تسجيل الدخول

شرح لمعة الاعتقاد (21) / مسألة رؤية الله في الآخرة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب لمعة الاعتقاد للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الصالحي رحمة الله تعالى عليه. في المحاضرة السابقة أحبتي أنهينا الحديث عن مسألة الكلام الإلهي وعرفنا لماذا علماء الاعتقاد يخصون هذه الصفة من بين سائر الصفات بالإفراد بالبحث. يعني هم يتطرقون إلى ذكر الصفات الأخرى، لكن مسألة الكلام الإلهي لها خصوصيتها في البحث.

أولا؛ لأن هذه المسألة من أكثر المسائل التي دار عليها الخلاف بين الإسلاميين، هذه المسألة وهذه الصفة صفة الكلام الإلهي من أكثر مسائل العقيدة التي دار عليها الخلاف بين الإسلاميين، وفيها جذب ورد، حتى إن علم الاعتقاد إنما سمي علم الكلام بسببها. ثانيا؛ ارتباط مسألة الكلام الإلهي بتصور طبيعة القرآن الكريم، فتصور طبيعة القرآن الكريم الذي بين أيدينا وأنه كلام الله بصوت وحرف أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل، هذا يتوقف على فهم طبيعة الكلام الإلهي وإاثبات هذه الصفة على حقيقتها كما هي طريقة أهل السنة والجماعة.

لذلك نجد كثير من العلماء فعلوا كما فعل ابن قدامة رحمه الله، أفردوا هذه المسألة بالبحث، حتى إن البخاري كما لاحظنا في صحيحه عقد عديد من التراجم لإثبات هذه المسألة، عقد العديد من التراجم لإثبات هذه المسألة. وعرفنا أن جذور الخلاف في مسألة الكلام الإلهي تعود إلى اليهود، هم الذين ألقوا هذه الشبهة وهذه الفتنة في الأمة عن طريق لبيد بن أعصم الساحر اليهودي الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان هذا الساحر يقول بخلق التوراة، ثم دس هذه الفكرة أو دست هذه الفكرة رويدا رويدا حتى وصلت للجعد بن درهم، ثم الجعد طبق فكرة لبيد بن الاعصم على القرآن الكريم فقال بخلق القرآن وأن الله غير متكلم.

ثم أخذت الفرق هذه الشبهة وهذه البدعة وبدأت تطور عليها ما بين إفراط وتفريط، وهدى الله الذين آمنوا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فهدى الله أهل السنة والجماعة الذين أخذوا من المنبع الصحيح من الكتاب والسنة، وتلقوا علمهم عن السلف الصالح الذين أخذوا عن الذين أخذوا عن محمد صلى الله عليه وسلم. هؤلاء هم الذين يرزقون الرشاد والتسديد والتوفيق لتحقيق المسائل كما يريدها الله سبحانه وتعالى. تحقيق مسائل الاعتقاد أحبتي يجب أن يكون الهدف منه الوصول إلى مراد الله عز وجل، ليس نصرة الطوائف والأشياخ والفرق والطرق، أن يكون هدفكم وأنتم تدرسون مسائل الاعتقاد أن تنصروا شيخا أو طريقة، وإنما اعلموا أنكم تبحثون عن مراد الله وعما يرضي الله عز وجل.

والإنسان الذي يبحث عما يرضي الله يستقصي البحث ويتعب ويكد ويكون متجردا للحق أينما وجده فهو ضالته وبغيته. لا أطيل أكثر من ذلك في المقدمة، دعونا أحبتي ننتقل إلى مسألة جديدة، مسألة الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، مسألة رؤية الله عز وجل يوم القيامة. هذه المسألة كثير من علماء أهل السنة والجماعة، بل حتى علماء الكلام يذكرونها بعد انتهائهم من تقصيل وتقعيد باب الصفات، يا ترى لماذا؟ هل مسألة رؤية الله عز وجل يوم القيامة لها ارتباط بالصفات الإلهية؟ في الحقيقة نعم هذه المسألة لها ارتباط بالصفات الإلهية، لذلك تذكر في العادة تبعا باب الصفات.

وهذا وجه الارتباط بين هذه المسألة وبين الصفات؛ عندما نقول رؤية الله عز وجل يوم القيامة، فكأننا نقول هل من صفة الله عز وجل أنه يرى وأن البشر يستطيعون يوم القيامة أن يروه؟ هل من صفة الله سبحانه وتعالى أنه يرى أم ليس من صفته ذلك؟ فإذا مسألة رؤية الله عز وجل يوم القيامة أو في الآخرة لها ارتباط بباب الصفات من هذه الحيثية؛ من حيثية هل الله عز وجل من صفته أنه يرى وتمكن رؤيته أم ليس هذا من صفته، فلذلك تذكر إذن تبعا ومرتبطة بباب الصفات نظرا لهذه الزاوية.

فدعونا ننظر ما هو الحق الذي قرره سلفنا الصالح وعلماء أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، وما هي الأقوال البدعية عموما من دون دخولهم في تفاصيلها، ما هي الأقوال البدعية عموما التي قيلت في هذه القضية؟ نقول مستعينين بالله: مسألة رؤية الله يوم القيامة من المسائل العقدية التي اشتهر فيها الخلاف بين الإسلاميين، هي مسألة رؤية الله يوم القيامة، وهذه المسألة من المسائل المهمة التي عظم نكير السلف على من أنكرها. يعني من قرأ كلام السلف الصالح في هذه المسألة يجد أن السلف كانوا يعظمون النكير ويهونونه على الفرق البدعية التي كانت تنكر رؤية الله عز وجل في الآخرة.

قال ابن تيمية رحمة الله عليه: هي من الأصول التي يشتد كثير من السلف والأئمة على من خالف فيها. يصور لنا ابن تيمية كيف أن السلف الصالح كانوا يشددون، والأئمة من بعدهم كانوا يشددون على من ينكر رؤية الله عز وجل يوم القيامة. حتى إن الإامام أحمد بن حنبل جمع جزءا خاصا أي يعني كتيبا صغيرا جزءا خاصا، كما نقل ابنه عبدالله بن الإمام أحمد فقال عبدالله رأيت يصحح الأحاديث التي تروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤية ويذهب إليها، أي يقول بمقتضى هذه الأحاديث وجمعها في كتاب وحدث به.

هذا كلام عبدالله أن أحمد بن حنبل جمع الأحاديث التي صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم في رؤية الله يوم القيامة، جمعها أحمد في جزء خاص، وكان يحدث به العوام والناس في مدارسه ليثبت أن هذه المسألة حق كما جاء بها الكتاب والسنة. وكذلك أبو بكر بن أبي داوود السجستاني، أبو داوود السجستاني معروف صاحب السنن سنن أبي داوود سليمان بن الأشعث. له ابن من العلماء الكبار وله مصنفات عقدية، ابنه أبو بكر جزاه الله عنا خيرا جمع كتابا خاصا في الأحاديث التي تثبت مسألة رؤية الله عز وجل في الدار الآخرة.

وكذلك الإمام صنف كتابا، الإمام الآجري صاحب كتاب الشريعة الإمام العظيم صنف كتابا سماه التصديق بالنظر إلى الله في الآخرة، التصديق بالنظر إلى الله في الآخرة كتاب هذا عنوانه وهو من أنفع الكتب التي كتبت في هذه المسألة، وأجمع الكل التي أثبتت رؤية الله عز وجل يوم القيامة وحشدت الآثار والنصوص الدالة عليها كتاب الإمام الدارقطني رحمة الله تعالى عليه، حيث صنف كتابا سماه كتاب الرؤيا جمع فيه أدلة هذه المسألة من الكتاب والسنة. إذن هذا عرض سريع لاحتفاء أهل السنة والجماعة منذ القدم بهذه المسألة وتجديد النكير على من خالفها، حتى وصل بهم الأمر إلى وضع مصنفات كاملة لجمع الآثار والآيات التي تتكلم عن هذه القضية نصرة للحق الذي أنزله الله سبحانه وتعالى في كتابه.

عموما نستطيع أن نحصر الأقوال التي قيلت في هذه المسألة بين الإسلاميين على ثلاثة أقوال. نبدأ أولا بقول أهل السنة والجماعة نقرره، ثم ننتقل القولين البدعيين الذين قيلا فيها، إذن سنحصر كلام الإسلاميين في ثلاثة أقوال. القول الأول هو قول أهل السنة والجماعة الذي دل عليه الكتاب والسنة وهو عقيدة السلف رحمة الله عليهم، ثم نذكر قولين بدعيين في هذه المسألة. فنقول: القول الأول في هذه المسألة قول أهل السنة والجماعة، الذين يقولون -انتبهوا الآن لقول أهل السنة والجماعة، كل كلمة لها دلالتها- ماذا يقول أهل السنة والجماعة؟ يقولون إن الله سبحانه وتعالى يرى في الآخرة -هذه كلمة في الآخرة قيد- أن الله عز وجل يرى في الآخرة عيانا بأعين الرأس، أي رؤية الله يوم القيامة في الآخرة تكون بأعين رؤوسنا رؤية إذن حقيقية.

إذن إن الله يرى في الآخرة بأعين الرؤوس في جهة العلو، إذن الله عز وجل يرى في جهة وهي جهة العلو كما دات على ذلك الأحاديث الصحيحة، سنأتي إليها بإذن الله، ولكننا لا نحيط بذاته حين نراه. إذن قول أهل السنة والجماعة ينطلق من هذه المنطلقات الأربعة، وهي أن الله يرى في الآخرة وليس في الدنيا، وأن الله يرى في الآخرة بأعين الرأس إذن هي رؤية حقيقية، ويرى في جهة العلو سبحانه وتعالى، ولا يحاط بذاته -يعني رؤيتنا له لا تحيط بذاته- وما بعد ذلك نقول الله تعالى أعلم تفاصيل هذه الرؤية بالضبط لا نخوض فيها، وإنما نقف على ما وقفت عليه الأحاديث والآثار والآيات الكريمة.

الله يرى في الآخرة بأعين الرأس في جهة العلو لكننا لا نحيط بذاته. الآن من الذي يراه؟ بعض التفاصيل التي تتعلق بذلك دعونا نؤخرها قليلا حتى ننهي من تأصيل قول أهل السنة والجماعة وأقوال الطوائف الأخرى. إذن هذه المنطلقات الأربعة التي يقوم عليها قول أهل السنة والجماعة في إثبات مسألة رؤية الله في الآخرة. الآن ما الأدلة التي استدل بها علماء أهل السنة والجماعة على هذه المسألة؟ سأبدأ بأدلة القرآن الكريم. أولا، الآية الأولى قال سبحانه وتعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]، وهذه الآية قطعية الدلالة في إثبات رؤية الله عز وجل في الآخرة.

قطعية الدلالة، ومن حرفها وتأولها فقد حاد عن المنهج الصحيح وخاض في شيء ليس له أن يخوض فيه. هذه الآية آية قطعية في دلالتها الفعل نظر ومشتقاته ناظر، إذا تم تعديته بال إلى تقول نظرت إلى الشيء هذا يعني عند العرب قاطبة أنها رؤية حقيقية بالبصر. إذا قلت نظرت إلى عديت الفعل نظر بحرف الجر إلى نظرت إلى الشيء فهذا عند العرب قاطبة يدل على رؤية حقيقية بالبصر، وهذا ما جاءت به الآية، لكن حرف الجر تقدم على المشتق إلى ربها ناظرة، يعني باعادة الترتيب ناظرة إلى ربها. فلا يجوز أن تحرف هذه الآية إلى معان فاسدة كما يذكرها الكلاميون من المعتزلة ومن تبعهم.

المعتزلة يقول الناظرة هنا معناها منتظرة، وهذا تحريف، وهذا تحريف للكلام الإلهي الله يحتمل السياق بشكل من الاشكال هذا المعنى أن يكون معنى ناظرة منتظرة، خاصة أنه تم بحرف الجر إلى فهذا قطعا يدل على رؤية حقيقية لله سبحانه وتعالى. الآية الثانية التي يستدل بها أهل السنة قوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] في سورة يونس للذين أحسنوا الحسنى وزيادة. فسر النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة هنا في هذه الآية أن المراد بها النظر إلى وجه الله عز وجل.

للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون. النبي صلى الله عليه وسلم فسر لنا معنى الزيادة في هذه الآية بأنها النظر إلى وجه الله الكريم، وهذا من أعظم النعيم الذي يناله أهل الجنة أن ينظروا إلى وجه ربهم سبحانه وتعالى الذي عبدوه وخضعوا له في هذه الحياة الدنيا، أعظم نعيم وأجمل لذة هو أن ترى وجه الإله الكريم الحبيب سبحانه وتعالى.

القول أو الآية الثالثة التي استدل بها أهل السنة والجماعة قوله تعالى: ﴿لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: 35] في سورة ق. فسر علماء التفسير المزيد هنا أيضا بأنه النظر إلى وجه الله الكريم سبحانه وتعالى. الآية الرابعة -انتبهوا إليه- الآية الرابعة استدل بها كثير من علماء أهل السنة والجماعة على إثبات الرؤيا، ومنهم ابن قدامة المقدسي كما سيأتي معنا حينما نقرأ ما ذكره في هذه المسألة. الآية الرابعة قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15]. لما ذكر الله عز وجل في بداية سورة المطففين حال الكفار قال سبحانك: ﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 14-15].

ماذا تفهمون من هذه الآية؟ ماذا تفهمون من معاقبة الكفار بحجبهم عن الله سبحانه وتعالى؟ أظن أنكم تفهمون ما هو متبادر منها وما فهموه علماء أهل السنة جميعا من هذه الآية، وهو أنه حجب أعداءه عن النظر إليه وعن هذه الكرامة العظيمة. فقال العلماء: لما حجب أعداءه عن النظر اليه دل هذا على أن أولياءه ينظرون إليه، وإلا لم إذا كان الجميع لن يرى الله عز وجل في الآخرة والجميع محجوب عن رؤيته، إذن ليس في هذا عقابا للكافرين أن حجبوا عن رؤية الله، لأن الكل لن يرى الله سبحانه وتعالى.

فذكره سبحانه وتعالى أنه حجب الكفار عن النظر إليه هذا دليل على أن أولياءه وأحباءه ينظرون إليه، هذا هو المنطق الصحيح الواضح في فهم هذه الآية، وهذه الآية من أقوى الأدلة التي استدل بها علماء أهل السنة والجماعة في إثبات الرؤية الإلهية في الدار الآخرة، فقد استدل بها الإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد وسفيان والأوزاعي وعبدالله بن المبارك، ثم استمر بعد ذلك الاستدلال بها إلى يومنا هذا وعلماء أهل السنة -وأظن العقلاء يعني ليس فقط علماء أهل السنة- أن أي عاقل يقرأ هذه الآية يفهم منها أن ما أنه إنما حجب الكافرين عقابا لهم، وهذا يدل على أن أولياءه وأحباءه ينظرون إليه وإلا لما كان في الحجب عقابا وتفكيتا للكافرين.

الآية الخامسة والأخيرة التي أريدها في هذا السياق، والتي يذكرها علماء أهل السنة أنها من الآيات التي تدل على الرؤية الإلهية، قوله سبحانه وتعالى في آخر سورة المطففين، في آخر سورة المطففين لما ذكر الله عز وجل حال أوليائه قال سبحانه: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: 34] على.

ينظرون إلى أرائك ينظرون. ما معنى ينظرون؟ أو ينظرون إلى ماذا؟ ذكر علماء التفسير من أهل السنة والجماعة أنهم ينظرون إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنه في بداية سورة المطففين لما ذكر أنه حجب الكافرين عن رؤيته، في المقابل الآن يذكر حال المؤمنين، فيخبرنا سبحانه أن المؤمنين يكرمهم الله عز وجل بلذة النظر إلى وجهه الكريم.

فقوله في آخر سورة المطففين: على الأرائك ينظرون، دليل على رؤية الله سبحانه وتعالى، وأن النظر في هذه الآية المقصود به النظر إلى وجهه الكريم سبحانه وتعالى. إذا، هذه خمس آيات من كتاب الله سبحانه وتعالى تدل على رؤيته عز وجل في الدار الآخرة.

أما الأحاديث الواردة في السنة المطهرة؛ الأحاديث الصحيحة الواردة في رؤية الله عز وجل فهي أحاديث كثيرة مستفيضة، تدل دلالة قطعية على أن الله عز وجل يراه عباده وأولياؤه في الدار الآخرة، على التفصيل الذي سنذكره بعد قليل بإذن الله.

ومن أشهر الأحاديث؛ الحديث المشهور: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر» أو «كما ترون هذا القمر» وأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى قمر في ليلتهم «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته». وهذا حديث روي من عدة طرق ومن عدة صحابة كانوا جالسين وحاضرين في هذا المجلس، وورد في البخاري ومسلم وغيره من كتب الصحاح، فهو حديث قطعي الدلالة على أن الله عز وجل يرى في الدار الآخرة.

إذن هذا هو الرأي الأول؛ رأي أهل السنة والجماعة، أن الله يرى في الدار الآخرة بأعين الرأس رؤية حقيقية، وأنه سبحانه وتعالى يرى في جهة العلو، لكننا لا نحيط بذاته حين نراه. القول الثاني في المسألة؛ انتهينا من بيان قول أهل السنة والجماعة، وأنا سأسعى أن أختصر الكلام في هذه المسألة، لا أريد أن أطيل فيها كثيرا، وهي بطبيعتها مسألة مختصرة.

القول الثاني؛ ما قول المعتزلة ومن تبعهم من الجهمية. المعتزلة والجهمية يقولون إن الله سبحانه وتعالى لا يرى في الدار الآخرة، ولا تمكن رؤية الله أصلا، وجعلوا رؤية الله من المستحيلات الممتنعات. هذا هو رأي المعتزلة والجهمية، أن الله عز وجل لا يرى في الدار الآخرة. لماذا؟ لأنه لا يمكن رؤيته أصلا عندهم، ورؤيته من المستحيلات.

واستدلوا بأدلة باطلة بنوها على فلسفة عقلية بعيدة عن نور الكتاب والسنة؛ فلسفة عقلية فاسدة متأثرة جدا بالطرق الإغريقية والفلسفات الأخرى البعيدة عن المنبع الصحيح. هذه مشكلة المعتزلة والفرق الكلامية عموما، أنهم يأخذون منطلقاتهم العقدية من منابع فاسدة؛ من الفلسفة الإغريقية، من الفلسفات الهندية والفارسية إلى غيرها. ترى ليست فقط الفلسفة الإغريقية التي أثرت في الفكر الإسلامي، هناك فلسفة إغريقية ولها الأثر الأكبر، هناك فلسفة هندية وفلسفة فارسية.

المهم، عندما يبتعد الإنسان عن المنبع الأصيل فانه يضل ويزيغ، حينما يأخذ من منابع كدرة ويبتعد عن نور الكتاب والسنة. الكتاب والسنة أحبتي يهديان الإنسان حتى إلى الأدلة العقلية الصحيحة، ليس فقط هداية الكتاب والسنة بالخبر، بل حتى يرشدان الإنسان إلى كيفية استعمال العقل بالشكل الصحيح، وكيفية توظيف الضرورات العقلية والأدلة الفطرية لإثبات هذه المسائل.

وأما الفلسفات البشرية للأسف المنحرفة فانها تحرف العقل عن التفكير الصحيح، وتجعله يتصور الأمور على خلاف ما هي عليه، وهذه إشكالية الفكر الكلامي. تصوروا كثير من الأمور بعقولهم على خلاف ما هي عليه، زعموا أنهم أصحاب المنطق، وفي الحقيقة أنهم أخطأوا في المنطق، يعني منطقهم فاسد جدا، طريقة التفكير العقلية عندهم فاسدة جدا.

فهم وإن سموا أنفسهم بالعقلانية ورفعوا هذا الشعار، فهم حقيقة جهلانيون وليسوا عقلانيين، هم أبعد الناس عن العقل. أنا أرى أن تسميتهم بالعقلانيين فيها شيء من المدح؛ يعني أنكم تتبعون العقل، هم في الحقيقة اتبعوا الهوى وضلوا عن العقل وعن المنطق الصحيح. هذا هو الواقع لمن تتبع أحوالهم وعرف مآخذ الأقوال عندهم وكيف يبنونها.

المهم، المعتزلة قالوا: الله عز وجل يستحيل رؤيته، لا تمكن رؤيته. بنوا ذلك وكما قلنا على أدلة فاسدة تدور في جملتها على أن إثبات الرؤية هكذا قالوا: إثبات الرؤيا لله يعني أن الله عز وجل سيكون جسما، ونحن ننفي الجسم عن الله، ويستحيل أن يكون الله جسما، إذا الله عز وجل لا يمكن أن يرى. هم ربطوا بين هذه القضية وهذه القضية، قالوا: إثبات الرؤية لله يعني أن الله عز وجل سيكون جسما، والفكر الاعتزالي يقول: الله عز وجل لا يمكن أن يكون جسما في حال من الأحوال، بالتالي إذا لا رؤية لله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة.

طبعا مهما أخذ هذه الأقوال ما منطلقاتها؟ كيف نفسدها؟ وكيف نبطلها؟ هذا إن شاء الله في المستقبل في دورات مفصلة، هذا المقام لا يسع لبسط كل هذه النقاشات، المهم أن تأخذوا الفكرة العامة.

بعد أن عرفنا رأي الاعتزال، دعونا نذهب إلى الرأي الثالث والأخير؛ هو رأي الأشاعرة. الرأي الأشعري في هذه المسألة ومن تبع الأشاعرة فيها؛ الأشاعرة يقولون إن الله عز وجل يرى في الدار الآخرة، لكن لا يرى في جهة. قول غريب وتصوره صعب، لكن سنسعى إلى بسطه وتحليله، وهو في النهاية قول باطل.

يقولون إن الله عز وجل يرى في الآخرة -طبعا أنت إذا سمعت هذا ابتداء تقول إذا هم وافقوا أهل السنة- لا تستعجل. هم يقولون إن الله يرى في الدار الآخرة لكنه لا يرى في جهة، أما أهل السنة والجماعة يقولون الله عز وجل يرى في الدار الآخرة في جهة العلو، الأشاعرة يقولون الله يرى في الدار الآخرة لا في جهة.

طبعا لماذا؟ لأن الأشاعرة فكرهم في الحياة الدنيا؛ يعني فكرهم في الحياة الدنيا أن الله عز وجل ليس في جهة العلو، وأن الله ليس فوق السماء السابعة. طيب، ولا أين الله عز وجل عند الأشاعرة؟ الأشاعرة طبعا لهم أقوال واضطرابات في هذه القضية، لكن أشهر أقوالهم وما عليه أكثر المتأخرين منهم أن الله عز وجل ما في داخل العالم ولا في خارج العالم، نقطة هكذا يقولون: الله لا داخل العالم ولا خارج العالم.

طبعا القول الباطل أحبتي يصعب تصوره في كثير من الأحيان، لأنه قول باطل يخالف ضرورات العقل ويخالف المنطق السليم، أنت تحاول محاولة أن تفهمه لكن يمكن ألا تفهمه في الحقيقة. يعني أنت تقول: كيف الله عز وجل لا في داخل العالم ولا في خارج العالم؟ بالتأكيد الله عز وجل ليس في داخل العالم، فالعالم لا يحصره، هذه متفقين عليها.

لكن لا في خارج العالم؟ طب أين الله سبحانه وتعالى؟ هذا لا يوجد له إجابة واضحة في الفكر الأشعري، ويظنون -طبعا هي أيش إشكالية الأشاعرة في نفي الجهة؟- هم يقولون: إذا أثبتم الجهة فإنكم أثبتم التحيز، وأن هناك شيء أحاط بالله سبحانه وتعالى، إلى آخر هذه الفلسفات الباطلة التي تدل على فساد في التفكير العقلي.

إذا قلت إن الله عز وجل داخل العالم نعم، إذا الله عز وجل سيكون محاطا، وهذا باطل نتفق عليه. لكن الله عز وجل لما نقول إنه فوق السماء السابعة في جهة العلو من دون أن نعرف بعد ذلك شيئا، وأنه خارج إحداثيات المكان المخلوق، وخارج إحداثيات الزمان المخلوق. لما نقول الله فوق السماء السابعة في جهة العلو، هذا نقف بعد ذلك عنده ولا نكمل؛ لأننا لا نعرف تفاصيل ما فوق السماء السابعة، نقول في جهة العلو وهذا لا يقتضي أبدا تحديدا ولا تحييزا ولا أن هناك شيئا محيطا بذاته؛ لأن الإحاطة التي يتصورها الأشاعرة في عقولهم هي إحاطة الأمكنة المخلوقة بما فيها، ونحن لا نقول إن الله عز وجل في مكان مخلوق أحاط به، حاشاه سبحانه وتعالى.

وإنما نقول كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم حينما سأل: «أين الله؟» قالت: في السماء. في السماء يعني في العلو، السماء هنا العلو وليست السماء القبة، انتبهوا في تفسير الألفاظ. في السماء أي الله عز وجل في العلو، وأخبرنا سبحانه أنه فوق السماء السابعة مستو على عرشه، هناك أحبتي لا تخضع قوانين الزمان لما في أذهاننا، ولا تخضع قوانين المكان لما في أذهاننا، فالله عز وجل لا يمكن أن يحيط به مكان مخلوق ولا زمان مخلوق، ولكن هذا لا يمنع أن يكون سبحانه في جهة العلو وأنه فوق السماء السابعة كما أخبرنا.

بل قول الله عز وجل عليه أكثر من ألف دليل، يقول ابن تيمية: إن علو الله عليه أكثر من ألف دليل يدل عليه من الفطرة والعقل والنص والإجماع. طب أين هذه الأدلة كلها عن الأشاعرة ومن تبعهم؟

نعم، المشكلة عند هؤلاء القوم أنهم يتبعون مناهج فاسدة، يتبعون الفلسفات الإغريقية التي تؤثر على طريقتهم في تصوير المسائل، فيتصورون المسائل بعقولهم ويخطئون في توظيف العقول. فالأصل العقل السوي الرشيد يعلم أن الله عز وجل فوق السماء السابعة، وأن الله عز وجل في العلو، هذا شيء فطري عقلي قبل أن تدل عليه النصوص الشرعية.

لكن هذا العقل للأسف لما يلوث بشبهات الفلاسفة، لما يلوث هذا العقل بشهوات الفلاسفة ويأخذ طرائقهم في التفكير، ثم يأتي ليوظف هذه الطرائق على النصوص الشرعية وعلى العقائد الإسلامية، يكون منحرفا غاية الانحراف، ومشوها غاية التشويه، وبعيدا عن المنطق السوي غاية البعد. لذلك كما قلنا الأشاعرة لما نفوا الجهة عن الله سبحانه وتعالى في الحياة الدنيا، ونفوا أن يكون الله في جهة العلو فوق السماء السابعة، هذا القول قادهم إلى أن يقولوا إن الله عز وجل في الدار الآخرة يرى لكن لا في جهة.

طب كيف يرى لكن لا في جهة؟ الآن نطلب من الأشاعرة أن يفسروا لنا هذه الفكرة، يعني لا يجوز لنا نحن أن نفسر هذه الفكرة عن الأشاعرة، لا، هذا ليس منهجا علميا، المنهج العلمي أن تعود إلى كتب الأشاعرة وتنظر هم أنفسهم كيف فسروا هذه القضية. كيف يرى لا في -يعني الأمر صعب تصوره، كيف يرى لا في جهة؟- أنا الآن سأعود إلى كلام الأشاعرة أنفسهم لننظر كيف فسروا لنا هذه النظرية.

يقول البيجوري، وهو إمام من أئمة الأشاعرة ولا أحد ينازع أنه إمام من أئمة الأشاعرة، ماذا يقول البيجوري؟ يقول: الرؤية، أي رؤية الله في الآخرة، هي قوة يجعلها الله في خلقه، لا يشترط فيها مقابلة مرئي ولا كونه في جهة. هذا النص الأول كلام البيجوري.

ماذا يقول؟ الرؤية -طبعا لاحظوا البيجوري لم يتطرق إلى أن الرؤية هي رؤية بصرية بالعين أننا نراه بأعيننا، بل قال الرؤيا عبارة عن قوة- الرؤيا عبارة عن قوة، قوة يجعلها الله في خلقه لا يشترط فيها أن تقابل المرئي، لا يشترط في هذه القوة أن تقابل الشيء المرئي، ولا يشترط أن يكون الشيء المرئي في جهة أيضا. هذا الكلام ما زال فيه غموض.

طيب، دعونا ننظر لقول بعض الأشاعرة، يقول بعضهم في توصيف وتوضيح الأمر أكثر وأكثر في نظرتهم -وإن كان الأمر سيبقى باطلا، لكن نحن نحاول أن نفهم منهم وجهة نظرهم في القضية- يقول بعضهم: إن الله عز وجل خلق صفة للعبد قائمة بذاته، يدرك بها ذات الله عز وجل على نحو إدراك الأشياء بالبصر.

وهذا كلام خطير، انتبهوا علي. يقول الأشاعرة: ما معنى الرؤية؟ معناها أن الله خلق صفة للعبد قائمة بذاته. يعني القوة التي يتكلم عنها البيجوري في النص السابق هي عبارة عن صفة الله عز وجل يجعلها قائمة في العبد، الرؤية عبارة عن قوة كما قال البيجوري. ما معنى القوة؟ أحدهم يوضح ذلك، يقول: القوة عبارة عن صفة قائمة في العبد، الله عز وجل يقيم هذه الصفة في ذات العبد، يتمكن من خلال هذه الصفة القائمة في ذاته من أن يدرك ذات الله. صفة تقوم في العبد يدرك بها ذات الله على نحو إدراك الأشياء بالبصر.

وهذه الكلمة الأخيرة: على نحو إدراك الأشياء، تجعلنا نفهم أن رؤية الله في الآخرة عند الأشاعرة ليست رؤية بصر حقا، وإنما هي عبارة عن قوة تودع في العبد يتمكن من خلالها -بطريقة من الطرق الله أعلم كيف هذه الطريقة في الفكر الأشعري- بطريقة من الطرق يدرك بها ذات الله. هذا معنى الرؤيا لله: صفة تقوم في العبد يدرك بها ذات الله، قوة تقوم في العبد يدرك بها ذات الله، تشبه -لاحظوا كلامهم- تشبه شبها إدراك الأشياء بالبصر.

إذا هم لما يقولوا: تشبه شبها إدراك الأشياء بالبصر. إذا معناته أن رؤية الله في الآخرة ليست بالطريقة التي نفهمها أنها رؤية بصر، وإنما لها فلسفة أخرى في الفكر الأشعري؛ قوة تضمن في العبد يدرك بها الذات.

طبعا هذا الكلام كلياته من أين أتوابه؟ كيف تصور أن هناك موضوع قوة وصفة تقوم في العبد يتم بها الإدراك وهي ليست رؤية البصر بأعين الرأس، وإنما هي تشبه رؤية البصر بأعين الرأس لكنها ليست هي؟ من أين أتوابه بهذا الكلام؟

هذا هو العقل الإنساني حينما يخوض في الأمور العقدية بعيدا عن نور الكتاب والسنة، إلى هنا ينتهي، ينتهي إلى هذه المغلقات، ينتهي إلى هذه المغلقات إلى هذه الألغاز التي لا أظن أنهم أنفسهم أدركوها على ما هي وعلى حقيقتها، وسترون الآن كلام كثير من الأشاعرة أنفسهم في بيان أنه في إشكالية في هذه القضية.

إذا وهذا يدل -هذا الكلام الثاني الذي نقلته لكم عن الأشاعرة- معنى رؤية الله أن الله يخلق صفة للعبد قائمة بذاته يدرك بها ذات الله على نحو إدراك الأشياء بالبصر. هذا يدل على أن الرؤيا للإله عند الأشاعرة لها معنى آخر تماما يختلف عن الرؤية عند أهل السنة والجماعة، فلا تغتروا حينما يقال أن

الأشاعرة يثبتون رؤية الله عز وجل في الدار الآخرة. إياكم أن تظنوا أن هناك اتفاقاً بين أهل السنة وبين الأشاعرة في هذه القضية؛ اتفاق ظاهري لكن في المضمون اختلاف تماماً، بل كما سيأتي معنا الأشاعرة هم أقرب إلى المعتزلة في هذه المسألة، أقرب إلى المعتزلة وهذا من كلام أساطينهم كما سيأتي معنا بإذن الله.

إذاً، وهذا يدل على أن الرؤية للإله عند الأشاعرة لها معنى آخر تماماً يختلف عن الرؤية عند أهل السنة والجماعة، إذ هم يفسرون الرؤيا بأنها شكل من أشكال الانكشاف. يعني الرؤيا عند الأشاعرة هي كأنها شكل من أشكال الانكشاف الذي يحب أن يذكره ويدندن حوله الصوفية؛ شكل من أشكال الانكشاف القلبي. كأنه شكل من هذه الأشكال الذي يشبه الإدراك بالبصر، لكنه ليس إدراكاً بالبصر حقيقة.

وهذا ينبهنا أحبتي إلى قضية، وهي أن كثير من المسائل قد يظن الناظر في بادئ الرأي أن أهل السنة والأشاعرة متفقون في تقريرها، لكن حينما تخوضون فيها وتبحثون في حقائقها تجدون أن حقيقة القول أو حقيقة قول أهل السنة والجماعة يختلف تماماً عن حقيقة قول الأشاعرة فيها. مثال ذلك صفة الكلام الإلهي؛ الآن أهل السنة والجماعة يثبتون صفة الكلام، والأشاعرة يثبتون صفة الكلام، لكن معنى الكلام الإلهي عند أهل السنة والجماعة يختلف تماماً عن معنى الكلام الإلهي عند الأشاعرة.

فلا يجوز أن تقول والله الأشاعرة وأهل السنة يتفقون في إثبات الكلام الإلهي وتسكت، بل عليك أن تقول لو قلت هذا إن الأشاعرة وأهل السنة يثبتون الكلام الإلهي؛ لا ينبغي أن تكمل وتقول لكن طريقة إثبات أهل السنة للكلام تختلف تماماً عن طريقة إثبات وتصور الكلام الإلهي عند الأشاعرة. وقل هذا في كثير من المسائل، مثلاً مسألة رؤية الله في الآخرة؛ البعض يقول والله الأشاعرة وأهل السنة متفقون على رؤية الله في الآخرة، لكن لما نبدأ ننظر في حقيقة الرؤيا ومفهوم الرؤية عند الأشاعرة تجده يختلف تماماً ولا صلة له برأي أهل السنة والجماعة في هذا الباب.

فالأشاعرة يختلفون في طريقة بناء المسائل العقدية ويختلفون أيضاً في طريقة توصيف المسألة العقدية. أقول هنا وهناك وأنبه إلى قضية مهمة، وهي أن في كثير من المسائل التي يتفق فيها قول الأشاعرة مع قول أهل السنة في الظاهر، يكون هناك اختلاف جوهري بين القولين؛ إن هناك موافقة ظاهرة أو توافق ظاهر، لكن اختلاف جوهري في أمرين.

الأمر الأول: في طريقة بناء المسألة العقدية؛ حيث أن الأشاعرة يعتمدون في كثير من الأحيان على الأدلة العقلية المتعمقة وعلى الفلسفة الإغريقية يأخذون قوالبها ليفرغوا فيها المسائل العقدية، وأما أهل السنة فطريقتهم في بناء هذه المسائل العقدية العودة إلى الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح والأدلة الواضحة والفطر النقية. فيكون إذاً بينهما اختلاف في طريقة بناء هذه المسألة والتوصل إليها.

ثانياً: يكون بين أهل السنة والأشاعرة خلاف في تصوير هذه المسألة؛ يعني الخلاف في طريقة الوصول إليها والأدلة المستعملة في بنائها. ثانياً: خلاف في تصوير المسألة وفي طبيعتها؛ فطبيعة الرؤية الإلهية عند أهل السنة تختلف عن الرؤية عند الأشاعرة، طبيعة الكلام الإلهي عند أهل السنة يختلف عن الكلام عند الأشاعرة، وقس على ذلك كل المسائل أو أكثر المسائل أكثر أقول؛ أكثر المسائل التي فيها توافق ظاهري بين الطائفتين.

ففي باب الرؤيا مثلاً؛ اتفقوا أي الأشاعرة مع أهل السنة في إثبات الرؤية عموماً، لكنهم يختلفون معهم من حيث طريقة إثبات هذه الرؤية الإلهية وطريقة تصوير المسألة وتفصيلها. فقول الأشاعرة في مسألة الرؤية الإلهية هو أقرب في الحقيقة إلى قول المعتزلة منه إلى قول أهل السنة والجماعة، هم أقرب إلى المعتزلة منهم إلى أهل السنة والجماعة، وهذا اعترف به أستاذ كبير من أساتذة الفكر الأشعري وهو الرازي رحمة الله تعالى عليه، حيث قال الرازي وهو يصور الخلاف بين الأشاعرة والمعتزلة في مسألة رؤية الله.

الآن الرازي عم يناقش الإشكالية بين الأشاعرة وبين المعتزلة في رؤية الله عز وجل في الدار الآخرة؛ ماذا يقول الرازي؟ يقول الرازي وهو يذكر الخلاف بين الأشاعرة والمعتزلة في رؤية الله: أعلم، هذا كلام الرازي، أعلم أن التحقيق في هذه المسألة، يعني مسألة الرؤية، هو أن الخلاف فيها أقرب أن يكون لفظياً. كلام واضح، الرازي يقول: التحقيق، يعني بعد التحقيق والنظر في هذه المسألة والخلاف بيننا وبين المعتزلة، أرى أن الخلاف بيننا وبين المعتزلة خلاف لفظي. لماذا خلاف لفظي؟ لأن المعتزلة إنما نفت رؤية البصر لله سبحانه وتعالى.

المعتزلة لما تقول الله عز وجل لا يرى، ونفت رؤية الله في الدار الآخرة، هم ينفون رؤية البصر، هم ينفوا الرؤية بالمفهوم الأشعري. هم نفوا رؤية البصر، ورؤية البصر الفكر الأشعري أيضاً ينفيها، رؤية البصر أن نراه بأعين رؤوسنا، هذا القدر أيضاً الأشاعرة ينفونه. بالتالي الأشاعرة والمعتزلة متفقون على نفي رؤية البصر في الدار الآخرة، وهذه هي الرؤية التي يثبتها أهل السنة والجماعة. بالتالي الأشاعرة والمعتزلة متفقون على نفي رؤية البصر، فكما قال الرازي أصبح الخلاف بينهم لفظياً ولا يوجد خلاف حقيقي.

لأن الأشاعرة يقولون: نعم الله يرى. طب ما هي الرؤية أيها الأشاعرة؟ هو شيء يودع في النفس، أو صفة قائمة في النفس تدرك بها الذات، وليست رؤية بصر، ولكنها تشبهها؛ يعني هي تشبه رؤية البصر لكنها ليست رؤية بصر. هل المعتزلة يخالفونكم في ذلك؟ المعتزلة لا، لم يذكروا أنهم يخالفون الأشاعرة في ذلك في هذه الجزئية، وإنما تركيزهم كان على أن الله لا يرى بالبصر. هذه الإشكالية الكبرى أن الله لا يرى بالبصر.

الآن ممكن، يعني أنا في النهاية ما استوعبت يعني نقد المعتزلة للمذهب الأشعري في كل هذه المسألة، يمكن يكون بعض المعتزلة نقد حتى فكر الأشاعرة في قضية وجود كشوفات أو صفة تقوم في العبد يدرك بها الذات، يمكن يكون بعض المعتزلة نقد هذه الفكرة عند الأشاعرة، لكن عموماً الأشاعرة متفقون على أن الله لا يرى برؤية البصر التي تثبتها أهل السنة والجماعة، تمام؟

إذاً، أعلم أن التحقيق في هذه المسألة، يعني مسألة الرؤية، يقول الرازي إن الخلاف فيها يقرب أن يكون لفظياً، والسبب في ذلك أن المعتزلة إنما نفت رؤية الله بالعين في جهة العلو، والأشاعرة تتفق مع المعتزلة في نفي رؤية الله بالعين في جهة العلو وتثبت شكلاً آخر من الرؤيا ليس هو محل إنكار المعتزلة ابتداءً. بالتالي هذه الأقوال الثلاث في المسألة: قول أهل السنة والجماعة؛ قول الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة والأدلة المستفيضة في ذلك وأجمع السلف الصالح عليه قولا واحداً، وإنما ظهر الخلاف بعد ذلك من الفرق المبتدعة التي تصور عقائدها من خلال قوالب الفلسفة وليس من خلال الرجوع أساساً إلى الكتاب والسنة.

طيب، الآن مسألة، مسألة أخرى سانتقل إلى مسألة أخرى تتعلق برؤية الله، وهو سؤال أطرحه؛ سؤال أطرحه على طريقة أهل السنة. الآن نعود إلى طريقة أهل السنة ونبني عليها الكلام: متى تكون رؤية الله في الدار الآخرة بعد أن أثبتنا أن رؤية الله رؤية عين في الدار الآخرة في جهة العلو من غير إحاطة بذاته؟ نريد الآن سؤالاً، ضعوا عندكم سؤالاً: متى يرى الله عز وجل في الدار الآخرة عند أهل السنة والجماعة؟

نقول: اتفق أهل السنة والجماعة على أن المؤمنين يرون ربهم في الجنة رؤية تكرمة وتشريف، هذا قدر متفق عليه؛ أن المؤمنين يرون ربهم سبحانه وتعالى في الجنة رؤية تكريم وتشريف وكرامة، يعني شكل من أشكال النعيم لأهل الجنة بل هو من أعظم نعيم أهل الجنة أن الله عز وجل يريهم وجهه الكريم. فهذا المكان متفق عليه، لكن أين وقع الخلاف؟

وأما الرؤية للإله في عرصات يوم القيامة، في عرصات يوم القيامة، فقد اختلف فيمن يراه حينئذ على أقوال. المكان الثاني لرؤية الله عز وجل غير الجنة؛ عرصات يوم القيامة أثناء الحساب والعرض على الله سبحانه وتعالى؛ هناك آثار وأحاديث على أن الإنسان يرى الله عز وجل، لكن اختلف أهل السنة والجماعة في هذه المسألة: من الذي يرى الله عز وجل حقيقة في عرصات يوم القيامة أثناء العرض والحساب وما بعد ذلك؟ من الذي يراه؟ هناك أربعة أقوال بين أهل السنة والجماعة.

الرأي الأول يقول: إن الذي يرى الله عز وجل في عرصات يوم القيامة هم جميع المؤمنين والمنافقين والكفار، يعني أن الكل سيرى الله عز وجل في عرصات يوم القيامة عند العرض والحساب، الكل يراه: المؤمنون، المنافقون، الكافرون، الكل سيراه. لكن طب كيف سيتعاملون هؤلاء؟ أصحاب هذا القول كيف يتعاملون مع قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15]؟ الله أخبرنا أنه حجب الكافرين عن رؤيته.

يقول أصحاب هذا الرأي: إن رؤية الله عز وجل في عرصات يوم القيامة أثناء الحساب والعرض وما بعد ذلك هي ليست رؤية تشريف وتكريم، هي رؤية حساب ومناقشة، رؤية فيها خوف ورعب والإنسان لا يدري ماذا يختم له، فهي ليست رؤية التشريف والتكريم، والذي حجب الله عز وجل عنه الكفار المراد بالآية هو رؤية التشريف والتكريم التي تكون لعباده المؤمنين في جنات النعيم؛ هذه هي الرؤية التي حرمها الكفار؛ رؤية التشريف والتكريم، وهذه الرؤية لا تكون إلا في جنات النعيم. وأما في عرصات يوم القيامة فالكل يرى الله عز وجل، المؤمن والمنافق والكافر، لكن كما قلنا ليست رؤية تشريف وتكريم يتلذذ الإنسان بها.

إذاً، هذه هي أو هذا هو القول الأول عند أهل السنة والجماعة. هناك قول آخر أيضاً داخل دائرة أهل السنة، وهو أن الذي يرى الله عز وجل في العرصات يوم القيامة هم فقط المؤمنون والمنافقون، وأما الكفار فلا يرونه؛ الذي يراه المؤمنون والمنافقون، وأما الكفار فلا يرونه. هذا رأي ثاني.

الرأي الثالث: إنه يراه المؤمنون والمنافقون وشذرات من أهل الكتاب؛ طوائف من أهل الكتاب أيضاً ترى الله سبحانه وتعالى في عرصات يوم القيامة، لوجود بعض الآثار التي دلت على ذلك، هناك بعض الآثار تشير إلى قضية أن شذرات من أهل الكتاب يرون الله عز وجل في عرصات يوم القيامة.

القول الرابع: أن الذي يرى الله عز وجل في عرصات يوم القيامة هم المؤمنون فقط، وهؤلاء قالوا: رؤية الله عز وجل والنظر إليه دائماً هي رؤية كرامة وتشريف، لا يوجد تفصيل لرؤية تهويل وتخويف ورؤية كرامة وتشريف، لا، أصحاب القول الرابع يقولون: دائماً رؤية الله هي رؤية تشريف وتكريم، لذلك حتى في عرصات يوم القيامة أثناء العرض والحساب وما بعدها الذي يراهم المؤمنون فقط.

وهذا هو القول الرابع، وهذا القول الرابع عليه أكثر الأئمة واليه يميل ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه، وإن كان تلميذه ابن القيم خالفه في هذه المسألة، وهذه من المسائل القليلة التي خالف فيها ابن القيم شيخه. إذاً، هناك أربعة أقوال في المسألة.

القول الأول: أنه يراه الجميع؛ المؤمنون والكافرون. طبعا رؤية الله عز وجل في جنات النعيم هل اتفقنا عليها فقط تكون للمؤمنين؟ لأن الجنة إنما يدخلها المؤمنون، أما المنافقون نفاق اعتقادي والكفار فهؤلاء في النار، فرؤية الله عز وجل في جنات النعيم هذه للمؤمنين فقط قولاً واحداً عند أهل السنة والجماعة. لكن الخلاف في رؤية الله عز وجل في عرصات يوم القيامة أثناء الحشر والحساب والعرض على الله عز وجل، فمن الذي يراه؟ لأن هناك رؤية تكون في عرصات يوم القيامة دلت عليها الأحاديث.

هناك رؤية تكون في عرصات يوم القيامة دلت عليها الأحاديث، حينما يأتي الله عز وجل فيرى أولاً في غير صورته فيقول المؤمنون: نحن هنا حتى يأتي ربنا، إذا رأينا عرفنا، هناك أحاديث كثيرة دلت على أن الله يرى في عرصات يوم القيامة، لكن الخلاف: من الذي سيراه في تلك اللحظات؟ لأن الأدلة ليست قطعية في دلالتها على الذي يرى في تلك الآونة، الأدلة لا يوجد دليل قطعي صريح حقيقة في الذي سيرى الله عز وجل في عرصات يوم القيامة، فلذلك اختلف أهل السنة والجماعة.

البعض قال: يراه الكل؛ المؤمن والمنافق والكافر، وهذه ليست رؤية تشريف. البعض يقول: يراه المؤمنون والمنافقون فقط. البعض قال: يراه المؤمنون والمنافقون وشذرات من أهل الكتاب. البعض قال: يراه المؤمنون فقط، وهذا ما عليه أكثر الأئمة بناءً على أن رؤية الله دائماً تكون رؤية تشريف.

وبالتالي تكون هذه المسألة مسألة اجتهادية لا يبدع فيها المخالف ودلالتها ظنية؛ مسألة من الذي يرى الله عز وجل في عرصات يوم القيامة؟ هل هم المؤمنون فقط؟ يؤمنون منافقون؟ مؤمنون منافقون شذرة كتاب؟ الكل؟ هذه مسألة اجتهادية، لا يوجد دليل قطعي نستطيع أن نقول إنه هذا دليل قطعي المخالف له مبتدع، لا يوجد، وإنما هي استدلالات من هنا ومن هناك لأئمة أهل السنة والجماعة يحاولون أن يتلمسوا وأن يتفهموا، وتبقى مسألة اجتهادية لا يثرب فيها على المخالف.

المسألة الأخيرة التي تتعلق بقضية رؤية الله عز وجل: هل الله عز وجل يرى في الحياة الدنيا؟ هذه مسألة أختم بها الكلام عن رؤية الله عز وجل؛ هل الله عز وجل يرى في الحياة الدنيا؟ نقول: أجمع أهل السنة والجماعة على أن الله عز وجل لا يرى في الحياة الدنيا رؤية عين. أجمع أهل السنة والجماعة على أن الله لا يرى في الحياة الدنيا رؤية عين، لأننا لا نطيق هذا، أو لا نطيق هذا.

الرؤية في هذه الدار لضعفنا. لا نطيق رؤيته في هذه الدار ليس لأنه لا يرى كما يقول المعتزلة، بل لضعفنا، وهذا ما حدث مع موسى عليه السلام لما ذهب للقاء الله عز وجل.

﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً﴾ [الأعراف: 143]. فقط نورا يسيرا تبدى به الله عز وجل الجبل، الجبل ما استطاع أن يصمد وأصبح فتاتا في الأرض. شيء مهول أحبتي، للاسف الذين ينكرون رؤية الله عز وجل يوم القيامة، كما يقول بعض علماء أهل السنة والجماعة، إن من أنكر رؤية الله عز وجل في الدار الآخرة يحرمه الله عز وجل من لذة النظر إلى وجهه؛ لانه عاش في هذه الحياة الدنيا منكرا لرؤية الله، منافحا عن عدم رؤيته، فهذا لا يستحق أن يرى الله عز وجل، إلا إذا كان جاهلا جهلا يعذر به. أما من قامت عليه الحجة، وبلّغته الأدلة، وناظره العلماء، وأصر على نفي رؤية الله عز وجل، فانه في الحقيقة لا يستحق أن يتلذذ بهذا النعيم؛ لذة النظر إلى هذا الوجه الكريم.

أحبتي، الأمر مهول جدا، إذا كان نورا يسيرا تجلى للجبل من الله سبحانه وتعالى فخرّ هذا الجبل وصعق موسى وانهار، فهذا يدل على أن المشهد مهول جدا جدا. ونسأل الله ألا يحرمنا من لذة النظر إلى وجهه الكريم، وهذا من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ألا تحرمنا يا رب من لذة النظر إلى وجهك الكريم، وأن تجعلنا منافحين مثبتين لرؤيتك يوم القيامة، وندلل الناس عليها، ونشوق الناس إليها. نعم، نشوق الناس إلى رؤية الله عز وجل يوم القيامة؛ من أجمل النعيم ومن أعظم النعيم أن يرزقك الله هذا الإله العظيم لهذا الكون، هذا الإله الجبار المهيمن العزيز الذي أحاط بكل شيء، وعلم كل شيء، وهيمن على كل شيء، الذي لا تتوهمه العقول ولا تتصوره الأفكار، هذا الإله العظيم يتبدى لك في جنات النعيم لتراه. آمن بهذه الرؤيا في الدنيا لتحظى بشرفها حين تلقى الله سبحانه وتعالى.

إذا، الله عز وجل لا يرى في هذه الحياة الدنيا لأننا لا نطيق رؤيته لضعفنا، فإذا كان يوم القيامة منحنا الله عز وجل قوة؛ منحنا الله قوة لنراه بعين رؤوسنا، أو بأعين رؤوسنا، وليس كما يقول الأشاعرة: الرؤية الإلهية قوة في داخل النفس تدرك بها الذات تشبه البصر لكنها ليست هي. لا، نحن نقول: يوم القيامة الله سبحانه وتعالى يقوي عباده المؤمنين، ويمنحهم من القدرات ما يجعل أعينهم تطيق النظر إلى وجه الله، هكذا نقول. يمنحنا الله عز وجل القوة في أبصارنا من عنده سبحانه تجعلنا نطيق النظر إلى وجهه، وإن كنا لا نحيط بذاته سبحانه وتعالى.

لكن وقع هناك اختلاف يسير في مسألة: هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه في ليلة الإسراء والمعراج؟ لما صعد فوق السماء السابعة، فذهب جماهير المتقدمين من أهل العلم، بل نقل الدارمي الإجماع على ذلك: على أنه صلى الله عليه وسلم لم ير ربه بعينيه حقيقة، بل رآه بقلبه. وقد قالت سيدتنا عائشة لمسروق بن الأجدع لما سألها: هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه في ليلة المعراج؟ ماذا قالت له؟ لقد قف شعر رأسي مما قلت! من حدثك؟ يعني الكلام اللي حكيته يا مسروق يوقف شعر الرأس، كيف محمد صلى الله عليه وسلم يستطيع أن يرى ربه عز وجل في هذه الدنيا؟ من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد كذب. طبعا كذب بمعنى أخطأ هنا، ليس معنى أتعمد الكذب، لا، كذب بمعنى أخطأ. وهناك الآن، طب ما هو الاشكال الآن يا شيخ في هاي المسألة؟ هناك قول ينسب إلى ابن عباس رضي الله وتعالى عنهما أنه قال: ابن عباس رأى محمد ربه. هكذا قال ابن عباس: رأى محمد ربه، أي في ليلة المعراج.

لكن في الحقيقة هناك رواية أخرى عن ابن عباس توضيحية لهذه الرواية المطلقة، يقول ابن عباس في الرواية الأخرى: رأى محمد ربه بفؤاده، رأى محمد ربه بفؤاده. وبالتالي الرواية المطلقة لابن عباس «رأى محمد ربه» التي فهم منها البعض أن ابن عباس يثبت أن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في ليلة الإسراء والمعراج كانت رؤية حقيقية رؤية عين، هذه الرواية مطلقة، ابن عباس ما قال «رأى محمد ربه بعينيه»، قال «رأى محمد ربه». وفي رواية أخرى عنه أيضا: «رأى محمد ربه بقلبه»، وبالتالي علينا أن نحمل المطلق من كلام ابن عباس على المقيد، فنقول: ابن عباس يثبت رؤيا للنبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، لكنها رؤية قلب، رؤية القلب نحن لا نجحدها ولا ننكرها، أن محمد صلى الله عليه وسلم رأى ربه رؤية قلب، بل عائشة لم تنكر ذلك، وإنما عائشة أنكرت أن تكون رؤية محمد صلى الله عليه وسلم لله رؤية بصر. طب ما المشكلة؟ أننا كبشر بطاقتنا الحالية لا نستطيع أن نرى الله سبحانه وتعالى، بل يوم القيامة -كما قلنا- نمنح قوة تستطيع أبصارنا بها أن ترى الله عز وجل. نسأل الله ألا يحرمنا من هذا الخير العظيم.

وينبغي، إذن، أن يحمل كلام ابن عباس في مطلقه على مقيده، وعلى هذا يكون رأيه لا يتعارض مع قول عائشة. وإن كان كثير المتأخرين -أنا قلت لكم: أكثر المتقدمين بل نقل البعض الإجماع على أن محمد صلى الله عليه وسلم لم ير ربه بعينيه- لكن في الحقيقة كثير من متأخري المذاهب يقولون إن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه في ليلة المعراج رؤية عين. هذا رأي كثير من المتأخرين في الحقيقة، لكنه ليس الرأي الثابت الراجح في هذه المسألة، وإن كانت هذه المسألة في النهاية، يعني هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه ولم يره؟ في النهاية لا نعتبرها من أصول مسائل الاعتقاد ولا يبدع فيها المخالف، فلو قال شخص إن محمد صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج رؤية عين لا نبدعه لكننا نخطئه، لا نبدعه لكننا نخطئه، فهي ليست من أصول مسائل الاعتقاد التي يبدع ويشدد فيها على المخالف.

هذا نهاية الكلام أو نهاية كلامي عن مسألة رؤية الله عز وجل في الدار الآخرة. دعوني أقرأ ماذا ذكر ابن قدامة رحمة الله عليه في هذه المسألة، يعني دائما أحاول أن أؤصل المسألة وأجمع حيثياتها ثم أعطيكم كيف عرض ابن قدامة رحمة الله عليه هذه المسألة. ابن قدامة ماذا قال؟ قال رحمة الله عليه: فصل: والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم ويزورونه؛ لأن الأحاديث أثبتت أن المؤمنين في الدار الآخرة يزورون الله سبحانه وتعالى، وأعظم به من موكب وأعظم بها من زيارة. الكل يجلس؛ يعني المؤمنون الاتقياء الأنقياء -نسأل الله أن نكون منهم- يجلسون على مجالس المسك، وعلى كثبان المسك، وعلى منابر النور بين يدي الإه العظيم، والله يعاتب فلان ويتكلم مع فلان! مشهد مهيب عظيم جليل نسأل الله ألا يحرمنا منه.

مشهد أن تجلس بين يدي إله هذا الكون، مجرد التفكير في هذا المجلس تقشعر الجلود، تقشعر الجلود من عظمة ومهابة هذا المجلس! أن أجلس بين يدي إله السماوات والأرض، بين أيدي من بيده ملكوت كل شيء سبحانه وتعالى، من عبدناه وخضعنا له في هذه الحياة الدنيا، أن تجلس بين يدي هذا الإله العظيم هذا شرف كبير عظيم آمن به في الدنيا لتلقاه بإذن الله في الآخرة.

والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم. ابن قدامة ركز: المؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم ويزورونه، ويكلمهم ويكلمونه كلاما حقيقيا، بين الرب وبين عبده، كلام حقيقي. هذا مش كلام قائم في نفس الله يا أيها المخالفون! كلام حقيقي. إلى أي درجة وصلت الجرأة إلى أن تنفوا مثل هذا، مثل هذه القضايا وتحرف النصوص التي دلت عليها؟! جرأة عظيمة على نصوص الكتاب والسنة. أسأل الله ألا يجعلنا ممن يقع في هذه الأغاليط وهذه المناهج الباطلة أن نتجرأ على نص لنحرفه ونغير دلالته، نسأل الله ألا يجعلنا من أصحاب هذه المسالك المرذولة.

قال تعالى: نلاحظ دائما طريقة ابن قدامة أنه يذكر المسألة ويصفها ثم يبدأ يستدل عليها بنصوص الكتاب والسنة، وهذه طريقة أهل السنة والجماعة عموما. الأدلة التي أتى بها ابن قدامة على هذه المسألة: قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]، هذه الآية ذكرناها. وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15]، وهذه عرفنا دلالتها. أنظروا ابن قدامة كيف وضح دلالتها فقال: فلما حجب أولئك -أي الكفار- في حال السخط، دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا. هذا هو معقول الآية المباركة، والا لم يكن بينهما فرق؛ يعني إذا لم تكن هذه الآية تدل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا، فإذا لا فرق بين المؤمنين والكافرين، فلماذا إذا يذكر الحجب في الكافرين فقط؟ تمام.

وقال صلى الله عليه وسلم -الاستدلال بالسنة-: «إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته»، وهذا حديث صحيح متفق عليه. ثم يعلق ابن قدامة على هذا الحديث تعليق مهم يقول: وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي. لما النبي صلى الله عليه وسلم قال في مجلس مع أصحابه: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر»، النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد أن يقول إن الله يشبه القمر، كلا، لا يريد أن يشبه الله بالقمر، لكن يريد أن يشبه طريقة الرؤية بطريقة الرؤية. ومعنى هذا الكلام: أن هذا الحديث يثبت أن رؤية الله عز وجل تكون في جهة العلو، كما أننا نرى القمر في جهة العلو، أن رؤية الله تكون في جهة العلو. هذا القدر الذي ينفيه أيضا الأشاعرة، الحديث يدل عليه: أن الله عز وجل يرى في جهة العلو، وهذا قصد النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر». يقول ابن قدامة: تشبيه للرؤية بالرؤية؛ أي طريقة رؤية الله ستكون مشابهة لطريقة رؤيتكم للقمر. كيف يعني؟ يعني أنكم كما ترون القمر في جهة العلو، سترون الله عز وجل في جهة العلو.

طبعا ما بعد ذلك نقف، كيف أكيد يعني جهة العلو في الدار الآخرة وتوصيفها يختلف تماما عن جهة العلو في الدنيا. فالقمر صحيح عالي في الحياة الدنيا وننظر إليه في جهة العلو، لكنه في النهاية محاط ومخلوق، ونستطيع أن نحيط بالقمر بأكمله، لكن رؤية الله عز وجل تكون في جهة العلو، لكن لا يوجد شيء يحد ذاته ولا نستطيع أن نحيط بذاته حين تراه، فعلينا أن ندرك مواطن الفرق ومواطن التشابه، ونفهم ما معنى هذا التشبيه؟ يعني عليك أن تفهم معنى هذا التشبيه بدقة، ما معنى تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم رؤية الله في الدار الآخرة برؤية الصحابة للقمر؟ يعني كما أن القمر يرى في جهة العلو سترون ربكم في جهة العلو، ما بعده نقف، ما بعده نقف ونقول: الله تعالى أعلم.

لذلك يقول ابن قدامة: وهذا تشبيه للرؤيا -أي طريقة الرؤية- بطريقة الرؤية، لا للمرئي -وهو الله- بالمرئي، يعني وليس المقصود بالحديث تشبيه الله عز وجل بالقمر، حاشاه سبحانه أن يشابه شيئا من مخلوقاته، فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير.

هكذا نكون أقفلنا الباب تماما عن مسألة أو عن مسائل أبواب الصفات. سننتقل إلى مسائل تتعلق بالقضاء والقدر، لا أدري إذا كان معنا متسع من الوقت لنخوض فيها أو نؤجل الحديث عن القضاء والقدر إلى مجلس آخر. إذا، نتكلم إن شاء الله عن مسألة القضاء والقدر في مجلس آخر حتى لا نطيل عليكم في هذا المجلس، أطلنا عليكم في المجلس السابق في مسألة الكلام الإلهي.

فإن شاء الله بإذن الله قاربنا على أن ننهي، لأنه في النهاية أنا تقريراتي في القضاء والقدر أو الإيمان وكذلك مسائل النبوة والغيب هي تقريرات جملية، هذا المسلك هو الذي أسلكه. كل هذا يا شيخ جملة؟ نعم، كل هذه التقريرات هي تقريرات جملية لا أسعى فيها لاستيعاب أدلة أهل السنة، ولا لاستيعاب أدلة المخالفين ومناقشتهم، ولا أيضا لتوسيع الكلام في المسائل الواردة في كل باب من هذه الأبواب، وإنما نشير إلى قضايا جملة، لكن مهم أن نضبط تقعيدها وتفصيلها ليكون الإنسان على بصيرة في معتقده لربه سبحانه وتعالى.

اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، طريقك نحو علم شرعي راسخ.