على ما يستحقه هذا الإله من التوحيد؟ وما هي العبادة التي يجب أن أصرفها عليه؟ اليه عفوآ. وما هي مظاهر الشرك التي لا يجوز أن يشرك فيها هذا الإله العظيم؟ هذه الأمور ينبغي هي التي تكون حاضرة لأنها هي المشكلة الأكبر عبر تاريخ البشرية، ألم نقل ذلك أحبتي؟

أنا أريد نعرف الناس من الأديان الأخرى الذين آمنوا بوجود صانع لهذا الكون لكنهم أخطأوا في تحديده، أريد أن أبين لهم من هو هذا الصانع بالضبط وبالتحديد، وأريد أن أبين لمن عرف هذا الصانع أنه الله سبحانه لكن أشرك معه غيره كحال كفار قريش وحال بعض المسلمين الذين يرتكبون الشركيات جهلاً منهم، تمام طبعاً لا تدخلون الآن في قضية العذر بالجهل، هذه مسألة لربما نؤجلها في مجالس أخرى أو دورات أخرى.

لكن المهم عندي الآن أن أنا أتكلم في هذا الموضوع، موضوع أنني أريد أن أعرف هؤلاء الذين وقعوا في الشرك ومن وقع سواء كان من خارج دائرة الإسلام أصالة كحال كفار قريش أو من دخل في الإسلام وتلبس في الشرك بغض النظر عن مسألة العذر بالجهل الآن، أريد أن أبين لهم ما يستحقه هذا الإله من التوحيد، وكيف أن هذه الأفعال التي يفعلونها هي شرك بهذا الصانع العظيم، وأنك تصرف ما يستحقه هذا الصانع يجب أن يتفرد به إلى غيره، هذه الأمور هي مدار النقاش.

فللأسف الأدلة العقلية الكلامية المتعمقة تقف عند حدود المسائل العلمية المجردة، هناك صانع لهذا الكون، ممتاز، استفدت معلومة، لكن اربطني بالعمل لا تجد هذا في الأدلة العقلية المتكلفة، فإذاً المشكلة الثانية في نتائج الأدلة العقلية أنها لا تربط بين العلم والعمل، بعبارة أخرى لا تنقلك من توحيد الربوبية -توحيد الربوبية إثبات وجود صانع واحد لهذا الكون- فلا تنقلك من توحيد الربوبية ومن معالم الربوبية إلى توحيد الألوهية؛ معالم الألوهية وهي العمل لهذا الصانع والإخلاص له وأفراده بالعبادة، فهي إذاً لا تربط بين العلم والعمل كما قلنا ولا تسلط الضوء على مسائل الألوهية واستحقاق هذا الصانع للعبادة، فقد كان كفار.

قريش وغيرهم من المشركين مقرين بوجود صانع لهذا الكون، لكن إشكالهم كان أين؟ كان في شركهم بهذا الصانع وفي اتخاذهم وسائط تقربهم إلى هذا الصانع كما زعموا. فأدلة المتكلمين العقلية لا تسلط الضوء للأسف على مسائل توحيد الألوهية إلا على وجه التبع، على وجه التبع وكأنها درجة ثانية، ومدار حديث هذه الأدلة العقلية على مسائل الربوبية فقط.

فهي إذا باختصار تعالج جانباً من جوانب العقيدة، لكنها لا تعالج الجوانب الأخرى والجوانب الأخطر التي وقع فيها الخطأ عبر تاريخ البشرية. هذه الأدلة حتى ولو أدت إلى نتائج صحيحة في بعض الأحايين، لكن نتائجها تعالج قضية واحدة فقط ولا تعالج القضايا الأخطر والأهم عبر تاريخ البشرية، وهي: من هو الصانع؟ وماذا يستحقه هذا الصانع من العبادة والإخلاص له؟

وبسبب مبالغة المتكلمين بإثبات وجود الصانع وإيراد الأدلة المتكلفة في هذه القضية، طغى على عقلهم مسائل الربوبية فقط، وتهمشت في عقولهم مسائل توحيد الألوهية. هم يعرفونها، يعني حتى نكون في إنصاف في الكلام: هم يعرفونها ويتعبدون الله سبحانه وتعالى بها بمسائل توحيد الألوهية، لكن طبيعة الطرح العقدي الذي يطرحونه للأسف جعلهم يهمشون مسائل توحيد الألوهية، وبيان ما هي العبادة؟ وما هو الشرك؟ وما الفرق بينهما؟ وتحقيق هذا الباب، وركزوا على جانب الربوبية فقط، وإذا ذكر الألوهية فعلى وجه التبع.

هذا التركيز على جانب الربوبية أوصلهم -انظروا خطورة تراكم هذه الأمور- أوصلهم إلى فهم شهادة التوحيد بالشكل الخاطئ. انظروا إلى المآزق التي وصلوا إليها بسبب تراكم هذه الأخطاء المنهجية في بناء العقائد؛ لما أدمَنوا الكلام في مسائل الربوبية وإثبات صانع بشكل عام لهذا الكون، وقل كلامهم في الألوهية مع مرور الوقت، أصبح عندهم خطأ في تفسير شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. معقول يا شيخ؟ أي نعم معقول، هم ماذا يفهمون معنى لا إله إلا الله؟ هم يفهمونها -أكثرهم، أكثر المتكلمين- يقول معنى لا إله إلا الله أي لا مخترع إلا الله، لا مخترع إلا الله! فيفسر الإله بمعنى المخترع المبدع؛ لا مخترع مبدع على غير مثال سابق إلا الله.

وهذه مشكلة عويصة سببها أنهم ركزوا على مسائل الربوبية فقط. فكلمة الاختراع هذه مظهر من مظاهر الربوبية وليس مظهر من مظاهر الألوهية؛ الاختراع والإبداع لا على مثال سابق والخلق، هذا كله مسمى عند... إن شاء الله كما سنتعلم بعد عدة مجالس للفرق بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، لا تخافوا سأتكلم عن هذه المسائل، لكن المهم عندي الآن أن أبين أنهم لما -كما قلنا- أكثروا من الحديث في توحيد الربوبية وجعلوه منتهى المقصد وجعلوه الغاية المطلوبة، فأكثروا هذا الأمر، فصبغ عقولهم بأن فسروا كلمة التوحيد العظيمة بتفسير خاطئ؛ فسروا أن معنى لا إله إلا الله: لا مخترع إلا الله، لا مخترع إلا الله!

وهذا خطأ كبير في فهم كلمة التوحيد التي هي أساس هذا الدين؛ لأن كفار قريش الذين أتى عليهم محمد صلى الله عليه وسلم وحاربهم في بدر وأحد والخندق وغيرها، هؤلاء يقولون لا مخترع إلا الله! هل تعلمون ذلك؟ كفار قريش يقولون لا مخترع إلا الله، ويقولون الله هو الخالق، فعندهم في الجملة تصديق بتوحيد الربوبية، ووقع -يعني في الجملة لا أقول في كل مسائل الربوبية حققوها- كفار قريش عندهم بعض المشاكل نعم في توحيد الربوبية وفي مسائل الربوبية، لكن نقول في الجملة كانوا يعرفون توحيد الربوبية وكانوا يقرون بأن الإله سبحانه وتعالى هو الخالق لهذا الكون وهو المخترع لهذا الكون وهو الذي يحيي ويميت، لكن كانوا يعبدون الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى. اقرأوا القرآن، ألا تقرأون قوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ هكذا يقول كفار قريش ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّه زُلْفَى﴾ [الزمر: 3]؟ إذاً هم يعلمون بوجود الإله الحق الصانع، ويعلم أنه هو الخالق المخترع لهذا الكون، لكن مشكلتهم في توحيد الألوهية، هاي المشكلة العظمى العويصة عندهم.

فحينما يفسر علماء الكلام لا إله إلا الله بأن معناها لا مخترع إلا الله، أنتم في الحقيقة لم تميزوا بين المسلم والمشرك، لأن حتى المشرك يقول لا مخترع إلا الله، لكن مشكلته أنه يشرك في العبودية. طب إذاً ما معنى كلمة لا إله إلا الله يا شيخ عند أهل السنة والجماعة وبالمعنى الإسلامي الصحيح؟ لا إله إلا الله تعني أحبتي: لا معبود بحق إلا الله، لا معبود. تركز على مسألة الألوهية، وركز شهادة التوحيد على مسألة الألوهية؛ لأنه كما قلنا هي الخلاف الأعظم عبر التاريخ: الألوهية والعبودية لهذا الإله. فتقول لا إله إلا الله معناها لا معبود بحق إلا الله.

ما الذي سبب التفسير الخاطئ لهذه الكلمة عند الكلاميين؟ طغيان مسائل الربوبية عندهم على مسائل الألوهية. فإذاً الطرق الكلامية -حتى نهذب الكلام- الطرق الكلامية نتائجها فيها مشكلتان: المشكلة الأولى في نتائجها أنها نتائجها عامة لا تتكلم عن الله عز وجل مباشرة، تتكلم عن صانع لهذا الكون بغض النظر عن من هو هذا الصانع. ثانياً: نتائجها علمية فقط ولا تقودك إلى العمل، لا تورث عملاً، لا تربط الربوبية بالألوهية.

إيش يعني قصدك لا تربط الربوبية بالألوهية؟ أنت ماذا تريد يا شيخ؟ ينبغي أحبتي -وهذا سنأتي عليه في الاستدلال القرآني- ينبغي أن يكون الدليل الذي يثبت وجود رب لهذا الكون أن يكون دليل يقودك إلى توحيد هذا الرب في الألوهية والعبودية؛ يعني إذا ثبت أن هناك رب لهذا الكون وهو الله عز وجل، طب ما الذي يترتب على ذلك؟ لا بد تذكر يترتب على ذلك أنه إذا كان الله عز وجل هو الرب لهذا الكون، إذاً يجب أن أُوحِّده في العبادة وأن أقصده وحده لا شريك له، ولا يجوز أن أُصرف شيئاً من العبادة إلى غيره. هذا الذي يستلزم هذا؛ توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، يقود إلى الألوهية، فمن كان رباً خالقاً يستلزم أن يكون هو الإله الذي يستحق العبادة والتوجه وأن يُفْرَد بالتقرب. لا بد تربط لي هاي الفكرة بهذه الفكرة، أما فقط تثبت وجود صانع، طب ماذا أفعَل بالصانع؟ ماذا يجب أن أعمل؟ لا تذكر هذا الأمر وتبقي المسألة هلامية، هذا لا يصلح، هذا ضعف في البناء المنهجي.

أما الطريقة القرآنية -سأدخل فيها حتى لا أطيل الكلام- وأما الطريقة القرآنية طريقة الكتاب والسنة بالاستدلال على مسائل الاعتقاد، فإنها أولاً تتكلم عن الإله الحق مباشرة ولا تتكلم بعموميات. ميزت الطريقة القرآنية في الاستدلال وفي بناء مسائل الاعتقاد أنها في نتائجها تتكلم عن الإله عز وجل مباشرة، ولا تثبت عموميات عامة جداً يشترك فيها الدين الإسلامي مع الأديان الأخرى. فهذا الفرق الأول أنه قلنا عند المتكلمين أدلتهم توصل لعموميات، لا تتكلم عن الله مباشرة، عن الرب عز وجل الذي نوحده ونقصده، تتكلم عن صانع عام لهذا الكون: من هو؟ الله أعلم!

أما الأدلة القرآنية تركز مباشرة في أدلتها، ما في داعي لإطالة النقاش، ما في داعي لتشتيت الأذهان، مباشرة: يجب أن يكون دليل يتكلم عن الإله الحق سبحانه وتعالى مباشرة من دون تفريع وإجمال. فهذه الميزة الأولى في نتائج الطريقة أنها تسلط الضوء مباشرة على الإله الحق عز وجل. ثانياً: أنها تربط بين العلم والعمل، أنها تربط بين العلم والعمل. كيف أنها تربط بين العلم والعمل؟ أي أنها حينما تأتي لتتكلم عن مسائل الربوبية الأدلة القرآنية، حينما تأتي لتتكلم عن مسائل الربوبية فإنها تربطها مباشرة بمسائل الألوهية وتريد أن تأخذك من مشهد الربوبية إلى مشهد الألوهية، كأن الطريقة القرآنية تقول لك: هذا الرب الصانع الخالق لهذا الكون هو الذي يجب أن يوحَّد وأن يُتأله وأن يتقرب إليه وأن يُنْفى عنه الشرك. لاحظ هذا الربط، هذا الربط مهم أنه الصراع هو دائر حول هذه القضية، فكيف أنت لا تربط لي بين هذه القضية والقضية الأخرى؟ غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية.

فالطريقة القرآنية أحبتي تورث علماً وعملاً؛ الاستدلال القرآني في مسائل الاعتقاد وفي بناء الاعتقاد يورث علماً وعملاً في نفس الوقت ولا يقف عند حدود المسائل العلمية فقط. فقلت: طريقة الوحي -القرآن والسنة- في الاستدلال على مسائل الاعتقاد تتكلم عن الإله الحق سبحانه وتعالى مباشرة ولا تتكلم بعموميات. ثانياً: تورث علماً وعملاً، فهي في ضمن حديثها عن ربوبية الله سبحانه وعن خلقه لهذا الكون وما فيه، تدعوك للعمل له، أي لهذا الإله، ولإخلاص العبادة الظاهرة والباطنة إليه، وهذا هو توحيد الألوهية. بل اسمعوا هذه البلة؛ بل لذكر القرآن لدلائل الربوبية كان المقصود منه الوصول إلى توحيد الألوهية ودعوة الخلق للخضوع للإله الحق.

إذاً الاستدلال على مسائل الربوبية في القرآن الكريم ليس مقصوداً لذاته أصالةً، بل هو مقصود لغيره، مقصود للوصول إلى مسائل الألوهية. الاستدلال على وجود صانع لهذا الكون وأن الله هو الصانع -يعني شف الدليل القرآني لا يقول هناك صانع لهذا الكون كأدلة المتكلمين، بل يقول مباشرة إن الله هو الصانع لهذا الكون، ويدلل على ذلك، وهو بهذا الاستدلال على مسائل الربوبية يريد أن ينقلك في الحقيقة إلى مسائل الألوهية، لأن المشكلة الأكبر كانت في مسائل الألوهية وليست في مسائل الربوبية- فدلائل الربوبية هي مقصودة لغيرها وليست مقصودة لذاتها. هذه افهموها القضية.

إذاً بل ذكر القرآن لدلائل الربوبية كان وسيلة للوصول إلى توحيد الألوهية ودعوة الخلق للخضوع للإله الحق. إذاً النزاع الأكبر كان مع المشركين الذين ضَلُّوا في مسائل الألوهية وليس مع المنكرين لوجود الصانع ابتداء، لأنه كما قلنا الذين ينكرون وجود صانع أحبتي عبر تاريخ البشرية هم شذاذ من الآفاق، طوائف شاذة هنا وهناك، ولم يكن هذا خطاً عاماً عبر تاريخ البشرية، لم يكن هذا الخط العام في منازعة الرسل مع أقوامهم. نعم، اليوم اتسعت دائرة الإلحاد لظروف معينة، لكن مع ذلك الصراع الأكبر ليس مع الإلحاد، الصراع الأكبر مع الذين يشركون، مع الذين يصرفون العبادة لغير الله. وإن كان أيضاً هناك صراع مع الإلحاد فيعطى قدره، ولا يجب أن يطغى هذا الصراع على مسائل التوحيد الأخرى.

الآن أحبتي لربما بعض الطلبة يقولون: يا شيخ طب أعطنا مثالاً للطريقة القرآنية ومثَالاً لطريقة المتكلمين نطبق عليه ما ذكرت ونفهم ما الذي تريد أن توصله أكثر وأكثر؟ إذاً لا بد من إيراد مثال على طريقة قرآنية في الاستدلال ومثال على طريقة كلامية في الاستدلال، ونقارن بالنقطة الأولى التي ذكرناها: أن الأدلة العقلية أدلة طويلة فيها مقدمات كثيرة وتحتاج إلى تعب وكد، هذه الفرق الأول الذي ذكرناه بين الطريق القرآني والطريقة الكلامية. وأيضاً الفرق الثاني: أن نتائج الطرق الكلامية نتائج عامة لا تربط بين العلم والعمل، بخلاف الطريقة القرآنية فإن نتيجتها خاصة تتكلم عن الإله مباشرة وتربط بين العلم والعمل.

طيب، خذوا هذا المثال ودعونا نقارن فيه طريقة القرآن في تقرير الربوبية والألوهية في سياق واحد. الآن سأعطيكم مثالاً نبدأ نتأمل فيه: الله عز وجل في مطلع سورة البقرة الصفحة الثالثة يقول -يا أيها الناس، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 21-22].

من هاتين الآيتين دعونا نستنبط المنهج القرآني في بناء العقائد. الله عز وجل يخاطب الناس عموماً، هذا ليس خطاب للمؤمنين فقط، هذا خطاب للناس عموماً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾. هذا أمر بماذا؟ بالعبودية، بتوحيد الألوهية، وابتدأت الآية به لأنه كما قلنا هو الأخطر، هو الأهم، المشكلة الأكبر فيه. لكن انظروا كيف ربطت الآية بين العبودية والربوبية في سياق واحد وفي آية واحدة، حيث جاء الأمر بالعبادة معلقاً بماذا؟ على الرب سبحانه وتعالى أو بالرب سبحانه وتعالى، فكأنه يقول: انظروا اعبدوا ربكم. شف جاء الأمر بالعبادة معلق على الربوبية: اعبدوا ربكم، العبادة هي الألوهية فعلقها بوصف الربوبية لله عز وجل، فانظر إذاً الأمر واضح جلي، أمر بالعبادة وربطها مباشرة بالربوبية، هذا إذاً ربط مباشر بين الألوهية والربوبية، فكأنه يقول: تألهوا واعبدوا الرب الحق لهذا الكون.

إذاً توجيه إلهي للناس جميعاً بوجوب العبادة أي توحيد الألوهية التأله لمن؟ للرب الصانع لهذا الكون. ثم بدأ يذكر مظاهر ربوبية الله عز وجل، وهذه المظاهر من تأملها أدنى تأمل يصل بلا شك إلى أن هناك صانع لهذا الكون، وهذا الصانع قادر حي متنفذ مسيطر لا يمكن أن يكون حجراً ولا دابة ولا بحراً ولا شجراً ولا بقراً؛ هذا الصانع لا بد أن يكون كامل منزه عن النقائص، فقط بالنظر في هذه المشاهد التي يسردها القرآن عليك تصل إلى إثبات الصانع وأنه الله مباشرة، وأن هذا الصانع يجب أن يوحد بتوحيد الألوهية وأن تصرف العبادة إليه وحده.

انظروا ماذا يقول: اعبدوا ربكم -كما قلنا علق الأمر قرب العبودية على الربوبية- ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ هذا أول مشهد من مشاهد الربوبية؛ الرب الذي خلقكم أيها الكفار وأيها الناس عموماً وخلق من قبلكم. ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ما انتهى الأمر. ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ مظاهر ربوبية؛ فيه مَلِك، فيه مدبر؛ الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم؛ أرض مفروشة، سماء مبنية، ماء ينزل من السماء، تخرج الأرض الثمار، هذه الحركات الكونية يستحيل أن تكون وجدت مصادفة، لابد من وجود مدبر يقف خلف كل هذا الأمر وهو الصانع سبحانه وتعالى، ولابد أن يكون هذا المدبر.

حي، عليم، قادر، متنفذ، كامل، متنزه عن النقائص، وهو الله عز وجل. فلاحظ كيف أنت انتقلت من أن هذه التصرفات الكونية لابد أن خلفها صانع محدث لها، وأن هذا الصانع لابد أن يكون كاملاً منزهاً عن النقائص، لا يمكن أن يكون لا حجر ولا شجر ولا بقر ولا شيء مخلوق، بل لابد أن يكون متنفذاً، مهيمناً، مسيطراً. لذلك الآية قالت: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 22].

فانظر كيف الآية خاطبت الناس بوجوب العبودية وأفرادها؛ لأنه كما قال ابن عباس: متى جاء الأمر بالعبادة لله في القرآن؟ فالمراد بالعبادة التوحيد وليس مطلق العبادة؛ أي أي عبادة؟ لا، المراد بالعبادة التوحيد، كما قال حبر القرآن ابن عباس: أي أمر بالعبادة في القرآن فيفسر بالتوحيد؛ إنه قال: يا أيها الناس اعبدوا ربكم، أي وحدوه في العبادة. كأن هذا هو المراد، أو ليس كأنه هو المراد حقيقةً؟

المهم لاحظ كيف الآية أمرت بعبادة الرب بتوحيد الرب سبحانه وتعالى، ثم أقامت الدليل: لماذا يجب أن يفرض هذا الرب العبادة دون غيره؟ لأن هذا الرب القوي الخالق هو الذي يفعل كل المشاهد التي ترونها أمامكم؛ من فرش الأرض، وسقف السماء، وانزال الماء، وإخراج الثمر. فالقادر المتنفذ الذي يفعل كل هذه الأمور والمهيمن عليها هو الرب الحق الذي يجب أن يفرد بالألوهية.

من يفرد بالألوهية يجب أن يكون كاملاً في كل شيء، مهيمناً على كل شيء، لا يغلبه شيء، لا يقهره شيء، وهو القاهر لكل شيء. هذه هي الرسائل التي تريد أن توصلها الآية إليك: أنظر، تأمل في هذه المشاهد التي تراها في حياتك، ما في أقيس عقلية متعمقة متكلفة، مشاهد تراها في حياتنا اليومية، تأملوا فيها بمنطق عقلي سليم، تصلوا إلى أن هذه المشاهد لابد أن خلفها إلهاً كاملًا، مدبراً، خالقاً، متصفاً بالصفات العلى والأسماء الحسنى، وهذا الكمال هو الذي يجب أن يفرد بالعبودية، وأما من كان فيه نقص بوجه من الوجوه، لا يمكن في العقل أن يكون إلهاً وأن يفرد بالعبادة.

انظروا الاستدلال سهل وواضح، ما في أي تعقيد، ما في أي إطالات، من واقع الناس العملي إذاً هو أمر بعبادة؛ فهذا أمر بعبادة الله سبحانه وتعالى. يعني هذه الآية فيها أمر بعبادة الله سبحانه وتعالى، وبيان استحقاق الله للعبادة في أنه الصانع لهذا الكون ورب هذا الكون الذي ينزل الماء من السماء على هذه الأرض فتخرج الثمار التي تأكلون منها.

وهذه المشاهد -ركزوا معي هذه الفكرة- هذه المشاهد؛ مشهد السماء والأرض والأمطار والثمار، مشاهد مألوفة للناس جميعاً، كلها تدل بأدنى وأسهل تفكير عقلي على وجود خالق مدبر هو الذي يفعل كل هذه الأفعال ويقدرها، فثبتت ربوبيته بمظاهر قدرته، وهذه الربوبية تستلزم وتقودنا إلى أنه هذا الرب هو الذي يجب أن يفرد بالعبادة دون غيره؛ لأن الرب القادر على هذه المظاهر هو الذي يستحق العبادة والخضوع.

إذاً، لاحظوا الطريقة القرآنية: أولاً، امتازت بالميزة الأولى التي ذكرناها في المنهج القرآني؛ السهولة، والوضوح، أدلة عقلية واضحة من واقع الناس المحسوس المشاهد، وليس أدلة تحتاج إلى تعب وكد ورصف مقدمات، ثم استدلال على صحة كل مقدمة، وهذا يناقش وهذا ينقد، لا، الكل الحمد لله يتفق على وجود السماء، وعلى وجود الأرض، وعلى مظاهر القدرة الإلهية المشاهدة، ويشترك العقلاء جميعاً ذكوراً، إناثاً، صغاراً، كباراً في فهمها، تمام؟ إذاً هذه الميزة الأولى.

الميزة الثانية في الطريقة القرآنية، كما قلنا، أن نتائجها تتكلم عن الإله مباشرة ولا تتكلم بعموميات، لذلك: «اعبدوا ربكم الذي خلقكم» إلى آخر الآيات، ثم قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة: 22]. الكلام عن الله مباشرة، عن ربنا عز وجل، وليس الكلام عن صانع مخترع، لكن من هو؟ الله تعالى أعلم. ليست هذه الطريقة القرآنية، الكلام مباشرة عن الله، وهو ما يسمى الاستدلال المباشر، الاستدلال المباشر على الرب عز وجل.

أيضاً، أن نتائج القرآن أو الطريقة القرآنية الربط بين العلم والعمل، فهي تكلمت عن مسائل علمية عن وجود الرب الخالق الذي بسط الأرض وخلق السماء وانزل الماء وأخرج الثمر، هذه كلها مسائل علمية من مسائل الربوبية، ربطتها بمسائل العمل وهي مسائل الألوهية حينما صدرت الآية بالامر بالعبادة: «اعبدوا ربكم». إذاً الثلاثة موجودة: سهولة ووضوح، ثانيا الكلام عن الإله مباشرة، ثالثاً الربط بين العلم والعمل.

انتهينا من الطريقة القرآنية في الاستدلال، طبعا هذا مثال، وأمثلة كثيرة لا أري أن أطيل في المحاضرات لكن أريد أن أعطي أمثلة ليتضح الأمر أكثر وأكثر عند الطلبة. طيب، ائتنا الآن يا شيخ مثال على طريقة المتكلمين؟ الآن أتي بأشهر قياس يتبعه المتكلمون ويعتبرونه رأساً في باب الاعتقاد، وهو قياس اثبات الصانع، أعيده مرة أخرى لنَتَأمل فيه.

يقول علماء الكلام في أشهر قياس عندهم يصدرون به كتب العقائد: يقولون نحن نريد أن نثبت صانعاً لهذا الكون فنأتي بقياسين؛ القياس الأول نقول فيه: هذا العالم متغير. طبعا لاحظوا الكلمات المستعملة وانظروا: هل يستطيع عوام المسلمين أن يفهموا دلالة هذه المقدمات، فضلاً عن أن يثبتوها ويدللوا على صدقها؟ العالم متغير، طيب؛ يعني العالم هذا فيه تغيرات، هذا ممكن شخص يقول: يا شيخ هاي بسهولة نثبتها أن العالم فيه تغيرات وتحولات، طب نكمل، لكنهم يبسطون الأدلة على تغيرات العالم بدليل الأعراض وما شابه هذه الأدلة الأخرى، يعني أنا لا أريد أن أسهم معكم حتى لا يخرج الكلام عن المفهوم، لكن طرائقهم في إثبات المقدمات عودوا إليها في كتبهم ستجدون إسهاباً غير معقول.

العالم متغير، ثم يأتون، كما قلنا، بأدلة تثبت وقوع التغيرات، وأن هذا العالم تحل فيه الأعراض وما شابه ذلك، وكل متغير حادث، يأتون بهذه الدليلة ثم يستدلون على هذه المقدمة الثانية أن المتغيرات لابد وأن تكون حادثة. طب السؤال: ما معنى كلمة حادث؟ أيوتي لعلماء الكلام: ما معنى كلمة حادث؟ يقولون: حادث معناها مخلوق.

فأنا أعترض عليهم وأقول: كلمة حادث لا تساوي كلمة مخلوق، ليس كل حادث... كل ما هو حادث مخلوق، لكن لأن علماء الكلام فسروا حادث بأنها مخلوق، أنهما مترادفتان، هذا سبب خطأ كبير وانحراف كبير عندهم في فهم صفات الله سبحانه وتعالى في مكان آخر، ما يسمى الصفات الاختيارية، لأنهم قالوا: حادث معناها مخلوق بالضبط لا فرق بين كلمة حادث وكلمة مخلوق، هذا سبب لهم منهجية خاطئة في فهم صفات الله في مكان آخر.

فانظروا، يعني حتى الأدلة العقلية لو أوصلت إلى نتائج صحيحة، لكن في أثناء الوصول إلى هذه النتائج تقع في أخطاء علمية قد تسبب فساداً في مسألة عقدية أخرى، فالأمور كلياتها فيها اضطراب. إذاً قالوا المقدمة الأولى: العالم متغير، وأدلة كثيرة على تغير العالم، وكل متغير حادث. قلنا له: ما معنى كلمة حادث؟ قالوا: حادث معناها مخلوق. أقول لهم: خطأ. لكن لا أريد الآن أن أبين ما هو الخطأ، إن شاء الله في مجالس أخرى.

المهم قالوا: كل متغير حادث، طب أثبتوا لنا أن كل متغير حادث، تأتي بأدلة أخرى متعمقة، ثم بعد هذا يقولون: إذاً العالم حادث، بعد حذف الحد الأوسط النتيجة: العالم حادث. ثم ننتقل، نأخذ كلمة العالم حادث ونضعها في قياس جديد: العالم حادث -هذه نتيجة القياس السابق- كل حادث له محدث، كل حادث له محدث، النتيجة النهائية بعد حذف الحد الأوسط: العالم له محدث.

وصلنا إلى النتيجة، أثبتنا وجود صانع لهذا الكون. طبعا أحبتي، من يعرف طرق المناطقة وطرق المتكلمين، هم يقولون: أي مقدمة من مقدمات القياس يجب أن تكون وصلت إلى درجة القطع، لذلك كل رأس من رؤوس علماء الكلام يحاول أن يصل بمقدمات هذا القياس إلى القطعية، وقد يقدح في زميله الآخر، المتكلم الآخر، ويقول: استدلالك على صحة هذه المقدمات لم يصل إلى درجة القطع، بل ظنية في إثبات صحة المقدمات، وأنا أدلتي قطعية، وتدخل في نقاشات مطولة أنت لا تدري ما الذي أقحمك فيها الآن.

هذا القياس، طبعا، هو من أسهل الأقيسة عند علماء الكلام، شوفوا هذا القياس بمقدماته وما ذكرت فيه من بعض الاشكاليات، أنا بعتبره من أسهل الأقيسة التي يذكرها علماء الكلام، وإلا لو دخلتم في أقيسة أخرى وفي مناقشات أخرى تجدون الأمور أصعب وأصعب، لكن أتيت بهذا المثال لسهولته لديكم ولكثرة وروده على أذهانكم.

فالنتيجة إذاً: العالم له محدث. الآن دعونا ننظر؛ أولاً، هذا القياس، كما قلنا، أول معلم من معالمه أن فيه إطالة في ذكر المقدمات، وفيه إطالة في الاستدلال على قطعية هذه المقدمات، وأنا لم استدل الآن، أنا أحلتكم إلى كتب المتكلمين لتنظروا في الأدلة على طولها، انتصاراً للوقت، فهناك إطالة في ذكر المقدمات وفي التدليل على صحة كل مقدمة، وهناك مناقشات وإيرادات واعتراضات على كل مقدمة.

ثانياً، الألفاظ التي استعملت في هذه المقدمات، كلفظ الحادث ولفظ المتغير، هاي الألفاظ فيها شيء من الإجمال، ودلالتها غير واضحة عند المتكلمين، لأنهم يفهمون ويفسرون بتفسير فيه شيء من الخلط وفيه شيء من الخطأ، فكلمة إذاً حادث، كلمة متغير، فيها إشكاليات في فهمها وما الذي تقصدون بها؟

طيب، بدنا نفرض، قلنا: نعم، هذا القياس في النهاية يا شيخ أوصلنا لنتيجة صحيحة أن العالم له صانع، صح؟ نقول: نعم، هذا القياس أوصلنا إلى نتيجة صحيحة أن العالم له محدث ولا هو صانع، بدي أغض الطرف عن القضية الأولى؛ قضية الإطالة في المقدمات والإيرادات التي تقع بينهم عليها والتكلف في مثل سرد مثل هذا القياس وغيره من الأقيسة.

أنتقل إلى أن الإشكالية الثانية في طرق المتكلمين، إشكالية، كما قلنا، أن النتيجة التي تصل إلينا بعد كل هذه المقدمات نتيجة عامة، عموميات: العالم له محدث. طب من هو هذا المحدث؟ فهذه النتيجة النهائية: العالم له محدث. السؤال: من هو هذا المحدث؟ نحن نتفق مع الأديان الأخرى ومع أكثر الأديان الأخرى على وجود محدث لهذا العالم، أنت ما النتيجة العظيمة التي أوصلتني إليها؟ أنا مؤمن أن العالم له محدث، وهذا النصراني مؤمن أن العالم له محدث، وهذا البوذي مؤمن.

إشكاليتنا: من هو هذا المحدث لهذا العالم؟ من هو الصانع لهذا العالم؟ فأنت أوصلتني بعد كل هذه النقاشات والاعتراضات والإطالات، أنا ظننت نفسي وصلت إلى المقصد الأعلى، فاذا أنا وصلت إلى مجرد إثبات صانع على العموم، من هو؟ الله أعلم.

طيب، الإشكالية الثالثة، كما قلنا: الإطالة بما لا داعي لهما، إجمال في بعض الألفاظ. ثانياً، أنها وصلت إلى نتائج عامة لا تتكلم مباشرة عن ربنا عز وجل وإنما تتكلم عن صانع لهذا الكون عموماً. الإشكالية الثالثة: أنها لم تربط بين العلم والعمل، يعني أثبتنا وجود صانع لهذا الكون، طيب هذا الصانع ماذا يستحق من التوحيد؟ ألوهية هذا الصانع؟ عدم جواز الشرك؟ ما هي مظاهر الشرك التي من وقع فيها سمي مشركاً؟ كل هذه الأمور ما عالجتوها.

طب يا شيخ أنت لماذا تستعجل، لعلهم عالجوها في المسألة التي تليها، يعني أنت وقفت عند هذا القياس، طيب لماذا لا نكمل النظر في كتبهم؟ لعلهم عالجوا، يعني بعد أن أثبتوا أن العالم له صانع، لعلهم عرفونا من هو هذا الصانع بالتفصيل وعرجوا إلى مسائل الألوهية؟

في الحقيقة أحبتي، أنظروا في كتب الكلام، بعد إثبات وجود الصانع يعرجون على مسائل الأسماء، على مسائل الأسماء الحسنى والصفات العلى، أيضاً بالأدلة العقلية، يعني يبدؤون الخوض في ما الذي يجوزه العقل على هذا الصانع؟ وما الذي يوجبه العقل على هذا الصانع؟ وما الذي يمنعه العقل عن هذا الصانع؟ هذا هو نقاش بعد إثبات الصانع. وأما تطرقهم إلى مسائل الألوهية وتوحيد هذا الصانع فهو تطرق يسير جداً جداً، لا يوضح معالم توحيد الألوهية بحق.

وأنا دايماً أحب الدقة أحبتي، لا يعني بعض الناس حينما ينتقد تجده يذهب إلى الطرف الآخر مباشرة يقول: لا يتكلمون عن توحيد الألوهية، أو لا يعرفون توحيد الألوهية، هذا خطأ؛ علماء الكلام، رحمة الله تعالى عليهم، يعرفون توحيد الألوهية، ويؤمنون به ويمارسونه، لكن إحنا مشكلتنا في طريقة البناء العقدي هذا الذي نناقشهم فيه، أنكم تعلمون توحيد الألوهية لكنكم لا تتطرقون إليه في استدلالاتكم ولا تبرزونه بمسائلكم مع أنه المشكلة العظمى، فلابد أن تبينوا بعد إثبات الصانع ما يستحقه هذا الصانع من التوحيد وما يجب صرفه عنه من الشرك، وما هي مظاهر العبودية وما هي مظاهر الشرك؟ ومتى يكون الإنسان موحداً؟ ومتى يكون مشركاً؟

أما إشارة عامة سريعة إلى أن من صفات الله التوحيد، ثم بعد ذلك نجد أنفسنا في صراعات عقلية: ما هو الواجب العقلي على الصانع؟ وما هو الممتنع العقلي؟ وما هو الجائز العقلي؟ هذا غير مقبول أبداً وليس منهجا سديداً في بناء العقائد.

فإذاً هذه المشكلة الثالثة واضحة، أن النتيجة لم تربطنا بالعمل، لم تقودنا إلى العمل، لم تأخذنا إلى الصراع الأكبر وهو الألوهية، وإنما أوقفتنا عند وجود الصانع، فهذه إذاً مقارنة سهلة فقط مختصرة بين دليل قرآني في سورة البقرة ذكرناه، ودليل كلامي في كتب المتكلمين وفي مصنفاتهم.

طيب، لا أريد أن أطيل أكثر من ذلك في نقاش أو تعليق على هذا الدليل الكلامي، أقول: هناك فائدة جميلة أنقلها عن بعض علماء السلف، ماذا يقولون؟ أنا أعجبتني فقط لذلك نقلتها لكم؛ قال أحد علماء السلف، رحمة الله تعالى عليه، حيث سئل: بماذا عرفت ربك؟ سئل: بماذا عرفت ربك؟ فقال هذا العالم الذي يسير على المنهج القرآني: من طلب دينه بالقياس

لم يزل دهره في التباس من بحث عن ربه وفتش عنه من خلال الأكياس العقلية. لم يزل دهره في التباس خارجاً عن المنهاج عياناً في الاعوجاج، عرفته بما عرف به نفسه، ووصفته بما وصف به نفسه.

لاحظ هذه المقولة الجميلة، هذه مقولة استئنافية -طبعاً أنا لا أبني كلامي على هذه المقولة، هذه مقولة من باب الاستئناس فقط لتعرفوا حقيقة الأمر-: من عرف ربه بالقياس وبالأدلة المتكلفة المتعمقة لم يزل دهره في التباس، خارجاً عن المنهاج ضاعناً في الاعوجاج.

عرفت ربي بما عرف به نفسه، ووصفته بما وصف به نفسه عز وجل. القضية الأخيرة هي قضية أن أدلة المتكلمين لا تقود إلى العمل، ولا تبعث دوافع التوحيد وقصد الله عز وجل بالإخلاص والمحبة والخشوع والخضوع، لا تبعث كل هذه المشاعر في نفس الإنسان، وإنما تقف عند حدود العلم فقط؛ أن تعلم وجود صانع لهذا القول، ثم ماذا يجب لهذا الصانع وما يجوز عليه وما يمتنع، ولا يدخلون كما قلنا في العمل، ما الذي يجب أن يصرف إلى هذا الصانع من العبادات؟ وما الذي يجب أن ينفى عنه من الشرك؟ ها هي الإشكالية التي وجدت في منهج المتكلمين وفي طرائق المتكلمين هي التي دفعت الغزالي -والله تعالى أعلم- إلى أن يختار طريق الصوفية في آخر الحياة.

الغزالي رحمة الله عليه ذهب إلى منهج التصوف بعد أن قاطع منهج الفلاسفة في أول عمره وشرب من تلك المنابع الكدرة. رحمة الله تعالى عليه، عاد وترك منهج الفلاسفة ورد عليهم وسار على طرق المتكلمين، ثم بعد أن خاض في طرق الكلام وكتب فيها الكلام الكثير، اختار أن ينتقل إلى طريقة الصوفية في الزهد والأخلاق وعلم السلوك وتزكية القلب.

فأقول مبيناً ما الذي حدث للغزالي؟ وأبين أن هذا الذي وقع للغزالي إنما كان بسبب إكثاره من الأدلة الكلامية ومن المناقشات العقلية ومن الإيرادات على هذه الأدلة، فشعر أنه في طوال عمره متوقف عند العلم، لكن هذا العلم لم يقضه إلى العمل. فهذه المسائل العقلية المتكلفة والأدلة العقلية المتكلفة أورثت علماً عنده بغض النظر عن طبيعة هذا العلم صحيح خاطئ لا أناقش في هذا، لكنها أوقفته عند حدود العلم ولم تزك قلبه ولم تشعره بالارتباط بالإله عز وجل والإنابة إليه وهدوء النفس، فاختار هو بنفسه أن يذهب إلى مسلك الصوفية.

أقول معلقاً على هذه الفكرة: ولعل هذا السبب -يعني الانفصال بين العلم والعمل في أدلة المتكلمين- ولعل هذا السبب هو الذي دفع الغزالي إلى اختيار غير طريقة المتصوفة بعد أن خاض في علم الكلام وطرق الفلاسفة، وأدرك أن هذه الطرق إنما تقف -طرق الكلاميين- إنما تقف عند حدود التنظير المجرد؛ مجرد مسائل علمية، فهي وإن أوصلت إلى نتائج صحيحة في بعض الأحيان لكنها لا ترتقي بصاحبها إلى العمل، لا تربط هذا القلب بالإله، لا توجهه إلى خشيته إلى محبته إلى التعلق به، كل هذه الأمور بمعزل عن أدلة الكلاميين. لا ترتقي بصاحبها إلى العمل ولا ترتقي به في مدارج العبودية وتزكية النفس، كما قال عن نفسه في كتابه المنقذ من الضلال.

وأنا أتيت بكتاب المنقذ من الضلال -الإمام الغزالي رحمة الله تعالى عليه- لأقرأ منه بعض، لكن بعد قليل ليس في هذه الجزئية، في جزئية أخرى. المهم، الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال كتاب جميل جداً، أنا أنصح كل طالب علم باحث عن الحق أن يقرأ في هذا الكتاب.

انظر في التغيرات التي مر بها الغزالي عليه رحمة الله؛ عالم كبير من علماء المسلمين، لكنه للأسف أخطأ لما شرب من منابع أخرى، ولما ترك الطريقة القرآنية في بادئ حياته وذهب إلى منابع الفلاسفة وطرق الأرسيطيين ليأخذ منها وينهل منها. تكدر المنابع عنده سبب عنده إشكاليات في الاعتقاد.

المهم، ماذا قص علينا في كتابه المنقذ من الضلال؟ يقول الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال -واسمعوا ماذا قال-: قال: ثم إني لما فرغت من هذه العلوم، ثم إني لما فرغت من هذه العلوم -أي لما فرغت من علوم الكلام وعلوم الفلاسفة- أقبلت بنهم على طريقة الصوفية، وعلمت أن طريقتهم إنما تتم بعلم وععمل. لاحظوا الكلمات: علمت أن طريقتهم إنما تتم بعلم وعمل.

إذاً هذا فيه إشارة إلى ماذا؟ إلى أن طريقة الكلاميين التي تركها إنما كانت تقف عند حدود المسائل العلمية ولا تقود إلى العمل ولا توورث عملاً ولا تثير الحب والخشية والتعلق بالله سبحانه وتعالى. فهو كان إذاً يشعر بالوحشة، ويقرر على طريقة الكلاميين مسائل الاعتقاد لكنه يشعر بالوحشة، يشعر أن هذه الأدلة العقلية هي مجرد منافحات بالعقل وإيرادات على فلان وفلان وإطالة في الكلام، لكنها لا تربطك بالإله. في مشكلة شعر بها الغزالي في هذه الأدلة، لذلك اختار في نهاية المطاف أن يذهب إلى طريقة المتصوفة.

وللأسف -يعني- ليس لنا طريقة المتصوفة هي الطريق الحق، لكن الغزالي رحمة الله تعالى عليه كما سنذكر لم يوفق في نهاية -يعني أو في كثير من مراحل في حياته- إلى طريقة أهل السنة والجماعة بالضبط، لم يدرك هذه الطريقة وتفاصيلها. والغزالي عالم ذكي، عالم نحرير، وأنسان مفكر باحث عن ثقة، وأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرحمه وأن يغفر له وأن يوسع له في قبره.

في الحقيقة أنا أتدعو لهذا الرجل؛ رجل لو قرأت في كتبه وفي مصنفاته تجده بحراً خضماً، لكن المشكلة في الحقيقة هي مشكلة المنابع الكدرة التي تلقى منها في بداية حياته. هو نفس أحبتي الغزالي يقول: أنا دخلت في بطون الفلاسفة ولم أعرف كيف أخرج منها. هو نفسه كان يشعر بالإشكالية في حياته؛ إنسان صريح -هذه جمالية الغزالي إنسان صريح- يقول لك: أنا للأسف دخلت في طرق الفلاسفة، لكن حينما اردت الرجوع لم أستطع أن أخرج. وهذا ذكره أيضاً ابن العربي تلميذه ابن العربي المالكي رحمة الله تعالى عليه ذكر أن شيخي دخل في بطون الفلاسفة ولم يعرف كيف يخرج منها. حاول حاول، لكن للأسف الشبهات التي كانت عنده في عقله تجول وتصول كانت كبيرة جداً، حالت دون أن يهتدي إلى منهج أهل السنة والجماعة بالتحقيق.

وإن كانت بعض الكتب تقول إنها للغزالي رحمة الله عليه مات وصحيح البخاري على صدره، ولعله في آخر عمره هداه الله عز وجل لمنهج أهل السنة، أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يكون الحال كذلك، وأنا أحب له الهداية فهو عالم جليل يستفيد كل علماء الأمة منه، نعم على الأخطاء التي وقع فيها هذا لا يعني أن يهمش، أو كما يفعل بعض الجهلة أن يتسلق عليه أو أن يلمز، كلا والله؛ عالم كبير من علماء الإسلام، صاحب مصنفات، صاحب موسوعات فقهية، صاحب عقلية جبارة، لكن أين المشكلة يا شيخ؟

المشكلة كانت في كيف بدأ حياته، وأنا في الحقيقة لست أنا من أسرد عن هذا الأمر -يعني أو أتقول عليه- هذا هو ينص في كتاب المنقذ من الضلال، اقرأوا هذا الكتاب وأنظروا في حياة الغزالي تكتشفون ما سبب المشاكل التي مر بها هذا الإمام.

المهم أنا أطلت في توصيف هاي الحالة؛ حالة الغزالي، الحقيقة الغزالي شخصية تستحق الاحترام والتقدير. يقول الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال: إني لما فرغت من هذه العلوم أقبلت بنهم على طريقة الصوفية، وعلمت أن طريقتهم إنما تتم بعلم وعمل.

طبعاً هل فعلاً هذا الكلام دقيق؟ أن طريقة الصوفية تتم بعلم وعمل؟ لكن أنا لا أظن دقيق، لكن مشكلة الغزالي كما قلنا أنه خرج من وحشة الأدلة الكلامية فوجد الصوفية يهتمون بالرقائق والتزكية والإيمانيات فقال: إذاً أذهب إلى طريقة الصوفية هي الطريقة الأكمل. فانظروا التقلبات في الحياة، من طريقة الفلاسفة أراد أن يخرج إلى طريقة المتكلمين، ومن طريقة المتكلمين أراد أن يخرج إلى طريقة الصوفية.

فالغزالي رحمة الله عليه كان إذاً يبحث عن العمل، يبحث عن قلبه الذي فقده في طرق الكلاميين، ولو أنه -آه والله- لو أنه عرف طريقة اهل السنة والجماعة في الاعتقاد لادرك أن هذه الطريقة هي الطريق الأسمى والمنهج الأكمل في التأله والتعبد لله رب العالمين. وفي جمع طريقة أهل السنة والجماعة بين العلم -بين المسائل العلمية في إثبات الربوبية ومظاهر الربوبية لله وبين العمل- أي توحيد الألوهية وبين تزكية النفس وربط القلب بخالقه سبحانه وتعالى بعيداً عن تكلف المتكلفين والمتكلمين، وبعيداً أيضاً في نفس الوقت عن شطح الصوفية؛ لأن الصوفية في الحقيقة يشطحون في مسائل العمليات ويقصرون في العلميات فيورثهم هذا جهلاً في عباداتهم. وإنما الميزان الحق هو ميزان أهل السنة والجماعة؛ الجمع بين العلم والعمل باعتدال واتزان، وألا تطغى كل مسألة عن حجمها، لا تطغى المسائل على بعضها بل تؤخذ كل هذه المسائل باتزان بترابط لبناء شخصية المسلم العقدية المتكاملة.

طيب، الآن قبل أن أنتقل إلى الفرق الثالث والأخير بين المنهج القرآني والمنهج الكلامي في مسائل الاعتقاد -قبل أن أنتقل إلى الفرق الثالث والأخير- سأذكر ملاحظتين.

طبعاً احنا يا شيخ ضعنا معك. لا، إن شاء الله ما ضعناش، احنا ما زلنا نتكلم عن الفوارق بين المنهج القرآني منهج أهل السنة، ومنهج المتكلمين العقلاني. ذكرنا الفرق الأول بينهما أن المنهج القرآني يعتمد على الوضوح والسهولة والاختصار، بينما المنهج الكلامي اعتمد على الإطالة والتعقيد وكد الذهن.

ثانياً، المنهج القرآني يعتمد على ذكر الاستدلال المباشر على الرب سبحانه وتعالى، ولا يذكر المجملات فقط ويربط بين العلم والعمل، بينما منهج يهتم في نتائجه بالمجملات العامة ويفصل بين العلم والعمل، لا يقودك إلى العمل بل يقف عند حدود العلم. هذا الفرق.

الفرق الثالث سأذكره بعد قليل إن شاء الله، لكن عندي ملاحظتان أساسيتان تحملوني فيهما.

الملاحظة الأولى، لأنها في الحقيقة تفسر لي بعض المظاهر التاريخية. الملاحظة الأولى أقول فيها: إن انشغال علماء الكلام بالأدلة التي تثبت الربوبية فقط وإغفالهم مسائل الألوهية وعدم التطرق إليها إلا على وجه التبع عبر التاريخ ماذا أفرز لنا؟ ماذا أنتج هذا المنهج الكلامي؟ كان سببا في انتشار الجهل بمعالم العبودية لله وجهل في مسائل الألوهية وكان سببا في ظهور البدع والشركيات في المجتمع المسلم عبر قرون متطاولة.

اهتمام العلماء الكلام في كتبهم الكلامية بإيراد الأدلة العقلية على إثبات الصانع ومن هو الصانع وماذا يجب عليه وماذا يمتنع عليه، وإغفال مسائل توحيد الألوهية وعدم الإقناع في شرحها ومعرفة التفريق بين التوحيد والاشراك وكل هذه التفاصيل سبب عبر التاريخ الإسلامي انتشار وفشول الجهل بمسائل توحيد الألوهية وظهور الشركيات بين المسلمين من استغاثة بالقبور.

إيش يعني الشركيات تقصد بها؟ ظهرت الاستغاثة بقبور الصالحين؛ يذهب إلى قبر هذا الولي الصالح وهذا القطب من الأقطاب كما يقول ولاة الصوفية ويسأل هذا الشيخ الوالي أن ينفعه وأن يضره وأن يشفيه، أن يحضر له شيء؛ الاستغاثة بالقبور، الذبح للقبور، النذر للأولياء والصالحين، الغلو في بعض الصحابة والتابعين والأسياخ وتأليه بعض الجهلة لهؤلاء الصحابة أو لهؤلاء التابعين أو لهؤلاء الأسياخ إلى غير ذلك من مظاهر الجهل بمسائل الألوهية الحقة.

طيب، ماذا تريد يا شيخ بعد ذلك؟ أريد بعد ذلك أنه لما جاء من ينفض الغبار عن هذه المعالم ويجدد من درس من عقائد التوحيد ويجدد من درس من مسائل توحيد الألوهية من المصلحين كابن تيمية رحمة الله عليه وابن القيم، نشر خصومهم بين الناس أن هذه العقائد ومسائل الشرك التي يذكرها ابن تيمية ومن ناصره، نشر خصومهم بين الناس أن هذه العقائد التي يدعو إليها ابن تيمية وغيره عقائد اخترعوها من بنات أفكارهم، لا علاقة لها بعقائد السلف الصالح ولم يتكلم بها الأولون.

انظروا إلى هذا الإشكال التاريخي حتى نفهم بعض الأمور، يعني هي القضية ليست قضية ابن تيمية وابن القيم أو ما شابه ذلك، هي القضية أن ندرس التاريخ دراسة علمية. لما فشىت الأدلة الكلامية التي تركز على مسائل الربوبية وضعف الكلام في مسائل توحيد الألوهية في كل الكتب أو في جلها، هذا ماذا سبب؟ سبب أن الناس جهلت مسائل توحيد الألوهية، فشيء طبيعي أن ينتشر الجهل، أن تنتشر الشركيات، أن تجد الناس تستغيث بالقبور ولا تجد منكر عليهم، أن تجد الناس يؤلهون الصالحين والأسياخ، أن تجد يذبحون عند قبور الصالحين، شيء طبيعي لأن الناس ضعفت معرفتهم بالألوهية وتركيزهم فقط هل هناك صانع لهذا الكون أو ليس له صانع؟ وماذا يجب على هذا الصانع وما يمتنع؟

إذاً علينا أن نفهم السياق التاريخي، لماذا ضعفت مسائل توحيد الألوهية؟ بسبب فشو الكلام في مسائل الربوبية. لما جاء بعض العلماء كابن تيمية وغير ابن تيمية -أنه لا تظن ابن تيمية، ابن تيمية، الذهبي، ابن كثير، ابن القيم وغير من الأئمة الكبار من علماء أهل السنة والجماعة- حينما جاءوا لينفضوا الغبار عن مسائل توحيد الألوهية ويجددوا عروقها في المجتمعات المسلمة، خصوم هؤلاء ماذا قالوا؟ قالوا: هذه العقائد التي أتى بها هؤلاء من المتأخرين عقائد منقطعة لا أصل لها، أتوا بها من بنات أفكارهم مخالفة لما كان عليه الأولون.

ووالله ما فيها مخالفة أحبتي، لكن في الحقيقة -أكمل كلامي- لكن في الحقيقة من وقف على اعتقاد الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان يدرك تماماً أن ما سطره هؤلاء الأئمة الكبار الأعلام كابن القيم وابن تيمية والذهبي وابن كثير وابن عبد الهادي وابن مفلح وابن قاضي الجبل وغيرهم من الأئمة الكبار، إنما هو إحياء لما كاد أن يندرس تحت مطرقة الأقيسة الكلامية المتكلفة من عقائد الجيل الصالح من سلف هذه الأمة.

أعيد هذه العبارة أن بعض الطلبة عندهم إشكالية يقولون: يا شيخ نحن نجد.

إن أكثر أهل العصر في زمن ابن تيمية وابن كثير والذهبي وابن عبد الهادي وابن مفلح، في زمن هؤلاء الأئمة، أكثر العلماء كانوا منازعين لهم مخالفين لهم. في الحقيقة أحبتي، كما قلت، إن ليست قضيتي الآن قضية ابن تيمية بشخصه، لكن قضيتي أن نعلم كيف نفكر بشكل صحيح.

أنا ذكرت لكم ابتداءً في المجلس السابق، أو في مجالس السابقة، أنه من الخطأ أولاً أن تستدل على صحة العقائد من خلال كثرة معتقديها. بينت أن العقيدة إنما تستمد قوتها وتستمد صحتها من التأصيل العقدي الصحيح لها، ومن تماسكها المنهجي، وليس من كثرة معتقديها، ولا من قدرة صاحبها على إيراد الحيل العقلية. فأن تقول: عقيدة هؤلاء الأئمة الكبار عقيدة خاطئة لأن أكثر العلماء في عصرهم خالفوهم؛ أنت هنا أخطأت في الطريقة العلمية في الاستدلال.

يعني أنت تريد أن تخطئ هؤلاء في عقيدتهم لأن أكثر أهل العصر خالفوهم. هل هذا منهج علمي في الاستدلال؟ هل هذه الطرق هي طرق الفهم الصحيح التوصل الصحيح إلى النتائج الحقة؟ كلا. نحن ذكرنا ابتداءً: تريد وصولاً إلى العقائد الحقة، عليك بتأصيل عقدي صحيح. أما أن تستدل بالكثرة، وأن تستدل بقدرة فلان على إيراد الحيل العقلية، فهذا ليس منهجاً شديداً في الاستدلال.

هذه القضية وقضية أن ما أتى به هؤلاء من المتأخرين منقطع عن عقائد السلف الصالح، هذه أيضاً الحقيقة مجازفة؛ يعني من يتكلم بهذا الكلام مجازفة. قل لي: أنا لا اقتنع بعقائد هؤلاء، هذا أمر آخر نتناقش فيه. لكن إياك أن تقول إن ما يذكره هؤلاء في كتبهم يخالف ما عليه السلف الصالح. فأنا هنا أطلب منك إذا كنت منصفاً أن تأتي بكتب العقائد التي كتبها علماء أهل السنة في القرن الثاني والثالث الهجري.

دعونا ننظر في عقيدة الإام المزني، دعونا ننظر في عقيدة اللالكائي، دعونا ننظر في عقيدة أبي عثمان الصابوني، دعونا ننظر في عقيدة البربهاري، دعونا ننظر فيما سجله الهروي، دعونا ننظر فيما تكلم به أحمد بن حنبل وشافعي ومالك، دعونا ننظر في كتاب السنة للخلال، دعونا ننظر في هذه الكتب وغيرها. دعونا ننظر في كتاب اعتقاد أهل الحديث للإسماعيلي، والكتب كثيرة التي كتبت في القرن الثاني والثالث الهجري؛ يعني في مئتين هجري وثلاثمئة هجري، قبل ظهور الفرق الكلامية أو في بداية ظهورها، المهم قبل أن يفشوا المنهج الكلامي وقبل ابن تيمية ومن عاصره بقرون.

دعونا ننظر في الكتب التي سجلت عقيدة أهل السنة والجماعة ونقارن بينها وبين ما يقوله ابن تيمية وغيره، وننظر هل فعلاً هناك انقطاع بين ما يقوله هؤلاء وبين ما يقوله هؤلاء، ولا القضية كانت أنه بعد أن فشل المذهب الكلامي اندرست هذه الكتب وما عاد بها اهتمام عند علماء المسلمين، وأصبح الاهتمام بالطرق الكلامية، فمرت قرون على الأمة أخفيت فيها معالم هذه الكتب، وطغت على الساحة الكتب الكلامية المتكلفة في أدلتها، ثم لما جاء من ينفض الغبار عن تلك الكتب أصبح هناك اتهام صارخ إليه بأنه تأتي بعقيدة جديدة غير معروفة، وأنك ابتدعت، وأنك خالفت الأمة، إلى غير ذلك من العبارات الفضفاضة.

القضية أحبتي، أنا فقط أريد أن تنظروا بعقولكم وأن تتأملوا بأذهانكم، ولا تقبلوا الأقوال من هنا وهناك؛ فكر وانظر وتأمل بالتاريخ. بغض النظر، أنا كما قلت لك: لا أناقشك الآن في شخص ابن تيمية أو في شخص ابن القيم، اعتقدوه صح أو خطأ، لا أناقش الآن في هذه الجزئية، لكن أناقش أن لا تقبل من أي دعوة تصرخ هنا وهناك تقول إن هؤلاء أتوا بعقائد من بنات أفكارهم وأنه لا أصول لهذه العقائد التي أتوا بها. لا، اتق الله سبحانه وتعالى وانظر. أنا أقول لك: اذهب إلى كتب العقائد التي كتبت في القرن الثاني والثالث وقارن بنفسك، إياك أن تقبل الكلام جزافاً، إياك أن تقبل كلام أي شخص يقول لك هذه عقائد مبتورة. اذهب بنفسك واقرأ، لا تعتمد كلامي، ما عندي مشكلة.

اذهب بنفسك واقرأ وقارن بين عقائد العلماء في القرن الثاني والثالث ومع العقائد التي سجلها المتأخرون كابن تيمية وغيرهم، ثم احكم بنفسك، فإنما وجدت هناك مباينة فدلني عليها.

طيب، أنا أظن أن تجاوزنا القنطرة، لكن بقي علي النقطة الملاحظة الثانية؛ إذاً الملاحظة الأولى فهمناها: ما سبب ظهور الشركيات في المجتمعات المسلمة وظهور الجهل في هذه القضايا؟ كثرة الأدلة الكلامية التي تسلط الضوء على مسائل الربوبية فقط. لما جاء من ينفض الغبار عنها أصبح هناك إشكالية معهم، حوربوا وسجنوا وقتلوا إلى آخر ما وقع معهم.

طيب، المسألة الثانية أريد أن أنبه على أن حركة الترجمة غير المنضبطة التي وقعت في عهد الرشيد والمأمون ومن بعدهم، والتي كان لها للأسف أثر سيء في تاريخ الأمة، الترجمة غير المنضبطة نعم كان لها أثر سيء في تاريخ الأمة. هذه الحركة ساهمت في نشوء طبقة الفلاسفة المنتسبين للإسلام. لما وقعت الترجمة في عهد المأمون ومن بعده، الترجمة كانت غير منضبطة، دخل فيها الغث والسمين من أفكار الأمم الأخرى، وخاصة من فلاسفة اليونان. لما دخلت هذه الكتب إلى ساحة الفكر الإسلامي، كثير ممن كان من أهل الإسلام اعتقد أفكار فلاسفة اليونان، فنشأت طبقة تسمى الفلاسفة الإسلاميين؛ يعني فلاسفة يدعون أنهم مسلمون لكنهم يسيرون على طريقة فلاسفة اليونان.

إذاً حركة الترجمة غير المنضبطة كما قلنا ساهمت في نشوء طبقة الفلاسفة المنتسبين للإسلام، وإن كان أكثر هؤلاء الفلاسفة الذين انتسبوا للإسلام أكثرهم خلع ربقة الإسلام وخرج عن دينه؛ نعم كان اتباعه واعتناقه لمنهج فلاسفة اليونان سبباً في كفره وفي حكم العلماء عليه بالكفر. وإن كان أكثرهم قد خلع كما قلنا ربقة الإسلام كابن سينا والفارابي. ابن سينا يصرح بنفسه أنه على طريقة الباطنية، وهذه طريقة كفرية، يصرح أنه كان على طريقة الباطنية، لذلك الغزالي نفسه إمام المتكلمين كفر ابن سينا كما سأذكر بعد قليل. الفارابي أيضاً، الفارابي الذي كان يقول الفيلسوف أفضل من النبي.

المهم هؤلاء الفلاسفة ومن سار في ركبهم تصدى للرد عليهم. لما نشأت طبقة الفلاسفة من الإسلاميين أو من ينتسبون إلى الإسلام، بدأوا يثيرون الشبهات ويفسدون عقائد الناس؛ من الذي تصدى للرد عليهم؟ في الحقيقة للانصاف الذي تصدى للرد على هذه الطبقة أئمة علماء الكرام، سواء من المعتزلة أو من الأشاعرة والماتريدية وغيرهم؛ أكثر علماء الكلام تصدوا لهذه الطائفة للفلاسفة المنتسبين للإسلام.

إذاً تصدى لهؤلاء طائفة من علماء الكلام استخدموا معهم في الدفاع عن العقائد الأدلة العقلية والاقيسة المنطقية. ولا أشكال عندي في هذا المقام، في مقام الدفاع عن العقائد والرد على الشبهات وهدم هذه الشبهات، لا أشكال عندي في استخدام الأدلة العقلية المتعمقة. لماذا؟ لأن هؤلاء الفلاسفة كانوا يستخدمون أدلة عقلية متكلفة، فكان لا بد من أن نرد عليهم من صلب علمهم، وأن نهدم عليهم بنيانهم بأن نبين فساد هذه الأدلة العقلية من خلال أدلة عقلية أخرى.

فإذاً في مقام الدفاع العقدي ما عندي مشكلة أن تهدم الشبه من خلال الأدلة العقلية المتعمقة. لكن في مقام البناء العقدي، لا.

فرد على هؤلاء طائفة من الكلاميين أو من علماء الكلام مستدلين بالأدلة العقلية والأقيسة المنطقية، كالغزالي من الأشاعرة وعبد الجبار المعتزلي من المعتزلة. الغزالي، لكن أنا سأركز على الغزالي، الغزالي صنف كتاباً كاملاً في الرد على الفلاسفة الإسلاميين، وهو كتاب تهافت الفلاسفة. تهافت الفلاسفة، وإن كان ابن رشد عاد فرد على الغزالي تهافت التهافت، لكن لا يهمني. المهم الغزالي صنف كتاب تهافت الفلاسفة للرد على هذه الطبقة من الفلاسفة المتأسلمين، وهو بنفسه الغزالي بنفسه حكم على ابن سينا ومن شابهه في الاعتقاد بالكفر.

طيب، لما انشغل الناس بالرد على هؤلاء الفلاسفة بالمنطقية المتعمقة، حتى تنظروا في هذا الخطأ التاريخي الآخر، تفهموا كيف التاريخ صار أحبتي: انشغل الناس بالرد على هؤلاء الفلاسفة بالأقيسة المنطقية، طبعا هي جهود مشكورة ويجب أن يثنى على الغزالي وعلى عبد الجبار وغيرهم من علماء الكلام الذين نصروا الإسلام وردوا على الفلاسفة الذين تأثروا باليونان، جهد مشكور جزاهم الله عن الإسلام خير الجزاء.

لكن أين المشكلة التي وقعت؟ لما انشغل الناس بالرد على هذه الطبقة من الفلاسفة بالأقيسة العقلية، انتقلت هذه الأقيسة من منطقة الجدل مع الفلاسفة وتوظيفها في الرد عليهم إلى منطقة التأصيل العقدي والبناء العقدي في حياة المسلمين، واعتبار هذه الأقيسة هي المنطلق الذي يجب الانطلاق من خلاله في الإيمان، ويجب أن يدرسه الناس جميعاً وطلبة العلم، وهذا من أحد أسباب انتشار هذا الخلل في البناء العقدي.

أنا أريد أن أبين لكم كيف تسربت الأدلة العقلية المتكلفة إلى البناء العقدي، مع أنها كانت ابتداءً في مقام الدفاع العقدي لما اهتم الغزالي وغيره من علماء الكلام في الرد على الفلاسفة وتأثروا بمنهجهم وأصبحت الصبغة الكلامية هي السائدة في ردودهم على الفلاسفة وغيره من محاربي الإسلام، طغت الطريقة الكلامية عليهم فأتوا بهذه الأدلة العقلية التي سردوها في مواجهة الملحدين والمتفلسفين، أتوا بها وأخذوها ووضعوها في مقام بناء العقائد عند المسلمين الأصحاء، وهذا هو الخطأ التاريخي.

الأصل أن تبقى هذه الأدلة المتعمقة فقط في مقام الرد والدفاع وهدم الشبه، وألا تأتوا بهذه التعمقات وتجعلونها أصلاً تاماً، بل بعضهم لم يصحح -بعض المتكلمين غلا- يقول: لا يصح إيمان المسلم حتى يؤمن بهذه الأقيسة وينطلق من خلالها، وهذه دعوة عظيمة عريضة؛ كيف أنت لا تصحح إيمان الناس حتى يؤمن بهذه الأقيسة العقلية المتكلفة؟ هذه دعوة فيها شطح في العقل.

المهم، أنا فقط أردت أن أنبه على هذا الخطأ التاريخي الآخر أن انتقلت هذه الأقيسة من مقام الدفاع العقدي إلى مقام البناء العقدي، وكان هذا من أحد أسباب انتشار هذا الخلل في البناء العقدي عند المتكلمين، لأن هذه الأقيسة إذا صلحت لمجادلة هذا الصنف من الفلاسفة فهذا لا يعني أنها المعتمدة عند أهل في بناء العقائد. فمن صلح قلبه وصفت سيرته ودخل في دين ربه ونشأ عليه من عوام الناس، فهو غني أحبتي عن هذه الأقيسة ولا حاجة له إليها في بنائه العقدي والمنهجي وفي ارتباطه بخالقه.

وليس كل الناس أصلاً -يعني ممكن يا شخص يقول: طيب يا شيخ، خل الناس تتعلم هذه المتعمقة حتى يعرفوا يردوا على الفلاسفة- أخي الكريم، ليس كل الناس يصلح لمجادلة الملاحدة والفلاسفة، في أناس إذا دخلوا في المجادلات ضاعوا، بل للأسف مجادلتهم قد تكون سبباً في إلحادهم، فليس كل الناس يصلحون لمجادلة الملاحدة والمتفلسفة، حتى نقول: والله يجب على الناس جميعاً أن يتعلموا الأدلة العقلية المتكلفة.

فمن كان متصدراً جادل وأتاه الله عقلاً فلا مانع من أن يطلع على المتعمقة من أجل مجرد الرد على الفلاسفة والملاحدة الذين يعتمدون المنهج العقلي في الجدل. أما من سلم من هذه المناقشات والمجادلات وأراد فقط أن يبني عقيدته التي يدين ربه بها، فلا حاجة أن يطلع على كل هذه الأقيسة، بل يبني نفسه بناءً عقدياً محكماً من خلال المنهج القرآني الصحيح بعيداً عن كل هذه التكلفات وهذه التعمقات.

فهذا إذاً يبين لنا كيف تسربت هذه الأقيسة المتعمقة إلى التأصيل العقدي بعد أن كانت مقتصرة على منطقة الدفاع العقدي.

فإذاً هاتان الملاحظتان: الملاحظة الأولى: الجهل بمعالم الألوهية ثم ظهور بعض الأئمة ليدافعوا عن هذه المعالم جعل أهل عصرهم يخاصمونهم ويدعون أن عقائدهم منقطعة عن عقائد السلف، وهذا خطأ تاريخي كبير عرفنا سببه.

ثانياً: أن كثير من الأدلة الكلامية كانت في الأصل في مقام الدفاع العقدي ضد الفلاسفة والملاحدة، لكن للأسف لكثرة الإدمان على هذه العقائد -عفوًا، على هذه الأقيسة العقلية- واستخدامها تسربت وأصبحت في مقام بناء العقائد للمسلمين، وادعى كثير من المتكلمين أنه لا بد لكل مسلم أن ينطلق من خلال هذه الأقيسة، فعرفنا أن هذا أيضاً تسرب تاريخي خاطئ، وما كان ينبغي أن يحدث لولا أن الله عز وجل قدره. ففهم هذه الأمور التاريخية يجعلك تتفهم أكثر وأكثر ما سبب هذا الخلط وهذا التعقيد المعاصر في مسائل الاعتقاد وبين الفرق جميعها.

أظن أني تجاوزت كثيراً. في المحاضرة القادمة بإذن الله نشرع في السبب الثالث والأخير، أو الفرق الثالث والأخير بين المنهج القرآني ومنهج المتكلمين في بناء العقائد. ما هي الميزة الثالثة التي تميز المنهج القرآني عن منهج المتكلمين في بناء العقائد؟

هذا نهاية المجلس، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، طريقك نحو علم شرعي راسخ.