بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمدُه سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين؛ نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح لمعة الاعتقاد للإمام الموفق دين ابن قدامة المقدسي رحمة الله تعالى عليه. وما زلنا نسير في القواعد التي سطرناها في بيان منهج أهل السنة والجماعة في بناء مسائل الاعتقاد، فتكلمنا عن أهمية التأصيل العقدي في الوصول إلى النتائج الصحيحة. وتكلمنا في القاعدة الثانية عن مصادر الاستدلال المقبولة والمردودة عند أهل السنة والجماعة في البناء العقدي، ثم تكلمنا في القاعدة الثالثة عن الهدف من إقامة الدرس العقدي. وتكلمنا في القاعدة الرابعة عن أهمية اللغة الاستعمال الشرعي للألفاظ العربية للوقاية من الانحراف بإذن الله.
واليوم بإذن الله أختم بالقاعدة الخامسة. أختم حديثي عن القواعد العامة في البناء العقدي عند أهل السنة والجماعة بهذه القاعدة الخامسة التي تتحدث عن موضوع مهم وخطير في حياة طالب العلم وفي حياة طالب العقيدة خصوصاً. هذا موضوع يتعلق أحبتي بمسألة التوثيق العقدي للأقوال، أهمية التوثيق العقدي الصحيح للأقوال، حينما تنسب قولاً إلى شيخ وإمام أو فرقة أو طائفة، يجب أن تتوثق من صحة نسبة هذا القول إليه حتى يكون بناؤك العقدي صحيحاً، وحتى تكون نسبتك للأقوال للفرق والجماعات صحيحة في نفس الوقت. فلذلك دعونا يا أحبتي نتعرف على معالم التوثيق العقدي وعلى الخطوات التي ينبغي أن يسلكها طالب العلم في توثيق نسبة الأقوال والمذاهب للشيوخ والفرق والطوائف.
فأقول في القاعدة الخامسة: التوثيق الصحيح في نسبة العقائد يساعد على الوصول إلى الحقيقة. القاعدة الخامسة تقول: التوثيق الصحيح في نسبة العقائد يساعد على الوصول إلى الحقيقة. من أكبر العوائق التي تحول دون وصول طالب العلم إلى نتيجة واضحة يطمئن لها فؤادُه في تحديد عقائد كثير من الأئمة والفرق والطوائف، هو عدم التوثيق الجيد لأقوال أهل العلم، والنسبة غير الدقيقة لهم، وتحميل كلامهم ما لا يحتمل، وإلزامهم بلوازم لا يقولون بها، وجعلها صريح مذهبهم. إذاً؛ كثير من الطلبة يقول لك: يا شيخ أنا عندي مشكلة في بيان ما هو منهج أهل السنة والجماعة في الاعتقاد؟ وما هي عقيدة الأئمة الأربعة مالك وأحمد والشافعي وأبي حنيفة؟ ما هي عقيدة السلف الصالح؟ اختلطت عندي الأمور؛ هذه الطائفة تنسب إليها العقيدة الفلانية، والطائفة الأخرى تنسب إليهم تلك العقيدة، أريد يا شيخ أن تضع لي حلاً لهذا الاضطراب الذي أحياه في حياتي، أريد أن أعرف حقاً كيف كان منهج محمد صلى الله عليه وسلم ومنهج أصحابه في مسائل الاعتقاد؟ هذا الذي أريد أن أصل إليه.
أظن أننا متفقون جميعاً على أننا نريد أن نعرف ما هي عقيدة محمد صلى الله عليه وسلم التي علمها لأصحابه واعتنقها أصحابه ونقلوها إلى التابعين؟ هذه هي العقيدة التي نستهدفها جميعاً مهما اختلفنا في مسائل الاعتقاد. أما إذا كان الشخص لا يريد أن يعرف ما هي عقيدة محمد صلى الله عليه وسلم، أو كان والعياذ بالله يظن أن الصحابة لم يكونوا على الاعتقاد الصحيح، فهذا حوارنا ليس معهم، حوارنا بشكل آخر. لكن الآن أتكلم عن كل مسلم موحد نحسن به الظن أنه يريد أن يتوثق؛ ما هي عقيدة محمد صلى الله عليه وسلم؟ ما هي العقيدة التي نقلها للصحابة ونقلها الصحابة للتابعين، والتي نختصرها بقولنا: عقيدة السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم؟ لأن كل طائفة عموماً تدعي أن عقيدتها التي تتبناها تنتمي إلى عقيدة السلف الصالح، وما يعتقدونه هو اعتقاد محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه. فنريد أن نتوثق يا شيخ من هذه النسبة ومن هذا الارتباط بين العقيدة التي تؤصلها أنت لنا مع عقيدة محمد صلى الله عليه وسلم وعقيدة السلف الصالح.
فأقول أحبتي: لابد إذاً من أن نحكم منهجية التوثيق العقدي للأقوال والمسائل التي تنسب إلى ذاك الجيل. وكثير من الإشكاليات التي تطرأ على ذهن الطلبة سببه أن الطلب لا يهتمون بهذه القضية المنهجية ولا يتقنونها؛ كيف تعرف أن هذا القول نسبته صحيحة إلى العالم الفلاني أو إلى الإمام الفلاني، إلى الشافعي أو أبي حنيفة أو أحمد أو مالك أو سفيان بن عيينة أو سفيان الثوري إلى أئمة السلف؟ كيف نقوم بمنهجية صحيحة في التوثيق العقدي؟ هنا الإشكالية الكبرى. فلذلك قلت لكم: من أكبر العوائق التي دون وصول طالب العلم إلى إراك ما هي عقيدة السلف الصالح بشكل جلي وواضح، هو عدم التوثيق الجيد لأقوال أهل العلم والنسبة غير الدقيقة، هناك من ينسب نسبة فيها مجازفة إلى الأئمة الكبار، وكذلك تحميل كلامهم ما لا يحتمل، وإلزامهم بلوازم هم لا يقولون بها.
بل إن تاريخ الفرق والطوائف مليء أحبتي بالأقوال غير المسندة، والتي لا يوجد برهان يثبت نسبتها إليهم، حتى تحول كثير من هذه المزاعم مع مرور الوقت للأسف إلى حقائق مسلمة لا تقبل النقاش ولا النظر، مع أننا لو أعدنا النظر جيداً لربما نقف على ما يبطل هذا القول من أصله ويثبت عدم دقة نسبته. كثير من الفرق أحبتي نسبت إليها أقوال هي لا تقول بها، حتى الطوائف المباينة لمنهج أهل السنة والجماعة، حتى الطوائف الكلامية كثيراً ما ينسب إليهم أقوال هم لا يقولون بها، وللاسف مع كثرة تكرارها ونسبتها إليهم أصبحت كأنها حقائق لا تقبل النقاش؛ أن هذه الطائفة الفلانية تقول بهذه العقيدة. أيه ده؟ لكن لو عدنا وتفحصنا أقوال أئمة هذه الطوائف، لو وجدنا أن بعض هذه الاقوال التي تنسب إليهم ليست دقيقة، وإنما هي من تحامل الطوائف والفرق الأخرى عليها.
فنحن أحبتي؛ مسألة التوثيق العقدي أهميتها ليس فقط أن نعرف ما هي عقيدة السلف الصالح فقط، بل أهميتها أيضاً أن نكون منصفين في التعامل مع المخالفين، وألا ننسب إلى الفرق والطوائف أقوالاً لم يقولوا بها. فهذه وظيفتنا وأهمية التوثيق العقدي بشكل عام. فالتوثيق العقدي باب خطير جداً، ليس فقط لبناء العقيدة الصحيحة لديك، بل حتى في نسبتك للأقوال للطوائف والفرق، حتى لا تقع في الحيف عليهم والظلم، والله سبحانه وتعالى لا يحب الظالمين.
الآن ربما تقول يا شيخ: طيب، ما هي الدواعي التي تبعث الإنسان لأن ينسب إلى طائفة أو إلى شيخ أو إلى طريقة قولاهم لا يقولون به؟ أعيد السؤال: ما هي الدواعي والبواعث التي قد تبعث بعض الناس إلى أن ينسبوا إلى فرق وإلى طوائف وإلى شيوخ أقوالاً لا يقولون بها؟ ما هي هذه الدواعي؟
أقول: الدواعي الباعثة على هذه العجلة في نسبة الأقوال للفرق والطوائف؛ إما أن تكون حقداً دفيناً على شيخ أو على طائفة. بعض الناس نشأ في بيئة، هذه البيئة عبأته ذهنياً وروحياً وعاطفياً أن يحقد على طائفة أخرى حقداً أعمى؛ بيئة نشأ فيها عبأته ذهنياً وفكرياً وعاطفياً أن يحقد على شيخ أو على طائفة أو على فرقة، فتجد هذا الشخص يسارع ويتعجل في نسبة الاقوال إلى هذه الفرقة المخالفة له أو إلى هذا الشيخ المخالف له، نصرة لطريقته ولشيوخه. فاذاً، الحقد الدفين الذي يتربى عليه بعض الناس في بيئات غير طاهرة وغير نقية تجعلهم يتعجلون في هذا النسب.
ثانياً: الجهل المطبق وضعف الاطلاع، هذا سبب آخر يدعو إلى النسبة الخاطئة. قد تكون أنت إنسان جيد، ما عندك حقد وتتعامل مع العلم بإنصاف، لكنك إنسان عندك جهل بأسس العلم وأسس الفهم، وعندك ضعف في الاطلاع على أقوال المخالفين لك، فتستعجل في نسبة الأقوال إليهم. فالجهل وعدم الاطلاع الجيد والقراءة الموسعة أيضاً تسبب عجلة بنسبة الأقوال إلى الفرق والطوائف والشيوخ بشكل خاطئ.
أيضاً الداعي الثالث: الرغبة في تكثير السواد عند بعض الفرق. بعض الفرق أحبتي تحاول أن تتبنى بعض علماء السلف، وتحاول أن تجذبهم إلى صفهم حتى يكثروا سوادهم، مثل الإمام الحسن البصري رحمة الله عليه أحد كبار التابعين. الحسن البصري عدة طوائف حاولت أن تتبناه وأن تنسبه إليها؛ فالصوفية حاولت أن تنسبه إليه، المعتزلة حاولت أن تنسبه إليه، الشيعة الروافض حاولوا أن ينسبوه إليه. فالحسن البصري تجاذبته أكثر من فرقة، وهو بسبب المدينة التي عاش فيها في العراق، وأنه جلس مع أكثر من طائفة؛ هناك بعض الحوادث الغامضة في حياته جعلت كثير من الطوائف يستطيع أن يحاول نسبته إليه. يعني لماذا الحسن البصري دون غيره؟ كما قلنا: لأن الحسن البصري طبيعة الحياة التي عاشها هو حجم الفرق التي جلس معها، وجلوس كثير من أهل البدع معه في مجلسه العلمي جعل كثير من الطوائف تجد مدخلاً إليه حتى تنسبه إليها. فهذه الإشكالية التي كانت في حياة الإمام الحسن البصري وإلا فهو من أئمة أهل السنة والجماعة.
إذاً؛ كما حدث مع الحسن البصري حيث تجاذبته المعتزلة والصوفية والشيعة، كل يحاول نسبته إليه وأن يضمه إلى صفه، فبالتالي يستعجلون ويجازفون في نسبة الأقوال إليه. فتجد المعتزلة تنسب أقوالها إلى الحسن البصري، وتجد مثلاً المتصوفة ينسبون طرائقهم إلى الحسن البصري، وتجد الشيعة أيضاً ينسبون أقوالاً إلى الحسن البصري والحسن البصري منها براء. فهذا أيضاً باعث يدعو إلى العجلة في النسبة وإلى المجازفة في نسبة الأقوال، أن بعض الطوائف ترغب في جذب بعض الأئمة الكبار اليها حتى يرتفع شأنها؛ يعني أنت عندما تقول والله الحسن البصري كان شيعياً، هذا يرفع من قدر الشيعة؛ لأنه الحسن البصري إمام من أئمة الدنيا. أو قالت المعتزلة: والله الحسن البصري كان على طريقتنا، هذا يرفع من قدرهم. فلذلك كانت الطوائف بشكل عام تحاول أن تستقطب بعض الأسماء الكبرى وتجعلها في صفها من خلال نسبة أقوال إليها لم يقولوا بها.
كذلك مثلاً ممن ظلموا في التاريخ الإمام ابن قتيبة رحمة الله تعالى عليه، الأديب والعالم المشهور، وضع على لسانه -تصوروا كيف كذب على لسانه- وضع على لسانه كتاب الإمامة والسياسة؛ هذا كتاب مليء بالطعن في الصحابة الكرام، نسب ووضع على لسان ابن قتيبة. وهذه أيضاً من المجازفات الخطيرة، مما جعل بعض الناس يظن أن ابن قتيبة كان رافضياً حاقداً على الصحابة، لكن الواقع يشهد أن هذا الإامم ليس له أي علاقة بهذا الكتاب لا من قريب ولا من بعيد، وهو إمام فاضل متبع مجل للصحابة الكرام.
كذلك ممن ظلم في التاريخ وفي نسبة الأقوال إليه، الإمام أبو حنيفة النعمان الذي نسبت إليه أقوال موافقة للمعتزلة في أنه يقوم بنفي رؤية الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، وأنه يقول بخلق القرآن، وكذلك الماتريدية الماتريدية تدعيه شيخاً لها وتقول إن الإامم أبا حنيفة كان على طريقتها وتنسب إليه أقوالها.
كذلك ممن ظلم في التاريخ الإمام أبو الحسن الأشعري رحمة الله تعالى عليه؛ هذا الإمام الكبير لم يخلو ممن افترى عليه ونحله أقوالاً لم يقل بها مطلقاً أو تراجع عنها. هناك أناس ينسبون إليه أقوالاً هو لم يقل بها، وهناك أقوام ينسبون إليه أقوالاً هو تراجع عنها. إذاً؛ أبو الحسن الأشعري رحمة الله عليه لم يخلو ممن افترى عليه ونحله أقوالاً لم يقل بها مطلقاً، ويدعون أن ما رجع إليه في آخر حياته... الآن هناك كثير من الطوائف وهم الأشاعرة المعاصرون، يدعون أن ما رجع إليه أبو الحسن الأشعري رحمة الله عليه في كتابه؛ كتاب مشهور وكتابه مقالات الإسلاميين، هذان كتابان كتبهما أبو الحسن الأشعري في آخر عمره. الأشاعرة المعاصرون كثير منهم يقول: إن ما كتبه أو ما رجع إليه أبو الحسن الأشعري في آخر حياته في كتابه الإبانة وفي كتابه مقالات الإسلاميين لا تعبر عن حقيقة مذهبه، وإنما هو من وضع خصومه على لسانه.
كثير من الأشاعرة المتأخرين اليوم الذين ينسبون أنفسهم إلى أبي الحسن الأشعري لا يقرون بنسبة كتاب الإبانة ومقالات الإسلاميين إليه، وبعضهم تحت قهر الواقع -لانه لا يمكن أن تنفي كتاب الإبانة وكتاب مقالات الإسلاميين لأبي الحسن، كتاب عبر التاريخ ينسب إلى هذا الإمام- لكنهم طبعا إيش اشكاليتهم مع هذين الكتابين؟ يعني الأشاعرة المعاصرون ما مشكلتهم مع كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري ومع كتاب مقالات الإسلاميين؟ في بين الكتابين؛ الإمام أبو الحسن الأشعري عاد إلى مقولة السلف الصالح في الاعتقاد في الجملة. في هذين الكتابين أبو الحسن الأشعري رحمة الله عليه عاد ليقول بعقيدة السلف الصالح في الجملة، ليس في كل التفاصيل ولكن في الجملة عاد إلى عقيدة السلف الصالح، كما سننقل عنه إن شاء الله بعد قليل، وقال إنه يسير على عقيدة إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل.
فكثير من الأشاعرة المعاصرين يشعرون بالورطة في هذا الكتاب، فيحاولون إما أن ينفوا نسبة هذا الكتاب إلى أبي الحسن، هذه طريقة البعض. والبعض يقول: إن النسخة المشهورة المتداولة ل هذا الكتاب في وقتنا الحاضر نسخة مكذوبة على لسانه وضعها المزورون. ويقصدون أهل السنة والجماعة، يقصدون علماء أهل السنة والجماعة هم الذين وضعوا هذه النسخة على لسان أبي الحسن الأشعري. وفي الحقيقة علماء أهل السنة ليسوا بحاجة أن يضعوا كتاباً على لسان أبي الحسن الأشعري والله! لكن في الحق هم هؤلاء الأشاعرة المعاصرون إما أن ينفوا نسبة هذا الكتاب إلى أبي الحسن، وبعضهم يدعي أن هناك تلاعب بالنسخ المعاصرة، وأن علماء أهل السنة تتلاعب بهذه الكتب ليجذبوا أبا الحسن الأشعري إلى طريقتهم. وعلينا أن نتوثق، ما عندنا مشكلة، إذا كنتم تدعون أن هناك تلاعب فدعونا نذهب إلى...
المخطوطات إلى النسخ المحققة لهذا الكتاب ونتأكد ما هي النسخ الحقيقية له؟ المهم إذا أبو الحسن الأشعري رحمة الله تعالى عليه أيضا شخصية جاذبتها الأنظار، وكما قال بعض أهل العلم عن شخصية أبي الحسن الأشعري يقول إن أبا الحسن الأشعري ابتلي بطائفتين.
أبو الحسن الأشعري ابتلي بطائفتين طائفة تحبه وطائفة تبغضه طب كيف ابتلي بالطائفة التي تحبه؟ انظروا ابتلي بطائفتين طائفة تحبه وطائفة تبغضه، وكل منهما يكذب عليه. الذين يحبونه وينتسبون إليه للأسف يكذبون عليه، سواء كذب متعمد أو كذب خطأ، والذين يبغضونه ويحاربونه أيضا يكذبون عليه، فهذا الإمام إمام مبتلى نسأل الله أن يرحمه وأن يغفر له.
ومن الشخصيات أيضا التي نالت نصيبا من التزوير في نسبة الأقوال إليها وعدم التوثق في نسبة المذاهب والمسائل عنها العلامة الشهير ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه، فقد بالغ خصوم هذا الإمام في الكذب على لسانه، وفي نسبة الأقوال إليه، ونسبوا إليه أقوالا لم يقل بها قط في حياته ولم يوجد له بها خط مكتوب، ولا قرئت له في فتوى ولا في تصنيف. بل وصل الأمر في مبغضيه إلى أن زورت عليه بعض الكتب في حياته، يعني أثناء حياته زور عليه ليس بعد مماته بل في أثناء حياته وهو موجود، زور على لسانه كتب تقول بعقائد فاسدة وهو لم يقلها قط.
إذا ووصل الأمر إلى أن زورت عليه بعض الكتب في حياته وضمنت عقائد منحرفة لا يقول بها الرجل، وكان الغرض من تزويرها سلاطين الزمان عليه ليسجنوه. قال ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه بلغني أنه زور علي كتاب إلى الأمير ركن الدين الجاشنكير أستاذ دار السلطان، ويتضمن هذا الكتاب ذكر عقيدة منحرفة، ولم أعلم بحقيقته لكن علمت أنه مكذوب.
يعني الرجل يقول لكم أنا إنسان كذب علي في حياتي ونسبت إلي أقوال أنا لم أقل بها، وكان خصمه الشهير القاضي ابن مخلوف، هذا القاضي ابن مخلوف كان خصما تاريخيا للإمام ابن تيمية رحمة الله عليه، وكان يسعى دائما لسجنه ويحرض السلاطين عليه. وكان خصمه القاضي ابن مخلوف يشيع عنه أقوالا لا يقول بها عاقل فضلا أن يقول بها عالم كابن تيمية، وهكذا القلوب أحبتي حينما تمتلئ بالحقد والغيظ على رجل من أهل العلم فإنها تسعى لإسقاطه بأي شكل كان، حتى لو وصل الأمر إلى الكذب عليه.
بل الناظر في حال أمتنا اليوم يجد هذه المجازفات بالنسب كثيرة لا تنتهي، كل فرقة وطائفة تنسب لغيرها من الطوائف من الأقوال ما ليس بقولها من دون تثبت ولا احتياط، بل تكتفي بالشائعات وما تتداوله وسائل التواصل الاجتماعي الفيسبوك وتويتر والواتساب، للأسف عند كثير من الناس هذا يكفي عندهم دليل في نسبة الأقوال للطوائف والفرق. انظروا الفتن التي حدثت في بلادنا المعاصرة في الشام وفي غيرها، انظروا كيف الأقوال تزور وتنسب وتهيج القلوب، ويحمل السلاح وتسفك الدماء لإشاعات وأقوال هل نسبت جزافا وسفكت الدماء الطاهرة بسببها؟ ولكن تجد الإنسان يعني انظروا للأسف المباينة.
تجد الإنسان أحبتي إذا وقف مع فرقته وطائفته ونسب إلى فرقته وطائفته قول يقول للمخالفين أئتوني بالدليل على أن هذا القول تقول به الطائفة التي أنتمي إليها، يعني إذا هذا الكلام ينسب إلى طائفتك فإنك تطلب التثبت والتوثيق وأما حينما تنسب أنت كلاما إلى غيرك فإنك لا تتثبت وتسارع وتجازف في نسبة الأقوال، وهذا كيل بمكيالين. يعني لماذا حينما يكون الأمر يتعلق بشيخك أو بطريقك فإنك تطالب بالتثبت والتدقيق، وإياكم أن تكذبوا واتقوا الله سبحانه وتعالى وإياكم من نسبة الأقوال إلى الأئمة خطأ؟ تنظير جميل، لكن هذا الشخص نفسه حينما ينسب أقوالا إلى غيره من الأئمة والطوائف يسارع في نسبة هذه الأقوال ويجازف في نسبتها من دون أن يمارس المنهج العلمي الذي يطالب هو به لطائفته.
فإياكم أن تكيلوا بمكيالين أحبتي في مسائل الاعتقاد، بل حتى في مسائل الحياة عموما، كما أنكم لا ترضون أن ينسب أحد إليكم قولا وأنتم لا تقولون به، كذلك إياكم أن تنسبوا أقوالا للمخالفين من دون أن تتثبتوا من أنهم يقولون بها، وإياكم أن تحملوهم بلوازم هم لا يقولون بها ولا يحتملونها.
طيب من الجيد هنا قبل أن أتي بخطوات التوثيق العقدي أن انقل لكم نصين لامامين جليلين متفاوتين في العصر، بينهما مسافة كبيرة في العصر وفي المدة الزمنية، وهما يصوران هذه المشكلة العلمية السائدة في باب الاعتقاد. فعلا هذه مشكلة أحبتي علمية سائدة في مسائل الاعتقاد عبر التاريخ عبر التاريخ الإسلامي ومنذ نشأة الفرق والطوائف، وهذه المشكلة سائدة؛ مشكلة عدم التوثيق العقدي في نسبة الأقوال. فعندنا نصان لإمامين كبيرين وهما يرصدان هذه الظاهرة، ظاهرة عدم التوثيق العقدي في باب العقائد، ويبينان أسبابها ودوافعها المختلفة.
النص الأول أنقله لكم من كلام الإمام أبي الحسن الأشعري رحمة الله تعالى عليه في كتابه مقالات الإسلاميين، له كتاب مشهور اسمه مقالات الإسلاميين يذكر فيه مقالات الطوائف المختلفة، وهو من آخر المصنفات التي عاد ليقرر فيها هذا الإمام عقيدة أهل السنة والجماعة في الجملة. يعني بعض التفاصيل بقي متأثرا فيها أبو الحسن الأشعري بالطرق الكلامية، لكنه في الجملة عاد إلى منهج أهل السنة والجماعة.
يقول أبو الحسن الأشعري رحمة الله عليه في هذا الكتاب يقول: رأيت الناس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات، ويصنفون في النحل والديانات وأعيد رأيت الناس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات ويصنفون في النحل والديانات ما بين مقصر فيما يحكيه، وغالط فيما يذكره من قول مخالفيه. هذا الصنف الأول: مقصر فيما يحكيه، وغالط فيما يذكره من قول مخالفه يغلط في ذكر كلام المخالفين.
ثانيا قال: وما بين متعمد للكذب في الحكاية وإرادة التشنيع على من يخالفه. هذه صورة قبيحة أن تتعمد الكذب ونسبة الأقوال الكاذبة إلى المخالفين لك.
ثالثا قال: وما بين تارك للتقصي في روايته لما يرويه من اختلاف المختلفين. يعني حينما يذكر أقوال الفرق والطوائف يقصر في ذكر القول، يذكر جزءا منه ويغفل جزءا، ولا يعطي الصورة كاملة، وهذا تقصير.
قال: وما بين من يضيف إلى قول مخالفيه ما يظن أن الحجة تلزمهم به، أن ينسبوا إلى المخالفين لوازم وأشياء المخالفون لا يلتزمونها ولا يقولون بها، ويضع هذه اللوازم ضمن أقوالهم، وهذا أيضا خطأ. لذلك قال: وليس هذا سبيل الربانيين، أو وليس هذا سبيل الربانيين ولا سبيل الفطناء المميزين. العلماء الربانيون والمميزون لا يقومون بهذه التصرفات.
أعيد النص مرة أخرى يقول أبو الحسن الأشعري وهو يرصد ظاهرة عدم التوثيق العقدي في نسبة الأقوال للفرق يقول بعد بحثه وبعد معاركته في الحياة: رأيت الناس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات ويصنفون في النحل والديانات. يعني الناس فيما يحكونه من المقالات للطوائف والفرق، وما يصنفونه في كتب الملل والنحل، أكثرهم إما مقصر فيما يحكيه وغالط فيما ينسبه لفرقة من الفرق على سبيل السهو، أو إنسان متعمد للكذب على فرقة من الفرق ليشنع عليها، أو إنسان ينقل رأي الفرقة الفلانية قاصرا غير كامل، أو إنسان يحمل الفرقة الفلانية من لوازم الأقوال ما لا تحتمل.
ثم قال: وليس هذا سبيل الربانيين ولا العلماء أو الفطناء المميزين. هذا النقل الأول، وهذا نقل يرصد لك ظاهرة تاريخية عليك كطالب علم أن تنظر إليها بعين الاعتبار، وأن تتفهمها، وأن تحاول معالجتها في واقعك المعاصر.
النص الثاني لابن تيمية، يعني أنت تتكلم عن أبي الحسن الأشعري من علماء القرن الثالث الهجري، والآن أنتقل لابن تيمية في القرن الثامن الهجري. يعني السابع والثامن الهجري مدة زمنية بينهم وما زالت المشكلة قائمة، ماذا يقول ابن تيمية رحمة الله عليه؟ يقول إن كثيرا من الناقلين ليس قصده الكذب، يعني لا يقصد الكذب ويتعمد الكذب في نسبة الأقوال إلى الفرق والطوائف، لكن المعرفة بحقيقة أقوال الناس من غير نقل ألفاظهم وسائر ما به يعرف مرادهم قد تشكل على بعض الناس ويتعذر على بعضهم.
الآن ابن تيمية يقول: كثير ممن صنفوا في الملل والنحل وممن ينسبون الأقوال إلى الفرق والطوائف هم لا يتعمدون الكذب في نسبة هذه الأقوال، لكن ما هي المشكلة؟ لماذا يقع الخطأ إذا؟ في رأي ابن تيمية يقول: المعرفة أن تعرف حقيقة أقوال المخالفين لك من دون أن تنقل ألفاظهم بحروفها ومن دون أن تعرف حقيقة مرادهم هذا يتعذر على بعض الناس ويتعسر على آخرين، هناك أناس لا يستطيعون أبدا أن يدركوا حقيقة أقوال المخالفين، وهناك أناس يمكن أن يدركوا الأقوال لكن يتعذر عليهم أن يفهموها، فابن تيمية يقول: كثير ما يقع الخطأ بسبب هذه القضية، أنك تأتي يعني تبين رأي طائفة فلانية في مسألة من مسائل الاعتقاد من استنباطك من ألفاظهم وليس بذكر الألفاظ نفسها، وأنت حينما تستنبط من ألفاظهم يمكن أن تكون فهمتهم على شكل خاطئ، يمكن أن تكون فهمتهم على شكل خاطئ.
ولذلك ابن تيمية يقول: إن تذكر أقوال الفرق والطوائف بالاستنباط والفهم منك من دون أن تنقل ألفاظهم وأن تعرف حقيقة مرادهم هذه إشكالية يقع فيها كثير من الناس. ويقول أيضا في موضع آخر يقول: الخبرة بمدلولات الألفاظ لا سيما الألفاظ العرفية التي تستخدمها كل عصر في عرف زمان. يعني هناك أقوال أحبتي تكون دلالتها في القرن الرابع تختلف عن دلالتها في القرن الخامس، ودلالتها العرفية في القرن الخامس تختلف عن دلالتها في القرن السابع أو الثامن.
فيقول ابن تيمية الخبرة بمدلولات الألفاظ، لا سيما الألفاظ العرفية التي تختلف باختلاف عرف الناس تكون وتكون في بعض الأزمنة مدحا وفي بعضها ذما، أمر شديد لا يدركه إلا قعيد بالعلم. انظروا هذه العبارة العالية، يقول: الخبرة بمدلولات الألفاظ وما تحمله هذه الألفاظ في عرف أهل زمانها، فقد تكون هذه الألفاظ في عرف القرن الثالث لفظة مدح، لكنها في عرف القرن السادس الهجري مثلا لفظة ذم، فأن تعرف مدلول هذه اللفظة في كل عصر وما تحتمله من المعاني في كل عصر هذا لا يقوى عليه إلا شخص قعيد بالعلم.
إيش يعني قعيد بالعلم؟ يعني ملازم للعلم شغوف به عاشق له، يهتم بتحرير الألفاظ ودلالتها ولا يحملها ما لا تحتمل، يعرف الفرق بين مدلول هذه اللفظة في القرن الأول أو الثاني الهجري وبين مدلولها في القرن السابع والثامن الهجري. وهذه تحتاج إلى خبرة علمية كبيرة جدا، واطلاع واسع وتضلع من أقوال أهل العلم، ويحتاج إلى حسن القصد والبحث العلمي المتجرد. فلذلك قال: هذا أمر شديد لا يدركه إلا قعيد بالعلم.
فإذا ابن تيمية يصور لنا أيضا عدة أسباب تسبب الخطأ في نسبة الأقوال للفرق والطوائف. من الأسباب التي ذكرها ابن تيمية: النص الأول يبين فيه أن من أسباب الخطأ في نسبة الأقوال للطوائف هو أنك تنقل أنك تنسب الأقوال لهذه الفرق ليس من ألفاظهم، بل من فهمك أنت لهذه الألفاظ، أنك تنسب إليهم قولا أنت فهمته من لفظهم وهم لم يصرحوا به، وأنت يمكن أن تكون فهمت هذا اللفظ بشكل خاطئ، فإذا الفهم الخاطئ لكلام المخالفين قد يسبب نسبة أقوال خاطئة إليهم.
أيضا يقول ابن تيمية: الجهل بدلالات الألفاظ، خاصة الألفاظ العرفية التي تختلف دلالتها من قرن إلى قرن، جهل كثير ممن كتب في الملل والنحل بدلالات هذه الألفاظ واختلاف عرفها من وقت إلى وقت آخر سبب أيضا خطأ في نسبة الأقوال إلى الفرق والطوائف.
فبناء على النص الذي ذكرته لكم لأبي الحسن الأشعري والنص الذي ذكرته لابن تيمية رحمة الله عليه يظهر أهمية التوثيق العقدي، فأقول ومن هنا كان التوثيق العقدي خطوة مهمة جدا لا يستغني عنها طالب العلم المنصف الباحث عن الحق. لأنه الحق تبحث عن الحق، ليس لأنه قول شيخك أو لطريقتك، لا تبحث عن الحق لأنه الحق بغض النظر مع من كان.
إذا كان من الجيد أن نذكر في مقام التأصيل لعقيدة أهل السنة والجماعة في باب الاعتقاد مجموعة من الضوابط ينبغي أن يعتني طالب العلم بها في توثيقه العقدي لأقوال الفرق والطوائف، سواء كانت هذه فرقة هو ينتمي إليها أو فرقا تخالفه. الخطوات التي سأذكرها الآن إن شاء الله في التوثيق العقدي عليك أن تتبعها مع الجميع، سواء مع الشيوخ الذين أنت تنتسب إليهم، أو مع الشيوخ والأئمة الذين تخالفهم.
فهذا منهج عام، إياك أن تكيل فيه بمكيالين ولا تطبق هذه الخطوات على شيوخك، وحينما تأتي لمخالفيك تقفز عن هذه الخطوات، هذا عيب يقبح بطالب العلم. ما هي هذه الخطوات؟ أولا كيف أتاكد من نسبة قول إلى شيخ أو إلى طائفة حتى حينما أقول أن هذا الشيخ أو هذه الطائفة تقول بهذا القول أقول ذلك وأنا مطمئن مئة بالمئة أنني لم أجازف في نسبة هذا القول إليه. الخطوات أولا: أن يكون القول المنسوب للإمام أو الطائفة مأخوذا من كتبه أو من كتبهم الثابتة عنهم، أو يكون القول المنسوب إليهم حكاه عنهم أو عن الشيخ أحد التلامذة المعروفين بملازمته والموصوفين بالصدق والأمانة والمهارة في العلم وليس خصما له أو لهذه الجماعة في الاعتقاد، ثم يصل هذا القول إلينا بسند متصل صحيح جامع لشروط القبول المعروفة عند علماء الحديث.
هذه القاعدة الأولى من أين تأخذ قول الطائفة أو قول الشيخ؟ قال: أما من كتبه الثابتة عنه؛ كتاب استفاض وتواتر نسبته إلى شيخ أو إلى طائفة، أخذ من هذا الكتاب نسبة الأقوال إليهم أو إلى الشيخ. طيب إذا لم يكن له كتب؟ وهذا كثير في عقيدة علماء السلف أنها لا توجد كتب مسطرة بأيديهم إلا القليل.
من أين تأخذ أقوالهم؟ قال: أو يكون القول المنسوب إليهم حكاه عنهم أحد التلاميذ المعروفين بملازمته لهم والموصوفين بالصدق والأمانة -عدل، ليس إنساناً يكذب أو يتجاسر- والموصوفين بالصدق والأمانة والمهارة في العلم.
وإياك أن تأخذ أقوالهم من كلام خصومهم، وليس خصماً لهم في الاعتقاد؛ ثم هذا القول الذي ينسبه التلميذ إلى شيخه أو هذا التلميذ إلى طائفته، ينبغي أن يصل إلينا بسند متصل صحيح جامع لشروط القبول. فكم من عالم من أحبتي نقلت عنه أقوال ونسبت ونسب إليه مذاهب بسند ضعيف متهالك متآكل! بعض الناس للاسف يأتي يقول: الإمام أحمد بن حنبل يقول كذا وكذا. حينما تعود إلى سند هذا الكلام إلى أحمد بن حنبل، تجد هذا السند ضعيفاً، فيه أناس لا يوثقون ولا يؤخذ بقولهم. فكيف ترتضي لنفسك أن تنسب هذه الرسالة لأحمد بن حنبل وتجعلها مذهباً له، مع أن هذه الرسالة نقلت عنه بسند ضعيف فيه من هو متهالك ومن هو متهم في دينه؟
فإذاً، هذه الخطوة الأولى: أنني آخذ قول الإمام وأخذ قول الطائفة، إما من كتبها أو من الأقوال المنسوبة إليهم بسند صحيح متصل على طريقة علماء الحديث. وإياك ثم إياك أن تأخذ قول الإمام أو قول الطائفة من كلام المخالفين لها. هذه الخطوة الأولى.
ثانياً: لابد أن يكون القول المنسوب إلى الشيخ أو إلى الطائفة قولا صريحاً واضحاً لا لبس فيه ولا يتطرق إليه الاحتمال في الفهم، ولا يكون مجتزأً من سياق معين أو منقولاً بصورة ناقصة. حينما تريد نسبة قول إلى شيخ أو إلى طائفة، هذا القول لا ينسب إليهم حتى يكون من قول عنهم نقلاً صريحاً واضحاً بيّناً كما قلنا، ولا يتطرق الاحتمال إلى فهمه. إذا كان هذا النص يحتمل عدة أفهام، فإياك أن تنسب إلى هذه الطائفة فهمك أنت لهذا النص، بل عليك أن تتأكد أن هذا هو الفهم الذي يريدونه هم، وليس الذي تريده أنت، لأن العبرة بفهمهم وبمقصدهم لا بمقصدك أنت. ولا يتطرق إليه الاحتمال في الفهم، ولا يكون هذا النص مجتزأً من سياق عام أو من قول مبتور ولم ينقل بأكمله؛ فهذه خطوة ثانية مهمة في التوثيق العقدي في نسبة الأقوال للطوائف والشيوخ.
ثالثاً: ألا يكون القول الذي تنسبه إلى الشيخ أو إلى الطائفة من إلزامات خصومهم ومناوئيهم، أو من استنباط بعض الناس عنهم؛ أن لا يكون هذا القول الذي تنسبه للشيخ أو إلى الطائفة من لوازم الأقوال وليس من صريحها. يعني تستطيعون تعتبرون الخطوة الثالثة هي تكميل الخطوة الثانية؛ لا يجوز نسبة قول إلى طائفة أو إلى شيخ بمجرد اللازم: والله يلزمكم أنكم تقولون بهذا. الآن طبعا اللازم البين الواضح الذي لا يمكن أن يتملصوا عنه هذه قضية أخرى؛ فكثير من أهل العلم يجوز أن ينسب اللازم البين الواضح إلى الطائفة أو إلى الشيخ.
لكن أتكلم عن اللوازم العامة التي ليست بينة ويمكن أن يناقش فيها، فلا يجوز أن تنسب قولاً إلى شيخ أو إلى طائفة بناء على أن والله هذا القول هو لازم قولهم وهم لم يصرحوا به، فهذا خطأ كبير في التوثيق. لذلك عبد الفتاح المغربي ماذا يقول أحد المعاصرين في كتاب له؟ يقول: كل فرقة تلزم مخالفيها نتائج قولهم وهم لم يقولوا بها. ولعل طبيعته لن يحاول أن يفسر ما هو السبب في هذه الحادثة، ويحاول أن يرصدها تاريخياً، يبين لماذا كل طائفة تحاول أن تنسب الأقوال إلى الفرق الأخرى عن طريق لوازم وليس من صريح قوالب؟ يقول: لعل طبيعة المنهج الجدلي التي ترمي إلى إفحام الخصم بكل الطرق المشروعة أو غير المشروعة أحياناً هي التي ساعدت على ذيوع الإلزام بينهم.
إذاً، هو الآن يحاول أن يفسر لماذا عبر التاريخ الإسلامي كل طائفة تحاول أن تنسب أقوالاً إلى الطوائف الأخرى باللوازم وليس من صريح أقوالها. فيقول: طبيعة الجدل العقدي الذي كان سائداً بين الفرق الكلامية، خصوصاً بين الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة وغيرها من الفرق الكلامية، طبيعة الجدل العقدي وكل شخص يريد أن ينصر طريقته الكلامية ويريد أن ينصر طائفته، سواء ينصرها بطريق مشروع أو أحياناً أو أحياناً بطريق غير مشروع، يجعلهم يحملون الفرق الأخرى من لوازم أقوالهم ما لا يحتمل. فانت تريد تنصر طائفتك وتتخذ المنهج الجدلي في نقاش المخالفين، فتحاول أن تهزم الخصم وأن تلحق به فضيحة أمام الناس في عقيدته بأي طريق تراه مناسباً؛ مشروع أو غير مشروع. طبعا هذا منهج خاطئ لا يجوز، لكن هو يرصد لك الظاهرة هذه.
الجدل العقدي الذي ظهر في القرن الرابع والخامس والسادس والسابع والثامن الهجري بين نقوى الطوائف كان في بعض الأحيان له آثار سلبية؛ أنه كل طائفة تحاول أن تنصر طريقتها مهما كان الثمن، وهذا جعلهم يجازفون في بتحميل أقوال المخالفين لهم ما لا تحتمل، وإلزامهم بلوازم لا يقولون بها. فمثلا المعتزلة حملهم كثير من مخالفيهم أنهم يقولون بقدم العالم. كثير من الطوائف والفرق المخالفة للمعتزلة والتي كانت تجادلها يقولون إن المعتزلة يقولون بقدم العالم، مع أن المعتزلة لم يقولوا بقدم العالم. طيب من أين نسب هذا القول إليهم؟ قالوا: هذا لازم قولهم؛ بأن المعدوم شيء، المعتزلة يقولون العدم شيء -ولا أُريد أن أدخلكم الآن في تفاصيل هذه المسألة، هل العدم شيء أو ليس بشيء؟ هذه مسائل تفصل إن شاء الله في مطولات الاعتقاد-.
لكن بشكل عام المعتزلة يقولون المعدوم شيء، هذا الذي قالوه، فالمخالفون لهم ألزموهم: بما أنكم تقولون المعدوم شيء، إذا هذا يعني أن العالم عندكم حتى ولما كان معدوماً كان شيئاً، إذا أنتم تقولون بقدم العالم. وكل هذه اللوازم ليست صحيحة، هم لا يقولون بها، هم يقولون بحدوث العالم ولا يقولون بقدمه، فلماذا تحملونهم ما لا يحتملون؟ نعم هل المعدوم شيء أو ليس بشيء ناقشوه في هذه المسألة التي يصرحون بها، لكن لا تنسبوا إليهم أنهم يقولون بقدم العالم بناء على أن هذا والله لازم قولهم، بل هم أنفسهم يصرحون في كتبهم بأن العالم حادث، فكيف أنا أنسب إليهم بناء على لازم قولهم أنهم يقولون بقدم العالم؟ هذا ليس النسبة الصحيحة ولا بالتحليل العلمي الدقيق.
طيب، رابعاً: ألا يكون القول المنسوب للإمام قاعدة خاصة بالائمة. إياك أن تنسب قولاً لإمام هو لم يقل به ولم يصرح به، وإنما هو قول لبعض اتباعه، وهذه كثير ما يقع الخطأ بسببها. أعيدها: ألا يكون القول -من شروط التوثيق العقدي الصحيح في نسبة الأقوال- ألا يكون القول المنسوب للإمام هو قول لبعض أتباعه ثم نسب إليه. فمثلاً بعض الحنابلة لهم آراء عقدية، هذه القضايا العقدية تنسب إلى الإمام أحمد بن حنبل، مع أن الإمام أحمد بن حنبل لم يصرح بها ولم يقل بها أبداً في حياته، وإنما هي رأي لبعض الحنابلة، وكذلك آراء تنسب إلى الشافعي وهو لم يقل بها، وإنما هي قول لبعض أتباعه. وعلى ذلك فسر.
فأقول مثلاً من الأخطاء الشائعة في هذا الباب الخلط بين الشافعية والأشعرية، ونسبة كثير من آراء أبي الحسن الأشعري في طوره المتوسط -قبل أن يعود إلى طريقة أهل السنة- تنسب كثير من آراء أبي الحسن الأشعري وآراء كبار تلاميذه إلى الإمام الشافعي، مع براءة الإمام الشافعي منها تماماً ولم يتكلم بها بحال من الأحوال. طيب ما هو هذا يعني ما سبب هذا الخطأ في نسبة أقوال أبي الحسن الأشعري وأقوال كبار تلاميذه إلى الإمام الشافعي؟ وسبب الخطأ في هذه النسبة أن أبا الحسن الأشعري وكثير من الأشاعرة المتبعين له هم في الفقه على مذهب الإمام الشافعي، فيخلطون فينسبون أقوال الاعتقاد التي هي لأبي الحسن الأشعري ولكبار تلاميذه إلى إمامهم في الفقه، وهذا خطأ تاريخي كبير.
وهذه الظاهرة تكررت أيضاً عند الحنفية، لماذا؟ لأن الإمام أبا منصور الماتريدي كان حنفياً مثلاً في الفقه، وجل اتباع أبي منصور الماتريدي كان حنفياً في مذهبه الفقهي، لذلك أكثر المدرسة الماتريدية تسير على المذهب الحنفي في الفقه، فتجد أئمة في المذهب الماتريدي في الاعتقاد ينسبون أقوالهم الاعتقادية إلى الإمام أبي حنيفة النعمان الذي يتبعونه في الفقه، مع أن الإمام أبا حنيفة النعمان بريء منها. فهذا الاختلاط والامتزاج بين المذهب الاشعري العقدي مع المذهب الشافعي الفقهي، وكذلك الامتزاج والاختلاط بين المذهب الماتريدي العقدي مع المذهب الحنفي الفقهي، جعل كثيراً من الاقوال العقدية التي تنسب لأبي الحسن الأشعري تنسب إلى الإمام الشافعي، والأقوال العقدية التي تنسب لأبي منصور الماتريدي في الاعتقاد تنسب إلى أبي حنيفة النعمان، مع أن الشافعي وأبا حنيفة النعمان بريئان منها، وهذا من الخلط التاريخي.
كذلك الإمام أحمد بن حنبل، كما إن شاء الله سنفصل -سأعقد إن شاء الله بعد هذه القاعدة باباً كاملًا في بيان ما معنى عقيدة الإمام أحمد بن حنبل؟ وما هي عقيدة الحنابلة بالتحديد؟- الإمام أحمد بن حنبل هناك إشكالية أن داخل المدرسة الحنبلية كانت هناك تيارات متعددة كما سأبين بإذن الله. داخل المدرسة الحنبلية كان هناك تيارات متعددة، كان هناك تيار يسير على طريقة الكلاميين، وتيار يسير على طريقة طغولات مشبهة، وتيار يسير على طريقة أهل السنة والجماعة وهم الأكثر بإذن الله. فهناك تيارات متعددة داخل المدرسة الحنبلية، وكل تيار من هذه التيارات يحاول أن يأخذ الإمام إلى صفه كما ذكرنا كما حدث مع الحسن البصري؛ كما قلنا الحسن البصري تجاذبته الصوفية والأشعرية والمعتزلة، كذلك الإمام أحمد بن حنبل، لأنه داخل مدرسة الحنابلة هناك تيارات متعددة نشأت ضمن ظروف تاريخية مختلفة، كل تيار يحاول أن يأخذ الإمام إلى صفه وأن يخرج آراءه العقدية على آراء الإمام أحمد، ويهدف إلى نسبة آرائه العقدية إلى الإمام، وهذا أيضاً سبب كثيراً من الخلط والدخن في بيان عقيدة الإمام أحمد بن حنبل، مما جعل قضية التوثيق العقدي الآن قضية لا مفر منها، لابد من إعادة ترتيب الأوراق من جديد والنظر للأمور بإنصاف وتجرد بعيد عن النصرة للأشياخ وللطوائف والطرق، التجرد من أجل التجرد.
وعلينا أن نفصل بين المذهب الفقهي والمذهب العقدي، هذا أمر مهم، علينا ألا نخلط بين الأشاعرة والشافعية؛ الأشعرية مدرسة عقدية والشافعية مدرسة فقهية، الماتريدية مدرسة عقدية والحنفية مدرسة فقهية، فلا يصح أن نخلط بين هذا وهذا. لكن سبحان الله، هذه أمور وقعت في التاريخ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.
طيب، خامساً من خطوات التوثيق العقدي المهمة أن يؤخذ قول الإمام -يعني حتى حينما تنسب قولاً إلى إمام معين أو إلى طائفة معينة، ماذا ينبغي أن تنتبه إلى هذه الجزئية المهمة؟- قال: أن يؤخذ قول الإمام وهو في سياق التقرير والتأصيل لهذا القول. يعني إذا نسبت قولاً إلى إمام عليك أن تأخذه من نص الإمام الذي هو في سياق التقرير والتأصيل لهذه المسألة، لا في سياق المجادلة والرد على الخصوم. لماذا؟ قال: فإنه في هذا المقام -في مقام الجدال العقدي والرد على الخصوم- لا يكون غرض الإمام أن يقرر قوله الأساس في المسألة، بل هدفه وهو يجادل أن يفسد قول خصمه، فقد يتوسع في بعض العبارات ويتسامح في بعض الإطلاقات مع أنها ليست مذهباً له، وهذه مسألة خطيرة مهمة جداً. لذلك أنا كنت أفرق سابقاً في المجالس السابقة قلت لكم: فرقوا بين باب الدفاع العقدي وبين باب البناء العقدي.
فأنا حينما أنسب قولاً إلى إمام أو إلى طائفة، علي أن أخذ هذا القول حينما يقررونه في باب البناء العقدي، لكن إذا هذا القول الذي أنسبه إليهم لا يريدونه إلا في باب الدفاع العقدي، فعلي أن أتوثق أكثر وأكثر وأن أتحرى أكثر وأكثر. لماذا؟ لأن العالم في باب الدفاع العقدي والرد على الشبهات قد يتوسع في بعض الإطلاقات وفي بعض العبارات مع أنه لا يقول بها أساساً. لكن معروف دائماً من المنهجيات العلمية التي عليكم أن تنتبهوا إليها، أن العلماء حينما يردون على المخالفين يتوسعون ما لا يتوسعون في باب البناء والتأصيل، فحينما أنسب قولاً إلى شيخ أو إلى طائفة، علي أن أنتبه أن يكون هذا القول قالوه وقرروه في مقام التأصيل والبناء وليس فقط في مقام الدفاع، لأن العلماء من طريقهم أنهم يتوسعون في باب الدفاع ما لا يتوسعون في باب البناء، فقد يتكلمون بمسائل في باب الدفاع وفي باب إبطال الشبهات مع أن هذه المسائل قد لا يتبنونها.
عموماً، أنقل لكم هنا نصاً لأبي حامد الغزالي رحمة الله تعالى عليه يؤكد هذه القضية، نص جميل جداً للإمام الغزالي رحمة الله عليه: صرح الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة -هذا كتاب رد فيه على الفلاسفة الذين ينسبون أنفسهم إلى الإسلام وأبطل به طرائقهم- الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة صرح بما يؤكد أن العلماء يتسامحون في مقام الرد والدفاع ما لا يتسامحون به في مقام التأصيل والبناء.
فمعلوم أن الغزالي كان أشعري المعتقد، لكنه قال في سياق رده على الفلاسفة وبيان أن غرضه من هذا الكتاب من كتاب تهافت الفلاسفة، ايش غرضه؟ الآن انقل لكم الكلام بحروفه، هذا كلام الغزالي: تنبيه من حسن اعتقاده في الفلاسفة وظن أن مسالكهم نقية عن التناقض ببيان وجوه تهافتهم. هذا مقصده من كتاب تهافت الفلاسفة؛ أن ينبه الناس الذين يحسنون الظن بالفلاسفة ويحسبون أن مسالكهم غير متناقضة، يريد أن يبين لهؤلاء الناس تهافت طرق الفلاسفة وأنها لا تقوم على منهاج علمي صحيح. فلن يكمل ويقول هذا الذي يهمني، يقول الغزالي: فلذلك أنا لا أدخل في الاعتراض عليهم -أي على الفلاسفة-.
إلا دخول مطالب منكر، فالزمهم تارة مذهب المعتزلة، وأخرى مذهب الكرامية -اتباع محمد بن كرام-، وطوراً بمذهب الواقفة. يعني أحياناً كأني أمارس طريقة المعتزلة في النقاش، وأحياناً أمارس وأتقنص طريقة الكرامية، وأحياناً ألبس لباس المدرسة الواقفية في الاعتقاد. قال: ولا أنتهض ذاباً عن مذهب مخصوص الآن. يعني الآن بما أني أناقش الفلاسفة الذين كفرهم الغزالي رحمة الله عليه، ليست طريقتي الآن أن أنصر مدرسة الاعتزال أو الكرامية أو الأشعرية التي أنتمي إليها؛ ليس هذا مقصدي. لا أنتهض ذاباً عن مذهب مخصوص من مذاهب المعتزلة أو الكرامية أو الواقفية أو الأشعرية، بل هنا اسمعوا الكلام العالي!
قال: بل أجعل جميع الفرق واحداً عليهم. قال الآن بما أني أرد أنا على الفلاسفة الملحدين فعلي أن آخذ كل الفرق الإسلامية، حتى الفرق التي تخالفني، ونجتمع مع بعضنا البعض، ويأزر بعضنا بعضاً في الرد على هؤلاء الملحدين. انظروا العقل حينما يخرج من إنسان عاقل فعلاً! الغزالي رجل عاقل، يقول: أنا الآن مشكلتي مع فلاسفة مع ملحدين، الآن ليست مشكلتي مع فرق إسلامية داخل الصف الإسلامي تخالفني. نعم أنا أخالف المعتزلة، أخالف الكرامية، أخالف الواقفية، لكنني الآن بما أنني أرد على المشككين في هذا الدين الطاعنين فيه -وهذه الفرق ليس مقصدها الطعن في الدين؛ المعتزلة والكرامية ليس نقطة الطعن في الدين عموماً، وإنما أخطأت الطريق- فإنا الآن في مقام الرد على الطاعنين في الدين الملحدين المشككين، فآتي بكل الفرق الإسلامية فنكون يداً واحدة على خصمنا.
قال: بل أجعل جميع الفرق ألفاً واحداً عليهم، فإن سائر الفرق إنما خالفونا في التفاصيل، أي في تفصيل مسائل الاعتقاد، بالأسماء والصفات، في القدر، وليس في الأصل الأصيل في وجود الله سبحانه وتعالى. هذا الذي يريد أن يقوله. وهؤلاء -أي الفلاسفة- يتعرضون أصول الدين، أي يتعرضون لله سبحانه وتعالى، قال: فلنتظاهر عليهم. أي فلنكن معاً يداً واحدة عليهم. هو الآن يدعو جميع الفرق الإسلامية التي يخالفها أن تكون يداً واحدة على الملحدين المشككين في هذا الدين. ثم قال المقولة الرائعة التي حفظها التاريخ له؛ قال: فعند الشدائد تذهب الأحقاد. رائعة! هذه الكلمة للعلامة الغزالي رحمة الله عليه قال: فعند الشدائد تذهب الأحقاد. كلمة عاقلة جداً، رفيعة جداً للعلامة الغزالي: عند الشدائد تذهب الأحقاد.
يعني الآن نحن في شدة نريد أن نرد على الملحدين، فما في مجال أن أنشغل بالمعتزلي والكرامي والصوفي، لا! الآن يجب أن تتحد كل الفرق يداً واحدة على مخالفينا من الملحدين. وهذا المنهج علينا أحبتي أن نتبعه في وقتنا المعاصر؛ الأمة اليوم تمر في مخاض صعب، وتكالبت عليها الأمم، وتكالبت عليها المناهج المنحرفة الخارجة عن الصف الإسلامي أصالةً، المناهج الحداثية ونهج المشككين والملحدين والعلمانية والليبرالية. فحينما نقف ضد هذه المناهج المحاربة للإسلام ولاصول الدين، علينا أن نقف صفاً واحداً جميع الجماعات والفرق الإسلامية صفاً واحداً للرد على هؤلاء. هذا لا يعني طبعا في المقابل أنني لا أبين عقيدة أهل السنة والجماعة ولا أرفع رأسي بها، ولا أرد على المخالفين داخل الصف الإسلامي. أنا سأبين طريقة أهل السنة ومعالم منهج أهل السنة، هذا ما نفعله في هذه الدورة وفي غيرها من المدارس، لكن علي أن أكون عاقلاً حينما أجد المشكلة العظمى الآن تدور مع الملحدين، ومع المشككين، ومع الليبراليين، ومع من يحاربون الشريعة المحمدية، فهنا لا أجعل حربي كبرى مع المخالفين لي من المدارس الكلامية؛ هذا سفه في إدرام مصالح الأمة العليا الآن، كليات الشريعة تهدم، الكليات العظمى يحاربونها في الإعلام وفي الجرائد، يريدون تبديل وطمس معالم الملة، وتجد بعض الناس شغله الشاغل مع مخالفيه من المدارس الكلامية؛ هذا على طريقة الشيخ فلان، وهذا على طريقة الشيخ فلان.
الآن اخي الكريم أن تبين منهج أهل السنة ما عندي مشكلة، لكن عليك أن تعي حاجة الأمة الآن، وأن نجمع الطوائف والفرق التي هي داخل الصف الإسلامي ونكون ألفاً واحداً كما قال الغزالي على الذين يطعنون بأصول الدين الكبرى. واحفظوا كلام الغزالي: عند الشدائد تذهب الأحقاد. لما نصل لثوابت الدين العليا التي نتفق عليها جميعا الفرق الاسلامية، حينما نصل لهذه الثوابت العليا يجب أن نثبت معهم صفاً واحداً، ولا نجعل العدو يدخل علينا من خلالنا. نعم، للأسف اليوم هناك تشتت في الصف، هناك بعض الفرق الإسلامية ترمي نفسها في أحضان أعداء الأمة لتنتصر على فرقة إسلامية أخرى، وهذا والله زيغ حاد عن الصواب. بعض الفرق الإسلامية التي هي داخل الصف الإسلامي عموماً تلقي بنفسها في أحضان أعداء الأمة حتى تنتصر وترتفع على فرقة إسلامية أخرى، وهذا والله بداية الهلاك لها؛ أي إنسان يرمي نفسه في حضن أعداء الدين لينتصر على أخيه المسلم الذي يخالفه في المنهج العقدي لكن هم في النهاية داخل المظلة الإسلامية، هذا والله أحبتي نهايته وخيمة، ولن يوفقه الله سبحانه وتعالى وليذلنه ولو بعد حين.
إذاً، الغزالي يوضح لنا هذه القضية؛ قضية أننا في مقام الدفاع العقدي نتعاون الفرق الإسلامية جميعاً ونرد على المخالفين فينا لنا من الملحدين والمشككين وأصحاب الشبهات. فبالتالي، إذا سمعت الغزالي في مقام معين أتى بقول يسير على طريقة المعتزلة مثلاً وهو يدافع ضد الملحدين والفلاسفة، لو رأيت له كلام قريب من كلام المعتزلة أو قريب من كلام الكرامية، فإياك أن تنسب إلى الغزالي كلام المعتزلة أو كلام الكرامية وتقول: والله الغزالي يسير على طريقة المعتزلة! هذا خطأ علمي؛ لأن الغزالي يقول لك: أنا في مقامي دفاع العقدي قد أتساهل وأتوسع وأتي بحجج من هنا وهناك لأفسد كلام الملحدين والفلاسفة.
لكن طب من أين آخذ كلام الغزالي في الاعتقاد وأنسب إليه القول؟ من كتبه التي كتبها لتأصيل الاعتقاد عنده؛ فالغزالي له كتب في الاعتقاد ذكر فيها الأقوال التي يتبناها هو في مسائل الاعتقاد، فمن هنا آخذ أقوال الغزالي وأنسب إليه. وأما الكتب التي هي في مقام الدفاع والرد على المشككين الملحدين، فهو الآن في سياق الرد، في سياق الدفاع، فقد يتوسع في إطلاق عبارات، في إطلاق مصطلحات، وهو لا يقول بها. وهذا المنهج أيضاً تفعله مع ابن تيمية وما غيره من العلماء الكبار؛ فنفس ابن تيمية رحمة الله عليه في بعض الأحيان قد يمارس هذا المنهج، قد يمارس هذا المنهج.
ففي مقام الدفاع العقدي وفي مقام المناقشة مع الروافض أو من شابههم، قد يتوسع في إطلاق عبارات ومصطلحات مع أنه في مقام التقرير والبناء العقدي قد لا يرتضيها. وهذا يحتاج كما قلنا إلى شخص قعيد بالعلم، وكما قال ابن تيمية: أن تفرق بين الكلام الذي هو في مقام الدفاع والكلام الذي هو في مقام البناء، وأن تحسن جمع كلام الأئمة وترتيب وفهم مقاصده لا يكون إلا لقعيد بالعلم ومخلص في بحثه يريد وجه الله سبحانه وتعالى.
طيب، أخيراً القاعدة الأخيرة في التوثيق العقدي، الخطوة الأخيرة أو من الخطوة السادسة؛ عليك في التوثيق العقدي أن تجمع مقالات العالم من جميع مصنفاته حول المسألة وتتفهمها بصورة متناسقة كليةً، مع التأكد من عدم رجوعه عنها في وقت لاحق، ومن عدم إلزامه إلا بما استقر عليه قوله. الخطوة الأخيرة حتى تتأكد من أنك نسبت القول بشكل صحيح إلى إمام أو إلى طائفة، عليك أن تجمع مقالات العالم التي كتبها حول هذا الموضوع من جميع المصنفات التي كتبها في هذه المسألة، وأن تحاول فهم كل هذه النصوص؛ تأتي بالنص الذي كتبه في هذا الكتاب وفي هذا الكتاب، تجمع كل هذه النصوص بين يديك، الآن تحاول أن تجمع بين هذه وتتفهمها بصورة متناسقة كلياً، لا تضرب نصاً بنص، وتتحرى أن تعمي نصاً عن نص آخر، كلا! تأخذها جميعها مع بعضها البعض وتحاول أن تتفهمها تفهماً متناسقاً ما أمكنك ذلك، مع التأكد من عدم رجوعه عنها في وقت لاحق؛ إذا رأيت نصوصاً متناقضة تماماً لا يمكن أن تجمعها مع بعضها البعض، فبالتأكيد الذي أنسبه إلى الإمام هو النص المتأخر. هل أنت في القرآن ولا يوجد ناسخ ومنسوخ؟ السنة ألا يوجد ناسخ ومنسوخ؟ كذلك في كلام العلماء من باب أولى؛ قد يكون الإمام صار على طريقة وعقدية معينة ثم بان له عواره أو فسادا، فذهب إلى مسلك آخر عقدي.
فانت إذا وجدت كلامين متناقضين أو نصين متناقضين لإمام معين لا يمكن الجمع بينهما في هذه الحالة بعد محاولة الجمع لم تستطع، تنظر ما هو النص المتأخر؟ فالنص المتأخر ينسخ النص المتقدم. إذاً، عليك أن تتأكد من عدم رجوعه عنها في وقت لاحق وعدم إلزامه إلا بما استقر عليه قوله.
من الأئمة الذين كما قلنا تجاذبتهم الأنظار، الإمام أبو الحسن الأشعري رحمة الله تعالى عليه. بسم الله، الإمام أبو الحسن الأشعري رحمة الله عليه مر في حياته في تطورات فكرية متعددة. مر في تطورات فكرية متعددة، وهنا أنقل لكم كلام ابن كثير في طبقات الشافعية وهو يذكر الأطوار الثلاثة التي مر بها أبو الحسن الأشعري. طبعا كثير من الأشاعرة اليوم ينفي وجود الطور الثالث، لكن أنقل لكم كلام كبار الأئمة، وعودوا إلى كتاب الإبانة وكتاب مقالات الإسلاميين حتى تتوثقوا من وجود الطور الثالث لأبي الحسن الأشعري رحمة الله عليه، ولعودته إلى طريقة أهل السنة والجماعة في الجملة.
ابن كثير في طبقات الشافعية يرصد لنا التطور الفكري عند الإمام أبي الحسن الأشعري رحمة الله عليه فيقول ابن كثير: ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ثلاثة أحوال؛ أولها حال الاعتزال التي رجع عنها لا محالة. أولاً: أبو الحسن الأشعري كان معتزلياً؛ لأن زوج أمه كان على طريقة الاعتزال، فنشأ أبو الحسن الأشعري نشأة اعتزالية عاش عليها أربعين عاماً، أربعين عاماً يسير على طريقة المعتزلة. طيب، ثم خرج عن طريقة المعتزلة وحاربها، ورد على شبهات الاعتزال ونافح.
الحال الثاني، الآن يقول ابن كثير: الحال الثاني له إثبات الصفات العقلية السبع وهي الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام التي يسير عليها الأشاعرة اليوم، وتأويل الصفات الأخرى كصفة الوجه واليدين والقدم إلى غيرها. إذاً الطريقة الثانية الطريقة الكلابية كما يقولونها نوعا بشكل عام، أنه صار على طريقة الكلابية، أنه أثبت الصفات السبع لله سبحانه وتعالى وباقي الصفات الواردة في النصوص الصحيحة في الكتاب والسنة تأولها بتأويلات بعيدة عن منهج أهل السنة والجماعة، وهي الطريقة التي تسير عليها الأشاعرة اليوم. هي الأشاعرة اليوم يسيرون على الطور الثاني لأبي الحسن الأشعري.
ثم قال: الحال الثالث، هذا الحال الثالث الذي ينفيه كثير من الأشاعرة اليوم، قال: إثباته أو إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه. يعني إثبات جميع الصفات لله سبحانه وتعالى على طريقة أهل السنة والجماعة عموماً، قال: جرياً على منوال السلف. إذاً ابن كثير هو الذي يقول هذا الكلام: الحال الثالث إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه جرياً على منوال السلف، وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخراً. هذا كلام ابن كثير الدمشقي، عالم كبير، في أحد ينازع في إمامة ابن كثير، أو أحد يشك في عدالته؟ ويقول لكم ابن كثير إن طريقة أبي الحسن الأشعري الأخيرة هي الطريقة التي صار فيها على منهج السلف الصالح، وهي الطريقة التي ذكرها في كتاب الإبانة.
إذاً لا يأتي أحد يقول لي والله كتاب الإبانة غير معروف نسبة لأبي الحسن الأشعري أو مكذوب على لسانه، الأئمة الكبار عبر التاريخ ينسبونه إليه، فتأتي أنت بعد ألف وأربع مئة سنة تقول لي والله هذا الكتاب غير معروف نسبة لأبي الحسن أو أنكم تدخلتم فيه يا أهل السنة ووضعتم أيديكم فيه؟ هذا كلام أحبتي لا يصدر من إنسان عاقل في العلم.
أيضاً الذهبي، الإمام الذهبي، الآن سانقل لكم نص آخر عن الإمام الذهبي في كتاب العرش له، يقول الإمام الذهبي: ولد الأشعري سنة ستين ومئتين، مئتين وستين هجري، ومات سنة أربع وعشرين وثلاثمائة بالبصرة. مات سنة ثلاثمائة وأربعة وعشرين في البصرة رحمه الله تعالى، وكان معتزلياً ثم تاب. انظروا الإمام الذهبي الآن يرصد المراحل التي مر بها أبو الحسن الأشعري. طب يا شيخ أنت لماذا تتكلم لنا عن المراحل؟ أنا أتكلم القضية الأخيرة التي ذكرتها في التوثيق العقدي: أنه إذا كان للإمام كلامين متناقضين لا يجتمعان، فأخذ بقوله المتأخر.
فبالتالي شخصية كأبي الحسن الأشعري ما أنسبه إليه الآن هو الأقوال الأخيرة التي أجدها في الإبانة، ولا أنسب إليه أقوالاً عاد عنها كما يفعل الأشاعرة اليوم. فأبو الحسن الأشعري من الشخصيات التي لها أطوار فكرية مختلفة، فأنت إذا أردت أن تنسب قولاً إليه وتقول هذه عقيدة أبي الحسن، لابد أن يكون هذا هو القول الأخير له الذي سطره في كتبه، وإياك أن تأخذ من كتبه المتقدمة، وإلا لجاز للمعتزلة أن يقولوا: أبو الحسن الأشعري معتزلي عاش معنا أربعين عاماً وكان على طريقتنا. هل يرضى هذا اتباعه اليوم؟ أتباعه الأشاعرة اليوم أن يقولوا عن أبي الحسن أنه كان معتزلياً؟ لا يرضون. طب لماذا؟ لأنه رجع عن طريقة الاعتزال ونافح ضدها.
فكذلك نقول أهل السنة والجماعة يقولون: الإمام أبو الحسن الأشعري رحمة الله عليه عاد إلى عقيدة الإمام أحمد بن حنبل، كما سيصرح وسنذكر عنه إن شاء الله بعد قليل كيف صرح أنه على عقيدة الإمام أحمد بن حنبل في آخر كتبه ومصنفاته.
المهم في الذهبي في كتاب العرش يقول ولد الأشعري سنة ستين ومئتين ومات سنة أربع وعشرين وثلاثمائة بالبصرة، وكان معتزلياً ثم تاب. هذا هو الطور الأول له. قال: ووافق الآن الطور الثاني، ووافق أصحاب الحديث في أشياء يخالفون فيها المعتزلة. يعني في طوره الثاني خرج عن الاعتزال ووافق أصحاب الحديث أهل السنة في بعض الأشياء، يعني في بعض الصفات ونفى وأول بعض الصفات.
ثم الطور الثالث قال: ثم وافق أصحاب الحديث في أكثر ما يقولونه. اه، إذاً في طور ثالث يثبته الذهبي أيضاً. فأنتم حينما تناقش ابن كثير والذهبي أنت تتكلم عن أئمة التاريخ. ابن كثير إنسان رصد التاريخ في مصنفات عظمى، وكذلك الإام الذهبي ثقة من ثقات الدنيا في نقل سير العلماء والأئمة، وإنسان منصف، يعني شخصية الذهبي رحمة الله عليه شخصية لا تتلاعب بشكل عام ومنصفة إلى حد عالٍ في الحكم على الأشخاص فيثبت وجود الطور الثالث لأبي الحسن الأشعري.
قال: ثم وافق أصحاب الحديث في أكثر ما يقولونه. قال: وهو ما ذكرناه عنه من أنه نقل إجماعهم على وأنه موافق لهم في جميع ذلك. فله ثلاثة أحوال: حال كان معتزلياً، هذا كله كلام الذهبي، وحال كان سُنياً في بعض دون بعض، وحال كان في غالب الأصول سُنياً وهو الذي علمناه من حاله. وانظروا التعبير، قال الحالة الثالثة: وحال كان في غالب الأصول سُنية.
لذلك أنا كنت دقيقاً حينما قلت إن أبا الحسن الأشعري عاد إلى طريقة أهل السنة والجماعة في أغلب المسائل، وبقيت هناك بعض الأمور الدقيقة بقي فيها متأثراً بمنهج الكلاميين، لكنه في غالب أقواله عاد إلى طريقة أهل السنة والجماعة.
أيضاً من العلماء الذين كان لهم منهجية عقائدية ثم عادوا عنها الإمام ابن عقيل الحنبلي، من أذكى الدنيا ومن أئمة السادة الحنابلة، كان ثم عاد، وكان بالطبع ابن عقيل خطيراً للاعتقاد في بداية حاله، تأثر بالاعتزال تأثراً شديداً، حتى إن ابن قدامة الحنبلي رحمة الله عليه صنف كتاب ذم التأويل للرد على ابن عقيل، ذم التأويل أو تحريم النظر في كتب الكلام، ربما خانتني الذاكرة الآن، أما ذم التأويل أو تحريم النظر في كتب الكلام في أحد هذين الكتابين صنفهما خصوصاً للرد على ابن عقيل الحنبلي.
وذكر ابن قدامة كلاماً شديداً على ابن عقيل وأنه كان منحرفاً في الاعتقاد، وأنهم استتابوه، استتابوه في العقيدة الحنبلي في مسائل الاعتقاد، أنه سَفَّه طريقة اهل السنة والجماعة في باب الاعتقاد ابتداءً وحاربها ثم بعد ذلك عاد الإمام ابن عقيل الحنبلي بالطبع استتيب في مشهد عام وتاب إلى الله سبحانه وتعالى مما كان عليه في بداية عمره، وعاد إلى طريقة أهل السنة والجماعة في الجملة في الجملة، وصنف كتاب الانتصار لأهل الحديث.
فيأتي شخص يقول والله ابن عقيل الحنبلي كان معتزلياً؟ أقول: هذا نسبة غير دقيقة. هو في مرحلة عمرية معينة تبنى المنهج الاعتزالي، بالطبع لظروف لأن شيوخه الذين نشأ على أيديهم وانظروا أثر البيئة. نشأ ابن عقيل على أيدي شيوخ معتزلة فخرج معتزلياً، وسأسرد قصة ابن عقيل بشكل أدق لما آتي إلى مدرسة الحنابلة الاعتقادية فابن عقيل نشأ في بداية عمره معتزلياً وكان ينافح عن مدارس الاعتزال ويحارب مدرسة الحديث، ثم عاد في آخر عمره وانتصر لمدرسة أهل الحديث. فبالتالي ما ينسب إليه هو آخر أقواله.
أيضاً ابن تيمية نفسه أحبتي، يعني ابن تيمية هو يقول عن نفسه إنه كان في فترة من بداية شبابه معجباً بكتب ابن عربي. ابن عربي الذي يقول عقيدة الحلول أو الاتحاد وهو من غلاة الصوفية. يقول ابن تيمية: كنا نجتمع مع الأصدقاء ونقرا هذه الكتب ونعجب بكلامه من دون أن نعرف مقاصد ابن عربي. قال: ثم بعد ما كبرت وقرأت واطلعت عرفت أن هذا الرجل كلامه خطير يخالف الملة المحمدية أساساً. فيقول ابن تيمية نفسه ينص على أنه كان معجباً بكتب ابن عربي ابن عربي الذي هو من غلاة الصوفية، ثم بان له فسادها فيما بعد.
كذلك مثلاً ابن تيمية تراجع عن بعض المسائل الاعتقادية، مثلاً مسألة الجنة التي سكنها آدم. ابن تيمية في بداية حاله كان يجزم بأنها جنة الخلد، وليس تراجع أكثر من أنه عاد اعتبر المسألة خلافية. في بداية مصنفاته كان ابن تيمية يعتبر أن الجنة التي سكنها آدم ثم هبط منها هي جنة الخلد قولا واحداً، ويرى القول الآخر أنها جنة أخرى قول مبتدع لا مكان له من النظر.
ثم بعد ذلك عاد ليقترب من الرأي الآخر. في كتابه النبوات عاد ابن تيمية ليعتبر أن المسألة والله في الحقيقة مسألة خلاف وتقبل النظر، هل فعلاً الجنة التي سكنها آدم هي جنة الخلد أم جنة أخرى خاصة لادم سكنها ثم أهبط منها؟ فعاد ليعتبر أن المسألة مسألة خلافية تقبل النقاش.
إذاً نفسه ابن تيمية له اختلافات: في بداية الأمر يعتبر مسألة جنة آدم مسألة قطعية أنها جنة الخلد والقول الآخر قول بدعي، ثم في كتاب النبوة عاد ليقرر أن هذه المسألة مسألة تقبل النقاش وليست والله المخالف فيها خالف القرآن والسنة وابتدع، عاد ليعتبرها مسألة كما قلنا تتجاذبها الأنظار.
بل حتى يعني انظروا حتى على مستوى المذهب الشيعي الرافضي هناك اختلاف عبر الزمن في أقوالهم العقدية. فمتقدمو الشيعة الاثنا عشرية كان منحاهم ابتداءً غلاة في التشبيه، يشبهون صفات الله بصفات المخلوقين. كان عندهم غلو في التشبيه لصفات الخالق بصفات المخلوقين. ثم مع مرور الوقت ومع تأثر كثير من الشيعة الاثني عشرية بالمدرسة الاعتزالية انحرفوا إلى الجهة الأخرى تماماً ونفوا صفات الله سبحانه وتعالى.
يعني كانوا على طرفي نقيض، في بداية أمرهم كانوا على طريقة غلاة المشبهة، ثم في بعد ذلك حينما ظهر فيهم الاعتزال وتأثر كثير من رؤوسهم بالمدرسة الاعتزالية، والمدرسة الاعتزالية تنفي الصفات كما سنتعلم إن شاء الله، انحرف المذهب الإثني عشري إلى نفي الصفات عن الخالق عز وجل، فالقول المتأخر لهم عند متأخريْهم وهو قول المعتزلة.
وهذا يبين لكم أحبتي أهمية الدراسة التاريخية المعمقة لأقوال الفرق والطوائف، وألا تستعجل في نسبة الأقوال، فهذه إذاً خطوات ستة ذكرتها لكم في التوثيق العقدي يجب أن تهتموا بها جيدا وأن تتحروها وأنتم تمارسون هذه العملية، عملية نسبة الأقوال للفرق والطوائف، سواء حتى تعرف ما هي العقيدة التي تدين الله عز وجل بها أو العقيدة التي يسير عليها المخالفون لك.
طيب، انتهينا هكذا أحبتي من الكلام عن القواعد العامة في بناء الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة، وكانت هي القواعد الخمس التي ذكرتها لكم. الآن سانتقل إلى مسألة أخرى وهي: ما هي عقيدة الإام أحمد بن حنبل واتباعه؟ عقيدة الإمام أحمد بن حنبل واتباعه ولربما يعني أشعر أن الوقت قد أزف وأن دخولي في هذه المسألة قد يطول، فلذلك خلاص أؤخر هذه المسألة بإذن الله إلى المحاضرة القادمة بإذن الله.
استعدوا المحاضرة القادمة محاضرة ثرية، محاضرة مهمة، مهمة جداً؛ لأننا سنطرح فيها مسألة فيها خلاف في الوقت المعاصر بين الحنابلة وبين غير الحنابلة الذين يحاولون التعرف على عقيدة الحنابلة، وهناك أخذ ورد وخاض في هذه المسألة من يدري ومن لا يدري، فإن شاء الله نحاول أن نلملم الكلام في هذا الموضوع ونعطي فائدة منظمة توضح، ولعلها تساعد في حل الإشكال. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية طريقك نحو علم شرعي راسخ
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل