غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح لمعة الاعتقاد للشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب لمعة الاعتقاد للإلام موفق الدين ابن قدامة المقدسي رحمة الله تعالى عليه. وكنا في المحاضرات السابقة أحبتي تحدثنا عن عقيدة الحنابلة وعن المدرسة الحنبلية. تعرفنا أو عرفنا لماذا أصبح الإلام أحمد بن حنبل شعاراً لأهل السنة والجماعة، ينتسب إليه كل من يريد إظهار أنه منتسب لعقيدة السلف الصالح وللنهج المحمدي في الاعتقاد؛ لأن أحمد بن حنبل وقف في وجه البدع ونصر عقيدة أهل السنة، وثانياً؛ لأن أحمد بن حنبل أكثر وفرة في النصوص من غيره من الأئمة الأعلام الكبار، وإن كانوا جميعاً رحمة الله تعالى عليهم على طريق السلف الصالح وعلى طريق الصحابة والتابعين، وجميعاً كانت مصادرهم في البناء العقدي واحدة: الهداية الفطرية، والأدلة العقلية الواضحة، والعودة إلى نصوص الكتاب والسنة وإلى ما أجمع عليه الصحابة والتابعون.
فهذه مصادر الاستدلال المقبولة التي شرحناها سابقاً هي المصادر التي كان ينطلق منها جميع الأئمة رحمة الله تعالى عليهم، وإنما حظ أحمد إنما هو التفصيل والتوضيح أكثر من غيره، رحمة الله تعالى على الجميع. ثم عرفنا ذلك لماذا تحولت المدرسة الحنبلية وإن كانت في اصلها مدرسة فقهية عبر التاريخ أصبح ينظر إليها كمدرسة عقدية؟ وعرفنا أن هناك عدة أسباب وعوامل؛ منها أن الحنابلة عموماً والسواد الأعظم منهم حافظ على نمط عام في البناء العقدي لمسائل الاعتقاد، ولم يعكروا صفو هذه المسائل بالخوض في علوم الكلام وفي فلسفة الأغريق واليونان، هذا أمر واضح في المدرسة الحنبلية، أجل العلماء فيها حافظوا على نمط معين في بناء المسائل العقدية.
ثانياً؛ الأمر الذي ساعد على تحول المدرسة الحنبلية إلى مدرسة عقدية أيضاً، أن كثيراً من علماء الكلام جعلوا الحنابلة ندّاً لهم في مسائل الاعتقاد. إن كثيراً من علماء الكلام كالغزالي والرازي ومن قبله ومن بعده، جعلوا الحنابلة ندّاً لهم في مسائل الاعتقاد، وهذا رسخ فكرة أن الحنابلة ليسوا مجرد مدرسة فقهية، بل أصحاب نمط معين في التعامل مع النصوص وفي بناء المسائل العقدية.
ثم بعد ذلك ذهبنا إلى المدرسة الحنبلية ودخلنا معها، فعرفنا أولاً ما هي الملامح العامة للبناء العقدي عند الحنابلة رحمة الله تعالى عليهم. ثم انتقلنا لنبين: هل كان فعلا الحنابلة كل الحنابلة على قلب رجل واحد؟ عرفنا في الحقيقة أن هذا الكلام ليس بصحيح، وإنما هنالك أقوال وهنالك تيارات داخل المدرسة الحنبلية، تيارات متنوعة، وإن كان التيار الأعم الأغلب هو تيار أهل السنة والجماعة، إلا أن هناك تيارات قريبة جداً من المدرسة الكلابية الأشعرية، وهناك تيارات قريبة من الغلو في إثبات الصفات ما يسمى الغلو في التشبيه، هناك أقوال وليست تيارات، أقوال فيها شيء من الاعتزال، أقوال فيها تأثر بآراء الفلاسفة.
إذاً، المدرسة الحنبلية لم تكن بجميع روادها على قلب رجل واحد، وإن كان السواد الأعظم فيهم على طريقة أهل السنة والجماعة. يعني نحن الآن نرصد رصد تاريخي أحبتي، فينبغي للإنسان أن يحرر الكلام هنا ليتضح له كثير من المفاصل، عندما تقرأ في كلام المتقدمين تجد الأمور مبعثرة، تجد أن فلاناً من الحنابلة كان يسير على طريقة فلان، لكن هذا لا يسير على هذه الطريقة، فتحاول أن تبحث: ما هو الحل؟ الحل أن تعرف أن الحنابلة لم يكونوا جميعاً على قلب رجل واحد، وإن كان السواد الأعظم فيهم على طريقة السنة.
ثم بقي علينا الكلام أحبتي، أنا هنا ختمت الحديث المحاضرة السابقة وتوقفت هنا، يعني كنت أريد أن أكمل لكن شعرت أن الكلام يأخذ وقتاً، فما أحببت أن تطول المحاضرة السابقة أكثر من ذلك، فقلت أتبع أو أختم الكلام اليوم في المدرسة الحنبلية، وننتقل بإذن الله إلى البدء في رحلتنا مع لمعة الاعتقاد موفق الدين ابن قدامة. بقي علي أن أتكلم أحبتي عن أسباب ظهور العقدية المتنوعة داخل المدرسة الحنبلية، مع أن المفروض أن شيخهم واحد أحمد بن حنبل، المفروض أن إمام هذه المدرسة أحمد بن حنبل وعنده وفرة عموماً في كثير من مسائل العقيدة، فما سبب ظهور التيارات العقدية داخل المدرسة الحنبلية؟ هذا الذي أريد أن أجيب عنه، فقلت: أسباب ظهور التوجهات العقدية المختلفة داخل المدرسة الحنبلية يمكن إعادتها إلى مجموعة من العوامل.
العامل الأول وهذا عامل خطير مهم: الخطأ في الرواية والنقل عن الإمام. هناك بعض الروايات أحبتي تنسب إلى أحمد بن حنبل وهي روايات ضعيفة السند، يعني لو نظرنا في سندها لوجدنا من هو ضعيف ومن ليس بعدل في نقد الأخبار. أيضاً من المشاكل في هذا الباب الروايات عن الإمام أحمد، مشكلة أن بعض الحنابلة ينقل كلام الإمام أحمد بالمعنى وليس باللفظ، وحينما تنقل كلام الإمام بالمعنى وليس باللفظ -وهذه ربما النقطة الثانية- هذا سيسبب تشويشاً مع الوقت على نفس الرواية، وسأطبق إن شاء الله في كلام ابن قدامة رحمة الله عليه على بعض الروايات المنقولة عن الإمام أحمد أن فلاناً يرويها بطريقة وفلاناً يرويها بطريقة أخرى.
فالخطأ في الرواية عن الإمام إما أن يكون أصالة أن هذه الرواية لم تثبت عن الإمام، وإنما جاءت بسند ضعيف أو وضعت على لسان الإمام أحمد وضعها، أو أن هذه الرواية في الجملة ثابتة لكنها ليست بهذا اللفظ الذي نقلت به، بل بلفظ آخر، وحينما نتتبع طرق هذه الروايات نعرف ما هو اللفظ الصحيح الثابت الذي رواه العدول الأثبات، وما هو اللفظ المرجوح الذي لا يمكن أن يكون من قول الإمام رحمة الله عليه. إذاً، هذا هو العامل الأول عموماً: الخطأ في الرواية وفي النقل عن الإمام.
قولوا فيه: قد وردت روايات عن الإمام أحمد في مسائل الاعتقاد ضعيفة السند، أو أخطأ ناقلها. نأخذ مثالاً: مثال ذلك الرواية التي نقلها حنبل، حنبل من أبرز تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل، حنبل يروي رواية عن الإمام أحمد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: 22]، يروي حنبل أن الإمام أحمد قال في تفسيره لهذه الآية: وجاء ربك أي جاءت قدرة، جاءت قدرة الله، وليس المراد منها المجيء الحقيقي لله سبحانه. وهذا في الحقيقة يتنافى مع أصول الإمام أحمد بن حنبل والروايات الأخرى التي تدل على أنه كان يثبت المجيء صفة لله سبحانه وتعالى.
فالمهم حنبل لما نقل هذه الرواية عن الإمام أحمد، زعم أن الإمام أحمد فسر قوله تعالى: وجاء ربك، أنه مجيء قدرة وليس مجيء ذات، فخطأه جمهور الحنابلة في هذه الرواية، كما قال أبو إسحاق وأبو يعلى إن هذا النقل عن حنبل نقل ضعيف وليس هو الصحيح المعروف المشهور عن الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه. يعني نفس الحنابلة وعلماء الحنابلة خطئوا حنبلاً، وحنبل بحد ذاته في الحقيقة قضية جدلية داخل المدرسة الحنبلية، وسنأتي إن شاء الله لهذا الرجل رحمة الله عليه في خضم حديثنا عن لمعة الاعتقاد.
حنبل أحبتي إذا تفرد في نقل الروايات عن أحمد بن حنبل وخالف فيما ينقله أصحاب تلاميذ الإمام لا تقبل روايته عادة. وهذه أمور أحبتي ينبغي أن يقف عندها الطالب بتمعن، لماذا؟ لأن كثير من أحبتنا يقولون: يا شيخ نحن نرى كثيراً من النصوص المنقولة عن السلف الصالح فيها تأويل لآيات الصفات، فيها تأويل لآيات الصفات. فنطلب منهم أن يأتوا بهذه النصوص، فإذا هم يأتون بمثل هذه النصوص، فإذا هي نصوص ضعيفة لم تثبت عن السلف الصالح رحمة الله تعالى عليهم.
فيا طالب العلم قبل أن تنقل عن السلف الصالح عليك أن تتوثق، ألم نقل أهمية التوثيق العقدي في نسبة العقائد؟ لأننا أحبتي نعيش في زمن تساهل فيه ناس في نقل الكلام والأخبار ونقل العقائد من دون توثيق ومن دون بحث جاد رصين عن منشأ هذه الأقوال وكيف ظهرت؟ فمثل هذه الرواية رواية حنبل، أصبح كثير ممن يزعم أنهم على طريقة الحنابلة يتكئون عليها في أن أحمد بن حنبل يؤول آيات الصفات، مع أن من يقرأ جميع روايات الإمام أو جُل روايات الإمام يجد أن منهج أحمد بن حنبل واضح أنه يُقِرُّ هذه الصفات على حقائقها من دون تأويل، وأن تأويل أحمد لبعض النصوص تأويل خاص بنص معين لا يتعارض مع أصله العام في إثبات نصوص الصفات على ظاهرها.
فحينما نأتي لمثل هذه الرواية نكتشف أن راوية حنبل، وحنبل كما كان الخلال وغلام الخلال وغيرهم لا يقبلون تفرداته أصلاً في الفقه، يعني إذا طوال الإمام رووا عن الإمام أحمد بن حنبل مسألة فقهية وحنبل روى عنه خلاف هذه المسألة أو خلاف قوله في هذه المسألة في الفقه لا يقبل تفرده، فما بالكم فيما هو أخطر في مسائل الاعتقاد؟ فالامر إذاً يحتاج إلى تحري واهتمام: أنه هل هذه الرواية ثبتت عن الإمام أحمد بن حنبل؟ فهذه قضية مهمة.
وكذلك أحبتي بعض الرسائل التي تنسب إلى الإمام أحمد بن حنبل ويذكرها ابن أبي يعلى في كتابه طبقات الحنابلة وهو يترجم للإمام أحمد، هذه الرسائل وقع فيها رسائل مكذوبة على لسان الإمام وليست بصحيحة، وفي سندها من هو ضعيف، وقد تعقبها الذهبي رحمة الله عليه كثيراً في سير أعلام النبلاء وبين ضعفها، فاذا ينبغي أن نتحرى من ذلك.
فاقول: تلقف هذه الروايات المنسوبة للإمام والتي فيها أغاليط، تلقاها كثير من متأخري الحنابلة وبنوا عليها رأي الإمام في المسألة، مع أن هذه الروايات روايات كما قلنا ضعيفة ولم تثبت، والاصل أننا نطبق منهج التوثيق العقدي، وأن نجمع جميع روايات الإمام حتى نخلص إلى صورة واضحة عن المسلك العقدي الذي يسلكه الإمام أحمد بن حنبل في باب الصفات أو في باب القضاء والقدر وغيرها من الأبواب العقدية.
طيب، لا أريد أن أطيل أكثر من ذلك، أذهب إلى العامل الثاني من العوامل التي سببت نشوء التيارات داخل المدرسة الحنبلية: قضية الخطأ في فهم كلام الإمام ومقاصده. هذا أمر ثانٍ ومهم جداً جداً بالنسبة لي مع ابن قدامة رحمة الله عليه؛ لأنه وقع في شيء من ذلك في بعض المسائل التي أوردها في اللمعة. سأناقش ذلك بإذن الله، إذاً المهم العامل الثاني الذي يسبب نشوء تيارات داخل المدرسة الحنبلية: الخطأ في فهم كلام الإمام رحمة الله عليه وفي فهم مقصده.
ومن هذا ما ذهب إليه بعض المعاصرين من أن مذهب أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، كثير من المعاصرين أو دُقَّ القُطْرُ، بعض المعاصرين سنين يزعمون أن مذهب أحمد بن حنبل في مسائل الصفات التفويض. طب ما معنى التفويض؟ هذا سابينه إن شاء الله في الدرس القادم أو الذي يليه حينما ندخل. المهم يزعمون أن أحمد بن حنبل يفوض في باب الصفات، يعني لا يثبت لنصوص الصفات حقائقها، وإنما يفوض العلم بها إلى الله سبحانه وتعالى، ويتكئون في ذلك في زعمهم أن مذهب أحمد بن حنبل في نصوص الصفات هو التفويض، يتكئون على ماذا؟ على بعض النصوص المتشابهة المجملة من كلام الإمام، كقوله في بعض نصوص الصفات: امروها كما جاءت بلا تفسير.
ففهم الذين يزعمون أن مذهب أحمد بن حنبل للتفويض، فهموا من قول أحمد بن حنبل: امروها كما جاءت بلا تفسير، أن الإمام يريد أن يقول: إن نصوص الصفات الواردة في الكتاب والسنة لا نعلم معناها، ونفوض دلالتها إلى الله سبحانه. هكذا فهموا من هذا النص، وهذا عُنْفُ الفهم، وهذا خطأ في الفهم، وابتعاد عن الجادة الصحيحة في التوثيق العقدي؛ لأنهم لو جمعوا كلام الإمام أحمد بن حنبل في كتبه وفي فتاوى مختلفة عنه، يعرفون ماذا يقصد الإمام أحمد بن حنبل بهذا النص بالتحديد؟ طب ماذا يقصد يا شيخ؟ إن شاء الله في المحاضرات القادمة سابين لكم ماذا قصد.
المهم أردت أن أمثل على نموذج على الخطأ في فهم كلام الإمام وفهم مقصده، كيف يؤدي إلى نشوء تيار أو نشوء فكرة مغلوطة عن الإمام أحمد يتلقفها بعض الحنابلة ويشكلون تيارج معيناً يقولون: الله، أحمد بن حنبل أصلاً هو مفوض في باب الصفات، ومن هنا تلجأ إلى أغاليط.
إذاً، العامل الأول لنشوء التيارات: الروايات المكذوبة أو المنسوبة خطأ إلى الإمام أحمد بن حنبل. ثانياً: الفهم الخاطئ لكلام الإمام، يعني كما جاءت بلا تفسير هذه ثابتة عن الإمام، لكن المشكلة في الفهم الخاطئ لها وعدم إدراك مقصدها.
طيب، العامل الثالث الذي سبب نشوء التيارات داخل المدرسة الحنبلية هو اختلاف الروايات الواردة عن الإمام أحمد بن حنبل في بعض المسائل، وعدم معرفة البعض طرق الجمع بينها وتوجيهها، وعدم اعتماد البعض أيضاً على طريقة التوثيق العقدي الصحيحة، عدم إدراك البعض لطريقة التوثيق العقدي الصحيحة. فاختلاف الروايات عن أحمد بن حنبل في بعض المسائل العقدية، البعض لم يحسن التعامل معها وجمعها، والبعض لم يحسن معرفة أو استخدام أسلوب التوثيق العقدي معها؛ لأنه يمكن بعض الروايات تكون مغلوطة وبعضها تكون صحيحة، فاختلاف الروايات مع عدم معرفة الجمع بينها أو عدم تطبيق أسلوب التوثيق العقدي الصحيح معها، سبب إشكالية في داخل المذهب ونشوء أقوال.
ومثال ذلك: الأقوال المختلفة والروايات المختلفة عن الإمام أحمد بن حنبل في مسألة كذا -طبعاً هناك بعض المصطلحات أحبتي أنا الآن أتلفظ بها-.
ربما بعض الطلبة جدد معنا وجدد في دراسة مسائل الاعتقاد لا يعرف دلالتها. إن شاء الله حينما تستمر في دراستك العقدية رويداً رويداً ستعرف دلالة كل هذه الأمور التي أتكلم فيها بإذن الله.
إذاً؛ العامل الثالث: اختلاف الروايات مع عدم معرفة الجمع بينها. العامل الرابع والأخير الذي سأركز عليه: التأثر بالبيئة والنشأة، تأثر بعض الحنابلة بالبيئة والنشأة التي نشأوا عليها. وهذا عامل مهم، وعادة ما يتأثر العلماء في جميع المذاهب وفي جميع الفرق وفي جميع النحل وفي كل الأديان. عادة ما يتأثر الإنسان بالبيئة التي نشأ فيها أحبتي، لذلك كثير من العلماء الأفاضل تأثر بطرق الكلاميين لأنه نشأ في بيئة وفي مجتمع شغله الشاغل علم الكلام، فبقي متأثراً به ولم يستطع الخلاص منه مع أنه مهتم بالسنة وبالأحاديث ومحرر لها؛ كالإمام النووي رحمة الله تعالى عليه، هو تبنى الطرق الكلامية لكنه أولاً لم ينافح عنها منافحة الجويني والغزالي والرازي، وإنما تبناها لأنه نبع من هذه البيئة، بقي فيها ولم يستطع أن يتخلص منها ولم يستطع أن يتخلص منها وأن ينجو من خطرها.
لكنه رحمة الله عليه كان منشغلاً منكباً على الحديث النبوي وتخريجه، وتصانيفه رحمة الله عليه جليلة عظيمة تدل على شرف طلبه للعلم وعلى بذله وعلى صدقه فيما نحسبه والله حسيبه. ولكن البيئة في النهاية تحكم، يعني بعض الطلبة يسأل: هل يعقل أن الإمام النووي رحمة الله عليه أو كثير من العلماء الأفاضل الذين نجلهم ونحترمهم أخطأوا المسلك والطريق؟
هي في الحقيقة أحبتي الظروف، يعني بعض الطلبة ينبغي أن يكون عاقلاً في فهمه للأ امور الحياتية، يعني هناك أمور حياتية أحبتي لا تتعلق بشخصية النووي أو غيره، الظروف والبيئة تأثيرها على الإنسان أمر لا يمكن لأحد أن يشكك فيه. وأنظر في نفسك يا طالب العلم: كم من مسألة اعتقدتها وسبب اعتقادها ليس البحث العلمي المحقق حتى نكون واضحين، وسبب اعتقادك أنك نشأت عند شيخ أو في بيئة تتبنى هذا الرأي فخرجت مدافعاً عنه منافحاً؟
هذا واقع أكثر الطلبة، أنه ينشأ في بيئة اهل السنة والجماعة فيخرج مقلداً لها، ولذلك أنا في بداية الدورة قلت لكم: فرق بين إنسان يتبنى عقيدة أهل السنة والجماعة تقليداً واتباعاً لشيوخ وجدهم في حياته، وبين من يتبنى عقيدة أهل السنة والجماعة اقتناعاً بأدلة علمية معرفية ويناقش كل مسألة مسألة بأدلتها متجرداً لله سبحانه. فكثير من الطلبة أحبتي هو في الواقع -سواء كان على طريقة أهل السنة أو على غيرها من الطرق- إنما هو أثر للبيئة التي نشأ فيها، فينشأ يتكلم بكلام أهل البيئة وتسير على خطاهم من دون ربما أن يشعر إذا كان منهجه خطأ أنه يسير على المنهج الخاطئ، فهذا فضل الله سبحانه وتعالى يؤتيه من يشاء ويخص به من يشاء، أن تتخلص من ضغط البيئة على عقلك وفكرك وأن تكون متجرداً منصفاً إلى أعلى درجات الإنصاف هذا شيء من القليل النادر الذي يصعب أن نمر بأمثالهم من العلماء عبر القرون والأعصار.
فانتبهوا لقضية البيئة والنشأة وأثرها في فكر العالم وتوجهاته. وسأدلل على بعض علماء الحنابلة كيف أن البيئة أثرت عليهم بشكل واضح، أقول إذاً العامل الرابع: التأثر بالمشيخة والبيئة، وهذا العامل من أكثر العوامل تأثيراً على توجهات الحنابلة. فمن نشأ وتتلمذ من الحنابلة على يد علماء السنة خرج على طريقة أهل السنة، ومن نشأ على أيدي المعتزلة خرج يقول بأقوال المعتزلة، يعني حنبلي لكن الشيوخ الذين تربى عليهم في الاعتقاد معتزلة، إذاً سيقول بأقوال المعتزلة، هذا أمر استطيع أن أقول إنه شيء مألوف في حياة الناس. ومن تتلمذ على يد الأشاعرة سيخرج أشعرياً، وعلى هذا تمضي.
ومن أمثلة ذلك مثلاً في الحنابلة ابن عقيل؛ ابن عقيل رحمة الله عليه عاش فترة طويلة من عمره معتزلياً، وكان يقول كلاماً شنيعاً في أهل الحديث السنة، حتى استتابه ابن قدامة -ابن قدامة المقدسي صاحب اللمعة- استتاب ابن عقيل ورفض أن يقبل مقابلته وأن يجلس معه حتى استتيب في مجلس عام حضره العامة والأسياخ، كما ذكره رحمة الله عليه في كتابه تحريم النظر في علم الكلام، هذا كتاب لابن قدامة المقدسي رحمة الله عليه وسيمر معنا كثيراً.
ابن عقيل، ما الذي سبب تأثره بالعقلية الاعتزالية برأيكم؟ هل نصوص أحمد بن حنبل في الحقيقة هي التي تدعو للاعتزال؟ حاشا أحمد رحمة الله عليه. ما الذي سبب تأثر ابن عقيل بالقضية الاعتزالية؟ قالوا إنه درس على شيخين من المعتزلة؛ درس على أبي علي بن الوليد وعلى ابن التبان المعتزليين، فأثرا على عقله وطريقته في التفكير، إلى أن أسأل الله عز وجل له التوبة والعودة إلى منهج أهل السنة عموماً.
طيب، نأخذ مثالاً آخر؛ التميميون، أبو الحسن التميمي وغيره من التميميين. التميميون أحبتي كما قلنا مال ميلاً إلى الطريقة الكلابية الأشعرية، إلى شيء من الطرق الكلامية باختصار. من الذي أثر عليهم؟ علاقتهم بأبي بكر الباقلاني، كانوا أصدقاء وكانوا على ود كبير مع أبي بكر الباقلاني. أبو بكر الباقلاني بشكل عام شخصية عاقلة رحمة الله عليه، يعني هناك بعض الشخصيات العاقلة في علماء الكلام ليس لك إلا أن تجل وأن تعظمهم وأن تحترمهم؛ كأبي بكر الباقلاني والغزالي، هؤلاء ما كان هدفهم المناوشة وزرع الخلاف في الأمة وتفريق الصف، كانوا يسعون للتقريب وكانوا يسعون لمحاولة رأب الصدع ما أمكنهم، وإن كانوا على طريقة علماء الكلام. فابو بكر الباقلاني بشكل عام كان هو من الحنابلة، كان يهوى التميميين ولذلك أثر على فكرهم، كان هناك تقارب بين أبي الحسن التميمي ومن معه مع أبي بكر الباقلاني، وهذا أثر تلاقح فكري بينهم جعل التميميين يمشون بطريقة الباقلاني في الطريقة الكلامية الكلابية الأشعرية.
كذلك أبو يعلى، أبو يعلى رحمة الله عليه شخصية في الحقيقة أيضاً من الشخصيات الجدلية في الحنابلة، لأن أبا يعلى في كتاب إبطال التأويلات ينزع منزع ابن حامد في الزيادة في الإثبات، يعني من يقرأ كتاب إبطال التأويلات -وأنا لا أنصح كثيراً من الطلبة أن ينظروا فيه الآن في هاي المرحلة لأنه ربما يأخذ فكرة عكسية عن من مسائل الصفات- يجد أبا يعلى يتساهل جداً بإثبات الصفات مهما كان النص ومهما كان السياق حتى وصل إثبات صفات لا يليق إثباتها بالله سبحانه وتعالى، كان عنده زيادة في الإثبات. ثم بعد ذلك نجد في مصنفات أخرى له يجنح مجنح الطرق الكلامية الأشعرية في شيء من النفي، في شيء من نفي الصفات -طبعاً نفي بعض الصفات-، وهذا التحول والانتقال من زيادة في الإثبات إلى نفي بعض الصفات انتقال جوهري في شخصية أبي يعلى رحمة الله عليه، وقالوا الذي أثّر عليه وجعله ينتقل إلى المرحلة الثانية ابن اللبان الأشعري، ابن اللبان الأشعري وقد مر معنا في المحاضرة السابقة.
فتاثير البيئة والنشأة والشيوخ على عقلية الطالب هذا شيء ينبغي أن لا نجحده وألا نهمله، فهو عامل مهم في التأثر وقد سبب نشوء تيارات عقدية داخل المدرسة الحنبلية. إذاً هذه عوامل أربع؛ هي نشوء التيارات داخل المدرسة الحنبلية، الخطأ في الرواية عن الإمام، الفهم الخاطئ لكلام الإمام، وجود روايات عن الإمام مختلفة وعدم معرفة الجمع بينها، وأخيراً النشأة عند بعض الحنابلة.
طيب، الآن هناك مبحث لا أرى أن له داعياً لطرحه في هذا المجلس أو بشكل عام في هذه الدورة، ربما نذكره في دورات أخرى. دعونا يا أحبتي ننتقل الآن إلى كتاب لمعة الاعتقاد، هذا الكتاب الذي اشتقتم للدخول فيه، وقد أطلت عليكم في هذه الرحلة، لكنني إنما قصدت في ذلك أن أبني الطالب، لأنه ليس من طرق التعليم الصحيحة أن يدخل المدرس مع الطلبة مباشرة في تحليل كتب العقائد قبل أن يطمئن أن الطلبة عندهم تأصيل واضح وقواعد واضحة في البناء العقدي وفي التفكير العقدي. هذا أمر مهم جداً يغفل عنه كثير من المدرسين لمسائل العقائد، أنه يمسك رسالة في كتب الاعتقاد ويبدأ يشرحها مباشرة: اقرأ يا فلان، ويبدأ يقرأ ويحلل. طب هذا الطالب الذي تقرأ أو تريد أن تشرح له هذا الكتاب، هل أنت متأكد أن عنده أصول التفكير الصحيحة لأهل السنة والجماعة في البناء العقدي حتى ينطلق من خلاله في التفكير في نصوص هذا الإمام؟
لذلك أحبتي من الأهمية بمكان أن تكون القواعد التي ستنطلق منها في التفكير العقدي قواعد واضحة مؤسسة راسخة عندك. ونحن اهتممنا من خلال القواعد الخمس الأولى التي ذكرناها في هذه الدورة أن نرسخ عندك شيئاً من القواعد، ونزيدك وضوحاً في الرؤية قبل أن ترد في كلام ابن قدامة رحمة الله عليه أو في كلام غيره من الأئمة الأعلام في مسائل الاعتقاد.
فإذاً سندخل إن شاء الله في كتاب لمعة الاعتقاد لابن قدامة، وسأقف أولاً -يعني خطوات الدرس- أقف على شخصية ابن قدامة رحمة الله عليه، ثم ساقف على لمعة الاعتقاد أعطيك لمحة إجمالية عنها، ثم سانتقل إلى المبادئ العشرة لعلم الاعتقاد، وبعدها نبدأ نغوص رويداً رويداً مع ابن قدامة رحمة الله عليه.
إذاً سأتكلم الآن عن من هو ابن قدامة المقدسي؟ ثم عن ما هي لمعة الاعتقاد؟ ثم ما هي المبادئ العشرة لعلم الاعتقاد؟ وقد أخرت على غير العادة -أنا عادة في دوراتي أحبتي المبادئ العشرة للعلم أذكرها في المحاضرة الأولى أو الثانية بالكثير- إلا هنا في الاعتقاد أن أقدم القواعد والتأصيل والبناء المنهجي الفكري، ثم بعد ذلك حينما أشرع في الكتاب قلت: أبدأ معكم في المبادئ العشرة بإذن الله، وهذا ذوق في التدريس، هذه مسألة اصطلاحية؛ أنا قدمت المبادئ العشرة أو أخرت هذا لا يبدع فيه إنسان بإذن الله.
طيب، من هو ابن قدامة رحمة الله عليه؟ ربما أنا أخذت الورقة التي كتبت فيها سيرته العطرة، لكنني لابد أقرأها من الحاسب.
من هو ابن قدامة؟ هناك عدة مصنفات تكلمت عن هذا الإمام الكبير، سواء في ذيل الطبقات لابن رجب والذهبي وغيره من الأئمة الكبار. ابن قدامة رحمة الله تعالى عليه هو الشيخ الإمام القدوة العلامة المجتهد -ألقاب فخمة لأنه فعلا يستحق هذا رحمة الله عليه- الشيخ الإمام القدوة العلامة المجتهد شيخ الإسلام موفق الدين، أبو محمد هذه كنيته أبو محمد، واما اسمه فهو عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي ثم الدمشقي الصالح الحنبلي المذهب.
مولده في جماعيل من أعمال نابلس، إذ هو من مواليد مدينة نابلس في فلسطين أعادها الله إلى أحضان المسلمين، سنة إحدى وأربعين وخمسمائة في شعبان. إذاً خمسمائة وواحد وأربعين كان مولده في شهر شعبان. وهاجر مع أهل بيته وأقاربه وله عشر سنين، وحفظ القرآن ولزم الاشتغال في من صغره. هاجروا فيما يظهر إلى دمشق، هاجروا إلى دمشق ويقول إنه الاشتغال من صغره، وهذا حال كثير من العلماء المبرزين أحبتي، أنهم يبدأون طلب العلم من الصغر.
وأنا هنا أوجه نصيحة: الله الله أحبتي في أبنائكم، هذه أمانة في أعناقكم أن تعلموا أبناءكم العلم الشرعي من الصغر. إياكم أن ينشغل أبنائكم كثيراً كثيراً بالدراسات المدرسية، وتغفل الأمة جميعها عن تعليم أبنائنا طلب العلم الشرعي والوقوف على الاعتقاد والتزكية وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم. إن كثير من الناس أحبتي عنده حرص على أن يتعلم ابنه في المدارس ويجيد علمه، لكن تجده زاهداً في تعليم ابنه فقه الحياة الاعتقاد الصحيح حفظ القرآن، ويقول لك: لما يكبر يتعلم وحده! هذا ليس بصحيح أحبتي، الأمة كانت عزيزة قوية حينما كان عندنا ثلة كبيرة من العلماء ومن طلبة العلم، وهذه الثلة الكبيرة من العلماء ومن طلبة العلم لم تبدأ تطلب العلم في العينات من العمر أو الثلاثينات، بل بدأت منذ الصغر ومنذ نعومة الأظفار. الآباء يعلمون الابناء القرآن ويشغلونهم بسماع الأحاديث والتفقه في دين الله سبحانه وتعالى.
فيأيها الأاب وأيتها الأم: عليكم أن تجمعوا، علموا أبناءكم الدين ولا تنسَ نصيبك من الدنيا، أما الدنيا دائماً هي التي توجهك في اختياراتك لابنك فهذا ليس منهجا صحيحاً.
المهم؛ ابن قدامة وفقه الله سبحانه وتعالى لأب صالح أشغله منذ الصغر بحفظ كتاب الله سبحانه وتعالى وطلب العلم، قال: وكتب الخط المليح، كانوا يعلمونهم الكتابة من الصغر أيضاً، وكان من بحور العلم وأذكياء العالم. هذه العبارة هذه: وكان من أذكياء العالم فهماً واستنتاجاً واستنباطاً. وكون الشخص من أذكياء العالم لا يعني أنه لا يخطئ أحبتي، لا يعني أنه لا يخطئ، فالغزالي كان من الأذكياء لكنه أخطأ، الجويني كان من الأذكياء لكنه أخطأ، كل شخص -وصي بالأذكياء- بعض الطلبة إذا سمي فلان من أذكياء العالم إذاً ينبغي أن يكون كل ما يقوله هو الصح الحق، وهذا ليس بسديد. الذي يحكم الحق من الباطل في النهاية هو الدليل، حتى لو كان فلان من أذكياء العالم أو ليس من أذكياء العالم. يعني ابن عقيل الحنبلي الذي كان معتزلياً هو فعلاً من أذكياء العالم، من قرأ في كلامه يجد إنساناً من أذكياء الحنابلة ابن عقيل، لكن عنده مشكلة كبرى أنه كان معتزلياً فترة كبيرة. فهناك عدة عوامل تحكم حياة الإنسان وليس مجرد الذكاء هو الذي يوفقك للصواب أو ما شابه ذلك.
المهم يقول: ورحل هو وابن خاله الحافظ عبد الغني المقدسي، عبد الغني المقدسي من الأئمة الكبار في أول سنة إحدى.
في طلب العلم إلى بغداد، كما قلنا، ارتحلوا إلى بغداد بعد ذلك هو وزميله عبد الغني المقدسي لطلب العلم، وكانت بغداد حاضرة العالم الإسلامي بالعلماء والعلم. فأدرك نحو أربعين يوماً من جنازة الشيخ عبد القادر الجيلاني، إمام من أئمة الحنابلة، رحمة الله عليه. أدركوا بعد وفاة الجيلاني بأربعين يوماً، وصلوا إلى بغداد بعد هذه المدة، فنزل عنده بمدرسة الإمام عبد القادر الجيلاني بالمدرسة واشتغل عليه تلك الأيام، يعني اشتغلا في هذه المدرسة.
وسمع من هبة الله ابن الحسن الدقاق ومن أبي الفتح ابن البطي وأبي زرعة ابن طاهر ومن علي بن تاج القراء ومن معمر ابن الفاخر، المهم ذكر أسماء كبيرة لشيوخه رحمة الله عليه. ثم ذهب إلى قول ابن النجار، وقال النجار عن ابن قدامة: كان إمام الحنابلة بجامع دمشق. الإمام ابن قدامة، صحيح ولد في نابلس لكنه استقر، كما قلنا، في الشام وفي دمشق. وعندما رحل إلى بغداد رحل فترة طلب العلم ثم عاد إلى دمشق، هذه المدينة التي أقام فيها وحط رحاله العلمية وزخمه الفكري فيها.
فكان إمام الحنابلة بجامع دمشق، وكان ثقة حجة نبيلاً غزير الفضل نزيهاً أي في أخلاقه وورعاً عابداً. أحبتي، هذه الأسماء أو هذه الأوصاف حين تسمعونها عليكم أن تعوا كيف كان العلماء قديماً؛ ما كان عنده عالم ما عنده حظ من العبادة، طالب علم لا يعرف قيام الليل وقراءة القرآن والاشتغال بالذكر، كانت هي عملية مرتبطة مع بعضها البعض فكان يخرج عالم متزن. يعني كثير من الطلبة يقول الشيخ اليوم كثير ممن يدثرون بالعلم وممن عندهم قراءة وتحصيل علم جيد لكنهم يخونون هذه الأمة، لا يقفون معها في قضايا.
أحبتي، قضية العلم الشرعي؛ العلم الشرعي ليس هو مجرد مسائل تحفظ، العلم الشرعي هو تزكية قلب، العلم الشرعي هو فهم ووعي، العلم الشرعي قيام ليلة، العلم الشرعي تضرع والتجاء إلى الله وأن تسأل الله التوفيق، العلم الشرعي ورع وحذر وحيطة، العلم الشرعي مفهومه متكامل، عملية متكاملة ليست مجرد حفظ معلومات وإتقانها. من فهم العلم الشرعي بهذه الطريقة فهو لم يعرف العلم. العلم الشرعي الذي يمتدحه الله ويثني على أهله هو العلم الذي يورث عملاً، كما يقول ابن القيم رحمة الله عليه.
وعلى هذا صار العلماء الأوائل، ما كان يعرف أنه هذا عالم ما له دخل بالعبادة والذكر والصلاة وما شابه ذلك، هذا لا يعرف. أحبتي، كل العلماء كان عندهم حظ من العبادة، حظ من قراءة القرآن، حظ من الزهد والتورع، وحظ من العلم والنظر فيه. هذه العملية المتكاملة تنتج عالماً متوازناً، أما هذه الشخصيات المشوهة التي يخرجها الإعلام والجامعات أو غيرها، هذه لا يخرجها إلا، كما قلنا، حفظ المعلومات مع الابتعاد عن تزكية القلب والعلاقة مع الله سبحانه وتعالى، فنسأل الله أن يثبت قلوبنا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8].
إذاً قال ابن النجار عنه، وابن النجار من الحنابلة المتأخرين، قال: كان إمام الحنابلة بجامع دمشق، وكان ثقة حجة نبيلاً غزير الفضل نزيهاً ورعاً عابداً على قانون السلف أي يجري على طريقة السلف الصالح رحمة الله عليه، عليه النور والوقار، ينتفع الرجل برؤيته قبل أن يسمع كلامه. ما أجمل هذا الوصف! ينتفع الرجل برؤيته قبل أن يسمع كلامه، يعني إنسان النور يشع من وجهه رحمة الله تعالى عليه.
قال ابن الحاجب في وصفه ابن قدامة، قال: هو إمام الأئمة ومفتي الأمة، خصه الله بالفضل الوافر والخاطر الماطر والعلم الكامل، بذكره الأمصار وضنت بمثله الأعصار، أخذ بمجامع الحقائق النقلية والعقلية، إلى أن قال ابن الحاجب: وله المؤلفات وما أظن الزمان يسمح بمثله، يعني قل أن يجود الزمان بمثل ابن قدامة رحمة الله عليه، متواضع حسن الاعتقاد، ذو أناة وحلم ووقار، مجلسه معمور بالفقهاء والمحدثين، وكان كثير العبادة ودائم التهجد، لم نرى مثله ولم يرى مثل نفسه، رحمة الله عليك يا ابن قدامة.
قال: وعمل الشيخ الضياء سيرته في جزئين، يعني كتبوا جزئين مجلدين في سيرة ابن قدامة رحمة الله تعالى عليه. طبعاً ليس المراد بالمجلدات الضخمة، إنما المراد يعني كتبوا الجزء مجموعة من الأوراق ثم مجموعة من الأوراق، هذا الجزء الواحد مجموعة من الأوراق، فكتبوا جزئين أي مجموعة من الأوراق ثم مجموعة من الأوراق في سيرته. فقال: كان تام القامة أبيض مشرق الوجه أدعج كأن النور يخرج من وجهه لحسنه، واسع الجبين طويل اللهجة قائم الأنف مقرون الحاجبين صغير الرأس لطيف اليدين نحيف الجسم.
وهذه أحبتي الأوصاف لجسمه تدل على أن التلاميذ كانوا ينظرون إليه بحب وشوق حتى حفظوا كل تعاليم هذا الوجه المبارك. يعني الآن لو قلت لك صف لي شيخك، ربما تستطيع أن تصف شيئاً من الوصف، الأشياء الظاهرة، لكن أن تصف هذا الوصف الدقيق، هذا يدل على ملازمة الشيخ ويدل على تعلق به حتى وقفت واتقنت كل معالم وجهه وجسمه. من كتبه ومصنفاته: المغني، والكافي، والمقنع، والعمدة. ابن قدامة رحمة الله عليه أحبتي إمام في المنهجية في طلب العلم، دائماً نمثل بابن قدامة على المنهجية في طلب العلم.
صنف ابن قدامة رحمة الله عليه أروع كتب في مذهب الحنابلة أو أربعة كتب في مذهب الحنابلة على طريقة منهجية تدل على فكره المرتب. أولاً صنف كتاب العمدة، وهو كتاب أحبتي صغير مختصر على قول واحد في مذهب الحنابلة في الفقه، هذا الكتاب العمدة أتى فيه بقول واحد للإمام أحمد في المسألة الفقهية ولم يزل على ذلك حتى يضبط الطالب هذا الكتاب في بداية الطلب.
ثم بعد ذلك صنف كتاب المقنع، وهو كتاب ذكر فيه قولين للإمام أحمد في المسألة، المسألة الواحدة يذكر قولين فيه ولم يتوسع من ذلك. ثم صنف الكافي، فجمع فيه أقوال وروايات الإمام أحمد في المسألة الواحدة؛ لأنه معروف، كما لا يخفى عليكم، أن أحمد بن حنبل يتميز عن كثير من الفقهاء بأن له عدة روايات في المسألة الواحدة، وهذه ميزة وليست عيباً، هذه ميزة كبرى في الإمام أحمد تدل على أنه وقاف على النصوص، وإنسان يقف عند الحق ولا يهمه أن يبدل رأيه متى ظهر له الحق في زاوية معينة، فالامام أحمد تكون له عدة روايات، الكافي جمع فيه ابن قدامة روايات أحمد في المسألة الواحدة.
فإذاً: العمدة، ثم المقنع، ثم الكافي، ثم صنف كتابه المغني، والكتاب الضخم المعروف المجلدات من عشر مجلدات فصاعداً على اختلاف الطباع، وهذا الكتاب عقد فيه مقارنة بين آراء أحمد رحمة الله عليه مع آراء غيره من المذاهب المتبوعة، من المذهب الشافعي والمالكي والحنفي وغيره أيضاً من المذاهب. فهذا تدرج علمي يدل على العقلية المنظمة. أولاً يا طالب العلم، كأن ابن قدامة يقول لكم يا طالب العلم ابدأ بالعمدة ثم بعد ذلك انتقل للمقنع، ثم انتقل للكافي، ثم انتقل إلى المغني.
هذه العقلية المنظمة الممنهجة، وليس كما يفعل اليوم للاسف بعض المعاهد الجامعية يبدأ الطالب بالمغني مباشرة، اذهب فلخص لنا كتاب المعاملات من المغني أو لخص لنا كتاب النكاح من المغني حتى لا تكون جامداً متعصباً على قول واحد هكذا. والله ما عرفوا العلم! العلم أحبتي لا يمكن أن يبنى بهذه الطريقة. تبدأ ببداية المجتهد أو تبدأ بالمغني أو تبدأ بالمجموع، أبداً لا يمكن أن يبنى بهذه الطريقة، اعلم أنك تضيع وقتك وعقلك، وخذ من الأئمة الكبار كيف كانوا يعرفون المنهجية الحقة في بناء العلوم.
ألف أيضاً روضة الناظر، وهذا كتاب مشهور جداً في أصول الفقه، وله كتاب اسمه التوابون، وكتاب في نسب قريش، وفي نسب الأنصار، ومختصر الهداية، وله رسائل في الاعتقاد وهذا يهمنا، ورسالة القدر، ومسألة العلو وهذه حقيقة لم نقف عليها، وله كتاب الاعتقاد ولعله الكتاب الذي بين أيدينا لمعة الاعتقاد لعله كان يسمى الاعتقاد، وله كتاب أيضاً برهان، وكتاب ذم التأويل، وهذا ذم التأويل مطبوع وموجود وسنعتمد عليه في نقل بعض النصوص.
وله كتاب لم يذكره هنا تحريم النظر في علم الكلام، كتاب مهم جداً يدللك على أن ابن قدامة كان ينطلق من عقلية السلف الصالح في النظر في النصوص ويحرم النظر في علم الكلام وفي طرائقهم ويشدد في ذلك وكان يعتبرها من الطرق البدعية التي يجب أن تهجر من الأمة، فكان منهجه رحمة الله عليه على مسلك الصلاح في على مسلك السلف الصالح في بناء مسائل الاعتقاد. وله كتابة يضرب الرسالة في فضائل الصحابة وفي فضل العشر من ذي الحجة وعاشوراء إلى غير ذلك.
طيب، قال: فسمعت الحافظ ابن عبد الله اليونيني يقول: وأما ما علمته من أحوال شيخنا وسيدنا موفق الدين، فإنني إلى الآن ما أعتقد أن شخصاً ممن رأيته حصل له من الكمال العلوم والصفات الحميدة التي يحصل بها الكمال سواه، فانه كان كاملاً في صورته ومعناه من حيث الحسن والإحسان والحلم والسؤدد والعلوم المختلفة والأخلاق الجميلة، رأيت منه ما يعجز عنه كبار الأولياء. إذاً يصفونه بأوصاف عجيبة، أنه جمع الخصال الحميدة المثالية في الإنسان المسلم، فهو عالم وعامل، وإنسان صاحب خلق يتعامل مع الناس بلطافة هدوء واتزان، عليه الوقار السكينة، شخصية العالم الذي فعلاً نبحث أن نصنعه في هذا الزمن. اي والله.
وبقي الموفق رحمة الله عليه، أنا حتى نسير في السيرة، بقي الموفق رحمة الله عليه يجلس زماناً بعد صلاة الجمعة للمناظرة في الفقهية ويجتمع إليه الفقهاء، وكان يشغل إلى ارتفاع النهار، ومن بعد الظهر إلى المغرب ولا يضجر، يعني دائماً يدرس الطلبة من الصبح إلى الظهيرة ومن بعد الظهر إلى المغرب تعليم تعليم علوم شرعية، ما قال والله خلينا نشتغل بأمور الدنيا ونذهب نتكئ عند فلان وفلان، كان يعلم أن صناعة الحضارة وصناعة الفكر وبناء الأمة إنما تكون بمحاضن التعليم الصحيحة، وأن يتعب العالم في تعليمه. مجرد محاضرة ومحاضرتين تنهكك وتذهب إلى بيتك لا تستطيع العطاء للأمة، هذا لا يصلح أيها العالم، أيها المتصدر للتعليم، العلم يجب أن تعطيه كل ما تستطيع حتى يبارك الله سبحانه وتعالى في هذه الجهود.
إذاً ابن قدامة كان يشتغل من الصباح حتى الظهيرة ومن بعد الظهر إلى المغرب ولا يضجر، ويسمعون عليه، وكان يقرأ في النحو وكان لا يكاد يراه أحد إلا أحبه. وكان يقرأ في النحو، يعني يقرأ عليه الطلبة أيضاً في علوم العربية، يعني كان مشاركاً في الفنون، ما كان فقط يفهم في شيء واحد وفي باقي العلوم الأخرى لا، أن يتكلم وأن يتحدث كحالة تخصصات اليوم. الطالب يتخصص في الجامعة وهو لا يعرف أي شيء من علوم الآلات ولا يتقن العلوم الأخرى ولا يعرف علاقتها مع بعضها البعض. العلماء قديماً يتكلمون في النحو وفي أصول الفقه وفي الفقه وفي الاعتقاد، أينما تكلم تجده واقفا رحمة الله تعالى على أئمتنا.
وكان لا يكاد يراه واحد إلا أحبه رحمة الله عليه، إلى أن قال الضياء: وما علمت أنه أوجع قلب طالب من شدة أدبه مع الطلبة. يا الله! وما أجمل هذه الكلمة وكم هي مؤثرة! وما علمت أنه أوجع قلب طالب. وكانت له جارية تؤذيه بخلقها فما يقول لها شيئاً. ظهر عنده فتاة بنت سيئة الأخلاق، وهذا يبتلى به الصالحون بابن أو بنت عنده عنده سوء في الخلق ليبتليه الله، وكان رحمة الله عليه يعفو ويصفح، وأولاده يتضاربون وهو لا يتكلم، يعني كما يفعل الأولاد المشاكسون اليوم.
وسمعت البهاء يقول: ما رأيت أكثر احتمالاً منه صبور حليم رحمة الله عليه. قال الضياء: كان حسن الأخلاق، يعني انظروا أيضاً الشخصية أن العالم لا يكون فظاً غليظاً، يتعامل مع الناس برقة، ليس لأنك عالم يعني ما أحد يتكلم معك ولا أحد يسلم عليك ودائماً في مقصورة، لا، تواضع أحبتي، ويجلس مع الناس مثله مثل غيره، هكذا كان العلماء رحمة الله عليهم. كان حسن الأخلاق، لا يكاد يراه أحد إلا متبسماً يحكي الحكايات ويمزح. ها، إذاً يمزح وينبسط، لكن طبعاً بهدوء ووقار. وسمعت البهاء يقول: كان الشيخ ابن قدامة في القراءة يمازحنا وينبسط معنا.
وكلموه مرة في صبيان يشتغلون عليه، فقالوا: هم صبيان ولا بد لهم من اللعب، يعني كلموا، الظاهر أن كان بعض الصبيان يأتي ليقرأ على الإمام ابن قدامة، فقال له يا إمام يعني أنت تعلم هؤلاء الصبيان فلما وهؤلاء الصبيان يلعبون وينامون في الطرقات، فقال، يعني انظروا سعة صدر الإمام، قال: يعني أنا أعلمهم ولا بد لهم أن يلهوا، يعني هذا صبي في النهاية، تريده أن يكون أمامك كالشيخ الكبير الوقور؟ يصعب ذلك.
فكان رحمة الله عليه من سعة صدره أنه يعلم الصبيان ولا يأنف من ذلك، وثم قال لهم: وأنتم كنتم مثلهم. يعني انظروا للجواب الواضح، يعني أنتم أيها، بعض الناس أحبتي عندما يكبر في السن يبدأ يزدر الصبيان وينظر إليهم على أنهم أناس تافهون، وهذا خطأ أحبتي، فانت أيها الكبير كنت في يوم من الأيام صبياً، ولو أن أحداً نظر إليك بنظرة الازدراء لن تقبل ذلك وستشعر بالاستنقاص تقول: لماذا هذا ينظر إلي بهذه النظرة؟ فتذكر أنك في يوم من الأيام كنت صبياً صغيراً، فقال لهم ابن قدامة: وأنتم كنتم مثلهم.
وكان لا ينافس أهل الدنيا رحمة الله عليه، ولا يكاد يشكو، وربما كان أكثر حاجة من غيره، وكان يؤثر الناس، وسمعت البهاء يصفه بالشجاعة، انظروا الآن! وقال: كان يتقدم إلى العدو. أها، إذاً العالم المجاهد! العالم المجاهد هذه قضية اليوم فيها شيء من التباين، أنه كثير من العلماء اختار مسلك آخر، مسلك الذهاب عن الكفاح والنضال من أجل استرداد حق هذه الأمة واختار الجلوس على أبواب السلاطين، نسأل الله السلامة والعافية.
فابن قدامة رحمة الله عليه كان في صفوف الجهاد وفي الصفوف الأولى، وكان يتقدم إلى العدو. شجاع وجرح في كفه، كان يرامي العدو، وهذا في الثغور المسلمة؛ لأنه كان هناك ثغور المسلمون يحرسونها من غارات الصليبيين. وكان يصلي بخشوع، ولا يكاد يصلي سنة الفجر والعشاءين إلا في بيته.
ويقوم الليل بسبعة وربما رفع صوته، وكان حسن الصوت. انسان يا حياته متكاملة، يعني نقول: تهجد، قيام، يستيقظ منذ وقت السحر، دعاء، جهاد في سبيل الله، حسن الأخلاق، يمزح، يداعب الناس، يتعامل مع الناس بكل رقي، يطلب العلم ويعلم، ويستنفذ الطاقة والجهد، شخصية فعلا تستحق الاحترام والتقدير، رحمة الله عليه.
يقول ابن رجب: وتصانيفه في أصول الدين، هذا يهمنا. هذا النص من ابن رجب وهو يترجم له، قال: وتصانيفه في أصول الدين في غاية الحسن، أكثرها على طريقة أئمة المحدثين مشحونة بالأحاديث والآثار. لاحظوا، إذاً ابن قدامة لا يبني كلامه في الاعتقاد على الأدلة العقلية المتعمقة، ولا على الرؤى والمنامات وما شابه ذلك من الكلام الذي لا يقبل، وإنما على الأحاديث والآثار بالأسانيد، كما هي طريقة الإمام أحمد وأئمة الحديث. انظر، إذاً ابن رجب وهو يترجم لابن قدامة أحبتي، كل كلمة تقرءونها عليكم أن تفكروا فيها؛ حينما قال: وتصانيفه في أصول الدين في غاية الحسن، أكثرها على طريقة أئمة المحدثين مشحونة بالأحاديث والآثار كما هي طريقة الإمام أحمد وأئمة الحديث، هذا يدل على أن الإمام أحمد كان كما قلنا له منهجية في مسائل الاعتقاد، وإماماً متبَعاً، الكل يحاول أن ينتسب إليه، وأن يحظى بشرف الوصول إليه في هذه النسبة.
قال ابن رجب بعد ذلك: ولم يكن يرى الخوض مع المتكلمين، مع علماء الكلام في دقائق الكلام، ولو كان بالرد عليه، وهذه طريقة أحمد والمتقدمين. طريقة أحمد والعلماء الأوائل؛ إذا جاء رجل من أهل الكلام الذين يستخدمون الأدلة العقلية المتكلفة، يغلقون فمه ويقولون: اذهب فليس هذا مقامك، يصدونهم ويرفضون سماع الحديث؛ لأن بعض الشبه الكلامية إذا وقرت في نفس الإنسان تحدث الضوضاء والضجيج. وهذا ما حدث مع الغزالي والرازي وغيرهم، هذا الضوضاء والضجيج في حياتهم -كما نقلت لكم في النصوص السابقة عنهم- فاضطرهم في آخر عمرهم إلى أن يقروا بخطأ الطرق الكلامية في بناء العقائد، ورحمة الله على الجميع. وكان كثير المتابعة للمنقول في باب الأصول وغيره، لا يرى إطلاق ما لم يؤثر من العبارات، أي كان حريصاً على المتابعة. ماذا قال السلف؟ ماذا قال يتبعهم رحمة الله عليه.
طيب، ولا يرى إطلاق ما لم يؤثر من العبارات، يعني لا يتكلم في مسائل الاعتقاد بكلام وحديث لم يؤثر عن السابقين. أي شيء جديد اخترعه الناس في الاعتقاد يغلق عليهم، ويقول لهم: قف حيث وقف القوم. هذه كلمة مشهورة يحبها ابن قدامة رحمة الله عليه أينما ذهب، كلمة ابن مسعود: قف حيث وقف القوم، قف عندهم، ولا تتجاوز الحد إلى أكثر من ذلك حتى لا تضيع في بحار متلاطمة.
قال وسمعت الحافظ اليونيني يقول -انظروا هذا المشهد الجميل-: يقول لما كنت أسمع شناعة الخلق على الحنابلة بالتشبيه، آه إذاً هذا بعطيكم هذه القصة بتعطينا مؤشر، اليونيني ماذا يقول؟ كان كثير من الخلق، أي من الناس، يرمون الحنابلة بأنكم مشبهة. هذا حال أصلاً أكثر علماء الكلام للأسف، أن طريقتهم في الكلام مع الحنابلة أنكم مشبهة مجسمة إلى غير ذلك. طبعا كما قلنا، نحن لا ننكر أن بعض الحنابلة كان عنده زيادة الإثبات، وهذه الزيادة والغلو في الإثبات للأسف كان مبرراً لعلماء الكلام حتى يطعنوا في الحنابلة جملة، مع أن أكثر الحنابلة ما كان عندهم هذا الغلو في الإثبات.
أكثر الحنابلة ما كان عندهم، بل كانوا يسيرون على منهج معتدل، لكن كان هناك تيار موجود؛ تيار ابن حامد وتأثر أبو يعلى به كما قلنا في فترة من الفترات، كان عندهم غلو في الإثبات. وهذا التيار أوجد مبرراً لغلاة المتكلمين ليطعنوا في الحنابلة وفي المذهب الحنبلي، والعوام أحبتي لا يحتاجون إلى شيء، يعني أنت أشعل الفتيل والعوام يتولونها. فعلاماء الكلام حينما كانوا يرمون الحنابلة وينبزونهم بالتشبيه والتجسيم إلى غير ذلك من الكلام الذي لا يحق، يتلقف الكلام العوام فيصبح العوام بينهم كما هو على الحال في عصرنا؛ الحنابلة عندهم تشبيه، الحنابلة عندهم تجسيم إلى غير ذلك من الكلام. فيقول اليونيني: لما سمعت الناس كثروا كثيراً في الخوض في الحنابلة ورميهم بالتشبيه والتجسيم، اردت أن أذهب إلى إمام كبير من الحنابلة لأسمع رأيه، هل فعلا ما ينسب إليكم صحيح؟ قال: حاولت الذهاب إلى ابن قدامة المقدسي رحمة الله عليه.
قال لما نعيد القصة مرة أخرى: لما كنت أسمع شناعة الخلق على الحنابلة بالتشبيه، عزمت على سؤال الشيخ موفق، أنا أسأل الشيخ ابن قدامة عن هذه القضية وبقيت أشهراً أريد أن أسأله. فصعدت معه الجبل -الظاهر كانا يسيران معاً- قال: فصعدت معه الجبل، فقلت له يا سيدي ها، فقط قال له يا سيدي، قال وما نطقت بأكثر. سيدي يعني لسا ما تكلمت، وإذا ابن قدامة يلتفت إلي ويقول -وكأن ابن قدامة علم ما في قلبه قبل أن يسأل-: التشبيه مستحيل -طبعاً أمر التشبيه هنا؛ تشبيه الله بخلقه، تشبيه الله بالخلق في الصفات في الكيفية مستحيل- فإياك أن تصدق ما ينسب إلينا، فإياك -يعني كأنه يقول له: إياك أن تصدق ما ينسب إلينا، فهذا من وضع الواضعين، ومن شغل المتكلمين، أما نحن فالبرآء من تشبيه الله بالخلق.
قال: وما نطقت بأكثر؟ فقال لي: التشبيه مستحيل، فقلت له: لم يا إمام؟ قال: لأن من شرط التشبيه أن ترى الشيء ثم تشبهه. من الذي رأى الله ثم شبهه لنا؟ يعني حتى تشبه الله سبحانه وتعالى يجب أن ترى الشيء الذي تريد أن تشبهه، وأن يكون عندك تصور عنه، ثم بعد ذلك تشبهه بالمخلوقين. ونحن نجهل ذات الله سبحانه وتعالى، هل أحد منا يعلم ذات الله؟ حاشا سبحانه وتعالى جل وعلا، ما أحد يعلم ذات الله، فكيف نشبه الله إذاً بخلقه؟ فهذا من حسن جوابه رحمة الله عليه.
واليونيني قال وأبو شامة -انظروا الآن برضه هذا المشهد الآخر-: أبو شامة، أبو شامة ماذا يقول وهو يصف ابن قدامة؟ وانظروا تعقب الذهبي الرفيع على أبي شامة. أبو شامة يقول -وهو يزكي ابن قدامة، لكنه رمى كلمة في النهاية-: يقول أبو شامة رحمة الله عليه كان أي ابن قدامة إماماً علماً في العلم والعمل، يعني هو يؤكد أنه كان إماماً ما أحد يناقش، صنف كتباً كثيرة.
لكن آها ابن أبي شامة بدو يستدرك، يقول: لكن كلامه في العقائد على الطريقة المشهورة عن أهل مذهبه. آه إذاً أولاً أبو شامة يعطينا معلومة أولى، أن ابن قدامة كان يسير على الطريقة التي عليها أغلب الحنابلة، طريقة أهل السنة والجماعة. ثانياً قول أبي شامة: على الطريقة المشهورة عن أهل مذهبه، هذا يدل على الفكرة التي ذكرناها؛ أن الحنابلة اصبحَت مدرسة عقدية، ولا أنظر إليها كمدرسة فقهية فقط؛ لأن أبا شامة يقول: على الطريقة المشهورة عند أهل مذهبه. إذاً دل أن الحنابلة في وجهة نظر مخالفيهم كانوا نداً للمتكلمين، فلهم طريقة معينة في التعامل مع مسائل الاعتقاد وتقريرها.
قال: فسبحان من لم يوضح له الأمر فيها في العلم ومعرفته بمعاني الأخبار. يعني أبو شامة يتأسف ويقول: سبحان الله الذي جعل هذا الإامام على جلالة معرفته بالأخبار وبالنصوص لا يعرف الحق في مسائل الاعتقاد! هو يتأسف، يعني كيف ابن قدامة للأسف أخطأت الطريق في مسائل الاعتقاد ولم تسلك طرق المتكلمين، واتبعت طريقة علماء مذهبك مع أنك ما شاء الله عليك إنسان مطلع على النصوص، تعرف معاني الأخبار وصنفت الكتب الجليلة، لكن سبحان الله لله في خلقه شؤون! هذا يريد أبو شامة أن يقوله.
الآن من الذي تعقب أبا شامة؟ الإمام الذهبي رحمة الله، الإمام الذهبي إمام من كبار أئمة أهل السنة والجماعة، ماذا يقول؟ يقول الذهبي متعقباً لأبي شامة: وهو وأمثاله متعجب منكم، يعني يا أبا شامة لا تصنع أن ابن قدامة شخصية غريبة، سبحان الله كيف إنسان بالنصوص والأخبار والأحاديث يخطئ كابن قدامة؟ فإن ابن قدامة ينظر إليكم بنفس النظرة أيضاً. هذا الذي يريد الذهبي أن يقوله، كلام دقيق، يقول: أيضاً ابن قدامة ينظر إليك يا أبا شامة بنفس النظرة التي تنظر بها إليه، بنفس النظرة.
فيقول الذهبي -وهو ابن قدامة ومن كان على طريقته-: متعجب منكم يا أبا شامة، مع علمكم وذكائكم كيف قلتم؟ أي بطريقة المتكلمين. فإذاً القضية ما في داعي أنك تصور أنه فلان على جلالة قدره وعلمه سبحان الله كيف ضل الطريق، لأنه هو المخالف لك ينظر إليك بنفس النظرة. فيقول: فلان ما شاء الله على علمه وجلالة قدره سبحان الله كيف ضل الطريق! فمثل هذه الأمور إذاً لا ينبغي أن تجوز على عقل طالب علم، ولا أن تؤثر ترى في قلبه وفكره وفي نظرته لعالم معين؛ فإن الميزان الحق هو ميزان العلم والدليل فقط. هذه الموازين العاطفية أحبتي لا نبني بها آراء وتوجهات عن العلماء، وإنما يبني بها الآراء ضعاف طلبة العلم، وأما العقلاء من طلبة العلم ينظرون في علم الإمام وفي فقهه وفي متانة نظرته ثم بعد ذلك يحالحكمون على صوابه أو خطئه.
يقول الذهبي إذاً: وهو وأمثاله متعجب منكم مع علمكم وذكائكم كيف قلتم؟ ثم يقول الذهبي: وكذا كل فرقة -كلام عالٍ جداً للذهبي-: وكذا كل فرقة تتعجب من الأخرى، ولا عجب في ذلك، ونرجو لكل من بذل جهده في الحق أن يغفر له من هذه الأمة المرحومة. جملة رائعة هادئة متزنة، وهذا ما يعجبني في الذهبي رحمة الله عليه، أنه ما عنده مزاودات كما يقولون.
الذهبي يقول: وهذا ما ندين الله به أحبتي، أن كل علماء الأمة العدول مهما اختلفت طوائفهم وفرقهم فإننا نحسن الظن بهم. علماء الأمة العدول؛ الباقلاني والجبائي والرازي وابن كلاب وغيرهم، ومن سبقهم ومن بعدهم، العلماء العدول. أما رؤوس الطوائف التي فجرت في الانحراف والانسراف عن الإسلام كالجهم بن صفوان والجعد بن درهم وغيرهم، فهؤلاء أكثر أهل العلم على إخراجهم من دائرة الإسلام؛ لأنهم لم يبنوا أصلاً كلامهم عن علم، ولم يتلقوا العلم عن أهل العلم الكبار، وإنما هي البدع والشهوات والأهواء، وحاولت زعزعة الصف الإسلامي، فلا كرامة لهؤلاء.
لكن كلامنا عن الأئمة الكبار سواء في المعتزلة أو في الأشاعرة أو الماتريدي مهما كانوا علماء طلبوا العلم سعوا للبحث عن الحق وأفنوا عمرهم من أجل هذا المقصد، نحسبهم والله حسيبهم، فحالنا أننا نطلب من الله سبحانه وتعالى أن يغفر للجميع وأن يرحم الجميع برحمته سبحانه وتعالى، ما دام أن القصد هو الوصول إلى الحق. لكن هذا لا يمنع -يعني الترحم على العلماء وحسن الظن بهم لا يمنع- أننا نقول لمن خالف منهج أهل السنة والجماعة: أنك خالفت المسلك الصحيح، فالبحث العلمي شيء، واحترام العلماء وتبجيل العلماء شيء آخر، فلا ينبغي أن يطغى أحد الأمرين على الآخر، الاعتدال دائماً هو المطلوب.
وأخيراً انتقل ابن قدامة إلى رحمة الله يوم السبت من عيد الفطر ودفن سنة عشرين وست مئة، إذاً توفي ست مئة وعشرين هجري. وكان الخلق لا يحصون، يعني جنازة حاشدة جداً، ودفن بمنزله رحمة الله عليه. إذاً هذه سيرة عطرة، نقية، زكية لهذا الإمام الحنبلي العظيم رحمة الله تعالى عليه.
والآن انتقل أحبتي للكلام عن لمعة الاعتقاد وأن أعرِّف بها تعريفا مختصراً سريعاً، فأقول: لمعة الاعتقاد أحبتي هي رسالة مختصرة صنفها الإمام ابن قدامة رحمة الله عليه، وهذه الرسالة لم تأتِ مستوعبة لجميع مسائل الاعتقاد، لكنها أعطت إشارات مختصرة وقواعد هامة في أكثر هذه المسائل. في أكثر هذه المسائل، لذلك هي تصلح للمبتدئ، هي رسالة للمبتدئ وليست رسالة للمنتهي في علم العقيدة، لذلك وضعناها في غراس في أول الرسائل التي تدرس عندنا في مسائل الاعتقاد، رسالة مختصرة هادئة تعطيك الملامح العامة لمسائل الاعتقاد، وإن كانت لم تستوعب جميع هذه المسائل.
طيب ما هي أهم المواضيع إذاً يا شيخ التي تطرقت لها هذه الرسالة؟ هذه الرسالة أولاً تطرقت لموضوع الأسماء والصفات؛ أن هذا الموضوع هو الذي كان شائكاً في زمن ابن قدامة، فابن قدامة كتب عنه. إذاً تطرقت لموضوع الأسماء والصفات، والقاعدة العامة للسلف في هذا الباب وفق فهم ابن قدامة، ولماذا قلت وفق فهم ابن قدامة لمنهج السلف؟ لأن هناك بعض النظرات في فهم ابن قدامة لمذهب السلف في الأسماء والصفات سأعلق عليها في القادم بإذن الله، لكن المهم تكلمت عن مسألة الأسماء والصفات عموماً.
ثانياً: تكلمت عن مسألة صفة الكلام لله سبحانه وتعالى بالتحديد؛ صفة الكلام لله؛ لأنها المسألة الأشهر والأكثر جدالاً بين الفرق الإسلامية. تكلمت عن مسألة القرآن هل هو مخلوق أو ليس مخلوقاً؟ تكلمت عن مسائل القضاء والقدر بإشارة سريعة، تكلمت أيضاً عن مسألة الإيمان، وهو تعريف الإيمان وحقيقته عند أهل السنة والجماعة. تكلمت عن أبواب السمعيات، وهي الأبواب التي تتلقى من السمع ومن الخبر وليس للعقل فيها مدخل، كحادثة الإسراء والمعراج أشار إليها.
تكلم عن مسألة ملك الموت لما جاء إلى.. -طبعاً أحبتي كل شيء يركز عليه ابن قدامة اعرفوا أن هناك شبهة وقعت في زمنه، من أجلها ابن قدامة اضطر أن يرد وأن يبين منهج أهل السنة والجماعة-. كذلك تكلم بإشارة مختصرة عن أشراط الساعة والحوض والصراط والجنة والنار، هذه كلها مسائل السمعيات. أيضاً تعرض لأبواب النبوات، أبواب النبوات يتكلم فيه عن خصائص النبي عليه الصلاة والسلام وما يتبعها من فضائل أصحابه وزوجاته والعشر.
مبشرين بالجنة، وما هي حقوق الصحابة وحقوق الزوجات؟ ثم يتطرق من ذلك إلى مسألة الخلافة ومسألة علاقة الرعية بولاة الأمور. ثم ختم كلامه بالكلام عن أحكام أهل البدع، كيف يتعامل المسلم الذي هو على طريق أهل السنة مع أهل البدع، ومن هم أهل البدع عموماً، وهذا تقريباً ما ختم به كلامه في هذه الرسالة. إذاً، رسالة متنوعة.
رسالة متنوعة في المسائل العقدية التي تطرحها، وتطرحها بأسلوب سهل وعرض ممتع، معتمداً في ذلك على ماذا؟ وهذا سنشاهده ونريد أن نتبع القواعد التي أعطيناها في بداية الدورة. نريد أحبتي أن نطبقها بإذن الله ونحن ندرس لمعة الاعتقاد، حتى تكون هذه القواعد قواعد.
لأنني للأسف مع نقاش مع بعض الطلبة وجدت أن كثيراً منهم درس هذه القواعد وفهمها، لكن لما يأتي لباب التطبيق لا يعتمد الخطوات الصحيحة. إن كثيراً من الطلبة حينما نتكلم عن أهمية التأصيل العقدي يأتي ليناقش: يا شيخ، فلان الفلاني من العلماء خالفه جل عصره! ألم نقل أحبتي في النقاش العلمي هذا النوع لا يقبل في الاستدلال؟ يعني إياك أن تستدل تقول: والله فلان عقيدته فاسدة، السبب أن جيل العلماء عاصروه، ليس منهجاً علمياً في النقاش.
بين بالأدلة الصحيحة أن فلان كلامه خطأ أو كلامه صواب، بين. لكن تقول: فلان أكثر أهل العلم خاصموه نازعوه، هذه ليست أدلة عقلية أحبتي يلجأ إليها أو ينظر فيها، إنما النظر في مقدار وحجم الدليل الذي تأتي به. مهم جداً أن نطبق القواعد التي تعلمناها، قضية التوثيق العقدي نطبقها بإذن الله. قضية التأصيل العقدي للمسائل سنسعى لتطبيقها، بناء المسائل العقدية على المصادر المقبولة سنسعى إليها، الكشف عن بعض الأخطاء التي مبناها فهم اللغة بشكل خاطئ سنسعى أن نصل إليها.
لكنني بشكل عام، كما قلت، لن أتعمق في هذه الرسالة كثيراً، سأقف على البناء العقدي للمسائل العقدية، وسأترك التعمقات إلى العقيدة الطحاوية إن كان في العمر بقية. إذاً، معتمداً في ذلك على إيراد الأدلة النقدية من القرآن والسنة، والتي لم يخيلها من تعليق أو شرح أو بيان. وهذه التعليقات من ابن قدامة كانت تتضمن ثمان فوائد علمية متنوعة لطلاب العلم وللدارسين.
ومما ينبغي التنبيه إليه أن رسائل الاعتقاد التي كتبت في هذه الحقبة -ركزوا الآن على هذا الكلام- أكثر رسائل الاعتقاد أحبتي التي كتبها العلماء، خاصة قبل عصر المتون، يعني عصر القرن الثامن الهجري وما بعد ذلك، أكثر مسائل الاعتقاد كانت رسائل عقدية يكتبها العالم رداً على شبهة معينة، أو لأن أهل بلدة وأهل قرية طلبوا منه أن يوضح رأيه في مسائل الاعتقاد في كذا وكذا وكذا. كثير من رسائل الاعتقاد، خاصة المختصرة، إنما كتبها العلماء إما فتيا أفتوا بها عموماً، أو جواب عن شبهة طرحت، أو رسالة يبعثها إلى أهل مصر أو منطقة سألوه عن بعض مسائل الاعتقاد، يعني لم يقصد منها ابتداءً أن تكون كتاباً علمياً يدرس بالحرف من بدايته إلى نهايته.
لماذا أقول هذا الكلام؟ لأن بعض الناس أحبتي يتعامل مع بعض رسائل الاعتقاد بطريقة المصنفات والمتون العلمية الرصينة التي كتبت على أبواب وخطة واضحة جلية، وهذا لا يصلح مع رسائل الاعتقاد العامة التي كتبها العلماء مثل لمعة الاعتقاد. هذه رسالة هي رسالة كتبها ابن قدامة، الله أعلم ما هو الدافع لكتابتها، لم يتضح لنا ذلك، ولم ينقل لنا التاريخ ذلك، لكن هناك شيء دفعه لأن يكتب هذه الرسالة. هل هو سؤال وجه إليه: بين لنا يا شيخنا رأيك في المسائل العقدية كذا وكذا؟ هل جاءه أهل مصر فطلبوا منه رسالة يأخذونها إلى بلادهم يعلمونها؟ ما الهدف من كتابته لهذا الأمر؟ الله تعالى أعلم.
لكن هناك شيء دفعه لكتابة لمعة الاعتقاد، لذلك لما تتعامل مع لمعة الاعتقاد لا تتعامل معها كألفية ابن مالك، أو تتعامل معها مثلاً كقطر الندى، كمتون تشرح كلمة كلمة، بل عليك أن تأخذ النص وتنظر إليه في نظرة جملة، وأن تدرك مقاصد النص والأهداف المرادة منه. يعني من خلال الأسطر تستنبط منهج ابن قدامة في هذه المسألة، وفي هذه المسألة، وفي هذه المسألة. أما القراءة الحرفية النصية لهذه الرسائل قد توقع الطالب في الخطأ في فهم مقصد الإام، نعم. هذه الرسائل يجب أن تؤخذ مواضيع وهي كمحاور ينظر فيها موضوع موضوع، وليس كلمة كلمة.
الفهم الحرفي أو بالنظرة الحرفية أو الشرح الحرفي لمثل هذه الرسائل قد يوقع في الخطأ، أقول: قد يوقع في الخطأ، وإنما النظر ينبغي أن يكون نظر جملة؛ تقرأ النص كاملاً، ثم تلتقط من هذا النص القوي القواعد التي يؤمن بها هذا الإام. إذاً، مما ينبغي التنبيه إليه أن رسالة لمعة الاعتقاد أو أن رسائل الاعتقاد عموماً، عفواً، التي كتبت في هذه الحقبة جاءت لتعالج القضايا التي وقع فيها الاختلاف بين الفرق، وظهر فيها الابتداع والمباين لطريقة أهل السنة، حتى ينتبه المسلم ويتفطن مواطن الزلل. هذا كان يعني الرسائل العقائدية التي كتبت في فترة ابن قدامة وقبلها جلها لهذا المقصد.
كانت في مصنفات عقدية، لا ننكر ذلك، لكن كثير الرسائل العقدية المختصرة إنما هي كما قلنا رد سريع من العالم على شبهة معينة، على ابتداع ظهر في مجتمع، محاولة علاج طرف معين، هذه أكثرها كانت بهذه الطريقة. لذا لا تجد هذه الرسائل مرصوصة بطريقة المتون مرتبة بشكل منهجي محدد، كما نجد ذلك في الكتب التي صنفت في فترة زمنية متأخرة. وكذلك لا تجد يعني، لأنه هذه الرسائل كما قلنا رسائل ظرفية لمعالجة أشياء معينة، في العادة لا تجدها مستوعبة لجميع مسائل الاعتقاد.
فمثلا في هذه الرسالة التي بين أيدينا، لمعة الاعتقاد، لا تجد ابن قدامة يركز على موضوع توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، مع أنهما أخطر شيء في الاعتقاد، وإنما ركزت على مسائل الأسماء والصفات. والسبب في ذلك يعود إلى طبيعة الحقبة التي عاشها ابن قدامة وطبيعة الصراع والمسائل التي دار حولها الصراع في زمنه. بينما مثلاً لو أتيت على كتب أهل السنة المتأخرة، ستجد هناك مثلاً من أهل السنة من يسلط الضوء بشكل قوي على مسائل توحيد الألوهية، لانطماس كثير من معالم توحيد الألوهية وتجهيل الناس بها وظهور النزاع فيها، مما اضطر إلى التصنيف في هذا الموضوع. وهذا حال إذاً كثير من الاعتقاد أنها إنما جاءت رداً على سؤال عقدي أو طلب معرفة رأي الشيخ في مسألة معينة أو مسائل أنكرت على شيخ فأراد أن يبين الحق فيها من وجهة نظره إلى غير ذلك.
فإذاً، عليك أن تفهم لماذا هذا العالم يركز على مسائل الأسماء والصفات؟ بينما ذاك العالم ركز على مسائل توحيد الألوهية؟ لا، هذا العالم يركز على مسائل القضاء والقدر؟ حاول أن تدرس كل عالم ما الظرف الذي وضعه فيه جو هذه الرسالة وما هو الظرف الذي وضعه في مجتمعه؟ ستعرف لماذا كتب الرسالة هذه الطريقة ولماذا ركز على هذا الموضوع أكثر من هذا الموضوع؟ لأنك الآن ستدرس لمعة الاعتقاد، ستجد ابن قدامة لم يتطرق إلى توحيد الربوبية ولا إلى توحيد الألوهية ولم يتطرق إلى في العبادة مع أنه ابن قدامة من أئمة أهل السنة والجماعة. طيب، لماذا لم تتطرق إليها؟ لأنه مشكلته لما كتب هذه الرسالة ليست هذه المشكلة، هناك دافع دفعه لكتابة هذه الرسالة لم يتعلق بتعريف توحيد الألوهية أو تبيين معالم العبادة، المشكلة كانت عنده في مسائل الأسماء والصفات العام، وأراد ربما أن يتبعها بذكر مسائل في الاعتقاد عموماً لطالب من طلابه أو قرية أو أهل بلدة والله تعالى أعلم.
طيب، الآن أقول أحبتي: هذه الرسالة في مجملها -الآن هذا كلام عام وسنبينه بعد ذلك- هذه الرسالة في مجملها تسير على طريقة أهل السنة والجماعة. وابن قدامة رحمة الله عليه في مجمله كشخصية يسير على طريقة أهل السنة والجماعة. إذاً يا شيخ، هذا الكلام منك يعني في إشارة لشيء يعني ما تقول هذه الرسالة في جملتها تسير على طريقة أهل السنة وابن قدامة كشخصية في جملته يسير على طريقة أهل السنة، إذاً هناك بعض الاشكاليات إذاً عند ابن قدامة؟ وهناك بعض الاشكاليات العقدية في هذه الرسالة؟
أقول: نعم، هناك بعض الاشكاليات عند ابن قدامة رحمة الله عليه وهناك بعض الاشكاليات في هذه الرسالة، سنقف عليها ونحللها ونطبق عليها التوثيق العقدي، لكن في الجملة هذه الرسالة طيبة مباركة شرحها علماء أهل السنة واهتموا بها، فينبغي على طالب العلم أن يعتني بالوقوف على مقاصدها وأن يحفظها لأنها رصيد جيد في بنائه العقدي.
طيب، قلت لكم سأبدأ اليوم في المبادئ العشرة لعلم الاعتقاد، لكن أظن أنني تجاوزت الحد المسموح لي في هذه المحاضرة، لا أطيل عليكم إن شاء الله، يعني المحاضرة السابقة كان فيها شيء من الطول هذه أقتصر. المحاضرة القادمة بإذن الله نبدأ بالمبادئ العشرة ونبدأ نغوص رويداً رويداً في مسائل الاعتقاد نبنيها على طريقة أهل السنة والجماعة. اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل