تسجيل الدخول

شرح لمعة الاعتقاد (9) / ما هي عقيدة الحنابلة؟

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح لمعة الاعتقاد للشيخ إبراهيم رفيق الطويل.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي في مجلس جديد نعقده في شرح لمعة الاعتقاد للإلام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الدمشقي الصالحي رحمة الله تعالى عليه، وما زلنا أحبتي نسير في القواعد التي أصلناها لبيان عقيدة أهل السنة والجماعة، والمنطلق في التفكير العقدي عندهم. فبينا في بداية هذه الدورة قواعد خمس نعتبرها هي المنطلق في بناء العقائد وفي التفكير العقدي عند أهل السنة والجماعة. وهي طبعاً محددات عامة وضوابط عامة لا تتكلم عن مسائل محددة وإنما تتكلم عن منهجيات يجب أن تراعى وأن ينتبه إليها طالب علم الاعتقاد قبل أن يلج في تحرير مسائل هذا العلم.

فكانت القواعد خمس: تكلمنا ابتداء عن أهمية التأصيل العقدي في بناء العقائد الصحيحة، وعرفنا خطوات التأصيل التي ينبغي أن يسير عليها الطالب إذا أراد الوصول إلى الحق. ثم انتقلنا في القاعدة الثانية للحديث عن مصادر الاستدلال المقبولة في البناء العقدي عند أهل السنة ومصادر الاستدلال المردودة. ثم في القاعدة الثالثة تحدثنا عن الهدف من إقامة الدرس العقدي وهو أننا نريد من خلاله أن نعرف العقيدة التي يريد الله سبحانه وتعالى منا أن ندين بها وأن نعمل بهذه العقيدة. ثم في القاعدة الرابعة تكلمنا عن أحد أهم أسباب الانحراف عن العقيدة الحقة وهو ضعف اللغة وضعف المعرفة بالاستعمال الشرعي للألفاظ. ثم في القاعدة الخامسة التي ختمنا بها حديثنا في المجلس السابق، تكلمنا عن أهمية التوثيق العقدي لأقوال في الوصول إلى الحقيقة، سواء معرفة العقيدة الحقة التي نريد أن ندين الله بها أو ما هي الأقوال التي قال بها الأئمة والفرق والطوائف. فكانت هذه القواعد الخمس التي بنيت عليها حديثي معكم في هذه الدورة المباركة.

اليوم سأنتقل إلى موضوع جديد، هذا الموضوع يتعلق بعقيدة الإمام أحمد بن حنبل وعقيدة الحنابلة. وسبب تطرقي لهذا الموضوع في الحقيقة هناك عدة أمور: أولاً التشويش الذي حصل على عقيدة الإمام أحمد بن حنبل قديماً وحديثاً، وكثرة الأخذ والرد في بيان ما هو مذهب الحنابلة عموماً في الاعتقاد. وبيان كثرة الأخذ والرد في هذه المسألة: ما هي عقيدة الحنابلة بالضبط في الاعتقاد وفي بعض مسائل الاعتقاد كالأسماء والصفات؟ هذه المسألة أحبتي خاض فيها كثير من المعاصرين ممن يدري وممن لا يدري، وكثر فيها القول والأخذ والرد، فكان لابد أن نبين خطوطاً عامة لفهم من هو الإمام أحمد بن حنبل في الاعتقاد؟ وما هي عقيدة الحنابلة عموماً؟ وهل الحنابلة كانوا جميعاً على قلب رجل واحد في مسائل الاعتقاد أم كان هناك تيارات؟ وهل هناك مسلك خاص للحنابلة يتميز عن غيرهم من المدارس العقدية؟ هذه أمور تدور في ذهن الطالب ويحتاج إلى إجابات واضحة عنها حتى يستطيع أن يحل هذا الاشكال المعاصر ويفهم كثيراً من الأمور التي تحدث في وقته وفي واقعه من تعامل بعض الطوائف مع الحنابلة وموقف بعض الهيئات الرسمية من المدرسة الحنبليّة إلى غير ذلك، فكان لابد لي من هذه الوقفة.

خاصة أحبتي أن ابن قدامة صاحب المتن العقدي الذي ندرسه لمعة الاعتقاد هو أحد كبار الحنابلة رحمة الله عليه؛ ابن قدامة الذي إن شاء الله سنشرع في دراسة كتابه أو رسالته هو أحد كبار المدرسة الحنبليّة في الاعتقاد وفي الفروع. فإذا كان لا بد من هذه الوقفة المختصرة بإذن الله في خلال درس واحد نتكلم عن مدرسة أحمد بن حنبل ومدرسة الحنابلة عموماً في الاعتقاد ونفهم الأفكار التي حولها، فأقول مستعيناً بالله ملتجئاً إليه سائلاً إياه أن يعصمني من الزلل والخطأ.

لقد امتاز الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله تعالى عليه عن غيره من أئمة السلف رضوان الله تعالى على الجميع في باب الاعتقاد؛ بماذا امتاز؟ امتاز الإمام أحمد بن حنبل عن غيره من الأئمة كالشافعي ومالك وأبي حنيفة وسفيان الثوري وابن عيينة -أنهم جميعاً كانوا أئمة السلف- امتاز في باب الاعتقاد بأنه أصبح شعاراً لأهل السنة والجماعة في وقت ظهور الفرق والبدع، وأصبحت النسبة إلى الإمام أحمد في أصول الدين والاتباع لمسلكه اتباعاً لمسلك السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم.

ومما يشهد أحبتي على ذلك الحرص كان الأئمة الذين أتوا بعد أحمد بن حنبل حتى يظهروا ولاءهم لمنهج السلف الصالح وانتسابهم لمدرسة السلف الصالح يقولون: نحن على عقيدة أحمد بن حنبل خصوصاً دون غيره من أئمة السلف، فكثر الانتساب إليه وإلى عقيدته حتى أصبح شعاراً لمنهج أهل السنة والجماعة. ومما يشهد لذلك حرص الأئمة على الانتساب إليه في مسائل الاعتقاد والإحالة لأقواله والتصريح بأنهم على نهجه وعلى طريقته. أعطيكم الآن مجموعة من الأمثلة تؤكد هذه الفكرة:

المثال الأول: الإمام الكبير ابن جرير الطبري، ولا أظن أن أحداً يجهل ابن جرير الطبري صاحب التفسير وإمام علماء التفسير. يقول ابن جرير الطبري في رسالة له في الاعتقاد تسمى صريح السنة، يقول في ثنايا حديثه عن مسألة عقدية فرعية تسمى مسألة: هل لفظ العبد بالقرآن مخلوق أو ليس بمخلوق؟ طبعاً لا يهمنا الآن تحرير هذه المسألة، أنا أريد أن أنبهكم إلى المنهج الذي سلكه ابن جرير الطبري في حل الإشكال فيها. يقول ابن جرير الطبري معلقاً على هذه المسألة: فلا أثر فيها نعلمه -يعني هذه المسألة لا أثر فيها نعلمه عن صحابي مضى ولا عن تابعي قضى- إلا من في قوله الغناء والشفاء رحمة الله تعالى عليه ورضوانه. يقول هذه المسألة العقائدية هل لفظ العبد بالقرآن مخلوق أو ليس مخلوق؟ لا أجد فيها أثراً عن الصحابة الكرام ولم يخض فيها التابعون، وإنما وجدت قولا لمن في قوله الشفاء. من هو الذي في قوله الشفاء؟ قال: إلا من في قوله الغناء والشفاء رحمة الله عليه ورضوانه وفي اتباعه الرشد والغنى، ومن يقوم قوله لدينا مقام قول الأئمة الأولي. انظروا المرتبة التي أوصلها هذا الإمام الذي سيذكر اسمه الآن، يقوم قوله لدينا في مسائل الاعتقاد الحادثة -على من؟ طبعاً أقص بالحادثة التي لم يتكلم فيها الصحابة والتابعون- يقوم قوله فيها مقام قول الصحابة والتابعين. من هو هذا الإمام المبجل؟ قال: ومن يقوم قوله لدينا مقام قول الأئمة: أبو عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه. فإذاً ابن جرير الطبري وهو إمام كبير يبين أن المرجع في علم الاعتقاد في المسائل التي لم يخض فيها الصحابة ولا التابعون يرجع فيها إلى إمام كبير كالامام أحمد بن حنبل.

المثال الثاني: أبو الحسن الأشعري رحمة الله تعالى عليه، عندما عاد إلى طريقة أهل السنة والجماعة في آخر عمره، ذكرنا في المحاضرة السابقة أن الطور الثالث لأبي الحسن الأشعري رحمة الله عليه أنه عاد إلى طريقة أهل السنة والجماعة في الجملة (في الجملة بقي له شيء من التأثر بطرق الكلاميين لكنه في الجملة عاد إليها)، حينما قرر أن يعود إليها وصنف كتابه الإبانة في أصول الديانة، بين بشكل صريح وواضح أنه يعتقد عقيدة أحمد بن حنبل. فانظروا ماذا قال؟ نقول: عندما عاد الإمام أبو الحسن الأشعري رحمة الله عليه إلى طريقة السلف الصالح وتلقاها عن بعض الحنابلة ببغداد (يعني أبو الحسن الأشعري أحبتي حينما عاد إلى طريقة السلف الصالح والسنة عموماً بمن تأثر؟ قال الراصدون إنه تأثر ببعض الحنابلة في بغداد، تلقى منهم هذه الطريقة واطمأن إليها)، يقول في كتابه الإبانة وهو من آخر مصنفاته، كلام طويل: الذي نقول به، هذا كلام أبي الحسن: والذي نقول به وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم (لاحظوا كيف عاد إلى مصادر الاستدلال المقبولة عند أهل السنة والجماعة في البناء العقدي، فماذا قال؟

قال: وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب الله وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وما روي عن الصحابة والتابعين أئمة الحديث -هذا كلام أبي الحسن أحبتي ودعوكم ممن يشكك في هذه النصوص الثابتة تاريخياً-) قال: ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه قائلون. لاحظ الآن ينتسب إلى قول أحمد بن حنبل، لأنه أحمد بن حنبل حينما ظهرت الفرق والبدع وأخذ القيل والقال ينتشر في الأمة، أظهر عقيدة السلف الصالح وبينها وبين المنهج الذي كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم، فلذلك أصبح الانتساب إليه انتساباً للسنة عموماً، ولقب الإمام أحمد بن حنبل بإمام أهل السنة والجماعة. فأبو الحسن الأشعري يقول: وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه قائلون ولمن خالف قوله مجانبون، يعني جعل أحمد بن حنبل هو المفصل بينه وبين الله سبحانه في مسائل الاعتقاد.

النص الثالث: هذا نص لابن تيمية رحمة الله عليه في كتابه بيان تلبيس الجهمية، وهو يرصد مسألة الانتساب لأحمد بن حنبل عبر التاريخ، هو يرصد هذه القضية ويبينها تاريخياً. فيقول ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية: ولهذا ما زال كثير من أئمة الطوائف -كثير من أئمة الطوائف من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية- وإن كانوا في فروع الشريعة متبعين بعض أئمة المسلمين رضي الله عنهم اجمعين، فانهم يقولون: نحن في الأصول أي في أصول الدين في الاعتقاد أو في السنة أي في الاعتقاد أيضاً على مذهب أحمد بن حنبل. يقول ابن تيمية: كثير من رؤوس الطوائف من الفقهاء وعلماء الحديث والصوفية -وإن كانوا في الفروع الفقهية على مذهب الشافعي أو على مذهب مالك أو على مذهب أبي حنيفة أو حتى المذاهب الأخرى التي وإن كان أكثرها اندرس، وإن كانوا في الفروع على مذاهب الأئمة المعروفين- إلا أنهم في الاعتقاد يقولون: نحن على عقيدة أحمد بن حنبل وعلى أحمد بن حنبل في الاعتقاد. فمثلاً يكون الفقيه شافعياً يقول: أنا شافعي في الفروع وعلى طريقة أحمد بن حنبل في أصول الدين، أو حنفي في فروع الفقه وعلى طريقة أحمد بن حنبل في أصول الدين. هذا أمر انتشر عبر التاريخ بين رؤوس الطوائف من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية أيضاً.

ثم يقول ابن تيمية: ولا يقولون ذلك لاختصاص أحمد بن حنبل بقول لم يقله الأئمة. يعني هل هؤلاء الذين يتبعون مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك ويقولون: نحن في أصول الدين على طريقة أحمد بن حنبل، هل لأن أحمد بن حنبل عقيدته تختلف عن عقيدة مالك أو الشافعي أو أبي حنيفة؟ كلا والله ليس لهذا الأمر. طيب لماذا لا ينتسبون في الاعتقاد إذاً للشافعي -يعني الإمام المذهب الفقهي- يقول: لا يقولون ذلك لاختصاص أحمد بقول لم يقله الأئمة ولا طعناً في غيره من الأئمة بأنهم مخالفون للسنة (ليس لأن الشافعي حاشاه أن يكون مخالفا للسنة)، قال: بل لأنه أي لأن أحمد بن حنبل أظهر من السنة التي اتفقت عليها الأئمة قبله أكثر مما أظهروه، فظهر تأثير ذلك لوقوعه وقت الحاجة إليه، وظهور المخالفين للسنة وقلة أنصار الحق وأعوانه.

الان يقول الميزة التي تميز بها أحمد بن حنبل عن باقي أئمة المذاهب الفقهية أنه أظهر في مسائل الاعتقاد من الوضوح والجلاء والتفصيل ما لم يظهره الأئمة السابقون، وما لم يظهره الشافعي ومالك وأبو حنيفة، لم يظهره الشافعي ولا مالك ولا أبو حنيفة، لكن الكل متفق على هذه المسائل، لكن أحمد تميز بأنه أظهر هذه السنة وصرح بها كالحاجة إليها حينما ظهرت الفرق البدعية كالمعتزلة الذين أمسكوا زمام الأمور في الدولة العباسية أيام المأمون والمعتصم والواثق بالله. حينما ظهر المعتزلة وأمسكوا زمام الأمور وبدأوا ينشرون الفتن والبدع في الأمة ويفتنون العلماء في مسألة خلق القرآن، من الذي تصدى لهم ثبات الجبال الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله تعالى عليه؟ وأكثر من التفصيل في المسائل التي ذكرها المعتزلة، وأكثر من الرد على الجهمية. فأحمد بن حنبل هو أكثر أئمة السلف نصوصاً في مسائل الاعتقاد وتوضيحاً لها وتجلية لمعالمها، وإن كان موافقاً هو لطريقة الشافعي ومالك وأبي حنيفة، لكن كما قلنا وفرة النصوص، كثرة التوضيحات، القيام في مواجهة أهل البدع، القدح المعلى كان فيه الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه؛ لأن كثيراً من أئمة السلف أصالة لم يدرك هذه البدع ولم تظهر في زمنه، لم تظهر هذه البدع بقوة وفي زمنه. نعم كان هناك فتن وشبهات، لكن زخم هذه الفتن وأن تصل هذه الفتن والشبهات والبدع إلى سدة الحكم وتبدأ الناس، هذا وقع في زمن أحمد بن حنبل.

فأظهر الإمام أحمد بن حنبل من تفاصيل مسائل الاعتقاد ما أصبح به شعاراً للسنة والجماعة، حتى كانوا -هذا أكمل كلام ابن تيمية- حتى كانوا يشبهون قيامه بأمر الدين ومنعه من تحريف المبتدعين المشابه للمرتدين بأبي بكر، أي بقيام أبي بكر الصديق يوم الردة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان بن عفان يوم الدار، وعلي يوم حاروراء. يعني كانوا يشبهون أحمد بن حنبل في دفاعه عن العقيدة الحقة وفي تحصينه لها وفي منعه من انتشار العقائد الباطلة، أنه وقف وقفة تشبه وقفة أبي بكر الصديق عندما حارب المرتدين، ووقفة عمر يوم السقيفة حينما كانت الفتن تموج في اختيار الخليفة، ووقفة عثمان يوم الدار وعلي يوم حاروراء ضد الخوارج ونحو ذلك، مما فيه تشبيه له أي للإمام أحمد بالخلفاء الراشدين فيما خلفت فيه الرسل وقامت فيه مقامهم.

الراشدون حملوا ميراث النبوة ودافعوا عنه، وأحمد بن حنبل حمل ميراث النبوة ودافع عنه وعض عليه بالنواجذ في أحلك اللحظات في تاريخ الأمة؛ فتنة خلق القرآن، ومن يقرأ التاريخ يدرك أنها كانت فتنة شديدة سفكت فيها الدماء، وعُلقت فيها أعناق الأئمة على الحبال على أبواب المدن والقرى حتى يقولوا بهذه البدع. وهذا حال أهل البدع حينما يمسكون زمام الأمور وحينما تكون لهم، فإنهم يفتنون أهل السنة ويعرضونهم للأواء والشدة والضراء، ونسأل الله ألا يمكن لهم.

وكذلك سائر أئمة الدين، كل منهم يخلف الأنبياء بقدر ما قام به من ميراثهم، يعني العلماء ورثة الانبياء، وكلما كان العالم يحمل من ورثة الأنبياء ما هو أكثر ويدافع عن هذا الميراث، كلما علا قدره في هذا الميدان، قال ابن تيمية -والله يرضى عن جميع السابقين الأولين والتبين لهم بإحسان إلى يوم الدين-. إذًا هذه ثلاثة نقود تؤكد لكم هذه القضية التاريخية وهي أن الإمام أحمد بن حنبل عبر التاريخ أصبح شعاراً لأهل السنة والجماعة، الكل ينتسب إليه في باب الاعتقاد ويقول: نحن على عقيدة أحمد بن حنبل، وإن كان شافعي المذهب أو حنفي أو مالكي أو ظاهري إلى غير ذلك من المذاهب الفقهية المعتبرة. فأقول: ونقول في ذلك كثيرة جداً، يعني هذا فقط اقتطاع قصير أحبتي أو مختصر، وإلا من تتبع النصوص للأئمة التي ينتسبون فيها لأحمد بن حنبل فهي كثيرة، مستفيضة، متواترة.

سأقتصر على هذا القدر، وسنجيب الآن عن السؤال الذي لابد وانه بدأ يدور في قلوبكم أكثر وأكثر؛ نحن أشرنا إلى شيء من إجابته في نص ابن تيمية السابق، لكن الآن أنتم تسألون بشكل واضح: ما هو سبب تبوء الإمام أحمد بن حنبل لهذه المنزلة الكبرى بحيث أصبح شعاراً لأهل السنة والجماعة؟ يعني ممكن طالب يقول: طب يا شيخ آآ لماذا لا ينتسبون إلى محمد صلى الله عليه وسلم مباشرة؟ لماذا يقولون على عقيدة أحمد بن حنبل؟ لماذا لا يقولوا نحن على عقيدة محمد صلى الله عليه وسلم؟ لماذا أبو الحسن الأشعري ما قال: وأنا على عقيدة محمد صلى الله عليه وسلم؟ لماذا كثير من الأئمة الذين قالوا: نحن على عقيدة ابن حنبل لم يقولوا نحن على عقيدة محمد؟ لماذا اختيار أحمد بن حنبل؟ هم بالتأكيد يريدون عقيدة محمد صلى الله عليه وسلم جميعاً.

لكن أحبتي، كل الطوائف البدعية من المعتزلة والماتريدية والأشاعرة والجهمية، كل طائفة بدعية خرجت في الأمة تقول إنها على طريقة محمد صلى الله عليه وسلم أصالة، لو أن شخصاً قال أنا لا أريد طريقة محمد صلى الله عليه وسلم لخرج من الملة. فالفرق البدعية التي خرجت عبر تاريخ الأمة الكل يقول: نحن على طريقة محمد صلى الله عليه وسلم، والفرقة الأخرى هي التي خالفت، الكل يدعي وصلاً بليلى كما يقول الشاعر، الكل يريد أن ينتسب إلى هذه المحمدية.

لكن في الحقيقة المدرسة المحمدية منهجها واحد وطريقها واحد، لا يمكن أن تكون كل هذه الفرق المختلفة المتباينة على مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم، لابد أن هناك منهجاً واضحاً هو منهج محمد صلى الله عليه وسلم، والمناهج الأخرى مناهج مخالفة وخرجت عن هذه الطريق المحمدية. أحمد بن حنبل رحمة الله تعالى عليه، الآن كلما ابتعدنا عن زمن النبي صلى الله عليه وسلم كلما توسعت الفرق والطوائف وظهرت البدع والفتن في تاريخ الأمة، فحينما انتشرت البدع وأمسكت زمام الحكم والسلطنة -كما قلنا- الذي برز لهم ناقشهم وبين المحجة البيضاء التي كان عليها محمد صلى الله عليه وسلم وكان عليها أصحابه هو الإمام أحمد بن حنبل. هو أول إمام -يعني قضية الأولية هي ربما تحتاج شيء من النظر- لكنه أبرز إمام نقول آآ نصر عقيدة أهل السنة والجماعة منذ فجر التاريخ، حتى أصبح الانتساب إليه بعد ذلك مفخرة وانتساباً إلى السنة، فلذلك يعني أريد أن أجيب عن هذه الشبهة التي قد تطرأ على أيدي بعض الطلبة: لماذا الانتساب إلى أحمد بن حنبل وليس لمدرسة محمد صلى الله عليه وسلم؟

نقول: لأن كل فرق البدعية التي ظهرت في تاريخ روما الكل يدعي أنه على منهج محمد صلى الله عليه وسلم، لكن أي المنهج الصحيح؟ حينما أتى أحمد بن حنبل وظهرت البدع في عصره وظهرت الفرق التي تنتسب إلى المدرسة المحمدية، أحمد بن حنبل وقف في وجهها إمام كبير، حافظ من حفاظ الإسلام، إمام من أئمة أهل السنة والجماعة، فقيه بارع، أصولي متميز، تلقى العلم بالاتباع وليس بالابتداع، فوقف في وجه هذه البدع كالجبل الراسخ. واتبعه الناس جميعاً في كل الأقطار وعرفوا فضله وعرفوا حقه، وأن هذا إمام عالم كبير متبع هو الذي يبين لنا الصحيح وليس ارباب البدع وأرباب الفرق الكلامية التي أخذت كلامها وطرائقها في الاعتقاد من فلسفة اليونان والأغريق.

فلأن أحمد بن حنبل أظهر المحجة البيضاء التي كان عليها الصحابة والتابعون والتي تلقوها من النبي صلى الله عليه وسلم، أصبح الإنسان حتى يبين أنه على مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم يرتبط باحمد بن حنبل، لأن أحمد بن حنبل هو الذي أعاد معالم هذه المدرسة وأزال عنها الغبار حينما حاولت الفرق الكلامية أن تطمس هذه الآثار، أحمد بن حنبل أزال الغبار وأوضح التفاصيل وأحكم الأمور حينما حاولت الفرق الكلامية والطوائف البدعية أن تدرس هذه الآثار.

فلذلك العلماء بعد ذلك حتى يبينوا أنهم على المدرسة المحمدية في الاعتقاد يقولون: نحن على مدرسة أحمد بن حنبل، لأن مدرسة أحمد بن حنبل هي الامتداد النقي الطاهر لمدرسة النبي صلى الله عليه وسلم.

طيب، الآن كما قلنا لابد أن نقف سريعا على أهم الأسباب التي جعلت الإمام أحمد بن حنبل يتبوأ هذه المنزلة الكبرى عبر التاريخ، إليها يعني في كلام ابن تيمية سابق، لكن الآن أضعها في نقطتين. النقطة الأولى التي سببت آآ تبوء الإمام أحمد بن حنبل لهذه المنزلة: أولاً، موقفه من محنة خلق القرآن وثباته على العقيدة الصحيحة في تلك المحنة ونصرته لها ودفعه ثمناً باهظاً في وقت آثر فيه كثير من علماء السنة في عصره السلامة ونطقوا بمراد السلطان تجنباً لعقابه.

كثير من العلماء في عصر ما استطاعوا أن يثبتوا أمام هذه الفتنة، طبعا أحبتي هذه فتنة كانت شديدة كما قلنا علقت فيها الرؤوس على أبواب المدن، وسفكت فيها الدماء، وجلد فيها العلماء، وحملوا بالسلاسل والأغلال إلى الرقة وإلى غيرها من المدن ليمتحنوا ويختبروا، كان بلاء شديداً. كثير من العلماء آثر السلامة ونطق بما يريد السلطان كرهاً ورحمة الله عليهم، وهناك علماء ضحوا بدمائهم وعلقت رؤوسهم على المشانق، وقع هذا. والإمام أحمد بن حنبل وقف كالجبل الشامخ أمام ابن أبي دؤاد وثلة المعتزلة الذين خاضوا هذه الفتنة وأمسكوا زمامها وأرادوا أن يفتنوا بها الأمة.

أحمد بن حنبل كما قلنا ثبت على هذه العقيدة، لماذا لم يقتل أحمد بن حنبل؟ في الحقيقة أحمد بن حنبل كان آآ ثقله كبيراً جداً جداً في العالم الإسلامي، وكان الخلفاء ومن بعده يحسبون له حساباً كبيراً ويدركون أن قتل أحمد بن حنبل سسبب ربما انهاء لخلافتهم ودولتهم، نعم. ابن حنبل كان له حساب كبير ووزن كبير في الأمة المسلمة، فعرضوه لبلاء شديد، علقوه وبدؤوا يجلدونه جلداً مثل جلد، ويسجنونه ويعذبونه عذبوهم أشد العذاب، وأقاموا له مجالس المناظرة وأحمد بن حنبل كالجبل الأشم يناظر ويناظر ويدافع عن هذه العقيدة ويدافع عنها، وتحت كل الجلد والتعذيب والأغلال يبقى ثابتاً.

وأقرؤوا هذه القصة؛ قصة محنة خلق القرآن وأقرؤوا سيرة أحمد بن حنبل فإنها سيرة عطرة لإمام جليل يبين لنا من هو العالم الرباني الذي يثبت ليكون سراجاً للأمة يقودها إلى بر الأمان في خضم الفتن وحينما تثار الشبهات. إذاً، أحمد بن حنبل ثبت للحظات الأخيرة وثبته الله سبحانه وتعالى ولم ينطق بمراد السلطان، فكان من إكرام الله سبحانه وتعالى لهذا الإمام أن جعل له لسان صدق في الآخرين، الله عز وجل يكرم أولياءه الذين ثبتوا وضحوا من أجله، يكرمهم الله سبحانه وتعالى في الدنيا وفي الآخرة، فجعل الله له لسان صدق في الآخرين وجعل له قبولاً عند جماهير علماء الأمة، أصبح له مكانة عظمى سامية عبر التاريخ الإسلامي.

يقول ابن تيمية رحمة الله عليه مبيناً لهذا الموقف لأحمد بن حنبل في محنة خلق القرآن: والاعتقاد إنما أضيف إلى أحمد بن حنبل لأنه أظهره -أي أظهر الاعتقاد وبينه- عند ظهور البدع، وإلا فهو في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وحظ أحمد منه كحظ غيره من السلف؛ معرفته والإيمان به وتبليغه والذب عنه. الآن يعني تيمية واضح أنه يريد أن يؤكد ويبين للناس: إياكم أن تظنوا أن الانتساب لأحمد بن حنبل في الاعتقاد لان هناك عقيدة خاصة باحمد بن حنبل لم يقل بها أهل زمانه من الأئمة، هذا خطأ؛ عقيدة أحمد هي عقيدة الشافعي وعقيدة مالك وعقيدة أبي حنيفة وسفيان الثوري وابن عيينة والأئمة الكبار.

لكن أحمد كما قلنا موقفه حينما أظهر السنة عندما ظهرت الفتن هو الذي أبرزه وجعله شامة علياً، فالاعتقاد إنما أضيف لأحمد -يعني أصبح الناس يضيفون العقيدة إلى أحمد ويقولون نحن على عقيدة أحمد بن حنبل- لماذا أضيف الاعتقاد إلى أحمد؟ قال: لأنه أظهره وبينه عند ظهور البدع، هذه ميزة أحمد بن حنبل كما قلنا موقفه في فتنة خلق القرآن وأمام البدع عموماً، وإلا فالاعتقاد في كتاب الله وفي سنة رسوله موجود، وحظ أحمد منه من الاعتقاد الصحيح كحظ غيره من علماء السلف أنهم يعرفونه ويؤمنون به ويبلغونه ويذبون عنه.

كما قال بعض أكابر الشيوخ -لأن هذه مقولة جميلة ينقلها الإمام آآ ابن تيمية عن بعض أكابر العلماء- يقول: الاعتقاد الصحيح -يعني الاعتقاد لمالك وللشافعي ونحوهما من الأئمة- والظهور لأحمد بن حنبل. هذه مقولة متزنة جداً؛ الاعتقاد لمالك وللشافعي وأبي حنيفة ولغيرهما من أئمة السلف، العقيدة لا تنسب إليهم جميعاً، لكن الظهور كان لأحمد بن حنبل خصوصاً، وهذا نص ذكره في تعارض العقل والنقل. إذاً، هذا السبب الأول في تبوء أحمد بن حنبل هذه المنزلة العظمى عبر التاريخ.

السبب الثاني كما قلنا: النقول والنصوص عن الإمام أحمد بن حنبل في بيان الاعتقاد. إذاً السبب الأول: ثبات الإمام أحمد وإظهار السنة في وجه البدع، ثانياً: كثرة ووفرتها عنه في مسائل الاعتقاد مما جعله يتميز عن غيره من علماء عصره، الوفرة الكبيرة. فالشافعي ومالك وأبو حنيفة عندهم نصوص مسائل الاعتقاد لكن ليست بتلك الوفرة التي عند أحمد بن حنبل، لذلك كان الإمام أحمد بن حنبل مفصلاً لكثير من مسائل الاعتقاد، موضحاً لها مبيناً منهج أهل السنة الذي يقابل المناهج البدعية. مما جعل الانتساب إليه واضحاً، لأنه نصه واضح أحمد بن حنبل في مسألة خلق القرآن وكلام الله والصفات والقدر إلى غيرها من الأمور، الإيمان كلامه واضح في هذه المسائل فالانتساب إليه واضح. أنت على قول أحمد بن حنبل إذاً أنت تقول هذا، الشافعي مالك وأبو حنيفة ليس لديهم وفرة في النصوص لا يوجد لديهم وفرة في النصوص، لربما لم يسألوا عن هذه الفتن، وكما قلنا كثير منها وقع في زمن بعد زمنهم ولم يتعرضوا لها، فكلامهم في مسائل الاعتقاد قليل محدود، وأكثر كلامهم في الفقه وفي الفروع. فلذلك لوفرة النصوص عن أحمد بن حنبل في مسائل الاعتقاد أصبح منهجه واضحاً جلياً لكل من يريد أن يتبع طريقة الصحابة وطريق محمد صلى الله عليه وسلم.

ابن تيمية رحمة الله عليه وهو من أفضل من يرصد الرصد التاريخي لمسائل الاعتقاد، يقول في كتابه فضائل الأئمة الأربعة وما امتاز به كل إمام من فضيلة، يقول -انظروا إلى هذا الكلام الدقيق في الرصد التاريخي-: وأما أصول الدين والسنة والاعتقاد -يعني مسائل الاعتقاد عموماً- فللشافعي فيها كلمات جامعة مجملة. الشافعي له كلام في الاعتقاد بالتأكيد هذا واضح في كتبه، لكن كلماته جامعة مجملة، ولم يتطرق إلى التفاصيل الدقيقة -لظروف قد لا لم يحتاج في وقته لم يحتاج إلى أن يتطرق لها- فاضرب الذكر عنها ليس لضعفه أو لعدم معرفته، فهو إمام كبير رحمة الله تعالى عليه.

المهم للشافعي فيه كلمات جامعة مجملة، كلام عام، والكلام المجمل العام أحبتي حينما نأتي إلى مأزق المسائل العقدية لا يصلح كثيراً، الكلام المجمل يوظفه كثير من أرباب البدع لصالحهم، ما من عالم حتى أحمد بن حنبل كما سنبين، ما من عالم إلا وله كلام مجمل هو يريد به حقاً لكن لأنه مجمل بعض الطوائف البدعية أن توظفه لصالحها وتحرفه وأن تؤوله لمنهجها، فلذلك نحن نريد الكلام المفصل النص على طريقة الأصوليين، نريد نصاً، لا نريد كلاماً مجملاً متشابهاً يحتمل عدة آراء في فهمه.

المهم الشافعي له كلمات جامعة مجملة، مالك بن انس يقول ومالك أكثر تفصيلا لها وبياناً، مالك مع أنه شيخ الشافعي لكنه أكثر تفصيل في مسائل الاعتقاد من الإمام الشافعي رحمة الله عليه. ومالك أكثر تفصيلاً لها وبياناً وردا على أهل الأهواء من الشافعي، وأكثر تفصيلاً للكلام من الشافعي كما تشهد بذلك نصوصه، هي نصوصه التي بين أيدينا تشهد أن مالك بن انس إمام دار الهجرة كان أكثر تفصيل وتعامل مع أهل الأهواء وردا عليهم من الإمام الشافعي رحمة الله على الجميع.

قالوا والإمام أحمد هو مفصل للكلام في اصول الدين وفي أيضاً الفقه تفصيلاً جيداً، الآن إذاً انتقل أحمد بن حنبل يقول: هو مفصل جيد جداً في مسائل الاعتقاد.

الدين وحتى أيضاً في مسائل الفقه. الآن سينتقل لمدرسة أبي حنيفة النعمان في العراق وهي مدرسة أهل الرأي. فيقول: وأما أهل الرأي أهل العراق فهم وإن كان لهم جمل من الكلام في ذلك لهم كلام في الاعتقاد جيد، لكن ليس لهم قواعد محررة في باب الاعتقاد، لا في أصول الدين ولا في أصول الفقه.

يقول قواعدهم لا في أصول الدين ولا في أصول الفقه محررة. ولهذا كان المتبعون لهم متبعون لاهل للفقه ولمدرسة أهل الرأي في الفقه. المتبعون لمدرسة أبي حنيفة فيهم من جميع أهل الأهواء؛ من المعتزلة والمرجئة والجهمية والمجسمة والخارجية للخوارج، بخلاف أصحاب الشافعي. الآن يقول: لأن أهل العراق أهل الرأي مدرسة أبي حنيفة النعمان في الفقه لا يوجد لها كلام واضح جدا ومبين في مسائل الاعتقاد وقواعدهم غير محررة فيها، كثر أهل البدع الذين ينتسبون للفقه الحنفي ولمدرسة أبي حنيفة النعمان في الفقه.

فأبو حنيفة النعمان تجده في مذهبه ومن ينتسب اليه تجد المعتزليا، وتجد ما تريديا، وتجد اشعريا، وتجد وتجد الخوارج، كثير من الفرق المبتدعة انتسبت إلى مدرسة أبي حنيفة النعمان في الفقه، لأن الإمام أبا حنيفة لا توجد لديه أقوال كثيرة محررة في مسائل الاعتقاد كغيره من الأئمة. قال بخلاف أصحاب الشافعي المدرسة الشافعية البدع فيهم أقل بكثير جدا من مدرسة أبي حنيفة، والغالب عليهم بعدهم عن البدع الكبار التي كانت في مدرسة الحنفية؛ كبدعة الاعتزال وبدعة الخوارج وبدعة الجهمية، هذه البدع الكبرى الاعتزال والتجهم والخوارج. هذه البدع كانت موجودة في مدرسة أبي حنيفة النعمان في الفقه، وكثر المنتسبون لأبي حنيفة النعمان في الفقه من أرباب هذه المسالك البدعية.

لكن مدرسة الشافعية في الفقه يقول ابن تيمية فيها مبتدعة ومدارس كلامية، لكن ليس بذاك الحجم الكبير الموجود في المدرسة العراقية. قال: وإن انتسب إلى الشافعي أفراد من المعتزلة والجهمية والروافض فذلك قليل، يعني لو كان هناك بعض المعتزلة في المدرسة الشافعية أو بعض الجهمية وبعض الخوارج هاي البدعة الكبرى، فهذا نادر وقليل جدا في المدرسة الشافعية.

وقال: وأما أصحاب مالك -يعني هو عاد للتفصيل- فأكثروا بعدا من أهل الأهواء. وهم فيهم أقل، يعني أهل الأهواء والبدع في المدرسة المالكية أقل من أهل الأهواء والبدع حتى في المدرسة الشافعية. وساعيد ترتيب هذا الكلام في النهاية. قال: لأن كلامه في اصول الدين لأن كلام مالك في اصول الدين أوضح ومفصل أكثر من كلام الشافعي، فالمنتسبون مالك في الفقه معتقداتهم أسلم من المنتسبين للشافعي رحمة الله تعالى عليه في الفقه والسنة في المذهب المالكي وفي المنتسبين للمذهب المالكي أكثر من السنة في المنتسبين للمذهب الشافعي.

لذلك قال: لأن كلامه في اصول الدين على وجه التفصيل -أي كلام مالك- أكثر من الشافعي، فلذلك قلوا في أصحابه وهم أي أهل البدع في أصحاب أحمد بن حنبل أقل من الجميع. أقل المذاهب في يا أهواء وأرباب بدع، وفيها المتكلمون هي المدرسة الحنبلية، وهم في أصحاب أحمد أقل من الجميع، وما فيهم من البدع أخف من بدع غيرهم، يعني هناك مبتدعة في المدرسة الحنبلية وأهل كلام نعم يوجد، وسأبين إن شاء الله فيما سآتي بذكره.

طيب، لماذا البدع خفت كثيرا كثيرا في المدرسة الحنبلية عن سائر المذاهب؟ التعليل العقلي الواضح لديكم الآن: لأن كلام أحمد بن حنبل في أصول الدين والفقه وبيانه لذلك بالكتاب والسنة وآثار الصحابة أكثر من غيره، بخلاف من لم ينصر عنه في هذه المسائل أقوال، فإن كلا منهم ينفرد فيه برأيه ويتابع غير إمامه. ولهذا أكثر أهل الأهواء في المنتسبين إلى أهل الكوفة. هذا كلامه نقلته من كتاب فضائل الأئمة الأربعة وامتاز به كل إمام من الفضيلة.

باختصار، ابن تيمية ماذا يريد أن يقول؟ يريد أن يرتب لكم الأئمة من حيث كثرة كلامهم في الاعتقاد على الترتيب التالي: أولا أحمد بن حنبل أكثر إمام فصل في مسائل الاعتقاد. أكثر إمام فصل في مسائل الاعتقاد وبينها وجلاها أحمد بن حنبل. وهناك علاقة طردية بين كثرة كلام الإمام في الاعتقاد وكثرة أو علاقة عكسية عفوا، لا لو جعلناها طردية لأهل السنة وعكسية أهل البدع تصلح، يعني هناك علاقة طردية بين كثرة تفصيل الإمام في عقيدة أهل السنة وكثرة المنتسبين إليه من أهل السنة، وعلاقة عكسية مع المنتسبين إليه من أهل البدع.

فكلما كثر كلام الإمام في العقيدة كثر أهل السنة في مذهبه وقل أرباب البدع في مذهبه. فأحمد بن حنبل هو أكثر إمام فصل في مسائل الاعتقاد وبينها، كثر أهل السنة والجماعة في مذهبه وقل أهل البدع. المرتبة الثانية مالك بن انس وأكثر إمام تفصيل بعد أحمد بن حنبل، فصل تفصيل جيد وله ردود واضحة جلية من يقرأ الكتب يدركها، فأحمد بن حنبل يأتي في مالك بن انس يأتي في المرتبة الثانية، فلذلك كثر المنتسبون للسنة في مذهبه وقل أهل البدع، لكن السنة في مذهب المنتسبون للسنة في مذهب مالك أقل منهم في مذهب أحمد بسبب التباين في حجم الآراء المنقولة.

ثم المرتبة الثالثة للإمام الشافعي، لأن الإمام الشافعي نقلت عنه آراء عقدية لكن كلام مجمل لم يشتغل بتفصيل مسائل الاعتقاد، لذلك كثر المنتسبون من أهل البدع إلى المدرسة الشافعية، لكن طبيعة البدع التي انتسبت إلى المدرسة الشافعية ليست البدع الكبرى الخطيرة العليا، بل بدع منحرفة لكنها بدع نقول متوسطة؛ كالمدرسة الأشعرية والمدرسة الماتوريدية، فهؤلاء كثروا في المدرسة الشافعية.

ثم ما أقلهم حديثا في مسائل الاعتقاد الإمام أبو حنيفة النعمان. أقلهم حديثا في مسائل الاعتقاد ولا توجد في المدرسة العراقية بشكل عام كلام محرر كثير في مسائل الاعتقاد، فلذلك كثر المنتسبون من أهل البدع إلى مذهب أبي حنيفة، وكانت بدعهم من البدع الكبار؛ كالمعتزلة والجهمية والخوارج إلى غيرها. فهذا هو الترتيب التنازلي من أكثر الأئمة قولا في الاعتقاد إلى أقلهم قولا في الاعتقاد، لكنهم جميعا متفقون في الاعتقاد على طريقة السلف الصالح.

هذا الأمر عليكم أن تعقلوه حتى لا تختلط الأمور، أبو احمد ابن حنبل والشافعي ومالك وأبو حنيفة كانوا على طريقة الصحابة والتابعين وتلقوا عقائدهم من ذاك الجيل النقي ومن ذاك المنبع الصافي، لم يتلطخوا بكلام المتكلمين ولا بخوض الخائضين، لذلك كانت عقائدهم صافية، لكن تباين كما قلنا حجم الأقوال العقدية منقولة عنهم بحسب الحاجة. يعني الإمام أبو حنيفة أحبتي متقدم هو مولود ثمانين هجري متوفى مئة وخمسين، الفرق البدعية لم تكن ظاهرة في زمنه بذاك الظهور أيام أحمد بن حنبل رحمة الله تعالى عليه، فهو آخر الأئمة ظهورا، بالتالي كانت البدع منتشرة في عصره كثيرا، فبالتالي كلامه في العقائد كان مفصلا أكثر من غيره. هذه هي المنطقية لانتشار وتفصيل أحمد بن حنبل لأقواله.

إذن عرفنا لماذا تبوأ أحمد بن حنبل تلك المكانة العليا؟ ولماذا أصبح شعارا لأهل السنة والجماعة؟ أولا لموقفه في فتنة خلق القرآن وثباته، ثانيا لوفرة النصوص المنقولة عنه في مسائل الاعتقاد بحيث يجعل النسبة إليه نسبة واضحة جلية. الإمام الشافعي أهل البدع ينسبون أقوالهم في البدعة إليه، لأنه كلامه مجمل عام في مسائل الاعتقاد وهو بريء منهم، ومن وقف على قول الشافعي يدرك ذلك يعني في الحقيقة، لكن كما قلنا الإشكالية الكلام المجمل العام للشافعي جعل كثيرا من أهل البدع ينسبون الشافعي إليه وهو بريء منهم.

كذلك الإجمال الأكثر في المدرسة الحنفية جعل كثير من أهل البدع ينسبون أبا حنيفة النعمان إلى طريقتهم، لكن كلام أحمد بن حنبل المفصل منع كثيرا من أهل البدع من أن ينسبوا أحمد إلى طريقتهم، وإن كانوا نسبوه إلى طريقتهم لبعض يعني بعض أهل البدع أحمد بن حنبل لطرق وساذكر أن شاء الله لبعض الكلمات المجملة القليلة في كلامه رحمة الله تعالى عليه. إذا عرفنا سبب كما قلنا انتشار وتبوأ أحمد بن حنبل هذه المنزلة العليا تمام.

طيب الآن أقول أحبتي لما أصبح الانتساب للإمام أحمد بن حنبل أمارة رشد وعلامة اتباع لمنهج محمد صلى الله عليه وسلم، اخذت أكثر الفرق -هذا بدأت أقول أفصل أكثر- أخذت كثير من الفرق تدعي وصلا به وأن أقوالها مستقاة من أقواله ومن فكره. الآن مات أحمد بن حنبل رحمة الله تعالى عليه وذهب إلى ربه، الأمة المسلمة حركة التاريخ تسير بها والفرق البدعية تنتشر أكثر وأكثر. الفرق البدعية لما لاحظت أن أحمد بن حنبل هو شعار لأهل السنة والجماعة، وأن الأئمة من أئمة الفقه والحديث والصوفية يحبون الانتساب إليه، فرؤوس أهل البدع أصبحوا يحاولون أن يجلبوا منهج أحمد بن حنبل إلى منهجهم ويشوشوا على عقيدة أحمد بن حنبل ليصوروا أن عقيدته هي عقيدتهم البدعية المنحرفة.

فقلت: ولما أصبح الانتساب للإمام أحمد أمارة رشد وعلامة اتباع للمدرسة المحمدية، أخذت أكثر الفرق البدعية تدعي وصلا به وأن أقوالها البدعية مستقاة من أقواله، وكل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك. بل وصل الأمر أحبتي انظروا كيف الافتراء في دين الله والتعدي إلى الخطوط الحمر، بل وصل الأمر إلى حد تقويل الإمام أحمد بن حنبل بأقوال لم يقل بها ونسبة عقائد مكذوبة على لسانه. إذا هذا يدلل على أهمية التوثيق العقدي، الأمر أصبح خطير، هناك رسائل مكذوبة تروى على لسان أحمد بن حنبل والامام أحمد بن حنبل لم يقلها. فلابد إذا من تطبيق منهج المحدثين في تحرير الأسانيد على الرسائل العقدية المنقولة عن أحمد بن حنبل.

إذا بل وصل الأمر إلى حد تقويل الإمام ما لم يقل ونسبة عقائد مكذوبة على لسانه من أجل ترويجها وترغيب الناس بها. أنت إذا فقلت والله هذه الرسالة هذا كلام أحمد بن حنبل، الناس كلها لها احترام تبجيل لاحمد ابن حنبل فستأخذ ما في هذه الرسالة بالتسليم، لكن لو قلت لهم هذه الرسالة من كلام فلان من أرباب الفرق الكلامية والطوائف البدعية لن يقبلها أحد. فأرباب الفرق البدعية للأسف بعضهم كان عنده قلة ديانة، فكذب على لسان أحمد بن حنبل ونسب إليه أقوال ورسائل لم يقل بها.

إذا ونسبة عقائد مكذوبة على لسانه من أجل ترويجها وترغيب الناس بها، كما فعل ابن اللبان الأصبهاني حين وضع كتاب رسالة شرح مقالة الإمام الإمام الأوحد أبي عبدالله أحمد بن حنبل. ابن اللبان الأصبهاني وضع هذه الرسالة اسمها شرح مقالة الإمام الأوحد أحمد بن حنبل. طبعا كانسان عامي يبجل أحمد بن حنبل لما يسمع أن هذه الرسالة شرح لكلام الإمام أحمد بن حنبل سيعظمها ويظن أن ما فيها هو الحق، لأن أحمد بن حنبل هو إمام أهل السنة والجماعة.

لكن للأسف ابن اللبان لم يكن منصفا في هذه الرسالة، ونسب إلى الإمام أحمد بن حنبل عقيدة الأشاعرة والإمام أحمد منها براء، كل هذه الأقوال التي وجدت فيها أقوال الإمام أحمد لم يقل بها ولم يشر إليها قريب ولا من بعيد. وهذا أحبتي مع الوقت هذا الكذب على لسان الإمام وتقويل الإمام ما لم يقل سبب مع الوقت وبالتأكيد مع الابتعاد عن أحمد بن حنبل من حيث المدة الزمنية سبب تشويشا على عقيدة الإمام أحمد بن حنبل وحقيقة أقواله خاصة عند من الكلام من المتأخرين من في العصور المتأخرة، هؤلاء الذين يتلقفون الكلام بالتقليد ولا يعمدون إلى الجد والبحث والتحقيق بأنفسهم من خلال قراءة وتتبع رسائل الإمام وكتبه وفتاويه ليصل إلى الحقيقة الناصعة بنفسه من دون تقليد أعمى وتعصب مذموم.

وهذا ما فعله ابن تيمية رحمة الله عليه حينما انتشرت الفرق الكلامية في عصره، عاد إلى المنبع الأصيل عاد لينبش عن كلام أحمد بن حنبل الأصيل في مسائل الاعتقاد ويقارن: هل قول أهل زمانه من المتكلمين ونحوهم، هل قولهم في لن يتطابق مع الكلام الموثق النسبة إلى أحمد بن حنبل؟

أحبتي الذين تريدون تحقيق مسائل الاعتقاد، إياكم أن تقبلوا الأقوال هكذا جزافا، يأتيكم شخص يقول لكم وكان فلان الفلاني من الأئمة الأوائل يقول برأينا، قل له تعال اثبت لي أن أحمد بن حنبل يقول برأي شيخك أو برأي طريقتك. الفرق البدعية أحبتي كثير منها متأخرة وأقوال الأئمة فيها متأخرة عن الأئمة الأربعة، يعني الغزالي والرازي وعبد الجبار وغيرهم هؤلاء خرجوا متأخرين عن أحمد وعن الشافعي ومالك وأبي حنيفة. فإذا جاءكم شخص قال لكم كلام فلان هو كلام أحمد بن حنبل وكلام الشافعي وكلام مالك، قل له تعال اثبت لي أن كلام شيخك أو كلام علماء الطريقة عندك هو كلام هؤلاء الأئمة الكبار. إياكم أن تقعدوا الأقوال جزافا.

إذا اردتم أن تحققوا أن تصلوا إلى العقيدة الحقة عليكم أن تجدوا، فإن العقيدة في زمن الشبهات والفتن لا تنال بالراحة، لا تنال بالراحة عليكم أن تتعبوا حتى تصلوا إلى العقيدة، والعقيدة تستحق أن تتعب من أجلها يا طالب العلم. يعني لو أن إنسانا يريد شيئا من لعاعة الحياة الدنيا تجده يتعب صباح مساء من أجل تحصيل الأموال والدراهم، ألا تتعب لتعرف عقيدة النبي صلى الله عليه وسلم؟ ألا تتعب لتعرف ما كان عليه السلف الصالح؟ لماذا تقبل أقوال الأئمة وأقوال المعاصرين في مسائل الاعتقاد هكذا من دون بحث ولا تحرير ولا تأمل؟

من يريد الوصول إلى العقائد الحق أحبتي يحتاج إلى أن يتعب، هذه خذوها طيب حتى لا أطيل. المهم كما قلنا حصل تشويش على عقيدة الإمام أحمد بن حنبل، خاصة عند المتأخرين.

يتلقفون الكلام بالجملة ولا يحررونه ولا ينظرون في الأسانيد نظر العلماء المحققين، فبالتالي يتقرر في أذهان المتأخرين أن أحمد بن حنبل والله كان موافقاً للأشاعرة أو أحمد بن حنبل موافق للمعتزلة أو أحمد بن حنبل موافق للصوفية، لأنهم تلقوا رسائل مكذوبة عن الإام لم يحرروها من حيث وجدوا هذه الرسائل نصها أن أحمد بن حنبل يسير فعلا في ظاهره على طريقة الأشاعرة أو المعتزلة، فقالوا إذا أحمد بن حنبل على هذه، مع أن أحمد بن حنبل لم يقل بشيء من ذلك.

لكن من الذي يبحث عن الحق؟ ومن الذي يتحرى في نقل الأسانيد؟ هذا هو الباحث عن الحقيقة بحق، نسأل الله أن نكون جميعا منهم، فأقول ومن آثار هذا التشويش ما حصل في وقتنا الحاضر من خلاف دائر في تحديد عقيدة الحنابلة، يعني هذا عبر التاريخ على عقيدة أحمد بن حنبل ونسبة الأقوال مغلوطة إليه والتقول على لسانه، هذا مع الوقت أحبتي ماذا أثمر؟ أثمر تشويها على عقيدة المدرسة الحنبلية عموما، على عقيدة أحمد بن حنبل نفسه في بعض مسائل الاعتقاد وعلى عقيدة المدرسة الحنبلية عموما، ماذا كانت طرائقها في الاعتقاد؟

إذا ومن آثار هذا التشويش ما حصل في وقتنا من خلاف دائر في تحديد عقيدة الحنابلة، وخاض في هذه المسألة كما قلنا من يدري ومن لا يدري، وكثر الأخذ والرد فكان لابد من وقفة مختصرة في هذا المقام لتجلية العديد من الحقائق التاريخية، والذي قادنا إلى هذا الموضوع أيضا يعني هذا الموضوع ليس خارجا عن لمعة الاعتقاد، لأن ابن قدامة صاحب لمعة الاعتقاد هو أحد أئمة المدرسة الحنبلية في الاعتقاد وفي الفروع، فكان لابد أن نعرف ما هي المدرسة الحنبلية في الاعتقاد أصالة، أليست المدرسة الحنبلية هي مدرسة فقهية؟ كيف تحولت مع الزمن إلى مدرسة عقدية؟ هذا الكلام كله يجب أن نمر عليه سريعا وبشكل مختصر، حتى تتجليه الأمور لكثير من أحبتنا الذين يقرأون على وسائل التواصل الاجتماعي لفلان وفلان وغيرهم ممن ليسوا محققين لهذه المسائل، وإنما يأخذون النصوص التي تعجبهم ويقتطعونها من السياق ويبثونها بين الطلبة ليشوشوا عليهم أو ليشوشوا عليهم الحقائق التاريخية.

فإذا نقول مستعينين بالله، الآن سأشرع في بيان عقيدة المدرسة الحنبلية عقيدة المدرسة الحنبلية وأركز على بعض النقاط فيها، فانتبهوا يا رعاكم الله، أولا علينا أن ندرك ابتداء أن مذهب الحنابلة مذهب فقهي في أصله، هذا كلام اريد منكم أن تستمعوا إليه جملة جملة وتتعقلوا.

علينا أن ندرك ابتداء أن المدرسة الحنبلية هي في أصالتها مذهب فقهي له منهجه وأصوله في دراسة المسائل الفروعية الفقهية، وليس أصالة مدرسة عقدية، حاله كحال غيره من المذاهب المتبوعة كالمذهب الحنفي والمذهب المالكي والمذهب الشافعي، الآن المدرسة الشافعية والحنفية والمالكية والحنبلية، هذه في اصلها هذه مدارس فقهية وليست مدارس عقدية، لها اصول فقه المدرسة الحنبلية، لها اصول فقه الشافعية، لها اصول فقه المالكية، لها اصول فقه الحنفية، وهناك فروع فقهية تركها العلماء فأصبحت هذه مدارس فقهية.

إذا المدرسة الحنبلية أصلا ليست مدرسة عقدية، هي في الاصل مدرسة فقهية، حالها حال المذاهب المتبوعة كالمذهب الحنفي أو المالكي أو الشافعي، فهذه المدارس مدارس فقهية، كل مدرسة رسمت منهجا في فهم مسائل الفروع المسائل الفقهية، هناك نقاط التقاء بين هذه المدرس من حيث الفقه ومن حيث أصول الفقه، وهناك نقاط افتراق ميزت كل مدرسة عن الأخرى، وكلها مذاهب خيرة، والخلاف بينها في مسائل الفقه خلاف محمود وهو رحمة للمؤمنين، كما سينص على ذلك ابن قدامة في آخر رسالته، سينص ابن قدامة في آخر لمعة الاعتقاد أن الخلاف الفقهي بين المذاهب الأربعة خلاف محمود فيه رحمة للمؤمنين، فاذا الخلاف بين هذه المذاهب هو خلاف محمود، وهذه المذاهب كما قلنا أو هذه المدارس هي مذاهب فقهية.

لكن يا ترى ما سبب تعامل كثير من الفرق والطوائف مع المدرسة الحنبلية بالذات على أنها مدرسة عقدية وليست مجرد مدرسة فقهية؟ هذا السؤال المهم، ما سبب تعامل كثير من الفرق والطوائف مع الحنابلة على أنهم مدرسة عقدية وليست مجرد مدرسة فقهية؟ المدرسة الحنبلية، الآن أجيب عن هذا السؤال فأقول المدرسة الحنبلية في الجملة أحبتي المدرسة الحنبلية في الجملة ليس بكل روادها في الجملة، يعني السواد الأعظم منها السواد الأعظم منها، المدرسة الحنبلية في الجملة كان لاتباعها نسق خاص في تقرير مسائل الاعتقاد مخالف للطرق الكلامية في هذا الباب.

باختصار الحنابلة الذين يتبعون المدرسة الحنبلية في الفقه، السواد الأعظم فيهم كانوا يقررون مسائل الاعتقاد بنسق خاص مخالف للطرق الكلامية، ما هو النسق الخاص؟ أنهم يبنون مسائل الاعتقاد على المصادر المقبولة عند أهل السنة والجماعة في البناء العقدي، الهداية الفطرية نصوص الكتاب والسنة أقوال الصحابة والتابعين والأدلة العقلية الواضحة، هذا هو النسق الخاص الذي كان يبنيه جل الحنابلة رأيهم في الاعتقاد واتباعهم لمذهب أحمد بن حنبل، فطريقة الحنابلة كانت أقرب لطريقة الأئمة الأوائل في الاتباع وليس الابتداع، وفي الوقوف عندما قاله الصحابة والتابعون والبحث عما كانوا عليه رضوان الله عليهم، والإعراض عن التعمق وعن الأدلة العقلية المتكلفة، بخلاف المذاهب الفقهية الأخرى.

فالحنفية لا، نسمع هذا الكلام وركزوا فيه، الآن المذهب الحنفي هو مذهب فقهي، طيب ماذا وقع فيه؟ شاع عندهم طريقة الإمام الماتريدي، لماذا أكثر رواد المدرسة الحنفية الفقهية هم في الاعتقاد على طريقة أبي منصور الماتريدي؟ لماذا؟ السبب في ذلك ليس لأن أبي حنيفة النعمان أصالة كان ماتريديا، أبو منصور الماتريدي أحبتي صاحب المدرسة الماتريدية جاء بعد أبي حنيفة النعمان بسنوات وسنوات، طيب لماذا أكثر رواد المدرسة الحنفية هم من الماتريدية؟

فنقول ليس لأن أبا حنيفة كان ماتريديا في الاعتقاد، بل كانوا رحمة الله تعالى عليهم يعني كان أبو حنيفة وتلاميذه على طريقة السلف، لكن لماذا بعد ذلك المدرسة الحنفية انتشرت فيها الطريقة الماتريدية؟ نقول لأن أبو منصور الماتريدي صاحب الطريقة الماتريدية في الاعتقاد اعتنق المذهب الحنفي في الفقه، فأصبح الذين يتبعون أبو منصور الماتريدي في الاعتقاد تبجيلا لشيخهم واحتراما له وتكريما له يتبعون طريقته أيضا في الفقه، وبما أن أبو الماتريدي كان حنفيا في الفقه أكثر أتباعه اتبعوا المذهب الحنفي، وهذه أحبتي طريقة سائدة في الناس إلى يومنا هذا، أنت إذا أأحببت شيخا ونصرته في الاعتقاد تحاول أن تنظر كل ما يفعله الشيخ تفعل مثله.

فالذين نصروا طريقة أبي منصور الماتريدي في الاعتقاد أحبوا هذا الشيخ وأجلوه، فنظروا ما المذهب الفقهي الذي يعتنقه أبو منصور؟ وجدوا أنه يعتنق المذهب الحنفي في الفقه، فأصبحت المدرسة الماتريدية تتبع أبا حنيفة في الفقه، ومع الوقت وعبر التاريخ أصبح كثير من رواد المدرسة الماتريدية ينسبون العقيدة الماتريدية لأبي حنيفة، مع أن أبا حنيفة كان قبل أبي منصور الماتريدي، وعقيدته عقيدة السلف الصالح وليست عقيدة أبي منصور رحمة الله على الجميع، فهذه من خلط التاريخ، الخلط التاريخي عند الناس الذين لا يحررون ولا يبحثون عن حقائق الأمور.

لأن أبو منصور الماتريدي اعتنق في الفقه مذهب أبي حنيفة، فأصبح أتباعه في الاعتقاد يعتنقون المذهب الحنفي اقتداء بشيخهم، وهذه الإشكالية التي وقعت في المذهب الحنفي وقعت بذاتها في المذهب الشافعي، ما السبب؟ أبو الحسن الأشعري رحمة الله عليه في طوره الثاني قبل أن يعود إلى طريقة أهل السنة، في طوره الثاني كان في الفقه على طريقة الإمام الشافعي على الأصح من كلام أهل العلم، كان في الفقه على طريقة الإمام الشافعي، فلما أصبح له أتباعه ورواده في الاعتقاد، أصبح الذين يتبعون مدرسة أبي الحسن الأشعري في الاعتقاد ينظرون، ما هو المذهب الفقهي لأبي الحسن الأشعري؟ أه يجدون المذهب الشافعي فيقولون إذا نحن سنتبع المذهب الشافعي إجلالا لشيخهم أبي الحسن الأشعري رحمة الله تعالى عليه.

هكذا أحبتي هكذا مشى التاريخ، فنقول وهذا ما وقع بالضبط مع المدرسة الأشعرية، فإن أبا الحسن الأشعري كان شافعي المذهب على الأصح في مسائل الفقه، لذلك فشا هذا المذهب المذهب الشافعي بين اتباع المدرسة الأشعرية في الاعتقاد، واما الإمام الشافعي فلا علاقة له من قريب ولا من بعيد بالفكر الاشعري في طوره الثاني، فلا علاقة له بهذا الاعتقاد لا هو ولا تلامذته الاوائل، فهم كانوا على طريقة السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم.

طريقة المالكية، دعنا نرصد المدرسة المالكية سريعا، في المدرسة المالكية أحبتي كما قلنا لأن الإام مالك كان أكثر الأئمة نصوصا على عقيدة السلف قل فيها الابتداع عموما، قل الابتداع فيها، وحينما فشا المذهب المالكي في شمال أفريقيا في ليبيا وتونس والمغرب الاسلامي وحتى في الأندلس، كان العلماء لفترة طويلة على عقيدة السلف الصالح التي كان يقول بها الإمام مالك بن أنس.

لكن ما الذي حدث في المدرسة المالكية أحبتي؟ انتشرت العقيدة الأشعرية على يد أبي بكر الباقلاني رحمة الله عليه إمام كبير رحمة الله عليه، لكنه كان على طريقة الأشعري في طوره الثاني، فإن الإمام أبو بكر الباقلاني كان مالكي المذهب على الأصح، هناك خلاف هل كان مالكيا أو شافعيا لكن الصحيح أنه كان مالكيا، وهو من أكبر منظري المدرسة الأشعرية، فبدأت الأشاعرة تدخل في المذهب المالكي عن طريق أبي بكر الباقلاني رحمة الله تعالى عليه.

ثم أبو بكر الباقلاني لم يكن في المغرب الإسلامي، طب كيف انتشر المذهب الاشعري عند المدرسة المالكية الفقهية في المغرب الإسلامي؟ لما انتهت دولة المرابطين في المغرب الإسلامي وجاء محمد بن تومرت الذي أسس دولة الموحدين، محمد بن تومرت كان معتنقا للعقيدة الأشعرية، فلما أسس محمد بن تومرت دولة الموحدين على أنقاض دولة المرابطين نشر ابن تومرت المذهب الأشعري في المغرب الإسلامي، ومن هنا دخلت العقيدة الأشعرية إلى بلاد المغرب الإسلامي، وإلا قبل ذلك قبل ابن تومرت وقبل دولة الموحدين كانوا على عقيدة السلف الصالح.

فجاء محمد بن تومرت كما قلت في بداية المئة السادسة أسس دولة الموحدين، ونشر عقيدة الأشاعرة وأمر بتدريسها في المعاهد الشرعية، وسمى أتباعه، هل تعرفون لماذا ابن تومرت سمى دولته دولة الموحدين؟ هو يريد أن ينبز بمن سار على طريقة أهل السنة فيقول دولة، يعني نحن الموحدون بحق وأنتم يا من تخالفون طريقة أبي الحسن الأشعري في الاعتقاد لستم على التوحيد الصحيح الخالص، فهذا الاسم له مقصد من محمد بن ابن تومرت.

إذا وسمى أتباعه دولته بالموحدين لمزا لمخالفيه في الاعتقاد بأنهم ليسوا على التوحيد الخالص، وأما قبل المئة الرابعة كما قلنا فكان جل علماء المغرب على طريقة السلف الصالح التي قررها ابن أبي زيد القيرواني رحمة الله عليه إمام كبير في المدرسة المالكية في كتابه الرسالة في مقدمتها وغيره من أئمة السلف، ولم يكن معروفا عندهم في المغرب الإسلامي مدارس الكلاميين، طبعا وإنما ذكرت هذه اللمحة التاريخية أحبتي ليعلم أهمية دراسة السياق التاريخي لانتشار الأقوال والفرق العقدية داخل المدارس الفقهية.

نحن قررنا ابتداء أن المدرسة الحنفية والشافعية والمالكية وحتى الحنبلية هي في أساسها مدارس فقهية ليست عقدية، لكن لماذا أصبح هناك اشتباك بين المدرسة العقائدية والمدرسة الفقهية؟ بسبب هذه الأمور التاريخية، مدرسة أبي حنيفة هي مدرسة فقهية، لكن لما اعتنق أبو منصور الماتريدي الفقه الحنفي أكثر رواد أبي منصور الماتريدي في الاعتقاد سلكوا الفقه الحنفي، فأصبح الماتريدية مشهور عندهم المذهب الحنفي في الفقه، وينسبون إلى أبي حنيفة قواعد الماتريدية وهو منها براء يعني في مسألة خالف فيها الماتريدي عقيدة اهل السنة.

وكذلك ما حدث في العقيدة أو في المذهب الشافعي، المذهب الشافعي لأن الإمام الأكبر في المدرسة الأشعرية أبي الحسن الأشعري في طوره الثاني قبل أن يعود إلى طريقة أهل السنة كان شافعي المذهب الفقهي، أحبابه وأتباع أبي الحسن الأشعري اعتنقوا المذهب الشافعي في الفقه حتى ظن أن الإمام الشافعي يقول بقول أبي الحسن الأشعري مع أن أبا الحسن كان بعده.

كذلك المدرسة المالكية وإن كانت أقل المدارس ابتداء، لأن مالكا كما قلنا من أكثر الأئمة نصوصا في الفقه ومن أكثرهم، وإن كان أحمد أكثر منه لكثرة نصوصه في أصول الدين قل الابتداع عنده، لذلك تأخر ظهور البدع والفرق الكلامية في المذهب المالكي الفقهي، حتى جاء كما قلنا محمد بن تومرت وأدخل المدرسة الأشعرية إلى بلاد المغرب الإسلامي ليؤسس دولة الموحدين، وأبو بكر الباقلاني رحمة الله عليه قبل ذلك أيضا لأنه كان مالكي المذهب انتشر المذهب الأشعري داخل المذهب الفقهي المالكي.

هذا سياق تاريخي مهم عليكم أن تتصوروه لتفهموا العلاقة بين المذاهب والفرق العقدية، لأن الطالب حينما يرى مدرسة أبي حنيفة النعمان في الفقه أكثرها ماتريدية يظن أن أبا حنيفة كان ماتريديا، وهذا خطأ، أو حينما يرى أن أكثر الشافعية أو كثير من الشافعية بغض النظر أكثر أو كثير من الشافعية كانوا على عقيدة الأشاعرة يظن أن الشافعي كان أشعريا وهذا خطأ علمي تاريخي.

وكذلك حينما يرى أن كثير من الأشاعرة المفوضة على طريقة مالك على مذهب مالك في الفقه يظن أن المفوضة والأشاعرة والله قولهم كقول مالك، وهذا خطأ نشأ عبر الخلط بسبب الخلط بين المدرسة الفقهية والمدرسة العقدية، المدرسة الفقهية شيء والمدرسة العقدية شيء آخر.

طيب لكن ينبغي أن يعلم أن جميع هذه المذاهب الأربعة إنما أساسها هذا الذي أريد أن أوصله مذاهب فقهية، لكن اتباع هذه المدارس الفقهية يختلفون في مشاربهم العقدية، ففيه من هو على طريقة أهل السنة وفيهم من اتبع الطرق الكلامية ما بين مكثر ومقل ومقترب من السنة ومباعد عنها، إذا أحبتي باختصار.

كل مدرسة فقهية تجد فيها مدارس عقدية مختلفة، فالمدرسة الحنفية في الفقه فيها من أتباعها من هو على طريقة أهل السنة والجماعة، ابن أبي العز الحنفي الذي نقرأ في الأرجوزة المائية إمام كبير على المذهب الحنفي وعلى طريقة أهل السنة والجماعة. إذا المدرسة الحنفية فيها من هو على طريقة أهل السنة، وفيها من هو على طريقة الأشاعرة، وعلى طريقة المعتزلة، وفيها الشيعة، وفيها كذا وكذا. تعال للمدرسة المالكية، نفس الشيء، فيها من هو على طريقة أهل السنة في الاعتقاد، وفيها من هو على طريقة الأشاعرة والماتريدية، وسر على ذلك. المدرسة الشافعية نفس الشيء، داخل المذهب الفقهي هناك تيارات عقدية. والمذهب الحنبلي أيضاً، داخلها هناك تيارات عقدية. لكن حجم الاختلاف داخل كل مدرسة يعود إلى وفرة النصوص عن الإمام، فأقل الأئمة نصوصاً في الاعتقاد كثرت الفرق والفرق والتيارات داخل مدرسته الفقهية؛ الشافعي لأنه يأتي بعده في قلة النصوص، أيضاً كثرت الفرق والتيارات العقدية داخل مدرسته الفقهية. مالك أكثر نصوصاً؛ فهناك فرق عقدية بدعية لكنها أقل من المدرسة الشافعية. أحمد أكثر أهل العلم نصوصاً في الاعتقاد؛ قلت التيارات البدعية داخل مدرسته الفقهية.

لكن المذهب الحنبلي الآن سأعود إلى المدرسة الحنبلية بالتحديد، حافظ عبر مراحله التاريخية في الجملة، كما قلنا، على نسق معين في الدرس العقدي وفي تقليل مسائل الاعتقاد، على الرغم من أنه نشأت فيه تيارات بدعية كما سأبيّن بعد قليل. هناك تيارات بدعية نشأت داخل المدرسة الحنبلية، لكن بشكل عام المدرسة الحنبلية بحد ذاتها من وفاة الإمام أحمد بن حنبل وحتى قرون متأخرة حافظت في سوادها الأعظم على نسق عام في تقرير مسائل الاعتقاد، وإن ظهرت فيها بعض الفرق البدعية. لكن في الجملة المذهب الحنبلي بالتحديد حافظ عبر مراحله التاريخية على نسق معين في تقرير مسائل الاعتقاد، وكان لمنهجهم الخاص أكبر الأثر في عد الحنابلة مدرسة عقدية مع أنهم في الأصل مدرسة فقهية.

إذا هذا أول سبب جعل كثير من الطوائف والفرق تنظر إلى المدرسة الحنبلية على أنها ليست مجرد مدرسة فقهية بل أيضاً مدرسة عقائدية، ما هو السبب؟ أن المدرسة الحنبلية عبر تاريخها وعبر القرون حافظت على نسق معين في النظر في مسائل الاعتقاد وبنائها؛ يعني حافظت على مصادر الاستدلال المقبولة في مسائل الاعتقاد ولم تتأثر كثيراً بمناهج المتكلمين البدعية والأدلة العقلية المتكلفة خصوصاً، بخلاف المدرسة الشافعية كثر فيها فرق، والمدرسة الحنفية كثر فيها الفرق، والمدرسة المالكية كثرت فيها الفرق وإن كانت أقل من المدارس الأخرى إلا المدرسة الحنبلية. المدرسة الحنبلية عبر التاريخ حافظت في سوادها الأعظم على نسق عام في مسائل الاعتقاد، وإن كان دخل فيها بعض أهل البدع لكن ليس بتلك الكثرة. وقد ساعد على ظهور هذه النظرة للمدرسة الحنبلية كما قلنا محافظة الحنابلة على نسق معين في بناء مسائل الاعتقاد جعلهم عبر التاريخ مدرسة عقدية وليس مجرد مدرسة فقهية.

ثانياً، الذي ساعد على هذه النظرة وعلى نشوء هذا الفكر عن المدرسة الحنبلية أنها مدرسة عقائدية وليست مجرد مدرسة فقهية، أن كثيراً -ويركزوا فيها الجملة قلّ من نبه عليها- من علماء الكلام من الأشاعرة وغيرهم ممن خالف طريقة أهل السنة والجماعة... أعيد النص مرة أخرى: وقد ساعد على ظهور هذه النظرة للمدرسة الحنبلية عرض كثير من علماء الكلام من الأشاعرة وغيرهم خلافهم مع طريقة أهل السنة والجماعة على أنه خلاف مع الحنابلة. أعيد حتى تفهموا، هذا أمر خطير جداً: عرض كثير من علماء الكلام من أئمة الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة عرضوا خلافهم ومشكلتهم مع طريقة أهل السنة والجماعة التي كان عليها الصحابة والتابعون، لم يعرضوها على أنها خلاف مع منهج السلف الصالح. لماذا؟ لأنهم تأكيداً هم يقولون علماء الكلام: إن طريقتنا أو منهجنا منهج السلف الصالح، هم لن يتبرأوا من منهج السلف الصالح وإلا أصبح عندهم مشكلة، لذلك كانوا يصورون ويعرضون خلافهم مع المنهج الحق منهج أهل السنة على أنه خلاف مع الحنابلة.

ولو نظرتم في كتب علماء الكلام من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة يقولون مثلاً حينما يعرضون الخلاف في مسألة عقدية: لا يقولون وخالف فيها أحمد بن حنبل، بل يقولون: وخالفنا فيها الحنابلة، وخالفنا فيها الحنابلة. فمثلاً من يقرأ كتاب الرازي أساس التقديس كثيراً ما يذكر أن هذه المسائل التي يقررها هو خالفه فيها الحنابلة؛ هكذا يقول: وخالف في هذه المسألة الحنابلة. طب أنت الآن في أساس التقديس كتاب عقدي، إيش علاقة الحنابلة في مسائل الاعتقاد؟ هذا يبين الفكرة التي أريج أن أؤكدها: أن المدرسة الحنبلية عبر التاريخ تطورت من مدرسة فقهية في أصلها وأصبحت مدرسة عقدية ينظر إليها على أنها مدرسة فقهية وفي نفس الوقت مدرسة عقدية. ففي الاعتقاد تجد علماء الكلام ينصبون الخلاف مع المدرسة الحنبلية، يقولون: وقال في هذا الحنابلة؛ حتى الغزالي كان يفعل ذلك في مصنفاته ويقول: وإنما خالف في هذه المسألة الحنابلة.

هذا واضح، فلما تقول الغزالي يقول: وقال في هذه المسألة العقدية الحنابلة، والرازي بعده يقول: وخالف في هذه المسألة العقدية الحنابلة، تكونت فكرة عبر التاريخ أن المدرسة الحنبلية هي أيضاً ليست مجرد مدرسة فقهية بل هي مدرسة عقدية تسير وفق طريقة معينة في الاستدلال على مسائل الاعتقاد وبنائها، وهي طريقة السلف الصالح التي بيناها لكم، وهذا كما قلنا في الجملة وليس كل أتباع المذهب الحنبلي كان على هذا. فلما نصب هؤلاء وغيرهم من متقدمي علماء الكلام خلافهم العقدي مع الحنابلة وجعلوا الحنابلة ندّاً لهم في الاعتقاد، أصبح هناك نظرة لهذا المذهب الفقهي بأنه ليس مجرد مذهب فقهي بل هو طريقة ومسلك في الاعتقاد أيضاً. وهذا يفسر لكم أحبتي -الآن أظن الصورة بدأت تتضح لكم- المدرسة الحنبلية أولاً عبر التاريخ اتخذت مسلكاً معيناً وتمسكت به في بناء عقائدها في الجملة. ثانياً، كثير من علماء الكلام نصب خلافه في الاعتقاد مع منهج أهل السنة على أنه خلاف مع المدرسة الحنبلية. فبسبب هذين العاملين ظهرت المدرسة الحنبلية في التاريخ على أنها مدرسة عقدية بالإضافة إلى أنها مدرسة فقهية، ولا إشكال في ذلك.

يعني هل هذا خطأ؟ ليس كلاماً خطأً، هذا كلام قريب من الصحة لدرجة كبيرة جداً، لكن علينا أن نهتم ونعرف أن المدرسة الشافعية الفقهية والمدرسة المالكية الفقهية والمدرسة الحنفية الفقهية كثيراً من روادها في الاعتقاد على طريقة أحمد بن حنبل، على طريقة السلف الصالح، وعلى طريقة الحنابلة. لكن سبب التشويش الذي وقع في هذه المدارس الفقهية هو ما ذكرته لكم ولا أكرره الآن وما ذكرته في بداية المحاضرة. ولأن المدرسة الحنبلية أصبحت وإلى الآن تدل على طريقة معينة في بناء مسائل الاعتقاد وليس مجرد بناء الفقه، نُحيت المدرسة الحنبلية في كثير من الدول عن امتلاك زمام المبادرة. المدرسة الحنبلية كان يُخشى منها، لذلك كانت تُنحى في الدول التي ظهرت فيها البدع عبر التاريخ عن ملك زمام المبادرة، تُنحى عن القضاء، يُحاول أن يهمّشوا وأن يقللوا من أثرهم؛ هذا في الدول التي امتلك زمام المبادرة فيها علماء الكلام. أي دولة امتلك زمام المبادرة فيها علماء الكلام كانوا يسعون لتهميش دور المدرسة الحنبلية، إلا إذا وجدوا حنبلياً ليس على طريقة الحنابلة بحق يمكن أن يتبنى ويبرز على أنه هذا هو الحنبلي بحق. لكن بشكل عام كانوا يتخوفون من المدرسة الحنبلية.

وفي وقتنا الحاضر أحبتي أنتم ترون ذلك كيف هناك خشية من انتشار المذهب الحنبلي ومن تدريس المذهب الحنبلي في الدول التي تسعى الآن في وقتنا المعاصر إلى نشر العقيدة الأشعرية والماتريدية؛ تجدونهم يحرصون على تهميش المذهب الحنبلي وعدم إظهاره وكأنه مذهب ليس بموجود ولم يوجد عبر تاريخ الأمة. مع أنها مدرسة تاريخية عميقة في تراثها الفقهي والأصولي والعقدي، لكن لماذا تهمش؟ انظروا في الدول المعاصرة التي تسعى لنشر عقيدة الأشاعرة والماتريدية والعقائد الكلامية عموماً تجد يملكون زمام المبادرة فيها من أهل الكلام يحاولون تهميش المدرسة الحنبلية، لأنهم يدركون أن المدرسة الحنبلية ليست مجرد مدرسة فقهية بل هي مسلك أيضاً عقدي، مسلك في النظر في مسالك الاعتقاد حافظ على طريقة أهل السنة والجماعة وصمد عليها في بنائه وفي تفكيره وفي نظرته.

إذا هذه النظرة الأولى التي أتكلم فيها أن كيف أصبحت المدرسة الحنبلية من مدرسة فقهية إلى مدرسة عقدية، وما الفرق بين المدرسة الحنبلية والمدارس الفقهية الأخرى؟ أظن أن الصورة تشكلت لديكم. الآن أعود فأقول، يعني الآن ساتكلم عن المدرسة الحنبلية بالتحديد، يعني أنا قلت لكم هناك تشويش؛ إذا قلتم يا شيخ أن المدرسة الحنبلية أصبحت مدرسة عقدية وجعلها علماء الكلام ندّاً لهم، إذا الأصل أن تكون المدرسة الحنبلية واضحة في اعتقادها بحيث يجعلها علماء الكلام ندّاً لهم، فهل فعلاً المدرسة الحنبلية على قلب رجل واحد في مسالك الاعتقاد؟ وهل يوجد تيارات داخل هذه المدرسة الواحدة؟ وما سبب الخلاف المعاصر في تحديد المدرسة الحنبلية؟ لأنه أحبتي الآن للاسف بعض المتكلمين المعاصرين ومن يسير على طريقة علماء الكلام يحاول أن يصور أن المدرسة الحنبلية أيضاً هي لا خلاف بينها كبير مع أقوال المتكلمين، حتى يصور أن الذي يسير على طريقة أهل السنة والجماعة هم مجموعة من الشذاذ، فحتى المدرسة الحنبلية هي على طريقة علماء الكلام. وهذا في الحقيقة تشويه للتاريخ وتلاعب به، وللاسف بعض الحنابلة اغتروا بكلام علماء الكلام، اغتروا فأصبح بعض الحنابلة من ضعاف العلم من ضعاف الحنابلة يحاولون أن يأخذوا المدرسة الحنبلية إلى صف المدارس الكلامية، ويحاولون أن يظهروا أن جميع المدارس الحنبلية والشافعية والمالكية والحنفية هي مدارس تقول في الاعتقاد بقول واحد، بقول علماء الأشاعرة والمعتزلة أو المفوضة أو ما شابه ذلك على اختلاف المناهج الكلامية. فهذا في الحقيقة أمر يحتاج إلى تروٍّ وهدوء.

نحن نقول أحبتي: المدرسة الحنبلية عبر التاريخ نعم أصبحت مدرسة عقدية في الخط العام لها، نسق معين في تقرير مسائل الاعتقاد، لكن لا يمنع هذا وجود بعض التيارات داخل المدرسة الحنبلية لم توفق تماماً إلى إصابة عقيدة أهل السنة والجماعة، يوجد. طيب دعونا نخوض المدرسة الحنبلية فنقول: ما هي طريقة الحنابلة في الاعتقاد؟ ساقسم كلامي الآن إلى نقط حتى تبين هذه المسألة: ما هي طريقة الحنابلة في الاعتقاد؟ فأقول: هناك مجموعة من النقاط ستجلي لنا مفهوم المدرسة الحنبلية في الاعتقاد.

أولاً: تمتاز المدرسة الحنبلية كمدرسة عقدية عن المدارس العقدية الأخرى الكلامية الأشعرية -الآن لما أقول المدرسة الحنبلية كمدرسة عقدية لا أقابلها بالمدرسة الشافعية أو المالكية أو الحنفية هذا خطأ؛ حينما أقول المدرسة الحنبلية كمدرسة عقائدية الآن أنا أقابلها بالمدرسة الكلامية، لكن حينما أقول المدرسة الحنبلية في الفقه هنا يقابلها المدرسة الشافعية والمالكية والحنفية- فأقول أولاً: تمتاز المدرسة الحنبلية في الاعتقاد عن المدارس العقدية الأخرى الكلامية بعدة ميزات.

أ: قلة المادة الكلامية العقلية المتكلفة في كتب الحنابلة في الاعتقاد، وهذا يعرف بالنظر والاستقراء لكتب الحنابلة التي سطروها في هذا العلم. فهناك كمية لا بأس بها من هذه المصنفات داخل المذهب، سواء المصنفات التي تركها الإمام أحمد بنهنبل نفسه في مسائل الاعتقاد، أو جمعها تلاميذه بعد ذلك كالخلال من فتاويه وأقواله، أو كتب الرسائل التي صنفها علماء المذهب. فأنت لو أتيت بكتب الحنابلة في الاعتقاد بدءاً من كتب أحمد بن حنبل؛ له كتب في الاعتقاد وفتاويه التي جمعت إلى ما بعد ذلك، وجمعتهم ونظرت فيها تجد أنهم لا يعتمدون على الأقيسة العقلية المتكلفة في بناء مسائل الاعتقاد في الجملة، وإنما يعتمدون على مصادر الاستدلال المقبولة. هذه أول ميزة للمدرسة الحنبلية في الاعتقاد التي هي مدرسة السلف الصالح، التي هي طريقة أهل السنة والجماعة في البناء العقدي، لا فرق، لكن أنا احتجت أن أقول المدرسة الحنبلية لأن هناك أناساً يحتاجون لتوضيح ما هي المدرسة الحنبلية.

ب: قلة الخلاف العقدي داخل المدرسة الحنبلية؛ المدرسة الحنبلية في سوادها الأعظم تسير على طريقة أهل السنة والجماعة، يوجد فيها تيارات أخرى سنذكرها بعد قليل يوجد، لكنها قليلة ومحدودة الأثر وليست هي السواد الأعظم في المدرسة الحنبلية. إذاً: قلة الخلاف العقدي داخل المدرسة الحنبلية وخفة الابتداع الذي وقع به بعضهم؛ يعني حتى الذين ابتدعوا داخل المدرسة الحنبلية وخالفوا منهج أهل السنة فإن بدعهم تكون محدودة جداً قليلة، ويكونون مخلطين؛ أخذوا شيئاً من طرق أهل السنة وأخذوا شيئاً من طرق أهل الكلام. أما الابتداع الكبير والشنيع فهذا نادر جداً جداً داخل الصف الحنبلي. يقول ابن تيمية على هذه النقطة تعليقاً: وما فيهم من البدع -أي في المدرسة الحنبلي- فهو أخف من بدع غيرهم؛ لماذا؟ لأن كلام أحمد بن حنبل في أصول الدين والفقه وبيانه لذلك بالكتاب والسنة أكثر من غيره.

ج: كثرة التخريج على أقوال الإمام أحمد بن حنبل والرجوع إليها في مسائل الاعتقاد نتيجة وفرة المادة العقدية عنده. هذه ثلاثة نقاط أ ب ج هي التي تميز المدرسة الحنبلية في الاعتقاد عن المدارس الكلامية: الاعتماد في بناء الاعتقاد على أصول أهل السنة والجماعة والابتعاد عن الأقيسة العقلية المتكلفة، وانظروا في كتب الحنابلة في الاعتقاد. ثانياً: قلة...

الخلاف العقدي داخل المدرسة الحنبلية خفيف الابتداء لدرجة كبيرة، وثالثاً كثرة التخريج على أقوال الإامام والاستعانة بها لوفرة النصوص المنقولة عنه. فهذه ألف وباء وجيم تبين لنا ميزات المدرسة الحنبلية في الاعتقاد. إذا انتهينا من النقطة الأولى.

أنتقل الآن لنقطة ثانية فأقول فيها مذهب الحنابلة أحبتي كغيره من المذاهب الأخرى نشأ في داخله كما قلنا تيارات عقدية متعددة، كما أن المذاهب الأخرى الفقهية يوجد في داخلها تيارات عقدية متعددة. لذلك يقول ابن تيمية في بيانه لوقوع الاختلاف داخل المدرسة الحنبلية: ما زال في الحنبلية من يكون ميله إلى نوع من الإثبات الذي تنفيه طائفة أخرى منهم. يعني هناك من يثبت في مسائل الصفات لله، وهناك من ينفي، وهذه من أهم مسائل الاعتقاد مسألة الأسماء والصفات. ومنهم من يقف في المنتصف يمسك عن النفي والإثبات على طريقة المفوضة.

فباختصار وهذا الذي يهم الآن فيهم جنس التنازع الموجود في سائر الطوائف. هذا كلام ابن تيمية واضح، يقول الحنابلة فيهم جنس التنازع يعني فيهم تيارات تأخذ المدرسة الموجود في سائر الطوائف. لكن هذا استدراك مهم نزاعهم في مسائل الدقة. يعني الخلاف داخل المدرسة الحنبلية بين رواد هذه المدرسة في الاعتقاد في المسائل الدقيقة جداً، وأما الأصول الكبار فهم متفقون عليها. ولهذا كانوا أقل الطوائف تنازعاً وافتراقاً لكثرة السنة والآثار عموماً. ابن تيمية هو أفضل من رصد المدرسة الحنبلية ورصد الاختلافات بينها وقارن بينها وبين المدارس الأخرى، فكلامه واضح في هذا الباب.

إذا النقطة الثانية قلنا فيها المدرسة الحنبلية كغيرها من المدارس نشأ في داخلها تيارات، لكن حجم التيارات داخل المدرسة الحنبلية أقل من حجم التيارات العقدية داخل المذاهب الفقهية الأخرى. طيب دعونا نرصد هذه التيارات، ما هي التيارات التي ظهرت داخل المدرسة الحنبلية؟ قبل أن أرصد التيارات العقدية سأرصد الأقوال العقدية التي ظهرت داخل المدرسة الحنبلية ثم بعد ذلك أرصد التيارات العقدية؛ لأن ليس كل قول عقدي تكلم به عالم من علماء الحنابلة يشكل تياراً عقدياً داخل المذهب، فهناك أقوال عقدية ما ظهرت إلا عند اثنين أو ثلاثة أو أربعة فهذه ليست تياراً.

فأولاً سأقول عن الأقوال التي ظهرت داخل المدرسة الحنبلية ثم سنرصد التيارات التي ظهرت، فأقول الأقوال العقدية الموجودة داخل المدرسة الحنبلية خمسة، هذه أقوال ظهرت عبر التاريخ. أولاً قول أهل السنة والجماعة، هذا القول هو قول أكثر الحنابلة بدءاً من الإامام أحمد بن حنبل وتلامذة الإامام، انتقاماً لابن بطة ومن في طبقته وابن هبيرة ثم إلى ابن قدامة المقدسي وصولاً إلى ابن تيمية وابن القيم وابن رجب وابن مفلح وحتى وقتنا المعاصر، امتداد تاريخي لقول أهل السنة والجماعة داخل المدرسة الحنبلية.

القول الثاني الذي ظهر في المدرسة الحنبلية قول يميل إلى أصول المعتزلة، ومن أشهر القائلين بهذا القول أبو الوفاء ابن عقيل، ابن عقيل الحنبلي رحمة الله عليه قبل أن يعود إلى طريقة علماء الحديث. ابن عقيل مر بأطوار في حياته، كان أولاً على طريقة المعتزلة ثم عاد لينتصر إلى أهل الحديث عموماً، فابن عقيل كان يمثل في طور من أطواره القول الاعتزالي داخل المدرسة الحنبلية.

ثالثاً قول يميل إلى طريقة الكلابية والاشاعرة، وهذا أشهر من نصره أو سار عليه في المذهب ابن الزاغوني وابن الجوزي والتميميون؛ مجموعة من الحنابلة كأبي الحسن التميمي وعبد الواحد التميمي. هؤلاء كانوا يسيرون في كثير من أصولهم، حتى هؤلاء حينما نقول قول يميل إلى الكلابية أنا أقصد كلمة يميل، أنه لم يتبنى المدرسة الكلابية والاشعرية بكل حذافيرها، بل تأثر بشيئ من أصول المدرسة الكلامية والأشاعرة. وهذا كما قلنا يمثله ابن الزاغوني وابن الجوزي والتميميون وأبو يعلى في بعض مصنفاته؛ لأن أبا يعلى عنده مشكلة في الحنبلية، لأنه أبو يعلى عنده اضطراب حقيقة في تقرير مسائل الاعتقاد، ففي بعض الكتب يقرر مسائل الاعتقاد على وجه فيه غلو في الإثبات وفي كتب أخرى يقررها على طريقة الكلابية والاشاعرة، فحدث عنده اضطراب في بعض مسائل الاعتقاد، وإن كان إاماماً جليلاً أبو يعلى رحمة الله عليه، لكن في مسائل الاعتقاد بالتحديد عنده شيء من الاضطراب.

إذاً هذا القول الثالث قول يميل إلى الكلابية والاشاعرة. القول الرابع قول يميل إلى كلام الفلاسفة، تصوروا يعني داخل المدرسة الحنبلية البعض يتبنى رأي الفلاسفة، وهذا أشهر من قال به أبو الفضل ابن الصابوني. القول الخامس قول يميل إلى غلاة المشبهة، وعندهم زيادة في إثبات الصفات لله سبحانه وتعالى. قول يميل إلى طريقة غلاة المشبهة، وأشهر القائلين به ابن حامد. ابن حامد وهو آخر رجل من متقدمي الحنابلة، إن المدرسة الحنبلية هناك متقدمون وهناك متوسطون وهناك متأخرون، آخر رجل في المتقدمين وعنده نهاية المتقدمين هو ابن حامد، فابن حامد عنده كان غلو في التشبيه وغلو أو زيادة في الإثبات، يعني خلينا نقول غلو تقول زيادة في الإثبات، كان عنده زيادة في الإثبات جعلت كثيراً من الأئمة يصنفه من غلاة المشبهة.

إذاً هذه خمسة أقوال: قول على طريقة أهل السنة، قول على طريقة المعتزلة، قول على طريقة الكلابية والاشاعرة، قول على طريقة الفلاسفة، قول على طريقة غلاة المشبهة. هذه الأقوال الخمسة وجدت داخل المدرسة الحنبلية، لكن كما قلنا ليس كل قول منها كان يشكل تياره، وإنما التيارات التي نشأت من هذه الأقوال في الحقيقة ثلاثة.

التيارات ثلاثة: التيار الأول هو التيار المحافظ على عقيدة أهل السنة والجماعة وهم السواد الأعظم. التيار الثاني تيار تأثر بأصول الكلابية والاشاعرة، هذا تيار كان موجوداً بشيء من الزخم داخل المدرسة الأشعرية داخل المدرسة الحنبلية، لكنه ليس هو السواد الأعظم فيها، إذاً تيار تأثر بأصول الكلابية والاشاعرة لكنه لم يتبنى المدرسة الأشعرية كفكر عقدي، بل ربما أخذ من الأشاعرة بعض العقائد وترك منها بعضاً، وهذا كما قلنا كان يمثله التميميون وابن الزاغوني وابن الجوزي، حتى ابن الجوزي عنده اضطراب يعني لا تظن أنه كان على طريقة واحدة.

التيار الثالث تيار غال في الإثبات الذي عنده غلو في إثبات الصفات لله سبحانه وتعالى، غلو في الإثبات وزيادة فيه، وهذا التيار كما قلنا شكله ابن حامد رحمة الله عليه وتأثر ابن حامد أبو يعلى في كتابه إبطال التأويلات قبل أن يعود أبو يعلى إلى طريقة أخرى طريقة قريبة من طريقة الأشاعرة والكلابية، فأبو يعلى كان مضطرباً، كل ابن حامد كان على طريقة من غلا في التشبيه وعنده زيادة في الإثبات.

فهذه هي التيارات الثلاثة التي كانت داخل المدرسة الحنبلية، لكن التيار المعتزلي والتيار الفلسفي وجوده نادر جداً، لذلك هي أقوال لكنها ليست تيارات، أما التيارات فهي ثلاث: تيار أهل السنة وهو السواد الأعظم في الحنابلة، التيار الثاني تيار الكلابية والاشاعرة الذين مالوا إلى طريقة الأشاعرة والمتكلمين لكن كما قلنا لم يميلوا ميلاً كاملاً، يعني حتى الذين مالوا من الحنابلة إلى طريقة المتكلمين يبقى هناك عندهم منازعة، يريدون طريقة المتكلمين لكنهم يدركون أن أكثر الحنابلة على طريقة أهل السنة على أصول أهل السنة فتجدهم في حال وسط، أحياناً يأخذون من هذا وأحياناً يأخذون من هذا.

والطريقة الثالثة أو التيار الثالث تيار من عنده زيادة في الإثبات، وهذا في الحقيقة تيار وجد داخل المدرسة الحنبلية أيضاً بزخم، الذين عندهم غلو في الإثبات تيار وجد داخل المدرسة الحنبلية بزخم ومن يقرأ النصوص التاريخية يدرك أن هذا التيار كان يشكل مشكلة وكان للأسف مبرراً لتطاول علماء الكلام على الحنابلة، تطاول بعض علماء الكلام على الحنابلة بسبب وجود غلاة مشبهة فيهم، الذين وفروا الداعي من انتقاد علماء الكلام للحنابلة وليقولوا لهم أنتم مشبهة وتشبهون الله بالخلق، وفي الحقيقة أكثر الحنابلة لم يكونوا على هذا، وإنما التيار الذي غلا في الإثبات هو الذي للأسف منح هذه الصورة للمدرسة الحنبلية ووافق هوى عند علماء المتكلمين.

طيب أدق من رصد الآن هذه التيارات يا شيخ يعني أنت هذا الرصد التاريخي للتيارات داخل الحنابلة هل هناك من سبق إليه وتكلم به؟ نعم، ابن تيمية هو كما قلنا رصد هذه التيارات داخل المدرسة الحنبلية، يقول في نص أقرؤه سريعم: أما الحنبلية فيقول ابن تيمية واما الحنبلية فابو عبد الله ابن حامد قوي في الإثبات يعني يزيد في الإثبات جاد فيه وسلك طريقته صاحبه القاضي أبو يعلى، طبعا في أحد أطواره؛ لأن أبو يعلى كما قلنا شخصية عندها مشكلة في باب الاعتقاد لكثرة تنقلها، لكنه منه يعني أبو يعلى غلا في الإثبات في فترة من فترات، وفي كتابه إبطال التأويلات واضح الغلو في باب الإثبات، لكنه يبقى أخف من ابن حامد في هذا الباب وأبعد عن الزيادة في الإثبات.

ابن تيمية يعبر بمفهوم الزيادة في الإثبات وأنا قلت الغلو في الإثبات، فالغلو في الإثبات هو الزيادة في الإثبات، وهذا خطأ، فإن الغلو في الإثبات ليس شيئاً يمدح به الشخص كما قد يظن بعض الجهال، الغلو في الإثبات خطأ ويوفر الداعي للمتكلمين ليطعنوا في عقيدة السلف الصالح، فأنت لست مميزاً حينما تغلو في إثبات شيء لم تقل به النصوص وتقولها وتحملها ما لا تحتمل، فالزيادة في الإثبات منهج خاطئ مخالف لطريقة أهل السنة والجماعة، وكثير من الحنابلة زادوا في الإثبات.

لاحظ ابن تيمية متجرد يقول كثير من الحنابلة عندهم غلو في الإثبات، وصنف القاضي أبو يعلى كتابه في إبطال التأويلات ورد فيه على ابن فورك شيخ القشيري، وكان الخليفة وغيره مائلين إليه إلى أبي يعلى ابتداء، فلما صار للقشيرية دولة لاحظوا أحبتي دائماً العقائد حينما تنتصر بالدول وتتكل على الخلفاء والسلاطين تسود، فعلاً السلطان والحاكم له دور كبير في نشر العقائد الحقة أو العقائد الباطلة، فإذا السلطان تبنى عقيدة أهل السنة والجماعة تنتشر هذه السنة ويعم الخير، وإذا تبنى عقائد الكلاميين كما حدث مع أحمد بن حنبل لما تبنى السلاطين أو تبنى السلاطين عقيدة المعتزلة في خلق القرآن انظروا كيف انتشر الفساد في المجتمع.

فالمهم ابن تيمية يقول يعني واضح كان هناك مشكلة بين العالم الحنبلي وبين القشيرية، ولما كانت ابتداء الدولة لأنصار أبي يعلى كان ظاهراً، ثم بعد ذلك أصبحت الدولة لأنصار القشيرية، فظهر القشيرية وتعرضوا لفتنة كبيرة، يعني وقعت فتنة كبيرة بين الفراء أنصار أبي يعلى الفراء وبين القشيرية. لاحظوا عبر التاريخ كيف العقائد تسبب دائماً شحناء وفتن اجتماع نسأل الله السلامة والعافية.

المهم أنا يهمني ما قاله عن أبي حامد أنه كان عنده زيادة في الإثبات، ثم انتقل ابن تيمية فقال: وأما أبو عبد الله ابن بطة فطريقته طريقة المحدثين المحضة، أي طريقة أهل السنة والجماعة، كأبي بكر الآجري في الشريعة واللالكائي في السنة والخلال وأمثاله، وقريب منه والى طريقته الشيخ أبو محمد اللي هو ابن قدامة صاحب لمعة الاعتقاد.

فإذاً ابن تيمية يصنف ابن قدامة على أنه على طريقة أهل السنة والجماعة وعلى طريقة علماء الحديث على طريقة ابن بطة والآجري واللالكائي والخلال، لكنه قال: وقريب منه والى طريقته يميل. لماذا ابن تيمية كان يريد أن يقول إن ابن قدامة في جل حاله على طريقة أهل السنة، هل يمكن ابن قدامة عنده شيء من المخالفات؟ هذا سنرصد أحبتي حينما ندرس لمعة الاعتقاد سنرصد بعض المخالفات لابن قدامة لمنهج أهل السنة، لكنه في العموم على طريقة أهل السنة والجماعة.

ثم انتقل ابن تيمية فقال: وأما التميميون كأبي الحسن وابنه وابن ابنه رزق الله فهم أبعد عن الإثبات وأقرب إلى موافقة غيرهم، إلى موافقة الكلاميين، ولهذا تتبعهم الصوفية، الصوفية من الحنابلة، الحنابلة فيهم صوفية؟ أي نعم فيهم صوفية، ويميل إليهم فضلاء الأشاعرة كالباقلاني والبيهقي. الباقلاني أحبتي كان لهم صداقة مع أنهم من علماء الأشاعرة، طبعا البيهقي هو من علماء الحديث ومن علماء الحديث الأشاعرة البيهقي، واما فهو من رؤوس الكلاميين الأشاعرة، هؤلاء كانوا يميلون لطائفة من الحنابلة، كانوا يميلون إلى التميميين.

كانوا يميلون إلى التميميين، أبو بكر الباقلاني والبيهقي كانوا يحبون هؤلاء، التميميون من الحنابلة كما قلنا كانوا متأثرين ببعض أصول المتكلمين وبعض أصول الأشاعرة، فهذا التقارب العقدي بين التميميين من الحنابلة وبين أبي بكر الباقلاني والبيهقي جعل بينهم شيئاً من الود والاقتراب ويعني الصحبة.

قال ابن تيمية بعد ذلك: وأما ابن عقيل فإذا انحرف وهذا في بداية أمره وقع في كلامه مادة قوية اعتزالية في الصفات والقدر وغيرها من أبواب الاعتقاد، بحيث يكون الاشعري أحسن حالاً مني يقول أبو الحسن الأشعري في طوره الثاني أحسن حالاً من ابن عقيل الحنبلي في مسائل الاعتقاد. ولهذا يقول ابن تيمية: كان بعض الحنابلة يقول: الحنبلي الذي يريد أن يصور نفسه أنه على طريقة أهل السنة يقول أنا وسط بين ابن عقيل وبين ابن حامد؛ لأن ابن حامد كان الغلو في الإثبات، وابن عقيل غلو في نفي الصفات وتعطيلها على طريقة المعتزلة، فإذا أراد أحد الحنابلة أن يصور أنه يعتدل يقول أنا وسط بين ابن عقيل وبين ابن حامد.

طبعاً هذا الرصد التاريخي لابن تيمية أنا لخصته لكم حينما ذكرت الأقوال داخل المدرسة الحنبلية في الاعتقاد ثم ذكرت التيارات العقدية التي هي داخل المذهب، لكن اردت أن أنقل لكم هذه النصوص لابن تيمية حتى تعرفوا أن هذا الكلام الذي أقوله ليس من بناتي أفكاري أو استنتاجي، الكلام ينص عليه الأئمة الكبار الذين رصدوا حركة التاريخ.

فأقول بعد هذا الكلام، وبعد رصد كلام ابن تيمية، وبهذا التحليل لابن تيمية ولكلامنا، يظهر لنا أمران: أولاً، من ادعى أن كل ما الحنابلة في كتبهم موافق لعقيدة أهل السنة والجماعة فقد جانب الصواب. يعني هناك من يغلو فيقول: كل الحنابلة على طريقة أهل السنة والجماعة، وكل ما يقرره الحنابلة على طريقة أهل السنة. نقول: هذا الإطلاق ليس بصواب.

الآن عرفنا أن المدرسة الحنبلية في داخلها تيارات عقدية، وإن كان التيار الغالب تيار أهل السنة والجماعة، لكن هناك تيارات أخرى يجب أن تنظر فيها، وتعرف هذا الحنبلي يسير على أي تيار من تيارات الحنابلة. إذاً، من ادعى أن كل ما يقرره الحنابلة في كتبه موافق لعقيدة أهل الصواب فقد جانب الصواب؛ فهناك توجهات عقدية متنوعة كما بينا، وكل توجه عقدي داخل المدرسة الحنبلية يحاول أن يسحب المذهب إليه، ويحاول أن يخرج أقوال الإمام على أقوالهم.

يعني فمن يسير على طريقة الكلابية والأشاعرة من الحنابلة يحاولون أن يخرجوا بعض النصوص المتشابهة لأحمد بن حنبل على طريقة الكلابية والأشعرية، ومن يسير على طريقة غلاة الإثبات أو الزيادة في الإثبات كبني حامد ومن سار على مدرسته يحاول أن يأتي بنصوص لأحمد بن حنبل في الإثبات تنصر طريقته، وأما أهل السنة والجماعة فهم الوسط دائماً. طيب، هذه الملحوظة الأولى؛ الملحوظة الأولى كما قلنا: أن من يقول إن كل كتب الحنابلة هي على طريقة أهل السنة والجماعة في الاعتقاد، هذا خطأ، جلها كثير منها صحيح، لكن كلها لا، لأن هناك حنابلة ليسوا على طريقة أهل السنة والجماعة بالضبط.

ثانياً، هذا التحليل الثاني يقابل الأول، أقول فيه: من ادعى أن فضلاء الحنابلة وأن أكثر الحنابلة كانوا يسيرون على طريقة الأشاعرة والمفوضة، كثير من المعاصرين يقول هذا الادعاء. من ادعى أن فضلاء الحنابلة وأكثر الحنابلة كانوا يسيرون على طريقة الأشاعرة في مسائل الصفات فقد جانب الصواب، وللاسف الذي أخطأ في هذا عالم كبير وهو تاج الدين السبكي، الذي جازف في ادعائه أن فضلاء الحنابلة ساروا على طريقة المدرسة الأشعرية، بل الواقع يثبت خلاف قوله، والاستقراء يثبت خلاف قوله تماماً. فأكثرهم أكثر الحنابلة كان مناوئاً رافضا للمدرسة، ومن تأثر منهم بالمدرسة الكلامية كالتميميين كان تأثره بها في جانب دون جانب.

فإياك أن تقول والله المدرسة الحنبلية كانت على طريقة الأشاعرة أو على طريقة علماء الكلام عموماً، هذا خطأ تاريخي. لو كنت معتقداً لطريقة الأشاعرة لكن كن منصفاً واقرأ التاريخ بحق، وإياك أن تزور حقائق التاريخ لأنك ستسأل أمام الله سبحانه وتعالى عن كل كلمة تقولها. إياك أن تتبنى منهجاً في رصد الحنابلة قبل أن تقرأ بحق بالحنابلة؛ اقرأ وارصد وتكلم بعلم لا يناقش. أما أن يكون الكلام مقتطعا من سياقه وفيه مجازفات في الإطلاق، ومن دون استقراء بحق، فهذا لا يقبل أبدا.

يعني أشعر أنني ربما تجاوزت الحد المطلوب في محاضرة اليوم وما زلت لم أكمل رصدي لبعض الظواهر. طيب، بقي شيء قليل في رصده للمدرسة الحنبلية في الاعتقاد، يعني بعض النقاط أتركها إن شاء الله للمحاضرة القادمة، يعني نقاط محدودة جداً ولا نتكلم بها اليوم. طب سامحوني، دعوني أتكلم بها اليوم حتى أخلص من كلامي عن المدرسة الحنبلية. أقول: ثالثاً، أسباب ظهور التوجهات العقدية المختلفة داخل المدرسة الحنبلية. يعني يا شيخ طب إذا كانت المدرسة الحنبلية تأخذ من أحمد بن حنبل، وأحمد بن حنبل هو إمام أهل السنة والجماعة، ما سبب ظهور هذه التيارات العقدية داخل المدرسة الحنبلية؟

فأقول: أسباب ظهور التوجهات العقدية المختلفة داخل المدرسة الحنبلية يمكن إعادتها إلى الأمور التالية: أولاً، الخطأ في الرواية والنقل عن الإمام؛ هناك روايات منقولة عن الإمام بشكل خطأ، أما لضعف الراوي، أو هناك من تقول على الإمام ما لم يقل، أو هناك من نقل الرواية بالمعنى. إذاً، السبب الأول لظهور التيارات العقدية داخل المدرسة الحنبلية. أظن أحبتي أن الكلام سيطول، يعني لا اريد أن أجمل الكلام لإعادة حتى لا تذهب الفائدة عليكم. إذاً، نترك هذا الكلام إن شاء الله في المحاضرة القادمة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.