غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح لمعة الاعتقاد للشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، أصلّي وأسلّم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب لمعة الاعتقاد للإلام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الصالحي رحمة الله تعالى عليه. وقد شرعنا في المحاضرة السابقة أحبتي في باب القضاء والقدر. وعرفنا ابتداء الفرق بين هذين المفهومين. فقلنا: القدر هو ما قدره الله سبحانه وتعالى في الأزل أنه كائن، بعلمه السابق بالأشياء قبل كونها وبكتابته لها قبل إيجادها، فهذا هو القدر يتعلق بعلم الله السابق وبكتابته السابقة.
وأما القضاء فهو وقوع المقدور، بأن يشاء الله عز وجل أن يقع هذا الشيء المقدور في هذه اللحظة وأن يخلقه سبحانه وتعالى. فوقوع المقدور يتعلق بمشيئة الإلهية وبخلق الله سبحانه وتعالى له. فالقدر يتعلق بالعلم السابق والكتابة السابقة، والقضاء يتعلق بالمشيئة الآنية بأن يوجد هذا المقدور وأن يخلق في الخارج.
هذا إذا استعملنا القدر والقضاء في سياق واحد. واما إذا استعملنا القدر وحده أو وردت كلمة القدر وحدها في السياق وفي كلام أهل العلم، فإن القدر حينئذ يطلق على، كما يشمل القضاء، وكذلك إذا استعمل القضاء وحده فقيل باب القضاء مثلاً أو علينا أن نؤمن بالقضاء، حينئذ يكون مفهوم القضاء يشمل القدر أيضاً. فإذاً هذان المفهومان إذا اجتمعا في سياق واحد اختلف مدلولهما، وأما إذا افترقا فذكرا كل منهما في سياقه منفصلاً عن الآخر اتحد مدلولهما.
والتفريق كما قلنا بين القدر والقضاء بهذه المصطلحات وهذه التعريفات التي ذكرناها هو تفريق واضح سلس لذلك ذكرناه. لكن هناك أنظار أخرى لأهل العلم في هذه التعاريف، نعم، وهي مسألة اجتهادية لا مشاحة فيها إذا صح المعنى.
ثم بعد أن ذكرنا تعريف القدر وتعريف القضاء وما الفرق بينهما في حال اجتماعهما، انتقلنا لندلل على أهمية الإيمان بباب القضاء وبالقدر، وذكرنا أدلة هذا من الكتاب ومن السنة ومن إجماع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وأكدنا على أن القدر ركن ركين من أركان الإيمان، إذا انتفى عند المسلم انتفى الإيمان. الإيمان بالقدر متى انتفى عند الإنسان؟ انتفى إيمانه بالله سبحانه وتعالى، فهو الركن السادس من أركان الإيمان، وكما قال ابن عباس: القدر هو نظام التوحيد، فإذا قطعت هذا النظام هذا الحبل انفرط عقد التوحيد.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الإيمان بالقدر، وأن تظهر تجلي هذا الإيمان في حياتنا. فإن مسائل القضاء والقدر ليست مجرد أحبتي أمور نظرية نعارك فيها الفرق الكلامية ونحاول أن نقرر مسائلها. وإذا نظرنا في حياة المسلم الذي يسير على منهج أهل السنة والجماعة، فإذا هو غير متأقلم مع هذا الباب في حياته، غير مسلم له في العمل في الحياة، فتراه دائماً ساخراً على أقدار الله عز وجل، معانداً لربه مكابراً له معترضاً على أقضيته التي يقضيها له.
باب القضاء والقدر باب عظيم جليل أيها الإنسان المسلم، عليك أن تتلبس به وأن تشعر بإيمانياته وأن تشعر بالانسجام التام معه وأنت تتحرك وتصول وتجول في هذه الحياة الدنيا وتلاحظ أقدار الله سبحانه وتعالى التي يقدرها لك. وأنت تلاحظ أقدار الله الذي يقدرها لك عليك دائماً أن تستحضر المعاني التي نتدارسها في هذه المدارس المباركة، أن هذه الأقدار بعلم سابق وبكتابة سابقة، فلا يحزن الإنسان على ما يصاب به من بلاء الحياة الدنيا بما أن الله عز وجل هو الذي علم، وهو الذي كتب، وهو الذي شاء، وهو الذي خلق، هو اللطيف سبحانه وتعالى، وكل ما يقدره لعبده هو خير بإذن الله ما دام هذا العبد يحسن الظن بمولاه سبحانه وتعالى.
انتقلنا بعد ذلك أحبتي للحديث عن مراتب باب القضاء والقدر. هذه المراتب أو سميها أركان القضاء والقدر بمجموعها يتحصل إيمانك بهذا الباب. ما هي هذه المراتب التي ينبغي أن يؤمن المسلم بجميعها ليكون محققاً لباب القضاء والقدر؟
عرفنا أن أهل العلم اختلفوا في طريقة تعدادها، والذي صرنا عليه واخترناه أنها أربعة هي التي توضح هذه المسائل وهذه المكونات على الوجه التفصيلي. المكون الأول أو المرتبة الأولى كانت مرتبة العلم، وهي التي تحدثنا عنها في المحاضرة السابقة، وعرفت أن علم الله سبحانه وتعالى على نوعين، هناك علم أزلي قديم يعلم الله عز وجل به الأشياء قبل كونها، وهناك علم متجدد حادث يتعلق بالأشياء بعد كونها وحصولها.
علم الله سبحانه وتعالى يتعلق بالأشياء على نوعين أو على شكلين: هناك العلم الأزلي القديم أن الله في الأزل سبحانه وتعالى يعلم كل ما سيكون. يعلم كما قلنا تفاصيل التفاصيل وجزئيات الجزئيات، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء سبحانه وتعالى، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، علم بها، علم عدد أوراق الأشجار، علم عدد الرمال التي ستكون على هذه الأرض، علم عدد قطرات البحار وكم سينزل من السماء من الأمطار، علم الرياح التي ستهب، علم كل شيء.
كلما فكرت وذهب ذهنك في ملكوت الله سبحانه وتعالى وعلمت أن كل هذا بعلم الله السابق، أيقنت أنك تتعامل مع إله عظيم جل علمه سبحانه وتعالى وجل شأنه. فهذا هو العلم الأزلي القديم، فالله سبحانه وتعالى لا يجوز بشكل من الاشكال أن يوصف بالجهل، ومن وصف ربه بالجهل فقد كفر. الله عز وجل ليس جاهلا بأي شيء سبحانه وتعالى، بل هو كامل العلم.
هذا إذاً هو العلم الأزلي القديم. هناك شكل آخر من أشكال العلم وهو العلم المتجدد الحادث الذي يكون متعلقاً بالأشياء بعد وقوعها. فالله عز وجل يعلم الأشياء قبل وقوعها هذا علم، ويعلم الأشياء بعد وقوعها هذا علم آخر. وهذا العلم الثاني الآخر الذي يتعلق بالأشياء بعد وقوعها هو الذي ينبني عليه الحساب والثواب والعقاب. الله عز وجل لا يعاقب العبد ولا يثيب العبد على علمه السابق سبحانه، بل يثيبه على ما علمه منه حاصلاً.
لذلك كثيراً ما يرد هذا الشكل الثاني من أشكال العلم الإلهي معلقاً في كتاب الله عز وجل بحروف الغايات: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد: 31]. هنا يستشكل الإنسان كيف الله سبحانه وتعالى يقول: ولنبلوَنَّكم حتى نعلم؟ أليس الله عز وجل يعلم ذلك مسبقاً؟
نقول: عليك أن تفرق أيها العبد بين علمين؛ هناك علم سابق أزلي هذا ليس هو المراد هنا، وهناك علم حادث متجدد يكون بعد وقوع الأشياء هذا هو المطلوب والمراد حصوله. وإنما أريد حصوله حتى ينبني عليه الحساب والثواب والعقاب، وليس لأن الله سبحانه وتعالى من دون هذا العلم جاهل بأعمالك وبمستقبلك وبما سيكون منك، حاشاه سبحانه.
فاثبات العلم المتجدد هذا من قضية أهل السنة والجماعة، وبه ينسجم فهمنا لكتاب الله سبحانه وتعالى. كيف الله عز وجل يقول: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 142]؟ كيف ينفى العلم عن الله سبحانه وتعالى في هذه الآية؟ كيف نتعامل مع إثبات العلم لله مع نفي العلم في بعض السياقات أو تعليق العلم بحرف الغاية حتى نعلم؟ إذا عرفت طريقة أهل السنة والجماعة تصل إلى اليقين الذي يطمئن إليه القلب، أن علم الله على نوعين: علم سابق أزلي، وعلم متجدد يقع بعد الوقوع.
وإاثبات العلم المتجدد هذا ليس نقصاً، يعني بعض أحد الطلبة سألني بعد المحاضرة أنا يا شيخ لا يوجد نقص في إثبات العلم المتجدد؟ كلا أخي الكريم، لا يوجد نقص، متى يكون إثبات العلم المتجدد فيه نقص؟ لو كان مسبوقاً بالجهل. أما نحن فنقول أهل السنة والجماعة إن علم الله المتجدد الحادث ليس مسبوقاً بالجهل، بل مسبوق بعلم أزلي قديم، والعلم الحادث المتجدد إذاً ما فائدته؟ أن يرتبط بها الحساب والثواب والعقاب. فالله عز وجل سيسألك يوم القيامة عما علمه منك حاصلاً، ولن يسألك عما علمه منك قبل أن تفعله. عرفتم القضية أحبتي؟ تمام.
دعونا إذاً اليوم نكمل مشوارنا في الكلام عن مراتب القضاء والقدر، وموعدنا مع المرتبة الثانية. المرتبة الأولى مرتبة العلم، المرتبة الثانية بعد العلم مرتبة الكتابة. وهذه المراتب أحبتي مرتبة من البداية إلى ما بعدها، أولاً مرتبة العلم، ثم بعد ذلك تأتي مرتبة الكتابة، ثم تأتي مرتبة المشيئة، ثم المرتبة النهائية مرتبة الخلق. هكذا يأتي القدر، علم وكتابة ثم مشيئة ثم خلق.
فنقول الكتابة. ما هي الكتابة؟ علينا أن نؤمن بأن الله تعالى كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. ركزوا في التعريف، ما هي الكتابة المقصودة هنا؟ الكتابة التي عليك أن تؤمن بها يا أيها الإنسان، عليك أن تؤمن بأن الله كتب كل ما هو كائن في هذا الكون إلى يوم القيامة. كلمة إلى يوم القيامة مهمة لأن هنا انتهاء الكتابة، كما سيأتي معنا إن شاء الله في التفصيل.
إذاً المرتبة الثانية مرتبة الكتابة يقصد بها أن الله سبحانه وتعالى كتب كل ما هو كائن في هذا الكون إلى يوم القيامة. ما الدليل على أن الله سبحانه وتعالى كتب كل شيء كائن في هذا الكون إلى يوم القيامة؟ هناك كثير من الأدلة في الكتاب والسنة وآثار الصحابة، لكنني سأقتصر على النذر اليسير بما يتلائم مع هذا الشرح المختصر، وإلا فالأدلة كثيرة مستفيضة.
الدليل على هذه المرتبة قال سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج: 70]. لاحظ قوله تعالى: إن ذلك في كتاب، أي كل ما في السماء والأرض مما هو كائن قد كتب في كتاب عند الله سبحانه وتعالى، إن ذلك في كتاب، فهذه الآية تثبت وجود الكتابة لما هو كائن في السماوات والأرض.
الآية الثانية قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38] في سورة الأنعام، ما فرطنا في الكتاب من شيء. طبعا اختلف أهل العلم في معنى الكتاب هنا، هل هو القرآن الكريم أو الكتاب الذي كتبت فيه المقادير؟ والأكثر على أنه الكتاب الذي كتبت فيه المقادير. فقوله سبحانه وتعالى: ما فرطنا في الكتاب من شيء سياق الآية يدل على أن المراد بالكتاب هنا الكتاب الذي كتبت فيه مقادير الخلائق، فالله سبحانه وتعالى لم يفرط فيه كائن شيء، لا يوجد شيء خارج الحسابات، لا يوجد شيء خارج الكتابات، الأنفاس مكتوبة، الخطرات مكتوبة، الخطوات مكتوبة، كل شيء مكتوب أحبتي.
تخيلوا الأنفاس التي أت نفسها أنا وأنت مكتوبة، خطواتك في هذه الحياة، خطراتك التي ستأتي على خاطرك، كل شيء مكتوب، هيمنة إلهية لا يوجد شيء خرج خارج الحسابات، ما فرطنا في الكتاب من شيء، سبحانك ربي ما أجلك وما أعظمك.
وقال صلى الله عليه وسلم: «أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. فقال: أي رب، وما أكتب؟ فقال عز وجل: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة». وهذا الحديث مهم جداً أن فيه بعض تفاصيل الكتابة. أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. فقال: أي رب، وما أكتب؟ فقال الله عز وجل: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.
وفي هذا إثبات لكلام حقيقي لله سبحانه وتعالى، واثبات أيضاً هناك يعني حقيقة شيء جميل في هذا الحديث، إثبات الكلام للقلم، وأن القلم استطاع أن يتكلم من دون وجود أسنان ولسان له، أليس كذلك؟ وهذا فيه رد على المتكلمين الذين يقولون إن إثبات الكلام لله سبحانه وتعالى يعني إثبات الجوارح واللسان وما شابه ذلك. نقول لهم: أبدا، هذه كلها لوازم الكلام في الإنسان. وأما الكلام كما أن القلم تكلم مع الله سبحانه وتعالى من دون وجود لسان وأسنان مخارج حروف كما هي في المخلوق، الله سبحانه وتعالى قدر أن يجعله يتكلم من دون وجود كل هذه الأمور.
وكذلك النار لما تكلمت: هل من مزيد؟ تكلمت من دون وجود لسان ولا أسنان وما شابه ذلك. فإذا تصور أن الكلام لابد فيه من أسنان ومن لسان وما شابه ذلك هذا مجرد توهم كلامي بعيد عن المنطق السليم، وليس مجرد بعيد عن الشرع، هو بعيد عن المنطق السليم وعن المنطق العقلي الذي ينبغي أو الذي كان ينبغي أن يسيروا عليه. المهم فهذا الحديث أيضاً يثبت قضية الكتاب، وأنا أتيت بهذا الحديث لأستدل على أن الله سبحانه وتعالى كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.
إذاً عرفنا ما الكتابة، وعرفنا أدلة هذه المرتبة، دعونا نتكلم عن بعض القضايا التي تتعلق بمسألة الكتابة. القضية الأولى: ما هي آلة الكتابة؟ ما هي الآلة التي تمت بها الكتابة؟ الحديث السابق يدل على أن الآلة التي تمت بها الكتابة هي القلم. وهذا يدل على أهمية القلم في العلم، يعني لو أخدنا إشارة وفكرة بعيدة، أهمية القلم في حياة الأمة، أهمية العلم في حياة الأمة، فأول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فكتب القلم كل ما هو كائن إلى يوم القيامة. إذاً آلة الكتابة هي القلم، هذه المسألة الأولى.
طيب مكان الكتابة: أين تمت هذه الكتابة؟ المعروف أحبتي أن كتابة مقادير الخلائق تمت في اللوح المحفوظ، وإن كنا لا نملك آية صريحة في ذلك، ولا نملك حديثاً صحيحاً صريحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك في أن.
كان الذي كتبت فيه مقادير الخلائق، اللي هو المحفوظ، إلا أن هذا نقل عن بعض الصحابة وعن بعض التابعين والسلف الصالح أن الكتاب أنما دونت في اللوح المحفوظ، ثم نقل الإجماع بعد ذلك على هذه القضية. إذا، كتابة مقادير الخلائق أين تمت؟ في اللوح المحفوظ. هذا هو المشهور.
هل عندكم آية صريحة تدل على ذلك؟ في الحقيقة لا يوجد. هل يوجد حديث صريح صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الكتابة للمقادير تمت في اللوح المحفوظ؟ أيضا لا نجد دليلا صريحا صحيحا في ذلك، وإنما كما قلنا عندنا أقوال للصحابة وللسلف الصالح فسروا فيها بأنها كانت في اللوح المحفوظ. وهذه الأمور كما قلنا ليست من أمور الاجتهاد، والله تعالى أعلى، وإنما لابد وأن الصحابة الذين خاضوا في لهم أثارة من علم في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك اعتمد هذا القول، وأصبح مشهورا عند أهل السنة والجماعة أن مكان الكتابة هو في اللوح المحفوظ.
إذا، عرفنا آلة الكتابة وهي القلم، وعرفنا مكان الكتابة وهو اللوح المحفوظ. ثالثا، موضوع الكتابة، ما الذي كتب بالضبط؟ ما الذي كتب بالضبط؟ ظاهر أيضا الحديث السابق لما قال الله عز وجل للقلم: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. ظاهر ذلك الحديث أن المكتوب في هذا الكتاب، اللي هو اللوح المحفوظ، هل الصحيح عند أهل السنة والجماعة أن المكتوب كل ما هو كائن إلى يوم القيامة؟
وأما ما سيكون من بعد يوم القيامة فصاعدا فظاهر الأحاديث أنه لم يكتب في اللوح المحفوظ. المكتوب في اللوح المحفوظ كل ما سيحدث في الحياة الدنيا باختصار، كل ما سيحدث في هذه الحياة الدنيا. وأما ما سيكون في يوم القيامة فصاعدا إلى أن يدخل الناس الجنة أو النار، فهذه التفاصيل الذي يظهر من الأحاديث الصحيحة الصريحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أنها لم تكتب، والله تعالى أعلم.
نذهب الآن إلى أنواع الكتابة. تكلمنا عن آلة الكتابة ومكان الكتابة وموضوع الكتابة، دعونا نذهب الآن إلى أنواعها. اختلف أهل العلم في عد أنواع الكتابة، هل الله عز وجل كتب مقادير الخلائق مرة واحدة وانتهى الأمر؟ أم أن المقادير كتبت أكثر من مرة؟ هذه مسألة وقع فيها نقاش.
بعض أهل العلم ذكر أن هناك خمس مرات للكتابة، أي المقادير كتبت خمس مرات، البعض جعلها على أربع مرات، والبعض جعلها أقل من ذلك. والذي يظهر لنا من خلال الإحصاء أن مرات الكتابة، عدد مرات الكتابة، والبعض يسميها أشكال الكتابة، البعض يقول أنواع الكتابة، المهم يعني كلياتها مفهوم واحد، عدد مرات الكتابة للمقادير هي ثلاث مرات، والله تعالى أعلم.
ما هي هذه المرات الثلاث؟ الكتابة الأولى نبدأ بها تسلسليا. المرة الأولى التي كتبت فيها مقادير الخلائق هي كتابة عامة لمقادير جميع الخلائق. الكتابة تسمى الكتابة العامة، كتبت فيها مقادير جميع الخلائق من الإنسان والحيوان والنبات والجماد والأجرام، كل ما في هذا الكون، هذا يسمى الكتابة العامة، كتب فيها مقادير الخلائق جميعا.
هذه الكتابة العامة ما دليلها؟ دليلها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة». فهذا الحديث الصحيح عند مسلم يدل على أن الكتابة الأولى، الكتابة العامة لمقادير الخلائق في هذا الكون، متى كانت؟ كانت قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
طيب، ننتقل الآن للكتابة الثانية. الكتابة الثانية هي كتابة خاصة لمقادير البشر، كتابة خاصة بمقادير البشر، هكذا جاء الدليل فيها أنها لمقادير البشر، ولم يأت الدليل على أنها تكون للحيوانات وللنباتات وللجمادات. لا، هذه الكتابة الثانية الدليل أتى أنها خاصة بمقادير البشر، وهي التي جاء في حديث ابن مسعود المتفق عليه: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «أن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتابة رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد».
فالملك يؤمر بأربع كلمات يكتبها، يكتب أجل هذا الإنسان، ورزق هذا الإنسان، والعمل الذي سيعمله هذا الإنسان في هذه الحياة الدنيا، وما هي نهاية هذا الإنسان من حيث الشقاء أو السعادة؟ هذه أربعة أشياء، أو أربعة أشياء سيكتبها الملك حينما يأتي إليك وأنت جنين في بطن والدتك، يأمره الله عز وجل أن ينفخ فيك الروح، وأن يكتب أربعة أشياء: يكتب أجلك، رزقك، عملك الذي ستعمله في هذه الحياة الدنيا، وهل أنت من أهل الشقاء أو من أهل السعادة؟
وركزوا في تفاصيل هذه الأشياء المكتوبة. سيكتب الأجل، تارك كل شيء منتهي ابتداء. الساعة التي ستموت فيها أخي الكريم والله ستموت، والله لو جمعت كل أطباء الدنيا ليؤخروا هذه الساعة لحظة واحدة لن يستطيعوا أن يؤخروها، ووالله لو خضت الغمار وقارعت الأبطال والشجعان في ميادين المعارك وركبت الأهوال، فإنك لن تتقدم ساعة واحدة في أجلك، لن تستطيع أن تؤخر ساعة ولن تستطيع أن تقدم ساعة، لأنها كتبت وأنت جنين في بطن أمك.
كذلك الرزق، الرزق مكتوب تماما، لن تستطيع أن تزيد في رزقك ديناراً واحداً لم يكتب لك. وهذا في الحقيقة أمر يبعث في الإنسان الراحة والطمأنينة، ويجعله لا يتعلق بهذه الدنيا ولا يصارع عليها، فكل شيء مكتوب. الوظيفة المطلوبة أن تبذل الأسباب ثم تنتظر بعد ذلك الرزق من رب العباد سبحانه وتعالى، إن كان كتب لك شيء في هذا العمل ستحصله، وإن لم يكتب لك شيء والله لن تحصله، فلا تتعب على هذه الحياة الدنيا، لا تحزن على ما فات ولا تتعلق بما هو آت، اجعل الدنيا بيدك واقنع بما كتبه الله سبحانه وتعالى لك.
كذلك كتب الله سبحانه وتعالى عملك، فكل ما ستعمله في هذه الحياة الدنيا مكتوب. وكتب الله عز وجل أيضا لك الشقاء أو السعادة، هل أنت ممن سيختم له ديوان السعادة وسيكتب من أهل السعادة؟ فوالله لتعملن بعمل أهل السعادة بإرادتك وباختيارك. ولا أنت من أهل الشقاء، ومن كتبك الله من أهل الشقاء وحينئذ ستعمل بعمل أهل الشقاء؟
واعلموا أحبتي أن من عجيب قدرة الله سبحانه وتعالى أنه مع أنه كتب عليك هذه الأمور، كتب عملك، كتب أنك من أهل الشقاء ومن أهل السعادة، من عظمة الله سبحانه وتعالى ومن حكيم صنعته ومن عظيم قدرته في الخلق، أننا ونحن نسير وفي هذه الحياة الدنيا نشعر أننا أحرار، عندنا قدرة الاختيار لأفعالنا.
يعني أنتم حاولوا أن تجمعوا بين المشهدين، لأن اختلاط الرؤية بين المشهدين سبب ضلالا لفئام كثيرة من الخلق، الجمع بين مشهد القدر ومشهد اختيار الإنسان لأفعاله. نحن قلنا أن أفعال الإنسان مكتوبة، كتبها الملك وأنت جنين، وكتبت قبل ذلك في التقدير العام قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
فبعض الناس يقول ويشكك: إذا كانت أعمالي مكتوبة قبل خمسين ألف سنة من خلق السماوات والأرض، وإذا كانت أعمالي مكتوبة وأنا جنين، ففيما العمل؟ النبي صلى الله عليه وسلم سئل هذا السؤال فقال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له». أحبتي، كما قلت لكم قبل قليل، إنه سبحانه وتعالى مع أنه كتب أعمالك التي ستعملها، إلا أنك وأنت تسير في هذه الحياة الدنيا لا تشعر أن هناك شيئا يجبر أعضاءك وعقلك على أن يسير باتجاه معين.
فطرتنا وضرورتنا العقلية تمنحاننا القدرة على اختيار تصرفاتنا وأفعالنا، وهذا شيء أراه أنا من نفسي وتجده أنت من نفسك ويجده كل عاقل من نفسه. لا يوجد عاقل يقول: أنا مجبر الآن أن أذهب إلى النوم، أنا مجبر الآن أن أذهب إلى الجامعة، أنا مجبر الآن أن أشرب كاس الماء. فطرتنا وضرورتنا العقلية الله سبحانه وتعالى بصورة تمنحنا القدرة على اختيار أفعالنا وتحركاتنا، لذلك نحن نخطط ونرسم الأهداف للمستقبل، ونفكر كيف ننمي التجارة وكيف ننمي المال وكيف نسير وكيف ندرس في الجامعة وكيف ننجح في الاختبار. أنت لا تخطط لكل خطوة تخطوها في حياتك أو ترسم الأهداف لولا أنك تشعر بهذه الحرية في اختيارك لتصرفاتك ولمستقبلك ولاهدافك؟ لولا أنك تشعر بهذه الحرية لما فكرت في التخطيط ولا في رسم الأهداف ولا في أي شيء من ذلك.
فمن حكيم خلق الله سبحانه وتعالى أنه قدر وعلم وكتب ما سنفعل بل شاء وخلق كما سيأتي في المرتبة الرابعة، لكن مع كل هذه المراتب الأربع، العلم والكتابة والخلق والمشيئة، لكن مع ذلك سبحانه وتعالى خلق الإنسان على صورة يستشعر بها الإنسان حريته في اختيار أفعاله، وأنه لا يوجد هناك شيء يقهر العضلات والعظام والعقل على شكل معين من أشكال التصرف، وهذا يقر به كل عاقل.
دعوكم من هؤلاء الجبرية الذين اختلطت عندهم الرؤيا وانتكست عندهم العقول. أحبتي، لو أن إنسانا اعتدى على مالك، لو أن إنسان اعتدى على مالك، فإنك ستحاسبه وتضربه وتأخذه إلى مركز الأمن وتقول لهم: هذا سرق مالي. لو قال لك هذا السارق: لماذا تحاسبني وتعاقبني؟ ألسْتُ مجبرا على فعلي والله علم أني سأفعل وكتب أني سأفعل وشاء أني سأفعل وخلق أني سأفعل، إذا لماذا تحاسبني على القدر؟
هل ستقبل منه هذه الحجة؟ لا، لن تقبل منه هذه الحجة، ولا يوجد عاقل يقبل هذه الحجة. ستجيبه: لكن أنت في النهاية سرت بقدميك باتجاه بيتي وسرقت، هل يوجد هناك شيء مفروض على عظامك وعلى أقدامك وعلى يديك جعلك تمتد إلى المال؟ ولا أنت باختيارك أيها الإنسان فعلت ذلك؟
لو أن إنسانا اعتدى على عرضك فإنك تتهجم عليه وتحل به غضبك، تقتله أشد قتلة -لماذا؟ طبعا قتلة أقصد الضرب وليس القتل الحسم- لماذا ستفعل هذا به لو أنه احتج عليك بالقدر وقال لك: ما فعلته من الاعتداء على عرضك هذا شيء علمه الله وكتبه وخلقه وشاءه؟ ستقول له: لكن أنت الذي فعلت باختيارك، لا تتحجج بقدر الله، لأنك أيها الإنسان لا تعلم ماذا كتب لك عند الله سبحانه وتعالى.
وقديما لما احتج المشركون على شركهم بقدر الله سبحانه وتعالى فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 148]. هذا الله عز وجل ذكر هذا الحجاج الشركي الذي احتج به الكفار على النبي صلى الله عليه وسلم أنه لو شاء الله ولو قدر الله لما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء. فالله سبحانه وتعالى ماذا رد على هؤلاء؟ قال: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: 148].
يعني هل عندكم علم بأن الله عز وجل كتب عليكم الشرك وأن الله عز وجل شاء لكم أن تشركوا؟ هل عندكم علم بذلك؟ إن كان عندكم علم بذلك مسبق أخرجوه لنا حتى نقول والله فعلا إنكم مجبرون. وهذا في الحقيقة لن يكون، لأنه لا أحد يطلع على ما هو في علم الله الأزل، ولا أحد يطلع على ما هو مكتوب له عند الله. فلذلك الله عز وجل أبطل هذه الحجة من القدم، وأخبر محمد صلى الله عليه وسلم أن يجيب هؤلاء الذين يحتجون بالقدر: هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟
إياك أن تعتذر عن تقصيرك بأن هذا قدر عليك، إياك أن تعتذر عن معصيتك بأن هذا قدر عليك، عليك أن تتوب إلى ربك سبحانه وتعالى وتعلم أن هذا مما جنت يداك، فأنت من سار بقدميك إلى المعاصي وأنت من سيسير بقدميك إلى الجنة إذا كتب الله عز وجل لك ذلك. لكن اعلم أن في النهاية الأمر يتعلق بالاختيارات الإنسانية، ويتعلق بما هي توجهاتك التي ستختارها.
مع أن -لاحظوا هذا المشهد- مع هذا المشهد لابد أن يكون حاضرا: هناك اختيارات إنسانية، خلق الله عز وجل الإنسان مختارا، خلقه على هذه الهيئة، على هذه الطبيعة، على هذه الفطرة، خلقه مختارا، يختار ويرسم الأهداف ويخطط ويسير ويتحرك. بل لا يوجد فينا إنسان أحبتي، كما قلنا، يستشعر وهو يعمل العمل أن هناك شيئا يجبر عليه، هذه فطرة خلقنا عليها.
لكن المشهد الآخر ينبغي أن يكون حاضرا، وهو أن هناك علما سابقا إلهيا، وكتابة سابقة إلهية، ومشيئة إلهية، وخلقا إلها. فإذا أحبتي، النبي صلى الله عليه وسلم جمع ذلك في مقولة واحدة: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له». يعني اعمل، لا تنظر إلى القدر الآن، اعمل وانظر أمامك وخطط واستعمل عقلك واتجه بالاتجاه الصحيح باتجاه الجنة، اعمل بعمل أهل السعادة، نفكر بالاشياء الصحيحة، لا تبقَ تنظر إلى القدر. ولكن ثق في النهاية أن كل ما ستختاره وكل ما ستتجه إليه وكل شيء ستخطط وتهدف إليه كله مكتوب معلوم سابقا عند الله.
فاجتماع المشهدين هما اللذان يريحان الإنسان في هذه الحياة الدنيا، وأما النظر إلى أحد المشهدين سيقودانك إلى انحراف عن طريقة أهل السنة والجماعة. وهذا اخذنا إليه المرتبة الثانية، مرتبة أو الشكل الثاني من أشكال الكتابة، أو المرة الثانية من مرات الكتابة، وهي كتابة مقادير البشر وهم أجنة في بطون أمهاتهم.
نذهب الآن إلى الشكل الثالث أو المرة الثالثة من مرات الكتابة، وهي الكتابة السنوية، وهذه انتبهوا إليها أن كثيرا من طلبة العلم لا يعرفها، قضية الكتابة.
إن الله في كل سنة في ليلة القدر يكتب أحداث العام المقبل، والذي يظهر من الآثار أنه يكتب أحداث العام المقبل عموماً، سواء فيما يتعلق بالإنسان أو بالجماد أو بالحيوان أو بأحداث هذا العالم عموماً. هذه كتابة سنوية في كل ليلة قدر يكتب الله عز وجل ما سيحدث في العام القادم من أحداث. والدليل على هذا الشكل من أشكال الكتابة قوله تعالى في سورة الدخان: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 4]. فسر بعض الصحابة بأسانيد صحيحة وبعض التابعين بأسانيد صحيحة أن الذي يفرق في ليلة القدر هو كتابة مقادير العام القادم. وهذا ثبت عن الصحابة وعن التابعين بأسانيد صحيحة، مما يغلب على الظن أنهم تلقوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الصحابة تلقوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس هذا من أمور الاجتهاد، وإنما لابد فيه من توقيف. والذي يوقفهم على مثل هذه القضايا هو النبي عليه الصلاة والسلام، فهو في حكم المرفوع، فهو في حكم المرفوع.
إذاً في ليلة القدر الله سبحانه وتعالى يكتب مقادير العام القادم، وهذه كتابة في كل سنة، لذلك سميت كتابة سنوية. إذاً ثلاث مرات للكتابة، وانظروا احتفاء الشريعة بموضوع الكتابة واهتمامها بقضية الكتابة؛ تكتب المقادير ثلاث مرات أيها الإنسان. ومقاديرك أنت خاصة أيها الإنسان ستكتب: المرة الأولى قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، والمرة الثانية تعاد كتابتها وأنت جنين في بطن أمك، والمرة الثالثة تكتب المقادير في ليلة القدر. وهذا الاحتفاء بقضية الكتابة في الشريعة في الحقيقة يسترعي انتباه الإنسان؛ لماذا الشارع الحكيم كتب هذه المقادير أكثر من مرة؟ ألا تكفي كتابة واحدة؟
في الحقيقة هذا الاحتفاء بموضوع الكتابة له حكم ومقاصد يعلمها الله سبحانه وتعالى، والانسان يعني مجرد محاولة لتلمس فهم هذا الموضوع، مجرد محاولة تلمس فهم هذا الموضوع نقول فيها إن هذا الاحتفاء بموضوع الكتابة وتكرارها يدل أحبتي على هيمنة الله الشاملة وإحاطته الكاملة وعظمته سبحانه وتعالى. هناك هيمنة شاملة على هذا الكون، إحاطة عظمى على هذا الكون، عظمة لهذا الإله العظيم، عظمة كبيرة. كل شيء كتب وليس مرة بل مرات، كل شيء كتب مرات ليدلل هذا على أن مفاصل هذا الكون، كل الأنفاس، كل التحركات للطير وللدواب وللإنسان وللأجرام وللنجوم وللبحار والرياح وللأمطار، كل شيء لم يكتب مرة بل كتب مرات، لا يوجد شيء خارج الحسابات. أقولها مرة أخرى: لا يوجد شيء خارج الحسابات، فاطمئنوا أيها الإنسان، اطمئنوا أيها البشر. هذا الكون يسير بإحاطة وبعناية وبتدبير إلهي من الله سبحانه وتعالى، ولم يكتب مرة هذا التدبير بل كتب مرات تلو المرات، ليدلل على عظمة هذا التدبير وعلى عظمة هذه الهيمنة وعلى جلالة الله سبحانه وتعالى، وإن كان الله عز وجل كان قادراً أصالة على عدم الكتابة وأن يكتفي بعلمه سبحانه، لكن الله عز وجل أراد ذلك لحكمة عظمى نحن نحاول أن نتلمس طرفاً منها وإن كانت عقولنا قاصرة على أن ندرك جميع الحكم والمقاصد من تكرار هذه الكتابات.
لذلك نحن قلنا في بداية محاضراتنا في القدر من منطلقات التفكير في مسائل القضاء والقدر أن يعترف الإنسان بعجز العقل عن الوصول إلى مفاصل القضاء والقدر بتمامها، وإنما كشف لنا طرف من هذا الباب وشيء من هذا السر بما يتلائم مع عقولنا ومع قدراتنا، وتبقى الكثير الكثير من أسرار هذا الباب مخبأة علينا أن نتعامل معها بالتسليم والتبجيل والاقرار لهذا الإله العظيم. أيضاً أحبتي، إن تكرار موضوع الكتابات مما يوحي به للإنسان المسلم -بل حتى للإنسان عموماً ليس فقط المسلم- مما يوحي به أن أيها الإنسان ستبقى عبداً لله سبحانه وتعالى، ووالله لن تخرج عن عبوديتك، فأنت عبد ذليل لهذا الإله العظيم. أيها الإنسان الذي كتب كل شيء يتعلق بك، ولن تستطيع أن تخرج مقدار أنملة عن شيء كتبه الله، اعلم انك عبد ولن تخرج عن عبوديتك، فعليك أن تستحضر مشهد العبودية لهذا الإله.
حينما نتعامل ونقرا بمسائل الكتابة الإلهية عليك أن تستحضر مشهد العبودية لله. وإذا كنت أنا كانسان مكتوب علي كل شيء، وليس مرة بل مرات تلو المرات، إذاً فأنا عبد لهذا الإله، وعليّ أن أذلل رقبتي له وأن أخضع بين يديه وأن أعلن له الطاعة والانقياد. على ماذا أتجبر؟ على ماذا أتكبر؟ على ماذا أشكك في وجوده؟ على ماذا أعترض عليه؟ ولماذا أجاهره بالمعاصي والذنوب وأنا عبد ضعيف مفتقر لإله أحكم كل شيء في مفاصل حياته، أحكم أنفاسي وخطراتي وأفكاري وأفعالي وأعمالي؟ على ماذا أتجبر؟ على ماذا استعلي؟ وللماذا أجاهر هذا الإله بالمعصية والاعتراض على أقداره وقدره؟ أحبتي نحن نتكلم عن إله عظيم، ومهما جلنا في مناحي هذه العظمة، ومهما جالت العقول أن تصل إلى طرف منها، فإنها ستقف منبهرة أمام عظمة الرب سبحانه وتعالى، الذي علم، الذي كتب، الذي شاء، الذي خلق، الذي دبر، الذي أحاط بكل شيء علماً. سبحانك اللهم ما عبدناك حق عبادتك.
دعونا أحبتي حتى لا نطيل الكلام في هذه الجزئية نكمل وننتقل إلى فكرة أخرى بعد أن انتهينا من أنواع الكتابة وعرفنا أنها كتابة عامة قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكتابة خاصة بالإنسان حينما يكون جنيناً في بطن أمه دل عليه حديث ابن مسعود، وكتابة سنوية وهي التي تكون في ليلة القدر من كل عام. نقول أحبتي هنا تنبيه أنبه عليه في موضوع الكتابة، إنه ينبغي أن نفرق بين كتابة أقدار الإنسان وهي التي تكون قبل قيام الإنسان بالعمل، وهناك شكل آخر من أشكال الكتابة دلت عليه النصوص وهي التي تسمى الكتابة الإحصائية التي يكتبها الملكان عن اليمين وعن الشمال. كل انسان منا كما دلت على ذلك الأحاديث والآيات؛ هناك ملك عن يمينه يكتب الحسنات وملك عن يساره يكتب السيئات، هذه كتابة لا تسمى كتابة قدرية ليس لها علاقة بالقدر وإنما هي كتابة إحصائية؛ أنك إذا فعلت، إذا قلت، ملك الحسنات يكتب إن كانت حسنة، وإن كانت سيئة ملك السيئات يكتب، فهذه كتابة إحصائية بناء عليها سيتم الثواب والعقاب، بناء عليها يتم الثواب والعقاب.
فعلينا إذاً أن نفرق بين شكلين من أشكال الكتابة: الكتابة القدرية وهي الأشكال الثلاثة التي سبقت وهو الموضوع الذي نتحدث عنه، وكتابة أخرى تسمى كتابة إحصائية. وهذه الكتابة الإحصائية تكون بعد العمل ليست كتابة تقديرية، هذه كتابة تكون بعد العمل؛ الملك يسجل عليك ما كتبت، وهذه الكتابة الإحصائية هي التي يكون عليها كما قلنا الثواب والعقاب عند الله سبحانه وتعالى. وقد جمع الله عز وجل بين الكتابة الإحصائية والكتابة القدرية في آية واحدة من كتابه سبحانه وتعالى حين قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: 12]. هذا المعنى -أو معنى هذه الآية-: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ قالوا علماء التفسير هي الكتابة الإحصائية التي تكون بعد العمل. ثم قال: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [يس: 12]. وكل شيء أحصيناه أي سابقاً في إمام مبين. قال العلماء: الإمام المبين هو اللوح المحفوظ الذي كتبت فيه المقادير سابقاً، فهذا الجزء من الآية يتعلق بالكتابة القدرية. فإذاً في سورة يس في الصفحة الأولى منها يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ هذه كتابة إحصائية، ونكتب ما قدموا يعني اللي بتتقدمه واللي بتعمله يكتب، هاي إحصائية. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ هذه كتابة قدرية. فإذاً هذه الآية جمعت بين الكتابتين.
طيب بقي علينا مسألة واحدة في موضوع الكتابة وهي مسألة المحو والإثبات. مسألة المحو والإثبات من أهم المسائل التي تبحث في موضوع الكتابة مسألة المحو والإثبات. وقد جاءت عدة نصوص في هذه المسألة ظاهرها التعارض؛ يعني هل ما كتب يمحى أو لا يمحى؟ ما كتبه الله عز وجل على الإنسان من أقدار هل تمحى؟ هل تقبل المحو وأن يكتب شيء آخر مكانها؟ أم لا تقبل المحو وكل شيء ثابت وانتهى الأمر؟ هذه تسمى مسألة المحو والإثبات. نعيد تصويرها مرة أخرى: ما كتبه الله عز وجل على هذا الإنسان، ما كتبه الله عز وجل من الأقدار عموماً، هل هناك ما يقبل المحو وأن يكتب قدر آخر بدل منه؟ أم ما تم كتابته فهو ثابت لا يمحى أبداً؟ هذه مسألة تسمى مسألة المحو والإثبات.
نقول هناك نصوص دلت على أن المكتوب لا يمحى أبداً كقوله صلى الله عليه وسلم: «رفعت الأقلام وجفت الصحف» كما جاء في الأحاديث الصحيحة، أن هذا النص ظاهره أنه ما في محو، كل شيء كتب انتهى الأمر رفعت الأقلام وجفت الصحف لن يمحى شيء. لكن في المقابل هناك نصوص يدل ظاهرها على أن هناك محواً وإثباتاً وأقداراً أخرى، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 39]. هذه الآية تدل على أنه في قضية محو وإثبات. طيب فما هو الحق في هذه المسألة؟
نقول بناء على وجود نصوص ظاهرها التعارض -ظاهرها وليس في حقيقتها- وبناء على وجود هذه النصوص المختلفة في هذا الباب، اختلف العلماء في هذه المسألة. بناء على اختلاف النصوص في هذا الباب اختلف العلماء في تقرير هذه المسألة، وهي مسألة اجتهادية -وأكرر هذا قبل أن أخوض فيها- أن هذه المسألة في النهاية مسألة اجتهادية؛ من اتجه إلى عدم المحو هذا رأي، ومن اتجه إلى المحو والإثبات هذا رأي آخر، ولا يجوز أن يبدل أحد الطرفين لأنها مسألة من فروع مسائل الاعتقاد الاجتهادية. وهذا يؤكد كما قلنا في بداية هذه الدورة ليس كل مسائل الاعتقاد قطعية؛ أصول مسائل الاعتقاد هي القطعية، الأصول الكبرى، لكن فروع مسائل الاعتقاد منها ما هو قطعي دلت عليه النصوص صراحة، ومن الفروع ما ليس قطعياً يبقى مجال اجتهاد بين أهل العلم. ومن هذه الفروع الاجتهادية مسألة المحو والإثبات.
ونقول: ذهبت طائفة إلى أن المكتوب لا يتغير، هذا القول الأول أن المكتوب ما كتبه الله على الإنسان وعلى أو في مقادير الخلائق عموماً المكتوب لا يغير أبداً. وما، طيب كيف يتعامل هذا التيار مع النصوص التي تدل على المحو والإثبات؟ قالوا: وما دل من النصوص على المحو والإثبات أو المحو والتغيير فنحملها على معان مجازية، أو على محو وإثبات في غير باب القدر أصالة. حمل بعضهم الآية السابقة: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ على الناسخ والمنسوخ في القرآن. البعض قال المراد: يمحو الله ما يشاه ويثبت ليس محو الأقدار، لا، محو الإثبات هنا هو الناسخ والمنسوخ، أن الله عز وجل كما هو معلوم ينسخ بعض الآيات ويأتي بآيات أخرى على ما تقتضيه حكمته سبحانه وتعالى. فالمحو والإثبات ليس له علاقة بباب القدر بناء على هذا الفهم، وإنما يتعلق بأبواب أخرى مثل أبواب الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم وما شابه.
إذاً الفريق الأول يرى أن كل ما كتب انتهى ولا يمكن أن يمحى شيء، وكل النصوص التي دلت على قضية المحو -طبعا ما في نصوص نقول قطعية على مسائل المحو وإنما هناك نصوص ظاهرها يدل على المحو- فهؤلاء أولوا هذا الظاهر، أولوا هذا الظاهر وصرفوه إلى معان مجازية وإلى ناسخ ومنسوخ أو ما شابه ذلك. طبعا تأويلهم هذا الظاهر ليس بالهوى، اعتماداً على أن هناك نصوص في وجهة نظرهم واضحة تدل على أن المكتوب لا يمكن محوه، فما دل على انه يمحى لابد أن يؤول، فهذا رأي طائفة من أهل العلم.
الطائفة الأخرى، وهم جماهير أهل العلم في الواقع، ذهبوا إلى وقوع المحو والإثبات. هناك طرف آخر من العلماء يرى إمكانية المحو والإثبات. إذاً القول الثاني أقر بوقوع المحو والإثبات، وهذا عليه جماهير العلماء، لكن هؤلاء الذين أقروا بوقوع المحو والإثبات اتفقوا على أن المحو والإثبات لا يكون في اللوح المحفوظ، وإنما يكون المحو والإثبات في صحف أخرى وهي صحف الملائكة، صحف الملائكة أو ما يكتب في التقدير السنوي؛ أي ما يكتبه الله في ليلة القدر، لم يكن هناك تقدير سنوي هو الذي يقبل المحو والإثبات، وأما ما كتب في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة فهذا لا يمحى.
فالذين أقروا بوقوع المحو والإثبات قالوا: المحو والإثبات لا يكون لما كتب في اللوح المحفوظ، وإنما المحو والإثبات يكون لصحف أخرى؛ إما صحف بين يדי الملائكة لأن الملائكة في يدها صحف مكتوب فيها مقادير هذا العالم وهم يسيرون هذه المقادير وفق إرادة الله سبحانه وتعالى، فهناك ملك موكل بالسحاب والقطر وهناك ملك موكل بالأرواح وهؤلاء في أيديهم صحف فيها المقادير. هذه المقادير الموجودة في صحف الملائكة قال العلماء هي التي تقبل المحو والإثبات. والبعض رأى أن المحو والإثبات يكون في التقدير السنوي وليس في التقدير الكوني الذي يكون قبل خلق السماوات والأرض، التقدير الذي يكون في ليلة القدر البعض قال هو الذي يقبل المحو والإثبات، وأما ما كان في اللوح المحفوظ فلا يقبل المحو والإثبات. وعليه حمل هؤلاء قوله صلى الله عليه وسلم: «رفعت الأقلام وجفت الصحف» أن رفع الأقلام وجف الصحف إنما هو لما في اللوح المحفوظ، هنا نعم كل شيء انتهى، وأما ما دون اللوح المحفوظ فهذا يقبل المحو والإثبات. وعليه ذهب كثير من العلماء إلى قولهم إن كيف أن الدعاء يغير الأقدار، لما ذكروا أن الدعاء كيف يؤثر في الأقدار ويغير الأقدار؟ أولاً الدعاء هو من القدر هذا أول شيء، ثانياً طيب كيف الدعاء يمكن أن يرد القدر كما قلنا الدعاء يستطيع أن يغير الأقدار.
القدر المكتوب في صحف الملائكة أو المكتوبة في ليلة القدر في كل عام، ولكنه لا يغير القدر الذي في اللوح المحفوظ؛ كيف ذلك يا شيخ؟ الله سبحانه وتعالى في اللوح المحفوظ فيما هو عنده يعلم أنك ستدعو، وكتب أنك ستدعو.
والله عز وجل في اللوح المحفوظ كتب أنك بعد أن تدعو سيكون لك كذا وكذا بناء على الدعاء، لكن الصحف التي في أيدي الملائكة نعم فيها أقدار ظاهرة للملائكة بين أيدي الملائكة لا يوجد فيها أنك ستدعو، فأنت حينما تدعو الله عز وجل يأمر الملائكة بأن تغير هذا القدر إلى قدر آخر تلبية لدعائك واستجابة لدعائك، والملائكة قد لا تعلم، قد لا تعلم ما هو مكتوب في اللوح المحفوظ، لأن الله عز وجل كما قلنا هو.
وكتب سابقا في لوحه المحفوظ أنك ستدعو، وأن دعاءك سيترتب عليه كذا وكذا من الخير لك في الدنيا أو في الآخرة فهذا مكتوب في اللوح المحفوظ ومنتهي منه، فأي عملية دعاء تقوم بها مكتوبة في اللوح المحفوظ. طيب كيف إذا الدعاء يرد القدر كما يقول؟ وكما جاء في بعض الآثار كيف الدعاء إذا له علاقة بالأقدار؟ نقول: الدعاء بناء على رأي جماهير أهل العلم إنما يرد القدر بمعنى أنه يغير الأقدار المكتوبة في صحف الملائكة، فهذه الأقدار المكتوبة في صحف الملائكة أو التي كتبت في ليلة القدر بناء على رأي الجمهور تقبل المحو والإثبات، فإذا مثلا.
مثلا كتب في صحف الملائكة أنك ستتعرض لحادث سير لا قدر الله، فدعوت الله عز وجل في صبيحة هذا اليوم أن يحفظك ويحفظ عيالك كذا ونفسك، فبسبب هذا الدعاء الذي دعوته في صبيحة اليوم أمر الله عز وجل الملائكة أن تغير ما هو مكتوب لك في صحفها التي بين أيديها، أنك ستخرج روحك وتقبض إلى أجل محتوم في عمر عبدي، لكن الله سبحانه فيما عنده في اللوح المحفوظ يعلم أنك ستدعو في صبيحة هذا اليوم وأنها بسبب دعائك سيرد عنك هذا الحادث، وهو سبحانه يعلم أنه سيأمر الملائكة أن تغير ما في الصحف التي بين أيديها.
فالصحف التي في أيدي الملائكة مكتوب فيها قدر، هذا القدر يمحى ويكتب بسبب دعائك قدر آخر، لكن هل دعاؤك يؤثر فيما هو في اللوح المحفوظ؟ كلا، لماذا؟ لأن دعاءك مكتوب في اللوح المحفوظ أصالة، فلا تقلق.
طيب الآن أحبتي بعد أن انتهينا من هذه المسألة مسألة المحو والإثبات ننتقل إلى المرتبة الثالثة مرتبة المشيئة، انتهينا مسألة مرتبة العلم ثم المرتبة التي تليها مرتبة الكتابة أنا أنتقل للمرتبة الثالثة مرتبة المشيئة، بسم الله.
ما المراد بمرتبة المشيئة؟ الحمد لله، المقصود بمرتبة المشيئة أن الله سبحانه وتعالى شاء كل شيء مما وقع ومما سيقع، وأنه لا يقع شيء في الوجود إلا بمشيئته وإرادته وأنه لا يخرج شيء من الموجودات عن إرادته.
أعيد هذه المرتبة مرة أخرى؛ المقصود بمرتبة المشيئة أن الله شاء كل شيء مما وقع وسيقع، وأنه لا يقع شيء في الوجود إلا بمشيئته وإرادته وأنه لا يخرج شيء من الموجودات عن إرادته. طبعا هذا التعريف لمرتبة المشيئة هو.
قربوا أمس المشيئة الكونية القدرية التي سنأتي إليها الآن، لكن هناك نوع آخر من المشيئة يسمى المشيئة الشرعية سنفصل بعد قليل، المشيئة على نوعين، هناك مشيئة قدرية كونية هي التي عرفتها الآن بهذا التعريف، وأما المشيئة الشرعية.
تطرق إليها بإذن الله بعد أن نعرف المشيئة الكونية القدرية، إذا مرتبة المشيئة هي المرتبة الثالثة من مراتب القدر، فمراتب القدر علم وكتابة ومشيئة ثم خلق، والمشيئة إذا ندخل مباشرة في التفصيل الذي سنذكره، المشيئة على نوعين لما نتكلم عن مشيئة الله فنقول: أهل السنة والجماعة وهذا مما امتاز به أهل السنة والجماعة.
عن غيرهم من الفرق الكلامية أنه هذا موطن إشكال كبير بين أهل السنة والمتكلمين، أهل السنة والجماعة يقسمون المشيئة الإلهية إلى نوعين وقالوا النصوص الشرعية من الكتاب ومن السنة تدل على وجود هذين النوعين، فليست المشيئة واحدة بل هناك نوعان للمشيئة الإلهية بالاستقراء لنصوص الكتاب.
والسنة وليس من الأهواء والعقول تؤخذ هذه المسائل، طيب ما هي وهو الشكل الأول من أشكال المشيئة الإلهية؟ الشكل الأول هي المشيئة الكونية القدرية، المشيئة الكونية القدرية تسمى المشيئة كونية وتسمى الإرادة الكونية، يجوز أن تسميها مشيئة كونية ويجوز أن تسميها إرادة كونية، هذا جائز وهذا جائز، مشيئة كونية تساوي إرادة كونية.
ما معناها؟ معناها ما ذكرناه قبل قليل وهو أنه لا يحدث شيء في هذا العالم، لاحظوا العظمة الإلهية، لا يحدث شيء في هذا العالم إلا وقد شاءه الله، سواء كان محبوبا له كالإيمان وانتصار المؤمنين أو مبغوضا له كوقوع الكفر وانتصار الكافرين، لا يحدث شيء في هذا العالم إلا بمشيئة الله سواء كان هذا الشيء الواقع بالمشيئة الكونية.
محبوب له سبحانه يحبه الله كانتصار المؤمنين وإسلام الناس ودخولهم في دين الله أفواجا، أو كان هذا الشيء الواقع بمشيئة الله الكونية مبغوضا له سبحانه وتعالى كانتصار الكافرين على المؤمنين في بعض الوقائع وكفر بعض الناس، فهذا مبغوض له لكنه شاءه كونا وقدرا لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى، تمام.
وهذا طبعا يدل على القضية التي سنقررها الآن كثيرا، وهي أن المشيئة الكونية لا تعني ولا تستلزم أن الله سبحانه وتعالى يحب ما وقع، إذا شاء الله وقوع شيء كونا فهذا لا يستلزم عند أهل السنة والجماعة أن الله يحب ما وقع، فالله شاء كما قلنا أن ينتصر الكفار على المؤمنين في بعض المشاهد، لكن هل هو يحب ذلك.
وهل يسره ذلك؟ لا، والله عز وجل شاء انتصار المؤمنين على الكافرين وشاء أن يدخل كثير من الناس في هذا الدين، فهو شاء ذلك قدرا وهو يحبه أيضا سبحانه وتعالى ويريده شرعا كما سيأتي معنا.
الآن ما هو الدليل على المشيئة الكونية؟ هناك آيات كثيرة وأحاديث كثيرة لو جمعناها يطول بنا المقام، دعوني على أي واحدة فقط به يصل المعنى، قال سبحانه وتعالى ولا ساذكر آيتين لأن هنا دونت آيتين.
الآية الأولى قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. يعني إذا أراد لاحظ المصطلح الإرادة.
إذا أراد الله إرادة هناك كونية إذا أراد الله أن يقع شيء فقط كن يقول سبحانه كن فيكون، لا يحتاج إلى أكثر من ذلك، إنما أمره ويخبرنا سبحانه وتعالى عن نفسه، إنما أمره إذا أراد شيئا يعني إذا أراد الله إرادة كونية قدرية بأن يقع شيء فقط يقول سبحانه كن فيكون هذا الشيء حاصلا واقعا.
ومن الآيات على ذلك أو الدالة من الآيات الدالة على هذان قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: 253]، ولاحظوا هنا الجمع بين المشيئة والإرادة في آية واحدة، الجمع بين المشيئة والإرادة في آية واحدة، ولو شاء الله ما اقتتلوا أي لو شاء الله ألا يقتتلوا لما اقتتلوا، لو شاء الله أن هؤلاء لا يقتتلوا لما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد، والإرادة هنا إرادة كونية، والمشيئة في الآية.
مشيئة كونية، فهذه الآية أثبتت المشيئة بلفظ المشيئة وأثبتت الإرادة بلفظ الإرادة، فهناك إذا مشيئة كونية وإرادة كونية لا ارتباط لها بالحب والبغض الإلهي، لا المشيئة الكونية أن يقع الحدث بمشيئة الله كونا، سواء كان يحبه الله أو يبغضه الله سبحانه، لكنه شاءه عز وجل قدرا وكونا.
الشكل الثاني من كان المشيئة هو المشيئة الشرعية التي قلنا سنتحدث عنها، المشيئة الشرعية والإرادة الشرعية، وننبه بعض الطلبة قد يظن أنه لا يصح استعمال لفظ المشيئة الشرعية، لا، بل يصح استعمال هذا اللفظ، تقول المشيئة الشرعية وتقول الإرادة الشرعية، كما قلنا المشيئة الكونية والإرادة الكونية، فنقول إذا الثاني من أشكال المشيئة المشيئة الشرعية.
وهي أيضا الإرادة الشرعية، مثل هذا، ما معناها؟ المشيئة الشرعية والإرادة الشرعية أحبتي هذه متعلقة بالامر والنهي، متعلقة بأوامر الله ونواهيه، وما معناها؟ أن ما أحبه الله سبحانه وتعالى وطلب منا أن نقوم به وامرنا به فقد شاءه شرعا أو قل أراده شرعا، وما يبغضه الله سبحانه وتعالى من الأعمال ونهانا عنه وزجرنا عن فعله فهو لا يشاؤه شرعا.
ولا يريده شرعا، أعيد مرة أخرى؛ ما يحبه الله سبحانه وتعالى من الأعمال، مثل الصلاة والزكاة والصيام وقيام الليل وقراءة القرآن والتسبيح، هذه الأعمال يحبها الله، فما يحبه الله من الأعمال وطلب منا أن نقوم به وامرنا به.
فهذا هذه الأعمال نقول يشاؤها شرعا يريدها سبحانه وتعالى شرعا يريدها منا شرعا، هذه إرادة شرعية، ويبغضه سبحانه وتعالى من الأعمال ونهانا عنه من الفواحش والمحرمات والغيبة والنميمة، فهذا النوع لم يرده شرعا ولم يشأه شرعا، لابد تقول ولم يشأه شرعا، كلمة شرعا هنا مهمة تمام أحبتي؟ فنقول فهو يشاء سبحانه الإيمان والطاعة والعبادة، يشاء سبحانه الإيمان والطاعة والعبادة.
ما معنى أن الله يشاء الإيمان والطاعة والعبادة هنا؟ بمعنى أنه يحبها، هذا معنى أن الله يشاء الإيمان، أن الله يشاء الطاعة أو يريد منا الإيمان، يريد منا الطاعة، ما معنى المشيئة هنا؟ ما معنى الإرادة هنا؟ هنا ليس معناها القدر، لا، هنا معناها المحبة والرغبة والرضا عن هذا الفعل.
وفي المقابل لا يشاء الله الكفر، لما تقول الله لا يشاء الكفر، لا يشاء النفاق، ما معنى نفي المشيئة هنا؟ يعني نفي المشيئة أن الله لا يحب الكفر، لا يرضى عن الكفر تمام؟ إذا ولا يشاء الكفر والنفاق بمعنى أنه يبغضها ولا يريدها من العبيد شرعا، ولا يريدها من العبيد شرعا.
لكن ركزوا الآن هنا دقيقة مهمة؛ لكن هذا النوع من المشيئة والإرادة اللي هي المشيئة الشرعية والإرادة الشرعية ليس له علاقة بالمشيئة الكونية والارادة الكونية، يعني بما يقع قدرا وكونه، فهو سبحانه وتعالى يشاء شرعا ويريد شرعا بمعنى أنه يحب ويرضى، يريد شرعا ويشاء شرعا من أبي جهل ومن أبي لهب الإسلام.
هذه مشيئة شرعية، لكنه لم يردها ولم يشأها قدرا وكونا، فهو مع أنه يريد شرعا من أبي جهل الإسلام لكنه لم يرد أن يقع منه ذلك قدرا وكونا، طيب لماذا؟ لحكمة أرادها سبحانه، قد يفتح لنا طرف من فهم هذه الحكم وخبئ عنا الكثير من أسرار هذا الباب، لكننا ننطلق من منطلقاتنا في التفكير في القضاء والقدر أننا نؤمن بحكمة الله البالغة أدركناها فتح لنا منها طرف أو أغلقت علينا، المهم أننا نؤمن بحكمة الله البالغة.
فنقول: الله سبحانه وتعالى أراد شرعا من أبي جهل الإسلام وأراد شرعا من أبي لهب الإسلام، لكنه لم يرد ولم يشأ ذلك كونا وقدرا، فهناك انفصال بين الإرادتين وبين المشيئتين.
طيب يا شيخ نريد دليل على أن هناك نوع من الإرادة والمشيئة اسمها الإرادة الشرعية، من أين أتيت لنا بها؟ نقول: هناك أدلة كثيرة حفيظة على هذا النوع من الإرادة، الإرادة الشرعية يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 27]، والله يريد أن يتوب عليكم.
ما معنى الإرادة هنا؟ الإرادة هنا هي الإرادة الشرعية، يعني الله يحب ويريد شرعا أن يتوب عليكم، الله يرضى ويحب هذا الأمر، لكن اقبلوا عليه سبحانه وتعالى وتوبوا إليه، تجدون ربا محبا للتوبة، مريدا.
﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا﴾ [النساء: 27]، ثم قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: 28]، الله يريد هنا يحب هنا الآيات لا تتكلم عن إرادة كونية، تتكلم عن إرادة شرعية، ما يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه لعبيده، والله يريد أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا.
وقال سبحانه وتعالى في آية أخرى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، يريد الله بكم اليسر ولا يريد. لاحظوا إثبات للإرادة ونفي للإرادة، الإرادة المثبتة والارادة المنفية هي الإرادة الشرعية، يعني يريد الله ويحب لكم اليسر ويرضاه لكم، ولا يريد أي لا يحب ويبغض العسر لكم، فإذا هناك إرادة أيضا شرعية دلت عليها النصوص المستفيضة في الكتاب والسنة.
إذا عرفت ذلك فنقول إن العلاقة انتبهوا على هذه الخلاصة؛ أن العلاقة بين المشيئة الكونية والمشيئة الشرعية هي علاقة العموم والخصوص الوجهي. كيف ذلك؟ نقول: هناك إذا أربع أشكال من يعني هناك أربع احتمالات نقول عقلية إذا عرفتم ما هي المشيئة الشرعية وما هي المشيئة الكونية؟ نقول: هناك أربع احتمالات في العقل بناء على ذلك.
الاحتمال الأول: أن يكون الشيء مرادا شرعا لله وفي نفس الوقت هو مراد كونا لله، أن يكون الشيء مرادا شرعا لله ومرادا قولا لله، مثال ذلك إيمان أبي بكر الصديق، إيمان أبي بكر الصديق يريده الله شرعا أن يحبه ويرضاه هذا معنى يريده شرعا، وفي نفس الوقت أراده سبحانه وتعالى قدرا وكونه، فأبو بكر الصديق كان من الناحية القدرية الكونية أيضا مؤمن، فهنا اجتمعت الإرادتان في فعل واحد تمام تقول فهذا جيل أراده الله شرعا بمعنى أنه يحبه ويريده من أبي بكر وهو مراد كونا أيضا بمعنى أنه قدره سبحانه.
الحالة الثانية: أن يكون الشيء مرادا شرعا لله لكنه لم يرده كونا، ومثلنا على ذلك بإيمان أبي جهل، إيمان أبو جهل هل الله عز وجل كان يريده شرعا؟ يعني يحبه ويرضاه بالتأكيد، لكنه لم يرده ولم يشأه كونا وقدرا.
لم يرده ولم يشأه كونا وقدرا لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى. الحالة الثالثة: أن يكون الشيء مرادا كونا يعني هذه عكس الحالة الثانية، الحالة الثالثة: أن يكون الشيء مرادا كونا لكنه.
غير مراد شرعاً أن يريد الله وقوع شيء في الكون، لكنه سبحانه وتعالى لا يحبه ولا يرضاه، ومثال ذلك كفر الكافرين عموماً؛ كفر أبي جهل، وكفر أبي لهب، وغيرهم ممن ماتوا على الكفر. هذا شيء أراده الله كونا، وشاءه الله كونا، لكنه لم يشأه شرعاً ولم يرده شرعاً؛ يعني لا يحبه ولا يرضاه.
الصورة الرابعة والأخيرة، وهو أن يكون الشيء غير مراد شرعاً ولا قدراً ولا كونا، أن يكون الشيء غير مراد لا شرعاً ولا قدراً وكوناً، كفر من مات على الإيمان؛ الآن شخص مات على الإيمان، مثل أبي بكر الصديق، كفر أبي بكر الصديق هذا شيء لم يرده الله كونا، أي لم يقدره الله في الكون والقدر، وكذلك لم يرده شرعاً فهو لا يحبه سبحانه وتعالى، فهذا مثال على شيء لم يرده الله لا كونا ولا قدرا.
إذاً، هكذا يفهم أهل السنة والجماعة المشيئة الإلهية بتقسيمها إلى نوعين: مشيئة شرعية ومشيئة كونية، ولا تلازم ولا ارتباط بين هذين النوعين.
إذا فهمتم الباب بهذه الصورة تستريحون وتتضح عندكم كثير من الإشكاليات أعصت على أئمة الكلام؛ أئمة الكرام أخطأوا فيها وتاهوا فيها، لكن من يأخذ عقيدته من الكتاب والسنة يصل إلى الراحة التامة وإلى ما ينسجم مع العقل السليم وما ينسجم مع العقل السليم.
يعني ليس فقط دلالات الكتاب والسنة دلالات خبرية غير معقولة، بل الدلالات القرآنية والنبوية هي التي تنسجم مع العقل السليم ومع الواقع.
فدعونا أحبتي الآن ننظر أين أخطأت الفرق الكلامية في فهم المشيئة الإلهية؟ أين أخطأت الفرق الكلامية في فهم المشيئة الإلهية؟ نقول أحبتي: قد أخطأت أكثر الفرق الكلامية في فهم الإرادتين.
الآن سأبين الفرق التي حادت عن منهج أهل السنة والجماعة وأخطأت في فهم باب المشيئة أو مرتبة المشيئة، نقول: وقد أخطأت أكثر الفرق الكلامية في فهم الإرادتين، فذهبت طائفة من المتكلمين لإثبات الإرادة الكونية فقط، يعني هناك طائفة من المتكلمين قالوا: الإرادة نوع واحد، وهي إرادة كونية أو المشيئة الكونية، ولا يوجد هناك ما يسمى المشيئة الشرعية أو بالإرادة الشرعية.
هذا تيار كبير من المتكلمين، وعلى رأسهم الأشاعرة، ذهبوا إلى هذا المنحنى ونفوا وجود الإرادة الشرعية لله، وهؤلاء يسمون في كتب العقائد الفرق الجبرية، لأن كما سيتضح معناها لماذا سموا بالجبرين؟ أنهم يقولون: إن العبد مجبر على عمله.
المهم، الطائفة الأولى هي التي تقول: الله عز وجل له إرادة واحدة فقط هي إرادة كونية، لا توجد إرادة تسمى إرادة شرعية، والفرق التي تتبنى هذه النظرة هي الفرق التي تسمى في كتب العقائد بالفرق الجبرية، وسنعرف حقيقة هذا الاسم.
فهؤلاء زعموا أن كل ما يحدث في الكون من الكفر والمعاصي قد شاءه الله سبحانه وتعالى وأراده، وبالتالي هو يحبه ويرضاه، وانظروا فداحة هذا القول، انظروا هذا القول كيف يقرر هذه المسائل بطريقة منحرفة ومشوهة تماماً وفيه نسبة للنقص لله سبحانه وتعالى، تعالى الله عز وجل عما يقول أهل البدع علواً كبيراً.
يقولون: الله سبحانه وتعالى كل ما يحدث في هذا الكون حتى من الكفر والذنوب والمعاصي فقد شاءه كونا ويحبه ويرضاه، ولولا أنه يحبه ويرضاه لما شاءه كونا، فهؤلاء ما عندهم انفصال وانفكاك بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية، قالوا: لا، بما أن الله أراد الشيء كونا فأراد كفر أبي جهل وكفر أبي لهب، بما أنه أراده كونا إذا هو رضيه واحبه واختاره واصطفاه.
وهذا قول كما قلنا شنيع فيه نسبة النقص إلى الله سبحانه وتعالى، وان كان اربابه الذين يقولون به كما قلنا سابقا، وقلنا باب القدر الفرق عموما أرادت فيه تنزيه الله سبحانه وتعالى عن الظلم ووصف الله بالعدل، لكنهم تاهوا في تحقيق العدل الإلهي، تاهوا في تحقيق العدل الإلهي ونسبوا الظلم والنقص لله عز وجل من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
حينما تقول: الله عز وجل أحب ورضي لكفر الكافرين لأنه شاءه كونا، أليس هذا فيه نسبة للنقص للرب سبحانه؟ قضية تحتاج إلى إعادة تفكر من الكلاميين في مآلات هذا الكلام وفي فداحته، نسأل الله السلامة والعافية.
وقولهم في المشيئة هذا القول الذي قالوه في المشيئة هو متعلق بقولهم بأن العبد؛ متعلق بقولهم ايش؟ العبد مجبور على فعله، لاحظوا الارتباط الآن بين الاقوال العقدية.
هم قالوا: الله سبحانه وتعالى مشيئته كونية فقط، فما شاءه كونا إذا هو أحبه ورضي به، هذا القول متعلق ومرتبط بماذا بقول الفرق الجبرية بأن العبد مجبور على فعله مقهور عليه ولا توجد عنده إرادة واختيار لأفعاله.
وهذا قول غريب، يعني هذا القول أنا أعتبره انتكاسة في الفطر ومخالفة للضرورة العقلية، أن تقول إن الله سبحانه وتعالى أجبر العبد على فعله فالعبد لا يملك أي اختيار على التصرفات التي يقوم بها، إذاً قول هذه الفرق في المشيئة هو متعلق بقولهم بأن العبد مجبور على فعله، ومن هنا سميت هذه الفرق بالجبرية.
فقالوا: إن العبد؛ لاحظوا ما معنى الجبر؟ الجبر معناه أن العبد لا قدرة له على فعله، فهو مسلوب الإرادة تماماً ولا يملك أي اختيار أبداً، حركات العباد من الصلاة والزكاة والبيع والشراء والنكاح إلى غيرها هي تشبه حركات الأشجار حينما تهب عليها الرياح، لما تهب الرياح على الشجر فتتحرك الأغصان، تحرك الأغصان هنا تحرك قهري ليس بإرادة هذه الأغصان وإنما بسبب هبوب الرياح عليها، فكذلك العبد تحركاته في هذه الحياة الدنيا كتحركات أغصان الأشجار حينما تهب عليها الرياح.
وبما أن العبد؛ لاحظوا ماذا سيكمل؟ إذاً العبد لا قدرة له على فعله وهو مسلوب الإرادة والاختيار تماماً، فحركات العباد تشبه حركات الأشجار أو أغصان الأشجار حينما تهب عليها الرياح، وبما أن العبد لا يصدر منه أي اختيار لأفعاله، لا يملك؛ لا تملك أن تختار فعلك، بالتالي قالوا: لا معنى لإثبات إرادة ومشيئة شرعية منفصلة عن الإرادة الكونية.
بالتالي إذاً لا معنى لإثبات إرادة شرعية ومشيئة شرعية منفصلة عن الإرادة الكونية، يعني لا معنى لأن تقول هناك شيء يحب الله من عبده أن يفعله ويطلب منه القيام به، لماذا؟ لماذا في وجهة نظرهم لا معنى لإثبات إرادة شرعية منفصلة عن الإرادة الكونية؟ لأن العبد لا يستطيع أن يختار بنفسه المرادات الشرعية وما يحبه الله وما يطلبه الله منه، لأن العبد في وجهة نظرهم هو مجبور مقهور على تصرفاته التي يقوم بها.
كيف انسان ماسك انساناً ويوجهه يميناً وشمالاً، هكذا العبد عندهم، كإنسان مسك انساناً وهو يوجهه يميناً وشمالاً، الإنسان الممسوك مسلم تماماً لا يستطيع أن يدافع، هكذا العبد عند الفرق الجبرية، ليس له أي اختيار أي إرادة لأفعاله.
بما أنه ليس له أي إرادة أي اختيار لأفعاله وإنما هو مجبور مقهور عليها، بالتالي لا معنى لأن نخاطبه بإرادة شرعية ونقول له إن الله يريد منك شرعاً، أي يحب منك شرعاً أن تفعل كذا وأن تعطي الفقراء وأن تحفظ القرآن وأن تفعل، لا معنى لأن تقول له ذلك أن الله يحب؛ يريد منك؛ يشاء منك شرعاً، لماذا؟ لأنه ليس له قدرة على أن يلبي هذه المحبة، ليس له قدرة على أن يختار مرادات الله شرعاً فهو مجبور مقهور على المرادات الكونية، فلا معنى لإثبات إرادة شرعية بناءً على ذلك.
انظروا كيف قولهم في الجبر أداهم إلى نفي الإرادة الشرعية لله سبحانه وتعالى، فبما أن العبد لا يستطيع أن يختار ما يحبه الله بل هو مجبر على كل شيء يصدر منه، فمن العبث إذاً أن يريد الله منه شيئاً شرعاً ليقوم به، من العبث بما أن هذا العبد مجبر، من العبث إذاً أن يريد بمعنى أن يحب أن يريد شرعاً أن يحبه ويرضى منه سبحانه ويطلب منه أن يفعل شيئاً، لأنه في النهاية هو مجبر على كل أفعاله.
فباختصار الجبري الذين قالوا إن العبد مجبر على فعله ولا اختيار له تماماً، وبالتالي خالفوا الضرورة العقلية أحبتي، نحن العقلية وبفطارنا النقية ندرك أن عندنا اختيار وأننا نخطط لأهدافنا ونسعى في حياتنا ونذهب إلى المطاعم والمشارب والمدارس والمحاضرات، هذا كله باختيارنا.
فهذا القول قول الجبرية كما قلت هو مخالف للضرورة العقلية ولحقائق الوجود، لكن سبحان الله الفتن حينما تأتي على عقول علماء الكلام لا يستطيعون ردها والشبه حينما ترد عليهم من منابع أخرى، من منابع الفلاسفة الضالين المنحرفين عن منهج الشرع وعن منهج الإله، للأسف يسلمون لهذه المناهج الضالة المبتدعة ويقرون بها ويعرضون عن العقل السليم وعن جليات الفطر وعن الدلائل والبراهين الواضحة في الكتاب والسنة.
لذلك أنا أؤكد على أهمية مصدرية القرآن والسنة ليس فقط من أجل البركة ومن أجل أننا مؤمنون، بل لأنها تحفظ عقولنا من الخطل ومن الزلل ومن الابتعاد عن فهم بحقائق هذه الحياة، وعن فهم مركزية الإنسان في هذا الوجود، وعن علاقة الإنسان بالله سبحانه وتعالى.
انظروا أحبتي الفرق الكلامية لما أخذت من الفلسفة الإغريقية كيف فهمت علاقة الإنسان بربه علاقة مشوهة، علاقة في الحقيقة لو أتينا نقول: ليست علاقة جبر، بل علاقة جائرة، أن هذا الإنسان مجبر وفي نفس الوقت سيحاسب عند الله سبحانه وتعالى! أليس هذا فيه نسبة الظلم لله وإن كنتم تسمون أنفسكم أنكم ترفعون عنه الظلم؟ هذا هو الظلم بعينه، أن يكون الإنسان مجبراً لا اختيار له بشكل من الأشكال ثم يحاسب على ما هو مجبر مكره عليه، فهذا مخالف كما قلنا لما ندركه من أنفسنا، ولما دل عليه كتاب ربنا، ولما دلت عليه سنة نبينا صلى الله عليه وسلم.
تمام، الآن هناك صنف من الجبرية وهم الأشاعرة، يعني الأشاعرة في الحقيقة هم شكل من أشكال الجبرية وقولهم هو قول يؤول إليه، لكنهم حاولوا أن يزينوه وأن يخففوا من وطأته.
ماذا قال الأشاعرة في موضوع أفعال العباد؟ وكيف أن العبد مجبور عندهم على طرائقهم؟ نقول: هناك صنف، شكل من أشكال الجبرية، يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه وتعالى، وهذا يقوله أهل السنة، العباد؛ أفعال العباد مخلوقة لله وسنقرر ذلك إن شاء الله، وللعبد قدرة.
هؤلاء؛ هذا الشكل من الجبرية وهم الأشاعرة، يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة لله والعبد له قدرة عليها، لكنها قدرة غير مؤثرة، يعني الأشاعرة لما رأوا قبح كلام الجبرية أو غلاة الجبرية، غلاة الجبرية قالوا: العبد ليس له أي قدرة، الآن الأشاعرة لما رأوا هذا القول فيه شيء كبير من القبح ومخالفة للواقع، أرادوا أن يخففوا من وطأة هذا القول، الأشاعرة يتجهون نحو الجبر ويريدون أن يقولوا بالجبر، لكن أنهم ما استطاعوا أن يقولوا العبد لا قدرة له لأن هذا يخالف الواقع، لكنهم وصلوا إلى قول غلاة الجبرية بطريق التفافية، فماذا قالوا؟ قالوا: أفعال العباد هي خلق الله، وهذا نتفق فيه مع الأشاعرة، لكنهم ثم ماذا قالوا بعد ذلك؟ قالوا: أفعال العباد مخلوقة لله وللعبد قدرة عليها لكنها قدرة غير مؤثرة، لكنها قدرة غير مؤثرة.
فقال: هناك قدرة للعبد لكنها قدرة غير مؤثرة، طبعا كيف قدرة لكنها غير مؤثرة؟ هم أنفسهم أظنهم لا يعقلون ما يقولون، هذا يعرف عند الأشاعرة أحبتي معروف في كتب العقائد باسم نظرية الكسب عند الأشعري، يسمونها نظرية الكسب، لأن الأشاعرة يقولون: أفعال العباد هي كسب للعباد لكنها خلق لله سبحانه وتعالى، ويقصدون بالكسب؛ ماذا يقصدون بالكسب؟ أن العباد لهم قدرة على أفعالهم لكنها قدرة غير مؤثرة، يعني قدرة لا اعتبار لها، قدرة لا اعتبار لها تماماً.
ونكمل ونعلق على قول الأشاعرة ونقول: وهذه النظرية نظرية الكسب هي من النظريات العقائدية المشكلة التي عدها العلماء من العقيدة التي لا حقيقة لها في المنطق، ما في لها حقيقة في المنطق السليم.
هناك ثلاث مسائل يقول العلماء لا حقيقة لها في المنطق أبداً: طفرة النظام، له مسألة عقدية اسمها الطفرة، وهذه نتطرق لها إن شاء الله في المطولات، وأحوال أبي هاشم، مسائل الأحوال وهي مسائل تتعلق بصفات الله سبحانه، وأحوال أبي هاشم هذه فكرة في باب العقائد أتي بها أبو هاشم المعتزلة ثم تابعوا عليها كثير من فرق متكلمة.
المهم، طفرة النظارة؛ فكرة الطفرة التي أتى بها النظام، وفكرة الأحوال التي أتى بها أبو هاشم في العقائد، وكسب الأشعري؛ فكرة الكسب التي أتى بها أبو الحسن الأشعري في باب العقائد، هذه الأفكار الثلاث لا حقيقة لها وغير مفهومة ولا تتلائم مع المنطق السوي، يعني قد نتحاور مع المتكلمين في إنكارهم لصفات الله سبحانه وتعالى ونفهم ماذا يريدون ونخطئهم عليه، يعني كلام المعتزلة كلام الأشاعرة في نفي الصفات الإلهية نحن نفهمه، يعني نعقل ماذا يقولون ونحكم عليه بالبطلان.
لكن نظرية الكسب نحن وهم لا نعرف ما هي حقيقة الكسب، ما هي صورتها؟ كيف يكون للعبد قدرة على فعله لكنها قدرة ملغية غير مؤثرة؟ إذاً ما فائدة هذه القدرة؟ ألغي هذه القدرة تماماً وقل العبد مجبور كما يقول غلاة الجبرية، أنا أنت فقط خفف من حدة قول غلاة الجبرية.
ولذلك كما قلت لكم: طفرة النظام وأحوال أبي هاشم وكسب الأشعري، هذه الأمور الثلاث مخالفة للعقل والمنطق، مخالفة للعقل والمنطق ولا وجود لها في الواقع، وإنما هي أمور نحاول أن نتفهم ماذا يريدون منها وإن كانت لا حقيقة لها، وإن كانت لا حقيقة لها حتى في المنطق والضرورات العقلية.
إذ لا معنى لوجود قدرة غير مؤثرة إلا أنه هو الجبر، لكنهم ليخففوا من حدة القول بالجبر تصوروا إمكانية وجود قدرة لكنها نظرة غير مؤثرة، لذلك الجرجاني لاحظ من أقول؛ يعني أنا لم أقل ابن تيمية ولم أقل ابن القيم، بل العلماء أصالة غير اللي ابن تيمية وغير ابن القيم.
وجاني في كتابه المعروف التعريفات لما أتى لنظرية الكسب عند الأشاعرة، أدخلها ضمن دائرة الجبر. انظر ماذا قال الجرجاني؟ يقول الجبرية اثنتا -هذا كلام الجرجاني- يقول الجبرية اثنتان: جبرية متوسطة -يعني خفيفة- وهي التي تثبت للعبد كسبا كالأشعرية. هكذا قال كالأشعرية. فنظرية الكسب عند هي شكل من أشكال الجبر، لكنها يعني شكل مطور أو عبارة أخف، أما هي في الواقع جبر جبر وخالصة، لا تثبته كالجهمية.
يقول إذا الجرجاني: الجبرية اثنتان، متوسطة تثبت للعبد -يعني جبرية خفيفة شوية، أخف حالا من الغلاة- وهي التي تثبت للعبد كسبا وهم الأشعرية. وخالصة لا تثبت للعبد أي كسب، وهذه الجبرية غلاة الجبرية هم الجهمية اتباع الجهم بن صفوان.
تمام. الطائفة الثانية الآن -انتهينا من الطائفة الأولى التي تقول إن إرادة الله فقط هي إرادة كونية، ولا يوجد هناك شيء يسمى إرادة شرعية، بمعنى أن الله يحب ويرضى ويطلب، يحب ويرضى ويطلب- الإرادة الشرعية، ركزوا على هذه المصطلحات الثلاث: يحب ويرضى ويطلب، يعني هو أمرنا، لما يأمرك الله بشيء إذا هو يحب هذا الشيء، أمرنا بالإيمان، أمرنا بالصلاة، أمرنا بالزكاة، إذا أمره لنا دلالة محبة ورضا. لكن الجبرية لا يقرون بهذا الشكل، لا يؤمنون بهذا الشكل، وينظرون فقط إلى وجود إرادة كونية.
وإذا أراد الله شيئا كونا عندهم فهو يحبه ويرضاه، تعالى الله عما يقولون. طيب، نذهب الآن إلى الطائفة الثانية، وذهبت طائفة لإثبات الإرادة الشرعية ونفي الإرادة الكونية. الطائفة الثانية هي التي ذهبت إلى الاتجاه المعاكس تماما، قالت إرادة شرعية فقط، يثبت الإرادة الشرعية أن الله يحب أشياء لذلك طلبها منا، ويبغض أشياء -يعني لم يردها شرعا لذلك نهانا عنها- ولا توجد إرادة كونية قدرية. وهؤلاء خطير جدا، لأنه هنا دخلنا في مسائل القدر، أنهم نفوا أن الله له مشيئة كونية يشاء الأشياء في القدر، نفوا وجود مشيئة كونية قدرية لله سبحانه وتعالى.
فهؤلاء خطؤهم شنيع في باب القدر، وإن كانت الفرقة السابقة أيضا خطؤها شنيع في باب الجبر. لكن هؤلاء الذين نفوا الإرادة القدرية وأثبتوا فقط إرادة شرعية -يعني إرادة أمر ونهي، هناك أمور يطلبها الله منا يحب منا أن نفعلها، وهناك أمور لا يحبها الله فينهانا عن فعلها، لكن ما يحدث بعد ذلك في الكون فلا يحدث بمشيئة الله عندهم تعالى الله عما يقولون- نقول وذهبت طائفة لإثبات الإرادة الشرعية ونفي الإرادة الكونية نفوا، وهؤلاء يسمون القدرية. فالقدرية في علم العقائد مقابلة للجبرية، الفرق القدرية، القدرية هذا مش اسم فرقة معينة، لا، يعني هذا معتقد، معتقد اسمه القدرية، الذين يعني كل الفرق تنفي الإرادة الكونية تسمى قدرية.
وتقول إن العبد يفعل فعله من دون مشيئة الله، يعني هناك ارتباط بين هذين القولين، هؤلاء تسمى الفرق القدرية. وأما الفرق التي تقول الإرادة فقط إرادة والعبد مجبر على فعله هاي تسمى فرق جبرية. فالجبرية مقابلها القدرية، لابد نضبط هذه المصطلحات حتى نفهم كلام أهل العلم. فنقول أحبتي وذهبت طائفة لإثبات الإرادة الشرعية ونفي الإرادة الكونية، وهؤلاء يسمون القدرية.
فزعموا أن كل ما يحدث في هذا الكون يحدث، لاحظوا خطورة هذا القول: زعموا أن كل ما يحدث في هذا الكون في هذا العالم يحدث من دون مشيئة الله، وإنما المشيئة الإلهية فقط مشيئة شرعية، إنه يحب شيئا ويرضاه شاءه شرعا، ويبغض شيئا وينهى عنه لا يريده شرعا، لكن هل ما يحدث في هذا الكون ومن أعمال العباد هل هو بمشيئة كونية أرادها الله كونا؟ لا، هذا في وجهة نظر القدرية، وعلى رأسهم المعتزلة.
يعني أبرز فرق القدرية هي المعتزلة، فعندما يكفر الكافر عندهم فهذا شيء لم يقدره الله كونا وهو مبغوض له سبحانه، يعني الله يبغض الكفر من الكافرين، وحينما يقع الكافر في الكفر فهذا شيء لم يرده الله كونا عندهم. وكذلك عندما يؤمن الإنسان في العكس -يعني عندما يؤمن الإنسان- فهذا شيء يحبه الله سبحانه، لكنه أيضا لم يشأه قدرا ولم يرده قدرا، وإنما هذا الإنسان باختياره من دون مشيئة الله القدرية هو الذي اختار أن يتجه إلى الإيمان أو يتجه إلى الكفر. وقولهم في المشيئة الإلهية متعلق ومرتبط ارتباطا وثيقا بماذا؟ بقوله إن العبد يملك الحرية المطلقة في اختيار فعله، لاحظوا ارتباط هذا بهذا. قالوا لا توجد مشيئة كونية.
هذا القول مرتبط بقول آخر لهم، وهو أن العبد هو الذي يختار فعله بحرية مطلقة، بحرية مطلقة واختيار مطلق، ولا علاقة لمشيئة الله سبحانه وتعالى بما يختاره العبد ويذهب إليه، فأفعاله أي أفعال العبد تحدث بمشيئة العبد المطلقة، ولا دخل للمشيئة الإلهية فيها. وإنما الله سبحانه وتعالى هو فقط يخبر العبد: يا عبدي أنا أحب كذا وكذا من الأعمال وأطلب منك أن تفعلها، وأبغض كذا وكذا من الأعمال وأطلب منك أن تجتنبها، هذه هي الإرادة الشرعية.
وأما ما سيقع من العبد بعد ذلك فهذا عندهم بإرادة العبد وبمشيئته، والله سبحانه وتعالى لا له، لا مشيئة له ولا إرادة له كونية تفرض على العبد شيئا في ذلك تمام. وإنما الله سبحانه عندهم يخبر العبد ما يحبه وما يبغضه، والعبد بعد ذلك يفعل من دون تدخل من المشيئة الإلهية، من دون تدخل من المشيئة الإلهية. طبعا وترتب على هذا بما أن العبد هو الذي يختار فعله تماما من دون تدخل للمشيئة الإلهية الكونية، نتج عن هذا قول آخر عندهم، وهو أن العبد هو الذي يخلق فعله بنفسه.
ليس الأفعال من خلق الله عند القدرية، بل العبد يخلق فعله بنفسه. فانظروا تلازم هذه الأقوال الثلاثة: نفى هؤلاء الإرادة الكونية، وهذا مرتبط بأن العبد له الاختيار المطلق والمشيئة المطلقة في اختيار تصرفاته، ثالثا العبد هو الذي يخلق التصرفات والأفعال والله لا يخلق شيئا، فنفوا المشيئة ونفوا الخلق، فهذه الثلاثة أقوال مرتبطة مع بعضها البعض.
كما أن الجبرية قالوا بالعكس: المشيئة فقط مشيئة كونية، والعبد مجبر على أفعاله، وليس له أي مشيئة، ولا توجد أي مشيئة للعبد وأي اختيار يستطيع أن يمارسه. هذه الثلاثة أقوال تقابل هذه الثلاثة أقوال. وهدى الله أهل السنة والجماعة للحق: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: 29]. في آخر سورة التكوير بكل بساطة -سورة مكية علمها النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة وهي في مكة- يعلمهم مسائل القدر بكل وضوح: هناك مشيئة لك أيها العبد، لكنها لا تخرج عن مشيئة الله، فهناك مشيئة شرعية ومشيئة كونية، له اختيار لكن مشيئة العبد واختيار العبد لا تخرج عن مشيئة الله واختيار الله له كونا وقدرا.
فإذا أهل السنة والجماعة جمعوا بين العقل والنقل، وأما الفرق الكلامية التي اتجهت نحو العقل، وزعمت أن العقل هو الذي سيرشدهم في باب القضاء والقدر، انظروا إلى نتائج العقول، أين قادتهم؟ فنسأل الله أن يهدينا دائما إلى الصواب والحق.
هكذا انتهينا من تفصيل المرتبة الثالثة مرتبة المشيئة. ودعوني أحبتي انتقل للمرتبة الرابعة والأخيرة، لعلنا ننهي بابا في هذا اليوم، فنقول المرتبة الرابعة هي مرتبة الخلق. نقول أحبتي في المرتبة الرابعة مرتبة الخلق: أولا علينا أن نستحضر هذا التدرج في مراتب القضاء والقدر، فابتدأنا أولا بمرتبة العلم، ثم انتقلنا بعد ذلك إلى مرتبة الكتابة، ثم انتقلنا إلى مرتبة المشيئة، ثم انتقلنا إلى مرتبة الخلق.
فهذه المكونات الأربع هي التي ينبني عليها باب القدر عند أهل السنة والجماعة، فلابد أن تؤمن بعلم الله بنوعيه، العلم السابق الأزلي والعلم المتجدد المتعلق بالأشياء بعد وقوعها. لابد أن تؤمن بالكتابة بأنواعها، لابد أن تؤمن بالمشيئة بنوعيها، والآن ننتقل إلى المرتبة الأخيرة، وهي مرتبة الخلق لكل شيء في هذا الكون. ما هو المقصود أولا بهذه المرتبة؟ المقصود بهذه المرتبة هو أن يؤمن الإنسان بأن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، فهو خالق كل عامل وعمله، وهو خالق كل عامل وما عمله هذا العامل، وهو خالق كل متحرك وحركته، وهو خالق كل ساكن وسكونه.
إذا هذه مرتبة أن تؤمن بأن الله سبحانه وتعالى خلق كل شيء منفصل عن ذاته، أن الله خلق كل شيء منفصل عن ذاته سبحانه وتعالى، فهو سبحانه الذي أوجده من العدم. والدليل على هذه المرتبة هناك أدلة كثيرة مستفيضة متواترة في الكتاب والسنة تدل عليها، وأنا هنا فقط في كل مرتبة أشير إلى دليل أو مما يؤدي الغرض معنا. قال سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: 62]. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96] أي خلقكم وأعمالكم، رأي طائفة من المفسرين. وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله خالق كل صانع وصنعته»، يعني الإنسان وما يصنعه.
ونلاحظ هنا التركيز على موضوعين: على خلق الانسان والكائنات، وخلق أعمال الإنسان أعمال الكائنات، فكلاهما مخلوق لله سبحانه وتعالى. وهذا التركيز بسبب أن كثير من الطوائف الكلامية ضلت في هذا الباب. فنقول إذا أهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الله سبحانه وتعالى خلق كل شيء منفصل عنه في هذا العالم، الله سبحانه وتعالى خلق كل شيء في هذا العالم، والله سبحانه وتعالى خلق الكائنات وخلق أعمال الكائنات.
خلق الكائنات وخلق أعمال الكائنات، ونخصص أكثر الكلام فنقول: والله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وخلق أعمال الإنسان، فأعمالنا مخلوقة لله سبحانه وتعالى، أعمالنا مخلوقة لله سبحانه وتعالى. وسنعلق على قضية خلق أفعال العباد عند أهل السنة بعد أن ننهي ذكر المناهج التي ضلت في هذا الباب. فنقول أحبتي من الذي ضل في هذا الباب؟ هل هناك أحد أنكر أن يكون الله عز وجل هو الخالق المتفرد بالخلق في هذا العالم؟
نقول نعم للأسف، بعض الطوائف الكلامية من أهل الملة انحرفت في هذا الباب، كما قلنا فلسفية جعلتها تحيد عن الصواب. ضل في هذا الباب طائفتان: الطائفة الأولى طائفة زعمت أن الله لم يخلق شيئا من أفعال العباد، وهذا هو المشكلة، المشكلة التاريخية بين فرق الإسلامية هي مشكلة أفعال العباد. من الذي خلق أفعال العباد؟ الآن الذي خلق العباد الله سبحانه وتعالى باتفاق الإسلاميين، اتفاق الإسلاميين، لكن من الذي خلق أفعال العباد؟ هنا الاشكال بين الطوائف.
فزعمت طائفة وهم القدرية أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق شيئا من أفعال العباد، سواء الأفعال الخيرة طاعات أو الأفعال السيئة المعاصي، بل العباد هم الذين يخلقون أفعالهم. وهذا كما قلنا رأي القدري عموما وعلى رأسهم المعتزلة. الطائفة الأخرى طائفة زعمت أن الله سبحانه وتعالى خلق الخير والطاعات فقط ولم يخلق المعاصي والذنوب، أن الله يخلق فقط الطاعات، وأما المعاصي والذنوب فهذه يخلقها العباد من قبيل أنفسهم. وهؤلاء هذه الطائفة الثانية قولها وهو أخف ضرر من الطائفة الأولى، لكن أيضا فيه نسبة النقص لله سبحانه وتعالى.
إن أثبتوا أن ما يحدثه العبد من المعاصي والذنوب فهذا مجرد خلق للعبد واختيار للعبد، والله سبحانه وتعالى غير مسلط عليه أبدا. وهذا وإن هم أرادوا أن ينزهوا الله، لكنهم وقعوا في النقص من حيث لا يشعرون. هذه الطائفة ظنت أن نسبة خلق المعاصي والذنوب التي يفعلها العبد لله سبحانه وتعالى نقص، انظروا أين دخل عليها الخطأ والخلل، ظنوا أن القول بأن الله هو الذي يخلق المعاصي والذنوب التي يفعلها العبد ظنوا أن هذا نقص، فقاموا فنفوا خلق الله عز وجل لهذه الذنوب والمعاصي، فوقعوا في باب آخر من إثبات نقص آخر لله، وهو أن قدرة الله عز وجل تتسلط في الخلق على الطاعات والخيرات ولا تتسلط على الذنوب والمعاصي، وهذا نقص من شكل آخر لو أنهم فطنوا لذلك.
لكن لقوة شبهة هذه الطائفة الثانية، انخدعت بها كثير حتى من أصحاب الحديث وأئمة الحديث. لذلك يقول الإمام أحمد: إذا فتشت في أهل البصرة وجدت ثلثهم قدريا. يقول أحمد بن حنبل: إذا فتشت في أهل البصرة وجدت ثلثهم قدريا. كيف يكون ثلث أهل البصرة قدريا؟ في البصرة انتشر هذا القول، هذا القول قول الطائفة الثانية التي تقول إن الله يخلق الطاعات ولا يخلق المعاصي، هذا القول انتشر وفشى في البصرة، حتى عند رواة الحديث ورجالات الحديث ونقلته.
وعرفنا الشبهة أين دخلت عليهم، أنهم ظنوا أن نسبة خلق المعاصي والذنوب إلى الله نقص، فأرادوا أن ينفوا النقص من هذه الجهة في وجهة نظرهم، كما تخيلوا وتوهموا أنها نقص فنفوا خلق الله عز وجل لها، فوقعوا في إثبات نقص آخر لله عز وجل، وهو أنه كما قلنا قدرته محصورة في جانب دون جانب، وهذا ليس بفهم صحيح لعقيدة أهل السنة والجماعة ولما دلت عليه النصوص.
إذا طائفة زعمت أن الله خلق الخير والطاعات، أما الشر والذنوب والمعاصي فلم يخلق، وهذا القول ذهب إليه طائفة من رواة الحديث في البصرة ظنا منهم أنهم ينزهون الله عز وجل به، وهؤلاء هم الذين يقول فيهم أحمد بن حنبل: إذا فتشت في أهل البصرة وجدت ثلثهم قدريا. مما ينبغي التنبيه عليه أحبتي هنا، أنبه على قضية. طبعا أهل السنة والجماعة بماذا يؤمنون -أنا قبل أن أدخل هذا التنبيه- أهل السنة والجماعة يقولون: الله عز وجل هو الذي خلق الطاعات وهو الذي خلق الذنوب والمعاصي التي يفعلها العباد، والعباد لهم قدرة واختيار لأفعالهم.
هذه المشاهد يجب أن تلتئم في ذهنك أيها المسلم، مشهد العلم السابق والكتابة السابقة والمشيئة بنوعيها الكونية والشرعية، وأن الله هو الذي يخلق أفعال العباد، يخلق الطاعات التي يفعلها العباد، ويخلق المعاصي التي يفعلها العباد. فيأتي هنا سؤال: كيف يخلق الله عز وجل المعاصي والذنوب؟ أو لماذا يخلق الله المعاصي والذنوب؟ هذا سؤال يتردد على أذهان كثير، لماذا يخلق الله الذنوب والمعاصي مع أنه سبحانه وتعالى لا يحبها ولا يشاؤها شرعا ولا يريدها شرعا؟
الم نقل ذلك؟ فنقول مما ينبغي التنبيه عليه أن كل أفعال الله وكل خلق يقوم به الله فهو خير. من أصول أهل السنة والجماعة أن كل فعل يفعله الله ويقوم في ذاته أي فعل يفعله فهو خير. ومن هذه الأفعال التي تقوم في ذات الله ويفعلها الله عز وجل الخلق، هذا فعل يفعله الله، وخلق الله هذا الفعل دائما خير ولا يوجد فيه شر.
ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم في الدعاء المشهور: «والشر ليس إليك». فانتبهوا لما أقوله؛ أفعال الله كلها خير، ومنها الخلق. فخلق الله سبحانه وتعالى لأفعال العباد هذا الخلق العملية أو الفعل الذي يقوم في ذات الله هو الخلق لأفعال العباد بغض النظر عن فعل العبد هل هو طاعة؟ يعني بغض النظر عن الفعل المخلوق هل هو طاعة أو معصية؟ فعل الله عز وجل هو خير.
فعل الله خير ولا ينسب الشر إلى فعل الله، فإياك أن تقول إن فعل الله فيه ما هو خير وفيه ما هو شر؛ أخطأت. فعل الله دائما خير، دائما فيه الحكمة، دائما فيه مصلحة، علمها من علمها وجهلها من جهلها. وعقولنا لا تستطيع أن تدرك كل هذه المصالح والحكم التي يريدها الله من خلقه للأفعال الخيرة التي يفعلها العباد ومن خلقه للأفعال السيئة التي يفعلها العباد.
إذن كل أفعال الله خير، ففعل الله سبحانه لا يوصف بالشر ولا يمكن أن يكون شرا كما قال صلى الله عليه وسلم: «والشر ليس إليك». وإنما طب يا شيخ كيف يوصف هذا الفعل بأنه خير وشر؟ ألا نصف بعض الأفعال بأنها خيرة وبعض الأفعال أنها شرة، أنها فيها شر أو شريرة أو سيئة؟ فنقول: وإنما التفريق بين الخير والشر إنما هو بالنسبة للمفعول المخلوق.
علينا أن نفرق بين قضيتين؛ بين الفعل الإلهي وهو الخلق، هذا كله خير، وبين المفعول، يعني المخلوق الذي ينتج عن الخلق، هذا قد يكون خيرا وقد يكون شرا. هذا المفعول قد يكون خيرا وقد يكون شرا، وخيره وشره بالنسبة للإنسان وللوجود على هذه الأرض. وأما بالنسبة لفعل الله سبحانه وتعالى فهو خير دائم، هو خير، هذا الفعل، فعل الخلق، هو خير دائما.
لكن المخلوق، المفعول، منه ما هو خير ويدرك الإنسان بفطرته أنه خير له ويجلب الخير للبشرية، ومنه ما هو شر ويدرك الإنسان بفطرته أنه شر. مثلا الزنا؛ يدرك الإنسان بفطرته وبعقله وما أودعه الله من قدرات أن الزنا كفعل هو شر. طب لماذا خلق الله فعل فلان الفلاني للزنا؟ أه نقول: خلق الله سبحانه وتعالى لزنا فلان الفلاني خلق الله، فعل الله هو خير وفيه مصلحة وفيه حكمة يعلمها سبحانه.
لكن هذا الفعل المخلوق، المفعول، أه نعم، هذا الفعل بالنسبة للإنسان هو شر، بالنسبة للإنسان هو شر. وقس على ذلك أكل فلان الربا، سرقة فلان لغيره؛ هذه المفعولات المخلوقات وأفعال العباد التي يقومون بها هي مفعولات مخلوقات خلقها الله. فنقول: خلق الله هذا القائم في ذات الله، خلق الله لسرقة فلان، هذا الخلق فيه خير وفيه حكمة إلهية قطعا، لكن نفس الفعل المخلوق المفعول هو شر للإنسانية.
فعلينا أن نفرق باختصار بين الفعل وهو الخلق وبين المفعول وهو المخلوق. وأهل السنة والجماعة مما يميزهم أنهم يفرقون بين الجهتين. واما الطوائف أو كثير من الطوائف الكلامية يخطئون فلا يفرقون بين الخلق والمخلوق، لا يفرقون بين الجهتين. أهل السنة والجماعة يقولون: هناك فرق بين الفعل القائم في ذات الله وهو خلقه سبحانه وتعالى للشيء، فهذا الفعل القائم في ذات الله وهو فعل للتخليق هذا دائما خير وفيه حكم يعلمها سبحانه وتعالى.
لكن المفعول المخلوق الناتج عن عملية التخليق هذا المفعول المخلوق منه ما هو خير للإنسان ومنه ما هو شر للإنسان. فوصف مفعولات المخلوقات أو قل بعبارة أخرى وصف أفعال العباد، إنه أفعال العباد هي نفسها المفعولات والمخلوقات لله سبحانه؛ فوصف أفعال العباد التي هي مفعولات ومخلوقات لخلق الله بالخير والشر إنما هذا بالنسبة للبشر، بالنسبة لنا أن منها ما هو خير لنا ومنه ما هو شر.
وأما بالنسبة لله سبحانه فخلقه لهذه المخلوقات ولهذه المفعولات هو خير دائما، بغض النظر عن طبيعة هذا المخلوق الذي خلق. فمن أحسن التفريق بين الجهتين عرف طبيعة هذا الباب، وأما من لم يحسن التفريق بين الخلق وهو الفعل الإلهي وبين المخلوق وهو والثمرة الناتجة لم يحسن التفريق بين البابين واختلطت عليه الأمور.
فنقول إذا باختصار وفهم هذه المسألة -أو قبل أن أذكر أنا ذكرت مثال سابق- وإنما التفريق بين الخير والشر إنما هو بالنسبة للبشرية. فالله خلق كفر أبي جهل، وهذا الفعل منه سبحانه، خلقه لكفر أبي جهل، هذا خير يعلمه سبحانه. طب لو إنسان هيك جالس ممكن أنه نفكر أحيانا في هذه الحكمة؟ تستطيع أن تفكر وأن تتلمح كثير من هذه الأمور.
ومن أبرز هذه الأمور التي تظهر في خلق الله سبحانه وتعالى للشر هو أن الله يريد أن تظهر آثار أسمائه الحسنى وصفاته العلى. فكيف سيظهر اثر اسم الله المنتقم واسم الله الجبار إذا لم يكن هناك أناس يستحقون للانتقام والتجبر؟ كيف سيظهر اسم الله العفو التواب إذا لم يكن هناك أناس يخطئون فيفعلون المعاصي ثم يتوبون فيتوب الله عز وجل عليهم؟ فظهور آثار أسماء الله الحسنى بجميعها اقتضى أن توجد هناك المعاصي والذنوب والكفرة وما شابه ذلك.
أيضا لو فكرت أكثر وأكثر؛ طبعا هذه الأسئلة أنا أجيب الآن إجابات مختصرة وإلا يعني هذا الجواب الذي قدمته البعض يرد عليه جواب آخر، وهو: ألم يكن الله قادرا أن تظهر آثار أسمائه من دون أن يفعل هذه؟ هناك أسئلة كثيرة تتعلق باب القضاء والقدر ولا تسمح بطرحها، وأجاباتها تحتاج إلى جلسات مطولة علمية، لكن أنا فقط أريد أن افتح الأذهان لبعض القضايا.
من الحكم التي يذكرها ابن القيم رحمه الله عليه في طريق الهجرتين لخلق الله سبحانه وتعالى للشر -يعني هذه مسألة شهيرة أظن أنها واقعة اليوم في واقعنا المعاصر وعليها اعتراضات وإجابات ودورات كاملة الآن، لماذا خلق الله الشر؟ كتب صنفت في هذا الباب يعني إن شاء الله ندلكم على كثير منها- لكن هنا فقط إشارة سريعة يقول ابن القيم: إن من حكمة خلق الله عز وجل أو من حكم خلق الله سبحانه وتعالى الشر أنه يريد سبحانه وتعالى أن يظهر تميز عباده المؤمنين الصابرين الثابتين على هذا الدين حينما يتسلط عليهم الكافرون الفجرة فيقاتلونهم ويحاربونهم.
فيثبت المؤمنون ويظهرون الصبر لله سبحانه وتعالى والطاعة رغم الأشلاء والدماء ورغم ما أصاب من الوهن والضعف والإصابات، يثبتون على هذه القضية. فيباهي الله سبحانه وتعالى بهذه الثلة المؤمنة الصابرة ملائكته يقول: انظروا لعبادي الذين أطاعوني والذين عبدوني طوعا منهم، الذين عبدوني طوعا منهم مع أنهم ليسوا مجبرين على عبادتي كما أنتم أيها الملائكة فطرتم خلقتم على جبلة العبادة لله، أما هؤلاء عبدوني طوعا وصبروا من أجلي وثبتوا وتحملوا الجراح من أجلي.
يباهي الله عز وجل بهذه الثلة المؤمنة ملائكته في السماوات العلى، فهذه المباهاة وهذا الصبر وهذا الثبات الذي يظهره المؤمنون لابد أن يكون في مقابله ما يتسلط على المؤمنين، وإلا كيف يظهر الثبات والصبر والاحتساب لله سبحانه وتعالى إذا لم يكن هناك عدو يخاصم هؤلاء؟ فلو نظرت إذا في حكم خلق الله عز وجل للشر علمت أن خلق الله سبحانه وتعالى للشر هو خير لحكم عظيمة بالغة يعلمها سبحانه وتعالى.
وإنما الشر فيه بالنسبة إليك أيها الإنسان، والله سبحانه وتعالى له الحكم المطلق وله الإرادة المطلقة، واعلموا أن حكمة الله بالغة وأنه سبحانه لم يظلم أحدا، وأن لنا البشرية قاصرة عن إدراك أسرار كل هذا الباب. المنطلقات الثلاث دائما أريد أن تكون حاضرة معكم وأنتم تفكرون في مسائل القدر وفهم هذه المسألة، مسألة الفرق بين الخلق والمخلوق، أن الخلق دائما خير لكن المخلوق هو الذي ينقسم إلى الشر والى خير.
هذه المسألة فهم ينبني على أصل مهم عند أهل السنة وهو التفريق بين الفعل والمفعول. فخلق الله للطاعات والمعاصي هذا فعل قام في ذات الله، الخلق، وهو دائما خير أدركناه أو لم ندركه، وأما المخلوق المفعول وهي نفس الذنوب والمعاصي أو الطاعات والخيرات التي يقوم بها الإنسان فهذه منها ما هو خير ومنها ما هو شر بالنسبة للبشرية.
السؤال الأخير ساختم به هذه المحاضرة بإذن الله، يعني هو الذي بقي علي أن أجيب عنه في هذه الدورة المختصرة، وهو: كيف يكون العبد فاعلا لفعله مع أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الفعل؟ وهذا يهمني عندما أجيب عن الجبرية. الآن الجبرية من الأشاعرة ومن سار على نهجهم، سواء غلاة الجبرية من الجهمية أو متوسطة الجبرية من الأشاعرة، يقولون: أنتم يا أهل السنة والجماعة تقولون إن الله خلق أفعال العباد؟ فنقول: نعم. وتقولون أيضا إن العبد له قدرة على إقامة هذا الفعل وعلى إحداثه، أليس كذلك؟ فنقول: نعم، هناك قدرة للعبد وهناك خلق من الله سبحانه وتعالى. فكيف يكون هذا؟
الجبرية ريحوا أنفسهم بوجهة نظرهم وقالوا: الآن أحبتي، الجبرية ذهبوا إلى طريقة واحدة وهو أن العبد لا يملك قدرة. والأشاعرة التفتوا قالوا: قدرة غير مؤثرة، وهو في الواقع إذا عندهم لا يملك قدرة، وأن الله هو الذي يخلق أفعال العباد. فقالوا: الله يخلق أفعال العباد لكنهم نفوا قدرة العبد على الفعل.
المعتزلة تطرفت بالجهة المقابلة تماما؛ أثبتت القدرة المطلقة للعبد والاختيار المطلق وخلق العبد لفعله، ونفوا خلق الله سبحانه وتعالى لأفعال العباد. جاء أهل السنة والجماعة ليقفوا الموقف الوسط، فقالوا: الله يخلق أفعال العباد، لكن العباد لهم قدرة مؤثرة، والله سبحانه وتعالى هو الذي منحهم هذه القدرة المؤثرة وخلق فيهم هذه القدرة المؤثرة.
طيب الآن ساعطيكم أمثلة من الواقع المعاصر لتفهموا هذه الفكرة أكثر وأكثر. نقول في إجابة هذا السؤال -السؤال هو نعيده: كيف يكون العبد قادرا على فعله فاعلا له بحيث ينسب الفعل إلى العبد مع أن الله هو الذي خلق هذا الفعل؟ هذا هو السؤال- ونقدم الإجابة.
الإجابة باختصار نقول: إن الله سبحانه وتعالى خلق العبد وخلق الفعل. الله سبحانه خلق العبد وخلق الفعل -وركزوا الآن- وجعل سبحانه العبد سببا في ايجاد الفعل وخلقه. كيف ذلك يا شيخ؟ نقول: العبد علاقته بفعله، علاقة الإنسان بفعله، هي علاقة السبب بالمسبب تماما.
خذوا مثال من الواقع: فكما أن الله سبحانه وتعالى خلق الطعام وخلق الشبع الذي ينتج عن الطعام، لكنه سبحانه وتعالى جعل الطعام سببا في خلق الشبع وفي إيجاده، فكذلك الله سبحانه وتعالى خلق العبد وخلق الفعل وجعل العبد سببا في خلق الفعل وفي إيجاده. يعني الله خلق الفعل بواسطة أو بتوظيف العبد ولا إشكال في ذلك، كما أنه يخلق الشبع بسبب الطعام وهو سبحانه خالق الطعام وخالق الشبع، لكن خلقه للشبع كان بواسطته يعني بسبب الطعام.
مثال آخر: النار والإحراق، إيش العلاقة بينهما؟ أليست النار هي السبب في الإحراق؟ والله هو الذي خلق النار وخلق الإحراق، لكن كيف نفهم ذلك؟ نقول: الله عز وجل خلق النار ثم خلق الإحراق بواسطة النار. طب يا شيخ أليس الله عز وجل كان قادرا أن يخلق الإحراق من دون توسط النار؟ أليس كان سبحانه قادرا أن يخلق الشبع من دون توسط الطعام؟ أليس كان سبحانه قادرا أن يخلق فعل العبد من دون توسط العبد؟ نقول: بلى كان قادرا.
وخلقه للشبع بواسطة الطعام ليس لافتقاره سبحانه أو احتياجه، وخلقه للاحتراق بواسطة النار ليس لافتقار واحتياج سبحانه، وخلقه لأفعال العباد بواسطة العباد ليس لافتقاره سبحانه، بل لأنه أراد بحكمته السابقة أن يكون هذا العالم يجري على قانون السببية. أراد الله بحكمته السابقة وبعلمه العظيم أن يجري هذا العالم على قانون السببية، مع أنه سبحانه وتعالى قادر على أن يفعل ما يشاء، لكنه سبحانه وتعالى أراد لحكمة يعلمها أن يفرض قانون السببية في هذا الكون.
هذا القانون الذي تنكره الأشاعرة ومن سار في مسارهم، لأن الأشاعرة لا يقولون إن الإحراق نتج عن النار وأن النار هي التي سببت الإحراق، وهذا من غريب قولهم. يقولون: الإحراق وقع عند وجود النار وليست النار واسطة سببا في الإحراق. يقولون: الشبع للإنسان يحصل عند الطعام وليس الطعام سببا في الشبع.
وإنكارهم قانون السببية هذه إشكالية عقلية وجودية في الحقيقة فتحت الباب للإلحاد وللمشككين في هذا الدين، لأنهم يطعنون من خلال هذا الفكر أنكم أيها الأشاعرة تنفون قانون السببية. طبعا الفكر الإلحادي هو لا يفرق بين الأشعري وأهل السنة والمعتزلة، هو يتعامل مع هذه الفرق على أنها تمثل الإسلام، فحينما يطعن في الإسلام يطعن فيه يقول: دين ينفي السببية في هذا الكون.
فنقول لهذا الملحد المشكك: انتظر، الذي ينفي السببية ليست دين وإنما هي فرقة أخطأت في فهم الدين، فلا ينسب رأي الأشاعرة ومن تابعهم إلى الدين في هذه القضية. هذا الكون أودعه الله عز وجل السببية؛ سبب ومسبب، فكما قلنا الله عز وجل خلق النار وجعل النار وسيلة وسببا في خلق الإحراق، فهو خلق الإحراق وجعل النار سببا في الخلق. ألم يكن قادرا على أن يخلق الإحراق من دون نار؟ نقول: كان.
قادراً بالتأكيد على أن نخلق الإحراق من دون نار، لكن سبحانه لم يشأ ذلك، بل شاء أن يخلق الإحراق بالنار. وشاء ذلك يكون هذا العالم يجري على قانون السببية، فليس لك أن تعترض على الله سبحانه وتعالى في طريقة خلقه للأشياء، وليس خلقه للإحراق بتوسط النار دليل على الافتقار والاحتياج. هذه فكرة غلط لا يوافق عليها العقل السليم، الله مستغنٍ عن كل شيء، فإذا كان سبحانه توسط النار لخلق الإحراق فهل هذا دليل على احتياجه؟
الله عز وجل كيف خلق آدم؟ ألم يخلق آدم من طين؟ سؤال: لماذا الله عز وجل خلق آدم من طين؟ ألم يكن قادراً على أن يخلق آدم من دون طين؟ انظروا التسلسل في مثل هذه الأسئلة التي يطرحها الفكر الأشعري. أليس الله قادراً أن يخلق آدم من دون طين؟ لماذا إذا جعل الطين وتوسط الطين في عملية الخلق؟ هل لأنه سبحانه يحتاج إلى الطين في عملية الخلق لآدم ولم يكن قادراً على أن يخلقه من ضيق؟ أنتم نظرتم كيف الطريقة الفكرية أو الطريقة العقلية الخاطئة في هذا الباب التي ينطلق منها فكرة الاحتياج.
يعني إذا استخدم الله أو توسط الطين في خلق آدم معناه افتقار، إذا وسط النار في خلق الإحراق معناه افتقار، إذا وسط الطعام في خلق الشبع معناه افتقار. خطأ هذا لا يدل على افتقار، وإنما هو طريقته سبحانه في الخلق، له أن يختار ما يشاء وليس لك أن تعترض على منهجه سبحانه وإرادته في الخلق. فنقول: الله عز وجل خلق النار وخلق الإحراق بسبب النار، وظيف الإحراق -عفواً- وخلق الإحراق بسبب النار، وظف النار في خلق الإحراق، سبحانه وتعالى له أن يفعل ما يشاء، وله أن يخلق ما يشاء كما يشاء.
ونأتي إلى أفعال العباد، إذا فهمتم هذه القضية خلاص اتضحت الأمور. الله عز وجل خلق العبد وخلق أفعال العباد بواسطة العباد، قانون السببية، والعبد -لاحظوا- العبد يقدر على فعله، وقدرة العبد على فعله كما قلنا هذه ضرورة عقلية وشيء ندركه في فطرنا. فنحن ندرك أننا حينما نأكل بقدرة خلقها الله سبحانه وتعالى فينا، وحينما نذهب ونأتي وندرس ونقرأ بقدرة خلقها الله سبحانه وتعالى فينا. فالله عز وجل خلق هذا العبد وأودعه وخلق فيه قدرة، هذه القدرة يوظفها العبد في الفعل، يوظفها العبد في اختيار أفعاله وفي القيام بها وفي ممارستها.
فبالتالي يكون خلق الله لأفعال العباد بواسطة العباد، خلق الله لأفعال العباد بقانون السببية بتوسط العبد في ذلك، بقانون السببية المشهور والذي تدور عليه كثير من حركات هذا الكون.
فإذا ولما كان الإنسان -طيب كيف إذا لماذا- لا ينسب الفعل إلى الله سبحانه وتعالى؟ لماذا أنت عندما نقول: ذهب محمد إلى المدرسة، وذهب وقرأ زيد الكتاب. لاحظوا هكذا نقول، أنت لاحظ أننا في اللغة العربية ننسب الأفعال إلى العبيد لا ننسبها إلى الله. لو كان العبد مجبراً على فعله أحبتي إذا ما صح نسبة الفعل إلا العبد إلا على تجوز بعيد، لكن الأفعال: ذهب، وجاء، وأكل، وشرب تنسب إلى حقيقة. كيف تنسب إلى العبد حقيقة؟ فنقول ولما كان الإنسان هو الذي باشر الفعل المخلوق نسب الفعل إليه؛ الإنسان هو الذي يباشر الفعل المخلوق، هو الذي يباشر الطعام والأكل، هو الذي يباشر النوم، هو الذي يباشر القراءة، هو الذي يباشر الذهاب، هو الذي يباشر الاتيان، وليس الله هو الذي يباشر هذه الأمور.
الذي يباشر الأفعال -انتبهوا- هو الإنسان، والله سبحانه يخلق هذه الأفعال بسببية الإنسان، بتوظيف الإنسان، بواسطة الإنسان، عبر كما تشاء. إذا فهمت المعنى، الله عز وجل يخلق هذه الأفعال بهذا الإنسان، فهذا الإنسان هو الذي يباشر الأفعال، فهذا الإنسان بالتالي هو الذي يباشر الأفعال فلما يباشرها يخلق الله سبحانه وتعالى الفعل. إذا ولما كان الإنسان هو الذي باشر الفعل المخلوق نسب الفعل إليه، فقيل: أكل فلان، وآمن محمد، وكفر زيد.
ونسبة الفعل إلى الله هي نسبة الخلق. الآن هذا الفعل الأكل الشرب هذا الفعل هو يعني نسبته إلى الله علاقته بالله هي علاقة خلق؛ أن الله خلق الأكلة، خلق الشرب من زيد، خلق النوم من زيد، ولكن بسببية زيد بتوسط زيد. وهذه سببية ليست سببية افتقار واحتياج من الله لزيد حتى يخلق الفعل، وإنما هي سببية أراد الله عز وجل أن تكون سائرة في هذا الكون.
كما أننا نقول لا إن ليس في حياتنا نقول: أحرقت النار الخشبة. هكذا أنتم تقولون: أحرقت النار الخشبة، وأشبع الطعام زيدا. فالنار هي التي أحرقت الخشبة، ولا يوجد أحد في العربية قال إن نسبة الإحراق إلى النار نسبة مجازية، لا يوجد أحد قال هذا في العربية. وأشبع الطعام زيدا، ما في أحد يقول أن هذه نسبة كل العرب قاطبة إذا قالت: أحرقت النار الخشبة، فنسبة الإحراق إلى النار كما درسنا في البلاغة إسناد حقيقي وليس مجازي. وأشبع الطعام زيداً نسبة حقيقية.
وهناك أقوال شاذة خرجت بعد ذلك من المتأخرين الأشاعرة الذين خاضوا في البلاغة حاولوا أن يجعلوا مثل هذه النسب أحريقت النار الخشبة اجعلوها مجازية. وهنا انتبهوا بعض الأشاعرة الذين خاضوا في البلاغة جعلوا هذه النسب مجازية، وهذا خطأ، هذه نسب حقيقية لكن للأثر العقدي حاولوا أن يتلاعبوا ببعض قضايا اللغة العربية وهذا عند المتأخرين فقط.
إذاً أحرقت النار الخشبة نسبة حقيقية، النار أحرقت الخشبة، فالإحراق ينسب إلى النار لأن النار هي التي باشرت هذا الفعل، والاشباع ينسب إلى الطعام لأن الطعام هو الذي باشر هذا الفعل، والذهاب والمجيء والصعود والنزول ينسب إلى الإنسان لأن الإنسان هو الذي باشر هذا الفعل، والله يخلق هذا الفعل بسببية هذه الأشياء.
الله يخلق هذا الفعل بسببية هذه الأشياء وقانون السببية هذا قانون أودعه الله في الكون. فالله عز وجل ينزل ثروة يخلق النبات بسببية المطر هكذا الحياة. الله عز وجل مثلا لا يأتي على ذهني الآن أمثلة قضية الإحراق قضية الشبع كثير من الأمور، المهم أن الله عز وجل يخلقها باسباب أخرى ها يخلقها بأسباب أخرى، فتظوظف أسباب في خلق أشياء أخرى. والله هو الذي خلق السبب وخلق المسبب، فلابد تستحضر كل هذه المشاهد في سبب في هذا العالم وفي مسبب، والله خلق السبب وخلق المسبب وجعل السبب طريقاً لخلق المسبب.
ولكن هل توظيف السبب في خلق المسبب افتقار واحتياج؟ حاشاه سبحانه وتعالى عن ذلك تماماً. إذاً هي فقط نقاش في هذه القضية وفهم كيف يكون العبد فاعلاً مباشراً للفعل وينسب الفعل إليه وقادراً عليه مع أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الفعل، وما هي علاقة العبد بفعله؟ حاولنا أن نقدم إجابة من خلال قانون السببية.
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقنا هدى وأن يدلنا عليه وأن يرشدنا إليه. اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. ونلتقي إن شاء الله في محاضرة أخرى وفي باب جديد من أبواب الاعتقاد، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل