حياكم الله أحبتي في هذه الدورة التي نشرح فيها كتاب لمعة الاعتقاد للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي رحمة الله تعالى عليه، وما زال حديثنا يدور حول قواعد باب العقائد عند أهل السنة والجماعة. وتحدثنا في المجالس السابقة عن القاعدة الأولى، وهي التي تتكلم عن أهمية التأصيل العقدي في الوصول إلى العقائد الصحيحة.
ثم انتقلنا إلى القاعدة الثانية والتي تتكلم عن مصادر الاستدلال المقبولة عند أهل السنة والجماعة في البناء العقدي وهي: الهداية الفطرية، نصوص الكتاب والسنة، ما أجمع عليه الصحابة والتابعون والسلف الصالح أو ما كان مشتهرا عندهم من دون مخالف معتبر، رابعا الأدلة العقلية الواضحة. ثم انتقلنا إلى الأدلة المردودة عند أهل السنة والجماعة في البناء العقدي، فتكلمنا عن الدليل الأول وهو الأدلة العقلية المتعمقة المتكلفة التي تسير على سنن الفلاسفة. وعرفنا أحبتي العلاقة التي تربط بين النقل والعقل عند أهل السنة والجماعة، والعلاقة التي تربط بينهما في رأي المتكلمين.
ثم بعد ذلك شرعنا في الحديث عن ما هي الفوارق التي تميز المنهج القرآني منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال على مسائل الاعتقاد وبنائها. وما هي ميزات المنهج القرآني في بناء العقائد عن المنهج الكلامي في بنائه الذي يقوم كما عرفنا على الأدلة العقلية المتعمقة المتكلفة؟ وما زلنا نسير في هذه المسألة، لم أنتقل إلى الدليل الثاني المردود عند أهل السنة والجماعة، ما زلت في الدليل الأول وهو الأدلة العقلية المتعمقة المتكلفة. أسهبنا وأطلنا الكلام لخطورة هذا الاستدلال، ولأن كثيرا من الفرق إنما ضلت بسبب هذا النوع من الاستدلال العقدي في بناء العقائد.
ووقفنا كما قلنا عند هذه النقطة: ما هي ميزات المنهج القرآني في بناء العقائد عن المنهج الكلامي العقلي؟ عرفنا الميزة الأولى للمنهج القرآني التي تميزه عن المنهج العقلي الكلامي؛ كانت تتحدث عن أن المنهج القرآني يمتاز بالسهولة والوضوح والاختصار وعدم التكلف، وأن العقلاء جميعا يشتركون في فهم الدلالة، بخلاف المنهج الكلامي العقلي الذي يقوم على الطول والتعب وكثرة الإيرادات مع الاضطراب داخل المدارس الكلامية المختلفة. فما تعده هذه المدرسة قطعية تعده المدرسة الأخرى وهماً، وعلى ذلك كان هذا هو الفرق الأول بين المدرسة القرآنية والمدرسة الكلامية.
الفرق الثاني كان يتحدث عن النتائج التي نتوصل إليها سواء في الدليل القرآني أو الدليل الكلامي. فعرفنا أن الدليل القرآني نتائجه يربطك بالله سبحانه وتعالى مباشرة، وتتحدث عن الخالق عز وجل مباشرة، ثانيا تربط بين العلم والعمل، فهي تنقلك من مسائل الربوبية لتربطك مباشرة بمسائل الألوهية، فالرب الخالق المدبر هو الذي يستحق العبادة والتوحيد أن ينفى عنه الشرك. وأما الطرق الكلامية فإن نتائجها تكون قضايا عامة مجملة لا تتحدث عن الله سبحانه وتعالى مباشرة، وإنما تتحدث عن صانع في الجملة لهذا الكون، وكما قلنا أن هذا القدر قدر مشترك بين الإسلام وبين كل من يثبت صانعا لهذا الكون. فهذه قضية عامة جدا جدا لم تفدنا فائدة كبيرة بعد كل التعب في تحصيلها.
ثانيا الطرق الكلامية تقف عند حدود العلم، تعطيك مسألة علمية: العالم له صانع، لكنها لا تنقلك بعد ذلك إلى العمل، ولا تربط بين العلم والعمل، لا تنقل المسلم طالب علم العقيدة من توحيد الربوبية ومن مسائل الربوبية إلى مسائل الألوهية. لذلك فشا عندهم الجهل في تفاصيل مسائل توحيد الألوهية، وهذه نبهنا عليها في المحاضرة السابقة، أنه فشا عند المتكلمين الجهل بتفاصيل مسائل توحيد الألوهية، وإنما انتشرت البدعيات والشركيات بين المسلمين عبر القرون الإسلامية المتطاولة بسبب الاهتمام والتركيز على جانب واحد من جوانب علم الاعتقاد وهي مسائل الربوبية وإغفال مسائل الألوهية. فكان إذا هذا هو الفرق الثاني بين المدرسة القرآنية والمدرسة الكلامية.
اليوم بإذن الله أختم بالفرق الثالث بين المدرسة القرآنية والمنهج القرآني في بناء العقائد والمنهج الكلامي في بناء العقائد، ثم ننتقل إن شاء الله إلى الدليل الثاني المردود في بناء العقائد عند أهل السنة والجماعة. كل هذا الكلام في هذه المحاضرة والسابقة والتي قبلها كان في ثنايا حديثنا عن الدليل الأول المردود وهي الأدلة العقلية المتكلفة. وكما قلت لماذا أسهبت يا شيخ؟ لماذا أطلت؟ لأنني أريد أن أنقض هذا الدليل وأريد أن أبين فساد الاعتماد عليه في تأصيل العقائد عند المسلمين. يمكن الاعتماد عليه في الدفاع عن العقائد، في مكافحة الشبهات أمر آخر، لكن في بناء العقائد يجب علينا أن نبني العقائد بين أبنائنا وفي شباب المسلمين وعند فتيات المسلمين، نبنيها على طريقة محمد صلى الله عليه وسلم، بعيدا عن التكلف والتقعر وإطالة المقدمات وإغفال الجوانب المهمة الكبرى في مسائل التوحيد.
إذا وصلنا إلى الفرق الثالث كما قلنا بين المنهج القرآني والمنهج الكلامي، ما هو الفرق الثالث؟ أقول فيه: ثالثا أن الأدلة العقلية المتعمقة المتكلفة تورث صاحبها مع مرور الوقت فسادا في الذوق العقلي. أعيد مرة أخرى: إدمان الأدلة العقلية المتكلفة، وأن يبقى الإنسان دائرا حوله ومبتعدا عن المنهج القرآني، هذا يورث صاحبها فسادا في الذوق العقلي وتشكيكا في كل شيء حتى في بديهيات العقول التي تؤمن بها الفطر. كثرة النظر في المقدمات، وفلان يبطل هذه المقدمة بكذا وكذا، وهذا يرد علي وهذا يجادل وهذا يناضل، أن يبقى الإنسان دائرا ضمن هذه المقدمات المحصورة يكافح ويجادل عنها، هذا مع كثرته وإطالة البحث حوله يورثك فسادا في الذوق العقلي، وقد يصل بك إلى التشكيك في بديهيات العقول والضروريات التي تؤمن بها الفطرة.
سامحك الآن شاهدا على هذه الحالة، شخصية من أساطير علم الكلام بسبب إدمانها بالعقليات والأكسدة العقلية المتكلفة والنظر العقلي المتكلف أصابها فساد في الذوق العقلي، وهي من سيقص عليك ذلك، لست أنا من أتقول عليها، هي من ستقص علينا تفاصيل ما وقع معها لتتأكد من هذه القضية التي قلتها لك قبل قليل: أن كثرة النظر في الأدلة العقلية المتعمقة المتكلفة والجدل والرد عليها يورث الإنسان فسادا في الذوق العقلي وتشكيكا في قضايا العقول الأساسية. هذه الشخصية التي أقص عليك جزء من حكايتها كما روتها هي، هي شخصية كبيرة جدا في علم الكلام ومؤثرة جدا، وإلى الآن علماء الكلام من المعاصرين يعتمدون عليها، هي شخصية العلامة الغزالي رحمة الله تعالى عليه أبو حامد الغزالي أحبتي في كتابه المنقذ من الضلال. ولعلي عرفتكم على هذا الكتاب في المحاضرة السابقة، وأعيد النقل منه، لأنه في الحقيقة يشكل نقلة نوعية.
أبو حامد الغزالي في هذا الكتاب يشكل نقلة نوعية، لأنه يبين لعلماء الكلام أن كثرة أو إطالة البحث الكلامي الجدلي لا يورث الإنسان عملا ولا يربط الإنسان بخالقه سبحانه وتعالى ربطا محققا، وإنما هي قيل وقال وأخذ وعطاء، في النهاية يبقى هذا القلب جافا بعيدا عن مولاه، ومع الاستمرار بنمط التفكير هذا يورثك فسادا في الذوق العقلي وتشكيكا في كل شيء تمر به. أنظروا الغزالي رحمة الله عليه، أنا سانقل لكم القصة التي ذكرها الغزالي عن نفسه، وأنا أنصح كل طالب علم أن يقرأ هذا الكتاب ليقف بنفسه على المراحل التي مر بها الغزالي عليه رحمة الله.
ماذا يقول الغزالي عن نفسه؟ اسمعوا وعوا. يقول: فقلت في نفسي الآن سأقرأ فقرات من هذا الكتاب هي التي ستصور لكم الصورة كاملة بإذن الله. يقول الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال: فقلت في نفسي وهو الآن يخاطب نفسه، ماذا يقول؟ قلت في نفسي إنما مطلوبي العلم بحقائق الأمور فلا بد من طلب حقيقة العلم. ما هي؟ يخاطب نفسه فيقول لها: أنا إنسان أريد أن أطلب العلم الجزم بحقائق الأمور والأشياء، فقبل أن أبحث في هذه الأشياء علي أولا أن أعرف ما هو العلم الجازم؟ ما تعريف العلم الجازم؟ ما حقيقة العلم الجازم حتى أطبق هذه الحقيقة وهذا التعريف على المسائل التي أصل إليها في بحث الحياة؟
فيقول: قلت في نفسي إنما مطلوب العلم بحقائق الأمور، فلا بد من طلب حقيقة العلم، ما هو العلم اليقيني الجازم؟ فقال: فظهر لي أن العلم اليقيني هو الذي يكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك. إذا هذا تصور الغزالي للعلم اليقيني، العلم اليقيني هو العلم الذي يكشف فيه المعلوم، تنكشف فيه الأمور انكشافا لا يبقى معه أدنى ريب وشك، ولا يقارنه إمكانية غلط أو إمكانية وهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك، يعني القلب والخاطر والعقل لا يمكن أن يقدر وجود خطأ في فهمه، هكذا نكون وصلنا إلى العلم الجازم. إذا الغزالي تصور حقيقة العلم الجازم بهذا التصور.
ثم نكمل معه قال: ثم علمت أن كل شيء لا أعلمه على هذا الوجه، عن هذه الطريقة طريقة أن ينكشف انكشافا لا يبقى معه ريب ولا يقارن إمكان الغلط، كل علم لا يصل إلى هذه المرتبة ولا يتيقنه على هذا القدر من اليقين فهو علم لا ثقة به ولا أمان معه، وكل علم لا أمان معه فليس بعلم يقيني. إذا هو أولا أعطاك التصور الذي انقدح في ذهنه لطبيعة العلم اليقيني الجازم، أنه العلم الذي تنكشف فيه الحقائق تكشف فيه الحقائق انكشافا لا يبقى معه ريب ولا يمكن إمكانية الغلط أن ترد على القلب، وأي علم أصل إليه لكنه لم يتصل بهذه الصفات فهو إذا ليس علما يقينيا.
طيب نكمل معه قال الغزالي قال: ثم فتشت عن علومي، بدأت أفتش عن العلوم التي أملكها في عقلي وذهني، قال: فوجدت نفسي عاطلا، أي خاليا عن علم موصوف بهذه الصفة، إلا في الحسيات والضروريات. فتش الغزالي في عقله وفي علومه: هل عندي علم أعلم بهذه الصفة علم يقيني لا، انكشف انكشافا لا ريب فيه ولا يمكن أن يرد في الخاطر وفي القلب احتمال الغلط فيه؟ هل عندي علم موصول بهذه الصفة حتى أقول إنني أملك علما يقينيا؟ قال: فتشت في علومي فلم أجد عندي شيئا من هذه العلوم إلا في أمرين: في المحسوسات وفي الضروريات.
المحسوسات هي الأمور التي تعلمها بإحدى الحواس الخمس، إما تراها بعينك أو تسمعها بإذنك أو تشمها بأنفك أو تذوقها بلسانك أو تلمسها بيدك. فقلت المحسوسات معلوماتها قطعية لا يمكن التشكيك فيها بحال من الأحوال. ثانيا قال: الضروريات، الضروريات المراد بها هنا بديهيات العقول، ويسمونها أيضا في المنطق الأوليات مثل الواحد نصف الاثنين، والكل أكبر من الجزء، فهذه بديهيات العقول. قال: أيضا هذه لا يمكن التشكيك فيها بحال من الأحوال. إذا الغزالي يفتش في علومه وتعمق فيها فوصل إلى هذه القناعة: إني لا أملك علما يقينيا إلا من خلال إما المحسوسات أو من خلال الضروريات.
طيب نكمل، فقلت الآن بعد حصول اليأس لا مطمع في اقتباس المشكلات إلا من الجليات، والجليات هي يعني اليقينيات هي الحسيات والضروريات، هذان الأمران كما قلنا، قال: فلا بد من إحكامها أولا لأتيقن ثقتي بالمحسوسات وأماني من الغلط في الضروريات، أمن جنس الأماني الذي كان من قبل في التقليديات ومن جنس أمان أكثر الخلق في النظريات؟ أم هو أمان محقق لا غدر فيه ولا غائلة له؟ يعني الغزالي أراد أن يتعمق أكثر وأكثر، فقال: ثم اردت أن أبحث حتى في الحسيات وفي الضروريات لأتأكد هل فعلا المحسوسات تعطيني علما يقينيا أم ما زال العلم الذي أرثه منها علما يقبل التشكيك؟ وكذلك بديهيات العقول، هل فعلا ضروريات العقول أمور مجزوم بها يقين أم يمكن أن يرد عليها التشكيك؟ أنظر كيف بدأ يتعمق أكثر وأكثر، وهذا خطأ الغزالي رحمة الله عليه أنه بدأ يتشكك في كل شيء فأراد أن يشكك نفسه في الحسيات وأراد أن يشكك نفسه في الضروريات.
قال: فأقبلت بجد بليغ أتأمل في المحسوسات والضروريات، بدأت أتأمل في المحسوسات حتى أفحصها هل فعلا المحسوسات يعني المعلومات التي أحصلها من إحدى الحواس، هل فعلا هي معلومات يقينية ولا لا؟ وكذلك بدأت أتفحص في الضروريات أتأكد هل فعلا بديهيات العقول أشياء يقينية لا تقبل التشكيك أم لا؟ قال: فأقبلت بجد بليغ أتأمل في المحسوسات والضروريات، وأنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها؟ لاحظ كيف بدأ يشكك نفسه ويتخيل هل يمكن أن أشك في أمر أدركته باحدى الحواس ولا لا يمكن أن أشك فيه؟
قال: فانتهى بي طول التشكيك، لاحظ الوسوسة، لاحظوا كيف أنه بدأ يتوسوس مع نفسه، قال: فانتهى بي طول التشكيك، بدأ يشك في كل شيء، إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأماني في المحسوسات أيضا. نفسه مع طول التشكيك فسد عنده الذوق، فلم تسمح له نفسه أن يسلم بالأمان للمحسوسات وبدأ يشك فيها، فقال: إذا حتى المحسوسات لا تمنحني علما يقينيا. ما الذي أوصله لهذه الدرجة؟ أنه يشك حتى في المحسوسات كثرة النظر والتشكيك، النظر المتعمق، كثرة التشكيك النفس، إيقاعها في الإيهامات العقلية أوصله لهذه المرحلة.
قال: فانتهى بي طول التشكيك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأماني في المحسوسات أيضا، وأخذ يتسع هذا الشك فيها، ففسدت عند الغزالي المحسوسات. طيب فقلت قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضا.
بطلت الثقة بالمحسوسات، فلم يبق لي طريق لليقين ومسائل يقينية إلا شيء واحد. ما هي؟ قال: الضروريات. فقلت في نفسي: قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضاً، فلعله لا ثقة إلا بالعقليات التي هي من الأوليات، اللي هي الضروريات التي سردناها قبل قليل. الضروريات تسمى عندهم أيضاً الأوليات، كقولنا: العشرة أكثر من الثلاثة، والنفي والإثبات، يعني النقيضان لا يجتمعان. فهذه الأوليات إذاً هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن يكون يقينياً في الحياة.
هل بقي على هذه القناعة ولا لا؟ كقولنا: العشرة أكثر من الثلاثة، والنفي والإثبات لا يجتمعان في الشيء الواحد. والشيء الواحد لا يكون حادثاً قديماً في نفس الوقت، موجوداً معدوماً في نفس الوقت، اللي هو اجتماع النقيضين، هذا من المستحيلات العقلية.
فقالت المحسوسات -لاحظوا لما بقي عنده الضروريات فقط، الغزالي أن يحسن إدارة الحوار- قال: لما وثقت بالضروريات وآمنت بها وأصبحت هي اليقين الوحيد الذي أملكه، جاءتني المحسوسات، طبعاً هو يمثل المحسوسات كيف ستجيء للغزالي، لكنه يرسم لك الحكاية، قال: جاءتني المحسوسات فقالت لي: بما تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات اللي هي الضروريات كثقتك بالمحسوسات، وقد كنت واثقاً بي؟
جاءتني المحسوسات وبدأت توسوس لي، تقول لي: ما الذي يضمن لك أن تكون الضروريات الأوليات موثوقاً بها؟ ألم تكن أنت يا غزالي تثق بي أنا المحسوسات، ثم بان لك أنني أقبل التشكيك؟ فما المانع أن تكون هذه الضروريات الأوليات أنت تؤمن بها، ثم تكتشف مع الوقت أنها تقبل التشكيك؟ لاحظ كيف المحسوسات ناقشت الغزالي، أعيد ماذا قالت له؟ قالت: أيها الغزالي، لقد كنت تثق بي وتراني من الأمور اليقينية، ثم بان لك مع طول التشكيك أني لا أملك يقيناً، فما يدريك لعل الضروريات العقلية أيضاً التي تؤمن أنها يقينية، لعلها مع الوقت ومع التشكيك يظهر أنها ليست يقينية وأنها تقبل التشكيك.
فتشك هل فعلا الواحد نصف الاثنين؟ وتشك هل الجزء أصغر من الكل والكل أكبر من الجزء؟ تبدأ تشك في هذه الأمور وتكتشف أنها أمور ظنية. لاحظوا أين وصل به إمان النظر في الأدلة المتكلفة، هذا كله نتيجة الخوض في أمور نهي العقل عن الخوض فيها.
قال: لما جاءني الحس فخاطبني بهذا الخطاب، قال: فتوقفت النفس في جواب ذلك قليلاً، فعلا توقفت وقلت: حجة المحسوسات والله حجة قوية، فعلا يمكن حتى الضروريات أنا الآن أتيقن منها، لكن يمكن مع الوقت أكتشف أنها أمور ظنية تقبل التشكيك.
أين وصل الغزالي؟ قال: فلما خطرت لي هذه الخواطر وانقدحت في النفس، حاولت لذلك علاجا، بدأ يعالج نفسه لأنه شعر أنه أصبح مريضاً، حتى بديهيات العقول أصبحت أتشكك فيها، أصبحت أشك هل هو بعد نصف الاثنين وهل اجتماع النقيضين فعلاً مستحيل؟ بدأت أشك في هاي الأمور.
قال: حاولت لذلك علاجاً فلم يتيسر، إذ لم يمكن دفعه إلا بالدليل. كيف سأعالج النفس؟ لابد أطلب دليلاً على صدق الضروريات ويقينها، طب أي دليل تأتي به لابد أن يكون هذا الدليل مبنياً من يقينيات حتى يقودني إلى صدق الضروريات ويقينها.
طب ما هي اليقينيات التي أملكها حتى أشكل منها دليلاً يقودني إلى قطعية الضروريات؟ أنا لا أملك أصلاً يقينيات إلا الضروريات، فكيف سأستدل بالضروريات على صدق الضروريات؟ هذا دور ممتنع عقلاً، طبعاً بعض الأمور قد لا يفهمها الطالب الذي لم يدرس المنطق معنا بتحرير، لكن أنا أريك أن تأخذ الزبدة فقط من هذا النقاش ومن فهمه فجزاه الله خيراً.
المهم قال: لم استطع أن آتي بدليل يدلني على قطعية الضروريات، لماذا؟ لأني إذا أردت الآتي بدليل يدل على قطعية الضروريات، لابد أن يكون هذا الدليل قطعية. طب من أين آتي بالقطعيات وأنا لا أؤمن أن هناك قطعي أصلاً؟ بعد أن شك حتى في الضروريات ما عاد يملك أي قطعي، فلا يمكن أن يأتي بدليل الآن يدله على قطعية الضروريات، لأنه لا يملك أي قطع يمكن أن يظفه كدليل على قطعية الضروريات، ما عنده قطعيات، هي ما كانت إلا هالضروريات آخر شيء وذهبت، فمن أين يأتي بالدليل؟
قال: فاعضل هذا الداء، تعبت وأشكل علي هذا الأمر، بدأت أشك في كل شيء. قال: ودام قريبا من شهرين، دام قريبا من شهرين أنا فيهما على مذهب السفسطة. قال الغزالي عن نفسه: وصلت لمرحلة أني أصبحت من المسفسطة، السفسطة جماعة تاريخية خرجت في عهد الإغريق، وكانت تشك في كل شيء، تدعوك للشك في كل شيء، وألا تثق بشيء أمامك، كل شيء يقبل النقاش، كل شيء يقبل التشكيك، لا يوجد هناك أشياء مسلمة بديهية، جاء مجزوم بها في ذهن الإنسان، أي شيء يقبل التشكيك.
فقال الغزالي: أنا وصلت لاعتناق فكر هذه الطائفة، طائفة السفسطائية. قال: ودام قريباً من شهرين أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم النطق والمقال. يعني هو يريد أن يقول: أنا لم أرح أني اصبحت اتبنى أن مذهب السفسطائيين، لكن واقعي أنني على مذهبهم، في الواقع أنا على مذهبهم لكني لم أقل أنا على مذهبهم بلساني، لكن حالي يشهد على مذهبهم، قال: حتى شفى الله تعالى من ذلك المرض، حتى شفاه الله -سماه مرض تنظر- فساد العقل سماه مرضاً، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال.
عادت نفسه وقوته العاقلة إلى الصحة والوضع الطبيعي والاعتدال، ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقاً بها على أمن اليقين. الضروريات العقلية اللي كنت أشك فيها الحمد لله عادت ضروريات مجزوماً بها، لأنه لا يمكن أن تشك في الضروريات، هذه أمور أنت فطرت عليها، أنت فطرت عليها فلا يمكن أن تشك فيها، والشك فيها هو نوع من المرض النفسي يصل اليه الناس حينما يخوضون في العقليات أكثر من الحد المسموح به شرعاً.
قال ولم يكن ذلك، يعني عودتي وشفائي وعودتي إلى الإيمان بالضروريات، قال لم يكن ذلك بنظم دليل، لأنه أنا أصلاً ما عرفت آتي بدليل. قال ولم يكن ذلك لا بنظم دليل ولا ترتيب كلام، بل بنور قذفه الله في الصدر، وذلك النور هو مفتاح أو مفتاح أكثر المعارف، فمن ظن أن الكشف والنور والمعرفة ووقوف على الأدلة المحررة فقد ضيق رحمة الله الواسعة.
الغزالي يعترف أن الذي أعاده إلى منهج السلامة وصحح ذوقه بعد أن فسد هو ماذا؟ هو نور قذفه الله في قلبه فقط، الله عز وجل رحمه واصطفاه ومنحه هذا الدواء، وشفاه من هذا المرض، وإلا لفسد الغزالي وذهب وكان من الهالكين.
إذن الغزالي رحمة الله عليه يعجبني في شخصية العلامة الغزالي أنه إنسان صريح، إنسان لا يجامل، إنسان يحاول أن يبحث عن الحق، بغض النظر ما سبب عدم وصوله في النهاية إلى الحق الكامل فيما نعلم، لكن الغزالي إنسان صريح، يمنح طالب العلم ما هي أبرز المشاكل التي تعرض لها في حياته، حتى لا تقع فيها يا طالب العلم، هو يقدم نصيحة، لكن للأسف أنصار المدرسة الكلامية يغضون الطرف عن مثل هذا الكلام للغزالي ولا يحبون سماعه، لأنهم يدركون أن الغزالي يوجه نصيحة مؤلمة لهم: أن لا تكثروا الخوض في الأدلة الكلامية فإنها مفسدة للعقل.
وهذا الكتاب من آخر الكتب التي صنفها الغزالي رحمة الله عليه، هو يعطيك فيه تجربة عمر، تجربة حياة، فهذا من آخر مصنفات الغزالي وهذا قيمته العلمية. إذا نقلنا لكم أثر التكلف في الأدلة العقلية على فساد الذوق عند أحد أساطير علم الكلام وهو العلامة الغزالي رحمة الله عليه، لكنني لن أترك الغزالي، سأبقى مع الغزالي، لكن هذه المرة بكتاب آخر له.
كتاب آخر ينص فيه نصاً عجيباً على أن الأدلة العقلية الكلامية للأسف لا توطن العقيدة في قلب المسلم ولا تثبتها، بل تبقى مسائل الاعتقاد المبنية على الأدلة الكلامية على شفا جرف هار. الغزالي يقول ذلك! يا شيخ، الغزالي يقول ذلك؟ أين قال ذلك؟ في كتابه التفرقة بين الإسلام والزندقة، هي كتيب رسالة لطيفة ومهمة وجليلة حقيقة، فيها فوائد كثيرة بغض النظر عن بعض الملاحظات، لكن في الحقيقة رسالة جليلة ومهمة جداً، رسالة التفرقة بين الإسلام والزندقة.
ينص الغزالي على هذا النص، تأملوها، يقول الغزالي: إن الإيمان المستفاد من الدليل الكلامي ضعيف جداً. الله أكبر! الغزالي ينص نصاً صريحاً وهو من أساطير المدرسة الكلامية بعد تجربة حياة! ماذا يقول لك الغزالي؟ إن الإيمان المستفاد من الدليل الكلامي بالأدلة العقلية المتكلفة الكلامية ضعيف جداً، مشرف على التزائل -يعني يقترب من أن يزول ويذهب- مشرف على التزائل بكل شبهة. أي شبهة ترد قابلة على أن تفسد هذا الإيمان، لأن هذا الإيمان قائم على مقدمات وأقيسة عقلية متكلفة، هذه المقدمات استدلوا عليها بأدلة أخرى متكلفة، فيمكن أن يأتي أي شخص يشكك الكلام في صدق هذه المقدمات، أي شبهة يمكن أن تثيرها يمكن تفسد عليه كل هذا القياس الذي أسسه ونافح عنه سنوات طوال.
فيقول الغزالي: الإيمان المستفاد من الدليل الكلامي ضعيف جداً مشرف على التزائل بكل شبهة. طب ما هو الإيمان الصحيح؟ انظروا ماذا قال، قال: بل الإيمان الراسخ إيمان العوام، الحاصل في قلوبهم في الصبا، أي منذ الصغر بتواتر السماع، يسمعون من آبائهم عن وجود الله سبحانه وتعالى، وعن أهمية تعظيم الله وعبادته، الطفل حينما يتربى في أسرة تثري هذه الأمور وتهتم بها، يخرج الطفل موحداً لله سبحانه وتعالى بتواتر سماع اسم الله على ذهنه وخاطره وقلبه.
أو الحاصل بعد البلوغ بقرائن أحوال لا يمكن التعبير عنها، الإنسان بعد البلوغ، حينما يصل سن الرشد وهو يسير في هذا العالم ثم ينظر في السماء وفي الأرض وفي الأكوان وما شابه ذلك، هذه كلها قرائن تثبت أكثر وأكثر في قلبه الإيمان والتصديق بوجود إله خالق بهذا الكون.
قال: وتمام تأكده بلزوم العبادة والذكر، ويتأكد هذا الإيمان ويلزم في قلب المسلم بلزوم العبادة والذكر، استمرار على العبادة وعلى ذكر الله يورثك إيماناً بعد إيمان، ويزيدك ثقة بعد ثقة بوجود الصانع سبحانه وتعالى بالعبادة. إذاً الغزالي يا أحبتي صريح جداً، يقول لكم وهو من كبار علماء الكلام، وما زال علماء الكلام إلى وقتنا الحديث يستدلون بكلامه وبقياساته، يقول في آخر كتبه التي صنفها: إن الإيمان المبني على الدليل الكلامي إيمان ضعيف جداً.
ألا تستطيع خطير؟ أنا لا أدرى كيف المدرسة الكلامية لا تنتبه لكلام هذا العالم الكبير الجليل، يقول لهم: صدقوني أن العلم أو الإيمان الذي يملكه العوام أرسخ من الإيمان الذي يملكه علماء الكلام. لأن إيمان العوام -وهذه قضية طبعا لم يرشد أو لم ينبه إليها الغزالي وعلماء الكلام عموماً لا ينبهون إليها- قضية أن الإيمان دليله الأول الفطرة، فإيمان العوام أحبتي نابع من فطرهم النقي الطاهر، نابع من فطرهم النقي الطاهر.
أنا كنت أتمنى أن الغزالي نبه على قضية الفطرة، لكن الغزالي فقط اهتم بأن إيمان العوام ثباته بسبب تواتر السماع في ذهن الصبي، قبل تواتر السماع في ذهن الصبي. اخي الكريم القضية قضية أن الفطرة تدعو إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى وتصدق بوجود الإله عز وجل، ولو أنها تجردت من العوامل الخارجية لاتجهت إلى عبادة الله، فكان ينبغي أن ينبه الغزالي أولاً على أصالة دليل الفطرة، ثم ينتقل إلى الأدلة الأخرى المستفادة من تجارب الحياة ومن القرائن التي تمر مع الإنسان، ثم يتأكد الإيمان أكثر وأكثر بالمداومة على الصلاة وذكر الله.
إذاً بل نص الغزالي أيضاً، الغزالي أيضاً في كتابه التفرقة بين الإسلام والزندقة -بسم الله- ينص على نص خطير آخر، ماذا يقول؟ وبالنص الغزالي على أن إيمانه بالله والنبوة واليوم الآخر لم يكن عن دليل كلامي وقياس منطقي محرر. الغزالي ينص على ذلك! انظروا ماذا قال، أنا أولاً أجملت كلامه ثم الآن سانص عليه بحروفه، ينص الغزالي على أنه هو نفسه آمن بالله وبالنبي صلى الله عليه وسلم وباليوم الآخر من دون القياس المنطقي المتكلف فيه في العقد.
دقيقة قال: أنا آمنت من دون الحاجة إلى كل هذه الأقيسة، طب لماذا أتعبتم من بعدكم إذا بكل هذه الأقيسة؟ ماذا يقول الغزالي؟ قال: فهذه الأصول الثلاثة اللي هي الإيمان بالله وبالنبي صلى الله عليه وسلم وباليوم الآخر، قال: فهذه الأصول الثلاثة من الإيمان كانت رسخت في نفسي لا بدليل معين محرر، بل بأسباب وقرائن وتجارب لا تدخل تحت الحصر.
إذن الغزالي صريح يقول لك: أنا في الحقيقة قضايا الإيمان الكبرى إيماني بها لم يكن من خلال أدلة الكلاميين، وإنما من خلال باختصار الأدلة العقلية الواضحة، هذا معنى كلامه، بل بأسباب وقرائن وتجارب، اللي هي الأدلة العقلية الواضحة الجلية، من نظر في السماء، من نظر في الأرض، من نظر في إتقان هذا العالم، والنظر في البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير، هذه الأدلة العقلية الواضحة تكفيك للجزم بوجود الله سبحانه وللإيمان به والنبي صلى الله عليه وسلم وبالوجود لليوم الآخر، فقط الأدلة العقلية الواضحة الجلية تكفي في الوصول إلى كل هذه الأمور من دون الحاجة إلى تكلف الكلاميين.
قال: طيب، أنا أنهيت كلامه، خلاص، أنا أنهيت الآن كلام الغزالي رحمة الله عليه، ثم أكمل فأقول: ومن هنا تعلم أخي الكريم تهافت من زعم عدم صحة الإيمان إلا بعد الوقوف على الأدلة الكلامية. بعض علماء الكلام للأسف شطح وقال: لا يصح إيمان المسلم حتى يؤمن عن طريق الأدلة الكلامية وينظر في الأقيسة العقلية، طب إذا الغزالي نفسه يقول لك: أنا آمنت بالله
وبرسوله وباليوم الآخر من دون النظر في الأدلة العقلية المتكلفة، فلماذا تجبر عوام المسلمين على أن يصححوا إيمانهم من خلال الأدلة العقلية المتكلفة؟ هذا كلام يحتاج إلى نظر واسع، وهذا من الغلو والتطرف العقلي عند بعض علماء الكلام.
قال: ومن هنا تعلم تهافت من زعم عدم صحة الإيمان إلا بعد الوقوف على الأدلة الكلامية. بل بعضهم -انظروا الغلو أكثر وأكثر- حكم بالكفر لمن لم يتعبد بهذه الطريقه.
بعض المتكلمين -شطح، لا أقول أكثر من ذلك، شطح- وزعم أن من لم يؤمن بالله عن طريق الأقيسة العقلية وعن طريق دليل الحدوث وغيرها من الأدلة فقد كفر، وهذا والعياذ بالله من الانحراف الشنيع، نسأل الله السلامة والعافية.
طيب، الآن سأختم لك أيضاً بشاهدين؛ سآتي بشاهدين. القضية الثالثة والفرق الثالث بين المنهج القرآني ومنهج العقلاني منهج المتكلمين، أنا أهتم فيه بذكر شهادة أساطين علم الكلام: كيف أنهم شهدوا أن طريقتهم الكلامية طريقة غير صائبة في بناء العقائد، وأنها لا تورثك يقيناً بالله سبحانه وتعالى. نعم، قد نستخدمها في الدفاع، لكن في بناء العقيدة وترسيخ الإيمان بالله، الأدلة العقلية ليست هي السبيل والمنهج الصحيح.
الآن سأختم بشهادة -كما قلنا- بشاهدين من أساطين علم الكلام عادا بعد رحلة مطولة في دهاليز علم الكلام ونصرته وتثبيت قواعده، عادا إلى القول بضعف هذه المسالك الكلامية في البناء العقدي وقلة جدواها، وصرحا بأن الطريقة القرآنية والهداية الفطرية هي الأرسخ إيماناً والأهدى استدلالاً، وشهد شاهد من أهلها، أليس كذلك؟ شاهدان سيشهدان لكم الآن بالنص على أن الطرق الكلامية طرق ضعيفة لا تشبع نهمًا ولا تربطك بالله سبحانه وتعالى، وأن الطريق القرآني هي الطريق الأسلم والأرسخ.
أو من هما هذان العالمان؟ لربما تتفاجئون، أولهما هو إمام الحرمين الجويني. إمام الحرمين الجويني في نهاية عمره -طبعا قبل أن أتكلم هذا، تكلم في نهاية عمر إمام الحرمين الجويني- من كبار علماء الكلام الذين نافحوا وصالوا في ثنايا علم الكلام وقرروه ودفعوا عنه واعتبروه الأصل الأصيل في كتابه الإرشاد وفي غيرها من الكتب، فهو من أساطين هذا العلم وممن بذل زهرة العمر في تثبيت قواعده، ماذا يقول في نهاية حياته؟ انظروا ماذا قال.
طبعا هذا الكلام نقله الذهبي في سير أعلام النبلاء ونقله أيضا السبكي في طبقات الشافعية. هذا الكلام الذي سأذكره الآن من نص الجويني: ابحثوا في سير أعلام النبلاء للذهبي، وابحثوا أيضا في طبقات الشافعية للسبكي، وانظروا ماذا قال الجويني.
يقول الجويني قبيل موته: لقد قرأت خمسين ألفاً في خمسين ألفاً، يعني قرأت -اضربوا خمسين ألف صفحة في خمسين ألف صفحة- عدد مهول. في الحقيقة الجويني إنسان مطالع بشكل رهيب، مثقف -كما نقول في وقتنا الحاضر- بشكل مهول في الحقيقة، حجم قراءاته ومحفوظاته ضخم جداً، وقال عن نفسه إنه حفظ اثنتي عشرة ألف صفحة من كلام الباقلاني قبل أن يفتي، تصوروا، أو حفظ اثنتي عشرة ألف صفحة، اثنا عشر ألفاً مشايخ، انظروا النهم في طلب العلم، انظروا الجدية، إنسان جاد في طلبه للعلم، باحث عن الحقيقة قبل أن يفتي.
والآن يقول لك في نص سأنقله لك: قال قرأت خمسين ألفاً في خمسين ألفاً، اضرب الرقم، اضربه خمسين ألف في خمسين ألف، وانظروا في الرقم الذي يتحصل لديكم. قال ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها، يعني قرأ في الكتب الإسلامية هذا الرقم المهول، قرأت من كتب علماء الإسلام هذا الرقم المهول. قال: وبعد ذلك -ترك قوله ثم خليت أهل الإسلام، هو لا يقصد أنه خرج من الدين، كلا- هو يقصد أني تركت العلوم الإسلامية وشأنها، وذهبت لدراسة العلوم العقلية، انظروا كيف فسد ذوقه العقلي بسبب هذا الخطأ التاريخي الذي وقع فيه.
قال: ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وبعلومهم الطاهرة -ويعترف أن العلوم الإسلامية علوم طاهرة نقية- قال وركبت البحر الخضم، ركبت البحر العادي بحر العقل والفلسفة، قال وركبت البحر الخضم وغصت في الذي نهى أهل الإسلام عنه، يتأسف ويعض أصابع الندم، يقول للأسف خضت البحر الذي كان علماء الإسلام ينهون عن الخوض فيه.
نعم، أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وعلماء السلف كانوا ينهون الناس عن الخوض في دهاليز علم الكلام وعن التكلف في الأدلة العقلية، لكن أساطين المدرسة الكلامية لما كانوا يسمعون الكلام ابتداء كانوا يثقون بعقولهم أكثر من الحد اللازم فذهبوا وخاضوا في البحار المهلكة، بحار العقول والفلسفة، وقال: وخضت في الذي نهى الإسلام عنه، كل ذلك في طلب الحق.
وهذا ما فعلا نظنه بهذا الإام الكبير، أنه ما فعل ذلك إلا أنه كان ساعياً في طلب الحق، لكنه أخطأ الطريق. لم يكن هناك داعٍ لأن يفعل هذا الفعل، لكن قدر الله سبحانه وتعالى كل ذلك في طلب الحق.
طبعا أحبتي، ألاحظ بعض الطلبة يسألون: هل يمكن إنسان كالغزالي أو كالجويني -عقلية جبارة- أن تقع في مثل هذه الأخطاء العقدية الكبرى؟ الحقيقة نعم، يمكن ذلك إذا أخطأ الإنسان المسلك، إذا أخطأ الإنسان المنبع الذي يشرب منه، حتى لو كان من أذكيائها الدنيا، فانه يضيع ويتيه عن الجادة الصحيحة.
وهذه شهادتهم يعني، في النهاية نحن لم نتقول على القوم أو نأتي بكلام من عندنا نحلل به الواقع، هم ينصون على الأخطاء الجسيمة التي وقعوا فيها في حياتهم. لكن للاسف من جاء بعدهم لا يؤمن بهذه النصوص، يحاول أن يقول لا، هذه النصوص أدخلت، هذه النصوص مزورة، إن هذا الكلام دائما التسويقي الذي يدفعون به صحة هذه النصوص حتى لا يصوروا للناس أن علمائهم وأن أساطينهم تراجعوا عن الخطأ التاريخي الذي ارتكبوه.
المهم، ماذا يقول الجويني؟ قال: كل ذلك في طلب الحق. قال: وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، يعني وأنا في فترة الشباب وفي بداية الحياة كنت أمحاول أهرب من أن أكون مقلداً، أريد أن أعرف الحق بنفسي، هذا الذي دفعني إلى أن أدخل في بحار الفلسفة. قال: والآن قد رجعت من الكل إلى كلمة الحق. ما هي كلمة الحق؟ عليكم بدين العجائز، انظروا ماذا قال.
والأن في نهاية العمر وبعد كل هذه الرحلة المتعبة عدت لأقول رجعت من الكل أتراجع عن كل أخطاء الحياة إلى كلمة الحق: كلمة الحق عليكم بدين العجائز، تلك العجوز المسكينة الطيبة التي تسكن في بيت ريفي وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتصلي وتصوم وتؤدي ما عليها، والله إن دينها لأرسخ من دين علماء الكلام! وهذا ليس تحليلي الشخصي، هذا كلام الجويني، كلام العلماء الكبار منهم. ما زال لم ينتهي من كلامه.
قال: فإن لم يدركني الحق بلطفه وبره فأموت على دين العجائز، وتختم عاقبة أمري عند الرحيل على نزهة أهل الحق -أي على طريقة أهل الحق علماء السلف- وعلى كلمة الإخلاص لا إله إلا الله، فالويل لابن الجويني.
انظروا الآن كيف يعض أصابع الندم بشدة، يقول لو إذا الله عز وجل لم يغفر لي ويسامحني على هذا الخطأ التاريخي الذي ارتكبته ويميتني على دين عجائز نيسابور -كما سيأتي معنا في تصريح آخر له- فالويل لابن الجويني. هو الآن يخشى من عقاب الله سبحانه وتعالى على تلك الأخطاء وتلك الدهاليز الذي دخل فيها فأفسدت عليه عقله وعقده مع ربه.
وقال أيضا في مكان آخر، في نص آخر له يقول الجويني عليه رحمة الله: أشهدوا علي. ماذا نشهد عليك؟ قال: أشهدوا علي أني رجعت عن كل مقالة أخالف فيها السلف، وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور. الله أكبر، تصريح واضح من عالم كبير نحسب والله حسيبه كان على خير في نيته الجويني رحمة الله عليه يقول: أشهدوا علي أني رجعت عن كل مقالة أخالف فيها السلف.
لذلك الحقيقة، من يزعم أن الجويني مات على طريقة علماء الكلام في كلامه نظر، صحيح مؤلفاته التي كتبها قبل أن يعود هي على طريقة علماء الكلام، لكنه قبل موته لما صرح بهذه الأمور يجعلنا نتوقف ونقول الرجل اختلف، أو يصرح بأنه يعود وانه يموت على طريقة السلف، وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور، تلك العجوز الطيبة التي تؤمن بالله بفطرتها النقية، لا تحتاج لا إلى قياس منطقي، لا إلى مقدمات تحتاج إلى اثبات، ولا إلى نتيجة وأخذ النتيجة وجعلها مقدمة في قياسها، لا لا، الإيمان بالفطرة النقية هي الطاهرة، الإيمان بما جاء في القرآن والسنة وبكلام الصحابة وانتهى الأمر.
قالوا: أما الثاني تذهب إلى شهادة رجل آخر قد تتعجبون منه أكثر وأكثر من الجويني، الرجل الآخر الذي أعلن عودته هو الرازي عليه رحمة الله.
الرازي أحبتي الذي ملأ الدنيا ضجيجا بأفكاره العقلية حتى إنه كان يخالف علماء الكلام في كثير من تأصيلاته وكان يعتز بنفسه، هذا الرجل الذي ملأ الدنيا ضجيجا بآرائه العقدية والفكرية والعقدية والأصولية، كثير من آرائه في الحقيقة كانت جدليات عبر قرون متطاولة وإلى يومنا هذا، هذا الرجل أحبتي من نظر في أفكاره العقدية واضطراباته في التحليل واضطراباته الفكرية يقوده هذا النظر إلى معرفة مدى الضجيج الفكري الذي كان يحياه هذا الرجل في حياته.
الرازي الذي ملأ الدنيا ضجيجا بآرائه العقدية المتباينة وبأفكاره العقلية والفكرية المختلفة المضطربة، من نظر وتأمل فيها يدرك أن الرجل كان يحيا ضجيجا فكريا في حياته، والسبب في ذلك أنه أخطأ المنبع الذي كان ينبغي أن يشرب منه، وشرب من منابع الفلاسفة الكدرة فأفسدت عليه عقله مع أنه كان رجل ذكي. انظروا ماذا يختم حياته بهذه الوصية الرفيعة العالية.
هذا الرجل ختم حياته بوصية نقلها صاحب عيون الأنباء وأشار إليها الذهبي إشارة مقتضبة في لسان الميزان، يقول في وصيته عند الممات انظروا ماذا يقول واسمعوا ماذا يقول الرازي: يقول ولقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، يقول أنا إنسان اعتبرت كل الطرق الكلامية وكل مناهج الفلاسفة، قال فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم. الله أكبر.
نقول بعد كل هذه الرحلة التي خاضها في علم الكلام وفي علوم الفلاسفة لم أجد فائدة تساوي الفائدة التي اقتنصها من كتاب الله سبحانه، لأنه يرى أن القرآن يسعى في تسليم العظمة والجلال بالكلية له سبحانه وتعالى، ويمنعه عن التعمق -هذه مشاكل الأدلة الكلامية لاحظوا- ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات، وما ذاك إلا العلم ها هنا؟ هنا اسمعوا هذه المقولة التي تكتب بماء الذهب للرازي، إيش يقول؟
قال: وما ذاك إلا العلم بأن العقول البشرية تتلاشى وتضمحل في تلك المضايق العميقة والمناهج الخفية. اعتراف رهيب من الرازي أن العقل البشري العقل الإنساني يضيع ويتيه في تلك المضايق العميقة في مسائل الاعتقاد، لا يمكن للعقل البشري أن يخوض، لابد أن يقف موقف التسليم.
انظر ماذا قال مرة أخرى: وما ذاك إلا العلم بأن العقول البشرية تتلاشى -يعني تضعف وتضمحل- في تلك المضايق العميقة والمناهج الخفية. كيف للعقل البشري الضعيف أن يحكم على الخالق الكبير العظيم سبحانه؟ كيف له أن يحكم بما يجب عليه وما يمتنع، ويدخل في تفاصيل صفاته ويرد النصوص التي يخبرنا الله بها عن نفسه ويؤولها ويصرفها داعيا أنها لا يمكن أن تكون على ظاهرها؟
الرازي في نهاية عمره يقر بأن القرآن هو المنهج الأسلم والاوضح والأسنى في الدلالة على الله سبحانه وتعالى، وأن الطرق الكلامية التي تعتمد على العقل تتلاشى وتضمحل في تلك المضائق.
في علوم الاعتقاد العقل موقفه التسليم لله، نعم العقل يتفهم النصوص الشرعية، لكن أن يستقل العقل بنفسه للحكم على الخالق سبحانه فهذا لا يكون، أن يستقل العقل بنفسه في الحكم على الله عز وجل هذا لا يكون.
فهذا أحبتي ما مات عليه القوم، هذا ما مات عليه الغزالي، هذا ما مات عليه الجويني، هذا ما مات عليه الرازي أساطين المدرسة الكلامية، أنا أنقل كلامهم بحروفه، فهذا ما مات عليه القوم، وإن كنت في الحقيقة أمتنى -يعني كنت أمنى أن الرازي والجويني والغزالي كتبوا عقائدهم الأخيرة التي يعتقدونها في الله سبحانه وتعالى حتى يحسم الجدل في عقائد هؤلاء- لأن علماء الكلام اليوم من اتباع الرازي والجويني والغزالي يقولون إما بنفي هذا الكلام يقول هذا كلام غير صحيح لم يثبت عنهم، وهذا شيء سهل عليهم يعني أن تنفي وتغلق الكتاب وانتهى الأمر.
وبعضهم يتأول هذا الكلام يحمله على غير محمله الواضح منه، باختصار هم لا يريدون أن يقروا بأن أساطينهم وبأن علمائهم الكبار بأنفسهم عادوا، لذلك نقول للمدرسة الكلامية اليوم: عليكم أن تنظروا بوعي، بإنصاف، بتعقل بكلام أساطينكم، وانظروا في النتيجة التي وصلوا إليها عند الممات، وحاولوا أن تستدركوا أنفسكم قبل أن تصلوا إلى ما وصلوا إليه.
كما قلت يعني كنت أتمنى أن الغزالي لو كتب لنا عقيدته أو الرازي كتب لنا عقيدته التي يلقى الله بها لكان هذا ربما ساعد في حسم كل الجدل الدائر اليوم بين أهل السنة والجماعة والمدارس الكلامية، لكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، لم يكتب هؤلاء العلماء عقائدهم الأخيرة وإن كانوا صرحوا بهذه التصريحات التي يُستشف منها بشكل واضح أنهم يتراجعون عن الكلام السابق ويؤصلون لمنهج جديد في الاعتقاد مع الله سبحانه وتعالى.
تمام، إذاً هذا هو الفرق الثالث. الفرق الثالث خلاصته أن الطريقة القرآنية أحبتي طريقة تحافظ على العقل، تنسجم مع العقل، تثري العقل، وأما الطريقة الكلامية فإن الإدمان فيها والتعمق فيها يورث العقل فساداً واضطراباً وتشكيكاً في المسائل العلمية، يفسد الذوق العقلي، تضطرب تصبح تشك في كل شيء كما حدث مع الغزالي وكما سردنا عليكم قصته.
بقيت هناك أحبتي شبهة علينا أن نجيب عنها قبل أن نتتقل معاً إلى الدليل الثاني المردود عند أهل السنة والجماعة في بناء العقائد. ما هي هذه الشبهة؟
بقيت هناك شبهة كما قلنا وإشكالية يوردها من ينتصر للطرق الكلامية في الاستدلال على مسائل الاعتقاد؛ الذين ينتصرون لطريقة أهل الكلام في مصنفاتهم أنهم يبدأون أولاً ببيان الأحكام العقلية كما قلنا في المحاضرة السابقة، ثم يأتون بالأقيسة العقلية المتعمقة التي تثبت وجود الصانع، ثم يأتون بالأدلة العقلية المتعمقة لإثبات صدق النبي عليه الصلاة والسلام. ثم بعد ذلك يقولون نستقبل الوحي في مسائل السمعيات ونأخذ مما يتعلق اليوم الآخر وبعذاب القبر وغير ذلك، فهم يسيرون على هذا الترتيب كما ذكرنا في المجلس السابق.
الذين ينتصرون للطرق الكلامية عندهم شبهة. ما هي هذه الشبهة؟ أنا في الحقيقة كيف سأورد هذه الشبهة؟ سأوردها على شكل حوار، توردها على شكل حوار بين رجل يتبع منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال، ورجل يتبع المنهج الكلامي في الاستدلال. سأسرد حواراً بين هذا وبين هذا، ومن خلاله تتضح لنا الشبهة ثم نجيب عنها بإذن الله. رجل من أهل السنة والجماعة أتى لرجل من علماء الكلام أو من أهل الكلام أو مناصر للفرق الكلامية، رجل من أهل السنة والجماعة أتى على رجل يتبع المدرسة الكلامية، فماذا قال له؟ قال: يا اخي لماذا تبدأون بالأقيسة العقلية المتكلفة وتثبتون بها وجود الصانع ثم تثبتون بها صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وتقولون إن هذه العقلية المتكلفة هي أول واجب يجب أن يعرفه الإنسان، بينما نبينا صلى الله عليه وسلم دعا الناس في بادئ الأمر إلى شيء واحد، إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، دون أن يتكلم لا عن أدلة عقلية ولا عن أقسام منطقية متكلفة؟ ما سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم قال للناس: عليكم أن تؤمنوا بأن العالم متغير وكل متغير حادث، إذا العالم حادث، ثم في النهاية العالم له محدث؛ ما سلك كل هذه المسالك. أول واجب طلبه النبي صلى الله عليه وسلم من كفار قريش، قال كلمة يحاجكم بها عند الله: قولوا لا إله إلا الله، أو أشهد أن لا إله إلا الله. هذا ما كان يدعو إليه النبي صلى الله عليه وسلم الناس، هذا ما قرأناه في سيرته.
إذاً هذا الرجل الذي يتبع منهج أهل السنة والجماعة يخاطب هذا الرجل المتكلم، يقول له: لماذا تبدأون في مصنفاتكم وفي معتقداتكم بالأقيسة العقلية المتكلفة، بإثبات وجود الصانع أولاً ثم إثبات صدق النبي صلى الله عليه وسلم ثانياً، وتعتبرون هذه هي أول شيء يجب على الإنسان أن يؤمن به، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فجعل أول شيء يجب على الإنسان أن يقوله شهادة أن لا إله إلا الله ولم يشرط أي شيء سابق؟
طبعا هذه مسألة تتعلق في باب الإيمان، وهو ما أول واجب على الإنسان؟ هل أول واجب على الإنسان شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ هذا ما يقوله علماء أهل السنة والجماعة: أول واجب عليك أيها الإنسان أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. علماء الكلام اختلفوا فيما بينهم: ما هو أول واجب على الإنسان؟ بعضهم يقول: أول واجب على الإنسان هو الشك، أن تشك بكل شيء، ثم بعد ذلك بعد الشك تأتي معرفة التيقن من وجود خالق لهذا الكون، عليك أن تشك هذا أول واجب، الشك، طبعا هذا مذهب بعضهم ليس مذهب الجاهلين. والبعض الآخر يقول منهم: لا، أول واجب على الإنسان قبل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ما يسمونه معرفة الله، هذا أول واجب. طيب كيف نعرف الله؟ قالوا: بالأقيسة العقلية التي نأتي بها في مصنفاتنا، هذه الأقيسة العقلية التي يثبتون بها الصانع والتي يثبتون بها صدق النبي صلى الله عليه وسلم. لماذا يعتبرونها أول واجب على الإنسان؟ لأنهم يقولون: أول واجب على الإنسان ليس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لا، أول واجب على الإنسان هو أن يعرف الله، هذا أول واجب عليه. طيب كيف تعرف الله؟ قالوا: بهذه العقلية التي نوردها في بداية المصنفات، فذكرنا لهذه الأقيسة العقلية في بداية المصنفات إنما هو لغرض أن يعرف الله، إذا عرفت الله بهذه العقلية تستطيع بعدها أن تشهد لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. المدرسة الكلامية تقول لك: أول واجب عليك أن تعرف الله، وبعضهم يغلو ويقول: الإنسان إذا بلغ وصل سن البلوغ وهو مسلم عليه أن يعيد النظر في الأقيسة العقلية التي تثبت وجود الصانع ثم يتشهد من جديد، وهذا رأي لبعضهم ليس رأي لجميعهم، لكن أنا أعطيكم الآراء المتباينة بينهم حتى تفهموا كيف بلغ بهم الغلو في الأدلة العقلية المتكلفة.
تمام، إذاً ما زلنا نسرد هذا الحوار؛ لأنه حوار مهم، وأنا سردته على شكل حوار حتى تفهموا. رجل من علماء أهل السنة والجماعة أتى على رجل من أهل الكلام فقال له: انتم لماذا تبدأون بالأقيسة العقلية المتكلفة لإثبات وجود الصانع ولإثبات صدق النبي عليه الصلاة والسلام، وتعتبرون هذه أول واجب على الإنسان قبل شهادة أن لا إله إلا الله، بينما النبي صلى الله عليه وسلم كان يطالب الناس أولاً بشهادة أن لا إله إلا الله؟ فاتفق علماء أهل السنة أن هذا أول واجب على الإنسان. وحينما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ إلى اليمن ماذا قال له؟ قال له: يا معاذ إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه - هل قال فليكن أول ما تدعوهم إليه قياس منطقي أو أن يعرفوا الله سبحانه وتعالى بالأدلة العقلية؟ قال لا - قال: فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. إذاً، إذا نظرنا في حياة النبي عليه الصلاة والسلام لم نجد النبي صلى الله عليه وسلم يأمر إنساناً بفعل شيء قبل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فمن أين أتيتم بأن هذه العقلية هي التي يجب البدء بها وهي أول واجب على الإنسان؟
فالان هذا الرجل الذي ينصر الطريقة الكلامية يرد على هذا العالم الذي يسير على طريقة أهل السنة، فماذا يقول له؟ انظر ماذا قال، وهذه فعلاً من أخطر الشبه التي يثيرها علماء الكلام؛ لذلك حرصت على أن أبينها لأحبتي من طلبة العلم. يقول هذا الرجل من علماء الكلام: انتم يا من تزعمون أنكم تسيرون على طريقة السلف الصالح، تقولون ماذا؟ تقولون إن المنهج الصحيح في الاستدلال على مسائل الاعتقاد ينطلق من الإيمان بالله ورسوله ومن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، أليس كذلك؟ فقال له الذي يسير على طريقة أهل السنة: نعم، نحن نرى أن أول واجب يجب على الإنسان أن ينطلق منه في حياته العقدية ليس أقيسة عقلية ولا ما شابه ذلك، بل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
طيب، فهنا العالم الكلامي ماذا يقول؟ يقول للعالم السني: انتم كيف أثبتم أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ يعني كيف أثبتم ألوهيته سبحانه وصدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن تقيموا الدليل العقل على وجود الله عز وجل، ثم الدليل العقلي على صدق رسوله صلى الله عليه وسلم؟ انظروا كيف النقاش! علماء الكلام يقولون لنا: انتم كيف تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ كيف عندما تشهد أن لا إله إلا الله يعني أنت تؤمن بوجود إله وأن هذا الإله مستحق للعبادة، وأنك تشهد محمد رسول الله أن محمداً رسول أرسله الله؛ فكيف تشهد بهذه الشهادة وتؤمن بهذا الإيمان قبل أن تأتي بالدليل العقلي على وجود الصانع وما يستحقه، والدليل العقلي على صدق النبي صلى الله عليه وسلم؟ أليس هذا دوراً في الاستدلال؟
ما زال عالم الكلام يتكلم معنا ويقول: انتم وقعتم في الدور، والدور المنطقي درسناه أحبتي في السلم المنورق. فيقول: أليس هذا دوراً في الاستدلال؟ إذ أنك تؤمن بالله ورسوله ثم تأتي بالدليل على صحة الإيمان به، والدليل على صدق رسوله؛ يعني انتم بتشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم تأتون بعد ذلك بأدلة تؤكد هذه الشهادة وتثبت هذه الشهادة، فهذا أليس خطأ في الاستدلال؟ الأصل - بعبارة أخرى - أليست ترتيب المنطق العقلي أن تأتي أولاً بالدليل على وجود الله، ثم تأتي بالدليل العقلي على صدق رسول الله، ثم بعد ذلك تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ فأنت إذا أتيت بالدليل العقلي على هذه القضية وعلى هذه القضية، ثم شهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، تستطيع الآن أن تستقبل من الوحي ما شئت، وأما قبل ذلك فيجب عليك أن تؤمن وتسلم بالدليل العقلي. انظروا كيف دار النقاش!
فهمتم كيف عالم الكلام يناقش علماء السنة؟ يقول لهم: انتم تقولون إن أصل الأصول في باب التوحيد والعقائد والأصل أول واجب على الإنسان أن يفعله شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، يعني أن تؤمن بالله وبرسوله. السؤال الآن: كيف انتم تؤمنون بالله وبرسوله وتشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قبل أن تقيموا الدليل العقلي على وجود الله، وقبل أن تقيموا الدليل العقلي على صدق رسول الله؟ أليس هذا دوراً، أن تؤمن بالشيء ثم تستدل عليه؟ هكذا فهموا الصورة.
فأليست الطريقة المنطقية في التفكير هكذا يقول عالم الكلام: أليست الطريقة المنطقية في التفكير أن تأتي أولاً بالدليل العقلي على وجود الله، ثم الدليل العقلي على صدق رسول الله، ثم بعد ذلك تؤمن برسوله، ثم تشهد أن لا إله إلا الله؟ إذاً في الحقيقة هذه شبهة قوية لهم، ربما في ظاهر الأمر الطالب حينما يسمعها يقول: فعلا، هذه تقوي منهج المتكلمين، أن يجب أولاً أن أتي بأدلة عقلية تثبت وجود الله، ثم أدلة عقلية تثبت صدق رسول الله، ثم بعد ذلك أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. هكذا هي الطريقة المنطقية.
الآن إذا نظرت إلى هذه الشبهة التي يطرحونها بهذا الغلاف، لربما تؤمن بطريقتهم وتقول: فعلاً كلامكم منطقي. لكن بعد التحليل والنظر يتبين لك أن هذا الكلام كلام فاسد وليس بصحيح، يتبين لك أن هذه الشبهة شبهة فاسدة وليست شبهة صحيحة. كيف يا شيخ؟ الآن سنجيب عنها بإذن الله.
طبعا أحبتي، الإجابة سيكون فيها شيء من التعمق، ولربما يكون مستواها عالياً؛ قليل الطلبة الذين لم يفهموا هذه الإجابة وهذه الشبهة، يعني يمكنهم أن يحذفوها، لا داعي أن تدرسوها، لكنني أريد أن أصنع جيلاً من طلبة العلم عندهم وعي في مكافحة شبهات المتكلمين؛ لأنها للأسف هذه الشبهات نعيش معها في مجتمعنا اليوم وفي جامعاتنا وفي معاهدنا وفي كل مكان. المتكلمون لهم نفوذ، لهم سطوة، يتكلمون بهذه الشبه ويدندنون بها ويتلقفونها من أشياخهم، فلابد لطالب العلم الذي يريد أن يسير على منهج أهل السنة والجماعة أن يملك الإجابة عن هذه الشبه الأصيلة، وهذه شبه في البناء العقدي، أما شبههم الفرعية فهذه لن نتطرق إليها في هذه الدورة أصالة، ولن نتركها إن شاء الله لمستويات أخرى متخصصة أكثر.
لكن هنا أنا أجيب عن الشبهات التي يطرحونها في بناء العقائد، فكما قلت لكم هذه الشبهة تحتاج إلى تركيز من طالب العلم. أقول: الجواب على هذه الشبهة من وجوه، الآن علماء أهل السنة سيجيبون على علماء الكلام ويبينون لهم فساد هذا المنهج وهذه الشبهة التي طرحوها، فماذا يقولون لهم؟
طبعا الجواب أحبتي من أربعة وجوه: الوجه الأول والوجه الثاني من الجواب على سبيل التنزل، والوجه الثالث هو الوجه القاسم لهم، الوجه الأول أو سمه الجواب الأول والجواب الثاني سيكون على سبيل التنزل معهم. كيف يعني على سبيل التنزل؟ الآن ستفهم أكثر وأكثر، وأما الإجابة الثالثة وحتى الرابعة ستكون هي الإجابة الأصيلة القائمة، لكننا ابتداء سنبدأ بالاجابة الأولى والثانية لأنها ترد عليهم من داخلهم.
ماذا يقول أهل السنة والجماعة؟ يقولون لهم: سنفرض الآن كما قلنا، نحن الآن في الجواب الأول وهو على سبيل التنزل. كيف يعني على سبيل التنزل؟ خذوا مني، سنفرض أن مسألة وجود الإاله مسألة نظرية تحتاج إلى دليل وحجة، وهذا كله على سبيل التنزل، سنفرض معكم وسنتنزل معكم أن مسألة وجود الإله وحتى مسألة صدق رسول الله مسألة نظرية تحتاج إلى دليل وحجة؛ لأنكم أحبتنا كما تعلمون وككما درسنا في السلم المنورق وفي أساسيات علم المنطق وفي أصول الفقه، الإدراك ينقسم إلى تصور وإلى تصديق، وعرفنا أن التصديق، المسائل التصديقية التي تقبل الصدق والكذب، إذا كان التصديق ضرورياً لا يحتاج إلى نظر وتأمل فإنه لا يقام عليه دليل ولا حجة، وأما إذا كان التصديق نظرياً، أي يحتاج إلى نظر وتأمل واستدلال، هنا نأتي بالدليل والحجة.
فعلماء المنطق يقسمون التصديقات إلى تصديق ضروري لا يحتاج إلى نظر وتأمل، وتصديق نظري يحتاج إلى نظر وتأمل. التصديق الضروري كما تعلمنا لا يقام له دليل ولا يطلب له دليل، واما الذي يطلب له دليل وحجة هو التصديق النظري. الآن مسألة وجود الله ومسألة صدق رسول الله، هل هي من التصديقات الضرورية أم من التصديقات النظرية؟
نحن إن شاء الله كما هو سأجيب في الإجابة الثالثة سأبين أنها عندنا عند أهل السنة والجماعة من التصديقات الضرورية لا تحتاج إلى إقامة دليل ولا إلى إقامة حجة، علماء الكلام يعتبرونها من التصديقات النظرية التي تحتاج إلى دليل وإلى حجة، فهذا فرق أساسي بيننا وبينهم.
علماء أهل السنة والجماعة يعتبرون مسألة وجود الله مسألة ضرورية تصديق ضروري لا يحتاج أصالة إلى دليل وحجة، فإذا أتينا بالأدلة والحجج فهذا من باب الزيادة ومن باب التأكيد وليس لأنه لا يمكن إثبات وجود الله سبحانه وتعالى إلا بعد طرح الأدلة النظرية.
أما علماء الكلام فيرون أن مسألة وجود الله هي أصلاً مسألة نظرية تحتاج إلى نظر وتأمل وليست مسألة ضرورية. طيب احنا الآن سنتنزل ونقول سنوافقكم يا علماء الكلام تنزلاً؛ أن مسألة وجود الله سبحانه وتعالى ومسألة صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زالت من المسائل النظرية من التصديقات النظرية التي تحتاج إلى نظر وتأمل وإتيان بحجج، سنفرض ذلك.
بعد أن نفرض هذا الفرض ماذا نقول لكم؟ نقول كل العلوم الآن بدها تركيز ركزوا معي، كل العلوم لابد للسالك فيها من مصادرات يأخذها مسلمة ابتداء إلى أن تتبرهن له بالدليل فيما بعد. لا تستعجلوا، بعض الطلاب يقول ماذا يتكلم الشيخ؟ لا تستعجلوا بإذن الله يتضح الأمر الآن. ماذا نجيب بعد أن سلمنا أن مسألة وجود الله مسألة نظرية أضعها الآن على جنب وسأنتقل معكم إلى مسألة علمية، ما هي؟ هاي المسألة العلمية تقول كل العلوم لابد للسالك فيها من مصادرات، ما معنى المصادرة عند علماء المنطق، مفهوم المصادرة ما هو؟
المصادرة أحبتي أن يأتي الإنسان إلى مسألة ليست ثابتة بعد وهي محل نزاع، أن يتعامل مع هذه المسألة على أنها مسلمة. أعيد مرة أخرى، المصادرة في المصطلح العلمي ما معناها؟ أن تأتي أنت أو أنا أو أي انسان إلى مسألة ما زالت غير ثابتة وهي محل النزاع والنقاش، تأتي إلى هذه المسألة فتتعامل معها على أنها مسألة مسلمة ثم تسعى لإثباتها فيما بعد، فهذا يسمى ايش؟ مصادرة، أتيت لمسألة هي محل النزاع فتعاملت معها على أنها مسلمة ثم بدأت أبحث عنها أو أبحث لها عن دليل.
فلو نظرتم أحبتي بالعلوم التجريبية الفيزياء الرياضيات بالكيمياء في الهندسة في الفلك علوم الطبائع، لو نظرتم في كل هذه العلوم العلماء فيها لاحظوا وتأملوا أن تفكروا، العلماء في كل هذه العلوم ماذا يفعلون؟ يأخذون فرضيات أثارتها أو أثارها في أذهانهم بعض القرائن، يأخذون فرضيات أو سميها نظريات كما تشاؤون، يأخذون فرضيات هذه الفرضيات أثارها في أذهانهم قرائن فيأخذونها ويحاولون البحث عن أدلة لها.
هكذا تبنى العلوم، نوضح لكم بمثال الآن، الأرض كروية، اليس كذلك؟ الذين قالوا إن الأرض كروية وأثبتوا ذلك، كيف تعاملوا وكيف أثبتوا ذلك؟ لابد أحبتي أنهم رأوا قرائن وإشارات أثارت عندهم هذا الهاجس وأثارت في أذهانهم أن هذه الأرض ليست مسطحة، هاي الأرض كروية لكن ما زلنا لا نجد دليلاً واضحاً على كروية الأرض، الآن ماذا يفعلون؟ يأخذون مسألة كروية الأرض على أنها مسألة مسلمة على سبيل التنزل ثم يبدأون يبحثون عن أدلة تثبت كروية الأرض، أليس هذا هو المنهج العلمي الذي يسلك في العلوم فيزياء رياضيات علوم أرض جيولوجيا كل هذه العلوم تقوم على هذه القضية؛ أنك تأتي إلى مسألة أثارها في ذهنك بعض الأمور بعض القرائن، طبعا هذه مسألة ما زالت فرضية أثارها بعض القرائن كما قلنا لم يقم عليها دليل بعد واضح بين، فأنت تأخذ هذه الفرضية التي أثارها بعض القرائن فتتعامل معها على أنها مسلمة تنزلاً وتبدأ تبحث عن أدلة تدعمها وتؤكد صدقها، عندما تبحث عن أدلة، هذه الأدلة إما أن تؤكد لك فعلاً صدق هذه الفرضية فتتحول هذه الفرضية كما يقولون إلى نظرية ثابتة علمياً، وإاما أن تقف على أدلة تثبت لك قطع هذه الفرضية فخلاص تلغي إيمانك بها، هكذا هي الطريقة العلمية في التفكير فيزياء كيمياء رياضيات علوم أرض هكذا نفكر فرضيات.
أعيدها مرة أخرى لأنها مسألة محورية، أننا نأخذ فرضيات على أنها مسلمة، وهذه هي المصادرة، ما هي المصادرة؟ لاحظوا، أتيت إلى شيء هو محل نزاع هل الأرض كروية ولا لا هي مسألة النزاع، أخذتها وتعاملت معها تنزلاً على أنها مسلمة وبدأت أبحث عنها عن أدلة وبدأت أبحث لها عن أدلة ففعلاً جاءت الأدلة تؤكد صدق هذه الفرضية التي تعاملت معها على أنها مسلمة على سبيل المصادرة فتصبح هذه فرضية نظرية ثابتة علمياً بعد ذلك، هذه كل العلوم.
إذا نعيد الفكرة مرة أخرى عموماً، كل العلوم لابد للسالك فيها من مصادرات يأخذها مسلمة فرضا وتنزلاً إلى أن تتبرهن له بالدليل فيما بعد. طيب ايش علاقة هذا الكلام يا شيخ بكل المسألة التي نحن فيها؟ أنتبهوا، الآن علماء الكلام لما اعترضوا علينا هم ايش قالوا؟ قالوا كيف أخذتم الإيمان بالله يا أهل السنة، كيف آمنتم بالله وبرسوله وشهدتم بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله على أنها قضية مسلمة تنطقون بها وتشهدون بها قبل أن تثبتوها بالدليل؟ شيخكم ما قالوا لنا؟ انتم كيف تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله على أنها قضية مسلمة وانتم لم تأتوا بالدليل العقلي بعد على اثبات وجود الله، مش قالوا لنا؟ طيب.
فاحنا قلنا لهم على فرض أن قضية الإيمان بوجود الله وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتاج إلى دليل، نقول لهم اعتبرونا يا علماء الكلام أخذنا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأخذنا الإيمان بالله وبرسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذنا كل هذه الأمور ابتداء مسلمة على وجه المصادرة، اعتبرونا صادرنا وقلنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قبل أن يقوم عندنا الدليل على صدق هذه الشهادة، فإذا نحن الآن صادرنا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله هي محل النزاع.
الإيمان باختصار بوجود الله وبصدق رسول الله هي محل النزاع، أهل السنة والجماعة طريقتنا -طبعاً كل هذا فرض، هذا كلام مش صحيح- لكن احنا بدنا نتنزل معهم، اعتبرونا أننا آمنا بالله وبرسول الله ابتداء على سبيل المصادرة هي محل النزاع ماشي هي محل النزاع بدنا نسلم هي محل النزاع، لكننا قلنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وسلمنا بذلك على وجه المصادرة ثم سنأتي بالأدلة بعد ذلك وسنبحث عن الأدلة بعد ذلك على صدق هاتين الشهادتين، اعتبرونا كذلك.
لكن أنتم الذين اعترضتم علينا وقعتم في نفس الأمر الذي وقعنا فيه وتلوموننا عليه، أن انتم يا علماء الكلام اعترضتم علينا بهذا الاعتراض وقلتم لنا كيف تشهدون أن لا إله إلا الله قبل أن تأتوا بالدليل؟ فنحن قلنا لكم على سبيل التنازل اعتبرونا أننا أخذناها مصادرة، أننا شهدنا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله مصادرة قبل أن يقوم لدينا الدليل وسنأتي بالدليل بعد ذلك.
لكن أنتم أيضاً يا علماء الكلام وقعتم في نفس الأمر وعيبتم علينا شيئاً أنتم تقعون فيه لا محالة، فانتم أيضاً ستقعون في أدلتكم العقلية في مصادرة ولا بد، كيف ذلك؟ الآن أحبتي علماء الكلام لما يثبتون وجود صانع لهذا الكون ويثبتون أن العالم له محدث، اللي هي إثبات وجود الله، كيف يثبتون ذلك؟ أليس الواقع العملي والعقلي والمنطقي يقول أن هناك أمور أثارت في نفوس علماء الكلام أن هذا العالم له صانع، فأخذوا هذه القضية أن العالم له صانع على أنها فرضية مسلمة على وجه المصادرة ثم بعد ذلك بدأوا يبحثون عن أدلة عقلية قوية تؤكدها.
أنتم فعلتم نفس الشيء، أنتم حينما أتيتم بالقياس العقلي الذي يثبت وجود الصانع هل كنتم هكذا في صحراء وكنتم تائهين وفجأة يعني ما في أي شيء أثار مسألة وجود الصانع في ذهنكم فجأة أحدكم أتى بقياس منطقي عقلي واكتشفنا به بالمصادفة وجود الصانع؟ كلا ليس هكذا العلم يبنى، هناك أمور أثارت في أذهانكم أن هذا العالم له صانع، كما أن هناك أمور أثارت في ذهن عالم الجيولوجيا أن هذه الأرض كروية فأخذ أن الأرض كروية على أنها مسألة مسلمة على سبيل المصادرة ثم بدأ بعد ذلك يبحث عن أدلة عليها لتؤكد هذه الفرضية أو تنفيها، أنتم نفس الشيء لابد أن تفعلوا.
لابد أن هناك شيئاً أثار مسألة وجود الصانع فأخذتم الإيمان بوجود الصانع وأن هناك صانع لهذا الكون، اخذتم هذه القضية على أنها مسلمة على وجه المصادرة، نفس ما فعلنا نحن أهل السنة أنتم فعلتم، أخذتم هذه القضية على أنها مسلمة على وجه المصادرة ثم بدأتم تبحثون عن أدلة عقلية تدعمها، فإياكم أن تعيبوا علينا ما فعلناه من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ابتداء، فما فعلناه نحن فعلتموه أنتم.
نحن طبعاً هذا على سبيل التنزل أنا ما بدي أضل أحكي كل بعد شوي على سبيل التنزل لأني أنا بعض الطلبة قد يتشوش، فانا أقول كل هذه الإجابة الأولى هي على سبيل التنزل، احنا الآن نناقشهم على طريقتهم في التفكير، اعتبرونا يا علماء الكلام قلنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قبل أن تثبت هذه القضية لدينا، طب كيف شاهدتم؟ على سبيل المصادرة ثم بعد ذلك سنثبتها بالدليل، وأنتم أيضاً تفعلون نفس الشيء في الأجهزة العقلية المنطقية لا تظنوا أنكم خالفتمونا وأنكم أو أنكم منطقيون أكثر منا، أنتم أيضاً أخذتم مسألة وجود الصانع على سبيل المصادرة على أنها مسألة مسلمة ثم بعد ذلك أتيتم بأقيسة عقلية تؤكدون بها أن هناك صانع موجود ولا هكذا تبنى العلوم أصالة، فلا عيب علينا في شهادتنا أن لا إله إلا الله ابتداء قبل أن نأتي بالأقيسة العقلية التي تريدونها، ولا عيب عليكم في ذلك لأن قضية أن تأخذ بعض الأمور على أنها مسلمة ومصادرة ثم تبحث عن أدلة عليها هكذا جبلت العلوم، هكذا تقوم العلوم الحياتية جميعها.
طيب أعطيكم مثال تقريبي أكثر من ذلك، الآن أحبتي الإنسان العاقل لا يطلب دليلاً على وجود الكعبة المشرفة حتى يقدر في نفسه ويسلم ابتداء على سبيل المصادرة أن الكعبة موجودة، كيف يعني يا شيخ؟ الآن لو كان هناك انسان أمامه يبحث عن دليل على وجود الكعبة -ركزوا في هذا المثال- لو كان هناك انسان أماحنا الآن يبحث عن دليل على وجود الكعبة ماذا سنقول له؟ نقول له أنت لماذا تبحث عن دليل على وجود الكعبة؟ هل سيقول والله يا شيخ أنا كنت سائراً في طريقي في صحراء وأبحث عن دليل على وجود الكعبة فقط ولا سيقول هناك أمور وصلت إلى اسماعي أن هناك بيتاً يعظمه الناس ويتعبدون الله عنده يسمى الكعبة فأردت أن أتأكد هل فعلاً هناك بيت اسمه الكعبة؟ ولا هذه الأمور التي وصلت إلى اسماع خاطئة؟
فهو الآن أخذ فرضية أن الكعبة موجودة على أنها قضية مسلمة على سبيل المصادرة وبدأ يبحث عن أدلة تؤكد وجود الكعبة، هي هكذا بنيت العلوم أحبتي جميعا الأمور الحياتية هكذا، هناك أمور يثيرها في ذهنك شيء، هذا الرجل سمع أن هناك شيئاً اسمه الكعبة الآن بده يتأكد ويقوم عنده دليل على وجود الكعبة فهو يأخذ مسألة وجود الكعبة على أنها قضية مسلمة على سبيل المصادرة ثم يبدأ يبحث عن أدلة تؤكد له أن الكعبة موجودة، ويمكن أن يصل إلى دليل على أنه ما في طلع شيء اسمه الكعبة وأن القرائن الأولى التي أثارت مسألة وجود الكعبة في ذهنه كانت قرائن خاطئة وانتهى الأمر، هكذا تقوم الحياة.
ما في انسان يكون هكذا سائراً تائهاً في الحياة فجأة يبحث عن دليل، تقول وتبحث عن دليل على ماذا؟ يقول أنا أبحث عن دليل بس، طبعاً دليل على ماذا؟ تبحث عن دليل على وجود الكعبة، تبحث عن دليل على كروية الأرض، تبحث عن دليل على وجود الصانع، لابد يقول لك أنا أبحث عن دليل على هذه المسألة، أبحث عن دليل لهذه المسألة أبحث عن دليل إلى هذه المسألة.
طيب إذا هذه المسألة هو لماذا يبحث لها عن دليل لولا أن هذه المسألة هناك شيء أثارها في ذهنه فتعامل معها ابتداء؟ مو هيك بدك تفعل، تتعامل معها على أنها مسألة ثابتة وتسلم بها فرضا على وجه المصادرة ثم تبدأ تبحث عن أدلة عليها، فعلماء الكلام في أقيسيتهم العقلية التي يثبتون بها وجود الصانع لابد وأنهم اخذوا مسألة وجود الصانع على سبيل المصادرة على أنها مسألة موجودة وأن هناك صانع وأن هناك نبي ثم بحثوا عن الأدلة العقلية التي تدعم هذا الأمر فوصلوا إلى أدلة قطعية في نظرهم تثبت وجود الصانع وصدق النبي عليه الصلاة والسلام.
فنحن أهل السنة والجماعة اعتبرونا فعلنا مثلكم، اعتبرونا فنحن آمنا بوجود الله من خلال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، اعتبروا هذه مصادرة منا، ثم بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله سنبدأ نبحث عن دليل تدعم هذه الشهادة أو أدلة تدعم هذه الشهادة، هل هناك فرق بيننا وبينكم؟
طيب إذا انتهينا من هذا وبينا أن لومكم لنا أن طريقتنا أهل السنة ليست طريقة علمية لا هي الطريقة العلمية التي نعتمدها نحن وتعتمدونها أنتم بل تعتمد في كل العلوم، أن هناك لابد تأخذ أمور مصادرة وافهموا ما معنى المصادرة أعيدها مرة أخرى، المصادرة أن تأتي على مسألة لم تثبت بعد هي محل النزاع تتعامل معها على أنها مسألة مسلمة.
ثابتة، ولكنك في الحقيقة تبحث لها عن دليل فيما بعد هذه المصادرة، وكل العلوم لابد أن تتعامل معها بمنهجية المصادرة، هكذا بنيت العلوم.
طيب، الآن ما زلنا نتحاور مع علماء الكلام، فماذا نقول لهم؟ إذا تبين لكم يا علماء الكلام أننا أنتم صادرتم ونحن صادرنا، فنحن في هذا البحر سواء، إذا تبين ذلك فدعونا ننتقل إلى الجواب الثاني.
الجواب الثاني: إذا تبين ذلك وعرفنا أن الإنسان لابد له من مصادرة في بناء العلوم، سواء في العلوم الشرعية والالهية أو في العلوم الطبيعية التجريبية، إذا عرفت ذلك، فإن الإنسان إذا أخذ الإيمان بالله ورسوله مسلماً على سبيل المصادرة، وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله على سبيل المصادرة، ثم طلب الدليل بعد ذلك على صحة هذه الشهادة، ها، ثم طلب الدليل بعد ذلك وبحث عن أدلة تدعم صحة هذه الشهادة، حصل له هذا الدليل على وجود الله وعلى صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق مبعثه بأدنى أدنى سعي وبدون كد وتعب، بخلاف الطرق الكلامية الذين لابد لهم من أن يصادروا أيضاً، لكنهم حينما يبحثون عن أدلة تدعم التي صادروها، يذهبون يبحثون عن أدلة متعمقة متكلفة لا تكاد توصلك إلى الجزم بالفرضيات التي صادرت بها، لا تكاد توصلك، فيها اضطرابات وكد وطول وتعب وإيرادات، كما ذكرنا في الفرق الأول والثاني بين منهج أهل السنة ومنهج المتكلمين.
آه، إذاً في فرق بيننا وبينكم، اعتبرونا نحن صادرنا وأنتم صادرتم، لكن نحن أكثر عقلانية منكم، لماذا؟ لأننا لو أننا صادرنا واعتبرنا أننا صادرنا ثم بدأنا نبحث عن دليل، يعني نحن ابتداءً شهدنا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله نظرة، ثم الآن أخذنا نبحث عن دليل على صدق هاتين الشهادتين، فنحن الحمد لله عندنا أدلتنا؛ الهداية الفطرية، الكتاب والسنة، أقوال الصحابة، والأدلة العقلية الواضحة، فالأدلة العقلية الواضحة، تقول لي ما ينفعش تستدل بالكتاب والسنة بأقوال الصحابة، طيب أقول لك نحي الكتاب والسنة الآن ونحي أقوال الصحابة، ودعنا في الأدلة العقلية الواضحة، علماء أهل السنة بأدنى أدنى نظر عقلي يستدلون على صدق الشهادتين، أدنى نظر عقلي وتأمل عقلي.
قالوا: ما في داعي لكل التكلفات من نظر في الأرض والشمس ونظر في الكواكب والنجوم وفي حركة هذا العالم وفي الاتقان العام لهذا العالم يعرف أن هناك إلهاً موجوداً، ومن سمع بأخلاق محمد وبصفاته وبهديه وما دعا إليه من الفضائل يدرك بلا شك أن محمداً موجود وأنه رسول الله عفوًا صلى الله عليه وسلم، بل من قرأ القرآن يدرك أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم المعجزة الخالدة.
فأدنى نظر وسعي نستطيع من خلاله أن نثبت الشهادتين اللتين صادرنا بهما ابتداءً تنزلاً، وأما أنتم فما صادرتم فيه احتجتم إلى كد وتعب وطول ونقاش وايرادات واختلافات حتى تثبتوه، فإذاً أينا أسلم منهجا وأقوم طريقاً وأسهل في المأخذ؟ ها، هذا هو الجواب الذي يجاب به عليكم.
فمن نظر في المشاهد الحسية التي يراها الإنسان كل يوم في حياته، من طلوع الشمس والقمر، وتقلب الليل والنهار، وموت الأناس وولادة آخرين، ونزول القطر وخروج الزرع، إلى غير ذلك من المشاهد، أقر وآمن بما لا شك فيه بوجود صانع عظيم من دون حاجة إلى تكلف وتعمق والدخول في الفلسفة الكلامية، تمام؟
طيب، دعونا ننتقل معكم إلى الإجابة الثالثة وهي الإجابة المرضية حقيقة عند أهل السنة والجماعة، لأن الإجابة الأولى والاجابة الثانية كانت مبنية على ماذا؟ مبنية على أن إثبات وجود الله سبحانه وتعالى أصالة مسألة تعتبر تصديقاً نظرياً، هي مسألة تحتاج إلى إثبات بدليل وحجة، لكننا في الحقيقة نرى أن مسألة وجود الله سبحانه مسألة ضرورية، تصديق ضروري، والتصديق الضروري عند العلماء؛ علماء المناطقة أو علماء الفكر والعقل، التصديق الضروري لا يحتاج إلى أن تقيم الحجة والدليل عليه، فإذا أقمت الحجة والدليل عليه فهذا من باب الزيادة والتطوع جزاك الله خيراً، والا فإنا ابتداءً لست ملزماً بأن أقيم الدليل عليه، لأن هذه مسألة ضرورية.
كيف يعني؟ الآن الواحد نصف الاثنين، هل هذه مسألة تحتاج إلى دليل وحجة؟ قال العلماء: لا، لأنها مسألة ضرورية، طب لو واحد بدأ يثبت ويأتي بأدلة على أن الواحد نصف الاثنين، نقول له جزاك الله خيراً، لكننا لسنا محتاجين إلى هذا التكلف، جزاك الله خيراً، لكننا لسنا محتاجين لهذا التكلف، انظر ابحث عن واحد مشكك، شكك في الضروريات، تناقش معه واثبت له بالأدلة التي تريدها، كما أننا نقول لعلماء الكلام: اذهبوا إلى الملاحدة وانظروا في شبهاتهم واثبتوا لهم وجود الصانع فهم عندهم شبهة، أما نحن الحمد لله فإن الضروريات العقلية والأولية العقلية عندنا ثابتة، ما عندنا الحمد لله فساد في ذوقنا العقلي، فنحن نقر أن الله موجود، كما أننا نؤمن بأن الواحد نصف الاثنين، بل بأن الله موجود وجزمنا بذلك أشد من إقرارنا بأن الواحد نصف الاثنين.
إذاً الإجابة الثالثة لعلماء الكلام أن نقول لهم: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله التي ننطلق من خلالها ونعتبرها أول واجب على العبد في هذه الحياة الدنيا، إياكم أن تظنوا أننا اثبتناها وقلناها قبل أن نقيم الأدلة العقلية عليها، بل هذه الشهادة هي نابعة من الفطرة وهي من ضروريات العقول، فهي أصالة لا تحتاج إلى دليل نظري، والنظر والتأمل في هذا الكون هو يزيد هذه القضية تعمقا وتجذراً في قلوبنا، وإلا فنحن بفطرنا السليمة التي فطرنا الله عز وجل عليها نؤمن بوجود صانع لهذا الكون وبأدنى نظر.
ما عاد حتى يحتاج نظر، عفوًا وصلنا بالتواتر الضروري القطعي أن محمداً صلى الله عليه وسلم مرسل وأنه نبي، من دون حاجة لا إلى نظر ولا إلى كثرة تأمل، وإذا اعتبرنا الآن مسألة صدق النبي عليه الصلاة والسلام ممكن البعض يقول هي مسألة نظرية ستبقى مسألة نظرية، أقول: فعلاً هذا الأمر نعم قابل للنقاش، مسألة إثبات صدق النبي عليه الصلاة والسلام نعم هي أقرب إلى أن تبقى مسألة نظرية في الحقيقة من أنها مسألة ضرورية، مسألة وجود الصانع هذه مسألة ضرورية، لكن مسألة صدق النبي عليه الصلاة والسلام وبعثة النبي عليه الصلاة والسلام مسألة نظرية، لكن إثباتها لا يحتاج إلى تعمق وتكلف ولا يحتاج إلى رصف أقيِسة منطقية، بل يمكن أن تثبتها بأدنى أدنى نظر في أخلاقه وهديه وشمائله وسيرته العطرة.
كما أن هرقل ملك الروم لما دعا أبا سفيان ومن كان معه ممن ذهبوا في تجارة من الشام، دعاهم في فترة صلح الحديبية -وكان أبو سفيان لم يسلم بعد فكان في تجارة إلى الشام- فهبط ملك الروم دعا أبا سفيان فسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسأله عن صفاته ومن آمن معه وهل أنصاره الضعفاء أم الأغنيا؟ وكيف حاله معكم؟ قال: جولة لنا وجولة علينا، المهم بدأ يسألهم عن صفاته وعن هديه وعن أخلاقه وعن شمائله، فهرقل ملك الروم عرف أن هذه أخلاق نبي، لا يمكن إلا أن يكون هذا الشخص نبياً، فقال لأبي سفيان: لو صدقتني بما تقول سيملِكُ هذا الرجل موضع قَدَمَيَّ هاتين.
فلاحظ هرقل ملك الروم عرف صدق النبي عليه الصلاة والسلام بأسهل الطرق من خلال هديه، شمائله، أفعاله، تصرفاته، تدرك أن هذا النبي لا يمكن أن يكون هذا الشخص بشراً عادياً من دون حاجة إلى تكلفات وعقلية منطقية وما شابه ذلك.
لكني الآن سأركز على القضية الأولى، قضية شهادة أن لا إله إلا الله، شهادة أن لا إله إلا الله أحبتي والإيمان بوجود الله هذه مسألة ضرورية، يعني تصديق ضروري مثلها مثل الواحد نصف الاثنين، بل هي أقوى، فلا نحتاج إلى دليل لإثباتها، ومطالبتنا بالدليل نحن نرد عليها، نقول: هذه مسألة ضرورية، من كان عنده شك في أن الواحد نصف الاثنين يشك في أن الله سبحانه وتعالى موجود، من ليس عنده شك في أن الواحد نصف الاثنين عليه أن يسلم بأن الله سبحانه وتعالى موجود ولا يطالبنا بالدليل، إن أتينا بأدلة في باب الدفاع أمام الملحدين ما عندنا مشكلة، كما أننا يمكن أن نأتي بأدلة على أن الواحد نصف الاثنين مع أنها مسألة ضرورية، يمكن نأتي بأدلة أمام إنسان سفسطائي إنسان فسد هذا الوقوف، يمكن، لكن أصل المسألة لا يحتاج.
فإياكم أن تقولوا يا علماء الكلام إنكم يا أهل السنة تخالفون الطريق المنطقي العقلي في اثبات العقائد، فتؤمنون بوجود الله وتشهدون أن لا إله إلا الله قبل أن تأتوا بالدليل على إثبات وجود الله وعلى شهادة أن لا إله إلا الله، إياكم أن تقولوا ذلك، لأننا نرى أن هذه المسألة مسألة ضرورية تنبع من فطرنا ومن باطننا وليست مسألة تحتاج إلى دليل تمام، فهذه الإجابة الثالثة نقول: نحن لا نسلم ابتداءً أن إثبات وجود الله سبحانه وتعالى يحتاج لدليل نظري، بل هو ثابت في الفطر ضروري في العقل أشد ضرورة من المسلمات الذهنية كالواحد نصف الاثنين.
وما تتعبون به أنفسكم من إيراد الأقيسة على وجود الخالق سبحانه، فهو وإن أوصل إلى نتيجة صحيحة، لكنه هدر للوقت فيما يمكن تحصيله بأقصر من ذلك وأيسر، مع ما تولده للأسف هذه الأقيسة العقلية المنطقية مع مرور الوقت من طاقات وشكوك وفساد في الذوق العقلي، محبة الإنسان لما يبدأ يطلب أدلة على الواضحات، طلب الأدلة على الأمور الواضحات يوقعك في المشكلات، هكذا يقولون: طلب الأدلة على الواضحات يوقعك في مشكلات، أنه هذا شيء واضح كيف تطلب الدليل عليه؟
فستبدأ تخوض وتتعمق وتتفلسف وتحاول أن تخرج من هنا وتأتي بعبارات أنت لا تدرك معناها أمامك الذي يدرك معناها، حتى تصور لنفسك وتقنع نفسك أنك أثبت وجود الصانع، مع أن المسألة أسهل وأيسر بكثير، وهذه التعمقات وهذه التخرصات للأسف مع الوقت تفسد ذوقك وعقلك.
وأخيراً الإجابة الرابعة والأخيرة يمكن تعدها إجابة ويمكن تعتبرها تعليقاً عاماً ما عندي مشكلة، أخيراً نقول: إن الكلاميين فيما يدعونه من براهين وأقيسة عقلية متعبة لإثبات وجود الصانع، يوجهون خطابهم في الحقيقة لمن؟ للمسلمين المتسمين بالإيمان ونشأوا عليه منذ نعومة أظفارهم، ويطالبونهم بهذه وبفهمها، يعني أنتم الآن يا علماء الكلام بعد كل هذا النقاش معكم، هذه الأقيسة العقلية التي في كتبكم وفي مصنفاتكم؛ في الخريدة البهية وفي السنوسية وفي كتاب المواقف وغيرها من كتب علماء الكلام، هذه الأقيسة العقلية أنتم بها من توجهون الكلام؟ فيها من؟ ألا توجهونه لإنسان مسلم نشأ منذ نعومة أظفاره على الإيمان بالله وعلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ورسخ هذا الإيمان في قلبه رسوخ الجبال؟ أنتم تخاطبون به هؤلاء القوم، هؤلاء الناس، هذه الكتب يعني كتاب المواقف للإيجي والخريدة البهية والسنوسية وغيرها، هل هذه الكتب وضعتموها للملحدين ولا هذه كتب يتعلمها طلبة العلم في معاهدكم وفي جامعاتكم وفي مدارسكم؟ هذه كتب أنتم كتبتموها لتخاطبوا بها أهل الإسلام، فانتم تطالبون أهل الإسلام بأن يبدأوا العقلية المتكلفة، طب هذا رجل مسلم مؤمن بوجود الله وانتهى الأمر فرغ من هذه القضية، لماذا أطالبه؟ لا، تأكد إيمانك ليس بصحيح بعد، إيمانك فيه نقص، أنت آثم بهذا الإيمان، عليك أن تعود أدراجك إلى الخلف وأن تثبت وجود الصانع بالقياس العقلي المنطقي المتكلف، وتثبت صدق النبي عليه الصلاة والسلام بالقياس العقلي، ثم بعد ذلك تصحح إيمانك من جديد؟
نعم، هكذا يقول كثير منهم، على الإنسان أن يصحح إيمانه، خاصة بعضهم يقول هذا بعد البلوغ، يعني بعد أن تبلغ عليك أن تعيد التفكير في طريقتك في الإيمان، أن تذهب إلى الأقيسة العقلية تنظر بها ليكون إيمانك عن علم، ثم تشهد أن لا إله إلا الله من جديد. بالله عليكم من هذا الكلام يقوله إنسان عاقل؟ طب ما الذي سبب وصولهم إلى هذه الدرجة من التكلف في تفسير طبيعة الإيمان وفي تعقيد مسائل الاعتقاد مع أنهم كانوا أذكياء عموماً؟
في الحقيقة كما قلت لكم هي القضية ليست قضية ذكاء أكثر من أنها قضية: من أين شرب القوم؟ ما هي المنابع التي أفسدت عليهم عقولهم؟ هي منابع الفلسفة، هي منابع الفلسفة التي دخلت بشكل غير منضبط إلى ساحة الفكر الإسلامي، هذه ظاهرة يجب أن تعلم، الفلسفة للأسف أفسدت عقول كثير من علماء الإسلام الكبار ورحمة الله سبحانه وتعالى عليهم جميعاً.
فكما قلنا: الكلاميون فيما يدعونه من براهين وأقيسة لإثبات وجود الصانع، يوجهون خطابهم للمسلمين المتسمين بالإيمان ونشأوا على الإيمان منذ نعومة أظفارهم، ويطالبونهم بهذه الأقيسة وفهمها بل لا يصححون الإيمان حتى تؤمن بهذه الأقيسة وتعود إليها من جديد، بل وصل الحال في غلاة المتكلمين -وليس في جميعهم- إلى إبطال إسلام من عبد الله من دون أن يتعرف إليه بالطرق الكلامية، ويكفرونهم.
فلو أنهم يعني هؤلاء الكلاميون لو أنهم اقتصروا بهذه الطرق العقلية في مناقشة الملحدين لما عبنا عليهم في ذلك، لكنهم للأسف يوجهون خطابهم للمسلمين وأهل الإيمان بالله عفوًا، يوجهون خطابهم للمسلمين وأهل الإيمان بالله الذين نشأوا على ذلك، وهم في غنى عن هذه الأقيسة المتعمقة، وإنما يبحثون عن معرفة ما بعد ذلك، يعني أهل الإيمان خلاص اثبتوا وجود الله سبحانه وتعالى هذا أمر راسخ في قلوبهم، هم يطلبون منك ما بعد ذلك؛ أن تبين لهم ما هي صفات الله سبحانه وتعالى؟ ما هي مسائل الإيمان الحق؟ ما هي مسائل القضاء والقدر؟ ما هي مسائل اليوم الآخر؟ هذا ما يطلبه هؤلاء المسلمون، أما أن أعود بهم لإثبات وجود الصانع، طب يا شيخ أنا أنا أعرف أن الله موجود، يعني أنت الآن يا من تسمعني، هل
عندك شك في وجود الله سبحانه وتعالى؟ هل أنت تطلب مني وتحتاج مني الآن أن آتيك بدليل؟ أثبت لك بأن الله عز وجل موجود، أم أنت منذ نعومة أضفارك وأنت متيقن وإيمانك يزداد يوم بعد يوم بوجود هذا الصانع؟
فذكر هذا القياس المتكلف لا حاجة إليه لأهل الإسلام يا شيخ، هم يريدون أن يعلموا الناس كيف يواجهون الملحدين. أخي الكريم، ليس كل الناس لديه قدرة على مواجهة الإلحاد وعلى مناقشة الشبهات، هذا له طائفة تتصدر له من أهل العلم، وإلا فالناس عموماً وطلبة العلم عموماً، ليس للأسف الآن هناك يعني قضية أنبه إليها، اليوم خرجت عندنا مثل الموضة باللغة العامية، أن كل إنسان ضبط شيئاً من العلم يريد أن يواجه الإلحاد ويبدأ بمناقشة الملحدين، وهذا خطأ علمي منهجي. القضية ليست أي كل إنسان قرأ أي كتاب في الاعتقاد يذهب يواجه الإلحاد ويتفرغ للملحدين ويريد أن يدرس كيف اتحاور مع هؤلاء القوم؟ كلا، أنت لا تحتاج إلى ذلك، أن تصحح عقيدتك صحح علاقتك بالله سبحانه وتعالى، ودع الأمر لمتخصصين يحسنون التعامل مع هذه الطائفة.
لماذا؟ لأنك أيها الطالب وأيها العامي إذا بدأت تصدر نفسك وحاورت الملحدين، قد يشككك الملحد وأنت لا تدري في بعض القضايا؛ لأن كثير من الملحدين أصحاب شبهات وأصحاب لسان، ويطرحون على العوام فيفسدون عليهم دينهم. فإياك أن تجازف وأن تخاطر بدينك، اترك الأمر لأهل العلم المتخصصين هم يواجهون الملحدين. نعم، لا مانع من إنشاء طبقة من الشباب، طبقة من الشباب يتعلم تعليم عقدي كامل، وليس كما يفعل البعض دورة في مواجهة الإلحاد. طيب، أنت أخذت دورة في مواجهة الإلحاد، لكن بناءك العقدي أصالة كيف هو؟ وأين أخذته؟ لا يصلح أن تأخذ دورة جزئية في مكافحة الإلحاد، وأنت لم تبن بعد نفسك في باب العقائد على طريقة أهل السنة والجماعة.
للأسف الساحة العلمية اليوم فيها فوضى، فيها أخطاء علمية في طريقة التعليم. طالب يذهب إلى دورة في مكافحة الإلحاد ويتعلم مكافحة الإلحاد، وهو لا يعرف الأصول التي ينطلق منها أهل السنة والجماعة في بناء العقائد، وهو لا يعرف عقيدته التي يدين الله عز وجل بها، هذا خطأ منهجي. أنت تتعرف على عقيدتك بهدوء وتعرف كيف تبني هذه العقيدة في قلبك وفي داخلك، ثم بعد ذلك إذا أصبحت متيناً وأحببت أن تأخذ دورة متخصصة في مكافحة الإلحاد افعل. أما هكذا أي إنسان يريد أن يأخذ دورة في مكافحة الإلحاد ويحارب الملحدين وهو ما زال ضعيفاً في بنائه العقدي، فهذا غير مقبول، بل هو فتح لباب فساد العقائد بدل من هدم الإلحاد.
طيب، حتى لا أطيل عليكم، بقي الدليل الثاني من الأدلة العقلية، من الأدلة عفواً المردودة عند أهل السنة والجماعة في بناء العقائد، ولا بد أن أهنه اليوم إن شاء الله. ما هو الدليل الثاني المردود في بناء العقائد عند أهل السنة والجماعة؟ كل ما سلف المدارس السابقة تكلمت فيه عن الدليل العقلي الأول، أو الدليل الأول المردود عند أهل السنة والجماعة، وهو الدليل العقلي. بدأ الكلام يدخل في بعضه البعض مع طول المحاضرة. إذا تكلمنا في المجالس السابقة عن الدليل الأول المردود عند أهل السنة والجماعة في بناء العقائد، وكان الأدلة العقلية المتكلفة. عرفنا موقف أهل السنة والجماعة من العقل والنقل، وموقف المتكلمين من العقل والنقل، وعرفنا الميزات الثلاث التي تميز منهج القرآن عن المنهج الكلامي، وأصبنا وفصلنا من أجل أن يتضح هذا الأمر لديكم.
وأسأل الله أن أكون قدمت ما يمكن تقديمه في هذا المستوى لبيان معالم منهج أهل السنة والجماعة، وكيف يردون على علماء الكلام في الاستدلال بالأدلة العقلية المتكلفة. بقي الدليل الثاني، وفي الحقيقة هذا الدليل لن أتكلم فيه إلا كلام قصير جداً؛ لأنه ليس عليه معول إلا عند طائفة محدودة عبر التاريخ الإسلامي، ليس عليه المعول إلا عند طائفة محدودة ولم يكن له ذاك الأثر الكبير كما كان للدليل العقدي المتكلف. ما هو الدليل الثاني المردود في بناء العقائد عند أهل السنة؟ هذا الدليل هو الكشف الصوفي والرؤى والمنامات.
بعض الناس الجهال للاسف يعتبرون الكشوف التي تكشف لهم ويزعمون أنها كشوفات وأن الرؤى والمنامات سبيل يوصلهم إلى تقرير مسائل الاعتقاد. وهذا من عظيم الجهل الذي تنزه عنه في الحقيقة علماء الأمة الكبار الثقات، أن حتى من خالف منهج أهل السنة والجماعة من العلماء الكبار الثقات لا يسلكون هذه المسالك الفاسدة. وإنها ما قلنا هذا، إنما سلكه بعض الجهال من غلاة المتصوفة. أقول من المسالك البدعية التي ظهرت في باب الاعتقاد الاعتماد على الكشوفات المزعومة والرؤى الموهومة في التأصيل العقدي. فاتخذ بعض غلاة المتصوفة طريقه في معرفة ربه الكشوفات التي تظهر له في لحظات الصفاء كما يزعم. يقول: أنا أعرف ربي في لحظات صفاء النفس تظهر لي كشوفات فأعرف ربي بها، أو من خلال منامات تتراءى لهم فيصبحون وقد اعتقدوا في ربهم ما اعتقدوا.
فإن قلت لهم: ما دليلكم على هذا الاعتقاد؟ قالوا: طيف مر بنا ونحن نيام فأخبرنا عن ربنا وعن صفته بما لا إحاطة لكم به، حتى وصل الحال بغلاتهم، غلاة المتصوفة كالعفيف التلمساني وأمثال هذه العبارة أن قالوا: لقد ظهر لنا بالذوق ما يقال صريح العقل. انظروا الكلام الذي لا يكاد يصدر من العقلاء، ايش يقول لك؟ يقول: ظهر لنا بالذوق، يعني بالذوق والكشوفات تبين لنا أمور تخالف صريح العقل، لكننا نؤمن بأذواقنا وإن خالفت صريح عقولنا. انظر الغلو كيف يوصل الإنسان إلى مثل هذا الكلام الذي كما قلت لكم لا يصدر من طفل عاقل، لا يصدر من طفل عنده ملكة العقل، لا يصدر منه مثل هذا الكلام، فكيف يصدر من أناس كبار يزعمون أنهم أولياء وأقطاب إلى غير ذلك من الأوصاف التي هي ألقاب مملكة في غير موضعها؟
إذا حتى وصل الحال ببعضهم بأن قال: قد ظهر لنا بالذوق ما يخالف صريح العقل. فانظر رعاك الله كيف استهواهم الشيطان فصرفهم عن الجادة الصحيحة التي نشأ عليها الصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان. فما أحداً من الصحابة ومن السلف الصالح استدل برؤاه وبكشوف اكتشفها على ربه عز وجل، ما أحد استدل برؤاه وبالكشوفات على الله عز وجل. هل سمعتم أن صحابي من الصحابة أو تابعي من التابعين استدل بالكشوفات وبالرؤى على الله سبحانه؟ أنا والله ما سمعت بشيء من ذلك، بل كانوا وقافين عند كتاب الله سبحانه وتعالى وعند سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعلى هذا صار أئمة السلوك وأئمة الزهد كالإمام الجنيد رحمه الله تعالى والإمام سهل التستري وغيرهم من المتصوفة الذين سلكوا طريقة أهل السنة والجماعة في باب الاعتقاد. هناك صوفي معتدل أحبتي سلكوا طريقة أهل السنة والجماعة في باب الاعتقاد ولم يخرجوا عنها. لذلك الإمام الجنيد عليه رحمة الله والصوفية ينسبون أنفسهم إليه، يقول: طريقنا هذا محكوم بالكتاب والسنة. الإمام الجنيد عليه رحمة الله تعالى وهو من الأئمة الزاهدين يقول: طريقنا هذا، أي طريق التصوف والزهد، محكوم بالكتاب والسنة، وكذلك سهل التستري ينص على هذا أن هذا الطريق لا يدخل إليه إلا من الاتباع للكتاب والسنة، وهم يريدون أن يغلقوا بذلك مسالك الابتداع.
فمبادئ المتصوفة وعلماء المتصوفة الذين كانوا على خير بإذن الله لم يسلكوا مسلك غلاة المتصوفة الذين أتوا فيما بعد وشطحوا كابن عربي وابن سبعين والعفيف التلمساني وغيرهم من غلاة المتصوفة والحلاج. الحلاج الذي يصورونه لكم في القنوات الإعلامية على أنه قطب من الأقطاب، وإنما هم جماعة من الفسدة ممن فسدت عقولهم وآراؤهم وانحرفوا وألحقوا في دين الله، وحكم عليهم كثير من العلماء بالخروج، جعل الملة المحمدية لأقوال قالوها يتنزه اللسان عن وصف الرب بها سبحانه لو علمتموها، لكنني أنزه هذه المجالس عن ذكر أقوالهم في حق الرب عز وجل. فهؤلاء اخذوا عقائدهم بأذواقهم وبكشوفات زعموها وبرؤى رأوها، وقالوا: قلبي يحدثني عن ربي، وإنما هو شيطانه حدثه عن ربه وليس قلبه هو الذي حدثه أحبتي.
إذا أنا لن أطيل في هذا الطريق أكثر من ذلك ولأنه طريق معلوم فساده، لا يمكن أن نقبل في الاستدلال وفي بناء مسائل الاعتقاد الكشوفات والرؤى والمنامات. وهكذا أما انتهيت من الدليل الثاني ولن أسهم في إسهابي في الدليل الأول لوضوحه. وفي ختام حديثنا، هذه الختام لم أختم به بمحاضرة أيضاً بإذن الله، في ختام حديثنا عن مصادر الاستدلال المبتدعة الحادثة في تاريخ الأمة على العقائد، هذه مصادر الاستدلال المبتدعة في الاعتقاد، نشير إلى قضية أنا أشرت إليها سابقاً أعيدها الآن سريعاً.
إلى أن الاستدلال العقلي المتعمق، بل حتى الرؤى والمنامات وإن لم نقبلها كمصدر للبناء العقدي، لكننا لا نمنع، ركزوا فيما أقول الآن، نحن قلنا الاستدلال العقلي المتعمق والرؤى والمنامات مسالك مردودة تماماً. لكنني الآن ماذا أقول؟ لا أن منع أن يستخدم الاستدلال العقلي المتكلف أو الرؤى والمنامات، لا نمنع أن يستأنس بها فيما وافقت به الأدلة الشرعية الصحيحة؛ يعني لما تبني العقيدة تبنيها بمصادر الاستدلال المقبولة الأربعة: الهداية الفطرية، الأدلة العقلية الواضحة، كتاب وسنة، وأقوال صحابة وإجماعهم.
الآن لو استأنس شخص استئناساً برؤى رآها في نومه وليس بناءً، هكذا مجرد استئناس، قال: والله رأيت الرؤيا في منامي رسخت لي عقيدتي في مسألة كذا وكذا من مسائل الاعتقاد. أقول: جزاك الله خيراً إن شاء الله، فأل خير. لكن المهم أنك لم تبن عقيدتك على هذه الرؤيا، أنت بنيت على الدليل، لكن جاءك تأييد من الله في نومك أن هذا الدليل الذي اعتمدت عليه بإذن الله هو الدليل الصحيح، لا مانع من هذا الاستئناس.
كذلك لا مانع من أن تستأنس بالأدلة العقلية المتعمقة على ما أثبتته ابتداءً بالأدلة العقلية المقبولة، مجرد استئناس ما عندنا مشكلة، أما أن يعتمد عليها في البناء؟ كلا. وكذلك لا ننكر إمكانية توظيف الاستدلال العقلي المتعمق خصوصاً وأنا أتكلم فقط عن الاستدلال العقلي المتعمق، ولا ننكر إمكانية توظيف الاستدلال العقلي المتعمق في مناقشة المخالفين للديانة والمشككين فيه؛ أي في مقام الدفاع العقدي. قلت لكم لا مانع عندي من أن تستخدم الأدلة العقلية المتكلفة لهدم الشبه التي ينشرها الملحدون والمشككون، لا مانع أنهم قد يثيرون شبهة تحتاج منا إلى أن نرد عليها بتعمق عقلي، لا مانع من ذلك.
لكن يبقى هذا في مقام الدفاع العقدي، ولا نريد أن نعيد الخطأ التاريخي فنأتي بأدلة أوردناها في مقام الدفاع العقدي فنجعلها هي الأسس التي يبني عليها عقائد المسلمين أو عقيدة أهل السنة والجماعة، فإن هذا هو الخطأ فعلياً الذي وقع في التاريخ الإسلامي. لا أطيل أكثر من ذلك إن شاء الله، أو أسأل الله رب العرش العظيم أن تكون الأمور واضحة لديكم أحبتي. أنا أدرك أن هناك بعض التفاصيل الدقيقة المعمقة لا يفترض أن كل الطلاب فهموها، لكن أنني اريد نوعاً ما أن أحكم هذه الأمور وأن أجيب عنها؛ لأنها تساؤلات تدور في أذهان الطلبة الذين يذهبون إلى الجامعات وإلى بعض المعاهد الشرعية يشعرون أن هذه الجدليات تدور في أذهانهم ويريدون جواباً شافياً تطمئن له القلوب.
أسأل الله أن يكون الجواب شافياً كافياً. إن شاء الله في المحاضرة القادمة ننطلق إلى قاعدة جديدة من قواعد بناء العقائد عند أهل السنة والجماعة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل