تسجيل الدخول

شرح لمعة الاعتقاد (7) / الهدف من الدرس العقدي وأهمية اللغة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب لمعة الاعتقاد للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الصالحي الدمشقي رحمه الله تعالى عليه، وما زلنا نسير في المقدمات التي وضعناها لبيان المنهج الذي يسير عليه أهل السنة والجماعة في بناء العقائد.

تحدثنا أحبتي في بداية هذه الدورة المباركة عن القاعدة الأولى، وكانت هذه القاعدة تتكلم عن أهمية التأصيل العقدي في الوصول إلى النتائج الصحيحة، وتعرفنا على خطوات التأصيل العقدي بإذن الله بشكل جيد.

ثم انتقلنا بعد ذلك إلى القاعدة الثانية التي كانت تتكلم عن مصادر الاستدلال المقبولة في البناء العقدي عند أهل السنة والجماعة، فعرفنا أنها أربعة: الهداية الفطرية، والأدلة العقلية الواضحة، وهذان المصدران يوقفان طالب العلم على القواعد الكلية، ولكنهما لا يؤسسان لعقيدة تفصيلية. وأما الدليل الثالث والرابع: الثالث هو نصوص الكتاب والسنة، والرابع ما أجماع عليه الصحابة والتابعون والسلف الصالح أو ما كان بينهم من دون وجود مخالف معتبر.

فهذه الأدلة الأربعة والمصادر الأربعة كانت المصادر المقبولة عند أهل السنة والجماعة في بناء العقائد، وتحدثنا أيضاً في الجهة المقابلة عن المصادر المردودة في البناء العقدي عند أهل السنة والجماعة، فذكرنا مصدرين: أولاً الأدلة العقلية المتكلفة التي تسير على سنن الفلاسفة، فقلنا هذا الدليل مرفوض عند أهل السنة والجماعة في بناء العقائد، الأدلة العقلية المتكلفة المتعمقة التي لا يدركها إلا الخواص هذه مرفوضة في بناء العقائد عند أهل السنة والجماعة، وإن كنا نقبلها في الدفاع عن العقيدة وفي رد شبهات الملحدين والمشككين وما شابه ذلك، لكن أن نؤسس بها الاعتقاد عند الناس وعند المسلمين فهذا لا، بل وعرفنا لماذا لا تقبل، وعرفنا الفرق بين المنهج القرآني في بناء العقائد والمنهج الكلامي.

ثم انتقلنا بعد ذلك إلى المصدر الثاني المردود وهو الكشوفات والمنامات والرؤى التي يستخدمها غلاة الصوفية في بناء العقائد، وعرفنا أن هذا المصدر لا يمكن أن يكون مقبولاً عند أهل السنة والجماعة في بناء العقائد.

اليوم أحبتي بإذن الله، بعد أن أهنينا هاتين القاعدتين وسرنا فيهما، ننتقل بإذن الله لإكمال باقي القواعد التي وضعناها لإكمال الصورة ولتوضيح المنهج عند أهل السنة والجماعة في بناء العقائد من شتى جوانبه بإذن الله. القاعدة الثالثة نتكلم فيها عن الهدف الأساسي الذي من أجله ندرس مادة الاعتقاد، ما هو الهدف الذي من أجله ندرس مادة الاعتقاد؟

فأقول في القاعدة الثالثة: الهدف من إقامة الدرس العقدي هو الوصول إلى تحديد عقيدة أهل السنة والجماعة وإلى العمل بها، هذا نص القاعدة. الهدف من إقامة الدرس العقدي ما هو؟ نقول: الوصول إلى تحديد عقيدة أهل السنة والجماعة وإلى العمل بها، فنحن نريد أن نحدد ما هي عقيدة أهل السنة والجماعة الصحيحة التي ترضي الرب سبحانه وتعالى ثم نريد أن نعمل بها، فلا نريد أن يبقى الدرس العقدي درساً جامداً مجرد أن تقف على الأسماء والصفات وعلى القضاء والقدر وعلى مسائل اليوم الآخر من دون أن يكون هذا التعلم يدفعنا إلى العمل، فنتمثل الأسماء الحسنى والصفات العلى ونحن ندعو الله سبحانه وتعالى، ونلتجئ إليه، ونصبر على ما تصيبنا به الاقدار في هذه الحياة الدنيا لأن نوقن أن هذه الأقدار كتبها الله عز وجل علينا قبل أن يخلقنا.

كذلك عندما ندرس اليوم الآخر وعرصات هذا اليوم وما فيه من الأهوال العظيمة من الصراط والميزان وما شابه ذلك، يخاف الإنسان ويخشى من لقاء الله سبحانه وتعالى، ويتحرك عنده الإيمان للعمل الصالح وللتوبة والاستغفار، لعل الله عز وجل أن يغفر لنا في تلك المشاهد العظيمة المهولة، فإقامة الدرس العقدي ليس بمجرد أخذ معلومات، بل نحن نريد أن نعرف ما هي العقيدة الصحيحة، ثم نريد أن ننطلق بما تعرفنا عليه إلى فضاء العمل، هذا الذي نريده.

طيب، أقول في تعليقي على هذه القاعدة: الغرض الذي من أجله تتم دراسة مسائل الاعتقاد والبحث في دلائلها هو الوصول إلى العقيدة التي علمها محمد صلى الله عليه وسلم وعلمها لصاحبه وللأمة من بعد ذلك. أعيد هذا النص: الغرض الذي من أجله تتم دراسة مسائل الاعتقاد والبحث في دلائلها هو الوصول إلى العقيدة التي علمها محمد صلى الله عليه وسلم لصحبه وللأمة من بعد ذلك، لنعتقدها ولنؤمن بها، فنحن نريد أن نعتقدها ونؤمن بها أولاً، ثم لتكون وقوداً تحركنا في هذه الحياة ثانيا، فنحن إنما نقصد هدي محمد صلى الله عليه وسلم وهدي صحبه، لماذا؟ لأننا نوقن أنهم رضوان الله تعالى عليهم كانوا على المحجة البيضاء التي يحبها الله سبحانه وتعالى، وكانوا على المعتقد السليم الذي يليق بالرب عز وجل في ذاته وصفاته وأفعاله، فنحن أمة اتباع لا أمة ابتداع.

أحبتي، نحن نوقن يقيناً جزمياً لا شك فيه، ومن كان عنده شك فليراجع إيمانه، نوقن أن النبي صلى الله عليه وسلم وأن الصحابة كانوا على المحجة وعلى العقيدة التي ترضي الرب سبحانه وتعالى، فمن كان يبحث عن علم الاعتقاد فليعلم أنه يبحث عن معتقد محمد صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام، ومن كان يريد أن يتعرف على منهج الاعتقاد عليه أن يتعرف منهج محمد صلى الله عليه وسلم ومنهج الصحابة، فإياك أن تظن أن هناك منهجاً أعدل من مناهجهم، وأن هناك عقيدة أصوب من عقائدهم فتزل.

إياك أن تثق بنفسك وتظن أنك أقدر على الوصول إلى العقائد الحقة من الصحابة الكرام ومن التابعين ومن الأوائل من هذه الأمة. أكمل فأقول: إذاً فنحن متبعون لا مبتدعون، نقف حيث وقفوا، ونسير حيث ساروا، ونتمثل دائماً بقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه الذي سيذكره ابن قدامة رحمة الله تعالى عليه في لمعة الاعتقاد: قف حيث وقف القوم. أي والله، قف حيث وقف الصحابة والتابعون، ولا تخض زائدا عن خوضهم، قف حيث وقف القوم فإنهم عن علم كفوا، فإنهم عن علم وقفوا وببصر نافذ كفوا، أو كما قال رضي الله تعالى عنه.

فهذه دعوة من ابن مسعود للأجيال اللاحقة من هذه الأمة أن تقف عند الحدود التي وقف عندها الصحابة الكرام، وأن يلتزموا منهج ذاك الجيل الذي تربى على يدي محمد صلى الله عليه وسلم في بنائه العقدي والمنهجي والسلوكي.

ونعوذ بالله أن نظن في أنفسنا علماً في الله لم يعرفه الصحابة أو التابعون، أو أننا أحكم معرفة بالله منهم، بل هذا هو الجهل بذاته والانحراف بعينه. وقد علقنا سابقاً على مقولة منتشرة عند المتكلمين أن عقيدة السلف أسلم، وأن عقيدة الخلف أحكم، وهذه مقولة إبليسية مخالفة للمنهج الصواب الذي يجب على المسلم أن يسلكه في حياته. المنهج الصواب أن تعتقد أن محمد صلى الله عليه وسلم وأن الصحابة وأن السلف الصالح كانوا أسلم وأحكم في بناء مسائل الاعتقاد.

وأما أن تظن أن السلف اتبعوا طريق السلام فقط ولم يخوضوا ذاك الخوض في مسائل الاعتقاد طلباً وهرباً إلى بر الأمان، وأن من جاء بعدهم من الخلف كانوا أحكم منهم في بيان معاني النصوص وفي تفسيرها وفي الاعتقاد بها وعقد القلب عليها لله سبحانه وتعالى، فهذا من مداخل إبليس الخطيرة، هذا من مداخل إبليس الخطيرة، وفيها تقليل من شأن السلف رضوان الله تعالى عليهم، فالسلف لم يكونوا مجرد هاربين إلى بر الأمان خوف الخوض على طريقة المتكلمين، بل إنما تركوا الخوض على طريقة المتكلمين لأن هذا هو مراد الله سبحانه وتعالى، وهو مراد محمد صلى الله عليه وسلم في تعليمه للصحابة أن نقف عند حدود معينة وألا نتجاوزها ولا نكلف عقولنا ما لا تحتمل، وانظروا حينما خاض المتكلمون.

تجاسروا وتجاوزوا الحد الذي وقف عنده الصحابة الكرام. انظروا كيف اختلفوا فيما بينهم. وانظروا كيف وقع التكفير بين هذه الطائفة وتلك الطائفة. وانظر كيف وقع الاضطراب والتشتت ثم انظر كيف عادوا في آخر عمرهم، كما نقلنا في المحاضرة السابقة عن الجويني والرازي والغزالي كيف عادوا ليعترفوا بأن المنهج الذي كان ينبغي أن يسلكوه هو الوقوف عند حد ما وقف عليه الصحابة والتابعون والوقوف عند حد ما بينه كتاب الله سبحانه وتعالى ومحمد صلى الله عليه وسلم ثم اتبع.

فأقول: وليس المقصد من دراسة هذا العلم، وليس المقصد -وانتبهوا على هذا الكلام لأنه مهم- وليس المقصد من دراسة هذا العلم نصرة طائفة على أخرى، أو إيقاظ فتن ومعارك في حياة الأمة وبين أبنائها، أو التعصب للأشياخ وللفرق وللطوائف. من كان يدرس علم الاعتقاد لينصر شيخه أو طريقته فليراجع نيته، وليراجع إخلاصه وقل أن يوفق للصواب. من يدخل في علم الاعتقاد ويبحث فيه بهذه النية فهذا قل أن يوفق إلى الصواب أحبتي.

لأن الله سبحانه وتعالى إنما يوفق الإنسان إلى الخير وإلى الحق إذا رآه باحثاً عن الحق أينما كان وحيثما وجد. هذا هو الإنسان الذي نستطيع أن نسميه طالباً للعلم، وأما الإنسان الذي يدخل في دراسة مسائل الاعتقاد فقط يريد أن يعرف كيف ينصر أشياخه وكيف ينصر طريقته فهذا عمله مدخول ونيته مدخولة وقل أن يوفق للهداية والله تعالى أعلم.

إذا وليس المقصد من دراسة هذا العلم نصرة طائفة على أخرى أو إيقاد فتن ومعارك في حياة الأمة وبين أبنائها كما يفعل الجهال اليوم أو التعصب للأشياخ والفرق والطرق، بل التطبيق والعمل، بل التطبيق والعمل هو المقصد الأسمى والهدف الأعلى. أي والله أحبتي، كم نحتاج إلى أن نتمثل مسائل الاعتقاد في حياتنا اليومية! أعمال القلوب كيف نتعبد بها ربنا سبحانه وتعالى؟ الأسماء والصفات كيف نحيا مع اسم الله الرحيم؟ كيف نحيا مع اسم الله القدير؟ كيف نحيا مع اسم الله المنتقم؟ كيف نحيا مع اسم الله الجبار، مع اسم الله القدوس، السلام، المؤمن؟ كيف نتمثل هذه الأسماء ونعيش في ضوئها وفي حياتها؟ كيف نكون مؤمنين بالقضاء والقدر ونشعر بالاطمئنان بأن كل حركة وكل سكنة في هذا الكون هي بتدبير الإله الحق سبحانه وتعالى؟

كيف نحيا بالتوبة والاستغفار لأننا وجلون من لقاء الله سبحانه وتعالى في يوم آخر قد عرفنا تفاصيله في مسائل الاعتقاد وعرفنا هول مطلعه؟ نعم، هذا الذي نريده وهذا الذي يغيب للأسف عن الدرس العقدي في مثل هذه الأيام. الأمة اليوم ليست بحاجة فقط إلى التنظير في مسائل الاعتقاد، بل هي بحاجة إلى أن تترجم مسائل الاعتقاد أو تنقلها من الزاوية النظرية إلى الجانب العملي الواقعي أحبتي.

نعم، عن هذا نبحث ومن هنا يجب أن يتم تعديل طريقة طرح الدرس العقدي وألا تبقى فقط مسائل جامدة ترد بها على الكلاميين وعلى غيرهم وهذا ينصر طائفته وهذا ينصر الطائفة الأخرى، ثم بعد ذلك ينقضي هذا الدرس والطالب لم يتقدم في إيمانه وفي علاقته مع الله سبحانه وتعالى خطوة واحدة. إذاً علينا أن نراجع طريقة طرح المسائل العقدية، فكم من معلم ودارس حظه من هذا العلم أي من علم الاعتقاد الجدل والمراء وإاظهار النفس والتفوق على الأقران في النظر!

قوم في دراسة علم الاعتقاد أن يبين قدرته على الجدل العقدي وأنه يستطيع أن ينصر طائفته وأنه ينصر المنهج الكلامي وهذا ينصر منهج أهل السنة. يعني هو نصرة منهج أهل السنة هذا أمر طيب ولابد أن يكون هذا هدفاً عاماً، لكن أن تدرس علم الاعتقاد فقط من أجل أن أبين مقدرتي على الجدل والمنافحة عن طريقة أهل السنة فهذا أيضاً يحتاج إلى إعادة تعديل. أنت لا تدرس مسائل الاعتقاد فقط لتنصر وتبين قدرتك على نصرة مذهب أهل السنة، أنت تدرس مسائل الاعتقاد أولاً لترفع الجهل عن نفسك، ولتعقد القلب على عقيدة صحيحة لربك، ولتعمل وتسعى في حياتك، ثم إذا استطعت أن تنصر عقيدة أهل السنة وتدافع عنها فجزاك الله خير الجزاء. وأما أن تدخل بنية فقط الجدل حتى ولو كان بنية الجدل عن عقيدة أهل السنة فهذا أمر يحتاج إلى تعديل حقيقة في الرؤية، والله تعالى أعلم.

إذاً فكم من معلم ودارس حظه من هذا العلم الجدل والمراء وإظهار النفس والتفوق على الأقران في النظر! وعندما يأتي وقت العمل تجده في آخر الركب إن لم ينقلب على عقبيه. انظروا في كثير من الاقوام كانوا يطرحون مسائل الاعتقاد ويعلمون ويتحدثون وحينما جاء وقت العمل وقت الاختبار الحقيقي إذا هم ينكصون على أعقابهم ثم يهربون من المواجهة.

نعم أحبتي، مسائل الاعتقاد هي مسائل عمل وتطبيق، شيء تعقد عليه القلب مع الخالق سبحانه. لذلك سميت مسائل اعتقاد، ليست مسائل تنظير وساحات للجدل. لم تنزل هذه العقيدة ليتناحر المسلمون فيما بينهم: من هو الأصوب ومن هو الآخرق أو الأبعد عن الصواب؟ بل نزلت هذه العقيدة وأتى النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الملة من أجل أن يعم الخير على هذه الأرض ومن أجل أن يعود الناس إلى دين الله، ولأجل أن يتعرف الناس على ربهم ويقصدوه بالعبادة والتوحيد.

فعلينا إذاً أن نعيد التفكير حقيقة ونقارن بين المقصد الذي من أجهل أتت مسائل الاعتقاد وهل نحن في دراستنا وفي تدريسنا العلوم العقدية نحاول ونسعى أن نصل إلى هذا المقصد، أم أننا نجنح إلى جوانب أخرى؟ لقد علمنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن تعلم مسائل الاعتقاد يكون بالتطبيق العملي لها من خلال مراعاة أعمال القلوب وأفراد الله سبحانه وتعالى بالعبودية والقصد والتعبد له بأسمائه الحسنى وصفاته العلى والدعاء بها والسير على نهجها، والخوف من عذاب القبر -حينما ندرس مسألة القبر ومن خالف فيها ونثبت أن هناك عذاباً للقبر وأنك ستسأل في قبرك عن كذا وكذا، لا ندرسها من أجل أن نثبتها كمسألة نظرية، نحن ندرس هذه المسألة لنخاف ولنخشى من تلك الساعات أحبتي- والخوف من القبر ومن سؤاله ومن الآخرة وعرصاتها، وإظهار الولاء لله وللمؤمنين والبراءة من الشرك والمشركين.

مسائل الولاء والبراء من أخطر مسائل الاعتقاد. كم من انسان اليوم ينظر في مسائل الولاء والبراء وهو للأسف يوالي أعداء الأمة ويناصرها ويدافع عن الظالمين وعن أصحاب الفجور والمعرضين عن دين الله سبحانه وتعالى! نعم تجدهم بلحى وبثياب ويتكلمون عن أهمية الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين وخذلان أهل الباطل والظلمة والفجرة، وعندما تنظر في التطبيق تجد بوناً شاسعاً، تجده واقفاً مع الطرف الآخر مع الظلمة ومع المجرمين ومع سافكي الدماء.

كيف تدرس أنت هذه المسائل وتطرحها وتبينها للطلبة ثم يخالف القول العمل؟ إذاً علينا أن نراجع بعض القضايا فعلا في قضية العمل بالاعتقاد وليس الأمر مجرد التنظير، فمن إذاً نقول وإظهار الولاء لله وللمؤمنين والبراءة من الكفر والمشركين وللذب عن حمى هذه الشريعة من غارات أهل الأهواء وشبهات أهل الزيغ والمفسدين. فمن رام غير هذا المقصد النبيل فقد أفسد علمه وعمله، إذاً هذا كلام في الغاية التي من أجلها ندرس مسائل الاعتقاد.

فنحن هنا لم نأت أحبتي لهذا المجلس ولم نعقد هذه الدورة من أجل أن ننصر طريقة معينة فقط، نحن اتينا هنا وهدفنا أن نتعرف على العقيدة التي علمها النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه حتى نرفع الجهل عن أنفسنا وحتى نعرف ما هي العقيدة أو العقد الذي يجب أن نعقد عليه قلوبنا تجاه ربنا، ثم نسعى للعمل في حياتنا. وايضاً من مقاصدنا ومن مقاصدنا أن نافع عن عقيدة أهل السنة والجماعة، وأما أن يكون الهدف هو مجرد الجدل العقدي والانتصار للشيخ والطريقة فهذه نية مدخولة كما بينا.

إذا عرفنا الغاية من دراسة باب الاعتقاد فاعلم يا طالب العلم أنك باحث عن العقيدة المحمدية حيثما كانت ومع أي شيخ وجدت. يعني عندما تتعلم مسائل الاعتقاد عليك أن تتجرد وأن تكون باحثاً للحق فعلاً، وإذا عرفت الحق مع شيخ أو مع رأي معين عليك أن تلتزمه بغض النظر من هذا الشيخ: تحبه، تبغضه، تعرفه، لا تعرفه. إذا عرفت ووجدت الحق في أي مع أي شيخ وفي أي طريق فعليك أن تسلكه، فالحق مقصدك والدليل قائدك.

فإياك أن تتعصب للأشياخ والطوائف فإنها لن تغني عنك من الله شيئاً. وفعلاً الأشياخ والطرق لن تغني عنك يا طالب العلم من الله شيئاً، وحينما تقف بين يدي الله سبحانه وتعالى ويسألك الله عز وجل عن عقيدتك ويسألك: لماذا يا فلان رأيت الحق بعينيك وأعرضت عنه انتصاراً لشيخك ولطائفتك، بماذا ستجيب الرب سبحانه وتعالى؟ نعم عليك أن تعد جواباً لذاك الموقف، حينما تسأل يوم القيامة عن إعراضك عن الحق وقد رأيته بعينيك نصرة لشيوخك ولطريقتك ولزملائك، بماذا ستجيب الرب سبحانه وتعالى؟ عليك أن تعد الجواب من الآن.

فإياك أن تتعصب للأشياخ والطوائف فإنها لن تغني عنك من الله شيئاً، وكلما تجردت من هواك واطلع الله على قلبك فرآه قلباً متجرداً عن التعصب والهوى طالباً لمرضاته باحثاً عن مراده، ألهمك الله سبحانه وتعالى رشدك وأنار بصيرتك لتصل إليه وفتح لك وجهه من التعرف سبحانه بدليل قويم ومنهج مستقيم، وأعانك على قهر هواك وشيطانك.

فانبذ عن نفسك أخي الكريم التسمي باسماء الطوائف، انبذوا أسماء الطوائف أحبتي يا طلبة العلم. أنتم طلبة علم لهذه الأمة بأسرها، أنتم لستم لجهة معينة أو لطائفة معينة أو لحزب معين أو لطريقة، أنتم للأمة، أنتم علماء للأمة طلبة علم للناس جميعاً. فانبذوا أسماء الطوائف والفرق وقولوا نحن مسلمون على طريقة أهل السنة والجماعة، وكفى بذلك شرفاً. يكفيك أن تقول عن نفسك أنك مسلم والله يكفيك، لا تحتاج إلى شيء آخر: مسلم وعلى طريقة أهل السنة والجماعة. هكذا عاش علماؤنا رحمة الله عليهم، وعلى هذا عاش علماء أهل السنة والجماعة عبر قرون.

وأما ما نشأ اليوم من الأسماء والفرق وهذه الطائفة تنقسم إلى عشرة أسماء وهذه تنتسب نفسها إلى شيخ وهذه لا طريقة، فوالله ليس هذا من منهج محمد صلى الله عليه وسلم وليست هذه دعوة الإسلام أن نتفرق في الدين من هذه، بل دعوة الإسلام أن نتمسك بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]. هذه هي دعوة الدين: أن نتسمى بما سمانا الله سبحانه وتعالى به، هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا. فهذا الشرف هو الذي علينا أن نحافظ عليه: الاسم الذي سمانا الله سبحانه وتعالى به باسم الإسلام وما تعاقد عليه العلماء قديماً وإلى هذا اليوم بأننا نسير على منهج أهل السنة أي أهل الاتباع لما كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم والصحابة، لا نزيد على ذلك أسماء ولا ألقاباً ولا طرقاً. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن نحيا على ذلك وأن نموت على ذلك.

فانبذ إذاً عن نفسك التسمي بأسماء الطوائف، وقل: إني مسلم على طريقة أهل السنة والجماعة، ولا تعدو هذا القدر فتضيق واسعاً وتحصر عقلك في أتَون الطوائف والفرق. وقد جعل الله سبحانه وتعالى هذا الدين رحباً واسعاً للناس جميعاً ممن دخل في دين الله وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله موقناً مصدقاً متبعاً موفياً بشروطها. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يحيينا على هذا الطريق، أن نكون مسلمين موحدين لله سبحانه وتعالى نجمع الناس على كلمة التوحيد الخالص ولا نتسمى بأكثر من ذلك. هذه والله غايتنا وهذا مقصدنا ونسأل الله العظيم أن يبعثنا عليها.

واحذر أخي الكريم من الخوض. هذا أنظروا إلى هذا المنهج الذي أريج أن أقرره في أذهانكم أحبتي، الآن أتكلم عن مناهج مسلكية في دراسة الاعتقاد، تكلمت قبل قليل عن الغاية من دراسة علم الاعتقاد وتكلمت أن الإنسان يبحث عن الحق حيثما كان وأنه لا ينتمي إلى الطوائف والفرق وإنما ينتمي إلى الحق. والآن أقول لكم أيضاً: أحبتي احذروا من الخوض في علماء الأمة الأبرار الذين قضوا وأفضوا إلى ربهم على اختلاف طوائفهم ومشاربهم. أي والله، احذروا من أن تطعنوا وأن تشتموا وأن تتنقصوا من علماء الأمة الكبار الذين ثبتت عدالتهم وثبت أنهم باحثون عن الحق مهما اختلفت طوائفهم واختلفت فرقهم. أي والله، فان من ظهرت لنا عدالته الدينية من علماء هذه الأمة فليس لك يا طالب العلم إلا أن تترحم عليه وأن تدعو له في ظهر الغيب وأن تحسن الظن به وأن تكون متيقناً أنه ما قصد إلا الحق وإن لم يصبه في ظننا.

هناك علماء ذكرنا أننا نخالفهم في مسالكهم العقدية، علماء الكلام وغيرهم ممن نشأ على هذه الطرق، وإن خالفناهم في مسالكهم لكن هم علماء كبار، ليس لنا إلا أن تترحم عليهم وأن نسأل الله لهم المغفرة ونسأل الله العظيم أن يتجاوز عن خطئهم وزللهم فيما نظنه خطأ من أفعالهم وأن تحسن الظن بهم أنهم لم يريدوا إلا الوصول إلى الحق وإن لم يصيبوه في ظننا وإن لم يصيبوه. نعم هم لم يصيبوا هذا الحق كما نعتقد، لكن في النهاية نحن نحسن الظن أنهم كانوا يبحثون عنه. وإياك أن تطعن في نية عالم من علماء الأمة وأن تجاسر عليه وأن تتكلم فيه بما لا يليق بحق العالم، فصدقني ليس هذا من سبيل الموفقين أبداً.

وهذا لا يمنع كوننا أحبتي ندعو للعلماء ونترحم عليهم ونجل العلماء من علماء الكلام وعلماء أهل السنة جميعاً، هذا لا يعني إجلالنا وإعظامنا لهم لا يعني أننا لا نناقش ولا نخطئ ولا نبين الصواب الذي يرضي الرب سبحانه وتعالى، فالحق أعلى من الجميع. لكن بيان الحق لا يعني الشتم والانتقاص والدخول في نوايا أهل العلم الكبار، خاصة هؤلاء الأئمة الذين تركوا المصنفات الكبرى في أصول الفقه.

الحديث والتزكية والأخلاق فهم وإن لم يصيبوا لكن لهم أيادي بيضاء على هذه الأمة ما زلنا نحيا في ظلالها وأفيائها. وهذا لا يمنع أن نناقش أفكارهم، وأن نخطئ من حاد منهم عن منهج السلف الصالح وسلك غير مسلكهم وشرب من غير موردهم، لكن يقودنا الأدب وإحسان الظن وسؤال المغفرة وعدم الاغترار بالنفس، هذا الذي يقودنا.

إحسان الظن بالعلماء وسؤال المغفرة لهم وعدم الاغترار بأنفسنا، بل نبقى دائما على خوف ووجل من الذلل والخطأ، فليس لنا ضمان وعهد من الله سبحانه وتعالى أنني أنا واياك لن نخطئ وهؤلاء الأئمة الكبار هم الذين سيخطئون، هل عندي وعندك ضمان؟ ليس عندنا ضمان. فالمسلم يبقى على وجل وخوف من أن يكون أخطأ المسلك، ودائماً يقول: اهدنا الصراط المستقيم. هذا الدعاء الأبدي الذي نقرأه في كل صلاة وندعو به في كل صلاة من الصلوات: اهدنا الصراط المستقيم يا الله، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين.

فإذاً نحن نبقى دائماً على خوف ووجل. هنا أرسل رسالة لبعض طلبة العلم ممن اغتروا بأنفسهم وظنوا أنهم على أهل السنة والجماعة بالتمام والتفصيل، وأنهم لا يمكن أن يحيدوا، وينظرون بنظرة الازدراء للائمة الكبار الذين أخطأوا المسلك: إياكم أن تغتروا بأنفسكم والله! واعلموا أن الثبات على طريق أهل السنة والجماعة وأن هذه الهداية هي منة من الله سبحانه وتعالى ومحض فضل منه أن هداكم إلى هذا الطريق، ولو شاء الله عز وجل لم تكونوا هنا بل كنتم على مناهج أخرى خاطئة. فسلوا الله الثبات وقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8].

فليس لنا ضمان بالاهتداء لم ينالوه، ولا شهادة تزكية لم يظهروا بها. ومن اعتاد الوقيعة في العلماء -اسمعوا هذا الكلام وهذا أقوله لكل من يتصدر اليوم لتدريس الاعتقاد في هذا البلد وفي غيرها من البلدان على أي منهج كان- هذه رسالة أرسلها لكل من يتصدر لتدريس مسائل الاعتقاد في هذه الديار وفي أي بلد كان، اسمعوا وعوا. من اعتاد الوقيعة في العلماء والنيل من أعراضهم فضلا عن التجاسر على تكفيرهم وشتمهم وسبهم فقد تعرض لمقت الرب وغضبه، فإن لحوم العلماء مسمومة، فإن لحوم العلماء مسمومة. اسمعوا هذا الكلام كما ذكره ابن عساكر: وأن عادة الله في هتك حرمة من ينالهم معلومة. وأن من معالم منهج أهل السنة والجماعة احترام أهل العلم والأدب معهم وإيجاد العذر ما وجد له طريق، هذه من معالم منهج أهل السنة والجماعة.

وإن من معالم منهج أهل السنة والجماعة احترام أهل العلم والأدب معهم وإيجاد العذر ما وجد له طريق، هذه من المعالم المتفق عليها بين أهل الجماعة أنهم يحترمون العلماء جميعا أي عالم مهما كانت طائفته مادام أنه داخل قبة الإسلام وسعى للوصول إلى الحق فهو وإن أخطأ المسلك فإننا نحترمه ونتعامل معه بالتبجيل والتوقير والاحترام ونناقشه فيما أخطأ فيه، وانتهى الأمر. إذن وإن من معالم منهج أهل السنة والجماعة احترام أهل العلم والأدب معهم وإيجاد العذر ما وجد له طريق، فإن أهل السنة والجماعة أرحم الخلق بالخلق، أي والله.

منهج أهل السنة والجماعة يقوم على الرحمة بالخلق، وأن ننظر إلى الناس بعين الرحمة والرأفة، وأننا نتواصى بالحق ونتواصى بالصبر، وأننا نريد أن نخرج الناس من هذه الشبهات ومن هذا الضلال ومن هذا الزيغ إلى منهج الإسلام الحق الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم فقط، هذه هي رسالتنا وهذا هو مقصدنا، وليس هدفنا الانتصار لأنفسنا أو الشيوخ أو الطوائف، وإنما ننتصر للإسلام لأنه الإسلام الذي يجمعنا. فإن أهل السنة والجماعة أرحم الخلق بالخلق ومقصدهم جمع الناس على مراد الله، لا التحزب والتشتت فرقاً طوائف كما يفعل الجهلة.

وكن على وجل من رمي الناس والفرق بالكفر، هذه قضية التكفير أتطرق إليها الآن هنا، أختم بها كلامي في هذه القاعدة، أقول وكن على وجل من ماذا؟ من رمي الناس الأفراد أو الفرق بالكفر وإخراجهم من دائرة هذا الدين، لماذا؟ فإن التكفير باب خطير جد خطير، أعيد فإن التكفير باب خطير جد خطير. نعم أحبتي، بعض طلبة العلم يقرأ كتابا أو كتابين أو يسمع محاضرة أو محاضرتين ويبدأ بعدها يخوض في الناس والجماعات تكفيرا وتفسيقا والحكم عليهم وإنزال الأحكام العينية، وهذا باب خطير، وما دخل هذه الأمة إلا والله أفسدها وكان سببا في سفك الدماء المعصومة وهتك الاعراض، فعلينا أن نتقي الله سبحانه وتعالى في هذا الباب خاصة في باب التكفير، لأن التكفير حكم شرعي ينبني عليه استحلال الدماء والاموال والذراري، أمر خطير جدا حكم التكفير.

إياك أن تظن أنها مجرد كلمة تلقيها أنت وانتهى الأمر، كلا يا طالب العلم إن التكفير حكم شرعي تترتب عليه آثار خطيرة جدا في حياتنا، مسائل في عصمة الدماء، مسائل في الأموال، مسائل في النكاح، مسائل في كل شيء في كل أبواب الفقه، فعلينا أن نتقي الله سبحانه وتعالى وألا تستعجل، فإن التكفير باب خطير جد خطير، والسلامة فيه لا يعدلها شيء كما قال القرطبي رحمه الله تعالى. وقد تجاسر أقوام عليه في هذا الزمن وفي الأزمنة المتقدمة، وما تجاسر قوم على التكفير إلا كان ذلك سبب فتنة وفساد في هذه الأمة، وقد تجاسر أقوام عليه فضلوا وأضلوا وولغوا في دماء المسلمين، وهذا ثمرة الجهل.

نعم، من يكثر من التكفير وإيقاع الأحكام بالناس وسفك الدماء هذه أمارة جهل، ولو كان يدرك عقيدة أهل السنة والجماعة بالتفصيل ويعرف مسائل العذر ومن يعذر ومن لا يعذر لما ولغ هذه الولوغة في دماء المسلمين الطاهرة، وهذا ثمرة الجهل والعجلة قبل استيقان، فالتكفير حكم شرعي تترتب عليه آثار عظيمة في الدماء والأموال والأعراض، ومبناه على الاستدلال الصحيح لا على الرجم بالغيب، ليست القضية قضية هوى أو أن فلان من الناس أو فرقة من الفرق لم يعجبك تصرفها فتقوم مباشرة بانزال الحكم عليها واستحلال دمائها.

القضية أحبتي حتى لو خالفك شخص في مسألة ونظر إليها بنظرة مخالفة لك وتراها مخالفة لمنهج الإسلام الصواب، عليك أن تحلل هذه النظرة، فقد يكون الشخص عنده عذر، قد يكون له تأويل، قد يكون هناك شبهة، فالامر ليس إذن بالعجلة والباب هذا خطير، والعلماء كانوا يتورعون أشد التورع، ويعجبني الغزالي في كتابه التفرقة بين الإسلام والزندقة حينما كان ينكر على غلاة المتكلمين المسارعة في التكفير ويبين أن باب العذر باب واسع في الشريعة الإسلامية، وعلى نهجه سار ابن تيمية مع المفارقة بين منهج الغزالي وابن تيمية في الاعتقاد، إلا أنهما متفقان على أن باب العذر باب واسع وأن باب التكفير باب حذر جدا يجب ألا يستعجل في الخوض فيه وإنزاله على الاعيان والطوائف.

لذلك نقول: فالتكفير حكم شرعي تترتب عليه آثار عظيمة في الدماء والأموال والأعراض، ومبناه عن الاستدلال الصحيح لا على الرجم بالغيب، والأصل في أهل الملة المحمدية هو الإسلام، الأصل في الناس الذين شهدوا أن لا إله إلا محمد رسول الله هو الإسلام، فما دمت تشك أن فلان خرج من هذا الدين أو لم يخرج فالأصل أن يبقى على دينه حتى تأتي بدليل بين واضح لك فيه من الله سلطان على أنه فارق الملة المحمدية، فلا يخرجون منه بالظنون ولا بالأوهام، وباب العذر باب واسع، فاحذر من أن تزل قدمك وأن تدخل في مستنقع التكفير فلا تستطيع أن تخرج منه.

إذاً هذا تحذير لكل طالب علم ألا يكون مستعجلا فهماً في مسائل التكفير والخوض في أديان الناس وأعيانهم، بل عليك أن تنتظر وأن تتروى وأن يكون هدفك إيصال الحق إلى الناس، هذا هو الهدف، الهدف الأساس هو أن ننشر هذه الدعوة وأن نوصلها للناس، وإن شككت في مسألة هل هي مسائل التكفير أو لا يكفر صاحبها فاترك ذلك ودعك منه حتى تصل إلى العلم المستحكم، فأنت لن تسأل عن شيء شككت فيه يا طالب العلم، لن تسأل عن شيء شككت فيه، فما كنت تجهله فقف وانتظر وتروى إلى أن تبلغ في العلم شأنا عظيماً، ثم الله سبحانه وتعالى يفتح لك من كنوز معرفته، وكلما كان الإنسان واسع المعرفة مطلعا على مسائل الاعتقاد ومطلعا على مسائل العذر عند السلف الصالح يتسع عقله أكثر وأكثر للخلاف مع الآخرين، وكلما كانت قراءته ضعيفة وعلمه ضعيفا كلما ضاق أكثر وأكثر في تفكيره وكلما كان أسرع لإلقاء الأحكام على الناس.

وهنا قبل أن أنتقل إلى القاعدة الرابعة أنقل نصاً لابن تيمية رحمة الله تعالى عليه وهو يصف منهج أهل السنة والجماعة في باب الاعتقاد فيقول فيه: وأئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة، هذه الصفات الثلاث هي التي تميز من يسير على طريقة أهل السنة والجماعة، العلم متضلع في العلم ليس قشوراً، العلم حقيقي، والعدل يعدل مع الناس جميعا حتى مع مخالفيه ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: 8]، العدل مع الناس، والرحمة هم أرحم الخلق بالخلق، هذه الصفات الثلاث هي التي تميز أهل السنة والجماعة.

قال: فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة سالمين من البدعة، ويعادلون على من خرج منها ولو ظلمهم كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾، ويرحمون الخلق فيريدون لهم الخير والهدى والعلم. فهو فصل ما أجمله، لأنه قال: علامة أهل السنة والجماعة العلم العدل والرحمة، فبين أنهم يعلمون السنة التي يجب عليهم أن يتبعوها والبدعة التي يجب أن يجتنبوها، ويعدلون مع مخالفيهم ممن خرجوا عن منهج أهل السنة والجماعة ولا يظلمون الناس، ثالثاً أنهم يرحمون الناس ويتمنون لهم الخير والهدى والعلم، لا يقصدون الشر لهم ابتداء بل إذا عاقبوهم وبينوا خطأهم وجهلهم وظلمهم كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا.

نعم قد يعاقب بعض أهل البدع والزيغ والانحراف عن منهج أهل السنة والجماعة، ووقع هذا في التاريخ الإسلامي، لكن إلحاق العقوبة بأهل البدع والزيغ ودعاة الضلال ليس من أجل العقوبة بحد ذاتها، وإنما نحن نلحق العقوبة بهم لعلها تكون رادعة لهم ليعودوا إلى واحة هذا الدين مرة أخرى، ولعلها تكون سببا في زجرهم عن إضلال الناس وإبعادهم عن منهج أهل السنة والجماعة، فالعقوبات التي يلحقها أهل السنة والجماعة بالمخالفين أهل الزيغ والضلال عقوبات لها مقاصدها الشرعية باختصار وليست عقوبات انتقامية لتشفي أو ليتشفى القلب منهم أو لنريهم أننا انتصرنا عليهم وأننا وضعنا الأيدي على رقابهم، وهذا منهج واضح أحبتي والله عند أهل السنة والجماعة.

من رأى مثلا منهج أحمد بن حنبل رحمة الله عليه سئل كما يذكر ذلك ابن مفلح في الآداب الشرعية، سئل أحمد بن حنبل: يا إمام هل يسجن أهل البدع؟ فالامام أحمد بن حنبل لم يحب ذلك وقال: لا، لهم أمهات وأخوات. انظروا الرحمة والرأفة، انظروا البعد في نظرة أحمد بن حنبل حينما سئل عن سجن أهل البدع في السجون قال: لا أرى أن يسجنوا، نعم يمنع من التحدث مع الناس ويحجر عليهم لكن لا يسجنوا رأفة بقلوب أمهاتهم وبقلوب أخواتهم وبقلوب أطفالهم. انظروا كيف تتجلى رحمة أهل السنة بالناس، نحن لا نريد أن ننتقم يا من تحمل طريقة أهل السنة في الاعتقاد، أنت تريد أن تأخذهم من الظلمات إلى النور ومن الضلال إلى الهدى، هذا الذي تريده فالمهم أن يتحقق هذا المقصد، وليس من مقصدك الانتقام أو التشفي أو أن ترى أنك أنت من انتصرت في النهاية، أبدا لا يكون هذا عند علماء السنة.

فلهذا كان أهل العلم والسنة -لاحظوا ماذا يقول ابن تيمية بعد ذلك- فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف قد كفرهم، فإن أهل السنة والجماعة لا يتعاملون مع الناس بهذه المنهجية، إذا كفره شخص يرد عليه الصاع صاعين فيقوم هو بتكفيره، القضية ليست تنابز يعني فلان سبك أو شتمك بالكفر أنت تذهب تكفره، هذا حكم شرعي، إن هو كان جاهل يريد أن يكفرك فأنت ارحم جهله واعف عنه وتجاوز، فإن حكمه في النهاية عليك ليس هو حكم الله سبحانه وتعالى، هذا حكم من شخص جاهل صدرته جهلك، اعتبرها شتيمة وأنت تقابل هذه الشتيمة بالعفو والصفح، لأن الكفر حكم شرعي فليس للإنسان أن يعاقب بمثله.

انظروا الكلام المتزن، لأن التكفير حكم شرعي فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، خلاص شخص سبني بالكفر أنا أعاقبه بمثل ذلك وأكفره؟ هذا حكم شرعي تترتب عليه أحكام عظيمة في الفقه الإسلامي فليس مجال التنابز والرمي به، وكذلك التكفير حق لله فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله، هذا حق الله سبحانه وتعالى فإياك أن تتلاعب به يا طالب العلم، ليس لك الأحقية في أن تطلق مسائل التكفير على كل شخص لم يعجبك تصرفه أو خالفك في مسلك، هذا حق الله وليس من حق البشر.

وأيضاً ما زال يكمل، فإن تكفير الشخص المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها، وإلا فليس كل من جهل شيئا من الدين يكفر. أيضاً حتى تنزل حكم التكفير على شخص معين يجب أن نتأكد أن هذا الشخص قد بلغته الحجة بلوغاً حقيقياً.

ينتفي به الشبهة، وترفع به بدعة عن قلبه. ثم بعد ذلك إن خالفها وأصر على منهجه، فحينئذ نقول: فلان بلغتْه الحجة الرسالية وعاندها وعارضها.

وأما قبل أن تتيقن من بلوغ الحجة الرسالية على وجه واضح بين له، فليس لك أن تنزل عليه أحكام الكفر والإيمان، بل تبقيه على الأصل؛ إذا كان مؤمناً تبقيه على الأصل أنه مسلم، وإذا لم يكن مسلما أصلا لم يدخل في هذا الدين فهو يبقى على الأصل أنه كافر، لكن في النهاية عليك أن تتأكد من بلوغ الحجة الرسالية وإقامتها عليه بالطريقة الشرعية المرضية قبل أن تطبق الأحكام.

قال: ولهذا كنت أقول -وهو يخبر عن نفسه وعن منهجه- ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون الله فوق العرش لما وقعت محنتهم -يعني ابن تيمية ناقش هؤلاء الطوائف من الجهمية ومن الحلولية الذين كانوا يقولون إن الله يحل في المخلوق، وناقش الذين كانوا ينكرون أن الله سبحانه وتعالى فوق عرشه على ما أخبر به سبحانه وتعالى في كتابه- فإيش كان يقول لهذه الفرق المبتدعة التي غلت في بدعها؟ يقول لهم ابن تيمية: أنا لو وافقتكم على كلامكم في القول بالحلول أن الله يحل في العبد أو في نفي استواء الله على عرشه، أنا لو وافقتكم على كلامكم كنت كافراً، لأني أعلم أن قولكم كفر، ولكن أنتم عندي -أيها أهل البدع- لا تكفرون لأنكم جهال. وكان هذا خطاباً ويخبر أنه هذا الخطاب كان خطاباً لقضاتهم ولشيوخهم ولامرائهم.

طيب، كيف كانوا جهالاً؟ ليس الجهال أنهم كانوا عوام، ويقول لك: أنا أخاطب بهذا العلماء من الجهمية والامراء منهم ورؤوس الجهمية، فكيف كانوا جهالاً؟ قال: وأصل جهلهم عقلية حصلت لرؤوسهم في قصور من معرفة المنقول الصحيح والمعقول الصريح الموافق له. فكان هذا هو خطابنا الذي نخاطبهم به.

يقول: إن رؤوس أهل البدع كان عندهم جهل، لكن المراد بالجهل هي الشبهات العقلية التي دخلت في أذهانهم بسبب كثرة النظر في كلام الفلاسفة؛ ففسد الذوق العقلي كما قلنا في المحاضرة السابقة، وفشت فيهم الشبهات، فجهلوا دلالة النقل الصحيح والعقل الصريح، وضللوا في متاهات. فابن تيمية عذرهم بهذا الجهل ولم يكفرهم، لكن قال لهم: لو أنا قلت قولكم لكنت كافراً لأني أعلم أن قولكم كفر، وأما أنتم فإني لا أكفركم لجهلكم.

المهم، انظروا مقدار التروي والتأني وعدم الاستعجال من هذا العالم الكبير في إنزال الأحكام على المخالفين وعلى المبتدعة، وهو يرسم لك معالم أهل السنة والجماعة فعلاً في هذا الميدان. وأما من قل علمه من الطوائف فإنهم تجدهم يتسارعون في تكفير بعضهم البعض؛ فأهل الكلام من الأشاعرة يكفرون أهل السنة والجماعة، ومن يستعجل من أهل السنة والجماعة يبادر في تكفير الأشاعرة، وهذا يبادر في تكفير المعتزلة، وتبقى الأحكام هكذا من تكفير إلى تكفير، ومن استحلال للأموال والدماء. وهذا والله أمر خطير أحبتي.

وباب العذر عليكم أن تتعلموه وأن تفهموا مدى السعة في قضية التأويل، ما دام هناك قصد للبحث عن الحق من علماء الأمة الكبار، وما دام هناك رجوع كلي بشكل عام إلى لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلينا أن نعرف كم هي دائرة التأويل واسعة، وأن نتفهم منهج السلف رحمة الله عليهم في التأويل.

الآن، هل هناك تكفير؟ بالطبع هناك تكفير وهناك نواقض للإسلام؛ من ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام أخرج من دين الإسلام ويعود مرتداً. هناك نواقض للإسلام يجب أن يتعلمها المسلم ويعرف ما هي هذه النواقض حتى لا يقع فيها بجهله، وإذا رأى من وقع فيها يحذره، لكن طريقة تنزيل النواقض على الطوائف وعلى الأعيان، ورفع وإبلاغ الحجة لهم، وكيف يكون البلوغ الحقيقي للحجة وكشف الشبه وكيف يفتح باب التأويل والعذر؟ هذا كله لا يأتي إلا مع كثرة النظر والممارسة لمنهج أهل السنة والجماعة، والنظر في كتب المتقدمين من العلماء؛ كيف كان يتصرف الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وعلماء السنة والجماعة عبر القرون؟ لا بد أن تنظر في فتواهم؛ كيف كانوا ينزلون هذه الفتاوى على الواقع؟ كيف كانوا يطبقون أحكام الكفر والإيمان في الواقع؟ هذا يجعلك تفهم المسلك والمنهج الذي يفعلونه.

إن كثيراً من الطلبة للاسف يأخذ مسائل الاعتقاد حفظاً؛ يحفظ مسائل نواقض الإسلام أنه من الناقض كذا والناقض كذا والناقض كذا والناقض كذا، ثم يبدأ يطبق ويقول: والله أنا حفظت في المتن أن من نواقض الإسلام كذا وكذا، فهذا شخص وقع في هذا الناقض إذاً أطبق عليه الحكم.

قال: لا أخي، ليست هذه الطريقة في تنزيل أحكام الكفر والإيمان، بل هناك موانع وهناك شروط وهناك شبهات وهناك تأويل وهناك أعذار. فضبطك لمنهج الكفر والإيمان هذا يكون مع الممارسة والنظر في سير السلف، وفي تطبيقات السلف، وفي فتاويهم، وفي تنزيلهم على الواقع، وكيف تعاملوا مع الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة؟ ومن عذروه ومن لم يعذروه؟ حينما تتضلع من هذا المنهج تستطيع أن تحكم الخطة والطريق الذي تسير عليه في حياتك بإذن الله.

إذاً، هذه كانت القاعدة الثالثة، قاعدة تتكلم في زوايا منهجية مهمة أحببت أن أنصح بها طلبة العلم.

أنتقل الآن إلى القاعدة الرابعة. القاعدة الرابعة من قواعد أهل السنة والجماعة هي قاعدة في الحقيقة أنا وضعتها لأشير إلى سبب آخر من أسباب الانحراف في هذه الأمة؛ هناك أمر سبب انحراف كثير من الطوائف والفرق والرجال عن منهج أهل السنة والجماعة فأفرَدْتُه في قاعدة مستقلة ليتنبه عليه الطلبة.

ما هو هذا السبب الذي دفع كثير من الطوائف للانحراف عن الجادة الصحيحة وأوقعهم في الزلل والابتعاد عن العقيدة الحقة التي تربى عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ فأقول في القاعدة الرابعة: اسمعوا وعوا، فقه اللغة العربية ومعرفة الاستعمال الشرعي للالفاظ يقي من الانحراف بإذن الله.

أعيد القاعدة مرة أخرى؛ القاعدة الرابعة تقول: فقه اللغة العربية ومعرفة الاستعمال الشرعي للالفاظ يقي من الانحراف. إذاً، هناك أمران: أولاً أن تفقه دلالة الألفاظ العربية على معانيها، وثانياً أن تعرف كيف استعملت الشريعة هذه الألفاظ العربية.

وهناك ألفاظ أبقتها الشريعة على دلالتها اللغوية الأصيلة، وهناك ألفاظ نقلتها الشريعة من دلالتها اللغوية ومنحتها دلالة أخرى جديدة في الشريعة الإسلامية. أعيد مرة أخرى: الشريعة الإسلامية تعاملت مع ألفاظ اللغة العربية على طريقتين؛ هناك ألفاظ أبقتها على دلالتها في اللغة العربية ولم تمنحها معاني جديدة، فهذه نحن نعرف معانيها من الرجوع إلى كلام العرب. وهناك ألفاظ الشريعة المحمدية منحتها معان ومدلولات جديدة، علينا أن نعود إلى مدرسة الصحابة وإلى مدرسة التابعين لنعرف ما هي الدلالة التي منحتها الشريعة لهذه الألفاظ منقولة، لن تستطيع بعقلك أن تعرف ذلك، لا بد من الاتباع، لا بد من الرجوع إلى ما قاله الصحابة والتابعون في دلالة هذه الألفاظ حتى نعرف أن الشريعة كيف استخدمت هذه الألفاظ وماذا أرادت بها.

إن من انحرف من الطوائف والفرق كان من أسباب الانحراف في الدروس الماضية أنهم شربوا من منابع آثمة، هذا سبب من أسباب الانحراف، واليوم أوقفكم على سبب آخر من أسباب الانحراف نصبت له هذه القاعدة، وهو الجهل بدلالة الألفاظ في اللغة العربية ابتداءً، ثانياً الجهل باستعمال الشريعة للألفاظ.

أقول من أبرز أسباب ظهور البدع الاعتقادية والفرق المنحرفة في هذه الأمة الجهل باللسان العربي، وبأساليب الخطاب عند العرب، وبالدلالة اللغوية للكلمات والمفردات والتراكيب من حيث الحقيقة والمجاز والكناية والاستعارة وغير ذلك مما هو من معهود العرب في خطابها، وانضاف إلى ذلك الجهل بالاستعمال الشرعي لهذه الألفاظ.

فهناك مفردات عربية وتراكيب لغوية أبقتها الشريعة على مدلولها اللغوي المعلوم عند العرب، وفي المقابل هناك مفردات أخرى منحتها الشريعة مفاهيم أوسع أو أضيق، بغض النظر، المهم أن الشريعة منحتها مفاهيم جديدة تختلف عن مفاهيمها المعهودة عند العرب ابتداءً، لكنها طبعا لا تكون أجنبية تماماً عن المعنى المعهود عند العرب؛ إما أن يكون المعنى الذي منحته الشريعة لهذا المصطلح معنى أضيق من المعنى المعهود عند العرب، أو يكون بالعكس، يكون المعنى الذي منحته الشريعة لهذا المفرد معنى أوسع، لكن لا يكون هناك مباينة تامة بين الدلالة اللغوية لهذا اللفظ والدلالة الشرعية. وهذا بينته في أصول الفقه وفي البلاغة وغيره من الدورات، أن الشريعة لو أنها أخذت بعض الألفاظ ونقلتها واستعملتها استعمالاً خاصاً، لكن هذا الاستعمال الخاص لا يكون أجنبياً تماماً عن المعنى اللغوي الأصيل لهذه الكلمة.

مثلا كلمة الصلاة؛ الصلاة في اللغة أحبتي هي العطف والرجوع، والمشهور عندكم أنها بمعنى الدعاء. المهم لو قلنا إنها في الشريعة في العربية بمعنى الدعاء، الآن جاءت الشريعة فأخذت لفظ الصلاة ووضعته لمعنى آخر، وهو الأفعال والهيئات المخصوصة المبتدأة بالتكبير والمختتمة بالتسليم. الآن إطلاق الصلاة على الأفعال والهيئات المخصوصة المبتدأة بالتكبير والمختتمة بالتسليم هذا استعمال شرعي خاص لفظة الصلاة، لكن لا توجد مباينة تامة بين هذا الاستعمال الشرعي وبين أصل هذه الكلمة في اللغة العربية، فإن الشريعة إنما اختارت كلمة الصلاة لتطلقها على هذه الأفعال المخصوصة المبتدأة بالتكبير والمختتمة بالتسليم؛ لأن الدعاء الذي هو المعنى اللغوي لكلمة الصلاة هو أكثر شيء يفعله الإنسان خلال هذه الأركان. أنت أثناء القيام والركوع والسجود والتحيات ما هو أكثر شيء تفعله؟ الدعاء صح؟ حتى تفهموا المناسبة بين المعنى اللغوي والشرعي.

فالشريعة إنما اختارت لفظ الصلاة دون غيره من مفردات اللغة العربية لتطلقه على هذه الأفعال المخصوصة لوجود التناسب بين هذه الأفعال المخصوصة المشتملة على الدعاء وبين أصل دلالة كلمة الصلاة في اللغة وهي الدعاء. فباختصار، لا يكون هناك انفصال تام بين المعنى الأصيل لهذه الكلمة في اللغة والمعنى الجديد الذي منحته الشريعة، بل عادة إما أن يكون المعنى الشرعي الجديد لهذه الكلمة هو فقط أضيق من المعنى اللغوي العام أو بالعكس -وهذه الحالة أقل- أن يكون المعنى الشرعي أوسع من المعنى الذي منحته العربية بهذا المفرد أو لهذا المصطلح.

المهم عليكم أن تتقنوا فهم استعمالات الشريعة بالألفاظ؛ فمثلاً مفهوم الإيمان؛ مفهوم الإيمان في اللغة العربية هو الإقرار والتصديق، اذهبوا إلى المعاجم انظروا بماذا يفسرون كلمة الإيمان، تجد العلماء يفسرون الإيمان بأن معناه الإقرار والتصديق. لكن عند أهل السنة والجماعة نقلوا عن السلف الصالح بالإسناد أن الإيمان الذي علمه محمد صلى الله عليه وسلم للصحابة، وعلمه الصحابة للتابعين، وعلمه التابعون لمن بعدهم ما هو؟ ليس فقط التصديق والإقرار بالمعنى اللغوي، بل الإيمان منحته الشريعة مفهوماً آخر فقالت: الإيمان هو التصديق بالقلب والجنان، والقول باللسان، والعمل بالأركان. فأصبح الإيمان في المفهوم الشرعي متكوناً من ثلاثة أركان، الإيمان دلالته في المفهوم الشرعي متركبة من هذه الأمور الثلاثة: من تصديق الجنان القلب، وقول اللسان التلفظ باللسان بالشهادتين، وثالثاً العمل بالأركان.

فلا يوجد عندنا إيمان شرعاً فقط بتصديق القلب وإقراره، وإن كان الإيمان في اللغة معناه التصديق والإقرار، لكن في الشرع كلا، بعد أن استقرأنا نصوص الكتاب والسنة وعرفنا ما نقله السلف الصالح بالإسناد عن مفهوم الإيمان، عرفنا أن الشريعة منحت مفهوم الإيمان مفهوماً آخر يختلف عن مفهوم هذه الكلمة أصالة في اللغة العربية. ففي اللغة الإيمان هو الإقرار والتصديق، وفي الشرع الإيمان هو التصديق مع القول باللسان مع العمل بالأركان. فمتى فقدنا أحد هذه الأركان زال اسم الإيمان.

الآن كثير من الفرق الكلامية والطوائف للأسف -لجهلها باستعمال الشرع لمفهوم الإيمان، وكيف أن الشريعة منحت مفهوم الإيمان مفهوماً محددًا يختلف عن المفهوم الأصلي لهذه الكلمة في اللغة- كثير من الفرق والطوائف بقيت تقول: الإيمان في الشرع هو التصديق وهو الإقرار؛ لأن معنى الإيمان في اللغة التصديق والإقرار. فنقول لهم: أخطأتم، صحيح الإيمان في اللغة هو التصديق والإقرار، لكن لا يلزم أن يكون أيضاً هو معناه في الشرع، فإن الشرع يتصرف في الألفاظ كما يشاء ويضع لها المفاهيم التي يريدها، ونحن علينا أن نتبع ما يريد الشرع الآن ليس مقتضى اللغة، بما أننا نقلنا عن السلف الصالح وعن أئمة التابعين أنهم قالوا: الإيمان اعتقاد وقول وعمل، إذاً عرفنا هنا أن الإيمان يجب أن نفهمه كما يفهم وكما يريد منا الشارع أن نفهمه وكما قرره سبحانه، ولا نفهمه على مقتضى المعنى اللغوي فقط.

فإذاً، كما قلنا الخطأ والانحراف عند الفرق كان من أسبابه أيضاً الجهل أولاً بدلالة الألفاظ العربية، لأن هناك فرقاً كانت تجهل أصلاً دلالة الألفاظ العربية ليس فقط تجهل الاستعمال الشرعي، تجهل أصلاً هذه الكلمة على ماذا تدل في اللغة، وتجهل أن العرب يستخدمون دلالة المطابقة والتضمن والالتزام، ما عندهم أدنى دراية، خاصة من الأعاجم -كما سنذكر الآن- الذين دخلوا بعد الفتوحات الإسلامية، كان عندهم جهل كبير باللسان العربي.

فإذاً الجهل باللسان العربي وبإستعمال الشرع للألفاظ كان أيضاً من أسباب انحراف الفرق وتبنيها لعقائد غير مرضية. فمع انتشار الفتوحات الإسلامية ووصولها إلى بلاد الأعاجم واختلاط العرب بالموالي -الموالي هم الذين أسلموا من بلاد الأعاجم- بدأ يظهر اللحن في اللغة وبدأ يظهر الفهم الخاطئ للمفردات العربية خاصة من قبل الوافدين الجدد على هذا الدين؛ هؤلاء الموالي والأعاجم دخلوا في هذا الدين ما كانوا يتكلمون العربية، فبدأ يظهر إذن اللحن في اللسان -لذلك كتب أبو الأسود الدؤلي لعلم النحو- وبدأ يظهر اللحن ويفشو، وبدأ يظهر الجهل بدلالة مفردات العربية من قبل الوافدين الجدد، ومع البعد المكاني طبعا عن مهد الرسالة في الحجاز؛ لأن كثيراً من الدول الإسلامية التي نشأت بعد ذلك نشأت في الشام ثم في بلاد ما وراء النهر.

وهذه بلاد ما وراء النهر، هذه قصتها قصة؛ لأنه كثير من الناس الذين عاشوا في تلك الديار في بلاد ما وراء النهر، كازاخستان وأفغانستان والقرغيزيا إلى غيرها من المناطق، كثير منهم ما جاء إلى بلاد العرب وما درس العربية في مهدها، فكان يأخذ العربية في بلده.

وبالتأكيد لن تكون العربية في بلدي، خاصة في ذلك الوقت ما في وسائل التواصل الاجتماعي ولا دروس يوتيوب ولا محاضرات، كانوا يأخذون العربية النذر اليسير، وهذا سبب عندهم جهلاً بدلالة الألفاظ العربية وفهماً خاطئاً لها. وبدأوا يطبقون هذا الفهم الخاطئ على نصوص الكتاب والسنة، فلك أن تتخيل كيف فهموا الكتاب والسنة وكيف نشأت البدع والخرافات مع وجود العامل الآخر، وهو أنهم استقوا من منهج فلاسفة اليونان. فاجتماع منهج فلاسفة اليونان مع الجهل بلسان العرب شكل طامة كبيرة في التاريخ الإسلامي. الأخذ من فلاسفة اليونان مع الجهل باللسان العربي شكل انحرافاً كبيراً عبر التاريخ الإسلامي.

إذاً، ومع البعد المكاني عن مهد الرسالة في الحجاز، وعن لسان أهلها، والبعد الزماني أيضاً عن عهد صاحب الرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ظهرت البدع والفرق الكلامية على أيدي رؤوس الجهال من الأعاجم. فهموا اللفظ على غير مقصده، فهموا الألفاظ في الكتاب والسنة على غير مقصدها؛ لأنهم أصلاً يجهلون الدلالات اللغوية، وحملوه على غير محمله، فأتوا بمفاهيم مخالفة لما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين.

لذلك قال علماء الأمة الذين كانوا على دراية بعقيدة السلف الصالح وباللغة العربية في ذلك الوقت، كالشافعي وأبي عمرو بن العلاء: انظر ماذا قال الشافعي وأبو عمرو بن العلاء أئمة اللغة! الشافعي إمام من أئمة اللغة، وأبو عمرو بن العلاء إمام من أئمة اللغة. انظروا كيف رصدوا هذه الإشكالية، رصدوا كيف أن البدع والزندقة والمخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة نشأت بسبب الجهل بلسان العرب. انظروا ماذا قال الشافعي، قالها أيضاً أبو عمرو بن العلاء، قالوا: أكثر من تزندق بالعراق لجهلهم بالعربية. يقول الشافعي وأبو عمرو بن العلاء: سبب دخول الزنادقة في العراق والفرق المباينة لمنهج الإسلام هو الجهل بالعربية، ففهموا القرآن على أهوائهم وعلى مزاجهم كما يقولون.

ونقل السيوطي في كتابه المزهر عن الأصمعي، والأصمعي معروف لا أحد يجهل الأصمعي، نقل عن الأصمعي أنه قال: تزندق هؤلاء القوم لجهلهم باللغة العربية. انظروا كيف كانوا علماء العرب باللغة يدركون أثر اللغة العربية في اللزوم للجادة الصحيحة! تزندق هؤلاء القوم لجهلهم باللغة العربية، ولو كانوا مطلعين على خفايا اللغة لفهموا حقيقة القرآن والحديث ولما اعتراهم الشك في الدين، هذا الأصمعي يقول ذلك. ولو كانوا مطلعين على خفايا اللغة لفهموا حقيقة القرآن والحديث ولما اعتراهم الشك في الدين.

إذاً أحبتي، الأمر خطير جد خطير. بعض الطلبة يقول: لماذا يا شيخ نحن نغرق في دراسة العربية؟ نحن نريد أن ندرس الشريعة ولا أريد أن أكون متحصصاً في اللغة العربية. أخي الكريم، لن تفهم هذه الشريعة حق الفهم إلا إذا كنت متقناً للسان العرب. هذا هو الواقع، حاولت أن تعمي على نفسك، أو قابلت شيخاً ما عنده دراية بالعربية ويريد أن يبرر جهله بأنه لا حاجة لنا لتعلم العربية يكفينا الآجرومية؛ المنهج الحق أن كل من كان متضلعاً باللغة العربية ويفهم طرق العرب وأساليب العرب في الخطاب، كلما كان أسلم في عقيدته وفي فهمه لكتاب ربه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

فالجهم بن صفوان مثلاً رأس الجهمية، والجهمية نسبة إلى الجهم بن صفوان، ومحمد بن كرام زعيم الفرقة الكرامية، وغيره أيضاً من رؤوس الفرق الضالة التي ظهرت عبر التاريخ الإسلامي، كانوا من بلاد الأعاجم وكانوا على جهل مطبق بدلالة الكتاب والسنة وعلى جهل كبير باللغة العربية. وتروى قصص عن محمد ابن كرام، قصص تدل على جهله الشنيع باللغة العربية، رجل لا يعرف دلالات الألفاظ ثم أصبح رئيساً وزعيماً لفرقة من الفرق المبتدعة، لكن المشكلة فيمن صَدَّره ورضي أن يجعله زعيماً.

وأما انحراف من انحراف من اللغويين عن العقيدة الحقة، سأرصد قضية أخرى: قضية أن بعض الطلبة يقول: يا شيخ، نحن نرى بعض علماء اللغة الذين صنفوا المعاجم اللغوية، يعني تخيل عالماً كبيراً في اللغة صنف معاجم لغوية كاملة، فهو إذن متبحر في علوم اللغة العربية، ومع ذلك عنده ابتداع ومخالفة مبينة لمنهج أهل السنة والجماعة، فهل هؤلاء أيضاً أخطأوا في فهم اللغة العربية؟

نقول أحبتي: علماء اللغة الذين لهم أيادي بيضاء في المصنفات اللغوية وفي المعاجم وغيرها، وكانوا على دراية كبرى في النحو والصرف، لكنهم أيضاً سلكوا مسلكاً خاطئاً في الاعتقاد؛ من أين كان خطأهم؟ ليس لجهلهم بالدلالة اللغوية ابتداء، وإنما بسبب جهلهم بماذا؟ بالاستعمال الشرعي لهذه المفردات اللغوية. هنا كان جهل هؤلاء، أنهم يعرفون أن هذه الكلمة دلالتها اللغوية كذا وكذا، مثلاً يعرفون أن الإيمان دلالته في اللغة هو الإقرار والتصديق، هم علماء في اللغة فيعرفون أن دلالة الإيمان هو الإقرار والتصديق في اللغة، لكن أين جهلوا؟ هم جهلوا أن الشرع منح كلمة الإيمان معنى آخر وحددها بتحديدات أخرى وتفاصيل أخرى. هم جهلوا هذه التحديدات الشرعية ولم يقفوا عليها لأسباب متعددة، أنا لا أريد أن استقصي الآن أسباب الانحراف، لكن المهم أنهم جهلوا بالاستعمال الشرعي لمصطلح الإيمان، فظنوا أن الشريعة أبقت هذا المصطلح على دلالته اللغوية وما فطنوا لأن هذه الشريعة منحت مصطلح الإيمان مصطلحاً آخر.

عليكم أن تأخذوه ليس من المعاجم ولا من أئمة اللغة، بل عليكم أن تأخذوا هذا المصطلح ودلالته من أفواه الصحابة والتابعين. فليس كل المفردات التي وردت في الكتاب والسنة نذهب في فهمها إلى المعاجم اللغوية، هذا خطأ، بل هناك مفردات يجب أن نأخذ فهمها ودلالتها من أفواه الصحابة والتابعين؛ لأن الشريعة منحت هذه الألفاظ دلالات أخرى تختلف عن الدلالة اللغوية الأصلية لها.

إذاً فأقول: أما انحراف من انحراف من اللغويين عن العقيدة الحقة، فقد كان بسبب جهلهم بالاستعمال الشرعي للألفاظ وجهلهم بالمعاني التي منحتها الشريعة لها. فإن الوقوف على معاني الكتاب والسنة لا يكون بالرجوع إلى كتب اللغة وحدها كما يفعل بعض الناس يقول لك: أنا أأفهم فقط من اللغة أعود للمعاجم، هذا خطأ، بل لابد من الوقوف على حقيقة الاستعمال الشرعي لها، ومعرفة ما إذا كانت هذه الألفاظ والمفردات معانٍ أخرى أوسع وأضيق مما كانت عليه في أصل اللغة، وذلك من خلال النظر في فهم الصحابة والتابعين ومن نقل عنهم.

ومن هنا قلنا إنه يجب الرجوع في باب العقائد لما كان عليه الجيل الأول؛ لأنه أقرب إلى العهد النبوي، فهم أقرب، يعني الصحابة والتابعون. لماذا نحن نقول نحن أهل السنة، أهل السنة يعني أهل الاتباع؟ لماذا نحن أهل اتباع ولسنا أهل ابتداع؟ لأننا ندرك أن الصحابة وأن التابعين لقربهم من محمد صلى الله عليه وسلم عهد الرسالة كانوا أدرى وأعلم منا بدلالة هذه الألفاظ في الشريعة. يعني هل الإنسان بعد ألف وأربعمائة سنة سيكون أدرى بدلالة هذه الألفاظ من أبي بكر الصديق وعمر وابن عباس وعبد الله بن عمر ومن الصحابة؟ لا يعقل هذا أحبتي.

فنحن أهل اتباع أمة نعود إلى ما ذهب اليه الصحابة والتابعون وما فسروه لنا من دلالة الكتاب والسنة فنقف عنده ولا نحاكم ولا نجادلهم بعقولنا. نقول: لا والله كلام ابن عباس لم يقنعني، من أنت حتى يقنعك كلام ابن عباس بعد ألف وأربعمائة سنة حينما يتكلم عن المعاني التي منحتها الشريعة للألفاظ؟ إذاً نحن أمة اتباع، هذا أمر يجب أن تضوه في عقولكم وأذهانكم من الآن. لماذا يا شيخ نحن نعود إلى الصحابة وإلى التابعين وإلى السلف الصالح؟ لأنهم كانوا أدرى بدلالات الألفاظ في الكتاب والسنة منا، فنحن ننقل ونأخذ منهم دلالتها وننقلها للأجيال اللاحقة، وليس لي أن أُعَارِض عقلي بعقلم وفهمي بفهمهم؛ لأنهم هم أدرى بالتأكيد منا. هذا هو الاتباع الحق لمنهج أهل السنة والجماعة لما كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه.

فلما كان الأمر كذلك، قلنا إنه يجب الرجوع في باب العقائد لما كان عليه الجيل الأول؛ لأنهم أقرب إلى العهد النبوي، فهم أقرب لفهم الاستعمال النبوي للألفاظ وادرى بمقاصدها من المتأخرين الذين ابتعدوا عن العهد النبوي. فكان لجهلهم بالاستعمال الشرعي واضح الأثر في، ثم يعني انظروا كيف المشاكل تترتب عبر تاريخ الأمة فشل جهل باللسان العربي وفشا الجهل بالاستعمال الشرعي للمفردات، ثم صادف ذلك أيضاً وقوع حركة الترجمة في عهد المأمون ودخول كتب الفلاسفة اليونان إلى ساحة الفكر الإسلامي. اجتمع الجهل باللسان العربي مع الفلسفة اليونانية، فهنا بدأ التصدع يزداد أكثر وأكثر في بنيان هذه الأمة، ليتحقق قول النبي صلى الله عليه وسلم بأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة.

إذاً، ومع بداية حركة الترجمة ودخول علوم الفلاسفة إلى ساحة الفكر الإسلامي، بدأ اهتمام كثير من العلماء ينصب على تحرير هذه العلوم الفلسفية وعلى إتقانها، وضعف الاهتمام بالعربية ولسانها، وضعف الاهتمام بتحرير الاستعمال الشرعي للألفاظ، فغلب البحث العقلي الفلسفي على البحث اللغوي الشرعي. فبدأت الفجوة تتسع بينهم، بين المتأخرين وبين فهم السلف الصالح وزمنهم، وبدأ الاعتماد على العقل في مباحث الاعتقاد يطغى على جانب الاهتمام بتحرير أقوال الصحابة والتابعين.

أمر ملحوظ في كتب أهل الكلام، عودوا إلى كتب أهل الكلام وانظروا، فإنكم لن تجدوا عندهم نقولاً عن فهم الصحابة والتابعين للألفاظ الشرعية إلا النزر اليسير على سبيل الاستئناس، وإلا فكتب الاعتقاد عندهم مبنية على العقول. وبدأ الاعتماد على العقل في مباحث الاعتقاد يطغى على جانب الاهتمام بتحرير أقوال الصحابة والتابعين.

ولك أن تتصور حينما يترك العقل ليحدد عقيدته، انظر إلى ماذا سيؤول الأمر! حينما نترك المجال للعقول لترسم هي معالم الاعتقاد من دون أن نعود إلى ما نقل عن محمد صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين. ولك أن تتصور حينما يترك الأمر إلى العقل ليحدد عقيدته، إلى ماذا ستؤول الأمور من الاختلاف والتفرق؛ لأن العقول أحبتي ليست شيئاً واحداً، وما يعقله فلان المعتزلي ليس هو ما يعقله فلان الأشعري، وما يعقله الأشعري ليس هو ما يعتقده المشبه، وما يعتقده المشبه ليس وما يعتقده الجهمي. فهناك العقول مختلفة، فلا يوجد عندنا عقل معياري مقياس نعود إليه في تحديد ما هو الاعتقاد الصحيح والاعتقاد الخاطئ. عقل من نتبع؟ هل أتبع عقل المعتزلة، عقل عبد الجبار مثلاً؟ أو أتبع عقل الرازي؟ أم أتبع عقل محمد بن كرام أو عقل الجهم بن صفوان؟ هل هناك عقل وضعه الله عز وجل معياراً للناس؟ هل هناك عقل معياري؟

لا يوجد عقول معيارية. فلان يفهم النص بطريقة وهذا يفهمه بطريقة، فلذلك كان علينا أن نعود إلى ما ثبت نقله عن الصحابة والتابعين؛ لأنهم أخذوا من المنبع الأصيل من الوحي، والوحي هو المعيار. لذلك قلنا إن أهل السنة والجماعة يقدمون الوحي على العقل، والعقل إنما يدور في فلك الوحي. الوحي نعم معيار معصوم لا يمكن الخطأ عليه فيجوز ويمكن أن يتعلق الناس جميعاً به، وأما العقول فلا يوجد عندنا عقل معياري نحاكم الناس إليه. لا تستطيع أن تحاكمني لا إلى عقل الغزالي ولا حتى إلى عقل ابن تيمية ولا حتى إلى عقل من بعده ولا من قبلهم، هذه عقول تفهم، نحن نريد أن نتحاكم إلى شيء معياري واضح، ليس العقول وإنما هو الوحي.

ولك أن تتصور حينما يترك الأمر إلى العقل ليحدد عقيدته إلى ماذا ستؤول الأمور من الاختلاف والتفرق؟ لأن العقول ليست شيئاً واحداً وما يعقله فلان يخالفه فيه فلان. فنشأت الفرق وظهرت البدع وبدأ الجدل الكلامي يطغى على المباحث العقدية. ولربما قلت: هذا الجدل كان له أثر جيد في مناقشة الفلاسفة وفي نقد شبههم، يعني بعض الناس قد يقول: هذا الجدل الكلامي الذي أثاره علماء الكلام ألم يكن له فائدة في مثلاً مواجهة الفلاسفة الذين انتسبوا للإسلام كابن سينا والفارابي وغيرهم؟ ألم يهدموا معاقلهم ويردوا عليهم ويردوا على المنهج الفلسفي عموماً في نقده للدين؟ فلإذاً لماذا يا شيخ أنت تحارب المنهج الجدلي الذي يسلكه علماء الكلام؟

أقول أحبتي: أنا في الحقيقة لا أقول إن علماء الكلام ليس لهم أثر طيب في مجادلة الفلاسفة، مجادلة ابن سينا والفارابي وغيرهم ممن انتسبوا للإسلام لكنهم خرجوا منه بسبب اعتناقهم للفكر الفلسفي، وهو فكر مباين تماماً للمنهج المحمدي وللإسلام العظيم. فعلماء الكلام -أنا ذكرت في محاضرة سابقة- كانت لهم جهود طيبة في مواجهة هذه الأفكار المنحرفة عن الإسلام. لكن ماذا أقول؟ لكن ينبغي أن يُعلم أن من فتنة المعتزلة، إذاً المعتزلة كعبد الجبار المعتزلة وغيره من رؤوس المعتزلة كان لهم أثر طيب في مواجهة الفلاسفة المنتسبين للإسلام أو المحاربين للإسلام، المهم ناقشوا ودحضوا عليهم كثير من الشبه.

لكن ماذا نقول؟ ينبغي أن يُعلم أن من فتنة المعتزلة أنهم وجدوا أثر كلامهم في مناقشة الفلاسفة فزادهم هذا إصراراً على اعتقادهم، وكذلك الأشاعرة الذين جادلوا الفلاسفة وجادلوا المعتزلة؛ لأن الأشاعرة كانوا حرباً عبر التاريخ ضد المعتزلة، يحاولون أن يفندوا تصوراتهم ويحاربوه. أصلاً أبو الحسن الأشعري رحمة الله تعالى عليه كان في بادئ أمره مع المعتزلة، عاش أربعين عاماً معهم وتعلم على أيديهم، ثم بعد ذلك خالفهم وخرج على طريقتهم وبدأ يواجه المنهج المعتزلي. ثم نشأت الفرقة الأشعرية التي ترد على المعتزلة أشد الرد وتحارب فكرهم أشد المحاربة، فالأشاعرة أيضاً استطاعوا أن يجابهوا المعتزلة في كثير من الانحرافات ويفسدوا عليهم عقائدهم، فوجدوا أثر عقيدتهم في مناقشتهم المعتزلة.

شبههم، فزادهم هذا إصراراً على اعتقادهم. وكلا الفرقتين، المعتزلة والأشاعرة وغيرها من الفرق، أبصروا أثر الغنم ولم يبصروا أثر الغرم. ما معنى هذا الكلام يا شيخ؟ يعني شوي ضيعتنا.

الآن أحبتي المعتزلة الآن يسلكون طرقاً عقلية في تقرير مسائل الاعتقاد، استخدموا طرائقهم العقلية المتعمقة في دحض شبه الفلاسفة، وكان لهم أثر طيب فعلاً يشكرون عليه. لكن للاسف ماذا وقع؟ أنهم لما رأوا أن طريقتهم العقلية المتعمقة نجحت في إفساد شبه الفلاسفة وشبه الملحدين، ازدادوا ثقة بطرائقهم في الاعتقاد.

وهذا الخطأ، كونك نجحت في بيان عوار شبهة أو الرد على المتفلسفة وعلى الملحدين، لا يعني هذا أنك أنت تسير على المنهج الصحيح في الاعتقاد، لا، لا تلازم بين هذا وهذا. فالمعتزلة كما قلنا حينما نظروا أن طريقتهم في الاعتقاد نجحت في إبطال شبه الفلاسفة والملحدين، تزداد ثقة بهذه الطريقة وبهذا المنهج، مع أنه في الواقع لم يكن منهجاً يسير على الطرق، الطريقة الصحيحة في البناء العقدي.

والأشاعرة لما ردوا على المعتزلة وردوا أيضاً على الفلاسفة مع ابن سينا، الغزالي عفواً رحمة الله تعالى عليه في تهافت الفلاسفة، رد على ابن سينا وعلى غيره من الفلاسفة، وكذلك هناك ردود من الأشاعرة بكثيرة على المنهج الاعتزالي. فالأشاعرة لما استخدموا طريقتهم الكلامية في الرد على المعتزلة وفي الرد على الفلاسفة، ووجدوا أثرها ووجدوا لها نجاحاً في هذا الميدان، اعتقدوا أن مسلكهم في الاعتقاد وفي بناء العقائد هو المسلك الصحيح، وهذا أيضاً خطأ.

فكلا الطائفتين المعتزلة والأشاعرة لاحظوا أثر الغنم، يعني لاحظوا الفائدة في طرقهم، لكنهم لم يلاحظوا الغرم، أي لم الخطأ أيضاً. هم لاحظوا فائدة الطرق الكلامية في المنافحة ورد الشبهات، لكنهم لم يلاحظوا خطأ هذه الطرق في بناء العقائد.

أعيد الفكرة هاي مرة أخيرة: الفرق المتكلمة عموماً أشاعرة، ماتريدية، معتزلة، كل من سلك مسلك الكلام بغض النظر عنه، لاحظوا أن طرقهم الكلامية لها فوائد في بعض الميادين، خاصة في كان الدفاع العقدي. لاحظوا هذا الأثر فظنوا أنهم يسيرون على الطريقة الصحيحة في بناء الاعتقاد، وهنا أخطأوا، فهم لاحظوا الفائدة لكن لم يلاحظوا الخطأ الذي سلكوه. لذلك نقول لاحظوا الغنم ولم يلاحظوا الغرم، فكان عليهم أن ينتبهوا أنه استعمالكم لهذه الطرق الكلامية في الدفاع عن العقيدة لا يعني أن هذه الطرق هي التي يجب أن تبنى بها العقيدة، فمقام الدفاع يختلف عن مقام البناء.

طيب، وكلاهما أبصر أثر الغنم ولم يبصر أثر الغرم، فإن دحضك لشبهة فاسدة لا يعني بالضرورة أن ما تعتقده هو الصحيح، لكن ظهر لك فساد قول غيرك ولم يظهر لك فساد قولك. يعني أنت حينما استخدمت طريقتك في الرد على الفلاسفة ونجحت فعلاً في إبطال قولهم، أنت الذي ظهر لك فساد قول الفلاسفة ظهر هذا، لكن لم يظهر لك فساد قولك أنت أيضاً فيما خالفت به.

يعني أنت صحيح رديت على الفلاسفة إنكار وجود صانع تمام، ورديت على بعضهم الشبهات في تصوير الله سبحانه وتعالى تمام، لكنك في النهاية أيضاً لم تراجع نفسك، فلعلك أنت أيضاً تسلك مسالك خاطئة في الاعتقاد. لكن للاسف كما قلنا حينما لاحظوا النجاح الذي حققوه في الرد على الفلاسفة وعلى غيرهم، زادهم هذا ثقة بطرائقهم، زادهم هذا ثقة بطرائقهم.

ولو أنهم عادوا فنظروا بنظر الواعي، لأدركوا أن هذه الطرائق التي سلكوها وإن صلحت في باب الدفاع لكنها لا تصلح أبداً في باب البناء العقدي، وكان ينبغي عليهم أن يعرفوا أن العقول إنما تصلح في باب الجدل العقدي، يعني التكلف في العقول وفي طرح المسائل العقدية إنما يكون في باب الدفاع وفي باب طرح الشبهات، فإن الشبه تحتمل الغوص في مزالقها العقدية العقلية.

لكن حينما تكون في مقام بناء عقيدة، فعليك أن تعود إلى منبعها الذي صدرت منه، أن تعود إلى ما نقله الصحابة والتابعون، وليس لك لأنك نجحت في إبطال شبهة شخص أن تتجاسر بعقلك على فهم الصحابة والتابعين، وأن تظن بما أنني استطعت أن أرد على الفلاسفة وعلى المعتزلة إذاً أنا أقدر على أن أفهم هذه النصوص وأن أحللها من السابقين.

هنا يأتي الاختلاط وهنا يطلب بالانسان التوفيق من الله سبحانه. فعلا في هذه المزالق يطلب الإنسان التوفيق، هو الإنسان دائماً يطلب التوفيق من الله، لكن هنا في هذه النقاط تزداد الحاجة إلى التوفيق، وأن يلهمك الله عز وجل أن تكون متزناً معتدلاً في نظرتك لنفسك وفي نظرتك لنجاحك الذي حققته، فكوني استطعت أن أفشل شبهة شخص وأن أَبين فسادها هذا لا يعني أني أنا أسلك الطريق الصحيح.

إذا أردت أن أعرف أين الطريق وما هو الطريق الصحيح، علي أن أعود إلى المنبع الأصيل، علي أن أعود إلى المنبع الأصيل. إذا حاولت في هذه القاعدة الرابعة أن أبين أثر باللسان العربي وبالاستعمال الشرعي للمفردات اللغوية على نشوء الفرق البدعية المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة، وكيف أن الجهل باللسان العربي اعتضد بطغيان الفكر العقلي على الطوائف الإسلامية، فكان هذا السبب في ازدياد الفجوة بين الفرق.

القاعدة الخامسة: قاعدة توثيق الصحيح في نسبة العقائد يساعد على الوصول إلى الحقيقة، هذه القاعدة الخامسة أتركها بإذن الله لمجلس آخر.

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم، رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. ونلقاكم في مجلس آخر من مجالس غراس العلم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.