تسجيل الدخول

شرح لمعة الاعتقاد (20) / رأي أهل الكلام في صفة الكلام الإلهي

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين؛ نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب لمعة الاعتقاد للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الصالحي رحمة الله تعالى عليه. بدأنا في المحاضرة السابقة الحديث عن صفة الكلام الإلهي، وهي إحدى الصفات الثابتة لله سبحانه وتعالى، وإنما خصصناها وخصصها ابن قدامة وخصها الأئمة بزيادة بحث وتوضيح؛ لأنها من الصفات كثر فيها الإشكال والأخذ والرد بين الإسلاميين عبر القرون، حتى قيل كما قلنا في المحاضرة السابقة إن علم الكلام أي علم الاعتقاد سمي بعلم الكلام؛ لأن صفة الكلام الإلهي هي أكثر صفة حدث فيها النقاش والجذب والأخذ والرد بين الإسلاميين عموماً، فحلت محلاً كبيراً في الفكر العقدي الإسلامي ما بين الفرق المختلفة، وكثر فيها النقاش وإيراد الأدلة والحوار.

وأهل السنة والجماعة بناء على مصادر الاستدلال التي يعتمدونها في البناء العقدي، وهي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وإجماع السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم مع الأدلة العقلية الواضحة والفطرة النقية الزكية، قرروا أن الكلام الإلهي صفة من صفات الله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل معنى كلامه هو أنه متكلم بصوت ولفظ وحرف متى شاء، ويسمعه من شاء من خلقه.

ووجهة نظر أهل السنة والجماعة للكلام الإلهي هي مبنية أصلاً على معنى الكلام عند العرب، فالعرب الذين أنزل الله عز وجل عليهم هذا القرآن وخاطبهم به، العرب الذين نزلت عليهم هذه الآيات التي يتصف الله عز وجل فيها بالكلام، العرب الذين سمعوا وكلم الله موسى تكليماً، العرب الذين سمعوا تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله، العرب الذين سمعوا وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب؛ هؤلاء أحبتي ماذا فهموا؟ معنى الكلام عند العرب قاطبة هو اللفظ المفيد، هذا حقيقة الكلام عند العرب هو اللفظ المفيد فائدة يحصل السكوت عليها.

ونحن حينما ندرس وندرس النحو والصرف والبلاغة وعلوم العربية جميعاً، ألم نتعلم أن الكلام كما قال ابن آجروم في بداية الآجرومية: الكلام هو اللفظ المركب المفيد؟ وقال ابن مالك: كلامنا لفظ مفيد كاستقم، واسم وفعل ثم حرف الكلم. إذاً علماء العربية قاطبة والعرب في البوادي والصحاري وفي كل الأماكن إذا سمعوا الكلام عرفوا أن دلالة هذه الكلمة كلمة الكلام إنما تدل على اللفظ، واللفظ هو عبارة عن صوت مشتمل على بعض الأحرف الهجائية.

فوجهة نظر أهل السنة والجماعة للكلام الإلهي مبنية على أن الله عز وجل خاطبنا بما نعهده من كلام العرب، فالعرب تفسر الكلام بأنه لفظ مفيد، فإذا الله سبحانه لما أخبرنا عن نفسه أنه تكلم وأنه موصوف بالكلام وأنه كلم موسى تكليماً، إذاً هو يخاطبنا بما نعهده من دلالة هذه اللفظة أن الكلام هو اللفظ الذي يكون بصوت وحرف، فبالتالي أهل السنة والجماعة منسجمون مع كلام العرب ومنسجمون أيضاً مع الأدلة العقلية الواضحة، ويتعاملون مع القرآن الكريم على أنه كتاب هداية وبيان وإرشاد.

فالله عز وجل لما أخبرنا أنه تكلم هو لم يرد أن يلغز علينا وأن يصنع لنا فخاً بأن نفهم هذه الكلمة على ما يتبادر منها والمقصود منها معان أخر ليست متبادرة إلى أذهاننا، بل الله سبحانه أراد أن يرشدنا وأن يهدينا وأن يبين لنا في هذا الكتاب ما هي الصفات التي يتصف بها، فلما أخبرنا أنه متكلم إذاً نقول هو متكلم كما أخبرنا سبحانه، ونحن نعرف الكلام ونعرف دلالة هذه الكلمة، لكن كيف يتكلم؟ ما هي الصورة التي يتكلم بها؟ هذا علمه عند ربي، فنحن نعرف أصل المعنى للكلام، ولكن الكيفية هذا علمه عند ربهم، فصفة الكلام مثلها مثل سائر الصفات، نثبتها كمعنى ولكننا نفوض الكيفية والصورة الحقيقية في الخارج إليه سبحانه وتعالى.

فإن لوازم الكلام في المخلوق تختلف عن لوازم الكلام في الخالق، فإذا كان المخلوق كلامه يكون بصوت بلسان وأنان وفم وما شابه ذلك، فلا يستلزم هذا أن يكون كلام الله سبحانه وتعالى بهذه الطريقة وبهذه اللوازم، فلوازم الكلام في الخالق تختلف عن لوازم الكلام في المخلوق مع الاشتراك في اصل المعنى.

الان بينت لكم في المحاضرة السابقة منهج أهل السنة والجماعة، وذكرت لكم نصوصاً كثيرة عن الأئمة المتقدمين ليعلم أننا حينما نقول إن كلام الله بصوت وحرف ولفظ هذا ليس إبداعاً متأخراً لبعض المتأخرين كما يحاول البعض أن يصور، بل هو في الحقيقة ما عليه السلف الصالح وما نقله كل جيل من علماء أهل السنة والجماعة عن أهل زمانهم. اليوم أحبتي وعدتكم أن أختم الكلام عن وجهة نظر أهل السنة والجماعة في الكلام الإلهي بقضية جزئية تتعلق بالخلاف بين الحنابلة، ثم سانتقل إلى الآراء الأخرى؛ إلى رأي المعتزلة في الكلام الإلهي وإلى رأي الأشاعرة والكلابية.

ذكرت لكم في المحاضرة السابقة أن ابن قدامة رحمة الله عليه صنف كتاباً كاملاً في صفة الكلام يثبت أن كلام الله عز وجل كلام حقيقي بصوت وحرف، وهو كتاب الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم. لكن بقيت هناك كما قلنا إشكالية بين الذين يثبتون أن كلام الله سبحانه وتعالى بصوت وحرف، هذه الإشكالية ظهرت عند طائفة من الحنابلة، ولربما تابعهم عليها غيرهم، لكن كما قلنا هذه الإشكالية برزت عند طائفة من الحنابلة الذين يقولون إن كلام الله بصوت وحرف لكنهم أهون ركزوا، لكنهم يقولون كلام الله الذي هو بصوت وحرف ولفظ كله قديم وليس متجدد الأفراد والآحاد، فهمتم القضية؟

بعض الحنابلة يقولون الله عز وجل متكلم بذاته بصوت وحرف، وهذا متفق عليه بين أهل السنة، لكنهم ماذا يقولون؟ يقولون كلام الله الذي هو أصوات وألفاظ كله قديم، كله قديم وليس متجدداً حادثاً في أفراده يحدثه سبحانه وتعالى متى شاء، وهذه إشكالية في الحقيقة، بينا أن صفة الكلام من الصفات الاختيارية التي جنسها وأصلها قديم أزلي، فالله من الأزل قادر على الكلام متصف بالكلام، لكن أفراد الكلام وأحاد الكلام متجددة يحدثها سبحانه وتعالى في ذاته متى ما شاء. لكن هذه الطائفة الحنبلية لا، تقول نعم الله متكلم بصوت وحرف، لكن كل كلامه قديم وليس متجدداً والآحاد متى شاء.

هذه الطائفة أين الإشكالية عندها؟ هذه الطائفة تريد أن تهرب من قضية حلول الحوادث التي نشرها الفكر الاشعري أو الفكر الكلامي عموماً؛ الأشاعرة والمعتزلة والكلابية والماتريدية، يريدون أن يهربوا من فكرة حلول الحوادث في ذات الله سبحانه وتعالى، فأتوا بهذا التصور، وهو أن كلام الله كله بصوت وحرف لكنه قديم بدفعة واحدة، لا يوجد فيه تعاقب في الألفاظ والحروف ولا يوجد فيه تجدد، فلا نقول إن الله يتكلم متى شاء، بل نقول الله متكلم بكلام قديم.

وفي الحقيقة أقول ظاهر كلام ابن قدامة المقدسي رحمة الله عليه يتجه مع هذا التيار، أقول ظاهر كلامه، في النهاية ما أقره من آراء هذا الإمام العظيم هو نظرة شمولية في ألفاظه وتعبيراته، ماذا تريد هذه الألفاظ أن تقول لنا؟ ماذا يريد ابن قدامة في هذه النصوص أن يخبرنا عن نفسه؟ فنحن نستنطق نصوص ابن قدامة بجمعها من كل مظانها، لا نأخذ سطراً واحداً من كلام ابن قدامة ونفهم فيه وجهة نظر هذا الإمام، لا، لابد أن نذهب إلى كل كلامه في مصنفاته لنكون الصورة كاملة عن شخصيته وعن آرائه وأفكاره.

فاقول إذاً أحبتي وقع إشكال عند بعض الحنابلة في فهم جزئية تتعلق بكلام الله، وهي: هل كلام الله متجدد يحدثه كما يشاء؟ أم كلامه كله قديم فلا يوجد كلام متجدد يحدثه متى شاء؟ ذهب بعض الحنابلة إلى أن كلام الله سبحانه وتعالى بصوت وحرف كما يقول أهل السنة والجماعة، لكنه قديم كله وليس متجدداً في أفراده وآحاده يحدثه متى شاء. ولهذا ابن قدامة رحمة الله عليه وهو يرد على الأشاعرة في مسألة الكلام الإلهي -سنأتي إلى رأي الأشاعرة كيف يفهمون صفة الكلام، لكن ما يهمني الآن ما عبر به ابن قدامة عن نظره- يقول ابن قدامة وهو يرد على الأشاعرة في مسألة الكلام وقولهم أي الأشاعرة: إن التعاقب يدخل في الحروف بالتالي يعني هي قضية أن الله عز وجل إذا كان متكلماً بحرف وصوت وألفاظ، فإن هذه الحروف ستكون متعاقبة، بالتالي هناك حرف أول، حرف ثاني، حرف ثالث، حرف رابع، يعني هو تعمق زائد في الدخول في هذه القضية لكن نحن نضطر أن نتكلم بهذا الامر لأنهم بنوا عليه أفكاراً.

فالأشاعرة والمفوضة الفرق الكلامية باختصار وجهت انتقاداً إلى ابن قدامة، تقول يا ابن قدامة أنت إذا أثبت أن كلام الله بصوت وحرف وألفاظ، بالتالي هذه الحروف التي تتشكل منها الألفاظ لابد وأن تتعاقب، يتكلم سبحانه بحرف الالف مثلاً ثم بحرف الباء ثم بحرف الميم، مثلاً الحمد لله رب العالمين، هذه الآية أهل السنة والجماعة يقولون الله تكلم بها فأتى حرف الألف ثم اللام ثم الحاء ثم الميم ثم الدال إلى آخر الآية، فهناك تعاقب في الحروف.

طبعا أهل السنة والجماعة ما عندهم إشكالية في تعاقب الحروف، لكن الإشكالية عند من في تعاقب الحروف؟ عند الفرق الكلامية التي ترى أن تعاقب الحروف معناه حلول حوادث متجددة، أن هناك حرف ثم أتى بعده حرف ثم أتى بعده حرف ثم أتى بعده حرف، بالتالي كل حرف حدث بعد الحرف السابق، كل حرف لاحق حدث بعد الحرف السابق، بالتالي هناك حدوث وتجدد في الذات الإلهية. ونحن بينا أن فكرة حلول الحوادث أو تجدد الحوادث في الذات الإلهية فكرة مجملة، كما ذكر ابن أبي العز الحنفي لنا في محاضرة سابقة، وبين أن كلمة حلول الحوادث هذه الكلمة لم ترد لا عند الصحابة ولا عند التابعين، وإنما أتاها الفكر الكلامي متأثراً بالفلسفة الإغريقية، فنفوا حلول الحوادث مطلقاً.

وابن أبي العز الحنفي فصل لكم أن هناك حلول حوادث باطل، وهو أن تحل المخلوقات في ذاته، نعم هذا حلول للحوادث باطل لا نقبله، وهناك حلول للحوادث مقبول لا إشكال فيه، وهو التجدد، وهي الصفات المتجددة في أفرادها وآحادها التي تقوم بذات الله سبحانه وتعالى، فهذا تجدد وحدوث لا ضير فيه ولا يدل على أن الله حلت به المخلوقات، لأن كلمة حادث لا تساوي كلمة مخلوق كما بين ابن أبي العز، وكما يعني هناك أيضاً نصوص عن غير ابن أبي العز كابن الدينوري وهو من المتقدمين، بين أنه لا علاقة لازمة أو علاقة ترادف بين الحادث والمخلوق، الحادث لا يستلزم أنه مخلوق.

فهذا بينه العلماء الأكابر علماء الشريعة أن هناك خطأً كبيراً في الفكر الكلامي، أنهم يجعلون كلمة حادث يعني مخلوق تماماً، وهذا خطأ كبير سبب إشكالية في فهمهم لكثير من قضايا الاعتقاد.

فالمهم إذاً ابن قدامة كما قلنا المتكلمون وجهوا إليه هذا الانتقاد، أنك يا ابن قدامة إذا أثبت أن الله متكلم بحرف وصوت معناها أنت تقبل بالتالي تعاقب الحروف، وتعاقب الحروف يا ابن قدامة معناها تجدد حوادث في ذات الله سبحانه وتعالى. الآن ابن كيف أجاب عن هذه الشبهة التي طرحها المتكلمون؟ يقول ابن قدامة في كتابه الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم -لاحظوا ماذا سمى كتابه؟ في إثبات الحرف القديم، عنوان الكتاب بحذف ذاته يعطينا مؤشر عن فكر ابن قدامة في مسألة الكلام الإلهي أنه هو صوت وحرف وألفاظ لكنها قديمة- يقول ابن قدامة مجيباً لهؤلاء: قلنا لهم أي رددنا على المتكلمين: إنما كان ذلك في حق من ينطق بالمخارج والأدوات، ولا يوصف الله بذلك.

إذاً أحبتي ابن قدامة رحمة الله تعالى عليه كيف أجاب عن الشبهة الكلامية؟ في الحقيقة أجاب عنها بشكل لا يتوافق مع طريقة أهل السنة والجماعة عموماً؛ لأنهم قالوا له: الله عز وجل إذا قلت إنه يتكلم بالفاظ معناه هناك تعاقب في الحروف، معناه هناك حلول الحوادث في ذاته. فابن قدامة أراد أن ينفي هذا الموضوع، ابن قدامة أراد أن ينفي تعاقب الحروف وبالتالي تجدد الحوادث وتجدد الكلام في ذات الله، أراد أن ينفي ذلك وقال: لا، قضية تعاقب الحروف هذه إنما تكون في حق من يتكلم بالأدوات والمخارج، ولا يوصف الله بذلك.

اتجه ابن قدامة إلى أنه قبل هذا الإلزام، قبل هذا الإلزام من المتكلمين أنه إذا قلنا إن كلام الله سبحانه متجدد متعاقب، بالتالي هناك حلول للحوادث، فأراد ابن قدامة أن ينفي حدوث الحوادث وأن يثبت أن كلام الله سبحانه وتعالى لا يوجد فيه تعاقب في الحروف والألفاظ، وهذا يدل أحبتي على أن ابن قدامة رحمة الله عليه في الحقيقة لربما تأثر تأثراً ببعض الأفكار التي يطرحها الفكر الكلامي في عصره تأثراً صحيحاً، كما قلنا منطلقاته منطلقات أهل السنة والجماعة ويرفض الأدلة المتكلفة، لكنه عاش في زمن وفي فترة كان الفكر الكلامي هو الطاغي على المباحث العقدية، وشيء أظنه شيء طبيعي في حياة الإنسان أنه إذا عاش في زمن مليء بكل هذه الأفكار الكلامية الفلسفية أن يتأثر بشيء منها، إلا أن يريد الله عز وجل له تمام البيان والوضوح، لكن أنا أظن أنه من الشيء الطبيعي لرجل كابن قدامة عاش في زمن.

كثر فيه سواد الكلاميين، وكثر فيه اللغط في هذه المسائل، أن يتأثر بشيء من هذه الأفكار، وتؤثر في طريقة طرحه للمسائل. فظهر لنا من خلال هذا الردم لابن قدامة أنه نفى قضية تعاقب الحروف والألفاظ في ذات الله. طب لماذا ينفيها؟ خشية من أن يقول بحلول الحوادث، وهذه مشكلة أنه كان ابن قدامة ينبغي عليه أن يفصل في هذه المسألة، كما فصل من قبله ومن بعده من الأئمة، وألا يقبل نفي الحلول على إطلاقه كما يريد المتكلمون.

فظاهر هذا أن ابن قدامة ينفي تعاقب الحروف والكلمات في الكلام الإلهي ويجعله كل كلام قديم جيم واحد خرج أو تكلم. نقول: تكلم به الله دفعة واحدة، يريد أن يصور ابن قدامة أن الكلام الإلهي هو بصوت وحرف ولفظ وهو قديم غير متجدد الأفراد. طب كيف قديم؟ يعني خرج تكلم به الله، يقول: تكلم، تكلم به الله دفعة واحدة، فبالتالي لا يتصور ابن قدامة قضية تعاقب حروف وألفاظ.

وإنما يتصور أن هذا الكلام تكلم به الله دفعة واحدة منذ القدم. وهذه النظرة للكلام الإلهي في الحقيقة نظرة خاطئة أفرزها التخوف من فكرة حلول الحوادث، التي أفرزها الفكر الكلامي وجعلها صنما. الكلاميون جعلوا هذه الفكرة هذا الصنم الكبير لديهم، جعلوها صنما بنوا عليها كثيرا من البدع في العقائد والتصورات.

فإن بعض الحنابلة في الحقيقة كان متأثرا بهيمنة هذه الفكرة، فكرة حلول الحوادث على العقل الكلامي، فكان متخوفا من التفصيل فيها ومن نقدها. فاعتقدوا أن إثبات كلام إلهي متجدد يحدثه الرب متى شاء، فيه تعاقب للكلمات والحروف يسمعها منه من شاء من خلقه، ظنوا أن إثبات هذه القضية فيه إثباتا لحلول الحوادث في الذات الإلهية، بالتالي لا يصح أن نثبت كلام الله بهذه الصورة، أنه متجدد الأفراد والآحاد وأنه متعاقب الحروف والكلمات، بل نثبتُه بصورة أخرى أنه قديم تكلم به دفعة واحدة، وهذه اشكالية حقيقية في الفكر.

وقد بينا مسبقا أن فكرة حلول الحوادث في ذات الله لم يخض فيها الصحابة ولا التابعون، وهي من المصطلحات المجملة التي فيها حق وفيها باطل، تحتاج لتفصيل نقلناه عن ابن أبي العز الحنفي فيما سبق وعن غيره أيضا موجود هذا التفريق. فليس كل حلول للحوادث ممنوع، وإنما وقع اللبس في هذه المسألة لعدم إدراك أكثرهم الفرق بين لفظة حادث ولفظة مخلوق.

وقد دل كلام السلف الصالح أحبتي على أن الله يتكلم متى شاء، على أن الله يتكلم متى يشاء، وأن كلامه متجدد الأفراد والآحاد، وليس كما يتصور بعض الحنابلة أن كل كلام قديم تكلم به دفعة واحدة. هذه كلمة خرج على اللسان لكنني لا أريُد أن أعبّر بها لأنها لم تأتي في نصوص الكتاب والسنة، وأما الذي ورد أن الله تكلم، وإذ خرج منه الكلام قد يتساهل البعض في إطلاقها أدرك ذلك، لكنني أُحاول أن ألتزم بما عبّر به الكتاب الكريم والسنة المطهرة وأن الله تكلم.

طيب أعطنا يا شيخ نصوصا عن السلف الصالح أن الله عز وجل يتكلم بكلام متجدد الأفراد؟ ساقتصر على نص واحد حتى لا أطيل، والا النصوص متوافرة عن السلف. اقتصر على كلام الإمام أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة، وكفى بكلامه قدوة وأسوة. يقول أحمد بن حنبل في رواية عبدالله: لم يزل الله متكلما إذا شاء.

لم يزل الله متكلما إذا شاء، لاحظوا ربط أحمد بن حنبل بين الكلام وبين المشيئة، أن الله يتكلم إذا شاء. بالتالي كلام الله ليس قديما، ليس قديما في أفراده وآحاده كما يتوهم بعض الحنابلة. بل كلام الله عز وجل أصل صفة الكلام وجنسه قديم، لكن أفراد حالة متجددة وتجددها مرتبط بالمشيئة الإلهية. فقول أحمد أن الله يتكلم إذا شاء، إذا هناك ربط بين الكلام وبين المشيئة، إذا شاء الله تكلم، بالتالي هناك تجدد في أفرادي كلامي وفي آحاده متى شاء الله سبحانه وتعالى.

فإذا هذا كما قلنا تعليق مختصر على هذه الفكرة، أن بعض من يثبت الكلام الإلهي أنه صوت وحرف يتوهم أن هذا الكلام كله قديم دفعة واحدة تكلم به الله منذ الأزل، ولا يجوز أن نقول إنه متجدد الأفراد والآحاد، وهذا ليس بصحيح.

الان خلاص انتهينا من هذه القضية، أعود إلى تصوير الكلام عند أهل السنة والجماعة. بناء على هذا التصور للكلام الإلهي بنى أهل السنة والجماعة نظرتهم إلى القرآن الكريم، فقالوا في مسألة الكلام الإلهي وفي مسألة القرآن الكريم ما قرره ابن قدامة في لمعة الاعتقاد. يعني ابن قدامة عموما في الكلام الإلهي يسير على طريقة أهل السنة في إثبات أنه بحرف وصوت، لكن الإشكالية معه في قضية هل هو ولا متجدد الآحاد وإلا عموما فابن قدامة يسير مع أهل السنة والجماعة في هذا الباب.

فسأقرأ الآن كلام ابن قدامة في لمعة الاعتقاد في صفة الكلام الإلهي وما يتبع ذلك من قضية توصيف القرآن الكريم. لأن نظرة الإنسان للكلام الإلهي ستؤثر على نظرته للقرآن الكريم، لأن القرآن هو شكل من أشكال الكلام الإلهي، فكيف أنت تفهم الكلام الإلهي؟ هذا سيؤثر ولا بد على فهمك لطبيعة القرآن الكريم. فلذلك دائما تجد علماء أهل السنة بل حتى الفرق العقَدية عموما تتكلم أولا ما هو الكلام الإلهي؟ ثم تتكلم بعد ذلك ما هو القرآن الكريم؟ وهذا ما فعله ابن قدامة، فدعونا نقرأ ماذا قال.

يقول ابن قدامة في لمعة الاعتقاد في الفصل الذي يتكلم فيه عن كلام الله وهذا الذي انتهينا عنده في القراءة: ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم. لاحظوا ابن قدامة أعاد الكرة مرة أخرى، أنه لم يقل بكلام قديم في جنسه متجدد في آحاد وأفراده، لا أطلق: ومن صفات الله أنه متكلم بكلام قديم، فجعل كلام الله قديما من دون تفصيل.

وكما قلنا هذا يرجح ويقودنا إلى ابن قدامة لربما تكون عنده إشكالية بعض الحنابلة، وهذا أيضا ما يدل عليه كلامه في الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم كما نقلت لكم عنده إشكالية الوارد عن بعض الحنابلة أن هل الله عز وجل يوصف بكلام متجدد الآحاد؟ لعل ابن قدامة لا يرى هذا، ويرى أن كلام الله كله قديم.

المهم: ومن صفات الله أنه متكلم بكلام قديم، يسمعُه منه من شاء من خلقه، لاحظوا قال: يسمعه منه من شاء من خلقه. إذا هذا كلام قديم تكلم به الرب، ويسمعه من شاء من خلقه. سمعه موسى عليه السلام منه من غير واسطة، وسمعه جبريل عليه السلام منه، وسمعه من أذن له من ملائكته ورسله. بالتالي يعني ابن قدامة في الحقيقة يقول لنا أن كلام الله سمعه موسى، سمعه جبريل، سيسمعه من شاء من ملائكته ومن رسله.

وبالتالي يمكن يقول الإنسان: كيف يكون كلام الله قديم دفعة واحدة ثم بعد ذلك تقول يا ابن قدامة أن هذا الكلام الإلهي سمعه موسى وسمعه جبريل وسمعه من شاء من خلقه؟ البعض سيشعر بشيء من الإشكالية في هذا الأمر. إذا كان كلام الله كله قديم يا ابن قدامة غير متجدد في أفراده وآحاده، إذا كيف سمعه موسى في الوقت الذي عينه الله؟ وسمعه جبريل في الوقت الذي يعينه الله؟ وسمعه محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء؟

كأن ابن قدامة يتصور القضية أن هناك كلام تكلم به الله منذ القدم، وهذا الكلام الله عز وجل يوصله إلى موسى إيصالا في الوقت الذي يشاء، فموسى سمع كلام الله الذي تكلم به منذ القدم، جبريل يسمع كلام الله الذي تكلم به الله منذ القدم، فالله تكلم منذ القدم كما يقول ابن قدامة، لكن متى يسمع هذا الكلام فلان وفلان وفلان؟ هذا وقت يحدده الله سبحانه وتعالى وإلا فلا يوجد كلام حادث في الوقت الذي يشاءه الله سبحانه. وهذه في الحقيقة قضية مشكلة لا تتوافق مع طريقة أهل السنة والجماعة.

لكن المهم أن ابن قدامة يثبت كلاما لله بصوت وحرف، سمعه جبريل وسمعه موسى وسمعه من شاء من ملائكته ورسله. سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة كما جاء في الأحاديث، ويكلمونه ويأذن لهم فيزورونه، كما جاءت الأحاديث أن المؤمنين في جنات النعيم يزورون الله سبحانه وتعالى ويكلمهم الله، ويذكر فلان بعثراته. هذا الكلام كيف يكون؟ أليس كلاما كما يشاء سبحانه متى شاء يحدثه في ذاته من دون أن يكون مخلوقا؟ هذا هو الفهم الطبيعي الذي ينسجم مع العقل ومع اللغة العربية في الحقيقة.

كلام أهل السنة والجماعة ينسجم مع العربية وينسجم مع العقل السليم في فهم طبيعة الكلام الإلهي، لكن للاسف حينما تتأثر بمنابع أخرى وبأفكار دخيلة على الفكر الإسلامي، هنا يبدأ يحدث التشويش على فهم هذه النصوص، فلا تفهم بالطريقة السهلة الواضحة، وإنما تفهم بالطريقة المعقدة التي فيها التفافات وضياع.

ثم بدأ ابن قدامة، لاحظوا استدلالات ابن قدامة بالقرآن والسنة، ابن قدامة ما عنده استدلالات فلسفية أو منطقية متكلفة، لكن تصبح الإشكالية في مدى تأثر ابن قدامة في الوسط الذي عاش فيه. ثانيا: طريقة فهم ابن قدامة لهذه النصوص، لأن فهمه لهذه النصوص القرآنية والنبوية أظن أنه لربما يتأثر بالجو الذي عاش فيه، الجو الأشعري الكلامي عموما يعني طريقة الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة. ففهم ابن قدامة للنصوص، وهو إن كان ينطلق منها، لكن فيما يظهر لي أنه متأثر نوعا ما بشيء من أفكار المتكلمين دخل عليه من حيث يشعر أو لا يشعر، الله تعالى أعلم.

الآن أُكمل أنا، لاحظوا استدلالاته بالنصوص القرآنية على إثبات أن الله متكلم بكلام حقيقي. يقول: قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]. الآية الثانية: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: 144]، إثبات كلام إلهي. وقال سبحانه وتعالى: ﴿مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: 253].

ثالثا أو رابعا: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِن وراءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: 51]، كلها إثبات كلام لله سبحانه وتعالى. خامسا: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: 11-12]. الآن أحيانا الله عز وجل يعبر عن كلامه بصيغة النداء، إنه إذا فنادى الله، إذن النداء إنما هو كلام، النداء إنما هو كلام. وأحيانا يعبر الله عز وجل عن كلامه بصيغة قال: ﴿قَالَ اللَّهُ﴾، ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 116]، ﴿قَالَ اللَّهُ﴾، إذا هذا كلام.

لذلك أحبتي النصوص التي تدل على كلام الله سبحانه وتعالى نصوص مستفيضة جدا جدا جدا، يعني لو أخذت النصوص في القرآن الكريم وحده التي تدل على كلام الله ستجدها مئات النصوص. فغريب أن يأتي شخص ينفي كلام الله سبحانه وتعالى ويقول إن الله عز وجل لا يتكلم، أو يحرف الكلام الإلهي بصورة ليست هي الصورة المعهودة التي تعرفها العرب من كلمة قال ونادى وتكلم.

العرب إذا سمعت فلان قال، فلان نادى، تكلم، تفهم أن قال نادى تكلم هذه أصوات وحروف. فإذا الله عز وجل لما يخبرنا عن نفسه أنه قال ونادى وتكلم، إذا هناك أصوات وحروف، لكن كيف ذلك؟ هذا الذي نفوضه ونقول الله تعالى أعلم به، ولا نشبه كلامه في طريقته وصورته بكلام المخلوقين.

إذاً: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: 11-12]. وقال سبحانه أيضا في الآية من سورة طه: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: 14]. هذه الآية: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾، من الذي يتكلم بها أحبتي؟ هل يعقل أنه شجرة أو حجر أو جبريل أو ما شابه ذلك هو الذي يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾؟ ولا الذي يتكلم بهذه الآية لابد وأن يكون هو الله سبحانه، من له الأحقية أن يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾؟ هل شجر، جبريل، سماء، أرض؟

الذي له الأحقية أن يقول هذه الآية ويخاطب بها موسى هو الله سبحانه وتعالى. إذا هذه آية تكلم بها الله عز وجل حقيقة. وغير جائز -لاحظوا ماذا يقول ابن قدامة- وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله، لا يمكن أن يكون هناك من قال هذه الآية غير الله.

وحقيقة ابن قدامة أبدع في رده على الأشاعرة والكلابية في كتابه الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم. أبدع في رده عليهم نفيهم الكلام الإلهي الذي يكون بصوت وحرف. سنأتي بمنهج الأشاعرة، لكن إذا أردت أن تعرف كيف ترد على هؤلاء، اقرأ كتاب ابن قدامة. وابن قدامة قبل ابن تيمية، حتى لا أحد يقول عدنا إلى دائرة ابن تيمية، ابن قدامة قبل ابن تيمية ورد على الأشاعرة والماتريدية تصورهم للكلام الإلهي بالتصور الفاسد، وهو من أفضل ما كتب في ذلك.

وكذلك السجزي رحمة الله عليه، وهو قبل ابن قدامة، كذلك أبلى بلاء حسنا في رده على الأشاعرة والكلابية في هذا الباب. ثم انتقل ابن قدامة ليأتي بأدلة من الأحاديث النبوية على إثبات الكلام الإلهي. قال: قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء. طبعا لن أركز على هذا الأثر الذي رفعه بعضهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أن هذا الأثر فيه إشكالية حديثية في سنده وهو تدليس الأعمش رحمة الله عليه، يعني تدليس للأعمش بالتالي فيه ضعف، والصحيح أنه موقوف على عبدالله بن مسعود، ولم يثبت مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم بسند يطمئن إليه القلب. بالتالي هذا الأثر الأول: قال عبدالله بن مسعود: إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء، ليس هو الركيزة الأساسية التي نعتمد عليها في إثبات.

كلام الله بصوت؛ لأن هذا الأثر، كما قلنا، فيه إشكالية حديثية وهو موقوف على ابن مسعود رضي الله عنه. بالتالي، عندنا من نصوص الكتاب ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة ما يغني عنه.

فمثلاً، الحديث الذي ذكره بعد ذلك؛ حديث عبد الله بن أنيس الذي ناقشناه بالتفصيل في المحاضرة السابقة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة حفاة غرّاً بهماً. بهماً، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب. فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: «أنا الملك، أنا الديان». هذا وقفنا عنده وقفة طويلة في المحاضرة السابقة، وبينا أنه حديث صحيح ثابت، حتى ولو ذكره البخاري بصيغة تمريض معلقاً، لكن طرقه وأسانيده، بل البخاري نفسه استشهد به في أكثر من كتاب من كتبه، ودلل على أنه حديث صحيح مقبول.

فذكره بصيغة التمريض ليس المراد منه أنه ضعيف لم يثبت. يقول ابن قدامة معلقاً على هذا الحديث: رواه الأئمة واستشهد به البخاري. وفي بعض الآثار -الآن جاء بعد ذلك أثر- هذا الأثر في الحقيقة أنا كنت أود أن ابن قدامة لم يأت به؛ لأن هذا الأثر في الحقيقة ليس ثابت، وفي الأدلة الصحيحة غني عنه. لكن طريقة ابن قدامة حتى في الفقه، يعني هذا منهج ابن قدامة ليس فقط في الاعتقاد بل في الفقه، أنه إذا أراد أن ينصر قولا من الأقوال، أولاً يبدأ يأتي بأقوى الأدلة في جعبته، ثم يختم ذلك بآثار استئنافية، آثار استئنافية حتى ولو لم تكن قوية الثبوت، لكنها يستأنس بها. وفي الحقيقة في الفقه الأمر سهل، لا إشكال أن تأتي بآثار تستأنس بها لقولك.

لكن في الاعتقاد، لا؛ الباب خطير، وأهل الكلام يترصدون لك يا ابن قدامة ولغيرك من أهل السنة والجماعة لأي خطأ في الاستدلال. بالتالي، لما تأتي أنت بأثر غير ثابت أو لربما مأخوذ من الإسرائيليات أو ما شابه ذلك لتدلل به على مسألة عقدية، أنت تفتح الباب على خصومك ليطعنوا في ردك. فالاصل أنا كنت أتمنى أن ابن قدامة رحمه الله اقتصر على الأدلة القرآنية والأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وترك بعض الآثار الضعيفة السند أو التي لا يعرف لها أصل ثابت يرجى إليه.

من ذلك هذا الأثر: وفي بعض الآثار أن موسى عليه السلام لما رأى النار فهالتته ففزع منها، فناداه ربه: يا موسى. فأجاب سريعاً استئناساً بالصوت، فقال: لبيك لبيك، أسمع صوتك ولا أرى مكانك فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك وأمامك وعن يمينك وعن شمالك. فعلم أن هذه الصفة لا ينبغي أن تكون إلا لله. فقال موسى: كذلك أنت يا إلهي، أفكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ فقال: بل كلامي يا موسى. يعني أنت تسمع كلامي يا موسى. الآن هذا الأثر في الحقيقة ليس حديثاً ثابتاً بتاتاً، وإنما هو، كما قال ابن قدامة: وفي بعض الآثار، لعله مأخوذ من الإسرائيليات أو من الكتب السابقة.

صحيح، هو يثبت أن كلام الله سبحانه وتعالى كلام حقيقي تكلم به الرب بصوت، لكن من ما هو مقدار ثبوت هذا الأثر؟ مقدار ثبوت هذا النص؟ هل هذا النص بجملته وهل هذه القصة ثابتة؟ هذه حقيقة إشكالية. أنا لا نجد لها مصدراً ثابتاً يمكن أن يطمئن إليه القلب ونتأكد منه من صحة هذه القصة. بالتالي، أنا لا أعتمد عليها في إثبات صفة الكلام الإالهي أنها بصوت وحرف، وإنما أعتمد على نصوص القرآن؛ نصوص القرآن مئات النصوص التي جاءت لتخاطب العرب بما تعهده من الكلام أنه بصوت وحرف، ففيها غنية وكفاية ولا حاجة بالتالي للبناء على الضعيف.

الآن أحبتي، بعد أن انتهى ابن قدامة من بيان أن كلام الله بصوت وحرف -وإن قلنا أن هناك إشكالية أن ابن قدامة يتجه إلى أن كل كلام قديم ولا يوجد فيه تجدد في آحاد الكلام فيما يظهر لي في النهاية- انتقل بعد ذلك ابن قدامة ليبين أن القرآن الذي بين أيدينا هو شكل من أشكال الكلام الإلهي. فهذه النصوص التي بين أيدينا التي نقرؤها ونحفظها وننتلوها، هذه النصوص هي كلام الله، تكلم بها الله بصوت وحرف، سمعه جبريل، ونزل به جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم. هكذا نفهم كلام الله أهل السنة والجماعة، وعفواً، هكذا نفهم القرآن أهل السنة والجماعة: أن القرآن هذه النصوص التي بين أيدينا: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ * ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 2-3] هذه الآيات؛ آيات تكلم بها الله حقيقة، وسمعها منه جبريل، ونزل بها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم.

هكذا فهمنا، وهكذا فهم الصحابة، وهكذا فهم التابعون، وهكذا فهمت الأجيال الفاضلة من هذه الأمة، إلى أن دخلت لوثة الفلسفة الإغريقية لتحرف المسير، وليصبح هناك نظرة أخرى للقرآن عند بعض الفرق الإسلامية التي أخطأت الطريق. الآن القرآن كلام الله، يقول ابن قدامة: ومن كلام الله القرآن العظيم. الآن كلام الله أوسع من القرآن؛ هناك كلام الله عز وجل الذي خاطب به موسى، كلام الله عز وجل الذي يخاطب به أولياءه يوم القيامة، كلام الله أوسع من القرآن، القرآن كما قلنا فرد من أفراد كلام الله.

إذاً، ومن كلام الله سبحانه القرآن العظيم، وهو كتاب الله المبين، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين جبريل على قلب سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين. وهذا القرآن ماذا يقول عنه ابن قدامة؟ وهو منزل غير مخلوق، القرآن كلام الله وهو منزل أنزله الله عز وجل بواسطة جبريل، غير مخلوق، منه بدا وإليه يعود -وسأعود لهذه العبارة: ما معنى منه بدا وإليه يعود-. وهذا القرآن وهو سور محكمات وآيات بينات وحروف وكلمات، من قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات.

وابن قدامة ماذا يريد بهذه العبارات؛ أنه آيات بينات وحروف وكلمات، ومن قرأها فله عشر حسنات؟ هو يريد أن يؤكد على قضية هي -ركزوا معي- أن هذا القرآن الذي هو آيات وحروف ومن قرأ هذه الحروف فله كذا وكذا من الحسنات، هذا القرآن هو كلام الله. هو يريد أن يؤكد أن هذا القرآن الذي هو آيات، الذي هو حروف، الذي نزل من عند الله بواسطة جبريل، الذي من أعقره وأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، الذي أكمل له أول وآخر، أحضر ماذا قال؟ وأجزاء وابعاض. هذا القرآن هو كلام الله.

فهذه كانت أسلوب يستعمله السلف الصالح ليؤكدوا مرادهم حينما نقول إن القرآن كلام الله؛ حتى يؤكدوا هذه الفكرة ومرادهم بالتفصيل، يزيدون هذه الكلمات، فيقولون: القرآن الذي هو آيات، القرآن الذي هو حروف وكلمات، القرآن الذي فيه محكم ومتشابه، القرآن الذي فيه ناسخ ومنسوخ، هذا القرآن هو كلام الله تكلم به الله. فحتى يرسخوا هذه الفكرة -لأن هذا سيكون مقابل لرأي الأشاعرة والماتريدية ولرأي المعتزلة- حتى يرسخوا فكرة أن القرآن الذي بين أيدينا، هذه النصوص؛ ناسخها ومنسوخها، محكمها ومتشابهها، آياتها وسورها، هذه هي كلام حقيقي من الله، يأتون بكل هذه العبارات المؤكدة للفكرة الأساسية.

فلذلك يكمل ابن قدامة: له أول وآخر، وأجزاء وأبعاض، متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، مسموع بالآذان، مكتوب في المصاحف، فيه محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، خاص وعام. ماذا يريد ابن قدامة بكل هذه الأمور التي حشدها؟ هو يريد أن يؤكد، كما قلت لكم، أن هذه النصوص التي نقول إن فيها المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيد، هذه النصوص التي تتكون من حروف وألفاظ ومتشابهات ومحكمات وهي أجزاء وأبعاض وسور، هذه هي القرآن، وهي كلام الله الذي تكلم به، فهو تأكيد وترسيخ للفكرة إلى آخر مداها، حتى لا ترد شبهة على ذهن عاقل أن كلام الله عز وجل بالقرآن ليس هو النصوص التي بين أيدينا، بل كما يفهمه أهل البدع. فهذا كما قلنا أسلوب تثبيتي للفكرة وترسيخي لها.

ثم بدأ ابن قدامة قال: وخاص العام، وأمره ونهيه، ثم بدأ، كما قلنا، طريقة ابن قدامة أنه يؤصل الفكرة، ثم يبدأ يستشهد لها بالآيات والأحاديث النبوية. فبعد أن أصل أن القرآن هو شكل من أشكال كلام الله، بدأ يفصل بالآيات ويقول: قال سبحانه وتعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42]. هذه يؤكد فيها قوله أن القرآن منزل غير مخلوق، لما قال في بداية كلامه إنه منزل غير مخلوق، يؤكد أن القرآن منزل من الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42].

وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: 88]. لاحظ، إذاً هناك اسم إشارة، فالقرآن شيء يشار إليه، بالتالي هو شيء حاضر بين أيدينا. طبعا هذه الفكرة، عندما تتعمقون ان شاء الله في أقوال الفرق الأخرى، ستدركون قيمة هذه الآيات وماذا يريد ابن قدامة أن يقوله بهذه الآية: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: 88]. إذاً القرآن شيء يمكن أن نشير إليه، هذا هو القرآن. فائدة هذه الدلالة ستأتي معنا بإذن الله: ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]. وهو هذا الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا -يعني القرآن هو الكتاب العربي الذي قال فيه الكفار-: لن نؤمن بهذا القرآن. إذاً القرآن هو النصوص، والقرآن كلام الله، إذاً كلام الله نصوص. لو أتينا صغناها بقياس واضح: القرآن عبارة عن نصوص، والقرآن هو كلام الله، إذاً -بحذف الحد الأوسط- النصوص هي كلام الله. هذا ما يريد ابن قدامة أن يصنع في عقلك التسلسل.

هناك آيات كثيرة وأحاديث كثيرة تدل على أن القرآن هي النصوص التي بين أيدينا، وأن القرآن يشار إليه بالأيدي، إذاً القرآن شيء حاضر. ما هو الشيء الحاضر؟ هي النصوص. فإذا كان القرآن نصوصاً، والقرآن كلام الله، إذاً كلام الله نصوص، وهي عبارة عن ألفاظ وأصوات تكلم بها الله سبحانه وتعالى.

ما زال ابن قدامة يستدل: وهذا هو الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا: لن نؤمن بهذا القرآن. إذاً يشيرون إلى قرآن موجود حاضر، النصوص بين أيديهم. وقال فبعضهم عن هذا القرآن: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: 25]، يعني هذا القرآن قول البشر ليس قول الله. أحبتي، صدقوني، كفار قريش كانوا يعلمون أن القرآن كلام الله وأن هذه النصوص كلام الله أكثر من الفرق الإسلامية المبتدعة.

وقال سبحانه وتعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: 26] لمن قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: 25]. لما قال ذلك الوليد بن المغيرة، وقال بعضهم عن هذا القرآن إنه شعر، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: 69]. فلما نفى الله عنه -أي عن القرآن- أنه شعر وأثبته قرآناً، لم يبق شبهة للبيب في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي، هذه النصوص التي بين أيدينا، أن هذا القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي هو كلمات وحروف وآيات، لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد إنه شعر.

يعني لو لم يكن القرآن هو هذه الآيات وهذه الكلمات، لو لم يكن القرآن هو هذه الآيات وهذه الكلمات، لما تجرأ كفار قريش وقالوا إنها شعر أو من قول محمد صلى الله عليه وسلم. فلما قالوا إنها شعر، ولما قالوا إن هذا من قول محمد صلى الله عليه وسلم، دل هذا على أن مفهوم القرآن الذي فهمه الصحابة وفهمه كفار قريش أن كلمة القرآن هي النصوص، هي الكلمات، هي الحروف التي بين أيدينا.

لماذا يا شيخ تأكد على أن القرآن هو النصوص، الكلمات، الحروف؟ هذا شيء واضح لدينا. لان هناك من لم يكن واضح لديه، بل حرف حقيقة القرآن إلى شيء توهمه في عقله، كما سيأتي معنا.

وقال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 23]. إذاً المنزل من الله هو القرآن، وهو سور. ولا يجوز أن يتحداهم سبحانه بالاتيان بمثل ما لا يدرى ما هو ولا يعقل؛ يعني لو كان القرآن ليس هو هذه النصوص وهذه الكلمات، لما صلح أن يتحداهم الله سبحانه وتعالى به، لما تحداهم الله بالقرآن وأعجزهم بالقرآن، دل هذا على أن القرآن شيء حاضر، مشاهد، نصوص بين أيديهم يشاهدونها، يتلونها، يحفظونها، فتحداهم الله عز وجل به.

وأما لو كان القرآن، كما تتوهم الفرق الكلامية، ليس هو هذه النصوص، لما صلح أن يتحداهم به؛ لأنهم لن يعرفوا ما هو القرآن، بالتالي كيف تتحدانا بشيء لا نعقله؟ فهذا يدل على أن القرآن شيء يعلمونه، ويشاهدونه، ويسمعونه.

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [ونس: 15]. إذاً إذا سمعوا الآيات البينات، الكفار ماذا يقولون؟ ائْت بقرآن غير هذا. إذاً هذه الآيات هي القرآن، والكفار يقولون: نريد قرآناً آخر، إذاً هذا إقرار بأن الآيات هي القرآن. كذلك قوله تعالى، فأثبت الله أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم في هذه الآية.

وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: 49]. القرآن آيات بينات، ما الصريح؟ القرآن هي الآيات البينات.

وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: 77-78]، ما الكر القرآن الكريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون، بعد أن أقسم على ذلك في قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: 75].

وقال تعالى: ﴿كَهٰعْصٰ﴾ [مريم: 1]، وقال: ﴿حَمٰ * عَسٰقٰ﴾ [الششورى: 1-2]، وافتتح تسعاً وعشرين سورة بالحروف المقطعة. يريد ابن قدامة يقول إن هذه الحروف المقطعة تدل على ماذا؟ يريد الله عز وجل أن يخبرنا أن القرآن مشكل من هذه الحروف، هذه الحروف.

فكاف هاء ياء عين صاد. الأحرف المقطعة كما تعلمون في كتب التفسير يقولون ما الحكمة من الابتداء بها، ذهب كثير من أهل العلم إلى أن الله يريد أن يخخبرنا وأن يخخبر الذين يتحداهم من كفار قريش ومن بعدهم أن هذا القرآن مشكل مكون من هذه الحروف، فحاولوا أن تأتوا بسورة واحدة أو أقل من ذلك في بلاغتها وفي إعجازها مثل هذه النصوص ومثل هذا القرآن.

فإذا الحروف المقطعة إشارة من الله على أن القرآن متشكل متكون من هذه الحروف، فبالتالي القرآن هو حروف وألفاظ إلى آخر ذلك. طبعا ابن قدامة يركز على أن القرآن حروف، وأن الله عز وجل تكلم بحرف وصوت، لذلك هو يركز على كل هذه القضايا والثنايا.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة». طبعا علق ابن قدامة على هذا الحديث وقال حديث صحيح. وفي الواقع هذا الحديث لما يظهر ليس في سنده نهشل الروضاني وهو متروك، وابن قدامة كما قلنا هذه كلمة على الهامش أن ابن قدامة رحمة الله عليه كان فقيها عقديا عالما في هذه الجوانب لكنه لم يكن من أرباب علم الحديث وعلم الرجال، يعني ابن قدامة لم يكن متخصصا أو متقنا لعلم الرجال.

بالتالي أحكامه على الأحاديث لا تكون أحكام قوية في الحقيقة لأنه لم يتقن هذا العلم علم الرجال، فبالتالي نجد أنه كثير من الأحيان يصحح أحاديث حتى في المغني يعني في الفقه يصحح أحاديث أو يستدل بأحاديث تكون الأحاديث ضعيفة، والسبب في ذلك كما قلنا عدم الخبرة العالية جدا لابن قدامة في علم الرجال ومعرفته بهم سببت أنه استدل بأحاديث سواء في الاعتقاد أو في الفقه ليست في تلك الأحاديث القوية وحكم عليها بالصحّة وهي في الواقع ليست بصحيحة، مثل هذا الحديث الذي حكم عليه بأنه حديث صحيح هو في الواقع ليس بصحيح السند.

وقال عليه الصلاة والسلام: «اقرأوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم لا يجاوز تراقيهم يتعجلون أجره ولا يتأجلونه». اقرأوا القرآن، إذا القرآن هو المقروء. طب ما هو المقروء هي الأصوات عفوا هي الحروف والكلمات. بما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اقرأوا القرآن والمقروء هو الكلمات والحروف، إذا القرآن هو الكلمات والحروف. لاحظوا استدلالات عقلية يسيرة وواضحة.

اقرأوا القرآن، طب ماذا سنقرأ؟ سنقرأ الكلمات الحروف التي بين أيدينا. إذا القرآن هو الكلمات والحروف. طب يا شيخ ما هي الإشكالية؟ طب هذا أمر واضح أن القرآن هي الكلمات والحروف. أقول لكم هذا الأمر واضح لديكم لنقاء فطركم، وأما من تلوث عقله بالفكر الكلامي فانه لم يجعل القرآن هذه الألفاظ والحروف التي بين أيدينا.

وقال عليه الصلاة والسلام، طبعا هذا الحديث كما قلنا لك عدة أحاديث تشهد لمعناه، هذا الحديث حديث اقرأوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم لا يجاوزوا تراقيهم يتعجلون أجره ولا يتأجلونه، أنه في آخر الزمان هناك أناس يقرأون القرآن ليأكلوا به، يقرأون القرآن في المحافل والمشاهد وفي رمضان ليأخذوا مقابل على عملية القراءة كما يفعل كثير من المتصوفة أو غلاة المتصوفة وكثير من أهل البدع وكثير من الناس الذين أصبحوا يستعملون القرآن كوسيلة رزق وليس كلاما يتعبد به لله سبحانه وتعالى.

فيقرأون القرآن يتعجلون أجره بالمال في هذه الدنيا ولا يلتفتون إلى أجل الآخرة، ونسأل الله السلامة والعافية وألا يجعلنا من هؤلاء القوم. إذا اقرأوا القرآن قبل أن يأتي يوم القيامة أو عفوا قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم، لا يعني يقيمون حروفه إقامة السهم يعني ما شاء الله مخارج الحروف عندهم دقيقة في أعلى درجات الدقة مثل السهم، هذا مدح طبعا لإتقانهم للقراءة.

لكن في النهاية جاء الذم أنهم يقيمون الحروف إقامة السهم بالمسطرة لكن هم للأسف هذه الإقامة ليست لله وللدار الآخرة وإنما ليأكلوا بها من أموال الناس بالباطل. وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه. يعني إعراب القرآن يعني أن نقرأ القرآن الصحيح من دون لحن الفتحة فتحة الضمة ضمة ليست الفتحة كسرة ومتكسرة فتحة.

إعراب القرآن أي قراءة القرآن بالشكل الصحيح أحب إلينا من حفظ بعض حروفه. يعني بالتأكيد شخص يقرأ القرآن بشكل صحيح أم شخص يحفظ القرآن بشكل خاطئ أيهما أفضل؟ بالتأكيد أن تقرأ القرآن بشكل صحيح أفضل من أن تحفظ القرآن وأنت تلحن فيه وتقرأ بشكل خاطئ.

فبالتالي إعراب القرآن، لماذا أتى ابن قدامة بهذا الأثر؟ أنا بدي اياكم تفهموا ما سبب هذه الآثار ولماذا يريدها ابن قدامة؟ إعراب القرآن إذا القرآن يعرب. طب ما هو الذي يعرب عادة في لسان العرب الكلمات والحروف؟ إذا إعراب القرآن إذا هو إعراب للكلمات والحروف، إذا القرآن هو الكلمات والحروف.

هذه هي القضية الحاضرة في ذهن ابن قدامة وهو يستدل بكل هذه يريد أن يخبرك أن الصحابة وأن نصوص القرآن وأن نصوص السنة كلها تدل على أن القرآن هو الألفاظ والحروف وليس كما تتوهم الأشاعرة والماتريدية في كلام الله وفي القرآن كما سيأتي معنا. وقال علي: من كفر بحرف منه فقد كفر به كله. واتفق المسلمون أن من كفر بحرف من القرآن فقد كفر بكل القرآن.

إذا القرآن هو الحروف، القرآن مكون من حروف. واتفق المسلمون على عد سور القرآن وآيات القرآن وكلماته وحروفه، إذا القرآن سور وآيات وحروف، ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفا اتفقنا على هذاك متفق عليه مهماً أنه كافر، وفي هذا لاحظوا الكلمة الأخيرة هي الكلمة المهمة وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف.

يعني في كل الآثار السابقة التي أوردتها لكم حجة قاطعة على أن القرآن عبارة عن حروف وعبارة عن الكلمات وعبارة عن النصوص والسور، والقرآن كلام الله إذا كلام الله هو بصوت وحروف والفاظ وكلمات، هذه النتيجة التي يريد ابن قدامة أن يرسخها. انتهى كلام ابن قدامة في مسألة الكلام.

طبعا كما رأيتم كلام ابن قدامة رحمة الله عليه يعني كلام لا يعتمد فيه ابن قدامة طريقة التأصيل العقدي التفصيلي التي نسلكها هنا، مسألة رقم واحد مسألة رقم اثنين، لا هذه طريقة العلماء في القدم أنهم وكما قلنا يريدون ويحشدون أدلة على أفكار معينة، يحشدون أدلة من القرآن والسنة على أفكار معينة.

وهذه الأفكار يتم تثبيتها بهذه الأدلة وبهذه النصوص بطريقة مختصرة من دون الحاجة إلى الإسهاب والتفصيل. لكن في الحقيقة لما كثر طغيان الفكر الكلامي أحتاج العلماء بعد ذلك بعد عصر ابن قدامة في العصور المتأخرة إلى البسط والتفصيل لدلالة هذه الآيات بالضبط وماذا يريد المتقدمون من الاستدلال، لأن طغيان الفكر الكلامي عامل تشويش على هذه الآيات عامل نوع من التغطية على دلالته الحقة، وبالتالي لا تظهر هذه المقاصد التي يريدها المتكلمون من استدلالاتهم من دون بسط وتفصيل.

لذلك أنا أسعى لأن أقرأ كلام ابن قدامة حتى نعتاد معا كيف نقرأ كلام الأوائل لكن في النهاية أعود لأفصل بطريقة النقاط وبطريقة التفصيل وبطريقة التقعيد حتى يتضح الأمر على صورته بإذن الله. بسم الله الحمد لله، سأعلق الآن أحبتي على بعض الألفاظ التي وردت في كلام ابن قدامة رحمة الله عليه كما وعدتكم.

اللفظة الأولى التي سأعلق عليها قولي ابن قدامة منه بدأ واليه يعود. ابن قدامة وهو يصور لنا حقيقة القرآن وأنه شكل من أشكال كلام الله قال: القرآن منزل غير مخلوق، منه بدأ أي من الله بدأ، واليه يعود أي وإلى الله سيعود. طبعا هذه العبارة أحبتي هي مثلها مثل العبارات الأخرى التي أوردها ابن قدامة في هذا النص.

المراد من إيرادها طبعا ليس ابن قدامة الوحيد الذي يستخدم هذه العبارة منه بدأ واليه يعود، بل هي عبارة تواطأ عليها أهل السنة والجماعة حينما يريدون التأكيد على أن القرآن كلام حقيقي للرب يؤكدون هذه الفكرة بقولهم القرآن منه بدأ واليه يعود. ستقرأونها كثيرا فلابد أن نقول ما معنى منه بدأ واليه يعود؟

قلنا أولا إن هذه المراد منها في هذا السياق تأكيد أن القرآن كلام الله من الله سبحانه وتعالى ابتداء، وسيعود إليه يوم القيامة وسيعود إليه أو قبل يوم القيامة في آخر الزمان حين يرفع القرآن. فقوله منه بدأ أي هو الذي تكلم به حقيقة بحرف وصوت، وقوله واليه يعود.

الآن كلمة واليه يعود ترى هنا خلاف بين المتأخرين في فهم مقصد السلف منها، تقصد السلف لما يقولون القرآن كلام الله منه بدأ واليه يعود. منه بدأ أي منه صدر، هذا واضح. طب اليه يعود ما معنى اليه يعود؟ أفضل ما قيل في تفسير اليه يعود أنه يرتفع في آخر الزمان من صدور الرجال ويعود إلى الله سبحانه وتعالى، كما جاء في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه من علامات آخر الزمان واليسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية.

يعني في آخر الزمان ومن علامات اقتراب الساعة أنه في ليلة واحدة الله عز وجل يرفع القرآن بأكمله بكل آياته وحروفه من صدور الرجال ويعود إليه سبحانه وتعالى، فالذي صدر ابتداء والذي ارتفع انتهاء هو القرآن كلام الله، هذه هي الفكرة. الذي صدر ابتداء وبدأ منه ابتداء، والذي سيعود إليه انتهاء في آخر الزمان هو القرآن كلام الله. فهذا معنى منه بدأ واليه يعود.

تعليق آخر على قول ابن قدامة في وصفه للقرآن بأنه متلو الألسنة محفوظ في الصدور مسموع بالآذان مكتوب في المصاحف، هذه العبارة أيضا كلها عبارات تأكيدية على أن القرآن هو ماذا؟ على أن القرآن هو الذي نتلوه بألسنتنا، هي الألفاظ التي نتلوها بألسنتنا، على أن القرآن هو الألفاظ التي نسمعها بآذاننا، على أن القرآن هو النصوص المكتوبة في المصاحف. هو يريد أن يؤكد ذلك أن القرآن هو المحفوظ في صدورنا. وهذه الفكرة أيضا متكررة عند السلف الصالح رحمة الله عليهم من قبل ابن قدامة، أنهم إذا أرادوا أن يؤكدوا أن القرآن هو الكلمات والحروف يؤكدون ذلك بهذه النصوص أن القرآن هو المحفوظ أن القرآن هو المتلو أن القرآن هو المسموع أن القرآن هو المقروء.

الإمام الحربي رحمة الله عليه في رسالته في أن القرآن غير مخلوق ينقل عن الإمام أحمد بن حنبل وهو من تلاميذه، قال الإمام أحمد بن حنبل: لاحظوا ماذا قال الإمام أحمد بن حنبل في هذا النص العظيم الذي يبين حقيقة القرآن وأن القرآن هو الكلمات والحروف التي بين أيدينا.

يقول أحمد بن حنبل: يتوجه العبد إلى الله بالقرآن بخمسة أوجه وهو فيها غير مخلوق، أي أن العبد منا يتعبد إلى الله بالقرآن الكريم بخمسة طرق. نحن نتعبد إلى الله بالقرآن الكريم بخمسة طرق أو بخمسة أوجه، وفي جميعها القرآن ليس مخلوقا، كيف ذلك؟

يقول قال أحمد بن حنبل: يتوجه العبد إلى الله بالقرآن بخمسة أوجه وهو فيها غير مخلوق، حفظ بقلب وتلاوة بلسان وسمع بأذن ونظر بنظر وخط بيد. خمسة أوجه نتعبد إلى الله بالقرآن، نحفظه بقلوبنا نتلوه بألسنتنا نسمعه بآذاننا ننظر إليه بأبصارنا نخطه بأيدينا. هذه خمسة أوجه نتقرب فيها إلى الله بالقرآن الكريم، وكلها تدل على أن القرآن هو الكلمات والحروف.

يكمل أحمد بن حنبل لم ينتهي النص بعد: فالقلب مخلوق، هذا كلام أحمد بن حنبل. فالقلب مخلوق والمحفوظ الذي حفظناه وهي النصوص غير مخلوق، والتلاوة مخلوقة عملية التلفظ عملية التلاوة مخلوقة لأنه فعل من أفعال العباد وأفعال العباد مخلوقة لله تلاوة مخلوقة والمتلو اللي هي النصوص التي تتلوها غير مخلوق.

والسمع مخلوق والمسموع الكلمات التي نسمعها آيات القرآن غير مخلوق، والنظر مخلوق والمنظور إليه النصوص التي تنظر إليها غير مخلوق، والكتابة مخلوقة الكتابة عملية الكتابة فإن من أفعال العباد فهي مخلوقة، لكن المكتوب غير مخلوق النصوص التي بين أيدينا هذه النصوص هذه كلام الله غير مخلوقة وهذا صريح.

انتهى كلام الإمام أحمد بن حنبل هنا، وهذا صريح من الإمام أحمد أنه يعتقد رحمة الله عليه أن النصوص المحفوظة والمتلوة والمسموعة والمنظورة والمكتوبة هي ذاتها هذه النصوص هي ذاتها كلام الله، بخلاف قول المتكلمين. انتهى الآن تقعيدي لقول أهل السنة والجماعة في صفة الكلام الإلهي وسأنتقل الآن لبيان ما هي الآراء الأخرى إسلاميين في مسألة الكلام الإلهي، وأبدأ برأي المعتزلة.

المعتزلة أحبتي كيف نظرت لصفة الكلام الإلهي؟ أولا أقول المعتزلة كيف يفهمون معنى الكلام؟ ما معنى الكلام بغض النظر عن من صدر منه؟ ما معنى الكلام عند المعتزلة؟ في الحقيقة المعتزلة يتفقون مع أهل السنة والجماعة في أن الكلام المعهود عند العرب الذي تعرفه العرب أنه عبارة عن ألفاظ مفيدة بحروف وكلمات، المعتزلة يتفقون مع أهل السنة والجماعة في تفسير الكلام أن الكلام لا يكون إلا بألفاظ مفيدة من حروف وكلمات. طيب أين مشكلة المعتزلة؟ تمام.

المعتزلة بعد أن اتفقوا مع أهل السنة في تعريف الكلام ما المراد منه عند العرب؟ قالوا كلام الله سبحانه وتعالى هو كلام مخلوق خلقه الله في غيره، فالمعتزلة يرون أن الله عز وجل لا يتكلم بذاته، وأن كلام الله إذا ورد ما المقصود أن الله متكلم عندهم؟ أن الله عز وجل يخلق الكلام في خلق من مخلوقاته، وهذه المخلوقات تتكلم وتعبر عن المعاني والأحكام التي يريدها الله سبحانه وتعالى، هذا معنى كلام الله عندهم.

فهم حافظوا على أن الكلام عبارة عن ألفاظ وكلمات وحروف، لكنهم قالوا: هذه الألفاظ وهذه الكلمات والحروف لا تصدر من الذات الإلهية، وإنما الله عز وجل إذا أراد أن يوصل حكماً من أحكامه أو عقيدة من العقائد أو رسالة من الرسائل، يخلق كلامه في ماذا؟ في شيء من مخلوقاته، وهذا المخلوق هو الذي يصدر الكلمات والحروف والأصوات، وأما الله فلا يمكن أن تصدر منه كلمات حروف وأصوات.

هكذا فهم المعتزلة الكلام الإلهي. إذاً، قول المعتزلة أن كلام الله مخلوق خلقه في غيره، فهم متفقون مع أهل السنة والجماعة على أن الكلام في الحقيقة لابد وأن يكون بحرف وصوت، لكنهم جعلوا هذه الحروف وهذه الأصوات وهذه الكلمات مخلوقة منفصلة عن الله سبحانه وتعالى.

فالله عز وجل مثلاً لما كلم موسى عليه السلام، كيف كلمه؟ مش الله يقول: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]. كيف كلم الله موسى؟ قالوا: الله عز وجل خلق الرسائل والكلام الذي يريد أن يوصله لموسى وأن يكلم به موسى، خلقه في شجرة، والشجرة التي كانت في الوادي هي التي تكلمت بالأصوات والحروف والكلمات. وأما أن يكون الله صدر منه الكلام مع موسى عليه السلام من ذاته، قالوا: هذا لا يمكن.

بالتالي المعتزلة عندهم انحراف شنيع جداً في تصور الكلام الإلهي، يتصورون أن الله يخلق كلامه في شجر، في حجر، في جبريل، في اللوح المحفوظ، في النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم أو جبريل أو الشجر أو الحجر هو الذي يخرج هذه الأصوات والحروف والكلمات، طبعا بناء على نظرة المعتزلة للكلام الإلهي بأنه عبارة عن أن يخلق الله المعاني والكلمات والحروف والأصوات فيما من مخلوقاته، وهذه المخلوقات هي التي تعبر ويصدر منها الكلام.

كيف نظروا إلى القرآن الكريم؟ كيف نظر المعتزلة بالتالي إلى القرآن الكريم؟ قال المعتزلة إن القرآن الكريم هو هذه النصوص التي بين أيدينا. ممتاز، إذاً المعتزلة إيش قالوا؟ القرآن هو هذه النصوص التي بين أيدينا، اه، لكن الله لم يتكلم ولم تصدر منه هذه النصوص من ذاته، وإنما خلقها الله، خلق الله هذه النصوص في شيء، أخذها جبريل من هذا الشيء ثم نزل بها على النبي صلى الله عليه وسلم.

فإذاً النصوص التي بين أيدينا مخلوقة كما يقول المعتزلة؛ سورة الفاتحة والبقرة وآل عمران ليست كلاماً صدر من الله غير مخلوق، كلا عند المعتزلة هذه السور والآيات هذه نصوص خلقها الله في شيء، في اللوح المحفوظ، والبعض يقول خلقها الله في جبريل، ثم جبريل نزل بها على النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم قرأها علينا. بالتالي نشأت المقولة الشهيرة للمعتزلة بأن القرآن مخلوق.

لأنهم يقولون القرآن هو هذه النصوص، وأهل السنة يقولون القرآن هذه النصوص، ترى أنهم يتفقون معنا أن القرآن هي النصوص، لكن نحن نقول: هذه النصوص تكلم بها الله، وسمعها جبريل من الله، وسمعها محمد صلى الله عليه وسلم من جبريل. ونقلت لكم كلام الأئمة في المحاضرة السابقة أن جبريل سمعها من الله؛ كلام أبو حامد الاسفراييني وغيره من الأئمة أن جبريل سمع القرآن من الله، ومحمد صلى الله عليه وسلم سمع القرآن من جبريل.

لكن المعتزلة لوجهة نظرهم مختلفة تماماً: لا، الله عز وجل خلق النصوص في خلق من المخلوقات سواء في جبريل أو في غيره، ثم هذه النصوص نزلت إلينا مخلوقة فقالوا: القرآن مخلوق. وجاءت فتنة خلق القرآن أيام المأمون والواثق والمعتصم، وفتن ابن أبي دؤاد رأس المعتزلة الناس بها، وفتن العلماء بها حتى علقت الرقاب على المشانق، حتى علقت الرقاب على المشانق رقاب العلماء، إعدامات وذبح للعلماء الذين لا يقولون إن نصوص القرآن مخلوقة.

فصمد في وجههم إمام أهل السنة والجماعة الإامام أحمد بن حنبل، ورفض أن يقول إن نصوص القرآن مخلوقة. هنا أنت تنفي كلام الله سبحانه وتعالى، وليس لأحد أن يتجرأ على نفي كلام الله. ترى الموضوع خطير أحبتي، لكن كثير من الناس ربما لا يهتم بهذه القضايا، ولا تشغل باله قضية أن الله عز وجل متكلم بكلام حقيقي. إن نفي كلام الله عز وجل هو نسبة النقص إليه، ولا يجوز أن نقبل بحال أو بشكل من الأشكال أن ينسب النقص إلى الله سبحانه، وهو أن يكذب كلام الله.

الله قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]. ليس لأحد أن يحرف هذا الكلام، وليس لأحد أن يخوض في هذا الكلام بعقل فلسفي هندياً، يونانياً، فارسياً، بل علينا أن نَفهم القرآن بالعقول الصحيحة والفطر النقية.

تمام، الآن هل المعتزلة يقولون الله متكلم؟ بما أن فكرتهم للكلام الإلهي أنه لا يوجد شيء يصدر من الله يسمعه منه من شاء من خلقه، بل فكرتهم في الكلام الإلهي أن الله يخلق النصوص في خلق من المخلوقات وهذه المخلوقات هي التي تتكلم بهذه النصوص، بالتالي هل يوسف الله بأنه متكلم؟ بعضهم يقول: الله لا يوصف بأنه متكلم، والبعض يقول: الله يوصف بأنه متكلم تجوزاً، بعض يقولون: الله يوصف أنه متكلم لكن وصف الله بأنه متكلم تجوزي، بمعنى أنه متكلم أنه يخلق الكلام في غيره، هذا معنى أن الله متكلم عند من وصفه بالكلام منهم؛ أن الله يخلق الكلام في خلق من المخلوقات وهذه المخلوقات هي التي تتكلم.

طبعا ما هي الأصول العقدية التي بنى عليها المعتزلة هذه الفكرة؟ ولماذا تبنوا هذا الطريق؟ ولماذا نفوا أن يكون الله متكلماً بذاته؟ هذا تفصيله يطول يكون في المطولات اه بإذن الله، لكن فكرة حلول الحوادث فكرة حاضرة عند المعتزلة اه في هذا الباب.

القول الثالث: انتهينا من قول المعتزلة. القول الثالث: القول الذي جاء كردة فعل على قول المعتزلة، وهو قول الكلابية والأشاعرة: عبد الله بن سعيد بن كلاب ومن تبعه، وأبو الحسن الأشعري. أبو الحسن الأشعري اخذ فكرة الكلام الإلهي ووجهة نظره في الكلام الإلهي من ابن كلاب، وساروا على منهج واحد عموماً.

ما هو قول الكلابية؛ جماعة ابن كلاب وجماعة أبي الحسن الأشعري في الكلام الإلهي؟ أولاً: ما معنى الكلام وحده الآن؟ ما معنى الكلام في وجهة نظر ابن كلاب وأبي الحسن الأشعري؟ الكلام عند ابن كلاب -وهذه فكرة ابتدعها ابن كلاب ولا تعرف لا عند العرب ولا عند العجم ولا عند فلاسفة الأمم- يقول ابن كلاب: الكلام حقيقة هو المعاني القائمة في النفوس.

الكلام عند ابن كلاب وتبعه على ذلك الأشاعرة: الكلام حقيقة هو المعاني القائمة في النفوس، والألفاظ التي تخرج من أفواهنا هي ليست كلاماً في الحقيقة، وإنما هي معبرة عن الكلام الحقيقي. نظرتم؟ فهمتم؟ الكلام عندهم هو المعاني القائمة في نفوسنا. يعني أنا الآن في نفسي اريد مثلاً أن أقرأ الدرس، هذا شيء في نفسي، أو أريد أن أخطبكم بكلمات معينة أعطيكم محاضرة، الآن هذه المعاني التي في عقلي وفي نفسي، هذه المعاني قبل أن تخرج إلى الخارج، قبل أن أواجهكم بها، هذه المعاني التي في نفسي وفي عقلي وفكري، هذه المعاني عند ابن كلاب والأشاعرة هي الكلام، وأما ما نعبر به بألسنتنا عن هذه المعاني، الألفاظ التي نستخدمها للتعبير عن هذه المعاني التي في عقولنا وقلوبنا، هذه الألفاظ ليست كلاماً حقيقة، وإنما هي معبرة عن الكلام الذي هو المعنى القائم في النفس.

الألفاظ جاء زيد، هذه ليست كلاماً عند ابن كلاب والأشاعرة، هذه معبرة عن الكلام، وإنما الكلام عندهم حقيقة هو المعنى القائم في النفس. وهذا في الحقيقة تفسير الكلام بأنه ليس الألفاظ والأصوات، وإنما الكلام حقيقة هي التي توجد في النفوس والعقول، هذا كما قلنا لا يوجد عن أهل العربية أبداً، وإنما هو من إبداع ابن كلاب، وتبعه على ذلك أبو الحسن الأشعري رحمة الله تعالى على الجميع.

لكن للأسف المتأخرون من اللغويين الذين تبنوا الفكر الأشعري الكلابي أصبحوا في المعاجم اللغوية لما يعرفون الكلام يكون: الكلام هو المعنى القائم في النفس. فيأتيك شخص يقول: يا شيخ الفيومي في المصباح المنير وهو إامام في العربية يقول: الكلام هو المعنى القائم في النفس. كيف تقول ابن كلاب هو الوحيد الذي ابدع هذا الكلام؟ أولاً: أقول ابن كلاب هو الذي أنشأ هذه البدعة أنه جعل الكلام هو المعنى القائم في النفس.

ثم من تبع ابن كلاب ومن تبع الأشاعرة من علماء اللغة والبيان والبلاغة أصبحوا متأثرين بكلام ابن كلاب، وأصبحوا يفسرون الكلام ليس على ما هو معلوم عند العرب، بل يفسرون الكلام متأثرين بأفكارهم العقدية. وهذا منحى خطير أنبه عليه أحبتي، لما تقرؤون في المعاجم اللغوية عليكم أن تعرفوا عقيدة كاتب المعجم، هذا الأمر أصبح خطيراً، عليكم أن تعرفوا عقيدة كاتب المعجم.

لماذا نعرف عقيدة كاتب المعجم؟ لأنه إذا كان كاتب المعجم متأثراً بالمتكلمين وبعقيدة الأشعرية أو الكلابية أو الماتريدية أو المعتزلة، فإن الفكر العقدي سيؤثر في تفسيره للألفاظ، سيؤثر في تفسيره وبيان الألفاظ. وهذا أنا وجدته حينما قرأت في المصباح المنير للفيومي، وجدت الفيومي يفسر الكلام بالمعنى الكلابي ولا يفسره بالمعنى المعلوم عند العرب قديماً.

فإذاً الكلابية والأشاعرة يرون أن الكلام هو حقيقة في المعنى القائم في النفس، والألفاظ هي تعبر عن الكلام. طبعا بعض الأشاعرة في الحقيقة -حتى أكون منصفاً تماماً- يرى أن الكلام لا هو عبارة عن مشترك لفظي، يصدق على المعنى القائم في النفس ويصدق على الألفاظ المتكلم بها باللسان. البعض يرى منه أنه مشترك اللفظ مثله مثل لفظة العين، كيف العين تطلق على العين الباصرة وعين الماء إلى آخره؟ البعض يقول منهم: الكلام ولا حقيقة مشترك لفظي، هذا انتهى إليه بعضهم من المتأخرين.

لكن ابن كلاب ورؤوس الأشاعرة كانوا يرون أن الكلام بشكل عام -سواء كلام الله أو الكلام البشري- هو المعنى القائم في النفس. فبالتالي كلامنا نحن البشر هو المعنى القائم في النفس، والألفاظ ليست كلاماً. كلام البشر هو المعاني القائمة في أنفسهم، والألفاظ ليست كلاماً. كلام النبي صلى الله عليه وسلم ما هو؟ ليست الأحاديث التي نقرأها، لا، كلام النبي صلى الله عليه وسلم في وجهة نظر الكلابية والأشاعرة هي المعاني التي في قلب النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه الأحاديث التي بين أيدينا وهذه الألفاظ هي تعبر عن كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

كلام الله سبحانه وتعالى ليس نصوصاً والحروف والالفاظ التي بأيدينا، كلام الله في وجهة نظر الكلابية والأشاعرة هو المعنى القائم في ذات الله. الآن هنا سننتقل للتفصيل، الأشاعرة والكلابية بناء على فهمهم للكلام بأنه معنى قائم في النفس، قالوا: الله متكلم. يعني أنت إذا فتحت كتب الأشاعرة تجدهم يصفون الله بأنه متكلم، فتحسب وتظن أنهم يتفقون مع أهل السنة والجماعة في وصف الله بالكلام.

لكن في الحقيقة وصف أهل السنة والجماعة لله بالكلام يختلف تماماً عن وصف الأشاعرة والماتريدية لله بالكلام. فالكلام أو وصف الله بأنه متكلم عند الأشاعرة والماتريدية معناه أن الله تقوم به معاني في نفسه، هذه المعاني القائمة في نفسه هي الكلام، وأما أن الله يتكلم بصوت وحرف وألفاظ يسمع ذلك منه من شاء من خلقه، فهذا لا يثبته الأشاعرة والماتريدية ومن سار على نهجهم، لا يثبتون لله كلاماً مسموعاً بصوت وحرف يسمعه جبريل أو يسمعه موسى أو يسمعه من شاء من خلقه، لا يثبتون ذلك.

بل معنى أن الله متكلم عندهم أن الله قامت في نفسه معاني، هذه المعاني هي الكلام. طيب، دعونا نقرأ ماذا ذكرنا في هذا الباب.

القول الثالث: قول الكلابية والأشاعرة. وهؤلاء يصفون الله بأنهم متكلم، لكنهم يفسرون الكلام بأنه المعاني القائمة في الله وليست صوتاً وألفاظاً وحروفاً يسمعها من شاء من خلقه، فيقولون: هذه الحروف وهذه الألفاظ وهذه النصوص التي بين أيدينا هي حكاية عن كلام الله عند الكلابية. ابن كلاب يقول: النصوص التي بين أيدينا الألفاظ الحروف التي بين أيدينا ليست كلام الله سبحانه وتعالى، بل هي حكاية -يعني محاكاة- عن كلام الله. طب وايش كلام الله؟ هو المعنى القائم في نفسه.

وأما الأشعري فعدل قليلاً على فكرة ابن كلاب فقال: هذه النصوص والالفاظ التي بين أيدينا هي عبارة عن كلام الله. طب ايش الفرق بين قول ابن كلاب وقول الأشعري؟ ابن كلاب قال: النصوص حكاية عن كلام الله، الأشاعرة يقولون: النصوص عبارة عن كلام الله. ما هو الفرق بين الحكاية والعبارة؟ ولماذا عدل أبو الحسن الأشعري كلام ابن كلاب؟ ابن كلاب كان يقول: حكاية، أبو الحسن لا، يريد أن يقول: عبارة؛ لأن هناك يعني فرقاً دقيقاً عند الأشاعرة بين الحكاية والعبارة اضطرهم أن يختاروا كلمة العبارة في وجهة نظرهم لأنها أدق اه في التعبير عن الواقع.

يقولون: إن الحكاية لابد أن تماثل المحكي، وهذه الألفاظ نحن لا نقول إنها اه تماثل ما هو في ذات الله سبحانه وتعالى، وإنما تقاربه. المهم، خلاف لعلنا نذكره في المطولات، لا أريد أن أشغب على عقولكم الآن، لكن المهم الأشاعرة والكلابية متفقون على أن هذه النصوص التي بين أيدينا وهذه الألفاظ التي نقرأها هي ليست كلاماً لله سبحانه، وإنما الكلام قائم في ذاته، وهذه الألفاظ وهذه النصوص هي تعبر أو تحاكي ما هو قائم في ذات الله.

وهذا الكلام خطير جداً أحبتي، فإذاً القرآن الكريم بعد أن فهمنا أن الأشاعرة عموماً يقولون إن الكلام هو المعنى القائم في النفس -سواء كان كلام الله أو كلام المخلوقين- وبالتالي كلام الله وُصف بأنه متكلم.

تكلم: ليس معنى عند الأشاعرة والماتريدية أنه متكلم بصوت وألفاظ وحروف، بل معنى أنه متكلم أن هناك معاني تقوم في نفسه. هذا معنى أن الله متكلم، أن هناك معاني تقوم في نفسه. بناءً على هذا، تعالوا ننظر كيف فهم الأشاعرة والماتريدية القرآن الذي بين أيدينا. يقول الأشاعرة والماتريدية، القرآن -لاحظوا ماذا يقولون، والفكرة خطيرة-: القرآن ليس هو النصوص التي بين أيديكم أيها البشر، القرآن ليس هو النصوص التي بين أيديكم أيها البشر. ولا، ما هو القرآن أيها الأشاعرة والماتريدية؟ قالوا: القرآن كلام الله. نقول: جميل، طيب ما هو كلام الله؟ كلام الله هو المعنى القائم في نفسه. هكذا قالوا. بما أن كلام الله هو المعنى القائم في ذات الله، والقرآن هو كلام الله؛ إذاً، القرآن هو المعنى القائم في ذات الله.

وهذه اللوازم العقلية -بما أن الكلام الإلهي هو عبارة عن المعاني التي تقوم في ذات الله، والقرآن هو كلام من الله هو شكل من أشكال كلام الله- إذاً، القرآن هو المعاني القائمة في ذات الله. طيب، هذه النصوص التي بين أيدينا ما هي؟ هي حكاية عن القرآن وليست هي القرآن، هي عبارة عن القرآن وكما يقول الأشاعرة وليست هي القرآن بذاتها، وهذه فكرة خطيرة أحبتي. أنا أتعجب اليوم، كيف يعني الأشاعرة عن هذه الفكرة؟ يعني أما آن الأوان لأن ننظر بنظرة أخرى هادئة بعيدة عن الفلسفة الإغريقية حتى نتعامل مع القرآن الذي بين أيدينا على أنه نصوص؟ يعني أحبتي، الآن لا يوجد بقرب مصحف. هذه النصوص التي بين أيدينا الآن، الأشاعرة لا يقولون أنها قرآن، هي عبارة عن القرآن، هي تحكي لنا القرآن ولكن ليست هي القرآن. الحمد لله رب العالمين، هذه الألفاظ التي نتلوها ليست هي القرآن. ﴿الْم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 1-2] هذه الآيات، هذه النصوص ليست هي القرآن عندهم، عند القوم، وإنما القرآن هي المعاني التي في ذات الله، وهذه ألفاظ تعبر عن القرآن وتحكي عن القرآن. وهذا كلام معناه أن كل هذه النصوص التي بين أيدينا لا تسمى قرآناً. لذلك ابن قدامة وأئمة قديماً وحديثاً يرسخون فكرة: يا جماعة، القرآن هو الحروف، القرآن هو الألفاظ، القرآن هو الآيات والسور. لا يصح أن نقول القرآن معنى قائم في ذات الله، والنصوص والكلمات التي بين أيدينا ليست قرآناً. هذا شيء لم يقله أحد، لا من العرب ولا من العجم، لا يجوز أن نقول هذا الكلام. لكن سبحان الله، الفتن حينما تأتي على الأمة يضل فيها الأذكياء.

وسبب قول الأشاعرة بهذه الفكرة المنحرفة تماماً حتى عن المنطق السليم هو الأصول والجذور العقدية التي انطلقوا منها، وخاصة فكرة حدوث الحوادث. طبعا لا أجد وقتاً أعرض كلام الأشاعرة وأدلتهم والرد على هذه الأدلة، لكن بإذن الله إن كان في العمر بقية في دروس ومجالس عقدية متقدمة سنطرح كل هذا الكلام بالتفصيل والتدقيق. نسأل الله أن يعيننا على الهداية والرشاد دوماً. إذاً، وعليه، فإن القرآن ليس هو النصوص التي نقرأها، بل يقولون إنه معنى القرآن هو المعنى القائم في الله، وهذه النصوص هي عبارة عن القرآن، عبارة عن المعنى القائم في ذات الله.

وقول الكلابية والأشاعرة هو ردة فعل، مجرد ردة فعل لقول المعتزلة وهروب من إلزام المعتزلة لهم. المعتزلة ماذا قالوا للأشاعرة ولابن كلاب خصوصاً؟ لأنه في التاريخ أحبتي، عبر التاريخ، أبو الحسن الأشعري أربعون عاما وهو مع المعتزلة يدافع عن أقوالهم ويؤصل لها وينطلق منها، ثم لما ترك الاعتزال وبدأ يهاجم الاعتزال أبو الحسن الأشعري ترك الاعتزال كأقوال وفروع كمسائل عقدية، لكنه للاسف لم يترك الاعتزال كطريقة عقلية في التفكير، بقي متأثراً بالأصول العقلية المعتزلية. بقي متأثراً بها، فهو خرج من دائرة الاعتزال وواجه المعتزلة ورد عليهم لكنه لم يتخلص من الأصول الاعتزالية في عقله، إلى أن جاء الطور الثالث من حياته كما قلنا واقترب كثيراً من أهل السنة والجماعة. لكن في طوره الثاني الذي عليه الأشاعرة الآن، في طوره الذي حارب فيه المعتزلة واتبع فيه ابن كلاب، أبو الحسن الأشعري تتلمذ على يد ابن كلاب. في هذا الطور، أنت قد تتوهم أن أبا الحسن الأشعري طلق طريقة المعتزلة في الأصول والفروع. في الحقيقة لم يكن هذا واقعاً، بل أبو الحسن الأشعري بقي متأثراً بالطريقة الاعتزالية في التفكير كثيراً، لكنه وظف هذه الطريقة في الرد على المعتزلة وأنشأ أقوالاً أخرى جديدة، لكن لأن هذه الاقوال الجديدة خرجت من عباءة الأصول المعتزلية كانت أيضاً في أكثرها خاطئة، كانت في أكثرها خاطئة.

وانظروا أثر هذا في مسألة الكلام، الكلام الإلهي. كما قلنا، قول الكلابية والأشاعرة هو ردة فعل لقول المعتزلة وهروب منهم، من إلزام المعتزلة لهم بأنكم إذا قلتم إن كلام الله كلام بصوت فهذا يلزم منه حلول الحوادث في ذاته سبحانه وأنتم تمنعون ذلك. يعني المعتزلة اعترضوا على الأشاعرة وقالوا: أيها الأشاعرة والكلابية يا ابن كلاب، الستم تمنعون حلول الحوادث مطلقاً في الذات الإلهية؟ فابن كلاب والأشاعرة قالوا: نعم، نحن نمنع حلول الحوادث. فقال لهم المعتزلة: إذن، إذا أثبتم أيها الأشاعرة أن كلام الله بصوت وحرف وبالفاظ، بالتالي يجب أن تعتقدوا حلول الحوادث في ذات الله، لأن الشيء الطبيعي أن الكلام إذا كان بصوت بألفاظ وبحروف أن هذه الألفاظ وهذه الحروف تقوم في ذات الله وتتجدد وتتحدد أفرادها في الوقت الذي يشاءه سبحانه، بالتالي هناك حلول للحوادث في ذات الله، وأنتم أيها الأشاعرة تحاربون فكرة حلول الحوادث بالكلية. فابن كلاب والأشاعرة فعلاً وجدوا أنفسهم في مأزق، وأن إذا قلنا إن كلام الله بصوت وبألفاظ وبحروف معناها يجب أن تعتقد حلول الحوادث في ذات الله بشكل من الاشكال. فحتى يطردوا مع أصلهم أن الحوادث لا تحل في ذات الله بشكل من الاشكال، أتى ابن كلاب بهذه الفكرة.

لاحظوا كيف المعتزلة قالوا لابن كلاب: إذا أثبت أن كلام الله بصوت وألفاظ وحروف، أنت تقول بحلول الحوادث. فابن كلاب، حتى يخلص من هذا الإلزام، ماذا قال؟ قال الكلاب لابن كلاب وأتى بفكرة كما قلنا لا تعرفها العرب ولا العجم ولا فلاسفة الأمم: قال إن الكلام ليس هو الحروف والاصوات والألفاظ، بل هو المعاني القائمة في النفس. هكذا قال ابن كلاب. وهذا الخطأ التاريخي الذي فعله رحمة الله عليه أثر على أبي الحسن الأشعري، ثم أصبح فكراً قائماً إلى هذه اللحظة ينافح عنه وتفتن به الأمة، وخالف بقوله هذا قول أهل العربية قاطبة من أن الكلام هو اللفظ المركب المفيد. فلما طولب الآن ابن كلاب والأشاعرة عموماً لما أتوا بهذه الفكرة -فكرة أن الكلام ليس هو الألفاظ والكلمات وإنما هي المعاني القائمة- بدأ أهل السنة وحتى المعتزلة يطالبونهم بالدليل. يعني حتى المعتزلة مع أهل السنة اتفقوا على الأشاعرة: ائتونا بدليل على أن الكلام هو المعاني القائمة في النفس، أن هذا هو الكلام وليس الكلام هو الألفاظ والأصوات والحروف. ذهبوا إلى أضعف الأدلة.

ماذا بماذا استدل الكلابية والأشاعرة على هذه الفكرة؟ استدلوا ببيت ينسب لنصراني يسمى الأخطل، أظنه معروف لديكم. هذا البيت يقول فيه الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا. إن الكلام لفي الفؤاد، لاحظوا المقطع الأول. قال الأشاعرة: الأخطل يقول إن الكلام ليس باللسان، وإنما يقول الأخطل إن الكلام لفي الفؤاد. آה، إذن الكلام هو المعنى القائم في النفس. هكذا فهم الأشاعرة كلام الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد، الكلام هو الذي في الفؤاد وليس الذي ينطق به اللسان. إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا. فقالوا: إذن هذا البيت يدل على أن الكلام هو المعنى القائم في النفس.

كيف نرد عليه؟ أنا فقط سأتي على هذا البيت ولن أتي بالدليل الآخر لهم، لكن حتى أريكم أن البيت الكلامي مبني على خيوط العنكبوت، بيت ضعيف متهالك متآكل، لا يوجد منهجية عقلية راسخة يقوم عليها الفكر الكلامي، وإنما هي تشوشات ذهنية ومآزق يحاولون أن يخرجوا منها بأضعف الاستدلالات وأوهنها. يقول: أولاً في ردنا على هذا الاستدلال، نقول: أولاً، هذا البيت -إن الكلام لفي الفؤاد- هذا البيت الذي بنى عليه الكلابية والأشاعرة فكرة أن الكلام عبارة عن شيء في القلب وليس الكلام هو الألفاظ والأصوات، هذا البيت لم تثبت نسبته إلى الأخطل أصالة. وقال ابن قدامة صاحب في كتابه الصراط المستقيم وهو يرد على الأشاعرة فكرة الكلام النفسي عندهم -الكلام عند الأشاعرة أصبح يسمى الكلام النفسي، أنه شيء قائم في النفس- يقول القدامى في الرد عليهم: يقول وقد سمعت شيخنا أبا محمد بن الخشاب، إمام العربية في زمانه، يقول: قد فتشت دواوين الأخطل القديمة فلم أجد هذا البيت فيها. يعني ابن قدامة يقول: شيخ العربية في زماننا ابن الخشاب يقول إنني فتشت كل دواوين الأخطل، هذا البيت لم أجده في ديوان الأخطل، من أين أتيتم بهذا البيت أيها الأشاعرة والكلابية؟

طيب تماماً، سنعتبر هذا البيت ثابتاً للأخطل تنزلاً، ننتقل إلى الجواب الثاني. هذا البيت هل تعلمون أنه مختلف في روايته؟ فبعض النساخ الذين ينقلون هذا البيت يقولون: هذا البيت ليس "إن الكلام لفي الفؤاد"، بل هذا البيت صياغته: إن البيان لفي الفؤاد، إن البيان لفي الفؤاد، وإذا كان البيت رواية صحيحة له "إن البيان لفي الفؤاد"، بطل استدلالكم به.

طيب، بدنا نعتبر الرواية الصحيحة "إن الكلام لفي الفؤاد"، ننتقل لإجابة ثالثة، فنقول للأشاعرة والكلابية: بالله عليكم أيها الأشاعرة والكلابية، لقد رددتم أحاديث الآحاد في أصول الاعتقاد ولم تقبلوا بحجة أنها ظنية أيها الأشاعرة والماتريدية، فبالله عليكم كيف تقبلون بيتاً لشاعر نصراني، وهذا البيت مشكوك في ثبوته، مشكوك في روايته، وتبنون عليها كل هذه المسألة العقدية التي تتكلم عن كلام الله سبحانه وتبنون عليه نظرتكم لكتاب الله وللقرآن الذي بين أيدينا؟ رددتم أحاديث الآحاد رؤوسنا بأن أحاديث الآحاد ظنية ولا نقبلها في أمور تتعلق بالذات الإلهية، وأما حينما أتينا لمسألة الكلام الإلهي وهي من أخطر المسائل اعتمدتم واتكئتم على بيت شعر لشاعر نصراني مشكوك في نسبته ومشكوك في روايته! أيش هذا التناقض في البناء العقدي؟

لا، إذا كنتم لا تقبلون الآحاد لأنها ظنية، فمن باب أولى ألا تقبلوا كلام الأخطل في بناء عقيدتكم في كلام الله سبحانه وتعالى. ورددتم بهذا البيت الفريد كل ما هو متبادر إلى أذهان العقلاء من إطلاق لفظ الكلام. الآن ائتوني بأي شخص في الطريق، وقولوا لهذا الشخص -شخص ليس له علاقة لا بأهل السنة ولا بالأشاعرة ولا بالماتريدية- قولوا له: ما هو الكلام؟ سيقول لك: الكلام هي الألفاظ التي تخرج من أفواهنا مثلاً، أو هذه الأصوات التي نتكلم بها، هذا هو الكلام. فهذا شيء يدركه العقلاء بعقولهم وبفطرهم، ودلت عليها ودل عليها كلام العرب ونصوص في الكتاب والسنة، فأنتم أبطلتم كل هذه الدلالات العقلية الفطرية النقلية ببيت واحد لشاعر نصراني حتى تدركوا أحبتي حجم الضعف الهائل في البناء العقدي لهذه المسألة عند الأشاعرة والماتريدية ومن سار على دربهم.

ولو أن ما تدعونه من أن الكلام هو المعنى القائم في النفس كان مذهباً لأهل العربية -إنهم الآن لما تأتي الأشاعرة يقول لك هذا هو مذهب أهل العربية قاطبة، إن الكلام هو المعنى القائم في النفس- طبعا ما أسهل المجازفة وما أسهل هذه الإطلاقات بالجملة عندهم، أن الكلام كلام الله هو المعنى القائم في النفس، لأن أصل الكلام عند العربية هو المعنى القائم في النفس. هكذا تفهم العربية الكلام. من أين أتيتم من هذا هو فهم العربية أو أهل العربية للكلام؟ ما في أي دليل، هو مجرد إطلاق كلام هكذا من دون أن يثبت بأدلة واضحة وبنصوص معلومة السند. فنقول لهم: ولو أن ما تدعونه كان مذهباً لأهل العربية، لوجدنا من النصوص الشيء الكثير على قولكم، لكن اتفاق -لاحظوا ماذا أقول هنا- لكن اتفاق الجميع من الأشاعرة والماتريدية على نقل هذا البيت للأخطل واعتباره عمدة الباب في مسألة الكلام يدل على عدم وجود رصيد معرفي عندكم فيما تدعونه، هناك إفلاس معرفي عندكم في هذه القضية، وأنكم تفتقرون للشواهد التي تشهد لأصلكم.

أحبتي، أهل السنة والجماعة حينما يقولون الكلام هو الألفاظ والأصوات، هذا عندنا عليه أدلة عن أهل العربية بمئات النصوص، وعندنا أدلة عليه من القرآن بمئات النصوص، مع دلالة العقل السوي والفطرة النقية عليه، يعني ليس عندنا نص واحد، عندنا مئات ومئات النصوص. وقد جمع ابن تيمية رسالة كاملة التسعينية أورد فيها تسعين دليلاً على أن كلام الله كلام حقيقي بحرف وصوت، تسعين دليل!

نأتي للفكر الاشعري -قبل أن تنقضوا ابن تيمية وأن تهاجموه- قارنوا بين حجم الأدلة أيها العقلاء. أنا أدرك أن كثير ممن يسمعني الآن هو متذبذب: هل الأشاعرة هم الذين أصابوا أم ابن تيمية هو الذي أصاب؟ هل فعلا ابن تيمية خالف كل أهل عصره؟ هل هو رجل مبتدع ضال افتترى على الأمة؟ أحبتي، دعك من شخص ابن تيمية، اقرأ كلامه فقط، اقرأ كلامه بعيداً عن شخصنة الموضوع في ذاته. اقرأ الكلام وقارن حجم الأدلة التي يأتي بها وحجم الأدلة التي يقوم عليها الفكر الاشعري في هذه المسائل، لتدرك الفرق الهائل في وفرة النصوص عند أهل السنة والجماعة في هذه المسائل. اقرأ كلام ابن قدامة إذا كان عندك مشكلة مع ابن تيمية، اقرأ كلام ابن قدامة، اقرأ كلام الاستجي، اقرأ كلام هؤلاء الأئمة الكبار، اقرأ كلام أحمد بن حنبل في رد على الجهمية، اقرأ كلام الكنانة.

في الحيدة؛ انظر حجم الأدلة الهائلة التي تدل على أن الكلام لا يعقل إلا بحرف وصوت، وأن إطلاق الكلام على المعنى النفسي هذا مجاز تجوز؛ يعني أنصح، هذا تجوز أحبتي ما في مشكلة.

ويقولون في أنفسهم: ﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ﴾. لاحظوا، «في أنفسهم»، «في أنفسهم» هي القرينة التي دلت لأن القول هنا قول نفسي، لكن القول إذا أطلق الكلام إذا أطلق، النداء إذا أطلق هذا لا يعرفه العرب إلا كلاماً بصوت وحرف ولفظ.

أخيراً أقول في الرد على كلام الأشاعرة وأستدل بهذا البيت؛ إن هذا البيت أصالة، ها هذا الدليل الرابع أو الرد الرابع انتبهوا إليه: إن البيت أصالة لا يدل على أن الكلام في الحقيقة إذا أطلق مجرداً عن القرائن أن الكلام هو المعنى القائم في النفس، بل لا يظهر أن الأخطل قصد ما يقصده الأشاعرة أصالة.

يعني بعد كل هذه التنزلات بدي أعتبر الأخطل قال هذا الكلام، وقال إنه: إن الكلام لفي الفؤاد، أنا أقول لهم الأخطل لا يخطر على عقله ولا على فكره ما تفكرون به أيها الأشاعرة وما تريدية، ولو أن الأخطل عرف أن من يبيته على هذه الفكرة لأظن أنه لم يأتي بهذا البيت أصالة.

لا يظهر أن الأخطل قصد بذلك ما يقصده الأشاعرة والماتريدية، وإنما هو، وبعد التنزل يعني أنصح، إنما هو من أساليب العربية البيانية في صياغة الأفكار؛ العرب يتفننون في صياغة أفكارهم وفي إظهارها، وله عدة معان؛ هذا البيت له عدة معان يمكن أن يفهم بها، من أشهرها ما قاله ابن قدامة؛ ابن قدامة حاول أن يفسر هذا البيت بمعنى آخر ليس هو المعنى الذي يفهمه الأشاعرة منه.

يقول ابن قدامة في شرحه لبيت الأخطل مسلما وروده -يقصد الأخطل في قوله: إن الكلام لفي الفؤاد-: ماذا يقصد؟ يقصد أن الكلام من عقلاء الناس في الغالب إنما يكون بعد التروي فيه واستحضار معانيه في القلب، كما قيل: لسان الحكيم من وراء قلبه.

يعني يقول ابن قدامة: الأخطل ما قال إن الكلام لفي الفؤاد، هو ماذا يريد أن يقول؟ هو لا يريد أن يقول إن الكلام حقيقة هو المعنى القائم في النفس، هذا بعيد أصالة عن سياق كلام الأخطل، وإنما يريد يقول إن العقلاء قبل أن يتكلموا يزنون كلامهم في عقولهم وقلوبهم، وينظرون ما يصلح للحديث وما لا يصلح للحديث، ثم بعد ذلك يتكلمون.

وبالتالي أحبتي؛ الأخطل لم يقصد بهذا البيت ما فهمه الأشاعرة أن الكلام الحقيقي هو الكلام الذي هو، عفواً، هو المعاني القائمة في الأنفس؛ هذا لم يقصده الأخطل أبداً، وإنما الأخطل يعبر بأسلوب بياني رائق على عادة شعراء العرب، يريد أن يعطي فكرة عامة أن العقلاء يزنون كلامهم في قلوبهم قبل أن يتكلموا ويتلفظوا به بالسنتهم، فعند العقلاء هناك وزن للكلام قبل أن يخرج على اللسان، فكلامهم ليس ككلام العوام يخرج على عواهنه من دون أي تفقد أو تدبر في مآلاته.

هذا ما يريده الأخطل فقط، ولم يقصد أبداً أي شيء مما يشير إليه الأشاعرة أنه أراد أن يعرف لنا الكلام بأنه المعنى القائم في النفس؛ هذا بعيد جداً جداً عن كلامه إن صح نسبة البيت اليه أصالة.

وإنما أردت أحبتي بذكر هذا البيت للأفضل والتعليق عليه أن أبين أن المنطلقات التي جعلت الأشاعرة يقولون إن الكلام هو المعنى القائم في النفس، منطلقات ضعيفة جداً أوهن من بيت العنكبوت؛ تقوم على شعر لشاعر نصراني مختلف في نسبة البيت اليه، وإن كان طبعا هم في الحقيقة لم يعتمدوا هذا البيت أصالة في بنائهم العقدية، وإنما هم يريدون نفي الكلام الإلهي أن يكون بصوت وحرف.

فلجأ ابن كلاب لهذه الطريقة أن عرف الكلام بصيغة أخرى وانه معاني قائمة في النفس؛ لأن ابن كلاب اصطدم أن نصوص القرآن الكريم والأحاديث النبوية تدل على أن الله يتكلم، فما استطاع أن يلغي هذه الصفة، فما استطاع أن يلغي هذه الصفة، لكنه كما قلنا حرفها إلى شكل آخر وصور الكلام الإلهي بأنه المعاني القائمة في النفس.

ثم اخذوا يفتشون عن أي مستند يمكن رائحته أن تشير إلى قولهم، فوجدوا بيت الأخطل فأخذوه وقالوا: الأخطل يقول الكلام المعنى القائم في النفس، والا في الحقيقة هو ليس اعتمادهم ابتداء على بيت الأخطل، وإنما هم يريدون نفي الكلام، ولم يسعفهم دليل من القرآن ولا من السنة ولا من فهم العرب ولا من نصوصهم ولا من نقولهم، لم يجدوا شيئاً يدل على مبدأهم إلا هذا البيت للشاعر النصراني الأخطل الذي هناك خلاف أصالة هل قاله وهل هذا هو لفظه إلى غير ذلك؟ وثبت لنا أنه إن أراده فالبيت لم يرد به الأخطل لتعريف الكلام بأنه المعنى القائم في النفس أصالة.

المهم إذاً خلاصة كلامنا في مسألة الكلام الإلهي أحبتي حتى اختم هذه القضية الآن بإذن الله، هي أن الكلابية والاشاعرة وصفوا الله بأنه متكلم، وقالوا الكلابي والاشاعرة: القرآن كلام الله.

لكن ما معنى أن الله متكلم عند الأشاعرة والكلابية؟ ليس معنى أن الله متكلم ووصفهم الله بالكلام كوصف أهل السنة والجماعة له بالكلام أبداً، هناك فرق ما بين السماء والأرض؛ الأشاعرة والكلابية يقصدون بقولهم إن الله متكلم: الكلام هو معان قائمة في ذات الله، وهذه المعاني متى أراد الله أن يوصلها للمخلوقات خلق ألفاظاً في اللوح المحفوظ أو في جبريل أو في النبي صلى الله عليه وسلم تعبر هذه الألفاظ المخلوقة عن المعاني القائمة في ذاته.

ولما قال الأشاعرة القرآن كلام الله، الأشاعرة لا يرون أن القرآن هو النصوص التي بين أيدينا التي نتلوها بالسنتنا ونحفظها في صدورنا، كلا؛ الأشاعرة يقولون: القرآن الذي هو كلام الله هو المعاني القائمة في ذات الله، فالقرآن عندهم هو المعاني القائمة في ذات الله، وهذه النصوص التي بين أيدينا ونتلوها ليست قرآناً، بل هي حكاية عن القرآن، حكاية عن المعنى القائم في ذات الله، أو على طريقة الأشعري: عبارة عن القرآن، عبارة عن المعاني القائمة في ذات الله.

طيب من أين أتت هذه الألفاظ أيها الأشاعرة من أين أتت؟ هذه الألفاظ التي نحفظها ونتلوها ونتعبد الله بها، اختلف الأشاعرة والماتريدية على ثلاثة أقوال في مصدر هذه الألفاظ؛ البعض يقول إن هذه الألفاظ خلقها الله في اللوح المحفوظ وجبريل أخذها من اللوح المحفوظ وأنزلها على النبي صلى الله عليه وسلم، بعضهم يقول هذه الألفاظ خلقها الله في جبريل وجبريل نزل بها على النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك قول ثالث عندهم يقول هذه الألفاظ خلقها الله في محمد صلى الله عليه وسلم؛ أن هذه الألفاظ التي نتلوها ألفاظ خلقها الله على سيدنا، خلقها الله في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

بالتالي المهم أن الأشاعرة متفقون على أن هذه النصوص التي بين أيدينا ونحفظها ونتلوها ليست قرآناً، افهموا قولهم؛ لأن قول خطير في الحقيقة، ما بين أيدينا من النصوص ليس قرآناً عندهم، هو حكاية عن القرآن، عبارة عن القرآن، هذا ما يقصدونه، وأما القرآن فهو كلام، ما هو كلام الله عندهم؟ هو المعنى القائم في ذات الله.

وهذه الألفاظ من أين أتت إذاً؟ هناك ثلاثة أقوال عندهم في هذه المسألة، وبالتالي أحبتي لو نظرنا في مآلات هذا القول الاشعري الماتريدي نجد أن الأشاعرة والماتريدية متفقون مع المعتزلة في أن هذه النصوص التي بين أيدينا مخلوقة؛ الأشاعرة والماتريدية مع المعتزلة متفقون على أن هذه النصوص التي بين أيدينا، والخلاف بين الأشاعرة وبين المعتزلة في هذه المسألة هو أن المعتزلة ترى أن هذه النصوص هي القرآن وأن هذه النصوص هي كلام الله لكن الله خلقها في غيره، وأما الأشاعرة فلا تقول: هذه النصوص ليست هي القرآن، القرآن هو الكلام الإلهي وهو المعنى القائم في ذات الله، وهذه النصوص الله خلقها في اللوح المحفوظ أو في جبريل أو في النبي صلى الله عليه وسلم وهي تعبر عن القرآن أو عن الكلام الإلهي.

فبالتالي إذا ما يسميه أهل السنة قرآناً وهو هذه النصوص التي بين أيدينا، ويقول أهل السنة والجماعة: هذه النصوص ليست مخلوقة بل هي كلام الله سبحانه وتعالى، وحارب أحمد بن حنبل لإثبات هذه الفكرة وعضده علماء السلف الصالح رحمة الله عليهم، يأتي الأشاعرة والمعتزلة ليقولوا بعد ذلك إن هذه النصوص المحفوظة والمسموعة والمتلوة هي نصوص مخلوقة على خلاف بينهم بين الأشاعرة والمعتزلة؛ هل هذه النصوص هي القرآن أم ليست هي على ما بيناه.

ولذلك ابن قدامة رحمة الله عليه في كتابه الصراط المستقيم وجه انتقاداً مباشراً للفكر الاشعري، وقالها لهم: هاتوا أيها الأشاعرة، يعني هاتوا أخبرونا من قال قبلكم أن هذا القرآن الذي بين أيدينا، هاي النصوص التي بين أيدينا، من قال قبلكم أن هذا القرآن عبارة وحكاية، هل هناك عالم من علماء السلف أيها الأشاعرة والماتريدية سبقكم بهذه المقولة وقال إن النصوص التي بين أيدينا ليست هي القرآن وإنما هي عبارة عن القرآن أو حكاية عن القرآن، هل يوجد أحد سبقكم بهذا؟

ابن قدامة يوجه لهم السؤال: أخبرونا من قال قبلكم أن هذا القرآن عبارة وحكاية؟ وأن حقيقة القرآن -يعني مين قال إن حقيقة القرآن هو المعنى القائم في النفس أي في نفس الله- من قال هذا الكلام؟

أخبرونا هل وجدتم هذه الضلالة وقبيح المقالة عند أحد من المتقدمين سوى قائدكم؟ يقصد بالقائد هنا أبو الحسن الأشعري رحمة الله على الجميع. يعني ابن قدامة يقول للأشاعرة: هل وجدتم هذه المقولة القبيحة عن أحد من السلف الصالح سوى قائدكم أبي الحسن الأشعري رحمة الله عليه؟ إذاً انتقاد واضح من ابن قدامة لهذه الفكرة وبيان أنها فكرة باطلة لا تتفق مع قول السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم.

طبعاً أحبتي بعض الأشياء قد يتجوز ويطلق على هذه النصوص التي بين أيدينا أنها قرآن، تجوزاً، وهذا قد تجدونه في بعض مصنفاتهم؛ تجوزاً قد يطلقون على هذه النصوص أنها قرآن، لكن قولهم -وهذا نص ابن قدامة ونص الأئمة وهم يعلمون ذلك- قولهم إن القرآن هو النصوص كلا، في أصل قولهم وحقيقة قولهم إن القرآن هو المعنى القائم في النفس، وهذه النصوص عبارة عن القرآن، فيتجوز بعضهم تجوزاً ويقول هذه النصوص قرآن، لكن هو لا يقصر حقيقة قوله، فهذه انتبهوا إليها القضية.

طيب أخيراً؛ النص الأخير الذي أختم به محاضرة اليوم؛ ابن عقيل الحنبلي يرد على الأشاعرة والماتريدية في هذه الفكرة، ويرد على الأشاعرة في محاولة نسبة قولهم في الكلام الإلهي إنه كلام نفسي، يرد على الأشاعرة محاولتهم تلبيس أحمد بن حنبل هذه المقولة؛ كثير من الأشاعرة يحاول أن يلبس أحمد بن حنبل هذه المقولة ويقولون: أحمد بن حنبل يقول مثل قولنا إن كلام الله معنى قائم في ذات الله كلام نفسي ليس كلام حقيقي، هذا كلام أحمد بن حنبل.

فابن عقيل الحنبلي -طبعاً عرفنا من هو ابن عقيل، كان معتزلياً من رؤوس الاعتزال ثم استتيب استتابة عامة، كما ذكر ابن قدامة قصة هذه الاستتابة في تحريم النظر في كتب الكلام، وعاد ليؤلف كتاب الانتصار لأهل الحديث- فابن عقيل الحنبلي رحمة الله عليه يقول للأشاعرة: أما دعوة الأشاعرة -هذا كلام ابن عقيل- أما دعوة الأشاعرة موافقة الإام أحمد فباطل.

يعني محاولتكم أيها الأشاعرة أن تلبسوا قولكم للإمام أحمد بن حنبل هذا باطل لا حقيقة له؛ أين هم عن قول أحمد بن حنبل: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر؟ يعني ابن عقيل يقول للأشاعرة: أيها الأشاعرة ألم تسمعوا مقولة أحمد بن حنبل المشهورة المستفيضة، وهي أنه يقول: من قال إن أفظنا بالقرآن مخلوقة فهو كافر؟ يعني ما معنى كلام أحمد بن حنبل؟ معنى كلامه بشكل واضح: من يقول نصوص القرآن التي نتلوها ونحفظها من يقول نصوص القرآن التي نتلوها ونحفظها ونسمعها مخلوقة فهو كافر، وأنتم أيها الأشاعرة تقولون نصوص القرآن، أنتم والمعتزلة أيضاً تقولون نصوص القرآن مخلوقة، وأحمد يقول: من قال نصوص القرآن مخلوقة فهو كافر، فكيف لكم بعد ذلك أيها الأشاعرة أن تقولوا أحمد بن حنبل يقول مثل قولنا؟

هذه دعوة عريضة بعيدة عن الواقع العلمي وعن البحث العلمي؛ أحمد بن حنبل كما نقل أبناؤه عنه -وهل أنتم أعدل من أبنائه؟- كما نقل أبناؤه عنه يقول: الله متكلم بصوت. ونقلت لكم هذه النصوص عن أحمد بن حنبل في بداية المحاضرة أو في المحاضرة السابقة، فليس لأحد أن يلبس أحمد بن حنبل قولا لم يقل به، فكيف وأحمد يجهر أن من قال نصوص القرآن مخلوقة فهو كافر؟

طبعاً أحبتي؛ عادة السلف رضوان الله تعالى عليهم أنهم يفرقون بين الحكم على المقولة والحكم على الأشخاص؛ فهم يقولون: من قال هذه المقولة فالاصل أنه كافر، لكن لا ينزلون هذه الأحكام العامة على أعيان الأشاعرة وعلى أعيان ماتريدية والمعتزلة إلا بعد إقامة الحجة وانتفاء التأويل والشبهة.

وبالتالي نحن نلاحظ أحمد بن حنبل مع أنه قال هذه المقولة لكنه لم ينزلها على كثير من المعتزلة في عصره الذين حاربوه وخالفوه، ولم ينزلها من بعد أحمد بن حنبل على الأشاعرة وعلى الماتريدية لخطئهم في الكلام الإلهي لم ينزلوها، مع أن أحمد قال: من قال إن النصوص مخلوقة فهو كافر، والأشاعرة والمعتزلة تقول ذلك في الحقيقة.

لكن كما قلنا علماء السلف علماء أهل السنة لأنهم أرحم الخلق بالخلق، ويجدون أعذاراً للمخالفين لهم، ونحسن الظن أن علماء الأشاعرة الأفاضل الذين أخطأوا خطأ واضحاً بيناً شنيعاً في هذه المسألة، إنما قصددهم الأصل الأصيل التنزيه، وإنما أخطأوا جانب التنزيه وتأولوا وأخطأوا المسلك ولم يريدوا أن يتنقصوا من الله؛ لأننا ننظر إلى هذه.

الأعذار وإلى هذه المقاصد النبيلة ونعلم أنهم أخطأوا التأويل والفهم فنعذرهم، مع أننا نقول أصل القول كفر لكننا لا نسقط حكم الكفر على الأعيان لوجود الأعذار الكثيرة التي تمنع من إلحاق الكفر بهم. لوجود الأعذار الكثيرة التي تمنع من إلحاق الكفر بهم منها حسن القصد، ومنها وجود التأويل وإن كان بعيداً، ومنها الجهل في بعضهم إلى غير ذلك. فأنا فقط أردت التنبيه حتى لا أحد يقول ما دام أحمد بن حنبل قال من قال نصوصه أمخلوقة فهو كافر فلنكفر كذا وكذا. لا لا.

أهل السنة هادئون متزنون أرحم الناس بالناس، عندهم هدوء في إطلاق الأحكام، لا يوجد عندهم اندفاعية واستعجال في التكفير كما يفعل الغلاة وككما يفعل الأشعري مع أهل السنة. يعني لو نظرت هناك تيار كثير أو كبير من الأشاعرة يحكمون على أهل السنة أنهم كفار، ويزعمون أن أهل السنة مجسمة إلى غير ذلك من الكلام الفارغ الذي يقولونه. ومع ذلك أهل السنة يعذرونهم ويعلمون أنهم متأولون جاهلون، قصدهم التنزيه لكنهم أخطأوا خطأ شنيعاً لأنهم سلكوا المسالك المخالفة للكتاب والسنة وتلقوا أو صاغوا عقائدهم في قوالب الفلسفة الإغريقية، فنسأل الله لنا ولهم والصواب دوماً.

سامحونا على الإطالة في هذا المجلس لكن كان لابد أن أُنهي قضية الكلام الإلهي. إن شاء الله في المحاضرة القادمة نبدأ بموضوع جديد مع ابن قدامة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.