تسجيل الدخول

شرح لمعة الاعتقاد (22) / مسائل القضاء والقدر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح لمعة الاعتقاد للشيخ إبراهيم رفيق الطويل.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين. حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب لمعة الاعتقاد للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الصالحي الدمشقي رحمة الله تعالى عليه.

في المحاضرة السابقة تكلمنا عن مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى في الآخرة، وأنهينا بها الحديث عن مسألة الصفات الإلهية التي أطال فيها ابن قدامة رحمة الله تعالى عليه النظر والبحث مقارنة مع المسائل الأخرى التي سيذكرها. وكما قلنا لأن هذه المسألة مسألة الصفات الإلهية عموما كان فيها خلاف شديد بين الإسلاميين عموما في عصر ابن قدامة وقبله وبعده، فلذلك حاول كثير من علماء السنة أن يققدموا الإجابات الواضحة، وأن يقرروا اعتقاد الصالح رضوان الله تعالى عليهم في هذه المسائل، طبعا ما بين مقصر، وما بين مصيب، وما بين مخطئ نسأل الله أن يغفر للجميع.

اليوم موعدنا أحبتي مع باب جديد، يعني الآن ننطلق ونغرق قضية الكلام عن الصفات الإلهية، وننطلق إلى باب جديد وهو باب القضاء والقدر، وهو باب عظيم جليل نافع وخطير، وينبني عليه كثير من التصورات في الفكر الإسلامي، وأخطأت فيه كثير من الفرق الإسلامية. فدعونا ننظر كيف نؤسس هذا الباب؟ كيف ننظر في هذا الباب؟ وما هي أهم المسائل التي يطرقها أهل السنة والجماعة عند تقريرهم لقواعد القضاء والقدر؟

فنقول مستعينين بالله: القضاء والقدر، الإيمان بالقضاء والقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان، فكما جاء في حديث جبريل الطويل حينما جلس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، فسأله أولا عن الإسلام فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أجابه عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». إذا الإيمان بالقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان.

ولا يصح، وانتبهوا على هذه القضية، ولا يصح إيمان العبد إلا بتحقيقه على ما جاءت به النصوص في الكتاب والسنة. والقدر أحبتي كما ذكر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هو نظام التوحيد، يعني هو عبارة عن الحبل الذي ينظم فيه التوحيد؛ كيف يكون عندك حبل وتوضع فيه خرزات المسابح أو توضع فيه الذهب والفضة ليجعل قلادة توضع مثلا على صدور النساء؟ فالقدر يشبهه ابن عباس بأنه النظام للتوحيد، فكأن التوحيد ينتظم في داخل سلك القدر، في داخل حبل القدر. وماذا يريد أن يقول بهذا التشبيه؟ يريد أن يقول أن هذا الحبل إذا انقطع ماذا يحدث؟ إنفرط عقد التوحيد، إنفرط عقد التوحيد وزال إيمان العبد.

يقول ابن عباس كما ذكر الآجري في الشريعة، أيضا نقل هذا الأثر في الشريعة اعتقاد أهل السنة، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: القدر نظام التوحيد. القدر نظام التوحيد. فمن وحد الله سبحانه وكذب بالقدر كان تكذيبه للقدر نقضا للتوحيد، ومن وحد الله وآمن بالقدر كانت العروة. إذا ابن عباس رضي الله عنهما في هذا النص الصحيح الثابت عنه يشبه لنا القدر بأنه سلك أو حبل أو خيط قل ما تشاء ينتظم فيه التوحيد، فاذا قطعت هذا الحبل وكفرت بالقدر وكذبت بالقدر ذهب التوحيد كخرزات المسبحة، إذا انقطع الخيط ذهبت هذه الخرازات وخرجت منه. وهذا ما يريد أن يقوله ابن عباس، يؤكد على محورية مسائل القضاء والقدر في عقد توحيد العبد وفي تحقيقه على الوجه الصحيح المنجي من عذاب الآخرة.

وهذا الباب آثاره عظيمة في حياة الإنسان، باب القضاء والقدر آثاره عظيمة جليلة في حياة الإنسان، بل لا تستقيم حياته ولا يطيب معاشه إلا بالإيمان والتسليم به من دون مدافعة ومزاحمة واعتراض على الرب سبحانه وتعالى، وإلا عاش في نكد وهم واضطراب وقلق يدفع بعضهم للهروب، هذا القلق يدفع البعض -انظروا الآن في العالم الغربي المادي- كيف جهلهم بالقضاء والقدر واضطرابهم إلى أين يقودهم؟ يدفع بعضهم للهروب من هذه الحياة خوفا من المستقبل أو حزنا على الماضي.

وقد تاه كثير من الإسلاميين، أي من الفرق الإسلامية في ثنايا هذا الباب وفي تقريره وأخطأوا في تحقيق مسائله ما بين إفراط وتفريط؛ لبعدهم -ما سبب الإفراط والتفريط؟- لبعدهم كثير من الفرق الإسلامية ابتعدت عن المنبع الأصيل الذي تتلقى منه مسائل الاعتقاد وهو الكتاب والسنة، وخاضوا في هذه المسائل وفي تقريرها وفي تحقيقها بعقولهم وأهوائهم، بالتأكيد إذا ستكون تصوراتهم عن هذا الموضوع تصورات فيها تشوه، فيها انحراف، ولا تسير على الجادة المرضية.

وكثير من المصنفين في العقائد يذكرون هذا الباب -انتبهوا على هذه القضية- لماذا كثير ممن يصنف في الاعتقاد سواء على طريقة أهل السنة والجماعة أو على طريقة غيرهم، لماذا يذكرون باب القضاء والقدر تبعا لباب الأسماء والصفات؟ هذا سؤال، لماذا كثير من المصنفين يذكرون القضاء والقدر تبعا لباب الأسماء والصفات؟ فنقول: كثير من المصنفين في العقائد يذكرون هذا الباب تبعا لباب الأسماء والصفات، وذلك لاشتراكهما في عدة قضايا.

القضية الأولى التي يشترك فيها باب القضاء والقدر مع باب الأسماء والصفات: أولا، أن أكثر الفرق الكلامية يبنون كلامهم في باب القضاء والقدر من منطلقات عقلية بعيدا عن الأدلة النقلية في الكتاب والسنة، كما فعلوا في باب الأسماء والصفات. يعني الفرق الكلامية بعمومها بنت مساجد القضاء والقدر على الأدلة العقلية المتعمقة المتكلفة، وأعرضت عن نصوص الكتاب والسنة، وهذا كما فعلوه في باب الأسماء والصفات فعلوه أيضا في باب القضاء والقدر، بالتالي هناك اشتراك عند الكلاميين في هذين البابين، وهو أن كليهما يبنى على العقل المتكلف المتعمق بالإعراض عن الكتاب والسنة، هذا وجه الاشتراك بين هذين البابين بين باب القضاء والقدر وبين باب الأسماء والصفات، أن الكلاميين عموما يعتمدون فيهما على الأدلة العقلية مبتعدين عن نصوص الكتاب والسنة، زاعمين أن هذه النصوص لا تمنحهم القطع في تقرير هذه المسائل بخلاف العقل الذي يمنحهم القطع كما يزعمون.

انظروا الآن أحبتي لبعض النقول عن الكلاميين تؤكد هذه القضية أن باب القضاء والقدر عندهم اعتمادهم فيه على العقل وليس على نصوص الكتاب والسنة. إذا أولا، أكثر الفرق الكلامية يبنون كلامهم في باب القدر من منطلقات عقلية بعيدا عن الأدلة النقلية كما فعلوا في الأسماء والصفات، فهذا وجه الاشتراك الأول بين البابين.

يقول عبد الجبار المعتزلي في كتابه شرح الأصول الخمسة وهو من أئمة المعتزلة الكبار: الاستدلال بالسمع -المراد بالسمع نصوص الكتاب والسنة- الاستدلال بالسمع على هذه القضية متعذر. يقول هذا الكلام في ثنايا حديثه عن مسائل القدر، يقول: الاستدلال أن نستدل بالسمع -يعني بالنصوص النقلية- على هذه القضية هذا أمر متعذر. وبماذا ستستدل يا عبد الجبار؟ الأدلة العقلية. انظروا الإشكالية في الفكر الكلامي.

ننقل الآن نصا لأحد الأشاعرة وهو العالم الكبير الآمدي رحمة الله عليه، يقول الآمدي الأشعري في كتابه غاية المرام في علم الكلام: ربما -انظروا المنهجية الخطيرة التي نأسف أن تخرج من عالم كبير مثل العلامة الآمدي رحمة الله عليه- ماذا يقول؟ يقول: ربما تمسك بعض أصحابنا هنا أي في مسائل القضاء والقدر بظواهر الكتاب والسنة -كأنه يلوم بعض الأشاعرة في تمسكهم بظواهر الكتاب والسنة وبأقوال بعض الأئمة- انظروا ماذا يقول الآمدي: ولا مطمع لها في القطعيات، أي نصوص الكتاب والسنة أو ظواهر الكتاب والسنة لا مطمع لها في القطعيات، ولا معول عليها في اليقينيات، فلذلك آثرنا الإعراض عنها ولم نشغل الزمان بإيرادها.

كلام خطير أحبتي حينما يقول الآمدي: نصوص الكتاب والسنة لا يمكن توظيفها في مثل هذه الأمور القطعيات وهذه الأمور اليقينيات، يعني مسائل القضاء والقدر من المسائل التي تطلب فيها اليقينيات، ونصوص الكتاب والسنة لا تعطينا اليقين والقطع في ذلك، فلذلك يقول الآمدي: آثرت الإعراض عنها. عن ماذا تعرض؟ تعرض عن نصوص الوحي الإلهي: آثرنا الإعراض عنها ولم نشغل الزمان بإيرادها. ويا ليتك أشغلت الزمان بإيرادها، يا ليتك أشغلت الزمان بإيرادها لأصبت الطريق واهتديت إلى المنهج القويم، لكنك لما لم تشغل الزمان بإيرادها كما ذكرت أخطأت وحلت عن منهج أهل السنة والجماعة، وأتيت بما هو بعيد عن المنطوق والمعقول.

الرازي رحمة الله عليه أيضا يؤكد هذه المنهجية الكلامية، يقول: مسألة القضاء والقدر مسألة قطعية يقينية. الرازي والآمدي نفس المنهجية في التفكير، أنه مسألة القضاء والقدر من المسائل اليقينية القطعية، يقول الرازي: مسألة القضاء والقدر مسألة قطعية يقينية، وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن، يعني أخبار الآحاد لا تفيدنا إلا الظن على رأي الرازي، والتمسك بالحجة الظنية في المسألة القطعية لا يجوز، وهذا كلامه في المطالب العالية. إذا لن يستدل على مسائل القضاء والقدر بأحاديث الآحاد، طب إذا يا شيخ ممكن نستدل بأحاديث متواترة؟ الأحاديث المتواترة بالتواتر الأرسطي المنطقي الأرسطي الذي يبني به الرازي والكلاميون عموما لا تعدى ثلاث أربع أحاديث في كل كلام النبي صلى الله عليه وسلم، بالتالي هم في الواقع يقفلون باب الاستدلال بالحديث النبوي في هذه المسائل.

إذا لاحظوا كلام واضح من المعتزلة، من الأشاعرة، وكذلك لو تتبعتم نصوص الماتريدية وغيرهم، كلام واضح أن مسائل القضاء والقدر عندهم مثل الأسماء والصفات مسائل يطلب فيها اليقين والقطع، ونصوص الكتاب والسنة لا تمنحنا هذا اليقين والقطع، بالتالي نذهب إلى عقولنا التي يزعمون أنها تمنحهم اليقين والقطع وإن كانت بعيدة بعيدة عن هذا المرام. فهذه نصوص تبين بشكل واضح المنهجية التي تنطلق منها الفرق الكلامية في بناء مسائل القدر، وهي الاعتماد على العقل القاصر وهجر الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة في هذه المسائل.

لذا حينما رد عليهم أهل السنة والجماعة طرائقهم وأقوالهم في باب -لما أهل السنة والجماعة ردوا على الفرق الكلامية عموما أقوالهم وتقريراتهم في باب الصفات الإلهية- اتبعوه بالرد في باب القدر لاتحاد المنهج الذي سلكوه في كلا البابين. يعني لما كان المسلك الذي تسلكه الفرق الكلامية في باب الأسماء والصفات وفي باب القضاء والقدر واحدا، وهو الاعتماد على العقل البشري القاصر وهجر نصوص الكتاب والسنة، فعلماء أهل السنة والجماعة حينما ردوا عليهم ردوا عليهم أولا في باب الصفة ثم يتبعون ذلك بالرد عليهم في باب القضاء والقدر لاتحاد المسلك عند المتكلمين في التفكير في هذين البابين.

طيب، إذا هذا هو السبب الأول لاتباع مسائل القضاء والقدر مسائل الأسماء والصفات. الداعي الثاني أو السبب لاتباع مسائل القضاء والقدر لباب الأسماء والصفات هو أن الإسلاميين عموما، أن الإسلاميين عموما على اختلاف مشاربهم من أصاب ومن أخطأ كما أنهم قصدوا في باب الصفات العلا التنزيه للخالق عن النقائص وتحقيق الكمال له، وهذا ذكرناه أن الإسلاميين عموما على الخلاف الدائر بينهم هم ماذا أرادوا؟ أرادوا تحقيق الكمال لله سبحانه وتعالى وتنزيهه عن النقائص، لكنهم اختلفوا في تحديد ما هو الكمال في الصفات والأسماء وما هو النقص والعيب.

ذهبت المعتزلة إلى أن الكمال هو نفي الصفات العلا بعمومها، وذهبت الملفقة من الأشاعرة والماتريدية إلى أن الكمال يكون في إثبات بعض الصفات وتعطيل بعض الصفات، وذهب أهل السنة والجماعة إلى أن الكمال هو أن نُصِف الله بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من دون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. فالخلاف إذا دار في كيفية تحقيق الكمال، لكنه هذا ليس اختلاف يمكن وبعد هذا اختلاف جزئي، لا، هذا اختلاف في الأصول، لأن منطلقات المعتزلة والأشاعرة والماتريدية في تحقيق الكمالات لله هي منطلقاتهم العقلية التي صاغوها في قوالب الفلسفة الإغريقية.

هذا الإشكال الخطير الإعراض عن الكتاب والسنة، هذا افتراق منهجي، افتراق منهجي محوري بين أهل السنة والجماعة وبين الفرق الكلامية، يعني هو معركة الأصول كما نسميها؛ ما هو الأصل الذي ننطلق منه في تصوراتنا حقائق الحياة، وفي تصوراتنا وفي معارفنا عن الله سبحانه وتعالى باسمائه وصفاته وبقضائه وقدره؟ الخلاف في منطلقات أساسية محورية، ما زلنا اليوم هذه الأمة تدفع ضريبة الإعراض عن الكتاب والسنة، تدفع ضريبة الاعتماد على العقل البشري في مواجهة الكتاب والسنة، إننا ندفع ضريبة في أجيالنا، في تصوراتنا، في معارفنا، في بناء حضارتنا.

فالكلام هنا ليس في جزئيات فرعية يمكن أن يُغض الطرف عنها، الكلام في منطلقات شرعية خطيرة جدا ينبني عليها ما بعدها في كل تصوراتنا لعلاقة الإنسان بالإله، تصور الإنسان عن الإله، تصور الإنسان للحياة، مركزية الإنسان في هذا الوجود، القضاء والقدر إلى غير ذلك من الأمور الكبرى.

إذا كما أن الإسلاميين قصدوا في باب الصفات التنزيه للخالق عن النقائص وتحقيق الكمال له، لكنهم اختلفوا في تحديد ما هو الكمال وما هو النقص بسبب باختلاف مشاربهم في هذه المسائل، كذلك في باب القضاء والقدر فإن الإسلاميين عموما ماذا قصدوا؟ وأنا دائما أحب يسعى القصد حتى لا نظلم القوم، حتى لا نظلم القوم وحتى لا نظلم المخالف، فإنني لا أقول إن العلماء الأفاضل سواء الآمدي أو الرازي أو الغزالي أو ما شبهه أو الجبائي أو الباقلاني، لا أقول إن هؤلاء قصدهم آه.

أو إفساد الملة، لا يتجرأ الإنسان على مثل هذا الكلام. بل نقول إن قصد الإسلاميين عموماً هو إثبات عدل الله، يعني الذين بحثوا في باب القضاء والقدر من الفرق الإسلامية ما قصدهم؟ قصدهم إثبات عدل الله سبحانه وتعالى وانتفاء الظلم عنه.

قصدوا إثبات عدل الله، إثبات عدل الله وانتفاء الظلم عنه، هذا الذي قصده، أن يثبتوا عدل الله سبحانه وتعالى، وأن يثبتوا انتفاء الظلم عنه سبحانه وتعالى. لكنهم اختلفوا كيف يتحقق هذا المقصد ويتقرر، نفس الإشكالية أن المقصد العام هو أننا نثبات عدل الله وننفي عنه الظلم. طيب في ماذا اختلفوا؟ اختلفوا في تقرير هذا الباب. كيف نثبات عدل الله سبحانه وتعالى وننفي عنه الظلم؟ هنا اختلفت الآراء بسبب اختلاف المشارب والمنابع التي استقوا منها. ولكن نقول حسن القصد لا يعني أن نغض الطرف عن الانحرافات المنهجية التي وقعت من علماء الكلام، أو اعتبار الأخطاء الواقعة منهم في هذا الباب أخطاء تهادية فرعية يمكن تجاوزها. فمع إقرارنا بحسن القصد عند الإسلاميين عموماً، لكن حجم الانحرافات الواقعة في تصور مسائل القضاء والقدر هائل جداً. وتسبب هذه الانحرافات التي وقعت من الفرق الكلامية تشويهاً في التصور الإسلامي للإنسان وللحياة، وعلاقة العبد بمولاه، فكان لزاماً على أهل السنة والجماعة أن يدافعوا عن العقائد الحقة بإبراز دلائلها الأصيلة ومناهجها المعتمدة وما كان عليه الصدر الأول من هذه الأمة، حفاظاً على نقاء هذا الدين وتصوراته.

إذاً السبب الثاني الذي يدفعنا لأن نتكلم عن القضاء والقدر بعد الأسماء والصفات هو أن الكلاميين، يعني السبب الثاني هذا طبعا، أن الكلاميين أو أن الإسلاميين عموماً أهل السنة وغيرهم قصدوا الوصول إلى إثبات عدل الله ونفي الظلم عنه، لكن الخلاف وقع في تقرير هذا الباب. كيف يكون الله عادلاً؟ وكيف ننفي الظلم عن أفعاله سبحانه وتعالى؟ هنا وقع الخلاف والافتراء، كما قلنا لاختلاف المنابع التي استقت منها الفرق.

طيب، إذاً بعد هذا المطلع وهذه المقدمة لباب القضاء والقدر، نبدأ أولاً أحبتي بتعريف القدر وتعريف القضاء وبيان العلاقة بين هذين المصطلحين. هذا أول فرع يتعلق بهذا البحث مسائل القضاء والقدر. ما هو تعريف القضاء وما هو تعريف القدر؟ وما العلاقة بين هذين المفهومين أو المصطلحين؟ نبدأ بالقدر، فنقول أحبتي القدر وفي اللغة، ما معنى كلمة القدر؟ القدر في اللغة يقولون هو إتيان الشيء موافقاً لغيره.

إتيان الشيء موافقاً لغيره. إذا جاء شيء موافقاً لشيء آخر، نقول هذا الشيء على قدر هذا الشيء صح؟ نقول هذا الشيء على قدر هذا الشيء إذا كان الأول جاء موافقاً للثاني على قدر الثاني. فإذاً القدر هو إتيان الشيء موافقاً لغيره وعلى مقداره تماماً. وأما القدر في الشرع فنعرفه بتعريف ميسر، نقول هو ما قدره الله في الأزل أنه كائن، ما قدره الله سبحانه وتعالى في الأزل أنه كائن بناء على علمه المسبق بالأشياء قبل كونها وعلى كتابته لها قبل خلقها. القدر هو ما قدره الله في الأزل أنه كائن بناء على علمه السابق سبحانه وتعالى بالأشياء قبل كونها وعلى كتابته لها قبل خلقها وإيجادها. هذا إذاً معنى القدر.

هناك أشياء ربنا عز وجل قدرها منذ الأزل، منذ القدم القدم المطلق، منذ الأزل، منذ القدم قدر الله عز وجل هذه الأشياء أنها ستكون بناء على علمه السابق سبحانه وتعالى وكتابته السابقة لهذه الأشياء. إذاً هذا مفهوم القدر، هناك أمور قدرها الله بناء على علم مسبق وكتابة مسبقة. نريد أن نلاحظ هذين الامرين حتى ننطلق إلى القضاء ونقارن بين مصطلح القضاء ومصطلح القدر. نذهب الآن للقضاء، فنقول القضاء في اللغة هو الفصل والقطع. القضاء في اللغة هو الفصل والقطع. يهمنا الآن القضاء في الشرع. ما هو القضاء في الشرع؟ إذا كان القدر في الشرع، إذا كان القدر في الشرع هو ما قدره الله في الأزل أنه كائن بناء على علمه السابق وكتابته السابقة، فالقضاء إذاً ماذا سيكون؟ يقولون القضاء هو وقوع الشيء المقدور.

وقوع الشيء المقدور في الخارج، وقوع الشيء المقدور في الخارج من إايجاد شيء أو إعدام شيء أو تغيير شيء من حالة إلى حالة، والمهم أنه وقوع الشيء المقدور في الخارج من إيجاد أو إعدام أو تغيير. هكذا يضيفون، من إيجاد أن يوجد شيء، أو يعدم شيء، أو يغيير شيء. إيجاد إنسان يخلق، إعدام إنسان يموت، تغيير الشيء الإنسان من الطفولة مثلاً إلى الشباب، هذا تغيير، المهم فالقضاء هو وقوع الشيء المقدور، وقوع الشيء المقدور في الواقع الخارجي.

بالتالي أحبتي يظهر لنا من هذا التحليل لو أتينا بمفهوم القدر شرعاً ومفهوم القضاء شرعاً وقارنوا بين التعريفين، ماذا يظهر لنا؟ يظهر لنا وجود أول تلازم بين مفهومي القدر والقضاء لا يقبل الانفكاك. نلاحظ وجود تلازم بين مفهوم القدر ومفهوم القضاء، تلازم لا يقبل الانفكاك. وابن الأثير رحمة الله عليه يشير إلى هذا التلازم فيقول في النهاية يقول والقضاء والقدر متلازمان، مفهوم القضاء ومفهوم القدر متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر. لماذا يا ابن الأثير؟ قال لأن أحدهما بمنزلة الأساس وهو القدر. وفعلاً القدر هو الأساس، لأن القدر كما لاحظنا في تعريفه هو ما قدره الله في الأزل أنه كائن بناء على علمه السابق والكتابة السابقة. القدر يتكلم عن ما علمه الله وكتبه قبل أن يوجد في الخارج، ما قدره الله وما علمه الله وما كتبه الله قبل أن يوجد في الخارج. وأما القضاء يتبع ابن الأثير ويقول والآخر وهو القضاء بمنزلة البناء. أعيد نص ابن الأثير، والقضاء والقدر متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، لأن أحدهما بمنزلة الأساس وهو القدر، والآخر بمنزلة البناء الذي يكون فوق الأساس وهو القضاء. فمن رام الفصل بينهما أي بين هذين المفهومين فقد رام هدم البناء ونقضه.

فقد رام هدم البناء ونقضه. لا يمكن أن تفصل بين المفهومين. فكما قلنا القدر هو علم الله السابق وكتابته السابقة، علم الله السابق بأن هناك أشياء ستقع في المستقبل، وهو علم تفصيلي يدل على عظمة هذا الإله الذي أحاط بكل شيء. يعلم الله عز وجل كم سيكون هناك عدد رمال على هذه الأرض؟ يعلم الله عز وجل بعلمه السابق كم سيكون عدد أوراق على الأشجار؟ تفاصيل التفاصيل دقائق الدقائق، كم نملة ستدب على هذه الأرض؟ شيء عظيم أحبتي، لو نظر الإنسان فيه يدرك عظمة وجلالة هذا الإله العظيم.

إذاً القدر هو العلم السابق والكتابة السابقة، وأما القضاء هو وقوع الشيء المقدور، وقوع الشيء المقدور في الخارج، مشيئة الوقوع له في الخارج وخلقه في الخارج، هذا هو القضاء. فاذاً بالتالي القدر تتعلق بالعلم المسبق والكتابة المسبقة للشيء قبل أن يكون، والقضاء يتعلق بمشيئته لهذا الشيء الذي علمه سابقاً وكتبه سابقاً، مشيئته الآن أن يوجد في هذه اللحظة وخلقه له في الوجود. فلذلك أولاً يكون هناك قدر مبني على العلم السابق والكتابة السابقة، ثم يأتي القضاء لوقوع الشيء المقدور في الخارج. فهمتم العلاقة بين البابين؟ إذاً القدر مبني على العلم السابق والكتابة السابقة، وأما القضاء مبني على أن يشاء الله وقوع الشيء الآن، ويخلقه سبحانه وتعالى.

وهذا طبعا هو الذي سيوصلنا إلى المسألة التي تليها وهي ما هي مراتب باب القضاء والقدر؟ مسألة القدر والعلم والكتابة والمشيئة والخلق وسنأتي إليها بالتفصيل بإذن الله. وهذه المراتب إنما استقاها العلماء، هذه المراتب الأربعة العلم والكتابة والمشيئة والخلق، إنما استقاها العلماء من هذا التعريف للقدر وللقضاء. فالقدر إذاً هو العلم المسبق والكتابة المسبقة، والقضاء هو وقوع هذا الشيء المقدور الذي علمه الله مسبقاً وكتبه مسبقاً.

إذاً يظهر لنا من خلال هذا التحليل أولاً كما قلنا وجود تلازم بين مفهومي القدر والقضاء لا يقبل الانفكاك، ونقلنا نص ابن الأثير. ثانياً، الذي يظهر لنا ركزوا في الأمر الثاني، يظهر لنا أيضاً أن القدر بالتالي بناء على هذا الكلام الذي ذكره ابن الأثير وبناء على التعريفين اللذين ذكرناهما، يظهر لنا أن القدر سابق على القضاء، فالقدر هو التقدير المسبق والقضاء هو وقوع ذلك التقدير في الواقع الخارجي.

يقول الإمام مرعي الكرمي الحنبلي من متأخري الحنابلة رحمة الله عليه: القدر عبارة عن سبق علم الله بالمقدور العلم السابق وأضف إليها الكتابة السابقة، والقضاء عبارة عن خلق الله لذلك المقدور. لاحظتم كلام مرعي رحمة الله عليه؟ القدر هو عبارة عن العلم السابق ونضيف نحن الكتابة السابقة، والقضاء هو خلق الله عز وجل لذلك المقدور في الواقع الخارجي.

إذاً هذا هو الفرق بين مفهومي القدر والقضاء وهذا هو الارتباط بينهما في نفس الوقت، عرفنا الفرق وعرفنا الارتباط وكلام ابن الأثير واضح، القدر أساس والقضاء بناء على هذا الأساس. لكن هنا ركزوا على قضية، هذا التفريق بين القضاء والقدر بين هذين المفهومين يكون في حال اجتماعهما معاً في سياق واحد، يعني إذا قلنا القدر والقضاء في سياق واحد نفرق بين القدر والقضاء، أما إذا ورد ذكر القدر وحده من دون أن يقترن بذكر القضاء أو ذكر القضاء وحده في السياق من دون أن يقترن بذكر القدر، فيكون أحدهما بمعنى آخر.

إذا قلت مثلاً باب القدر وسكت، هنا القدر يشمل القضاء والقدر، أو قلت مثلاً باب القضاء وسكت، قد تجد كثير من علماء العقائد يقولون باب القدر ويسكتون، لا يقولون باب القدر والقضاء، لا يقولون باب القدر، إذا أطلق القدر وحده من دون أن يقترن بالقضاء في نفس السياق حينئذ يكون القدر شاملاً لمفهوم القضاء، وكذلك العكس، إذا ذكر القضاء وحده من دون أن يذكر معه القدر فيكون القضاء شاملاً لمفهوم القدر. لكن إذا ذكرا معاً في سياق واحد نفرق بينهما بما ذكرناه، أن القدر يتعلق بالعلم السابق والكتابة السابقة، وأما القضاء فهو يتعلق بخلق ما قدره الله عز وجل، يتعلق بخلق ما قدره الله عز وجل.

طيب الآن هنا أنبه على قضية وهي أن بعض علماء أهل السنة فرقوا بين القدر والقضاء بطرق أخرى. يعني البعض، هل هناك إجماع على هذه المصطلحات وعلى هذه التعاريف وعلى هذا الشكل من أشكال التفريق بين القدر والقضاء؟ هل هناك إجماع؟ في الحقيقة لا، لا يوجد إجماع عام على هذا الشكل من أشكال التفريق، فبعض أهل السنة يعبر بطريقة أخرى، البعض يجعل القضاء قبل القدر. المهم هناك مسالك أهل السنة في التفريق بين القدر والقضاء، نحن ذكرنا مسلكاً وطريقة نرتضيها بإذن الله ونراها واضحة، وهناك مسالك أخرى ستُقرؤونها في التفريق بين مصطلح القدر ومصطلح القضاء، أقول نعم، وهذه المسألة مسألة اجتهادية، يعني ما هو التعريف الدقيق للقدر الذي يباين القضاء؟ ما هو التعريف الدقيق؟ ليست مسألة قطعية حسمية جزمية يبدع فيها المخالف، بل هي مسألة اجتهادية ونحن ذكرنا لكم أيسر وأسهل تعاريف أوضحها والله تعالى أعلم.

إذاً بعد أن ذكرنا مفهوم القدر ومفهوم القضاء وفرقنا بينهما وعرفنا العلاقة بينهما أيضاً، ننتقل الآن إلى المسألة الثانية. المسألة الثانية هي ما أدلة الإيمان بالقضاء والقدر؟ إذاً المسألة الأولى كانت تعريف القدر وتعريف القضاء وما وجه الفرق بينهما، المسألة الثانية تتعلق بأدلة الإيمان بالقضاء والقدر. فأقول ثانياً أدلة الإيمان بالقضاء والقدر.

أبدأ أولاً بنصوص القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]. يقول ابن كثير رحمة الله عليه في تفسيره معلقاً على هذه الآية: يستدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها وكتابته لها قبل. لاحظوا ابن كثير عرف القدر تقريباً بنفس التعريف الذي ذكرناه نحن له، القدر ماذا يقول ابن كثير؟ يستدل بهذه الآية الكريمة أهل السنة أو أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه، ما هو قدر الله السابق لخلقه؟ هو علمه بالأشياء قبل كونها وكتابته لها قبل برئها. فقصر القدر على العلم السابق والكتابة السابقة، فهنا نلاحظ أنه لم يجعل القدر شاملاً لمفهوم القضاء، بل قصر القدر على المقدار الذي ذكرناه في تعريفه.

ضمان، طبعا لماذا لم يجعل هنا القدر شاملاً للقضاء؟ يعني برأيك وهذا فقط هيك مسألة استطرادية الآن خطرت في ذهني، لماذا لم يجعل القدر شاملاً لمفهوم القضاء مع أن هنا القدر ذكر وحده ولم يقترن بذكر القضاء؟ أقول لأن الله سبحانه وتعالى ذكر الخلق في الآية: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]. فخلق المقدور هذا هو القضاء، ففعلياً القضاء مذكور في الآية، ولم يذكر القدر وحده. القضاء مذكور في الآية ولم يذكر القدر وحده. كيف القضاء مذكور؟ نحن قلنا القضاء ما هو؟ أليس القضاء أساسه هو خلق الشيء المقدور في الخارج، إيقاع الشيء المقدور في الخارج؟ الله عز وجل ذكر في الآية عندما قال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]. فالخلق إيقاع الشيء المقدور في الخارج وهو القضاء، فبالتالي القضاء هنا ذكر مع القدر، فاقتصر ابن كثير في تعريفه للقدر على ما ذكرناه، وهو أن القدر هو العلم السابق بالأشياء والكتابة في قتاة قبل برئها.

كذلك قال تعالى الدليل الثاني على مسائل القضاء والقدر، قال تعالى في كتابه: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: 38]. قال ابن كثير أيضاً معلقاً على هذه الآية: أي وكان أمره الذي يقدره كائناً لا محالة، وكان أمر الله مقدوراً. يقول ابن كثير: وكان أمره الذي يقدره كائناً لا محالة، وواقعاً لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. إذاً النصوص كثيرة طبعا في الكتاب والسنة التي تدل على مسائل القضاء والقدر، أنا وقفت على أو أتيت بنصين، وأنتم تتبعوا النصوص الأخرى في مظانها. أذهب.

بالإضافة إلى نصوص السنة عموماً، ولم استقرأ لكم كل نصوص السنة؛ نصوص كثيرة جداً مستفيضة في هذا الباب. لكن أنا ذكرت نصوصاً شهيرة من باب الذكر أو باب التمثيل كما يقولون، ليس من باب الحصر.

فمن النصوص التي تدل على الإيمان بالقضاء والقدر؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس». رواه مسلم. كل شيء بقدر، حتى العجز وحتى الكيس بقدر من الله سبحانه وتعالى.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة». رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو. وحديث جبريل الذي سبق معنا: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»، أيضاً من أحاديث إمام باب القضاء والقدر.

الدليل الرابع؛ قال صلى الله عليه وسلم: «أخوف ما أخاف على أمتي؛ تصديق بالنجوم»، أن تصدقوا أن النجوم هي التي تتحكم بالمستقبل، تتحكم بأقدار الإنسان ولها تأثير في ذلك، «أخوف ما أخاف على أمتي تصديق بالنجوم وتكذيب بالقدر، ولا يؤمن عبد بالله»، انظروا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، «ولا يؤمن عبد بالله حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، حلوه ومره»، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بلحيته وقال: «آمنت بالقدر كله، خيره وشره، حلوه ومره». وهذا الحديث حسن بطرقه، حسنه كثير من أهل العلم بطرقه.

إذاً، القرآن دل على الإيمان بالقضاء والقدر وحث على الإيمان بهذه المسألة. والنبي صلى الله عليه وسلم مستفيضة كثيرة، مجرد تمثيل أنا ذكرت أربعة أحاديث، وإلا من استقرأ وجد كثير من النصوص، عشرات النصوص تدل على هذه المسألة.

كذلك الإجماع؛ إجماع الصحابة على الإيمان بالقضاء والقدر. أجمع السلف الصالح عموماً والصحابة خصوصاً على وجوب التصديق بالقضاء والقدر، وممن نقل الإجماع على ذلك أبو الأسود الدؤلي. أبو الأسود الدؤلي إمام النحو، هو من أئمة التابعين، هو الذي نقل لنا الإجماع على ذلك. يقول أبو الأسود الدؤلي رحمة الله تعالى عليه، وهو من كبار التابعين: ما رأينا أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يثبت القدر. نقله اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة.

وكذلك ابن حجر، وهو طبعا متأخر رحمة الله عليه، ابن حجر العسقلاني يقول: ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها تقدير الله. ومذهب السلف قاطبة، جميع السلف، ان الأمور كلها بتقدير الله. فهذا إذن نقل إجماعات أيضاً على إثبات وعلى الإيمان بمسائل القضاء والقدر.

طيب، إذاً ذكرنا مفهوم القدر والقضاء وفرقنا بينهما وعرفنا التلازم بين المصطلحين، ذكرنا أدلة من القرآن والسنة والإجماع على وجوب الإيمان وإثبات مسائل القضاء والقدر. ننطلق الآن إلى مسألة ثالثة، وهي: ما منطلقات أهل السنة والجماعة في التفكير في باب القدر؟ هناك منطلقات ينطلق منها أهل السنة والجماعة حينما يقررون مسائل باب القدر، ما هي هذه المنطلقات؟ دعونا نرى.

ينطلق أهل السنة والجماعة في البناء المنهجي لباب القضاء والقدر من أصول ثلاثة. الأصل الأول أو المنطلق الأول الذي ينبغي أن يكون مستحضراً وأنت تفكر في مسائل باب القضاء والقدر، هو الإيمان بحكمة الله البالغة. الإيمان بأن الله حكيم، وأن حكمة الله بالغة إلى المنتهى والغاية التي لا يمكن أن نحيط بها، فلا يمكن للبشر بلوغها ولا الوصول إلى كنهها.

وهذا المعنى حينما تؤمن وتنطلق من هذا المنطلق أن حكمة الله لا يمكن لي أن أصل إلى كنهها ولا أن أحصرها، وهذا المعنى يجعل الإنسان يدرك قصوره في فهم أسرار باب القدر، ويقف عند حدود النص غير متهوك فيما لا طاقة له به. هذا منطلق مهم في تحقيق هذه القضية. إذا أنت آمنت أن حكمة الله بالغة لا يمكن لي العاجز أن أحيط بها، بالتالي سيكون لك حدود معينة تقف عندها في التفكير في باب القدر، لأن باب القدر أحبتي، من تجاوز الحد خاض في بحر خضم أمواجه عاتية تاه فيها وربما خرج من دائرة الإيمان بالكلية واعتراض على ربه سبحانه وتعالى. فالقدر، كما يقول بعض أهل العلم، هو سر الله في خلقه، من أسرار الشريعة هو باب القدر، وإنما فتح لنا منه طرف يسير هو الذي تدركه عقولنا ويستقيم به إيماننا، نقف عند هذا الحد ولا نتجاوز ذلك موقنين مقرين بحكمة الله البالغة.

إذاً، هذا هو المنطلق الأول؛ الإيمان بحكمة الله البالغة. المنطلق الثاني هو الإيمان بعدل الله المطلق. لابد هذا المنطلق الثاني أيضاً يكون حاضراً وأنت تفكر وتقرر في مسائل القضاء والقدر؛ الإيمان بأن الله عادل، وأن عدله مطلق، وأنه سبحانه وتعالى حرم الظلم على نفسه، كما جاء في الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا». فالله سبحانه حرم على نفسه الظلم فيجب علينا أن نؤمن بعدل الله المطلق، وإياك أن تصف الله عز وجل بشيء من الجور والظلم عز جاهه وسلطانه سبحانه وتعالى. إذاً الإيمان بعدل الله المطلق، فقد حرم سبحانه الظلم على نفسه فقال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي»، فكل ما يقدره ويقضيه سبحانه فهو عدل لا ظلم فيه بوجه من الوجوه.

المنطلق الثالث في التفكير في مسائل القضاء والقدر وفي بناء هذا الباب عند أهل السنة والجماعة، هو الإيمان بمحدودية عقل الإنسان. الإيمان بمحدودية عقل الإنسان، وانتبهوا على هذا المنطلق الثالث، أنك مهما فكرت، كما قلنا، وخضنا في مسائل القضاء والقدر، فإن عقلك محدود، لابد أن تقف عند هذا الحد.

الكلاميون مشكلتهم أنهم أعطوا عقولهم حداً أكثر من الحد الذي خلقها الله عز وجل عليها، وتجاوزوا المسطرة التي وضعت لهم والخيط الذي وضع لهم لكي لا يتجاوزوه. خاضوا للأسف في هذه المسائل بعقول ضعيفة قاصرة, فأتوا بالعجب العجاب في حق الله سبحانه وتعالى. فالإيمان بمحدودية عقل الإنسان هذا منطلق عند أهل السنة والجماعة في البناء المنهجي لمسائل القضاء والقدر. فالقدر سر عظيم فتح للإنسان طرف منه بقدر طاقته وتحمله واستيعابه، وكثير من أسراره لا يبلغها ولا يستطيع إدراكها. ففرضه الوقوف عن الخوض فيها والتسليم للخالق سبحانه وتعالى بها.

إذن، هذه منطلقات ثلاث يجب أن تكون مستحضرة معك يا طالب العلم ويا أيها المسلم، وأنت تنظر وتحاول أن تفهم شيئاً من هذا الباب: أن حكمة الله بالغة، أن الله عز وجل حرم على نفسه الظلم، أن العقل البشري محدود في تصور هذا الباب وفي فهمه، وإنما فتح له منه طرف يسير.

ننتقل إلى المسألة الرابعة؛ ما هي مراتب القدر؟ المسألة الرابعة التي سنتكلم عنها نتكلم عن مراتب القدر. فنقول أحبتي تنوعت طرق العلماء في ذكر مراتب القدر، البعض يسميها مراتب القدر، البعض يسميها أركان باب القضاء والقدر، البعض يسميها مكونات باب القضاء والقدر، لا مشاحة في الاصطلاح إذا صح المعنى. ونحن سنسميها مراتب بناء على طريقة كثير من العلماء، ابن القيم ومن شابها، فنقول إذاً تنوعت طرق العلماء في ذكر مراتب باب القضاء والقدر التي من لم يحققها لم يكتمل إيمانه بهذا الباب.

يعني لو جاءني شخص قال: يا شيخ، ما هو المطلوب أن أؤمن به في مسائل القضاء والقدر؟ فأقول له: هناك أربع مراتب يجب أن تؤمن بها. لو جاءك شخص قال لك: ما الذي يجب أن أؤمن به في باب القضاء والقدر؟ تقول له: هناك مراتب معينة يجب أن تؤمن بها.

طبعا البعض يجعلها أربعة، البعض يختصرها في اثنين، البعض يجعلها يفصلها خمسة. ما عندنا مشكلة في التعداد، لكن لابد أن يكون في النهاية هو ما سنذكره بإذن الله. لابد أن نتحد في المضمون، الآن هذا المضمون تختصره في مرتبتين، توزعها على أربع مراتب، تخليها خمس مراتب، هذا لم يعني يثبت فيه نص واضح عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وإنما هذه المراتب إنما استقاها العلماء باستقرائهم لنصوص الكتاب والسنة. علماء أهل السنة والجماعة تتبعوا ما ورد في الكتاب والسنة في مسائل القضاء والقدر، فاستخلصوا منه مراتب وقالوا: هذه المراتب لا يكتمل إيمانك في القضاء والقدر حتى تؤمن، فهي مكونات الإيمان بالقضاء والقدر.

طيب، ما عدد هذه المراتب بالضبط؟ نحن قلنا أربعة، لكن البعض يختصرها لاثنين، البعض يوسعها أكثر من ذلك، فالعدد بحد ذاته العدد ليس نصاً، لكن المهم أن نتفق جميعاً في هذا المضمون الذي سنتطرق إليه. فنقول إذاً تنوعت طرق العلماء في ذكر مراتب القدر وأركان أو سميها أركان باب القضاء والقدر، التي من لم يحققها لم يكتمل إيمانه بهذا الباب. طبعا البعض كما قلنا يتبع طريقة الإجمال في عد هذه المراتب، البعض يتبع طريقة التفصيل، وتعداد هذه المراتب فيه سعة، مسألة اجتهادية ما دام المضمون واحداً في النهاية. والاتساع اتسعت، هذا في النهاية عملية اصطلاحية، لكن نتفق أهم شيء في المضمون، ونحن الطريقة التي سنسير عليها أننا سنقسم مراتب باب القدر إلى أربعة مراتب أو أربع مراتب.

المرتبة الأولى، أول المراتب؛ أولاً مرتبة العلم. المرتبة الثانية؛ مرتبة الكتابة. المرتبة الثالثة؛ مرتبة المشيئة. المرتبة الرابعة؛ ما هي؟ مرتبة الخلق.

طبعاً هذه المراتب لاحظوا أنها مستقاة من مفهوم القدر والقضاء؛ القدر: العلمي السابق الكتابة السابقة، والقضاء: المشيئة والخلق. فلاحظوا أن مفهوم القدر والقضاء هو الذي، طبعا بعد استقراء نصوص الكتاب والسنة وضع العلماء مفهوم القدر والقضاء ثم استخلصوا بعد ذلك المراتب التي يجب أن تؤمن بها حتى يكتمل عندك باب القضاء والقدر. فالأمور متسلسلة؛ هناك استقراء لنصوص الكتاب والسنة، استخلصنا منها تعريف القدر وتعريف القضاء، واستخلصنا منها أيضاً مراتب القدر والقضاء التي يجب أن نؤمن بها ليكتمل إيماننا، وهي أربعة على طريقتنا التي اعتمدناها: مرتبة العلم، مرتبة الكتابة، مرتبة المشيئة، ومرتبة الخلق. وهي مراتب من يعني ترتيب كما نقول تنازلي، لأنه الله علم ثم كتب ثم شاء ثم خلق بهذا التصور.

مسائل القضاء والقدر، وسنبدا الآن التفصيل في كل مرتبة من هذه المراتب الأربعة، ونذكر أهم المسائل التي تتعلق بها باختصار. أنا في الحقيقة أنا لن نستوعب ولن نستغرق في ذكر مسائل القضاء والقدر، هذا هناك كثير من الفروع والجزئيات التي تتعلق بهذا الباب، لكن نحن نجمل الكلام فيما يتعلق بحجم الكتاب المختصر الذي بين أيدينا، لمعة الاعتقاد.

فنقول المرتبة الأولى؛ مرتبة العلم. أولاً: ما المقصود بمرتبة العلم؟ نقول: يقصد بمرتبة العلم، قال تعريفها: أن الله سبحانه وتعالى عالم بالاشياء قبل وقوعها، وعالم بها بعد وقوعها. لاحظ هنا سنفصل في مرتبة العلم شيء جديد، انتبهوا إليه، شيء جديد ومهم. يقصد بمرتبة العلم أن الله سبحانه وتعالى عالم بالاشياء قبل وقوعها، العلم الأزلي. لكن سأتكلم الآن عن نوع آخر من العلم: وعالم بالاشياء بعد وقوعها، فعلمها سبحانه وهي معدومة قبل أن توجد، وعلمها سبحانه وهي موجودة بعد أن حدثت.

الآن بناء على هذا التعريف لمرتبة العلم نقول: إن تعلق العلم الإلهي بالأشياء على نوعين، وانتبهوا على هذا التقسيم لأنه ضلت فيه كثير من الفرق الكلامية. إذا قلنا نحن: ماذا عرفنا مرتبة العلم؟ أن الله عالم بالأشياء قبل وقوعها وعالم بها بعد وقوعها، فعلمها سبحانه علم الله عز وجل هذه الأشياء وهي معدومة قبل أن توجد، وعلمها سبحانه وهي موجودة بعد أن حدثت. من خلال هذا التعريف وهذا العرض يتبين لنا أن تعلق العلم الإلهي بالأشياء على نوعين.

النوع الأول: تعلق قديم أزلي قبل إيجادها. هذا النوع الأول من تعلقات العلم الإلهي بالأشياء؛ أولاً: تعلق قديم أزلي قبل إيجادها. ونعني به علم الله السابق بالامور كلها بالتفاصيل قبل أن تقع في المستقبل. هذا النوع الأول من العلم الإلهي؛ علم قديم أزلي قبل أن توجد هذه الأشياء. ومعناه أن الله عز وجل بعلمه السابق علم الأمور كلها قبل أن يوجدها وأن يخلقها.

النوع الثاني من العلم الإلهي؛ تعلق حادث متجدد بعد وقوعها ووجودها في الخارج. انتبهوا على هذا النوع الذي ينفيه كثير من الكلاميين؛ تعلق حادث متجدد بعد وقوعها ووجودها في الخارج. وهذا النوع من العلم الإلهي، هذا النوع الثاني العلم الإلهي هو الذي، انتبهوا، وهذا النوع من العلم الإلهي هو الذي يرد عليه النفي والتعليل والتعليق به في نصوص الكتاب العزيز.

فمثلا ما معنى نفيه والتعليل به والتعليق عليه؟ ماذا تقصد بذلك؟ أنظر الآن نصوص قرآنية نحاول أن نتفهمها معاً. قال سبحانه وتعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾. هنا في علم منفي، و"لما" أداة نفي في العربية، أليست أداة نفي؟ معروف أنها من أدوات النفي والجزم. يقول سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾.

ما هو العلم الإلهي المنفي هنا؟ العلم المنفي في هذه الآية أحبتي ليس هو العلم القديم الأزلي بالأشياء قبل وجودها. انتبهوا حتى لا تخطئوا في تفسير كلام الرب سبحانه. العلم المنفي في هذه الآية ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ ليس هو العلم القديم الأزلي، بل العلم المنفي هنا عن الله هو العلم الحادث المتجدد الذي يكون بعد وقوع الشيء. العلم الذي نفاه الله عن نفسه وينتظر حصوله، قال فيه سبحانه: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾. العلم المنفي ليس هو العلم الأزلي القديم. والكلام هنا شوية دقيق وخطير، بل هو العلم الحادث المتجدد الذي يكون.

وبعد وقوع الشيء، وهذا العلم الحادث المتجدد بطبيعته أنه يكون متى؟ بعد وقوع الشيء. ولا حرج في نفيه، لأنه طبعا هل يجوز أن نقول إن هذا العلم يتعلق ويتجدد ويحدث بعد وقوع الشيء؟ وبالتالي قبل وقوعه لم يكن موجودا، هل يجوز أن ننفيه قبل وقوع الشيء؟

في الحقيقة لا حرج في نفيه، لأنه سبحانه هو الذي نفاه، لست أنت أيها المكلف أيها البشر الذي تنفيه. الله عز وجل هو الذي نفى، قال: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 142]، فنقول: ولا حرج في نفي هذا النوع من العلم، لماذا لا حرج؟ لأنه غير مسبوق بالجهل أساسا. طب والي هو بايش مسبوق؟ مسبوق بعلم أزلي قديم.

فهناك علم أزلي قديم، هذا لا يجوز أن ينفى عن الله بشكل من الأشكال، بل نفيه عن الله كفر؛ نفي العلم الأزلي القديم بالأشياء قبل وقوعها. هذا النوع الأول لا يجوز أن ينفى عن الله ونفيه كفر.

أما النوع الثاني -وهذا الذي ينفيه كثير من المتكلمين مع أن القرآن صريح في الدلالة عليه- فهو العلم الحادث المتجدد. هناك شكل من أشكال العلم حادث متجدد يقوم في ذات الله، ويقوم بعد وقوع الأشياء.

علم حادث متجدد بعد وقوعها ووجودها، وهذا النوع كما قلنا ورد النفي أو التعليق والتعليل به في العديد من النصوص القرآنية. يعني الآية هذه واضحة لديكم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 142]؛ يعني لسا ما علم الله الذين جاهدوا منكم. كيف يعني لسا ما علم الله يا شيخ؟ اه، ما المراد لم يعلم الله؟ يعني لسة بمفهومنا، يعني ها لما يعلم الله، لسا ما وضح لنا من الذي يجاهد ويصبر؟

ما العلم الذي نفاه الله عز وجل عن نفسه هنا؟ النوع الثاني المتجدد الحادث، وهذا المتجدد الحادث تعلقه بالشيء بعد وقوعه، فهو غير حاصل قبل وقوعه، غير حاصل قبل وقوع الشيء. ولا حرج أن تقول إنه غير حاصل قبل وقوع الشيء؛ لانه قبل الوقوع هناك علم أزلي قديم، انتهى.

وهناك الذي تنفيه قبل وقوع الشيء هو العلم المتجدد الحادث. فالآية ماذا تريد أن تقول يا شيخ؟ باختصار وضح لنا الآية، ماذا تريد أن تقول؟ الآية تريد أن تقول: لن تدخلوا الجنة حتى يعلم الله المجاهدين والصابرين علما واقعا، علما واقعا خارجا كما علمه سبحانه وتعالى قبل أن يقع في علمه الأزلي القديم. لن تدخلوا الجنة حتى يعلم الله المجاهدين والصابرين علما واقعا حاصلا.

البعض يسميه طبعا علم الكشف، البعض يسميه الكشف، لكن أنا أعتمد هذه العبارة: يعلمه الله علما واقعا حاصلا كما علمه بعلمه الأزلي قبل أن يقع. طب ما فائدة هذا؟ نقول: لأن الثواب والعقاب أحبتي لا يكون على العلم القديم. الله عز وجل لا يثيبنا أو يعاقبنا على العلم القديم، على علمه القديم أننا سنفعل كذا وسنفعل كذا. لا يحاسبنا على علمه القديم بنا وبأفعالنا، وإنما يحاسبنا على ما يظهر منا من أقوال ومن أفعال، وهذا هو مقتضى العدل.

لاحظوا كيف أننا نستحضر منطلقات أهل السنة والجماعة في البناء: أن الله عادل، وأن الله لا يظلم. بالتالي الله عز وجل من عدله أنه لا يحاسبنا، لا يثيبنا ولا يعاقبنا على علمه المسبق بما سنفعله، بل يحاسبنا ثوابا أو عقابا على ما يصدر منا من أفعال في الواقع الخارجي. فنقول: لأن الثواب والعقاب لا يكون على العلم القديم بل يتعلق بالعلم الحادث، فالله لا يعاقبنا أو يثيبنا على الشيء قبل وقوعه منا بناء على علمه القديم، بل يثيبنا على ما وقع وحصل منا وهو العلم المتجدد.

بالتالي إذا العلم الإلهي تستطيع أن تقول على نوعين: هناك علم قديم أزلي، وهو أنه سبحانه وتعالى يعلم ما سيفعله كل بشر كل مخلوق على هذه الأرض قبل أن يقع منه الفعل. هذا النوع الأول وهو القديم الأزلي.

وهناك نوع من العلم الإلهي متجدد حادث متى يكون؟ حينما يقع الشيء في الخارج. طبعا وقوع الشيء في الخارج هو بمشيئة الله، بخلق الله، فهناك الترابط بين الأبواب أصالة. فإذا خلق الله الشيء وجاءه في الخارج، هنا يأتي علم آخر يسمى العلم الحادث المتجدد، والذي يكون بعد وقوع الأشياء، وهذا العلم هو الذي يقع به الثواب والعقاب للعبيد. وهذا العلم هو الذي يقع به الثواب والعقاب للعبيد.

طب نأخذ آية ثانية تثبت العلم المتجدد الحادث. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: 31]. واضحة الآية، ربنا يقول إنه يريد أن يبتلينا، لماذا؟ حتى يعلم المجاهدين والصابرين. طب ربنا مش عالم قبل أن يخلقنا؟ ألا يعلم من هم المجاهدون منا ومن هم الصابرون منا؟

إذا ما هو العلم هنا المنتظر حدوثه ويخبرنا الله سبحانه وتعالى أنه ابتلانا ليحصل هذا العلم وليوجد؟ ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾. اه أي سأفسر لكم الآية: ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين والصابرين علما واقعا وجودا كما علمناه معدوما في الأزل. حتى نعلم المجاهد والصابر واقعا موجودا كما علمه سبحانه وتعالى أزلا.

وانظر للآية الثالثة مثلا، قال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ [البقرة: 143]. لاحظوا التعليل، التعليل: لماذا الله عز وجل جعل القبلة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم، يعني حوله من بيت المقدس إلى البيت الحرام؟ لماذا الله عز وجل حول النبي صلى الله عليه وسلم من بيت المقدس إلى البيت الحرام بعد ستة عشر أو سبعة عشر شهرا من صلاته لبيت المقدس؟

قال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ [البقرة: 143]؛ ليعلم الله من يتبع الرسول. طب الله عز وجل ألا يعلم وفي الأزل وفي القدم من سيتبع الرسول ومن سينقلب على عقبيه؟

بلى، الله عز وجل يعلم في القدم وفي الأزل من سيتبع الرسول ومن سينقلب على عقبيه، لكن هذا علم أزلي قديم لا يترتب عليه الثواب والعقاب. بل الثواب والعقاب يترتب على العلم الحادث المتجدد الذي يكون بعد وقوع الأشياء. وهذا يريد الله عز وجل أن يحصل؛ العلم الحادث المتجدد وليس العلم القديم الأزلي. ولا العلم القديم الأزلي ثابت متقرر، ونفيه عن الله عز وجل كما قلنا كفر، كما ذكر علماء السلف رحمة الله تعالى عليهم.

فالله سبحانه يعلم من القدم من اتبع الرسول ومن ينقلب على عقبيه، لكن العلم المنتظر حصوله في الآية هو علمه لها موجودة حاصلة، وهذا نوع من العلم متجدد حادث يقع بوقوع هذه الأشياء. ولا حرج أن نقول إن هذا العلم حادث متجدد يقع بوقوع هذه الأشياء، لأنه ليس مسبوقا بالجهل.

يعني متى يكون هذا العلم؛ إثبات هذا العلم لله سبحانه وتعالى، العلم المتجدد الحادث، متى يكون إثباته نقصا؟ إذا قلنا إنه قبل أن يقع وقبل أن يحدث هذا العلم كان الله عز وجل جاهلا بالاشياء، وهذا ننزه الله سبحانه وتعالى عنه، بل إننا نقول هذا العلم المتجدد الحادث صحيح هو مرتبط بوقوع الأشياء ويكون بعد وقوع الأشياء، لكنه ليس مسبوقا بعدم معرفة الله سبحانه وتعالى بهذه الأمور، بل هو مسبوق بعلم أزلي قديم.

بالتالي هكذا لاحظوا كيف منظومة أهل السنة والجماعة واضحة في التعامل مع النصوص القرآنية، تفسيرهم منسجم مع النص القرآني؛ أن الله عز وجل هناك علم نفاه عن نفسه حتى يحصل: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 142]. وهناك علم سبحانه وتعالى يطلب حصوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: 31]. وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم.

ما هذا الشكل من أشكال العلم الذي يتعلق به النفي والتعليق في نصوص الكتاب والسنة؟ هو العلم المتجدد الحادث، وهذا العلم المتجدد الحادث يكون بعد وقوع الشيء في الخارج، وهو ليس مسبوقا بالجهل والنقص كحالنا؛ نحن المخلوقين نعلم الأشياء بعد وقوعها، نعلم الأشياء بعد وقوعها لكن قبل أن تقع نحن نجهل أنها ستقع.

نحن نجهل أنها ستقع، لكن الله سبحانه وتعالى الخالق الأمر عنده مختلف تماما، هو يعلم الأشياء قبل وقوعها أزلا وقِدَماً، فهو قدرها وعلمها مسبقا وكتبها مسبقا، وهناك علم آخر علم بها بعد وقوعها وهو ما يسميه البعض انكشافها وهو علم حادث متجدد.

طبعا الذي يمنع حلول الحوادث في الذات الإلهية من المعتزلة وكل شخص يمنع حلول الحوادث الذاتية الإلهية سيعترض على إثبات العلم الحادث المتجدد، لأنهم يقولون: علم حادث متجدد معناه الله تحل به الحوادث، معناتها أنت تدخل في موضوع الحوادث معناها مخلوق، إذا الله تعالى به المخلوقات، على كل الطريقة التي تكلمنا عنها سابقا وبينا فسادها.

وأن حلول الحوادث أولا عبارة لم يتكلم بها علماء السلف الصالح، وابن أبي العز الحنفي ذكر أن لها معنى فاسدا ومعنى صحيحا. فهناك تفصيل عند أهل السنة والجماعة في قضية حلول الحوادث، وهي لا تلزم حلول المخلوقات بالله سبحانه وتعالى جل شأنه على ما تم تقريره.

وأنا هنا سامحوني أطنبت في هذه المسألة، لأنها مسألة قد تشكل على طالب العلم؛ كيف يفرق بين العلم الازلي القديم وبين العلم الحادث المتجدد؟ العلم الحادث يكون بعد وقوع الأشياء وهو الذي يترتب عليه ثواب الله لنا أو عقابه لنا، وهو الذي يترتب عليه. واما العلم القديم الأزلي فلا يترتب عليه الثواب والعقاب، وهذا هو مقتضى العدل الإلهي وهو ما أخبرنا الله به عن نفسه.

يعني هذه ليست القضية عقلية لأهل السنة والجماعة تبنوها من بنات أفكارهم، بل هذه القضية اخذوها من استقرائهم لنصوص الكتاب والسنة؛ عرفوا أن علم الله على نوعين، وجدوا أن الله يثبت لنفسه علم سابق أزلي وكتابة سابقة أزلية، ووجدوا في نصوص أخرى الله عز وجل يقول: ولما يعلم الله، وحتى نعلم، ليعلم، فعرفوا أن هناك شكل آخر من أشكال العلم يثبته الله عز وجل لنفسه وهو العلم الحادث المتجدد بالأشياء بعد وقوعها الذي يترتب عليه الثواب والعقاب.

إذا عرفنا ما المقصود بمرتبة العلم، وأن العلم الإلهي يتعلق بالاشياء على نوعين: تعلق قديم أزلي قبل إيجادها، وتعلق حادث متجدد بعد وقوعها ووجودها، وذكرنا مجموعة من الآيات التي تدل على العلم الحادث المتجدد، لأن هذا الشكل هو الذي نفاه أكثر المتكلمين. وهذا النوع من العلم هو الذي نفاه أكثر المتكلمين.

طيب دعنا يا شيخ نأتي بأدلة على هذه المرتبة، أتني بدليل واحد فقط من باب الاختصار. الدليل على مرتبة العلم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: 12]. طبعا هذا الدليل يستدل به على النوع الأول من أنواع العلم الإلهي وهو العلم القديم الأزلي: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، ويمكن لو أننا وسعنا مدلول الآية ولا يمكن أن نقول إنه أيضا يدل على العلم الحادث المتجدد، أن الله عز وجل أحاط بكل شيء علما قبل وقوعه وبعد وقوعه، لكن أساسا هي تدل على علم الله سبحانه وتعالى السابق بكل تفاصيل هذا الكون قبل وقوعها، ولكن لا مانع من أن نعمم مدلولها وتكون تدل على العلم القديم وعلى العلم المتجدد الحادث، والله تعالى أعلم.

فمن الذي خالف في هذه المرتبة؟ يعني هذا المنهج ساسلكه في كل مرتبة؛ أولا أذكر تعريف المرتبة وما المقصود بهذه المرتبة؟ ما هو الدليل على هذه المرتبة من نصوص الكتاب والسنة؟ ثم أذكر الذين خالفوا أهل السنة والجماعة في إثبات هذه المرتبة.

فنقول المخالفون في هذه المرتبة هم الفلاسفة، وهؤلاء ضلوا في صفة العلم على اختلاف بينهم في تفاصيل الضلال وأشهر أقوالهم. إذا النوع الأول من المخالفين هم الفلاسفة، الفلاسفة الذين ينتسبون للإسلام كابن سينا والفارابي ومن دار في مدارهم.

فهؤلاء الفلاسفة الذين ينتسبون للإسلام ما رأيهم في العلم الإلهي؟ أو ماذا قالوا في العلم الإلهي؟ نقول هؤلاء القوم ضلوا في صفة العلم الإلهي على اختلاف بينهم في تفاصيل الضلال، لهم أقوال متعددة في قضية العلم الإلهي. وأشهر الاقوال المتداولة في كتب العقائد أنهم يقولون: إن الله سبحانه وتعالى يعلم الكليات لكنه لا يعلم الجزئيات.

وهذا القول هو الذي تبناه ابن سينا ونصره ونافح عنه، وإن كانت عبارته الدقيقة هو قوله إن الله يعلم الموجودات بعلم كلي، فهو يعلم الكليات لأنها كلية، ويعلم الجزئيات باعتبارها كليا. يقول ابن سينا -طبعا هذا مفهوم كلامه- أن الله يعلم الموجودات بعلم كلي ويعلم الجزئيات باعتبارها كلية أيضا.

طبعا أنا ما يهمني الآن أن أخوض معكم في تفاصيل وتحليل هذا الكلام، لكن خلاصة هذا الكلام كلام ابن سينا ما الذي يراد منه؟ يريد منه أن الله سبحانه وتعالى يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات. فمثلا ما معنى أن الله يعلم القيامة؟

مثلا الله عز وجل يعلم كسوف الشمس كظاهرة كونية، الله عز وجل يعلم كسوف الشمس كظاهرة كونية هذا كلي، لكنه لا يعلم أنه سيقع كسوف للشمس في عام ألفين وتسعتاش يوم الاثنين من شهر كانون الثاني. لما يقع هذا الشيء بهذه التفاصيل يعلم الله عز وجل به بعد وقوعه فقط، وهذا إشكالية كبرى.

إذا هم نفوا علم الله السابق بالجزئيات، وأثبتوا علم الله السابق بالكليات فقط. فالله عند الفلاسفة الإسلاميين، عند ابن سينا ومن سار في مداره، الله عز وجل يعلم الأمور الكلية، التفاصيل كلية، يعلم الظواهر الكونية، يعلم وجود الإنسان كليا، يعلم حدود الحيوانات كليا، يعلم الظواهر الكونية والسنن الكونية والمخلوقات عموما، لكن ما يحدث بالتفاصيل وبالجزئية في هذا الكون زعم هؤلاء أن الله عز وجل لا يعلمه مسبقا ولا يعلمه إلا بعد وقوعه، فنسبوا الجهل لله في الجزئيات، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. إذا أشهر قول

من أقوال الفلاسفة الذين ينتسبون للإسلام قولهم إن الله يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات، وأؤكد هنا أن هذا لازم قولهم، وإلا فعبارتهم التي يقولونها أن الله يعلم الكليات ويعلم الجزئيات على أنها كلية. طب كيف يعني من الجزئيات على أنها كلية؟ إذا هو يعني مناط القول ومداره على العلم الكلي ونفي العلم الجزئي، وهذه النتيجة النهائية للقول.

بالتالي الله عز وجل كما قلنا كسوف الشمس يعلمه كلياً لكنها ستنكسف في وقت كذا في وقت كذا في الساعة الفلانية لا يعلمه سبحانه إلا بعد أن يقع، المطر يعلم الله عز وجل وجود سحاب ووجود مطر، لكن أنها ستمطر في هذا البلد في الساعة الفلانية اليوم الفلاني عام كذا لا يعلمه الله، فدفعوا علم الله بالجزئيات.

وهذا قول فيه كفر، والغزالي رحمة الله عليه كفر ابن سينا والفلاسفة الذين ينتسبون للإسلام بسبب هذا القول. الطائفة الثانية التي انحرفت عن منهج أهل السنة والجماعة غلاة القدرية، إذا الطائفة الأولى التي خالفت في مرتبة العلم الفلاسفة وهؤلاء لهم عدة أقوال أشهرها أن الله يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات، وهذا كما قلنا كفرهم عليه أكثر أهل العلم من حتى الأشاعرة كفروا الفلاسفة عليه، وعلى رأسهم الغزالي رحمة الله عليه في تهافت الفلاسفة.

القسم الثاني أو من النوع الثاني من المخالفين غلاة القدرية، وهؤلاء نفوا علم الله السابق بالحوادث جملة، يعني قولهم أشنع من قول الفلاسفة الذي نقلناه قبل قليل، نفوا علم الله السابق كلياً بالكليات والجزئيات، نفوا علم الله عز وجل السابق بكل شيء كلي وجزئي.

وقد ظهرت هذه الطائفة، لاحظوا أن هذه الطائفة ظهرت في أواخر عهد الصحابة ورد عليها علماء السلف، وانمحي أكثرها ولم يبق منها في الإسلاميين إلا نزر يسير لا يشكل تياراً واضح المعالم. هذه طائفة محدودة خرجت في آخر عصر الصحابة، والصحابة وأهل العلم كفروها لأنها تنفي علم الله سبحانه وتعالى كلياً من سابق، وهذا نسبة فيه نسبة واضحة للجهل لله عز وجل، ومن نسب الجهل إلى خالقه ماذا بقي له بعد ذلك من الدين؟

فهؤلاء كفرهم علماء السلف وانقرضوا تقريباً، يعني حتى الفرق الإسلامية التي جاءت بعد ذلك لم تقل بقولهم على اختلاف الإسلاميين بينهم لم يقل أحد أن يقول بما قالته غلاة القدرية بنفي العلم الإلهي كلياً وجزئياً. هذا كما قلنا انمحي تقريباً ولم يبق منه إلا كما يقولون شذرات محدودة أفراد وليس تياراً كبيراً بقي في داخل الصف الإسلامي الحمد لله، غلاة القدرية انمحوا منذ فجر الإسلام ولم يبق منهم إلا شذرات لا تشكل تياراً إسلامياً عريضاً.

هؤلاء الذين خالفوا بالتالي في مرتبة القدر، الطائفة الأولى الفلاسفة ولهم عدة أقوال أنا ذكرت قولاً واحداً هو أشهر قول ينسب إليهم أن الله يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات. الطائفة الثانية غلاة القدرية الذين نفوا علم الله بالكليات والجزئيات، وهذا القول سواء قول الفلاسفة أو قول الغلاة القدرية كفر يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل بعد أن تقام عليه الحجة في هذا الباب.

طيب الآن انتهينا من مرتبة العلم لا أريد أفصل أكثر من ذلك، عرفنا ما معنى هذه المرتبة وأن علم الله على نوعين، عرفنا الفرق بين العلم القديم والعلم المتجدد، وذكرنا دليلاً واحداً لهذه المرتبة بعد ذلك ذكرنا المخالفين.

هناك مرتبة أخرى وهي مرتبة الكتابة، ما يتعلق بمرتبة الكتابة ومرتبة المشيئة ومرتبة الخلق لعلنا نذكره في المحاضرة القادمة حتى لا نطيل عليكم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.