بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، نحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب لمعة الاعتقاد للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الصالحي الدمشقي رحمة الله تعالى عليه. في المحاضرة السابقة أحبتي انهينا الحديث المختصر الذي قررناه في مسائل القضاء والقدر، وعرفنا مفهوم القدر وما يقابله من القضاء، وعرفنا الدليل على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر وأهمية هذه المنزلة في الدين. تعرفنا بعد ذلك على مراتب القضاء والقدر الأربعة: منزلة العلم، ومنزلة الكتابة، ومنزلة المشيئة، ومنزلة الخلق، وفصلنا تفصيلا مختصرا يليق بحجم هذه الدورة المباركة بإذن الله.
واليوم نقرأ كلام ابن قدامة الذي سرده في موضوع القضاء والقدر؛ نحن إلى الآن لم نقرأ كلام ابن قدامة، أصلنا تأصيلا عاما وفصلنا بشكل منظم مرتب، ثم كالعادة نأتي إلى كلام ابن قدامة لندرك مدى الانسجام والتوافق بين ما يقرره أهل السنة والجماعة وبين ما ذكره ابن قدامة في لمعته. وابن قدامة في العموم في هذا الباب سار على طريقة أهل السنة والجماعة، فهو إمام من أئمتهم رحمة الله تعالى عليه، لكن الإشكالية التي سنواجهها في كلام القدامى أن كلام القدامى ليس منظما ومرتبا بطريقة علمية، طريقة النقاط وأن يبدأ بالتعريف ثم ينتقل إلى الأدلة ثم يذكر المراتب؛ لا، لم يفعل ذلك، بل هو على طريقة المتقدمين رحمة الله عليه، أنه كما قلنا صنف رسالة في الاعتقاد عامة يذكر فيها مسائل الاعتقاد سردا بطريقة غير منظمة، وستلاحظون ذلك، يعني أن كلامه متداخل يكون في مسألة فينتقل إلى مسألة أخرى، ثم بعد أن يذكر آراءه الاعتقادية التي يقررها أهل السنة والجماعة يذكر بعد ذلك الأدلة والنصوص من الكتاب والسنة.
فابن قدامة ما يهمنا هنا أننا نلحظ موافقته لأهل السنة والجماعة في تقريراتهم، ونلحظ طريقته في الاستدلال على مسائل القضاء والقدر أنها طريقة السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم: الكتاب والسنة وآثار السلف، ولا تنطلق من أصول عقلية كما يفعل المتكلمون. فسريعا دعونا نقرأ كلامه حتى ننتقل بإذن الله اليوم إلى الباب الجديد الذي معنا، وهو باب الإيمان.
فيقول ابن قدامة رحمة الله عليه في القضاء والقدر: ومن صفات الله تعالى -لاحظوا أنه جعل القضاء والقدر كأنه تبع لصفات الله سبحانه وتعالى؛ لأن القضاء والقدر فيه موضوع الإرادة، المرتبة الثالثة مرتبة الإرادة، والإرادة صفة ثابتة لله سبحانه وتعالى، فمن هنا جعل ابن قدامة هذا الباب كأنه تبع لباب الأسماء والصفات، وإن كان في الحقيقة هو باب مستقل برأسه- يقول ابن قدامة: ومن صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد. فالله عز وجل من صفاته كما أخبرنا في كتابه أنه فعال لما يريد سبحانه وتعالى، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء.
في هذه الجمل الثلاث ابن قدامة يقرر قضية الإرادة الكونية ويثبتها لله سبحانه وتعالى ردا على فرق القدرية التي تثبت لله فقط إرادة شرعية؛ لا، ابن قدامة يريد أن يقرر أن هناك نوعا من أنواع الإرادة والمشيئة الإلهية هي الإرادة الكونية، وهو الذي ركز عليه ابن قدامة هنا. ابن قدامة لم يركز على إثبات الإرادة الشرعية، ركز على إثبات الإرادة الكونية ليرد بذلك على فرق القدرية عموما الذين ينفون هذا النوع من الإرادة ويثبتون فقط إرادة شرعية لله سبحانه وتعالى كما ذكرنا في المجلس السابق. إذا، الله فعال لما يريد، لا يكون شيء في هذا العالم إلا بإرادته، لا يخرج شيء في هذا العالم عن مشيئته؛ فهذا إثبات كما قلنا للإرادة والمشيئة الكونية. وهو الآن يتكلم في المرتبة الثالثة من مراتب القدر، لاحظوا القفزة ومباشرة دخل في المرتبة الثالثة من مراتب القدر يتكلم عنها.
قال: وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره. وهذا كلام عام؛ لا يوجد شيء في العالم يخرج عن الأقدار؛ لأن الله سبحانه وتعالى علم كل شيء، وكتب كل شيء، وشاء كل شيء، ويخلق كل شيء. فكل شيء مكتوب، وكل شيء في علم الله، وكل شيء بمشيئة الله، ولا يوجد أي شيء خارج الحسابات، لا يوجد نفس لمخلوق خارج الحسابات، لا تسقط ورقة من شجرة خارج الحسابات، لا تولد نملة على هذه الأرض خارج الحسابات. شيء مهول أحبتي علم الله سبحانه وتعالى وإحصاؤه وكتابته ومشئته؛ من تأمل فيها يدرك أن هذا الإله إله عظيم، إله يعبد بكل ما تحمله كلمة العبودية من محبة وخضوع وانقياد لله سبحانه وتعالى.
قال: وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر أي لا يصدر شيء إلا عن تدبيره سبحانه وتعالى، ولا محيد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المستور. أها، إذا هنا يتكلم عن قضية الكتابة، لاحظوا كما قلت لكم ستجدون الكلام عشوائيا غير منظما بطريقة علمية طريقة المتون والمصنفات، لكننا نستنطق كلام ابن قدامة ونحاول أن نفهم وندرك موافقة ابن قدامة لعقيدة أهل السنة والجماعة، هذا ما يهمنا، أما الترتيب وإعادة تنسيق المعلومات فهذا فعلناه سابقا. إذا قال: ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور؛ إذا ابن قدامة يقرر قضية الكتابة في اللوح المحفوظ كما ذكرنا في المجلس السابق.
أراد ما العالم فاعلوه، أي كائن في هذا العالم فعل شيئا فالله سبحانه وتعالى أراده، وهذا عودة لمسألة الإرادة الكونية، عودة منه لمسألة الإرادة، قال: ولو عصمهم لما خالفوا. وهذا يؤكد أن حتى المعاصي التي يفعلها العباد هي بمشيئة الله سبحانه وتعالى الكونية وبارادته الكونية، ولو شاء سبحانه أن يعصمهم لما وقعوا في هذه المعاصي، لكنه لم يشأ ذلك كونا لحكمة أرادها عز وجل في عليائه. قال: ولو شاء أن يطيعوه جميعا لاطاعوه؛ يعني لو شاء الله أن يكون كل الناس على الإيمان لكانوا على الإيمان، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: 99]. لكن هناك إرادة كونية وتدبير إلهي هو الذي يحكم هذا العالم ويدبره بحكمته.
ثم قال: خلق الخلق وأفعالهم. انتقل لقضية الخلق، لاحظوا كيف الكلام يتكلم في المشيئة ثم ينتقل لموضوع الكتابة ثم يعود مرة أخرى ثم ينتقل لموضوع الخلق. هذه الطريقة غير منظمة وتشوش عقل الطالب، لذا لا أرى من الإصابة أن الشارح لمعة الاعتقاد ومثله من كتب أو المصنفات أو الرسائل العقدية التي يختلط فيها الكلام، لا أرى من الإصابة أن يشرع الشارح فيها مباشرة، الأصل أن ينظم عقلية الطالب العلمية في هذا الباب، يعرف الطالب الأصول، المنطلقات، مسائل هذا الباب التي تذكر في كلام العلماء بشكل منظم منسق، ثم بعد ذلك يعود للطالب ليقرا كلام السلف الصالح، وليتعود الطالب كيف يرد كلام السلف الصالح إلى الأصول المنظمة المرتبة في عقله، هكذا يكون العلم رصينا من دون عشوائية واضطراب في ذهني الطالب المبتدئ والمنتهي.
ثم بعد أن تكلم عن قضية خلق أفعال العباد، أنه يريد أن يؤكد هنا أنه مخالف للقدرية أيضا؛ أهل السنة والجماعة يقولون: الله عز وجل هو الذي يخلق أفعال العباد، وعرفنا في الدرس السابق كيف يتم خلق أفعال العباد. فقال: خلق الخلق، يعني خلق الناس وخلق أفعال الناس، وخلق البهائم خلق أفعال البهائم، لذلك قال: خلق الخلق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته.
قضية الهداية والضلال وما يتعلق بها أيضا هذا الباب يعني خاصة بمطولات كتب العقائد يفردون له فصلا كاملا، يتكلمون في أن الله عز وجل هدى فلانا وقدر له الهداية، تقدير الهداية لفلان رحمة من رحمات الله سبحانه وتعالى عليه، في المقابل الله سبحانه وتعالى قدر الضلال على فلان، لكن هل الله عز وجل أجبر فلانا وجعل جوارحه وأعضاءه ولسانه تتكلم بالكفر وتتحرك للكفر إجبارا وكرها؟ كلا، فالله سبحانه وتعالى من هداه فبرحمة منه وفضل، ومن أضله وقدر عليه الضلال فهو سبحانه وتعالى لم يمنعه من الاستطاعة، ولم يقفل عقله، ولم يعجزه عن القيام بأعمال الهداية، فهذا الشخص اختار بجوارحه وبإرادة يدركها هو من نفسه أن يسير في درب الضلالة. بين الله عز وجل له سبيل الهدى سبيل الضلالة، أعطاه العقل ومفاتيح التفكير، لم يمنعه سبحانه وتعالى من آلات التفكير، لم يمنعه من حرية الاختيار، لكنه سبحانه علم وقدر وكتب أنه سيكون من أهل الشقاء بحكمة أرادها سبحانه.
فالله عز وجل من أضله فبعدله، لم يظلم ربك أحدا، لم يظلم ربك أحدا، الله عز وجل لا يضل إنسانا وهذا الإنسان ليس لديه قدرة على الوصول إلى الحق والى الخير والى الهدى، لا يعذب إنسانا هذا الإنسان لم تكن عنده آلات المعرفة والتفكير أو لم تصله الرسالة والنبوة. الله عز وجل لا يعذب إنسانا أحبتي إلا بعد أن يكون هذا الإنسان رزق العقل وآلات المعرفة، وقامت عليه الحجة الرسالية وبلغه الحق، ثم هذا الإنسان أعرض عن هذا وأبى واستكبر، هنا حينئذ يعذبه الله سبحانه وتعالى ويحل به عقوبته؛ كذب، أعرض، استكبر عن الحق بعد أن بلغه أنواع الكفر المذكورة عند أهل السنة والجماعة. أما أن يكون هذا الإنسان لا يعرف شيئا عن حجج الله سبحانه وتعالى، أو لا يملك آلات معرفية بأن كان مجنونا سلب عقله ثم يحاسبه الله سبحانه وتعالى، الله عز وجل لا يظلم أحدا، فثقوا أن كل إنسان سيعاقبه الله عز وجل هذا الإنسان يستحق العقوبة، منحه الله آلات المعرفة، هذا الإنسان وصلته الحجة الرسالية وبعد ذلك اختار لنفسه طريق الضلال، اختار لنفسه طريق الضلال، والله عالم في الأزل وكتب في الأزل أنه سيكون في هذا الطريق.
فعلينا أن نجمع بين المشهدين، بين علم الله السابق وبين كتابة الله السابقة وبين أن الله عز وجل شاء لفلان أن يكون من أهل الضلال، والمشهد الآخر أن هذا الإنسان في النهاية له مشيئته، له إرادته واتجه نحو هذا الضلال بقدميه، والله سبحانه وتعالى لم يحرمه من آلات المعرفة ومنحها لصاحب الهداية. هذه القضية المهمة، أن الذي يريد أن يحتج نقول له: هناك بعض الناس عنده شبهة في هذه القضية، لماذا الله عز وجل أضل فلانا وهدى فلانا؟
باختصار -أنا لن أطيل البحث في هذه القضية، إن شاء الله في المطولات تبحثها- لكن باختصار، كل إنسان ضل الله عز وجل هداه إلى النجدين ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10] وأعطاه قدرات العقل وأرسل إليه الرسل أو بلغته الحجة الرسالية؛ لأن كما قلنا من شرط العقاب بلوغ الحجة الرسالية. فمن منحه الله العقل وبلغته الحجة هو الآن يختار، كون اختياره الله عز وجل يعلم به سابقا وكتبه سابقا وشاءه سبحانه وتعالى، هذا ليس للعبد أن يحتج به على ربه؛ لأن أيها العبد لا تعلم ما في علم الله، لا تعلم أيها العبد ما كتب لك، لا تعلم ما في مشيئة الله سبحانه وتعالى، فعليك أن تنظر إلى المشهد أمامك: هل هناك شيء يجبرك أن تسير بقدميك الآن الآن إلى الكفر؟ هل هناك شيء أجبرك على محاربة هذه الدعوة؟ هل هناك شيء أجبرك على أن تكون مناصرا لأعداء الملة؟ هل هناك شيء قهر جوارحك؟ هل سلبك الله عز وجل عقلك؟ هل منعك الله عز وجل من بلوغ الحجج والرسائل إليك؟ كل شيء حاضر لك، فانظر أمامك وسر واختر وأنت من ستحاسب على اختيارك.
إياك أن تعتذر بالأقدار السابقة فأنت لا تعلمها، إياك أن تعتذر بالكتابة السابقة فهذا هو الجهل بعينه. الإنسان العاقل يعمل ما في يده، ما في متناول يده، ما في واقعه، لا يحتج بالأقدار التي خبأت عنه، هكذا الله عز وجل يريد منا أن نسير في الحياة؛ لا تحتج بأقداري، لا تحتجوا بأقداري، اعملوا، اعملوا وخططوا وارسموا أهدافكم، وقد بين الله لكم سبيل الخير لتسلكوه وسبيل الضلال لتجتنبوه، وأرسل إليكم الرسل، وهذا القرآن بين أيديكم، هذه السنة بين أيديكم، وعليكم أن تسيروا، لا تنظروا إلى ما كتب في الأقدار، نعم آمنوا أن هناك أقدارا، لكن لا تنظروا إليها، اعملوا وسيروا في طريقكم، وفي النهاية كل سيحاسب على عمله.
تيقن لن يحاسبك الله على عمل لم تعمله، ستحاسب على عمل فعلته وباختيارك وبإرادتك، وإياك أن تحتج بالقدر السابق، إياك لن ينفعك هذا والله أيها العبد. لا تحتج بالقدر السابق فإن هذا شيء طوي عنك علمه، وإنما انظر هل منحك الله العقل؟ هل عندك الحجج والكتب والسنة؟ إذا أنت من اختار لنفسه ضلاله. علم الله، كتابة الله، مشيئة الله، هذا أمر لا علاقة لك به، لا علاقة لك به، وربك سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء ويختار.
أسأل الله سبحانه أن يعاملنا برحمته، وأن يرزقنا برحمته درب الرشاد، وألا يعاملنا بعدله فنشقى، نسأله أن يعاملنا برحمته وكرمه وفضله وجوده، فانه سبحانه وتعالى أهل الجود والكرم، ولو عاملنا بعدله والله أحبتي أننا نسرف على أنفسنا بالذنوب والمعاصي، والله أحبتي كم قصرنا في حق الله سبحانه وتعالى؟ كم فترنا عن نصرة دين الله عز وجل؟ كم ضعفنا في طلب العلم؟ كم كببنا على الدنيا؟ لو أن الله عاملنا بعدله فانا والله لا نأمن على أنفسنا عقابا، فنسأل الله أن يعاملنا برحمته.
وفضله وسعة مغفرته وأن يتجاوز وأن يعفو وأن يصفح، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
طيب، الآن بعد ما ابن قدامة رحمة الله عليه قعد هذه القواعد، كما قلنا بشكل عشوائي، يعني سامحونا على هذه المسطرة، يعني بشكل عشوائي تكلم عن الماشية انتقل إلى الكتاب وثم يعود إلى الخلق. هذه طريقتهم، لأنه كما قلنا هو لم يحرص على أن يصنف متناً علمياً يحفظ في الحقيقة، وإنما كان حرصه على أن يقرر مسائل دار فيها الجدل في زمانه. بدأ بعد أن ذكر هذه القواعد التي يؤمن بها والموافقة لطريقة أهل السنة والجماعة، بدأ يستدل عليها بالكتاب سنة، بالكتاب والسنة، وليس كما يقول الآمري والرازي: إن هذه الأبواب يتعذر الاستدلال عليها بالكتاب والسنة؛ لأنها تفيد الآحاد، وذلك من الكلام الصريح المخالف لمنهج الإسلام الحق، الصريح المخالف لمنهج السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، بل الكتاب والسنة هما القائدان اللذان قادا ابن قدامة رحمة الله عليه إلى هذه المسائل الحقة.
فقال: قال الله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]. الله عز وجل لا يسأل، لا يعترض عليه: لماذا فعلت كذا يا الله؟ هذا سبيل الجاهلين. لا يسأل سبحانه وتعالى عما يفعل، له المشيئة المطلقة وله الإرادة المطلقة. وأما نحن العبيد فنحن الذين نسأل أمام الله سبحانه. وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]. إثبات القدر وأثبات خلق الله سبحانه وتعالى في آية واحدة. وهذه الآية ذكرناها في تعليقنا على مسائل القدر ابتداء. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: 2]. الجمع بين الخلق والتقدير، والخلق هو مرتبة من مراتب القدر كما ذكرنا. وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الحديد: 22]. قضية الكتابة، يستدل على قضية الكتابة في اللوح المحفوظ كما ذكرنا، أن أهل العلم جمهورهم، بل نقل بعضهم الإجماع على ذلك، أن الكتابة التي كتبها الله سبحانه وتعالى لمقادير الخلق عموماً إنما كتبت في اللوح المحفوظ، وإن لم يكن في ذلك كما قلنا نص صريح في الكتاب أو في السنة، ولكن هذا ما عليه الصحابة والتابعون.
وقال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: 125]. إثبات الإرادة الكونية: من يرد الله أن يهديه، يعني من أراد الله كونا و قدرا أن يهديه فانه برحمته وكرمه وجوده يشرح صدره للإسلام. ومن يرد أن يضله، في إرادة هنا إلهية كونية، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعّد في السماء. وروى ابن عمر في الحديث الطويل حديث عمر، ابن عمر عن أبيه، حديث طويل، حديث جبريل: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه جبريل وجلس بين يديه قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما الإيمان؟ فقال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»، وهذا أصل في الإيمان بالقضاء والقدر وانه ركن من أركان هذا الدين. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره»، وكل هذه الآثار مررنا عليها في الدرسين السابقين.
ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي علمه للحسن بن علي يدعو به في وتر: «وقني شر ما قضيت». وهذا الحديث إن كان مختلفاً في صحته بين أهل العلم، لكن على تنزل صحته، قال صلى الله عليه وسلم: «وقني شر ما قضيت»، وهذا يدل على وجود الشر، لكن نحن بينا في المحاضرة السابقة: أفعال الله، أفعال الله خلق الله كله خير، وإنما الشر في المفعول، في المخلوق، وخيره أو شره كما قلنا بالنسبة للمخلوقين. فعلينا أن نفرق: هل فعل الله يوصف بالشر؟ حاشاه، كل فعله خير، لكن المخلوق الذي يخلقه الله النتيجة الثمرة هل تقسم إلى خير وشر بالنسبة للمخلوقين؟ نعم، فالكفر هو شر بالنسبة لأبي جهل، والإيمان خير بالنسبة إلى أبي بكر، اليس كذلك؟ فالمخلوق المفعول ينقسم إلى خير وإلى شر، والانسان يسأل ربه سبحانه وتعالى أن يصرف عنه الشر. يسأل ربه أن يصرف عنه شر ما قضى.
لكن الشر هنا، عليكم أن تنتبهوا، الشر ليس وصف لفعل الله حاشاه سبحانه. فعل الله، يعني الفعل الذي قام في ذات الله من الخلق، هذا لا يكون شرا، فعل الله خلق الله ليس شرا، كله خير. لذلك في الحديث الآخر: «والشر ليس إليك»، بينما هنا: «وقني شر ما قضيت». فكيف نجمع بين الحديثين؛ بين قوله صلى الله عليه وسلم: «والشر ليس إليك»، وبين قوله: «وقني شر ما قضيت»؟ نقول: «والشر ليس إليك» أن أفعال الله التي يقوم بها الله سبحانه وتعالى كلها خير، ولا ينسب إليه الشر فيها أبداً، لكن المفعولات، النتائج، المخلوقات، نعم هي منها ما هو خير للإنسان ومنها ما هو شر للإنسان، فحينما نقول: «وقني شر ما قضيت»، أي المقضيات التي فيها شر، يعني وقني المخلوقات والمقضيات التي فيها شر، وهذا يوجد في المقضيات والمخلوقات، فيها خير وفيها شر، وأما فعلك سبحانك فهذا كله خير تعالى شأنك.
إذاً هذه قضية مهمة، قال هنا مسألة مهمة يقولها ابن قدامة، قال: ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه. هذا الذي قلته لكم قبل قليل: إياك أن تحتج بالعلم السابق لله والكتابة السابقة والمشيئة الإلهية على ترك الأوامر والنواهي وفعل النواهي، وتقول والله: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: 148]. هذه هي الحجة الشركية كما يقولون. حجة المشركين احتجوا على محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا: لو شاء الله ما أشركنا، ولا بذلك ربنا شاء أن نشرك. فالله عز وجل قال: ﴿هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام: 148]؟ ما الذي أدراكم أن الله علم أنكم ستشركون؟ ما الذي أدراكم أن الله كتب أنكم ستشركون؟ ما الذي أدراكم أن الله شاء أنكم ستشركون؟ هذه كلها أمور مغيبة عنكم، فمن أين اخذتم هذا العلم؟ إذا هذا هو الجهل بذاته، هذا هو الاستكبار، أنتم تريدون أن تتبعوا الشهوات وتحتجوا في اتباع شهواتكم على الاقدار السابقة، وستذوقون وبال هذا الاحتجاج يوم تلقون الله.
فالمسلم يؤمن بالقضاء والقدر، لكنه لا يجعله حجة على ترك أوامر الله سبحانه وتعالى وعلى فعل مناهيه، بل هو وهذا شيء في ضرورته النفسية يستشعر بإرادته وباختياره، وأنه هو الذي يتجه بأقدامه نحو الطاعات وهو الذي يتجه بأقدامه نحو المعاصي والزلات. أنت تجد هذا من نفسك، فهذه نصيحة أهل السنة والجماعة وهذا الذي يقتضيه العقل والمنطق السليم، أن الإنسان ينظر إلى اختياره ويفعل ويسير ويخطو، ولا ينظر إلى القدر السابق، بل يبقى مؤمناً به من دون أن يحتج به على تقصيره وتفريطه. لذلك قال: ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه. وإن كانت اللفظة، يعني أنا أظن أنه لو قال: في ترك أوامره أو ارتكاب نواهيه، لكانت أقوى، لا أدري إن كانت بعض النسخ بين أيديكم فيها وارتکاب، لكن أظنها هي المراد هنا: ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره وفي ارتكاب نواهيه، لأنها زلت حجة في أننا نرتكب النواهي، مش نجتنب النواهي، هذا هو الأنسب في السياق والله تعالى أعلم.
قال: بل يجب أن نؤمن ونعلم أن الله سبحانه وتعالى، أو أن، عفوا، ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل. هذه هي القضية، أن الله عز وجل منحنا العقول وأرسل إلينا الرسل والكتب وأقام الحجة علينا، فحينئذ نحن سنحاسب على اختياراتنا، فنحن نؤمن أن الله سبحانه وتعالى منحنا العقول، ونؤمن أن الله أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم وأنزل الكتب وأنزل الآيات، وهناك آيات كونية وآيات شرعية وكل شيء يدل عليه سبحانه وتعالى، فنؤمن أن الله سبحانه وتعالى أقام علينا حجته وأرسل إلينا رسله وأمرنا أن نسير وأن نختار وأن نتوجه نحو الخير والصلاح. فمن حاد منا فإنما حاد لهواه، ولأنه سار بقدميه نحو تعاسته وشقائه. فلله سبحانه وتعالى علينا المنة الكاملة، قال سبحانه وتعالى مبيناً حكمة إرسال الرسل: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165]. حتى لا يحتج أحد بعد ذلك، الله عز وجل أعطاك دليل الفطرة، أعطاك الأدلة العقلية الواضحة، أعطاك كما قلنا الأدلة القرآنية، والأدلة القرآنية يعني الأدلة الشرعية هي التي سيحاسبك عليها، على الرغم من أنه أعطاك دليل الفطرة ودليل العقل رحمة منه وكرم لن يحاسبك عليه، سيحاسبك بعد أن تبلغك الحجة الرسالية وتضلك بعثة محمد صلى الله عليه وسلم. متى بلغتك الحجة الرسالية وقامت عليك بالشكل الصحيح ثم أنت أعرضت أو كذبت أو أو، حينئذ ستحاسب بعد ذلك. فانظروا إلى رحمات الله وإلى جود الله وإلى تفضل الله على الإنسان، ثم بعد ذلك الإنسان يقول: يا رب لماذا كتبتني من أهل الشر؟
كل هذا التفضل، كل هذا الإنعام لم يحاسبك الله على فطرتك ولم يحاسبك على عقلك، وحاسبك على المرحلة الثالثة: على بلوغ الرسل إليك ووصولك رسالات وقيام الحجة، ثم بعد ذلك تحتج فتقول يا الله لماذا جعلتني من أهل الشرك؟ أنت من سرت بقدميك نحو الشرك، أنت من سرت قدميك نحو الشرك هذا من خبث نفسك، ولا تحتج بأقدار الله سبحانه وتعالى على قبح فعلك.
قال: ونعلم أن الله سبحانه وتعالى ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك. ما زال ابن قدامة يؤكد هذه الفكرة: أن الله سبحانه وتعالى ما أجبر أحداً على شيء، وهذا فيه رد على الطوائف الجبرية. أن الله سبحانه وتعالى إثبات الاستطاعة والقدرة للعبد، كما قلنا الجبرية على خلاف القدرية، الجبرية يقولون إن العبد ليس له قدرة على أفعاله، أو كما يقول الأشاعرة وهم طائفة من الجبرية: قدرة غير مؤثرة، وهي في الحقيقة نفي القدرة. فابن قدامة هنا انتقل ليبين أن الله سبحانه وتعالى أمر ونهى العباد؛ لأن العباد لهم قدرة ولهم استطاعة على اختيار الأفعال، وإلا إذا أنت سلبت العبد القدرة على اختيار الفعل وسلبت الاستطاعة ما عاد هناك فائدة من الأمر ومن النهي. إذاً لماذا أمر إنساناً هو عاجز عن أن يختار وأن يتحرك، هو مجبر أنا الذي أحركه، ما الفائدة من أن أموت كيف أنهى إنساناً هو لا يستطيع أن يفعل شيئاً باختياره وكل حركاته اضطرارية كيف أنهى؟ ما عاد هناك أي فائدة من الأمر والنهي.
فابن قدامة يقول: العبد له استطاعة وله قدرة، وهذه الاستطاعة وهذه القدرة هي التي يوجه إليها الأمر والنهي، فيأمره الله بأن يفعل كذا وكذا من الخيرات وأن يجتنب كذا وكذا من المعاصي والزلات، وهذا يدل على أن للعبد استطاعة وقدرة واختيار ليتجه نحو طريق الخير أو يتجه نحو طريق الشر. قال إذاً ونعلم أن الله سبحانه وتعالى ما أمر ونهى إلا المستطيع لهذا الفعل والترك، وأنه لم يجبر أحداً على معصية، ما في جبر، لم يجبر الله أحداً على معصية، كل إنسان اختار المعصية بقدميه، ولا اضطر الله عز وجل أو أجبر إنسان على طاعة أو على ترك طاعة، ولم يضطر إنساناً على ترك طاعة سبحانه وتعالى.
قال الله عز وجل، الآن سيدل ابن قدامة على هذا الأصل أن الإنسان له قدرة وله استطاعة بخلاف ما تقوله الفرق الجبرية، ما هي الأدلة في القرآن على وجود القدرة للإنسان والاستطاعة؟ يقول الله عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. إذن إثبات الوسع والطاقة. وقال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. إثبات الاستطاعة للإنسان: فاتقوا الله ما استطعتم، إذاً الإنسان عنده استطاعة معتبرة. وقال سبحانه وتعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر: 17]. فالكسب هنا ليس بالكسب الأشعري، ليس مفهوم الكسب الذي يقر به الأشاعرة، الكسب هنا مرادف العمل: اليوم تجزى كل نفس بما كسبت أي بما عملت، فهنا الله عز وجل نسب العمل والكسب للإنسان، نسب العمل والكسب للإنسان، فهذا يدل على أن للإنسان قدرة على اختيار أعماله. ثم قال سبحانه: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: 17]. لا يظلم الله عز وجل أحداً، وإلا لو كان الإنسان مجبراً ثم حاسبه الله عز وجل لكان في هذا ظلم، فالله عز وجل مستحيل منتف عنه الظلم جل في علاه، فدل هذا على أن للعبد فعلاً وكسباً يجزى حسنه بالثواب وعلى سيئه بالعقاب.
ومع ذلك فكل ما يفعله العبد فهو واقع بقضاء الله وقدره المسبق. إذاً دائماً علماء أهل السنة والجماعة يقولون: لابد من أن نستحضر المشهدين، مشهد العلم السابق والكتابة السابقة والمشيئة الإلهية وخلق الله عز وجل للإنسان ولعمله هذا القضاء والقدر، وفي نفس الوقت نثبت للإنسان مشيئة واختياراً وقدرة على أن يفعل وأن يتحرك، والانسان يحاسب على هذه الأعمال التي اختارها بنفسه، وإن كانت هذه الأعمال في النهاية هي في علم الله سبحانه وتعالى وبكتابته ومشيئته، لكن ليس للانسان أن يحتج على قبح فعله بالقدر، ليس للإنسان أن يحتج على قبح فعله بالقدر؛ لأن القدر مغيب عن الإنسان لا يعلمه، فمن أين له أن يستدل على أن قبح فعله كان بسبب قدر الله؟ من أين لك أن، إلا على ذلك كيف عرفت أن الله يعني؟ يعني كيف عرفت أن الله قد كتب عليك هذه المعاصي فأنت تحتج بفعلها بقدر الله المسبقة؟ الله عز وجل لقننا الإجابة على هؤلاء: ﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام: 148]. فجمع المشاهد مع بعضها وترتيبها هو الذي يعين الإنسان على الوصول إلى مرحلة الاتزان في فهم أو كيف يجمع بين البابين، بين اختيار الإنسان ومشيئة الإنسان وأنه يتوجه بقدمه نحو الفعل، وفي المقابل هناك علم وكتابة وخلق ومشيئة.
إذاً هذا تفصيل أقول مختصر لمسائل القضاء والقدر، لكنه يكفي بشكل كبير لطالب العلم المبتدئ لتصور حقيقة هذا.
باب عند أهل السنة والجماعة. دعونا الآن أحبتي ننتقل إلى الباب الجديد معنا اليوم، سننتقل الآن إلى باب جديد تماماً، وهو باب الإيمان مسألة الإيمان. بسم الله الحمد لله.
بعد فراغ المصنف من باب الأسماء الحسنى والصفات العلى وتقعيد هذا الباب، وبعد أن فرغ ثانيا من باب القضاء والقدر من تقعيده، انتقل الآن إلى باب جديد وهو باب الإيمان؛ ليقرر ما هو مفهوم الإيمان عند أهل السنة والجماعة. وكنت في الحقيقة أود لو أن ابن قدامة قدم مفهوم الإيمان على باب الأسماء والصفات؛ لأن مفهوم الإيمان بالمعنى العام للإيمان هو مفهوم الدين، وهو رأس الأمر، رأس العقيدة. فكنت وددت لو أن ابن قدامة بدأ بمفهوم الإيمان قبل أن يلج في باب الأسماء والصفات وفي باب القضاء والقدر.
لكن رحمة الله عليه حاله حال كثير من أهل السنة والجماعة، يعني في النهاية مسألة تصنيفية اصطلاحية لا يترتب عليها أي شيء، مسألة اجتهادية، أخر الحديث عن مفهوم الإيمان إلى ما بعد باب القضاء والقدر. فإذا بابنا الآن الجديد واستعدوا لخوض غماره، باب الإيمان، نحقق ما هو مفهوم الإيمان عند أهل السنة والجماعة، وهنا أتكلم عن الإيمان بالمعنى العام، يعني سأبين إن شاء الله هناك إيمان بالمعنى الخاص، نحن هنا نقرر الإيمان بالمعنى العام الذي يساوي الدين.
فسواء قلت مفهوم الإيمان بالمعنى العام أو مفهوم الدين فكلاهما واحد هنا، لكن أهل السنة تواطؤوا على تسميته باب الإيمان. أقول مستعينا بالله، بعد فراغ المصنف ابن قدامة رحمة الله عليه من تقعيد باب الأسماء الحسنى والصفات العلى، وباب القضاء والقدر، انتقل إلى باب عظيم من أبواب الاعتقاد، ألا وهو باب الإيمان. واعلم يا طالب العلم أن هذه الأبواب الثلاث: الأسماء والصفات، والقضاء والقدر، والإيمان، واعلم أن هذه الأبواب الثلاث هي التي كثر فيها الأخذ والرد بين الإسلاميين منذ القدم، وعليها يدور أكثر الخلاف العقدي بين الطوائف والفرق.
الآن هذا منطلق نفهمه جيداً؛ هذه الأبواب الثلاثة: الأسماء والصفات، القضاء والقدر، الإيمان، أكثر الخلاف بين الإسلاميين وأكثر الخلاف العقدي المبثوث بين الفرق والطوائف يدور عليها. الخلاف فيما عداها من المسائل العقدية حاضر، لكن ليس كحضوره في هذه المسائل الثلاث: الأسماء والصفات، والقضاء والقدر، والإيمان. هذه الأبواب الثلاث هي أكثر مسائل كثر فيها الخلاف والأخذ والرد بين الطوائف والفرق الإسلامية.
ومن هنا حرص علماء أهل السنة والجماعة على ذكر هذه الأبواب الثلاث تباعاً وراء بعضها البعض في مصنفاتهم؛ لابراز العقيدة الحقة المتعلقة بها، وازالة ما علق بهذه الأبواب الثلاث من غبار العقول والأهواء، وازالة ما علق بها من غبار العقول والأهواء؛ يعني الأدلة العقلية المتكلفة وأهواء البشر. فهذه الأبواب الثلاث على طالب العلم أن يستحضر ارتباطها مع بعضها البعض عند أهل السنة والجماعة، والسعي الدؤوب من علماء الدين، علماء أهل السنة أقصد، إلى بيان الحق فيها؛ لأن أكثر الخلاف المبثوث وأكثر أسماء الفرق وأكثر الجدال الذي ستقرأونه في المستقبل في المطولات يدور حول تحقيق مسائل الأسماء والصفات، تحقيق مسائل القضاء والقدر، تحقيق مفهوم الإيمان.
وتظهر أهمية باب الإيمان في النقاط التالية. الآن سأعدد مجموعة من النقاط تجلى بها أهمية هذا الباب لديكم اعزائي الطلبة. أولاً، هذه أول أهمية من أهمية هذا الباب: أن مسألة الإيمان هي جوهر الدين ولبه، وهذا اظنه واضح لديكم جميعاً، أن مسألة الإيمان هي جوهر الدين ولبه وهي الأساس الذي يبنى عليه ما بعده. لذلك قلت لكم كنت أتمنى أن ابن قدامة جعل مسألة الإيمان في أول مسائل لمعة الاعتقاد؛ لأنه هي أساس الدين جوهر الدين الإيمان، ثم كل مسائل الاعتقاد بعد ذلك تنبني على وجود الإيمان في قلب الإنسان.
إذاً مسألة الإيمان هي جوهر الدين ولبه وهي الأساس الذي يبنى عليه ما بعده، وبها يمتاز أهل السعادة عن أهل الشقاء. السعادة والشقاء متعلقان بهذا المفهوم، إذاً هو مفهوم مصيري، مفهوم خطير جداً، إما يقودك إلى الجنة وإما أن تذهب إلى النار، فنسأل الله أن نكون من أهل السعادة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ومن أجل ذلك خطر الكلام فيه واشتدت الحاجة إلى البيان والايضاح لمفهومه؛ تجنباً للزلل ووقوع الخطل. مفهوم يقود الإنسان إلى السعادة الابدية أو إلى الشقاء الأبدي، مفهوم خطير جداً، بل هو أخطر مفهوم في حياتك أيها الإنسان.
نعم، أخطر مفهوم في حياتك أيها الإنسان مفهوم الإيمان؛ لأنك إما أن تكون مؤمناً بحق فتدخل دار السعادة، وإما ألا تكون محققاً للإيمان فنسأل الله السلامة والعافية. فهو أهم من الطعام والشراب، أهم من وسائل التواصل الاجتماعي التي نضيع عليها أوقاتنا، أهم من السهرات والجلسات والقيل والقال، أهم من فضول العلم وفضول المعرفة أن تعرف ما هو الإيمان الذي ينجيك عند لقاء الله سبحانه وتعالى. إذاً هذه الأهمية الأولى لهذا الباب.
ثانياً، أن حقيقة الإيمان ومفهوم الإيمان هو الأساس أو هي الأساس في فهم مسائل الأسماء والأحكام. هناك مسائل تبوب في كتب الاعتقاد بأنها مسائل الأسماء والأحكام، مسائل الأسماء والأحكام فهمها تماماً مرتبط بفهمك الإيمان. إذا أدركت ما مفهوم الإيمان بحق ستدرك وستحقق مسائل الأسماء والأحكام، إذا أخطأت في تحديد مفهوم الإيمان سينعكس ذلك مباشرة على فهمك وعلى تحقيقك لمسائل الأسماء والأحكام. ما معنى مسائل الأسماء والأحكام؟ المراد بالأسماء انتبهوا على هذه القضية جيداً؛ أن يتأثر الطالب لأن يعرف بعض الطلاب الآن أصبحوا كباراً ويدرسون لكنهم لا يعرفون ما معنى مسائل الأسماء والأحكام. جيد الإنسان يأخذ العلم رويداً رويداً وتتضح له الصورة بشكل متزن، أفضل من أن يدخل في كتب مطولة وهو يجهل مثل هذه المصطلحات والمفاهيم.
المراد بالأسماء عندما نقول مسائل الأسماء والأحكام: المراد بالأسماء الألقاب التي تطلق على الناس باعتبار علاقتهم بهذا الدين. ما هي الألقاب التي تطلق على الناس على البشر الموجودين على الأرض؟ ما هي الألقاب التي تطلق على الناس على البشر باعتبار تعلقهم بهذا الدين؟ هناك ألقاب جاء بها الكتاب والسنة، فهناك أناس يلقبون بمسلمين، مسلم، وهناك لقب يعني مخالف له أو مقابل له نقول كافر، هناك لقب فاسق هذا لقب يطلق على طائفة من الناس، وهناك لقب مبتدع، هناك لقب منافق، هناك لقب مرتد، إلى غيرها من الألقاب. هذه الألقاب التي تطلق على الناس على البشر باعتبار علاقتهم بهذا الدين تسمى أسماء، تسمى أسماء، تمام؟
طيب إيش الأحكام؟ الأحكام أحبتي هي القواعد الشرعية التي قررها الإسلام في التعامل مع أصحاب هذه الألقاب. المراد بالاحكام ما هي القواعد الشرعية والأحكام الشرعية إذا أحببت أن تقول ذلك التي أتى وقررها الإسلام في التعامل مع أصحاب هذه الألقاب؟ فمن لقبه مسلم، ما هي الأحكام الشرعية في التعامل معه؟ ومن لقبه منافق ما هي الأحكام الشرعية للتعامل معه؟ من لقبه مبتدع، ما هي الأحكام والقواعد الشرعية للتعامل معه؟ من لقبه كافر، ما هي الأحكام الشرعية للتعامل معه؟ من لقبه مرتد، ما هي الأحكام الشرعية للتعامل معه؟
إذاً هذه هي الأسماء، الأحكام. هناك أسماء تطلق على الناس باعتبار علاقتهم بهذا الدين وكل اسم ترتبط به مجموعة من الأحكام والقواعد الشرعية في الكتاب والسنة. فهم حقيقة هذه الأسماء ومتى تطلق هذه الألقاب على البشر ومن يطلق عليه هذه الألقاب بين البشر؟ وفهم الأحكام المرتبطة والمتعلقة بهذه الأسماء كله مبني على فهمك لمفهوم الإيمان ابتداءً. إذاً نحن نتكلم عن قضية أساسية وخطيرة عندما أتكلم عن مفهوم الإيمان، إذاً لابد أن أحسب حساب أن كل نظرتي للألقاب وللأحكام المتعلقة بهذه الألقاب ستتأثر بنظرتي وفهمي لقضية الإيمان ابتداءً. إذاً هذه الأهمية الثانية لهذا الباب وهي أهمية جليلة جداً.
فنقول إذاً تحقيق مسائل الإيمان وضبطها بصورة صحيحة هي أساس الفهم لهذه القضايا والتعامل معها بصورة علمية، وتنزيل الأحكام الشرعية المرتبطة باتزان وهدوء بعيداً عن الانفعالات النفسية والاطلاقات المتسرعة. وهذه أعيدها مرة أخرى: تحقيق مسائل الإيمان وضبطها بصورة صحيحة تساعدنا على فهم هذه القضايا، مسائل الأسماء والأحكام، والتعامل معها بصورة علمية متزنة تنطلق من قواعد شرعية واضحة بعيداً عن الانفعالات النفسية والاطلاقات المتسرعة؛ لأننا اليوم نعيش فوضى عارمة في هذا الباب، في باب الأسماء والأحكام. هناك تسرع في إطلاق الكفر على المخالفين، هناك تسرع في التبديع، هناك تسرع في التفسيق، هناك تسرع في الحكم بالنفاق، هناك تسرع في الحكم بالردة، إذاً هناك تسرع في إطلاق الألقاب وتسرع في تنزيل الأحكام المتعلقة بهذه الألقاب، وكل هذا التسرع نتيجة انفعالات نفسية وتسرع بعيداً عن تأصيل وتحقيق مفهوم الإيمان وبيان كيف نتعامل وكيف يتعلق مفهوم الإيمان بهذه الألقاب وبالأحكام المتعلقة بهذه الألقاب. فلابد أن نصل لمرحلة علمية متزنة إذا أردنا أن نحقق نهضة حقيقية لهذه الأمة، وأن ننطلق بهذه الأمة من الفوضى إلى الصراط المستقيم، من التشتت إلى التجمع والتوحد على حبل الله القويم.
إذاً انتهينا من الفائدة الثانية، أنتقل للفائدة الثالثة. الفائدة الثالثة التي تدل أو الأهمية الثالثة عفواً نقول الأهمية الثالثة بهذا الباب تظهر في أن أول خلاف عقدي ظهر في تاريخ الإسلام كان في هذا الباب. فأقول إن أول خلاف ابتليت به الأمة بمسائل الاعتقاد كان في مسائل الإيمان، فقد ظهرت فرقة الخوارج وهي أول فرقة وأول تيار عقدي انفصل عن طريقة أهل السنة والجماعة، فقد ظهرت فرقة الخوارج في عهد الصحابة كأول اتجاه عقدي مباين لمنهج الإسلام الحق. وكان خطأهم الخوارج، وين مشكلتهم؟ مشكلتهم مو في الأسماء والصفات ولا في القضاء والقدر، مشكلتهم في عدم فهم الإيمان بالشكل الصحيح وحقيقة الإيمان التي جاء بها الكتاب والسنة. وكان خطأهم في عدم فهم باب الإيمان والتهور في مسائل التكفير وإنزال الأحكام على الخلق، كان تهور في إطلاق الألقاب اللي هي ألقاب الكفر والردة، وتهور في تنزيل الأحكام المتعلقة بهذه الألقاب.
ثم بعد أن ظهرت فرقة الخوارج وسفكت الدماء وارتجت الأمة منها، ظهر للأسف وكردة فعل الفكر المقابل للفكر الخارجي وهو الفكر الإرجائي الذي هدم الأمة أكثر من هدم الفكر الخوارجي لها. ظهر الفكر الإرجائي الذي هدم الأمة وما زلنا نعيش مرارة الفكر الإرجائي إلى اليوم. ظهر الفكر الإرجائي كردة فعل للفكر الخارجي وهدم الأمة أكثر وأكثر، وإن كان المرجئة يعني أنا أقول والمرجئة لا يقلون خطراً عن الخوارج، فالخوارج فكر منحرف ضال يجب مكافحته وبيان أسباب الوقوع فيه والجهل، وفي المقابل الفكر الإرجائي فكر خطير يجب محاربته ومكافحته، كلا الفكرين يسعيان لهدم كيان هذه الأمة، كلا الفكرين ينخران في جسد هذه الأمة منذ عقود بل منذ فجر التاريخ، ينخران في جسد هذه الأمة، والله سبحانه وتعالى هو الكفيل أن يجمع قلوبنا على طريقة أهل السنة والجماعة، طريقة الوسط، طريقة الاعتدال، لا إفراط ولا تفريط.
لذا فإن تحقيق مسائل الإيمان يحمل في طياته الخير الكبير لهذه الأمة، ويساهم في بناء المجتمعات النقية الطاهرة، ويحقق التقدم الحضاري وإعادة العزة والرفعة لهذا الدين. بعد أن ذكرت هذه الأهميات الثلاث لدراسة مسائل الإيمان: أن مسألة الإيمان هي جوهر الدين ولبه وهي الأساس الذي يبنى عليه ما بعده، أن مسائل الإيمان مرتبطة جداً بمسائل الأسماء والأحكام، أنه أول خلاف نشأ في الأمة كان بسبب مسائل الإيمان، بعد أن ذكرت هذه الأهميات الثلاث ختمت فأقول إن تحقيق مسائل الإيمان يحمل في طياته الخير الكبير لهذه الأمة، وهو سبب في بداية التقدم الحضاري من جديد.
يعني أنا أربط أحبتي دائماً تقدم الأمة حضارياً وفكرياً وعلوها على الأمم مرة أخرى بتصحيح المسار العقدي، وتصحيح المسار الفكري والمنهجي الذي يسير عليه العلماء والدعاة والمصلحون وعوام الناس. إذا صححنا طريقنا عقدياً صححنا طريقنا دعوياً، عدنا إلى الأصول الصحيحة والمنطلقات الصحيحة في البناء العقدي، بإذن الله هذه اللبنة الأولى التي سننطلق من خلالها إلى فضاء معرفي، فضاء حضاري، تقدم في تاريخ هذه الأمة بعد هذه الموجة من الانتكاسات. نسأل الله أن يبني لهذه الأمة مجداً وصرحاً.
دعونا الآن أحبتي نتكلم عن حقيقة الإيمان. بعد أن عرفنا أهمية هذا الباب وخطورته، دعونا الآن إذاً نبدأ نتعرف ما هو مفهوم الإيمان؟ ما حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة؟ أولاً سندرس مفهوم الإيمان من حيث اللغة، كلمة الإيمان ما دلالتها اللغوية؟ وقبل أن أدخل في دلالتها اللغوية سأقدم تقديماً مهمآً جداً جداً. اسمعوا أحبتي وعوا المسألة الأولى: حقيقة الإيمان في اللغة لم يقتصر الكلام في هذه المسألة على أهل العربية ولا على أرباب المعاجم اللغوية، بل خاض في تحقيق مفهوم الإيمان لغة علماء الاعتقاد، بل لو قلت إن علماء الاعتقاد نبشوا وفتشوا حول حقيقة الإيمان لغة أكثر من اللغويين أنفسهم لما كنت مجازفاً في ذلك، لما كنت مجازفاً في ذلك؛ لأن علماء كل صنعة يفتشون عن الدلالات اللغوية للمصطلحات التي تتعلق بصنعتهم أكثر من تفتيش اللغويين عنها.
لأن العالم اللغوي عنده أحبتي آلاف المفردات اللغوية فهو غير متفرغ لأن يبحث في كل مفردة لغوية ما دلالتها؟ ما طريقة استعمال العرب لها بكل تعمق؟ يحاول أن يأخذ الأساس بالمعنى اللغوي ويسير، لكن المصطلحات المستعملة في كل علم من العلوم، مثلاً المصطلحات المتداولة في أصول الفقه مصطلحات محدودة يمكن حصرها، فتجد علماء الأصول يفتشون عن دلالة هذه المصطلحات اللغوية أكثر من تفتيش اللغويين عنها، وهذه القضية نبه عليها تقي الدين السبكي في شرحه على مختصر ابن الحاجب. فإذاً نقول إن علماء اللغة وعلماء العربية عموماً فتشوا في دلالة الإيمان لغة، وعلماء العقائد فتشوا أكثر من علماء اللغة في دلالة هذه الكلمة.
فقلت: بل خاض فيها علماء الاعتقاد حيث أطالوا البحث والتنقيب عن دلالة هذه الكلمة في لسان العرب؛ كونها تمثل أساساً في الدرس العقدي والتصور الإسلامي. فلماذا كل هذه الجهود وكل هذا التعب في فهم مفهوم الإيمان لغةً، أو سعياً لفهم حقيقة الإيمان لغةً؟
لأن كلمة الإيمان ما ينبني عليها السعادة والشقاء، فهي كلمة تستحق كل هذا التعب لتحقيقها وتفهمها. إذاً؛ لأن هذه الكلمة تمثل أساساً في الدرس العقدي وأساساً في التصور الإسلامي، لذلك الكل اجتهد وبحث وسعى لتحقيق كلمة الإيمان. وما دلالتها اللغوية إذاً كونها تمثل أساساً في الدرس العقدي والتصور الإسلامي، وسعياً منهم لتفسير سر اختيار الشريعة لهذه الكلمة دون غيرها من المفردات العربية لتعبر عن حقيقة عظمى ومنطلق كبير في هذا الدين؟
أيضاً من أهداف البحث في الدلالة اللغوية لكلمة الإيمان هو أن نصل إلى ما هو السر في اختيار الشريعة واختيار الشارع سبحانه وتعالى لهذه الكلمة دون غيرها من المفردات اللغوية لتعبر عن هذه الحقيقة العظمى في الدين. أكيد هذه الكلمة هي أنسب وأفضل كلمة للتعبير عن الحقيقة العظمى في هذا الدين، إذاً البحث في الدلالة اللغوية بحث مهم؛ لأنه الكلمة أساسية وهي منطلق من منطلقات التصور الإسلامي، وعلينا أن نحاول الوصول إلى سر اختيار هذه الكلمة دون غيرها من المفردات اللغوية للتعبير عن هذه الحقيقة العظمى. تمام، هذه توطئة.
ثم بعد ذلك أقول كلاماً مهمّاً جداً أنتبهوا عليَّ، لكن لكن وهذه لكن خطيرة، ينبغي التنبيه هنا على قضية مهمة، وهي أن تحديد الدلالة اللغوية لكلمة الإيمان لا يعني أنك وصلت إلى دلالتها الشرعية. بحثك في الدلالة اللغوية لكلمة الإيمان ووصولك إلى معنى هذه الكلمة في اللغة لا يعني أنك وصلت إلى دلالتها الشرعية. طيب لماذا؟
نقول: فإن الشريعة حينما تستخدم مفردات اللغة للتعبير عن المسائل والحقائق، وهذا ركزوا عليه الكلام، فإن الشريعة الإلهية لما تستخدم وتوظف المفردات اللغوية للتعبير عن الحقائق والمسائل، فإنها كثيراً ما تنقل هذه المفردات من دلالتها اللغوية الأصلية لتمنحها دلالة جديدة أوسع من دلالتها اللغوية أو أضيق من دلالتها اللغوية. المهم الشريعة تمنح هذه المفردات دلالات جديدة قد تكون أوسع من الدلالة اللغوية القديمة أو الأصيلة أو أضيق منها، لا حرج في ذلك، لكنها في النهاية طبعا تبقي مناسبة مع الدلالة اللغوية ولا تكون العلاقة هي التباين.
يعني صحيح الشريعة لما تأتي إلى المفردات اللغوية وتنقلها في كثير من الأحيان، لا أقول دائماً، في كثير من الأحيان تمنح هذه المفردات اللغوية مدلولات جديدة قد تكون أوسع من المدلولات اللغوية أو أضيق، لكنها لا تكون مباينة تماماً للمدلولات اللغوية. الشريعة لا تأتي مثلاً لمفهوم الصلاة وتستخدم الصلاة بمعنى مثلاً الصيام بمعنى الإمساك عن المفطرات، لماذا؟ لأن كلمة الصلاة في اللغة لا تدل على قضية الإامساك عن المفطرات أو الإمساك عن الأكل والشرب، وإنما تدل على الدعاء، فناسب إذاً أنها حينما تنقل للشريعة تطلق على الأفعال المبتدئة بالتكبير والمختتمة بالتسليم؛ لأن هذه الأفعال أغلبها دعاء، دعاء في الركوع ودعاء في السجود.
كذلك مثلاً الصيام؛ الصيام دلالته اللغوية الإمساك، لما تأتي الشريعة تنقل الصيام وتستعمله في شيء محدد، لا يمكن أن تستعمل الصيام للدلالة على مثلاً الزكاة، مثلاً بذل المال، لا تستخدم الصيام وتطلقه على بذل المال؛ لأنه الصيام لغةً ليس له أدنى ملابسة وتعلق بقضية بذل المال، الصيام معناه إمساك، فلما نقلت، نقلته بمعنى الإمساك، لكنه إمساك مخصوص عن أشياء مخصوصة بنية مخصوصة من طلوع الفجر إلى المغيب.
الشريعة نعم في كثير من الأحيان تمنح المدلولات اللغوية مفاهيم جديدة قد تكون أوسع من المفاهيم القديمة أو الأصيلة أو أضيق، نعم، لكنها لا تكون مباينة تماماً. ولذلك يبحث العلماء عادةً في كل علوم الشريعة عن الدلالة اللغوية للمصطلح ثم الدلالة الشرعية، ليعرفوا وجه الترابط والتناسب بين الدلالة اللغوية والدلالة الشرعية، ولماذا هذه الكلمة من بين المفردات اللغوية للتعبير عن هذه الحقيقة الشرعية المعينة؟ لابد من وجود تناسب.
لكن الشريعة تغير؟ نعم تغير، هذا احفظوه، الشريعة تغير، توسع، تضيق، نعم، لكن طبعا لا تأتي بالتباين، وهذا أصل مهم في فهم العلوم الشرعية كلها. ومن هنا، إذا أردت أن تعرف دلالة كلمة الإيمان في الشريعة، فعليك أن تتبع الآن. إذاً يا شيخ، أنت تقول لي إنه كلمة الإيمان معرفة دلالتها اللغوية لا يعني أنني وصلت إلى دلالتها الشرعية؟ ليه؟ لأنه يمكن أن تكون الشريعة استعملت كلمة الإيمان بمفهوم أوسع من دلالتها اللغوية أو بمفهوم أضيق من دلالتها اللغوية، فأنا بدي أتاكد وأنظر في نصوص الكتاب والسنة، وأبحث هل الشريعة الإلهية لما استعملت مفهوم الإيمان هل استعملته على دلالته اللغوية ولم تغير فيه؟ أم أن الشريعة غيرت في مفهوم الإيمان موسعة أو مضيقة؟
هنا سبيلي هو الاستقراء والتتبع، لابد من أن تستقرأ وتتبع الاستعمال الشرعي لهذا اللفظ. فنقول: فعليك إذاً أن تتبع موارد هذه الكلمة في نصوص الكتاب والسنة، وتتدبر طريقة استعمال الشارع لها، لتعرف هل نقلت كلمة الإيمان من دلالتها اللغوية ومنحتها معنى أعمق ومفهوماً جديداً، كما فعلت ذلك بألفاظ الصلاة أو الزكاة والصيام والحج؟ فالشريعة منحت هذه الألفاظ دلالات جديدة ليست هي الدلالة اللغوية الأصيلة لها، لكنها في نفس الوقت ليست مباينة تباين تام، لا بد كما قلنا من وجود الارتباط والعلاقة العامة، كما منحت ألفاظ الصلاة والزكاة والصيام والحج معاني أخرى وحقائق مستجدة.
أم بقيت دلالتها في الشرع؟ هذاك احتمال آخر، احتمال عقلي وارد أن تكون كلمة الإيمان بقيت دلالتها في الشرع كدلالتها في اللغة، ممكن، ممكن. فسبيلنا هو الاستقراء والتتبع. يقول ابن تيمية رحمة الله عليه وهو يأصل لهذه القضية المهمة، قضية الاستعمال الشرعي للألفاظ: إنه عدم إتقان هذه القضية أورد كثيراً من العلماء في طرق الضلال. عدم إتقان هذا المفهوم وهاي الحقيقة أورد كثيراً من العلماء ومن الأفاضل في سبل الضلال عن طريقة أهل السنة والجماعة، فيقول ابن تيمية: اسم الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك قد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يراد بها في كلامه وفي كلام الله. يعني النبي صلى الله عليه وسلم بين لنا ما هو المراد من الصلاة؟ ما هو المراد من الصيام في الشريعة؟ ما هو المراد من الزكاة في الشريعة؟ بين ذلك في كلامه عليه الصلاة والسلام، وكما بين ذلك أيضاً في كلام الله في نصوص القرآن، وكذلك لفظ الخمر وغيرها، ومن هناك يعرف معناها.
يعني لما بدك تعرف معنى الصلاة في الشريعة ما بينفع تفتح معجم من المعاجم اللغوية وتبدأ تنظر ما الصلاة في الشريعة؟ بدك تاخذ معنى الصلاة في الشريعة بدك تنظر في الكتاب والسنة. بدك تعرف معنى الصيام في الشريعة، كلمة الصيام لما وردت في نصوص الكتاب والسنة بدك تعرف معناها؟ بدك تعرف معناها من داخل نصوص الكتاب والسنة وليس من المعاجم اللغوية؛ لأن الشريعة تصرفت في هذه الألفاظ ومنحت معانٍ جديدة. فبالتالي يقول ابن تيمية: ومن هناك يعرف معناها، أي من الكتاب والسنة تعرف معنى الصلاة والزكاة والصيام والحج، وليس من المعاجم اللغوية.
قال: فلو أراد أحد أن يفسرها، أن يفسر الصلاة والزكاة الواردة في نصوص الكتاب والسنة أو الصيام أو الحج بغير ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبل منه. يعني لو جاءنا رجل وفتح القرآن الكريم ووصل إلى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: 97] فقال لنا: هل تعرفون ما معنى الحج؟ ويجوز قراءة ثانية الحِجّ. قلنا له: إن النبي صلى الله عليه وسلم بين لنا ما معنى هذه الكلمة والمفردة في نصوص الأحاديث النبوية الكثيرة المستفيضة. وقال لنا: لا، لا، أنا سأبين لكم معنى الحج من المنبع من معاجم اللغة. ففتح لنا معجم من معاجم اللغة، أخرج لنا معنى جديداً لكلمة الحج، وقال: الحج الوارد في الآية معناه كذا وكذا. هنا سنقول له: يا اخي الكريم، هذا الفهم خاص ومردود عليك ولا عبرة به؛ لأن هذا الفهم لكلمة الحج ليس مأخوذاً من بيان محمد صلى الله عليه وسلم، محمد صلى الله عليه وسلم بين هذا المفهوم، فأنا آخد شرح هذا المفهوم منه ولا أخذه من المعاجم اللغوية، وهذا أصل مهم في فهم الشريعة.
ثم قال ما زال كلام ابن تيمية قائماً، إذاً نعيد الكلام من أوله لأهميته: اسم الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك قد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يراد بها في كلام الله ورسوله، وكذلك لفظ الخمر ونحوها ومن هناك يعرف معناها، أي من النصوص الكتاب والسنة. فلو أراد أحد أن يفسرها غير ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبل منه.
قال: وأما الكلام في اشتقاقها ووجه دلالتها، فذاك من جنس علم البيان وتعليل الأحكام. يعني لو أنك أنت كفقيه بدأت تقول: الحج في اللغة أصله من كذا، أو الصلاة في اللغة أصلها الدعاء، والزكاة في اللغة مأخوذة من النماء، وبينت وجه التناسب بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، ما عندنا، كي لا يقول ابن تيمية، ما عندنا مشكلة؛ لأن هذا شكل من أشكال التعليل، أي: لماذا اختار الشارع كلمة الزكاة دون غيرها من المفردات اللغوية لتعبر عن الحقيقة الشرعية المحددة بكذا وكذا؟ لماذا اختيرت هذه الكلمة وما وجه مناسبتها؟ فهنا لا مانع من إيراد المعنى اللغوي استئناساً، لا مانع من إيراد المعنى اللغوي والبحث في أصل الاشتقاق استئناساً، وليس لأننا لا نعرف معنى الصلاة والزكاة والصيام إلا بالرجوع إلى المعاجم، فإن معانيها ومفاهيمها نأخذها من بيان صاحب الشريعة، لكننا نستأنس بالدلالة اللغوية لفهم وجه الترابط بين اللغة والشريعة في ذلك.
قال: فهو زيادة في العلم. لاحظوا الكلمة الدقيقة من ابن تيمية، قال: فهو زيادة في العلم. يعني شيء يستأنس به، زيادة في العلم، لكنه ليس أصل العلم بحقيقة هذه الأسماء. قال: وبيان لحكمة ألفاظ القرآن، أنه أكيد في حكمة من اختيار الصلاة دون غيرها من المفردات اللغوية أو الزكاة دون غيرها، وعلى ذلك. لكن معرفة المراد، هذا المهم، لكن معرفة المراد منها لا يتوقف على هذا، لا يتوقف على الرجوع إلى كتب المعاجم.
ثم ما زال يكمل ابن تيمية فيقول: واسم الإيمان، واسم الإيمان والإسلام والنفاق والكفر، هذه الأسماء الألقاب، مش قلنا أسماء وأحكام؟ فأسماء المؤمن، المسلم، المنافق، الكافر، هي أعظم من هذا كله، أي أعظم من لفظ الصلاة والزكاة والصيام، أعظم من هذه المصطلحات؛ لأنه الإيمان والاسلام والنفاق والردة هذه اصول العقائد، فهي أخطر من الصلاة والزكاة والصيام والحج، وإن كانت هذه مهمة، لكن تلك أصول العقائد، فبالتأكيد هي أخطر.
بالتالي ماذا ينبني على هذا؟ ما يريد أن يقوله ابن تيمية: فالنبي صلى الله عليه وسلم قد بين المراد بهذه الألفاظ، ألفاظ الإيمان والكفر وما شابهها، بياناً لا يحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق وشواهد استعمان العرب ونحو ذلك. فلهذا يجب الرجوع في مسميات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله، فانه شاف كافٍ.
يعني لا يعقل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم اهتم ببيان معنى الصلاة والزكاة والصيام وأغفل بيان معنى الإيمان والكفر والنفاق، مع أن هذه الألفاظ هي المنطلقات في العقيدة الإسلامية وفي التصور الإسلامي. فلا يعقل أنه النبي عليه الصلاة والسلام انشغل ببيان الفروع وترك الأصول، لا يمكن ذلك، وهذا اتهام للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه لم يبين الشريعة غاية البيان. فابن تيمية، وهذا كلام حق يجب أن يعلمه الجميع: الشريعة بينت دلالة هذه الألفاظ، الألفاظ الأساسية: الإيمان، الكفر، النفاق، ما هو البدعة؟ الشريعة بينت هذا، وأعطت معاني غزيرة لها، لكن وظيفتنا نحن أن نستنبط ونضع القواعد ونحدد ذلك، وننطلق في فهم هذه الألفاظ من بيان محمد صلى الله عليه وسلم، هذا ما يريد أن يقول ابن تيمية.
يعني لا نعتمد في بيان مفهوم الإيمان والكفر على الاشتقاق اللغوي وعلى شواهد اللغة، وأن كلمة الإيمان استعملت في اللغة بهذا المعنى، هذا كله لا ينفعنا الآن. ينفعنا الآن: ماذا فسر وشرح محمد صلى الله عليه وسلم مفهوم الإيمان؟ هنا نعرف ما هو الإيمان على طريقة أهل السنة والجماعة، ما هو الإيمان الذي أراده الله سبحانه وتعالى؟ ما هو الإيمان الذي قصده محمد عليه الصلاة والسلام؟ إذا عدنا إلى كلام محمد بابي هو وامي صلوات ربي وسلامه عليه، إلى تفسير القرآن الكريم. واما إذا عدنا إلى اللغة فقط واكتفينا بها، قد حدنا عن سواء السبيل.
إذاً، أن معرفة الدلالة اللغوية لكلمة الإيمان، هذا الآن انتهى كلام ابن تيمية عدنا الآن للشرح، واسمعوا هذا الكلام جيداً، والله أحبتي أن هذا الكلام إذا ضبط وفهم ستتجلى عندكم كثير من القضايا والشكاليات مع الأفكار المنحرفة عن طريقة أهل السنة والجماعة. فنقول: إن معرفة الدلالة اللغوية لكلمة الإيمان ليس قاضياً وليس حاكماً على الدلالة الشرعية، وإنما ذكر الدلالة اللغوية مقصده أن نعرف سر استعمال الشارع لهذه اللفظة، مثلاً لفظة الإيمان دون غيرها من الألفاظ، أو قل لمعرفة المناسبة بين الدلالة اللغوية والدلالة الشرعية فقط، وليس لتحديد دلالة أو مفهوم أو حقيقة كلمة الإيمان في الشرع.
نحن لا يهمنا إذاً البحث اللغوي القوي في كلمة الإيمان، ما يهمنا البحث الشرعي، وبحثنا اللغوي مجرد إدراك مناسبة، لماذا اختيرت هذه الكلمة دون غيرها؟ وإنما ذكره ليعرف سر استعمار الشارع لهذا اللفظ دون غيره، وقل لمناسبة استعمار الشارع، وليس لتحديد دلالة كلمة الإيمان في الشرع. وإنما نركز، يعني لاحظت أني أنا
ونركز على هذه القضية، لماذا هنا المهم؟ لأن بعض الفرق الكلامية نظرت إلى المعنى اللغوي لكلمة الإيمان وجعلته حاكماً على المعنى الشرعي. واحتجت باللغة على الشرع، بل بعض الفرق الكلامية نفت أن يكون هناك حقائق شرعية، نفت أن يكون الشارع قد أتى بألفاظ لغوية ومنحها دلالات جديدة.
كل هذه القضية من أجل أن تنصر عقيدتها الإرجائية، بعض الفرق الكلامية نفت وجود شيء اسمه أصلاً حقائق شرعية، نفت أن يكون الشارع يوسع دلالة الألفاظ أو يضيقها، نفت كل هذه الأفكار التي نتكلم أنا فيها. وقالت: هذه الألفاظ باقية على دلالتها اللغوية.
طيب، لماذا فعلوا ذلك؟ لأن هذا ينصر طريقتهم الإرجائية كما سنبين بعد قليل بإذن الله أو في المحاضرة القادمة. فنقول: لأن بعض الفرق الكلامية ماذا ركز على هذه القضية؟ لأن بعض الفرق الكلامية نظرت إلى المعنى اللغوي لكلمة الإيمان وجعلته حاكماً على المعنى الشرعي. واحتجت باللغة على الشرع.
احتجت باللغة على الشرع وهذا خطأ منهجي في التعامل مع الحقائق الشرعية، تم التنبيه عليه في بداية هذه المجالس والدورة المباركة. حيث ذكرنا أحبتي ونحن نؤصل لمنطلقات أهل السنة والجماعة في بناء العقائد، ذكرنا أظن الأصل الرابع أو الأصل الخامس: أن أحد أبرز أسباب الانحراف في مسائل الاعتقاد هو عدم ملاحظة الاستعمال الشرعي للألفاظ.
من أخطر أسباب الانحراف عند الفرق الكلامية، غير أنهم أخذوا الفلسفة الإغريقية وصاغوا عقيدة الدين في قوالبها، من أبرز أسباب الانحراف عندهم أنهم لم يتأملوا في الاستعمال الشرعي للألفاظ ووقفوا عند الدلالة اللغوية فقط. ولذا نجد كثيراً من أئمة اللغة وأصحاب المعاجم أخطأوا الجادة في أبواب الاعتقاد وخالفوا طريقة أهل السنة والجماعة.
ليس بسبب جهلهم بالدلالات اللغوية أو باللغة، هم أصحاب معاجم أهل اللغة. طيب، أهل لغة وخالف منهج أهل السنة والجماعة، ما هو السبب؟ كثير من هؤلاء أصحاب المعاجم إنما حادوا عن طريقة أهل السنة وأخطأوا في مسائل الاعتقاد ليس لجهلهم باللغة العربية، بل لجهلهم الاستعمال الشرعي للألفاظ.
وتوهموا أن الشارع استعمل الألفاظ في الكتاب والسنة على أصل دلالتها اللغوية ولم يغير فيها، فبدأوا يأتون لهذه الألفاظ الواردة في القرآن وفي السنة يشرحونها بدلالتها اللغوية وليس باستعمال الشارع لها. وهذا خطأ كبير سبب انحرافاً عن جادة أهل السنة والجماعة لدى كثير من علماء اللغة.
بل للأسف بعض اللغويين لما يفسر بعض الألفاظ لا يفسرها بحقيقتها حتى اللغوية، يعني بعض اللغويين بسبب تأثره بالفرق الكلامية أثر هذا على تفسيره اللغوي لبعض الكلمات. كما ذكرنا في صفة الكلام أن بعض اللغويين يقول: كلامه حقيقة هو المعنى القائم في النفس. وهذا ليس له وجود عند العربية قاطبة، استعمال الكلام على المعنى القائم في النفس هذا مجاز.
لا يقول أحد من علماء العربية الأقدمين ولا أحد من العرب، ولا من عُرف برسوخه في العلم من القدم. أقول من الأيام أيام السلف الصالح أنه فسر الكلام حقيقة بالمعنى القائم في النفس. فكيف يأتي أحد أصحاب المعاجم يقول لنا: الكلام هو المعنى القائم في النفس؟ هذا تأثر واضح بالمنهج الكلامي العقدي الذي ينطلق منه.
فينبغي أن تقرأ كتب اللغويين بعقل، لكن هنا نحن نتكلم عن مشكلة أخرى هي أن اللغوي يأتي إلى ألفاظ واردة في الكتاب والسنة فيفسرها بمعناها اللغوي الحقيقي. نقول: نعم، هذا المعنى اللغوي حق، لكن الشارع لم يبق هذه الألفاظ والمفردات على المعنى اللغوي، بل إما وسع وإما ضيق.
وهذا لاحظناه من التتبع لموارد استعمال الشارع لهذا اللفظ. إذن ولذا نجد كثيراً من أئمة اللغة أخطأوا الجادة في أبواب الاعتقاد ليس بسبب جهلهم باللغة، كيف وهم أئمتها؟ بل بسبب جهلهم الاستعمال الشرعي للألفاظ اللغوية، وتطلب حقائق هذه الألفاظ من اللغة فقط. وتطلب حقائق هذه الألفاظ الشرعية من اللغة فقط خطأ كبير منهجي.
واعلم يا طالب العلم أن ملاحظة الاستعمال العرفي للألفاظ هذا ليس خاصاً فقط بالعرف الشرعي. أنا الآن سأثبت أنه يجب أن نلاحظ أعراف الناس في استعمال الألفاظ ولا نكتفي فقط بالدلالة اللغوية الأصيلة لها، وأن قضية مراعاة أعراف الناس في استعمال الألفاظ هذه ليست قضية شرعية فقط، أن هناك الشارع فقط هو الذي ينقل الكلمات من دلالتها اللغوية ويوسعها في استعماله أو يضيقها.
بل حتى الناس في حياتهم ينقلون بعض الألفاظ من دلالتها اللغوية الأصيلة ويستعملونها في مجتمعاتهم وفي قراهم أو في حرفهم بعد أن يمنحوها معاني جديدة أضيق أو أوسع. أقول: اعلم يا طالب العلم أن ملاحظة الاستعمال العرفي للألفاظ هذا ليس خاصاً فقط بالعرف الشرعي، بل حتى أعراف الناس في حياتهم فإن أصحاب الحرف والصنائع مثلاً لهم أعراف في استعمال بعض المفردات اللغوية.
فتجد مثلاً عند الحدادين هناك إحدى المفردات اللغوية يستعملونها بطريقة معينة ليست هي الدلالة اللغوية الأصيلة لهذه الكلمة، بل لها دلالتها الخاصة عندهم. فلما تأتي أنت فتكون في وسط مجتمع الحدادين ويقول لك أحد الحدادين: والله ناولني مثلاً هذا الشيء، فلا تقل والله هذا الشيء معناه لغة كذا وكذا فتذهب إليه فتعطيه شيئاً بناءً على دلالته اللغوية في عقلك.
بل عليك أن تنظر هذه اللفظة ما هي دلالتها في عرف الحداد؟ لا يهمنا اللغوية، أنا يهمني ما دلالتها في عرف الحداد لأتي له بالشيء بناءً على ما يفهمه. فنقل الألفاظ من دلالتها اللغوية ومنحها دلالات جديدة أوسع أو أضيق من دلالتها اللغوية هذا ليس خاصاً بالشريعة الإسلامية وبالكتاب والسنة، بل هذا أمر متعارف عليه في جميع المجتمعات.
فكلمة دابة أصلها في اللغة العربية كل ما يدب على الأرض من أصحاب أربعة أرجل أو الرجلين أو الرجل الواحد أو الزواحف، لكنها نقلت وأصبحت في عرف الناس تطلق الدابة على ذوات الأربع فقط. هذا نقل عرفي وتضييق للمعنى اللغوي، تضييق بالمعنى اللغوي. إذاً عملية التضييق والتوسيع في المعنى اللغوي هذا ليس خاصاً الاستعمال الشرعي حتى يأتي أحد المتكلمين لينكر علينا ويقول: من أين أتيتم بقضية العرف الشرعي؟
نقول: هناك عرف شرعي وهناك عرف أصحاب الحرف وهناك عرف لأصحاب القرى وهناك عرف للأمصار. فإذاً قضية الأعراف ونقل الألفاظ وتغيير دلالاتها هذا أمر واقع في حياة الناس ليس لأحد عاقل أن ينكره. فأقول إذاً واعلم أن ملاحظة الاستعمال العرفي للألفاظ ليست خاصة بالعرف الشرعي فقط، بل حتى أعراف الناس في حياتهم فإن أصحاب الحرف والصنائع مثلاً لهم أعراف في استعمال بعض المفردات اللغوية.
فتفسير دلالة هذه الكلمات في لسانهم يقتضي أن ترجع إلى عرفهم وليس إلى الدلالة اللغوية البحتة، وإلا ستخطئ في فهم مقصودهم. وقل ذلك في الألفاظ الدارجة في المجتمعات والقرى والأمصار فإن دلالة المفردة اللغوية قد تختلف من بلد إلى آخر ومن مجتمع إلى غيره.
وبالتالي فنقول: ملاحظة الاستعمال الشرعي إذاً ليس بدعاً من القول أتى به أهل السنة والجماعة، بل هو الطبيعة العلمية المتوافقة مع مجتمعات الناس ومع المنطق السليم. ملاحظة العرف الشرعي ما يأتي أحد المتكلمين يقول: والله هذه بدعة أتى بها أهل السنة. نقول: طبيعة الحياة الاجتماعية على هذه الأرض تدل على هذه الفكرة، وهو أن المفردات اللغوية كثيراً ما يتم عليها تطوير إما تضييق وإما توسيع في الأعراف.
فكما أن هذا يحصل في أعراف الناس فهو حاصل أيضاً في عرف الشارع سبحانه وتعالى. وبناءً على هذا نقول: إن تحديد معنى الإيمان لغة لن يكون هو الفصل في بيان معناه شرعاً، لن يكون هو الفصل عفوًا في بيان معناه شرعاً. طيب، ماذا ينبني على هذا؟
وبالتالي نقول: إن الخلاف في الدلالة اللغوية لكلمة الإيمان لا نعتبره بالتالي خلافاً عقديّاً، يعني إذا وقع خلاف في الدلالة اللغوية لكلمة الإيمان، كلمة الإيمان لغة ماذا تعني؟ هناك خلاف ترى بين أهل العلم كما سيأتي. إذا اختلفنا في دلالة كلمة الإيمان لغة فهذا لا يعتبر خلافاً عقديّاً، ليس خلافا عقدياً، بالتالي لا يثرب بعضنا على بعض في ذلك أو نبدعه على ذلك.
بل ستبقى مسألة لغوية بحتة عليها أن تأخذ حجمها المناسب في البحث العلمي مع السعي طبعاً إلى تطلب الحق. لماذا نقول هذا الكلام؟ لأن هناك يعني نستطيع أن نقول بعض النزاع وبعض التسرع من طلبة ينتسبون إلى مدرسة أهل السنة والجماعة يزعمون أن كلمة الإيمان لغة معناها كذا وكذا، وأي شخص يقول غير ذلك فقد ابتدع. نقول له: قف، إن البحث في دلالة كلمة الإيمان لغة هذا بحث لغوي، هذا بحث لغوي نسعى إلى الوصول إلى الحق فيه، لكن ليس خلافاً عقدياً.
الخلاف العقدي هو في معنى الإيمان شرعاً في استعمال الشارع، وليس الخلاف العقدي في معنى الإيمان لغة. بالتالي الخلاف في معنى وفي مدلول الإيمان لغة ليس خلافاً عقدياً، لا يجوز التبديع فيه، تبقى مسألة مطروحة للنقاش ونسعى إلى تطلب الحق ما عندنا مشكلة، نحن نسعى إلى تطلب الحق لكنها مسألة لغوية تبقى مطروحة للنقاش ولا يبدع فيها ولا يفسق فيها ولا يتطاول فيها على أهل العلم.
إذاً فهذا التأصيل مهم بينا فيه أن الشارع ينقل بعض الألفاظ اللغوية من دلالتها الأصيلة إلى استعمال خاص، ويجب علينا بالتالي أن نعرف هذا الاستعمال الخاص من خلال التتبع والاستقراء لنصوص الكتاب والسنة. ما فائدة المعنى اللغوي إذاً؟ إدراك المناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي وتطلب الأسرار والحكم في ذلك، فهو استئناس علمي.
وصلنا إلى نتيجة أخرى أيضاً، أنه لا يجوز التبديع في الاختلاف في دلالة كلمة الإيمان أو غيرها من الألفاظ لغة، لا نبدع في ذلك بل نبقي المسألة بحجمها ما دامت المسألة هي مسألة اجتهادية في تحديد معنى الإيمان لغة أو غيرها من الألفاظ. طبعاً متى يمكن أن نقول إن هناك إشكالية في تحديد المعنى اللغوي؟
لما نجد مثلاً كما قلنا بعض مثلاً زي صاحب الفيومي المصباح المنير للفيومي، الفيومي رحمه الله وغفر الله له عرف الكلام بأنه المعنى القائم في النفس وقال: هذا هو المعنى الحقيقي. هنا في الحقيقة هذه ليست مسألة لغوية، بل هنا ندرك أن الفيومي هنا متأثر بالفكر الأشعري في هذه القضية، ندرك أن الفيومي متأثر بالفكر الأشعري في هذه القضية وليست هذه دلالة لغوية.
يعني ليس كلام الفيومي هنا خارجاً من بحث لغوي، لأن هناك إطباقاً عند المتقدمين العرب أن الكلام هو اللفظ، وهذا ما تدل عليه الفطرة والعقل والمنطق السليم أصالة وتدل عليه لغات العرب والعجم. فهنا نعرف أن هناك إشكالية في تأثر عقدي عنده، فنلغي هذا الكلام ولا نعتبره اجتهاداً.
لكن لما يكون لنفس اللفظة فعلاً في اللغة احتمال وهناك آراء وتتجاذبها الأنظار، فليس لنا أن نشدد ونغلو ما دامت القضية قضية لغوية بحتة. وإنما التركيز والتشديد يكون على المفهوم الشرعي للإيمان. وفي المحاضرة القادمة بإذن الله سنبدأ ما هو مفهوم الإيمان لغة ومن الخلاف الدائر فيه؟ تحديد الدلالة اللغوية له بين أهل العلم ثم ننتقل إلى مفهوم الإيمان شرعاً.
اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل