تسجيل الدخول

شرح لمعة الاعتقاد (25) / مفهوم الإيمان (2)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب لمعة الاعتقاد للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الصالحي رحمة الله تعالى عليه. في المحاضرة السابقة أحبتي بدأنا بموضوع من مواضيع هذا الكتاب المبارك، وهو تحقيق مفهوم الإيمان عند أهل السنة والجماعة، وعرفنا أن مسائل الأسماء والصفات ومسائل القضاء والقدر ومسائل الإيمان هي المسائل الكبرى التي وقع فيها الخلاف بين الإسلاميين عموماً وكثر فيها الأخذ والرد. لذلك عادة ما تذكر هذه المسائل تبعاً، وإن كنت وددت لو أن ابن قدامة قدم مسائل الإيمان في بداية كتابه أو مصنفه أو رسالته؛ لأن الإيمان هو أساس الدين وهو لب الدين وجوهره، كما ذكرنا في المحاضرة السابقة، ومسائل الإيمان تحقيقها مهم جداً؛ لأن بها يرتبط باب الأسماء والأحكام.

وأول خلاف وقع في الأمة وأول انفصال وانشقاق عن منهج الصحابة والتابعين كان بسبب مفهوم الإيمان حينما ظهر الفكر الخارجي في أيام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. بعد ذلك تكلمنا أحبتي عن قضية مدلول الإيمان لغة، لم نخض في مدلول الإيمان لغة، لكننا وضعنا مقدمة مهمة وعرفنا من خلالها أن الشارع الحكيم سبحانه وتعالى أتى لكثير من المفردات اللغوية فاستعملها في الشرع بطريقة تختلف عن استعمالها اللغوي الأصلي، إما موسعاً لها في الشرع أو مضيقاً لها، والشريعة لها عرف في استعمال الألفاظ، هذا ما قررناه.

الشريعة لها عرف في استعمال الألفاظ، فكما أن التجار لهم عرف في استعمال المفردات اللغوية، وأصحاب الصناعات لهم عرف في استعمال الدلالات اللغوية، وأهل النحو لهم عرف في استعمالات الألفاظ ضد المفردات اللغوية، كذلك الشارع الحكيم له عرف في استعمال المفردات اللغوية. فالشارع نقل كثيراً من المفردات اللغوية من دلالتها الأصلية في اللغة واستعمل لها دلالة عرفية شرعية، هذه الدلالة العرفية الشرعية لا تباين تبايناً تاما للدلالة اللغوية الأصيلة، لكنها تكون إما أوسع من الدلالة الأصلية اللغوية الأصيلة أو أضيق من اللغوية الأصيلة، لكنها لا تكون ذاتها بالضبط، لا تكون ذاتها بالضبط. ومن هنا قلنا إذا ورد لفظ في الشريعة فعلينا أن نستقرئ موارد هذا اللفظ في الكتاب والسنة، ننظر كيف استعمل الشارع هذا اللفظ؟ هناك بعض الألفاظ استعملها الشارع لكنه أبقاها على دلالتها اللغوية الأصلية، هذا نعرفه من خلال تتبع كلام الشارع.

الألفاظ التي لاحظنا من خلال التتبع والاستقراء أن الشارع أبقاها على دلالتها اللغوية الأصلية فإننا نبقيها على دلالتها اللغوية الأصلية، ما عندنا مشكلة. لكن الألفاظ التي وجدنا أن الشارع تصرف فيها ومنحها معاني أوسع أو أضيق من المعاني اللغوية الأصلية، فانه لا يجوز لنا أن نفسر هذه الألفاظ الواردة في كلام الله إلا بما فسره الله سبحانه وبما أراده الله عز وجل، وليس على الدلالة اللغوية الأصلية. هذا باب أصل مهم في تحقيق قضية الإيمان، ومن هنا ختمنا وقلنا إن تحديد المعنى اللغوي لمفهوم الإيمان لا يقضي على المعنى الشرعي. بعبارة أخرى أن تحديد المعنى اللغوي لمفهوم الإيمان لا يعني أننا وصلنا للمعنى الشرعي لمفهوم الإيمان، طيب كيف نصل للمعنى الشرعي لمفهوم الإيمان؟ لابد من أن نعود إلى نصوص الكتاب والسنة وننظر ماذا فهم الصحابة والجيل الأول من هذه النصوص، ما دلالة الإيمان عند أو في نصوص الشارع الحكيم وكيف فهمها السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم.

لكن بشكل عام الدلالة اللغوية لابد أن نقف عندها ابتداء، نعرف أقوال العلماء فيها، ولا يجوز التبديع بناء على الدلالة اللغوية في الجملة، لا نبدع بناء على الدلالة اللغوية، فلو أن شخصاً عرف الإيمان في اللغة بطريقة معينة، فإننا لو خطأناه لا نبدعه ما دام أنه أصاب في المعنى الشرعي لمفهوم الإيمان؛ لأن التبديع هذا اسم ولقب مرتبط بالشريعة، فلابد أن تكون المسألة التي أخطأ فيها هذا الشخص الذي سنبدعه مسألة شرعية، لكن إذا كانت مسألة لغوية بحتة، فحتى لو خطأناه فإن هذا لا يعني أن نصل به إلى التبديع. هذه قضية مهمة؛ لأن بعض طلبة العلم يستعجل في هذا الموضوع، يظن أن إذا أحد الأئمة فسر كلمة واردة في الكتاب والسنة فسر معناها اللغوي بشكل خاطئ معناته يجب أن يبدع هذا الإمام. لا، علينا أن ننظر إذا كان هذا الإمام متفق معنا في الأصول الشرعية وفي المعنى الشرعي لهذا اللفظ، لكن خلاف وقع بيننا وبينه في المعنى اللغوي، هنا إن كان كلامه باطل قولا واحدا نقول كلامه خطأ وحاد عن الصواب، ولكننا لا نسقط عليه ألفاظ التبديع، وأما إن كان كلامه يحتمل وجهة نظر، فإننا إذن سنبقي المسألة اجتهادية لا يحرج فيها بعضنا على بعض، ستبقى المسألة اجتهادية وننتقل إلى الخلاف الذي يهمنا أو إلى التحقيق الذي يهمنا وهو التحقيق الشرعي لهذا المصطلح.

باختصار لا نجعل خلافاتنا اللغوية تطغى على خلافاتنا الشرعية، علينا أن ننظر للخلاف اللغوي ننزله محله، والخلاف الشرعي ينزل محله من دون أن تتداخل الصورة عند طالب العلم. إذاً نقول مستعينين بالله وبناء على هذا نقول إن تحديد معنى الإيمان لغة ليس هو الفصل في بيان معناه شرعاً، وأن الخلاف في الدلالة اللغوية لكلمة ليس خلافا عقدياً يثرب فيه على المخالف ويشدد فيه أو يبدع فيه، بل هي قضية لغوية علينا أن نأخذها بحجمها المناسب مع السعي بالتأكيد إلى تطلب الحق فيها. ومن هنا نقول ونبدأ محاضرة اليوم: ما دلالة كلمة إيمان عند اللغويين؟ ما دلالة كلمة الإيمان عند اللغويين؟

فنقول اختلف أهل العلم في دلالة كلمة الإيمان في اللغة العربية على أقوال أشهرها ثلاثة. القول الأول وهو الذي عليه الأكثر أن الإيمان لغة كلمة الإيمان دلالتها اللغوية هو التصديق، هذا هو القول الأول الإيمان لغة، ما معناه عند العرب الأوائل؟ معناه التصديق. هذا القول نقله الأزهري في تهذيب اللغة، في كتاب تهذيب اللغة نقل الأزهري الإجماع عليه، انظر نقل الأزهري الإجماع عليه، يقول الأزهري: اتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه التصديق. إذاً هو ينقل الاتفاق، ينقل إجماع أهل العلم على أن الإيمان في أصل اللغة هو التصديق، وهذا الرأي اختاره أيضاً ابن جرير الطبري رحمة الله تعالى عليه، وهو من كبار المفسرين، واختاره طائفة من أهل العلم. وهذا يدل على أن، طيب ماذا نستنتج من هذا؟ بما أن الإيمان لغة بمعنى التصديق هناك من ينقل إجماعات عليه، واختاره كثير من علماء أهل السنة والجماعة، فنقول إذاً هذا يدل على أن تفسير الإيمان بالتصديق ليس مختصاً بعلماء الكلام وأرباب البدع كما يتوهم بعض طلبة العلم، بل هذا التفسير للإيمان بأنه تصديق قول معروف عند علماء أهل السنة والجماعة أيضاً.

تفسير الإيمان لغة ركزوا أنا أبحث في الدلالة اللغوية، تفسير الإيمان لغة بأنه التصديق بعض الطلبة يظن أن هذا من إبداع الفرق الكرامية وأنه ليس أصيلاً في لسان العرب. طبعا لماذا بعض أهل العلم الذي ينتسب إلى أهل السنة والجماعة يقول إن تفسير الإيمان لغة هو التصديق هذا تفسير كلام بدعي وليس تفسير أصحاب اللغة الأوائل؟ لأن هذا التفسير اللغوي للإيمان وظفه المرجئة في تفسير الإيمان شرعاً، تفسير معنى الإيمان لغة وظفته الفرق المرجئة في بيان معنى الإيمان شرعاً، فأصبح بعض علماء أهل السنة والجماعة يقضي ويغلق الباب على المرجئة، يقول إن دلالة الإيمان لغة على التصديق ليست مسلمة، بل الإيمان لغة لا يدل على التصديق، هو شيء من التصديق، فيبدأ النقاش في الدلالة اللغوية.

فهنا نقول في الحقيقة الآن هل الإيمان لغة بمعنى التصديق؟ هذه مسألة لغوية، نعود إلى أرباب اللغة؛ لأننا لا نبحث في مبحث شرعي، نبحث في مبحث لغوي، ننظر أهل اللغة ماذا قالوا؟ بما أن هناك إجماعات تنقل بغض النظر عن دقة هذا الإجماع، أنا لا يهمني دقة هذا الإجماع بقدر ما يهمني أن إماماً كبيراً في اللغة وعالماً نحريراً كالازهري لما ينقل اتفاقاً على أن الإيمان معناه التصديق، هذا يدل في أقل أحواله على أن هناك قطاعاً كبيراً من علماء اللغة ومن أهل العلم يذهبون إلى أن دلالة الإيمان في اللغة متقاربة جداً مع معنى التصديق. وهذا ذهب إليه أيضاً ابن جرير الطبري، وابن جرير الطبري من علماء أهل السنة والجماعة. إذاً باختصار تفسير الإيمان لغة بمعنى التصديق هذا وارد، ومسألة اجتهادية، ورأي له وجهته ومكانته، رأي قوي وحاضر في المسألة، لكنه في النهاية لا يقضي على المعنى الشرعي للإيمان؛ لأن المعنى الشرعي للإيمان كما قلنا سنتطلبه من نصوص الكتاب والسنة، وليس من كلام علماء اللغة، فنحن الآن نبحث في كلام علماء اللغة، فلو قلنا إن الإيمان في اللغة هو التصديق لا حرج، والمسألة اجتهادية.

طيب، إذاً هذا هو الرأي الأول وهو الرأي الأكثر، أن الإيمان هو التصديق. هناك رأي آخر أو الرأي الثاني: أن الإيمان في اللغة هو تصديق مصحوب بأمن، الإيمان في اللغة ليس مجرد التصديق، هو تصديق مصحوب بأمن وطمأنينة وأمان، زيدوا هذه الألفاظ، وهذا الاختيار الثاني أو هذا الرأي الثاني ذهب إليه الراغب الأصفهاني رحمة الله تعالى عليه في كتابه المفردات، مفردات ألفاظ القرآن الكريم، ذهب إلى تعريف الإيمان لغة بأنه الإيمان في اللغة هو التصديق الذي معه التصديق المصحوب بالأمن وطمأنينة القلب، وبالتالي هذا يدل على أن الإيمان أعلى رتبة من التصديق؛ لأن الراغب الأصفهاني ما قال الإيمان يساوي التصديق كما قال الجمهور، لا، قال الإيمان تصديق مع أمن، بالتأكيد الإيمان درجة أعلى من التصديق في وجهة نظر الراغب الأصفهاني، في الدلالة اللغوية طبعا؛ لأنه جعله تصديقاً وزيادة، تصديقاً مع أمن وطمأنينة قلب واستقرار فؤاد.

وكأن الراغب الأصفهاني أحبتي نظر إلى الاشتقاق اللغوي لكلمة الإيمان، أن كلمة الإيمان مأخوذة من الأمن، إيمان مأخوذة من الأمن، فلابد إذاً من تصديق مع أمن وطمأنينة وهدوء نفس لهذا التصديق، فليس كل تصديق ليس كل تصديق مصحوباً بأمن وطمأنينة، انتبهوا على هذه القضية، هل كل تصديق يكون مصحوباً بطمأنينة القلب التامة والأمان التام لهذا التصديق؟ لا، بعض الناس يصدق بشيء لكن يقبل التشكيك بأدنى شبهة، وهناك إنسان لا، مصدق وبلغ درجة الأمان القلبي والطمأنينة القلبية التامة بحيث لا يقبل التشكيك، فليس كل تصديق مصحوباً بأمن، والإيمان في وجهة نظر الراغب الأصفهاني ليس أي تصديق، الإيمان عند الراغب الأصفهاني لغة هو تصديق مصحوب بأمان، بطمأنينة قلب، بهدوء فؤاد إلى الشيء المصدق، تمام؟ هذا رأي ثاني.

الرأي الثالث: أن الإيمان في اللغة هو الإقرار، الإيمان لغة هو، ما قال التصديق أبداً، ما أتى بها، قالوا الإيمان لغة هو الإقرار، وهذا الرأي هو الذي ذهب إليه ابن تيمية وتلاميذه أن الإيمان لغة هو الإقرار. وزيف ابن تيمية، شف ابن تيمية في كتاب الإيمان الكبير زيف تفسير الإيمان لغة بالتصديق، وأتى بأربعة أوجه فيما أذكر زيف فيها هذا الرأي، وبين أن الإيمان ليس في اللغة التصديق لعدة أمور واعتبارات لا يتسع المكان أو الوقت لبسطها والنقاش فيها، لكن بشكل عام ابن تيمية وتلاميذه يسيرون مع الراغب الأصفهاني في الخط العام، أن الإيمان لا يساوي التصديق، بل الإيمان شيء أعلى من التصديق.

فإن ابن تيمية لما يفسر الإيمان بأنه الإقرار هو في الحقيقة يتقارب جداً مع الراغب الأصفهاني في تفسيره للإيمان لغة بأنه تصديق مصحوب بأمن؛ لأن الإقرار هو تصديق مع استقرار في القلب، هذا هو، الإقرار هو تصديق مع استقرار في القلب وطمأنينة وهدوء وانقياد، فكلمة الإقرار أعلى من التصديق، نعم وابن تيمية يتجه إلى هذا الاتجاه وهو كما قلنا يصب مع الراغب الأصفهاني في وجهة النظر التي تقول إن الإيمان شيء أعلى من التصديق فلا نجعله مساوياً للتصديق. فالراغب الأصفهاني قال هو تصديق مع أمن، وابن تيمية قال هو إقرار، والاقرار هو تصديق مع استقرار في القلب وهدوء وطمأنينة تامة.

لكن في النهاية مع أن ابن تيمية رحمة الله عليه زيف تفسير الإيمان لغة بأنه التصديق ورأى أنه غير صواب، لكن سيبقى اجتهاد من ابن تيمية يقبل النقاش، حتى لو كان ابن تيمية سيقبل، هذا اجتهاد من ابن تيمية في الدلالة اللغوية لكلمة الإيمان يقبل النقاش، بما أن هناك قطاعاً كبيراً من علماء اللغة ومن أهل السنة والجماعة يرى أن الإيمان لغة التصديق ولا حرج في ذلك، فالمسألة والله تعالى أعلم تبقى مسألة لغوية اجتهادية لا يبدع فيها، وإنما الاشكال كما قلنا سيأتي معنا الآن في البحث الشرعي لكلمة الإيمان، المفهوم الشرعي هنا، النقاش هنا، الخلاف هنا، النظر الحاد سيأتي والخلافات بين الفرق الإسلامية.

وأما المعنى اللغوي فسيبقى في دائرة الاجتهاد وتطلب الصواب تماماً، فنقول لكن بعد أن سردنا هذه الأقوال الثلاثة نقول كما قررنا سابقاً أننا لو اعتمدنا أن الإيمان في اللغة هو التصديق وسرنا على رأي الجمهور، فإن هذا لا يؤثر عندنا على حقيقة الإيمان شرعاً للقاعدة التي قررناها كثيراً: المعنى اللغوي ليس حاكماً على الاستعمال الشرعي، بل تطلب معنى الإيمان شرعاً محله الرجوع إلى كلام الله ورسوله وملاحظة التفسير الشرعي في هذا المصطلح. فدعونا إذاً ننتقل إلى حقيقة الإيمان شرعاً، فنقول دلالة لفظة الإيمان في الشريعة المحمدية نحصلها بطريقين، انتهينا من البحث اللغوي لكلمة الإيمان دعونا الآن ننطلق إلى البحث الشرعي وهو المراد أساساً.

من أين نأتي بالمعنى الشرعي لكلمة الإيمان؟ كيف نحصله؟ فأقول: هناك طريقان لتحصيل المعنى الشرعي لكلمة الإيمان. الطريق الأول: أن نتتبع موارد هذه اللفظة وهذا المفهوم في نصوص الكتاب والسنة والتفسير، أي ونلحظ التفسير الذي تقدمه هذه النصوص لهذه الحقيقة العظمى، إذ لا يعقل، أحبتي -هنا ركزوا معي تماماً- لا يعقل، أحبتي، أن تكون الشريعة المحمدية اهتمت بتوضيح مفهوم الصلاة والزكاة والربا والبيوع والدين ودخلت في تفاصيل هذه الفروع ولم تبين لنا مفهوم الإيمان الذي هو أصل الدين. لا يمكن أبداً، هذه خذوها وضعوها في أذهانكم، إياكم أن يذهب هذا الكلام عن عقولكم.

لا يمكن لا يمكن أن تكون الشريعة المحمدية -زادها الله شرفاً- اهتمت ببيان معنى الصلاة وأنها بتفاصيلها الدقيقة كما بينها محمد صلى الله عليه وسلم، وبيان الزكاة بأنصبتها وحقائقها، وبيان مفهوم الصيام والمفطرات، وبيان مفهوم الحج ومناسك الحج، وتكون بينت الربا والمعاملات والبيوع والديون، ألا تكون بينت الكل واغفلت الشريعة مفهوم الإيمان فلم تبينه بياناً شافياً تاماً يستغنى عنه أو يستغنى -عفواً به- عن النظر في الدلالة اللغوية! لا يمكن بالتأكيد والقطع والجزم أن الشريعة أتت في بيان مفهوم الإيمان -الذي هو الحقيقة الكبرى للإسلام، الحقيقة الكبرى في هذا الدين- أتت فيه بالبيان الشافي الذي نستغني به عما سواه من بيان اللغويين. من هنا ننطلق، إذاً الطريقة الأولى لمعرفة مفهوم الإيمان في الشريعة المحمدية وعند أهل السنة والجماعة يكون بتتبع موارد هذه الكلمة في الكتاب والسنة، ونلاحظ التفسير الذي قدمته هذه النصوص، نصوص الكتاب والسنة، لهذا المفهوم. بالتأكيد النصوص فسرته وبينته بياناً شافياً تاماً أستغني به عن البيان اللغوي، أحبتي، كما ذكرنا هذا في المحاضرة السابقة. إذاً هذا الطريق الأول الذي علينا أن نسلكه: تتبع موارد الكلمة في الكتاب والسنة، وملاحظة تفسير الشارع الحكيم لهذا المفهوم.

ثانياً: أن نعود إلى تفسير الجيل الأول الثاني، جيل الصحابة وجيل التابعين، لمفهوم الإيمان ولدلالة هذه الكلمة ولطريقة فهمهم لها وتطبيقهم لمقتضياتها. فلابد نتتبع: ماذا قال الصحابة في بيانهم لمفهوم الإيمان؟ لا بد عندهم كلام. ماذا قال التابعون في بيان مفهوم الإيمان؟ لا بد عندهم، ننظر: كيف فهموا الإيمان؟ كيف عملوا به؟ ما مقتضياته عندهم؟ كيف طبقوا مفهوم الإيمان على الأشخاص وعلى المجتمعات والأمم؟ حينئذ ندرك مئة بالمئة ما هي الدلالة الحقة لهذا المفهوم في المنظور الإسلامي. إذاً هناك طريقان باختصار لمعرفة ما هو مفهوم الإيمان في الشريعة المحمدية: ملاحظة موارد هذا اللفظ في نصوص الكتاب والسنة، وما التفسير الذي قدمته هذه النصوص لهذا اللفظ؟ ثانياً: العودة إلى كلام الجيل الأول والجيل الثاني، إلى كلام الصحابة وإلى كلام التابعين، ننظر كيف فهموا الإيمان، كيف عرفوا مقتضياته، كيف طبقوا هذا المفهوم في الواقع العملي؟ حينئذ سنصل جزماً إلى دلالة هذه اللفظة أو هذا المفهوم في الشريعة المحمدية.

فأقول بعد ذلك: وقد اختلفت عبارة أهل العلم في التعبير عن هذه الحقيقة، عن حقيقة الإيمان، وإن كانت كلها -هذه عبارات- اختلاف لفظي، وإن كانت كلها تحمل نفس المضمون في الجملة. اختلفت عبارة أهل العلم -أقصد بأهل العلم هنا علماء أهل السنة والجماعة، هذا الذي أقصده بأهل العلم هنا- فاختلفت عبارة علماء أهل السنة والجماعة في التعبير عن حقيقة الإيمان، لكن وإن اختلفت في ألفاظها لكن مضمونها في النهاية في الجملة. لذا بما أنه علماء أهل السنة والجماعة، كما قلنا، يختلفون في طريقة التعبير والمضمون واحد، دعونا نذهب إلى صاحبنا إلى أبي القدامى -وهو من علماء أهل السنة- ننظر في التعريف الذي قدمه لمفهوم الإيمان، وهو تعريف على طريقة أهل السنة والجماعة، لأني في النهاية أنا أرح كتابه، ربما يكون تعاريف غيره من العلماء هناك أوسع، هناك أقصر، كما سيأتي. لكن بما أننا نشرح لمعة الاعتقاد، لابد أن نسلط الضوء على تعريف ابن قدامة -رحمة الله تعالى عليه- وهو تعريف يسير على طريقة أهل السنة والجماعة. فقال عليه رحمة الله في لمعته: الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان وعقد بالجنان.

هكذا قال ابن قدامة عندكم: الإيمان قول باللسان، عمل بالأركان، وعقد بالجنان. الجنان هو القلب، طبعا ابن قدامة أخر عقد الجنان إلى آخر التعريف، وإن كان الأفضل وهو المعتاد عند أهل العلم أن يقدموا اعتقاد القلب في البداية، يعني العادة أن يقول العالم: الإيمان اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الأركان. هذه هي العادة في التعريف، لكن كما قلنا ابن قدامة لم يهتم بتنسيق الكلام التنسيق العالي في هذه الرسالة، التي يظهر أنه كتبها على عجل، لم يهتم بهذه التنسيقات فقدم وأخر، وكما قلنا هذا التقدير وتأخير لفظي لا يؤثر في المعنى. فابن قدامة يرى أن الإيمان هو اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الأركان، هذه الثلاثة هي مفهوم الإيمان عند ابن قدامة وعند علماء أهل السنة والجماعة.

فنقول معلقين على تعريف ابن قدامة: هذا التعريف الذي يقدمه ابن قدامة ويقدمه غيره من علماء أهل السنة والجماعة، مفهوم الإيمان عند أهل السنة وأنه عبارة عن -ركزوا الآن- مفهوم الإيمان عند أهل السنة عبارة عن حقيقة مركبة من ثلاثة أشياء، أو قل ثلاثة أركان. مفهوم الإيمان حقيقة مركبة من ثلاثة أشياء، فهو على طريقة المناطقة كُلّ وله أجزاء، وليس كُلّي وله جزئيات لمن درسوا معنى المنطق والسُّلّم. الإيمان كُلّ وله أجزاء، بعبارة سهلة تقترب من الجميع: الإيمان حقيقته، مفهومه، مركب من ثلاثة عناصر؛ لابد أن تكتمل هذه العناصر الثلاث ليتحقق مفهوم الإيمان الشرعي. ما هي العناصر الثلاث؟ وما ذكره ابن قدامة: اعتقاد القلب هذا العنصر الأول، وقول اللسان هذا العنصر الثاني، وعمل الأركان هذا العنصر الثالث. هذه العناصر الثلاث مع بعضها تشكل لنا مفهوم الإيمان شرعاً، مفهوم الإيمان الذي يريده الله سبحانه وتعالى، الذي أخبرنا به في الكتاب وعلى لسان محمد صلى الله عليه وسلم في السنة.

إذاً هذا، أحبتي، منطلق -يعني أنا أتعجب بعض طلبة العلم يغوص في مسائل تتعلق بالكفر والتكفير ومسائل تتعلق بالعذر بالجهل وغيرها من المسائل، وهو لم يضبط بعد ما هو مفهوم الإيمان!- هذا منطلق، أحبتي، في دراسة الاعتقاد: أن تعرف أن الإيمان عند أهل السنة حقيقة مركبة، حقيقته مفهوم مركب من ثلاثة عناصر. أنا أعيد أكرر، أريد أن ترسخ في أذهانكم: الإيمان مفهوم مركب من اعتقاد القلب وقول وعمل الأركان، وسنبسط الحديث أكثر وأكثر فيما يأتي بإذن الله.

نقول ولتجلية هذه المكونات وفهم ترابطها معاً تحت حقيقة واحدة -كيف هذه الأركان الثلاث أو العناصر الثلاث تجتمع تحت حقيقة واحدة؟- دعونا ننظر نقول: حقيقة الإيمان عند أهل السنة، أحبتي، أو ما دلت عليه النصوص الشرعية لطبيعة مفهوم الإيمان، أنه ارتباط بين الباطن والظاهر. هذا هو الإيمان شرعاً، هذا هو الإيمان الذي أراده الله سبحانه وتعالى عز شأنه؛ الإيمان الشرعي ارتباط بين باطن الإنسان وبين ظاهره. طيب، ولا يتحقق الإيمان إلا باجتماع الباطن مع الظاهر، هذا الانسجام، هذا التوافق بين الباطن والظاهر هو الذي يحقق الإيمان. إيه رأيكم؟ وهذا التفسير للإيمان بأنه ارتباط بين الباطن والظاهر هذا ليس مجرد نظرية أتت بها النصوص الشرعية، ليس مجرد نظرية شرعية، بل هو مقتضى الطبيعة الإنسانية، فإن الإنسان متى اعتقد في باطنه شيئاً وصدق به لابد وأن تظهر آثار هذا الاعتقاد، وأن تظهر آثار هذا التصديق على ظاهره بشكل من الاشكال، وإلا لم يكن مصدقاً في الباطن حقاً.

هكذا الإنسان، طبيعة الإنسان، هذا الكائن الحي، أنه إذا صدق وجزم بشيء في باطنه، وهذا الشيء الباطني له آثار في الظاهر، لابد وأن تظهر هذه الآثار بشكل من الأشكال. يعني انظروا، أحبتي، إذا أحب انسان شخصاً -وانظروا في حال العشاق، تجد الشخص إذا أحب فتاة أو إذا أحب الإنسان شخصاً، دعونا على عمومها- فإن هذا الحب الذي في داخله واستقر في قلبه لابد وأن يظهر على ظاهره، على جوارحه، على أركانه بشكل من الأشكال؛ بابتسامة يبعثها، بهدية يرسلها، بزيارة يواظب عليها. وإلا إنسان يحب شخصاً من أعماقه وهو دائماً معرض عنه لا ينظر إليه ولا يلتفت إليه ويقطب في وجهه ولا يرسل له هدية ولا يزوره، ما هذا الحب؟ هذا ليس حباً صادقاً يعيش في قلبه إلا إذا كان مكرهاً مجبراً على عدم الزيارة أو عدم تقديم الرسائل أو ما شابه ذلك، يعني هناك حادث خارجي، حاجز خارجي يمنعه من التواصل معه. أما هكذا هو بطبيعته يحب شخصاً حبا يسكن في قلبه ولا يبادر أو ولا تظهر بوادر هذا الحب على جوارحه بشكل من الأشكال من دون مبرر أو حاجز خارجي، هذا لا يمكن، هذا مخالف لطبيعة الإنسان.

فكذلك الإيمان: أن يكون الإنسان مصدقاً في باطنه جازماً بربه في الداخل ولا يظهر لهذا أي شكل من الأشكال على ظاهره، هذا لا يمكن أبداً، هذا لا يمكن أبداً. فانتفاء الظاهر بالكلية دليل على انتفاء التصديق الباطني، بالشروط والقيود التي سنأتي إليها بعد قليل. طيب، إذاً أنا فقط اردت أن أبين أن نظرة الشريعة للإيمان -علاقة، أنه علاقة بين الباطن والظاهر- لذلك قالوا: الإيمان هو اعتقاد قلب وقول لسان وعمل أركان لتحقيق التوازن والارتباط بين الباطن والظاهر، جميل.

وهناك العديد من نصوص السلف الصالح التي جاءت لتعبر عن هذه الحقيقة، عن حقيقة ارتباط الباطن بالظاهر، وعن حقيقة أن الإيمان هو ارتباط الباطن بالظاهر، هو ما نفسره ونبسطه بقولنا: الإيمان اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الأركان. فبعبارة جملية هو ارتباط الباطن بالظاهر، لكن العبارة المفصلة أن تقول: هو اعتقاد قلبي واقرار باللسان وقول بالاركان. الآن هناك العديد، كما قلنا، من نصوص السلف الصالح التي جاءت لتعبر عن هذه الحقيقة وعن هذا المفهوم للإيمان أنه ارتباط باطن بظاهر، ولكن السلف عبروا، كما قلنا، بألفاظ وأساليب متنوعة. سأعود، طبعاً، بعد قليل لدلالة نصوص الكتاب والسنة على مفهوم الإيمان، لكنني الآن حتى أقرر بشكل واضح في أذهانكم موضوع الارتباط بين الباطن والظاهر، أتيت بكلام السلف الصالح.

فنبدأ أولاً بكلام الأوزاعي، تقود الأوزاعي رحمة الله عليه مبينة لمفهوم الإيمان، وهو إمام الشام رحمة الله عليه. ادركت من أدركته -ويقول: إذا ادركت من أدركته، يتكلم عن شيوخه- ادركت من أدركته من صدر هذه الأمة ولا يفرقون بين الإيمان والعمل. وقال أيضاً: الإيمان والعمل كهاتين، وقال بأصبعيه: لا إيمان بلا عمل ولا عمل بلا إيمان. انتهى.

أولاً، أحبتي، حتى نفهم كلام الأوزاعي سنستطرد قليلاً لنبين أمراً مهمّاً في استخدام مصطلح الإيمان أو مفهوم الإيمان -خليني أقول: مفهوم الإيمان أدق- استخدام مفهوم الإيمان في نصوص الكتاب والسنة. من يقرأ أو من يتتبع ويستقرئ ورود لفظ الإيمان في نصوص الكتاب والسنة يلاحظ أن هناك شكلين من أشكال الاستعمال له. أحياناً يأتي الإيمان في النص الشرعي في القرآن أو في السنة وحده، لا يقترن بمفهوم الإسلام أو مفهوم عمل الصالحات؛ تأتي كلمة الإيمان وحدها من دون أن تقترن بالإسلام أو عمل الصالحات في السياق، حينئذ يكون الإيمان بهذا المعنى، بالمعنى العام، يكون الإيمان أو يفسر الإيمان بالمعنى العام: أنه اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان. وحينئذ -ركزوا ترى هنا كلام دقيق وتأصيلي وتقعيدي- الإيمان له معنى عام وله معنى خاص.

يستعمل لفظ الإيمان، مفهوم الإيمان، بمعناه العام حينما يرد وحده، حينما يأتي وحده في السياق من دون أن يقترن بمفهوم الإسلام ومفهوم عمل الصالحات؛ فإذا جاء وحده في السياق فإن مفهوم الإيمان يكون عاماً ويدل على الباطن والظاهر، يدل على اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الأركان، وهذا الذي نحن نقرره الآن ونبحث فيه: الإيمان بالمعنى العام. الإيمان بالمعنى العام، والايمان بالمعنى العام يساوي ومفهوم الدين بالمعنى العام ومفهوم الإسلام بالمعنى العام. وأريد أن تكتبوا الآن بين أيديكم، اكتبوا، قولوا: مفهوم الإيمان العام يساوي مفهوم الدين ويساوي مفهوم الإسلام العام؛ فهذه ثلاث مفاهيم تأتي مع بعضها البعض وتفسر بنفس التفسير. فلو قلت لك: ما هو الدين؟ تقول: الدين تعريفه اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الأركان. ما مفهوم الإسلام العام؟ تقول: الإسلام العام هو اعتقاد القلب وقول اللسان والأركان. فمفهوم الإيمان العام هو نفسه مفهوم الدين هو نفسه مفهوم الإسلام العام.

لكن هناك شكل آخر من أشكال مفهوم الإيمان، أحياناً وفي نصوص كثيرة يأتي مفهوم الإيمان مقترناً في نفس السياق بمفهوم الإسلام، كما جاء في حديث جبريل الطويل؛ حديث عمر رضي الله عنه: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ اطلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرف منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام. فسأله أولاً عن مفهوم الإسلام، وقال: الإسلام أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. قال: صدقت. قال عمر: أرفع جبنانه! -ويسأله ويصدقه- قال: فأخبرني عن الإيمان. آه، إذاً سأله أولاً عن مفهوم الإسلام، ثم سأله عن مفهوم الإيمان. فهنا ورد مفهوم الإيمان مقترناً بمفهوم الإسلام في سياق واحد؛ إذا ورد مفهوم الإيمان مع مفهوم الإسلام في سياق واحد فهنا الإيمان له معنى خاص وهو الباطن فقط، والاسلام له معنى خاص هو الظاهر فقط.

كذلك إذا جاء مفهوم الإيمان مع العمل، وهذا كثير في القرآن: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: 25]، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: 277]، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ صَالِحًا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [طه: 112]. فإذا جاء مفهوم الإيمان مقترناً في نفس السياق بعملوا الصالحات أو بالعمل عموماً، فهنا الإيمان يفسر بالمعنى الخاص وهو الباطن فقط.

وعملوا الصالحات هي الأعمال الظاهرة أعمال الجوارح وهو الإسلام. فالأعمال عملوا الصالحات هي تساوي الإسلام بمعناه الخاص، فإذا قلت الإيمان والاسلام في سياق واحد أو قلت الإيمان وعمل الصالحات في سياق واحد، فالإيمان هنا له معنى خاص، وهو الباطن، والإاسلام له معنى خاص وهو الظاهر. ويعبر أحيانا بالإسلام، الإسلام بمعناه الخاص أحيانا يعبر عنه بلفظ الإسلام. وأحيانا يعبر الصالحات، فكلمة عملوا الصالحات تساوي الإسلام بمفهومه الخاص، لأنه الإسلام بمفهومه الخاص هو عمل الصالحات.

تمام؟ إنه كثير من الطلبة أحبتي يشكل عليه تتبع هذه اللفظة لفظة الإيمان في الكتاب والسنة. أحيانا نجد لفظة الإيمان فعلا تدل على الظاهر وفي نصوص أخرى يصطدم بها يجد أن لفظة الإيمان تدل على الباطن فقط، فيقول يا شيخ أنا أجد تعارضا فنقول له لا تعارض يا أخي الكريم عليك أن تفهم طريقة استعمال الشارع لهذه الألفاظ الذي نقرره ونتكلم عنه الآن وسنبسط الحديث عنه ويبسط عنه الحديث علماء العقائد الإيمان بمعناه العام. حينما يرد الإيمان في النص وحده من دون أن يقترن بكلمة عملوا الصالحات من دون أن يقترن مصطلح الإسلام أو مفهوم الإسلام، هذا الذي نحن نتكلم الإيمان وحده بمفهومه العام فنقول الإيمان بمفهومه العام هو نفسه الدين، هو نفسه الإسلام بمفهومه العام، ويدل على الظاهر والباطن لا بد من العلاقة بين الظاهر والباطن.

والإشكالية التي وردت عندك أيها الطالب أنك وجدت مفهوم ورد في بعض النصوص الشرعية مقترنا بمفهوم الإسلام أو مقترنا بمفهوم عملوا الصالحات فاشكل ذلك عليه. كيف يقول آمنوا وعملوا الصالحات إذا الإيمان شيء والعمل الصالحات عمل الظاهر شيء آخر. فنقول الإيمان هنا لأنه اقترن بعمل الصالحات يدل الإيمان على الباطن فقط وعملوا الصالحات تدل على الظاهر، لكن لو جاء الإيمان وحده يا أيها الذين آمنوا من دون عملوا الصالحات ها من دون أن يقترن عملوا الصالحات، اه هنا آمنوا تدل بالتالي على الظاهر وعلى الباطن، لأنها جاءت فتدل على الحقيقة الكبرى التي تشمل الباطن مع الظاهر، فلابد يكون عندك مهارة في فهم نصوص الكتاب والسنة تفهم أن هناك ألفاظ شرعية تتغير دلالتها بالاقتران والافتراق. متى تقترن الإيمان بمفهوم الإسلام أصبح الإيمان يدل على معنى خاص باطن فقط، متى انفرد الإيمان وجاء وحده مستقلا في النص، هنا الإيمان يدل على المعنى العام يدل على المعنى العام الذي يبحث عنه علماء أهل السنة والجماعة والذي نحن نقرره هنا وهو معنى الدين وهو اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الأركان فيصبح الإيمان شامل للباطن والظاهر.

كما أن الإسلام إذا ورد وحده في النصوص يشمل الباطن والظاهر. فمثلا دعونا نأتي للإسلام لما ورد وحده في النصوص اه الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19] وفي نص آخر ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85]. هنا كلمة الإسلام وردت وحدها لم تقتران بالإيمان ففي هذه الحالة الإسلام يعرف بالمعنى العام الباطن والظاهر الإسلام هنا اعتقاد قلب وقول لسانه عمل أركان.

وفي المقابل كما قلنا جاءت لفظة الإيمان وحدها في بعض النصوص كما سيأتي معنا الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة. نفضة الإيمان جاءت وحدها فلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم هو نفسه فسرها بأبي هو وامي بالأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة فيكون الإيمان وحده إذا ورد وحده يدل على الظاهر وعلى الباطن وهو أيضا تعريف الدين، فالدين هو الباطن والظاهر. أنا ركزت كثير على هذه القضية إنه كثير من الطلبة يجد عندهم مشكلة بالتفريق بين مصطلح الإيمان لما يأتي مقترنا بالإسلام ومصطلح الإيمان لما يرد وحده في النصوص، ونحن هنا نبحث في ماذا؟ نحن نبحث هنا في الإيمان أو مفهوم الإيمان العام في مفهوم الإيمان العام لما يأتي الإيمان وحده ما هو المقصود به عند أهل السنة والجماعة اللي هو مفهوم بما هو الدين عند أهل السنة والجماعة.

بسم الله الحمد لله وبناء على هذا أحبتي دعونا نعود لقراءة كلام الأوزاعي هنا سنفهم ماذا يقول الأوزاعي. كل هذا الاستطراد حتى نفهم كلام الأوزاعي كلام السلف يقول الأوزاعي أدركت من أدركت من صدر هذه الأمة وهم لا يفرقون بين الإيمان والعمل. الآن الأوزاعي يريد أن يبين لنا طبيعة هذا الدين يريد أن يبين لنا ما هو مفهوم الدين اللي هو الإيمان بالمعنى العام أنه ارتباط بين الباطن والظاهر هذا ما يريد الأوزاعي يريد أن يبين لنا أن الدين ارتباط بين الباطن والظاهر وأنه هذا هو الإيمان العام باطن المظاهر لكن الأوزاعي لأنه في جملته قرن الإيمان مع العمل بما أن ما اقترن في سياق واحد فهنا سنفسر الإيمان بالباطن فقط لماذا سوفسره بالباطل فقط؟ حتى نفهم كلام الأوزاعي لأنه قرن بين لفظ الإيمان ولفظ العمل، بالتالي هنا الإيمان سيدل على المعنى الخاص الباطن فقط بسبب اقترانه بالعمل.

لكن أنا أتيت بكلام الأوزاعي من أجل أن أبين فهم السلف الصالح لطبيعة الدين، أنه ارتباط بين الباطن والظاهر، فالأوزاعي يقول لنا أدركت صدر هذه الأمة أدركت علماء السلف الصالح أدركت التابعين لا يفرقون بين الإيمان اللي هو هنا بمعنى الباطن والعمل، فالسلف الصالح كما ينقل لنا الأوزاعي لا يفرقون بين الباطن والظاهر في عندهم تلازم. ويقول أيضا الأوزاعي الإيمان والعمل كهاتين بدلوا كلمة الإيمان عند الأوزاعي بكلمة الباطن إذا أردتم أن وارتدم أن يسهل عليكم فهم كلام الأوزاعي فكان الأوزاعي قال الباطن والعمل اللي هو الظاهر الباطن والعمل كهاتين لا إيمان بلا عمل، يعني لا باطن عفوا لا إيمان إلا بعمل، يعني لا باطن إلا بعمل في ولا عمل أي في الظاهر إلا بايمان يعني إلا بباطن، فالأوزاعي هنا استخدم كلمة الإيمان بمعناها الخاص، لاحظوا هذا مهم جدا. لا إيمان إلا بعمل يعني لا باطن صحيح مقبول إلا بعمل في الظاهر ولا عمل أي في الظاهر إلا بباطن صحيح صادق، فهذا إذا يبين التلازم بشكل واضح وجلي بين الباطن والظاهر عند أهل السنة والجماعة.

النص الثاني يقول الحميدي الحميدي لاحظوا سيستخدم كلمة الإيمان بمعناها العام ليس كما فعل الأوزاعي، الأوزاعي استخدم كلمة الإيمان بمعناها الخاص لأنه كان يريد أن أن يبين لنا حقيقة الدين وهو الإيمان بالمعنى العام أنه ارتباط بين الباطن والظاهر. الأوزاعي لا مباشرة استخدم كلمة الإيمان بمعناها العام وفسرها بأنها قول وعمل فيقول الحميدي الإيمان ايش تفسيره؟ قال قول وعمل، فهنا الحميدي يفسر الإيمان بأنه قول وعمل هو لم يقترن بين الإيمان والعمل كما فعل الأوزاعي، الحميدي يقول الإيمان هو عبارة عن قول وعمل.

طيب ثم يقول الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وسنأتي بمعنى زيادة ونقصان لا ينفع قول إلا بعمل ولا عمل وقول إلا بنية ولا قول وعمل ونية إلا بسنة أي باتباع للنبي عليه الصلاة والسلام. يهمني إذا هنا أن الأوزاعي نفسه ينص على قضية آآ التلازم بين الباطن والظاهر، فانه لما قال ولا عمل وقول إلا بنية، النية في الباطن والعمل والقول في الظاهر إذا لابد من تلازم بين الباطن والظاهر، هكذا فهم السلف الإيمان.

ابن شهاب الزهري وأظنه لا يخفى عليكم يقول: والايمان قول وعمل قرينان. عبارته قريبة من عبارة الحميدي، الزهري يفسر الإيمان بأنه قول وعمل قال والايمان قول وعمل قرينان لا ينفع أحدهما إلا بالاخر والايمان قول وعمل قرينان لا ينفع أحدهما دون الآخر. طبعا السلف كما سيأتي معنا عبارات فيها شيء من الإجمال فسرها من بعدهم أن القول لم يقول الإيمان قول وعمل، طب وين الاعتقاد يا شيخ راح عند ابن شهاب الزهري؟ ما نص على الاعتقاد؟ نقول اه بعض السلف كان يستخدم كلمة القول لتدل على قول اللسان وقول القلب ويستخدم كلمة العمل لتدل على عمل القلب وعمل الجوارح كما سيأتي إن شاء الله تفصيله، وكما قلنا السلف اختلفت عباراتهم في بيان حقيقة الإيمان لكن مضمونها واحد وأنت عليك فقط أن تجمع هذه العبارات وتتفهم مقاصدهم، فلما يقول الزهري الإيمان قول وعمل القول ينقسم إلى قول قلب وقول اللسان والعمل عمل قلب وعمل جوارح، فبالتالي الزهري يربط بين القول والعمل قول الباطن وعمل الباطن مع قول الظاهر وعمل الظاهر وسيأتي تفصيل أكثر، الإمام هو قول القلب وما هو عمل القلب اه النص الرابع والأخير ساكتفي به اه الإمام الشافعي رحمة الله عليه.

الإمام الشافعي في نص واضح مهم جدا ينقل الإجماع ويقول كان الإجماع. اسمعوا لهذا الكلام العالي، كان الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركناهم أن الإيمان أنا قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالاخر، هذا نص فخم جدا من الشافعي نص صريح جدا للإمام الشافعي وأنا أتعجب من المرجئة الذين ينتمون لمذهب الإمام الشافعي فيواجهون هذا النص الواضح لإمامهم في الفقه طبعا هو إمام في الفقه وإلا في الاعتقاد الشافعي من أئمة أهل السنة وليس له علاقة بأهل البدع بل وكان حربا عليهم رحمة الله تعالى عليه.

الإمام الشافعي ينقل الإجماع يعني ليست وجهة نظر الشافعي ينقل إجماع الأئمة والعلماء الذين أدركهم وينقلوا عن الصحابة وعن التابعين وهو إمام ثقة لا يشك أحد في عدالته أبدا. ما هو الإجماع الذي ينقله الشافعي؟ يقول كان الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركناهم أن الإيمان قول وعمل ونية، النية اللي هي اعتقاد القلب، قول عمل نية يعني اعتقاد قلب انظر ماذا قال ولا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالاخر. يعني إنسان معتقد في قلبه مقر بلسانه لكن ما عنده عمل في الظاهر أبدا ذهب إيمانه وخرج من الدين، إنسان عنده عمل وعنده قول لسان لكن ما عنده تصديق في القلب خرج من الدين، إنسان عنده تصديق قلب وبعمل بالأركان لكنه ما عنده قول باللسان يعني ما تشهد بلسانه وهو قادر مختار خلص لا يريد يتشهد بلسانه هذا أيضا لم يحقق مفهوم الدين ولم يحقق الإيمان في حياته فلابد كما قال الشافعي وكما قال الأئمة وكما هو إجماع مستقر أن مفهوم الدين مفهوم الإيمان العام مفهوم الإسلام العام هو هذه الثلاثة الأركان اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الأركان لا يجزئ أحدها إلا بالاخر.

ثم نقول أحبتي والنصوص عن السلف في ذلك كثيرة وإنما قصدنا التمثيل وليس الاستيعاب وكل هذه النصوص تدل على الحقيقة كبت للإيمان وأن الشريعة. طبعا الآن خلص أعود للإمام معناه العام. وأن الشريعة جعلت هذا المفهوم مفهوم الإيمان مكون أولا من عناصر مرتبطة لا يصلح أحدها من دون الآخر ثم نكمل فنقول هناك تنبيه اختلفت عبارة علماء السلف في التعبير عن حقيقة الإيمان مع اتفاقها في المضمون فبعضهم اتبع طريقة التفصيل لمكونات أو عناصر الإيمان حتى أصلها لأربعة أو خمسة وبعضهم اتبع طريقة إجمال واختصار حتى أصلها إلى اثنين لكن المعنى العام متفق عليه ولا مجاحة في تنوع الألفاظ مع اتفاق القصد.

الان أحبتي نحن قلنا هناك اتفاق عام وإجماع عند الصحابة والتابعين وعند أهل السنة والجماعة، إجماع قطعي وهو حقيقة واقعة في الإسلام أن الإيمان أنا حقيقة مركبة أن الإيمان بالمعنى العام ولا اريد ابغى اقول بالمعنى العام اعرفوا أن يتكلم الإيمان بالمعنى العام اللي هو يساوي الدين اللي هو يساوي الإسلام بالمعنى العام، فالايمان بالمعنى العام حقيقة مركبة حقيقة مركبة أساس تركيبها أساس تركيبها هي علاقة الباطن بالظاهر.

الآن كيف يعبر علماء أهل السنة والجماعة عن هذا الارتباط بين الباطن والظاهر اختلفت العبارات بينهم فهناك قدر مشترك بين الجميع هو أن الإيمان علاقة الباطن بالظاهر. الآن كيف نعبر عن هذه العبارة عن هذه العلاقة وعن هذا الارتباط هنا تختلف العبارات تتفق في المضمون، كيف يعني تختلف العبارات؟ الآن مثل ابن قدامة عبر عن هذا الارتباط بين والظاهر بتقسيمه الإيمان إلى آآ أوجاع المفهوم الإيمان مركب من ثلاثة عناصر، فقال الإيمان قوي اللسان عمل أركان اعتقاد قلب، فهذه العناصر الثلاث هي التي تمثل ارتباط الباطن بالظاهر لأنه اعتقاد القلب في الباطن قول اللسان وعمل الأركان آآ في الظاهر. إذا الباطن بالظاهر.

بعض العلماء بفصل أكثر وأكثر بقول لك الإيمان هو اعتقاد قلب وقول لسان وعمل أركان آآ واتباع للسنة فيجعل اتباع السنة داخل ضمن مفهوم الإيمان، فيجعل مفهوم الإيمان من أربعة أركان البعض يقول بشكل مفصل أكثر وأكثر فيقول الإيمان هو قول القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الأركان ويزيد بعد ذلك اتباع السنة والبعض لا يزيدها، فلاحظوا هذا تعريف تفصيلي جدا يقول الإيمان هو قول القلب وعمل القلب قول اللسان وعمل الأركان لاحظوا كيف جعل الإيمان من أربعة عناصر.

البعض بالعكس يذهب إلى الإجمال والاختصار وهذا عادة الأوائل مثل ابن شهاب الزهري والحميدي، ابن شهاب الزهري حصل الإيمان في في ركنين قال الإيمان قول وعمل وكذلك الحميدي قال الإمام قول وعمل. لاحظوا هذا اختصار وإجمال. طب هل هناك اختلاف بين من قال الإمام قول وعمل وبين من قال الإيمان اعتقاد قلب وقوى اللسان وعمل أركان وبين من قال الإيمان قول القلب وعمد القلب وقول اللسان وعمل الأركان أو زاد قول القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الأركان واتباع السنة هل هذه الأقوال في الحقيقة لا خلاف بينها.

أحبتي القدر المشترك بينها جميعا أنها كلها تؤسس للارتباط بين الباطن الظاهر والكل يرفض نظرية الانفصال التي يركز عليها المرجئة، الكل يرفض ذلك، ما في انفصال بين الباطن والظاهر. أما كيف نعبر فالألفاظ لا مشاحة فيها إذا صح المعنى تمام فهذا ما اردت أن أبينه حتى لا يختلط ذلك على الطالب لأن الطالب سيتعامل مع كلام للسلف متنوع في التعبير عن حقيقة الإيمان. البعض

يفصل البعض ويختصر، فلعل الطالب يظن أن هناك شيئاً من الاختلاف الحقيقي، ولا خلاف حقيقي بين علماء أهل السنة وإنما هو خلاف في طريق التعبير، ومن تأمل ونظر سيجد القدر المشترك أن الكل يريد أن يرسخ ويؤكد الارتباط بين الباطن والظاهر.

المهم نقول: واعلم أن كلام السلف، جميع كلام السلف في حقيقة الإيمان، من أين أخذ السلف حقيقة الإيمان ومفهوم الإيمان وعبروا لنا بهذه التعبيرات ما بين مجمل ومنفصل؟ من أين أخذوها؟ لابد أنهم عادوا واستقرؤوا نصوص الكتاب والسنة. لاحظوا كيف وردت لفظة الإيمان في الكتاب والسنة، لاحظوا كيف فهم الصحابة مفهوم الإيمان، لاحظوا تفسير النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان، ومن هنالك انطلقوا في تقرير حقيقة الإيمان في الإسلام.

فلما نقول هنا: واعلم أن كلام السلف في حقيقة الإيمان تسلط عليه نصوص شرعية مستفيضة في الكتاب والسنة وبطرق متنوعة، وأنا هنا ساقتصر على نصين. أحبتي، اعلموا أن الكتاب والسنة استفاضت وأكثرت في بيان مفهوم الإيمان ومقتضياته وحقائقه وتطبيقاته، ولا يمكن كما قلنا أن تكون الشريعة بسطت مفهوم الربا ومفهوم الصلاة والزكاة وأغفلت ولم تعطِ مفهوم الإيمان، وهو الأساس، حقه وحظه من البسط والبيان الشافي. فالنصوص كثيرة، لكن الدورة مختصرة فلا أريد أن أطيل عليكم في الاستدلالات، هذا بإذن الله نجعله في دورة أخرى مفصلة أكثر وأكثر.

المهم نأتي بالنصوص التي استخدمها ابن قدامة ليدلل بها على حقيقة الإيمان. ابن قدامة أتى بنص، طيب، النص الأول قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا﴾ [البينة: 5]. هذا أول نص استدل به ليس ابن قدامة بل حتى العلماء قبل ابن قدامة، استدلوا به على أن الإيمان هو ارتباط بين الباطن والظاهر وتلازم بينهما. فانظروا ودعونا نتفهم كيف دل هذا النص على هذه الحقيقة العظمى. آية في سورة البينة، قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَؤُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].

الآن في الآية أحبتي لم يأتي لفظ الإيمان، وإنما أتى لفظ الدين. لكن في الحقيقة ما في خلاف، لماذا؟ لأننا قررنا قبل قليل أن مفهوم الدين هو نفسه مفهوم الإيمان العام، هو نفسه مفهوم الإسلام العام. فالآية استخدمت لفظة الدين وهي بالتالي نفسها لفظة الإيمان بمعناه العام، فما سيفسر به القرآن الدين هو نفسه ما سنفسر به الإيمان بمعناه العام، فتفسير الدين هو تفسير الإيمان هذا ما نفسره نحن الآن.

فالآية بينت لنا أن الدين اللي هو الإيمان -من خلال اسم الإشارة- بينت لنا أن الدين هو عبارة عن: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]. الجزء الأول منه إخلاص الدين، وهذا عمل في القلب، الإخلاص النية هذا عمل القلب. ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: 5]، وهذا عمل الجوارح. فلما جمعت الآية بين عمل القلب وهو الإخلاص -يعني بين الباطن، الباطن هو الإخلاص- والظاهر يمثله في الآية الصلاة والزكاة، بعد أن ذكر الله الباطن والظاهر أتى وقال: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].

فدين القيمة، الدين القويم، الإيمان القويم، الإسلام القويم هو الباطن مع الظاهر، هو الإخلاص عمل باطن والصلاة والزكاة كنموذج للأعمال الظاهرة. فجمع الله بين الباطن والظاهر، ثم عبر وقال: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]. وذلك اسم الإشارة يعود على ما سبق من الإخلاص وهو الباطن، وإقام الصلاة وإتاء الزكاة وهو الظاهر.

إذن دلت هذه الآية على أن الدين وهو نفسه الإيمان عبارة عن الباطن والظاهر. وقد استدل بهذه الآية كثير من العلماء على أن حقيقة الدين وحقيقة الإيمان حقيقة مركبة من الباطن والظاهر. ممن استدل به الإام الشافعي، استدل بها أيضاً الإام الحميدي، استدل بها الإام أحمد بن حنبل، استدل بها الإام البخاري، واستدل بها ابن قدامة، واستدل بها من بعد ابن قدامة، رحمة الله تعالى عليهم. فهذه الآية نهتم بها كثيراً، لأن هناك اتجاهاً عاماً من علماء أهل السنة والجماعة للاستدلال بها على حقيقة الإيمان اللي هو حقيقة الدين نفس الشيء لا فرق بينهما.

النص الثاني من السنة المطهرة: قال صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها أماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم هنا استخدم مفهوم الإيمان، ولاحظ دائماً لما يأتي مفهوم الإيمان في النص، ركز انظر هل جاء مفهوم الإيمان معطوف عليه ومقترن به الإسلام، أو مقترن به العمل؟

إذا جاء مفهوم الإيمان مقترن بمفهوم الإسلام أو بمفهوم العمل، هنا الإيمان ستفسره بالمعنى الخاص. لكن إذا جاء مفهوم الإيمان وحده في النص، لم يعطف عليه عملوا الصالحات، أو لم يعطف عليه الإسلام، هنا الإيمان سيكون بمعناه العام الذي نبحث فيه نحن الآن، وهو معنى الدين أيضاً.

وهذا ما وجد في هذا النص حينما قال صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وستون شعبة». هنا تفرد الإيمان بالمشهد، لم يقترن بشيء آخر، يعني لم يعطف عليه العمل ولم يعطف عليه الإسلام. وبالتالي نلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فسر الإيمان في هذا النص قال: «أعلاها قول لا إله إلا الله»، أتى بقول اللسان، «وأدناها أماطة الأذى عن الطريق»، وأماطة الأذى عن الطريق عمل الأركان. فأدرج النبي صلى الله عليه وسلم عمل الأركان وقول اللسان في مفهوم الإيمان.

ثم قال: «والحياء شعبة من الإيمان». طبعا الحياء أحبتي هو داخلي باطني، تظهر أثاره على جوارح الإنسان، أمر باطني شيء يشعر به الإنسان في داخله وباطنه ويظهر أثاره على تصرفات الإنسان من الاستحياء والخجل إلى غير ذلك. فيمكن أن يعتبر الحياء دلالة على عمل الباطن، فيكون الحديث شاملًا عمل الظاهر وقول اللسان وعمل الأركان وأعمال القلوب الأعمال الباطنة.

والذي يهمنا -طبعا الذي يركز عليه العلماء في هذا الحديث- هو أن الإيمان داخل في مفهومه قول اللسان وعمل الأركان. هذا ما يهم علماء أهل السنة في الاستدلال بهذا الحديث، لماذا؟ لأنه لا خلاف بين الإسلاميين عموماً على أن الباطن واعتقاد القلب داخل في مفهوم الإيمان، وإنما النقاش وقع في دخول قول اللسان وعمل الجوارح في مفهوم الإيمان.

فهذا الحديث يؤكد بما لا شك فيه أن الإيمان داخل فيه قول اللسان وعمل الجوارح، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «الإيمان بضع وسبعون»، يعني الإيمان هذا المفهوم تحته شعب كلها تندرج تحت الإيمان، ومن هذه الشعب قول لا إله إلا الله، ومن هذه الشعب أماطة الأذى عن الطريق. إذاً هذه الشعب بالتأكيد، هذه الشعب السبعون أو الستون -على خلاف بين رواة الحديث- هي تشمل أعمال الجوارح وأعمال اللسان وأعمال القلوب.

يصح أن الإيمان بمعناه العام هو اعتقاد القلب وقول باللسان وعمل بالأركان. والنصوص طبعا في ذلك كثيرة، اقتصرت على ما أورده ابن قدامة دفعاً للإمللال، وإلا الطالب يحتاج وهو يقرأ القرآن أن يتدبر وينظر في استعمالات الشارع لمفهوم الإيمان، ويعرف متى استعمل الشارع الإيمان بالمعنى العام ومتى استعمله بالمعنى الخاص، حتى لا يلبس عليه أصحاب البدع الكلامية في فهمه لكتاب ربه سبحانه.

ننطلق الآن لتحليل المكونات التي يتركب منها مفهوم الإيمان عند أهل السنة والجماعة، وقد عدها ابن قدامة رحمة الله تعالى عليه في تعريفه ثلاثة أركان. أنا أبحث عن الجوال حتى أضبط الوقت لكن الظاهر أنني نسيت الجوال، طيب حتى لا نطيل عليكم، طيب نكمل إن شاء الله، لا نتجاوز الساعة ونص، قولوا بإذن الله.

ننطلق الآن بعد أن عرفنا مفهوم الإيمان العام أنه في الجملة ارتباط بين الباطن والظاهر، وهذا الارتباط بين الباطن والظاهر يعبر عنه العلماء بصيغ مختلفة وألفاظ متعددة، لكنها تتفق كلها على وجوب الارتباط بين الباطن والظاهر. ونقلنا نصوص السلف الصالح في التعبير عن هذه الحقيقة، حقيقة الارتباط بين الباطن والظاهر وأنها لب الإيمان، ونقلنا أيضاً نصاً من القرآن ونصاً من السنة ليدلل على مفهوم الإيمان قضية ارتباط الباطن والظاهر.

الآن سندخل في شيء من تحليل مكونات الإيمان، لعناصر الإيمان. طبعا هل سأعتمد تعريف ابن قدامة أم سأعتمد تعريف غيره؟ دعوني أو سأعتمد تعريف غيره، دعونا ننظر ما كتبناه هنا، فنقول: سننطلق الآن لتحليل المكونات التي يتركب منها مفهوم الإيمان عند أهل السنة والجماعة.

الآن ابن قدامة عدها، عد مكونات الإيمان لما عرف في دمجته الإيمان عد هذه المكونات ثلاثة كما قلنا: اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح. هذه الطريقة التي سلكها ابن قدامة وهي طريقة صحيحة، لكنني حتى أبسط الكلام أكثر وأكثر وأوضح المقال أعمق وأعمق، سأعتمد تقسيماً رباعياً لمكونات الإيمان. يعني سأخرج عن كلام ابن قدامة وأعتمد تقسيماً آخر لمفهوم الإيمان، وهو التقسيم الرباعي: تقسيم الإيمان إلى قول قلب، وعمل قلب، وقول لسان، وعمل أركان.

الآن هذا التقسيم الرباعي يتفق مع ابن قدامة في عمل الأركان وقول اللسان، لكن الاختلاف اللفظي بين هذا التعريف الرباعي وتعريف ابن قدامة الثلاثي أن ابن قدامة قال: اعتقاد القلب، وأجمل في الحقيقة. اعتقاد القلب ينبغي أن يفصل حتى يعرفه طالب العلم، أن اعتقاد القلب لابد فيه من أمرين، أو باختصار الباطن -ما بدي أقول الباطن عموماً- لابد فيه من أمرين، لابد فيه من قول القلب ومن عمل القلب. قول القلب وعمل القلب أجمله ابن قدامة في قوله: اعتقاد القلب. فهمتم الفرق؟

ابن قدامة قال: اعتقاد القلب، أنا سافصل اعتقاد القلب إلى نوعين، فأقول بدل اعتقاد القلب ساقول: لا، هناك نوعان يتعلقان بالقلب، هو قول القلب وعمل القلب، حتى تتضح الأمور أكثر وأكثر للطالب، وإلا كلام ابن قدامة صحيح مئة بالمئة لا غبار عليه.

إذاً نقول مستعينين بالله، لكننا سنقسم ما يتعلق بالقلب بدل الكلام الإجمالي الذي ذكره ابن قدامة أنه اعتقاد، سنفصله إلى قول قلب، عمل القلب، ليتضح لنا هذا المفهوم أكثر وأكثر. فنقول: مكونات الإيمان بناء على القسمة الرباعية أولاً: قول القلب.

الآن سأبدأ أحلل هذه المكونات الأربع، المكون الأول للإيمان هو قول القلب. ماذا نعني بقول القلب؟ قول القلب يقصد به عند العلماء هو تصديق القلب وإقراره بالله سبحانه وتعالى، هذا هو قول القلب. متى ما قرأتم هذه العبارة في كلام أهل العلم، علماء أهل السنة والجماعة، فاعلموا أن مرادهم بقول القلب -يعني هذا القلب يقول نعم- القلب له قول، وقوله هو التصديق والإقرار بالله سبحانه وتعالى.

الآن هذا المكون الأول من مكونات الإيمان اتفق الإسلاميون باختلاف فرقهم على أدخاله في حقيقة الإيمان، بل حتى غلاة المرجئة والجهمية يدخلون هذا المكون الأول في حقيقة الإيمان ومفهومه، ولا يعرف عن طائفة من طوائف الإسلاميين أنها أنكرت دخوله تحت الإيمان. يعني ما في أحد يقول إن تصديق القلب بالله لا يدخل تحت مفهوم الإيمان، ما في أحد يقول لا، لا من المرجئة ولا من الخوارج، لا من الوعدية ولا من الوعيدية باختصار. فهذا المكون الأول، وهو قول القلب والذي نعني به تصديق القلب بالله، اتفقت كل الفرق على أدخاله في مفهوم الإيمان.

طيب، نذهب إلى المكون الثاني: ثانيا عمل القلب. عمل القلب يقصد به أعمال القلوب التي يتوجه بها العبد إلى مولاه سبحانه وتعالى، كالحب له والخوف منه والرجاء والتوكل عليه والخشية والإنابة، هذه كلها تسميها أعمال القلوب. وهذه تدرسونها في التزكية، ألا يقولون ينبغي على المؤمن أن يهتم بأعمال القلوب؟ ما هي أعمال القلوب؟ هذه الأمور، الإخلاص لله والمحبة له والخوف والرجاء. وألف ابن القيم مدارج السالكين وذكر العديد من هذه المقامات.

أعمال القلوب، هل هي داخلة تحت مفهوم الإيمان؟ نعم، أعمال القلوب هي المكون الثاني لمفهوم الإيمان، وهذا المكون -كما قلنا- اتفق أهل السنة والجماعة على دخوله تحت الإيمان، وأكثر الفرق الإرجائية تدخله في حقيقة الإيمان. هل هناك اتفاق بين الإسلاميين وبين الفرق المختلفة على أن هذا المكون داخل أيضاً تحت مفهوم الإيمان؟ نقول: أكثر الفرق نعم على أدخاله تحت مفهوم الإيمان، لكن بالنسبة للمرجئة أكثر المرجئة تدخله أيضاً، لكن هناك بعض الفرق الإرجائية وهم قلة -أعيد مرة أخرى- لا تدخل هذا المكون تحت مفهوم الإيمان.

وهذا ما يذهب إليه الجهمية من الفرق المرجئة باختصار، لأن الجهمية اتباع الجهم بن صفوان يجعلون الإيمان مكوناً واحداً فقط. فقط الإيمان عند الجهمية مكون واحد، أن تصدق، أن تعرف الله -حتى هم لا يقولون أن تصدق بالله، يقولون أن تعرف الله- وهل هناك فرق بين معرفة الله وبين التصديق بالله؟ ربما نشير إلى هذا في المحاضرة القادمة بإذن الله.

المهم أن بعض الفرق الإرجائية، وعلى رأسها الجهمية، لا تدخل المكون الثاني وهو أعمال القلوب تحت مفهوم الإيمان. لكن أهل السنة والجماعة والفرق الوعيدية التي ستأتي معنا من الخوارج والمعتزلة وأكثر الفرق الإرجائية تدخل هذا المكون تحت الإيمان، وإنما الخلاف كما قلنا مع بعض الطوائف الإرجائية، وعلى رأسها الجهمية، في دخول هذا المكون تحت الإيمان.

طيب، نذهب إلى المكون الثالث: قول اللسان. ماذا نقصد بقول اللسان؟ يقصد بقول اللسان ما يقوم باللسان من العبادات لله سبحانه وتعالى. كل عبادة لسانية تتوجه بها إلى الله هي داخلة تحت قول اللسان، وأهمها وأشرفها وأعلاها وأخطرها هي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، هي أعلى العبادات اللسانية. لذلك بعض أهل العلم يقتصر على ذكرها وحدها، لكن في الحقيقة لا قول اللسان.

أعم من الشهادة؛ الشهادة هي أشرف أقوال اللسان، وأهم عمل يعمله اللسان. لكن هناك أيضاً أعمال أخرى داخلة في قول اللسان: التسبيح، والذكر، وقراءة القرآن، فهذه كلها داخلة تحت قول اللسان، وهي من الإيمان بالتأكيد.

الآن، دخول قول اللسان تحت مفهوم الإيمان هذا على طريقة أهل السنة والجماعة، والمعتزلة، والخوارج اللي هي يسمونها الفرق الوعيدية. والآن، هل يدخل هذا المكون عند المرجئة تحت مفهوم الإيمان؟ في الحقيقة نقول: أكثر الفرق الارجائية، وأنا أحب الدقة في النقل، أكثر الفرق الارجائية لا ترى قول اللسان داخلاً تحت مفهوم الإيمان، تخرج أقوال اللسان من مفهوم الإيمان تماماً. فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله عند أكثر المرجئة ليست من حقيقة الإيمان أو من مفهوم الإيمان. وكل العبادات التي باللسان ليست من حقيقة الإيمان ومفهوم الإيمان.

وهذا انحراف خطير جداً، هذا انحراف خطير جداً؛ لأنه أنت لما تقول أنها ليست داخلة في مفهوم الإيمان، يعني ليست داخلة كذا في مفهوم الدين، يعني ليست داخلة في حقيقة الإسلام بمعناه العام. وهذا انحراف كبير في تصور معنى الدين معنى الإيمان بمفهومه العام، انحراف كبير. لكن الفرق المرجئة -وهم أقل- يسيرون مع أهل السنة والجماعة في إادخال قول اللسان تحت حقيقة الإيمان، وهؤلاء المرجئة الذين يسيرون مع قول أهل السنة في إدخال قول اللسان في حقيقة الإيمان هم من نسميهم مرجئة الفقهاء. وإن شاء الله في النهاية سآتي بتعريف أو نبذة مختصرة عن أهم الفرق الارجائية التي ظهرت في الأمة. لكن دعونا نحافظ على هذا التسلسل الذي نسير عليه.

إذاً، المكون الأول: قول القلب، ويعني تصديق القلب بالله، وهذا اتفقت جميع الفرق الإسلامية كلها على أنه داخل في مفهوم الإيمان. المكون الثاني: عمل القلب، أعمال القلوب: الخشية، الإنابة، الحب، التوكل، إلى غيره. هذه جماهير الفرق أدخلت أعمال القلوب تحت مفهوم الإيمان، وبعض الفرق المرجئة -بعضها ليس الأكثرية منها، وعلى رأسها الجهمية- أخرجتها من مفهوم الإيمان.

المكون الثالث: قول اللسان. قول اللسان كما قلنا ليس مجرد الشهادة وإن كان أهم أعمال الشهادة، لكنه أعم من ذلك، وأدخله في الإيمان علماء أهل السنة والجماعة والفرق الوعيدية. لكن المرجئة أكثرهم يخرجون قول اللسان من مفهوم الإيمان، وفرقة محدودة منهم هي التي تدخل هذا المكون تحت الإيمان اتباعاً لأهل السنة والجماعة.

بقي المكون الرابع والأخير على التعريف المختار عندنا: عمل الجوارح. ويقصد بعمل الجوارح جميع الأعمال الظاهرة التي تؤدى بالجوارح، جميع الأعمال الظاهرة التي تؤدى بالجوارح، ونستثني طبعا هنا جارحة اللسان؛ لأن الأعمال الظاهرة التي تؤدى بجارحة، أي بهذا العضو باللسان، هذا يدخل تحت قول اللسان، المكون الثالث، فنحن أخرجناها وبقيت الأعمال التي تعمل بباقي الجوارح الأخرى.

فالأعمال الظاهرة التي تعمل بباقي الجوارح الأخرى، هل هي داخلة في مفهوم الإيمان عند أهل السنة والجماعة؟ نعم، وقد دللت على ذلك النصوص الكثيرة، وأتينا قبل قليل بنصين يدلان على أن أعمال الجوارح داخلة في حقيقة الدين، داخلة في حقيقة الإيمان. وأما المرجئة -جميع المرجئة هنا، جميع المرجئة- يخرجون الأعمال الظاهرة التي تؤدى بالجوارح عن حقيقة الإيمان ومفهومه، ويقولون: هي مجرد شرط كمال، هكذا يقولون: هي شرط كمال للإيمان.

والشرط كما تعلمون في أصول الفقه خارج عن حقيقة الشيء. إيش الفرق بين شروط الصلاة وأركان الصلاة؟ شرط الصلاة خارج عن الصلاة، مثل الوضوء، ستر العورة، استقبال القبلة. أركان الصلاة داخلة في ماهيتها وفي حقيقتها. فالفرق الارجائية تقول: إن أعمال الجوارح ليست من أركان الإيمان، يعني ليست من حقيقته ومن مفهومه وبنيانه، بل هي شرط كمال، يعني أمر خارج عن الإيمان، لكن به تتحقق كمالات ويزداد الثواب إلى غير ذلك من العبارات التي يستعملون.

وأما أن تكون أعمال الجوارح -عفواً- داخلة تحت مفهوم الإيمان، فهذا باتفاق المرجئة لا يكون. إذاً، هذا تحليل سريع مختصر مقتضب مكونات الإيمان الأربعة: قول القلب وهو تصديقه بالله، عمل القلب، قول اللسان، عمل الأركان. وعرفنا اختلافات الفرق الإسلامية.

طبعا هذا باختصار سريع، اختلافات الفرق الإسلامية في إدخال هذه المكونات تحت مفهوم الإيمان. طب يا شيخ نحن نلاحظ من خلال كلامك وتحليلك لمكونات الإيمان أن الفرق الوعيدية -المعتزلة والخوارج- يعني بينها وبين أهل السنة فاق في تعريف الإيمان.

سنأتي إن شاء الله. يعني الفرق الوعيدية -المعتزلة والخوارج، هي التي تسمى الفرق الوعيدية- هي تشارك أهل السنة والجماعة في تصورها للإيمان بأنهم حقيقة مركبة، هذا واقع. نعم، الفرق الوعيدية -المعتزلة والخوارج- تشارك أهل السنة والجماعة في فهمهم لطبيعة الإيمان أنه حقيقة مركبة من الباطن مع الظاهر.

لكن أين مشكلة المعتزلة والخوارج في مفهوم الإيمان؟ هذا كما سيأتي معنا بإذن الله في المحاضرة القادمة، ونحن نتكلم عن الفرق الوعيدية ومخالفتها لأهل السنة والجماعة في الإيمان. لكن ما يهمني هنا الآن دعونا أن نختصر كلامنا في مكونات الإيمان، عناصر الإيمان، أركان الإيمان، سمها كما تشاء.

ابن قدامة اختار ثلاثي: اعتقاد قلب، قول لسان، عمل أركان. نحن فصلنا اعتقاد القلب وجعلناه على قسمين: اعتقاد القلب هو قول قلب وعمل قلب، هذا أوسع وأوضح للطالب. وإلا فكلام ابن قدامة صحيح؛ لأن اعتقاد القلب لابد وأن ندخل فيه، ويدخل فيه ذلك ابن قدامة يدخل في اعتقاد القلب التصديق بالله وأعمال القلوب، هذا كله داخل تحت اعتقاد القلب عند ابن قدامة.

لكن حتى تتجلى الأمور وتنفصل وتتمايز أكثر وأكثر، لابد من هذا التفصيل في ظني لييفهم الطالب الأمر على ما هو عليه؛ أن ما يتعلق بالقلب هو قول وعمل، قول القلب وعمل القلب. وهذا التفصيل يهم الطالب أيضاً في إدراك موقف الفرق الارجائية من أعمال القلوب؛ فالفرق الارجائية لا تخالف في قول القلب، وإنما بعضها يخالف في عمل القلب، بعض الفرق الارجائية يخالف في عمل القلب. فمن دون تفصيل القلب إلى قول وعمل ستختلط الأمور عند طالب العلم المبتدئ، لذلك أنا أبرر لماذا عدلت إلى التفصيل الرباعي؛ لأنه أوضح وأكثر جلاء في بيان مواقف الفرق من مكونات الإيمان، وأن قول القلب باتفاق الجميع داخل، حتى المرجئة لا تخالف في ذلك. وأما عمل القلب أكثر المرجئة تدخله، لكن بعضها وعلى رأسها الجهمية لا يدخلونه.

جميل. طيب، نقول بعد تقرير مكونات الإيمان، عرفنا إذا نحن الآن عرفنا مفهوم الإيمان، مفهوم الدين عند أهل السنة والجماعة، وأنه حقيقة مركبة من الباطن مع الظاهر. هذا الارتباط بين الباطن والظاهر عبر عنه علماء أهل السنة بتقسيمات رباعية، خماسية، ثلاثية، ثنائية، لكن كلها تتفق في النهاية في مقصدها، وهو بيان الارتباط بين الباطن والظاهر. نحن اخترنا في النهاية التقسيم الرباعي وعلمنا ما هو قول القلب، وعمل القلب، وقول اللسان، وعمل الأركان.

ومهم أن تعبروا عن قول القلب: ما هو؟ عمل القلب: ما هو؟ لا بد يكون هذا الامر واضحاً أيها الطالب عندك من الآن حتى حينما تتطور في دراستك العقدية تكون هذه المصطلحات عندك لا تحتاج إلى إعادة فهمها مرة أخرى: ما هو قول اللسان؟ ما هو عمل الجوارح؟

الآن، بعد أن قررنا مفهوم الإيمان، نقول: لابد من تقرير أصلين يقوم عليهما مفهوم الإيمان عند أهل السنة والجماعة. بعد تقرير مكونات الإيمان، لابد من أن نقرر أصلين يقوم عليهما مفهوم الإيمان عند أهل السنة والجماعة. ما هذه الأصول؟

الأصل الأول عند أهل السنة والجماعة المرتبط بمفهوم الإيمان: أن الإيمان يزيد وينقص. هذا هو الأصل الأول، سنتكلم عن أصلين يرتبطان بمفهوم الإيمان. الأصل الأول: أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة يزيد وينقص. هذا الإيمان الذي عرفناه بأنه ارتباط الباطن بالظاهر، أو قل اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الأركان، أو قل بالقسمة الرباعية، عبر كما تشاء، هذا الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي والزلات.

نقول في بيان هذا الأصل: معنى هذا الأصل عند أهل السنة هو أن الإيمان ليس مجرد حقيقة ثابتة، يعني شيء واحد يشترك الناس في الاتصاف به بنفس المقدار. نعيد مرة أخرى: ما معنى أن الإيمان يزيد وينقص؟ معنى هذا عند أهل السنة والجماعة أن الإيمان ليس مجرد حقيقة واحدة ثابتة يشترك الناس في الاتصاف بها بنفس المقدار، يعني ليس شيء واحد ثابت يوجد في كل المسلمين بنفس المقدار، بل هو متفاوت بينهم. هذا المفهوم، مفهوم الإيمان، حينما يحل في المسلمين يحل بدرجات متفاوتة، بل هو متفاوت بينهم زيادة ونقصاناً.

وتفاوته باعتبار ما وقر في القلب من التصديق وأعمال القلوب، وما يقوم بالجوارح وباللسان من أعمال الظاهر. فالناس تتفاوت في تصديق القلب، في قول القلب -انتبهوا على هذا الكلام الذي سأقوله، مهم جداً جداً، من فهمه الآن سيسهل عليه فهم كلام العقديين في المستقبل بإذن الله-. الإيمان في وجهة نظر أهل السنة والجماعة بمكوناته الأربعة يتفاوت بين الناس.

دعوني أطبق لكم: أول مكون من مكونات الإيمان على التعريف الرباعي أو على التقسيم الرباعي، قول القلب. قول القلب وهو تصديقه بالله، ليس شيئاً واحداً يحل في الناس بمقدار واحد، بل تصديق القلب يختلف من شخص إلى آخر، تصديق القلب بالله يختلف من شخص إلى آخر. فهناك أحبتي أشخاص مصدقون بالله، لكن تصديقهم بالله سبحانه وتعالى لا يساوي في قوته وفي درجته تصديق مثلاً أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وتصديق الأولياء الذين وصلوا إلى مرتبة عليا في علاقتهم مع الله سبحانه وتعالى. فكلهم مسلمون، كلهم لا يشكون بالله، لكن ما في قلب فلان من التصديق يختلف عما وقر في قلب فلان من التصديق. فهل تصديق عوام المسلمين الذين لا يلتفتون إلى أعمال القلوب ولا يهتمون بها كثيراً ولا يلتفتون إلى علاقتهم بالله سبحانه وتعالى كثير التفات، كتصديق أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بالله؟ بل هل تصديق الناس عموماً كتصديق الأنبياء والأولياء بالله سبحانه وتعالى؟

فتصديق القلب يتفاوت. وأنا أركز على قضية تفاوت التصديق لأنكم ستقرؤون عند الأشاعرة وكثير من المرجئة أن تصديق القلب لا يقبل التفاوت، وهذا كلام خاطئ تلقوه من كلام الفلاسفة. تصديق القلب يقبل التفاوت، وهذا هو واقع الإنسان، هناك انسان ثقته بوجود الله سبحانه وتعالى عالية، لا يمكن أن يشككه أي شخص بتصديقه بالله. هناك انسان مصدق بالله، لكن يشوف مقطع يوتيوب أو شخص يشككه ويعطيه شبهات، يبدأ يتشكك بوجود الله. هل تصديق هذا كتصديق ذاك؟ مستحيل أحبتي. فتصديق القلب الذي هو قول القلب يتفاوت فيه الناس.

كذلك أعمال القلوب، المكون الثاني، أعمال القلوب يتفاوت فيها الناس، هناك انسان ما يقر في قلبه من الحب لله والخوف والرجاء يختلف عما وقع في قلب فلان المجترئ على المعاصي والذنوب من الحب لله والخوف والرجاء قطعاً، فأعمال القلوب تتفاوت بين الناس، وبالتالي الإيمان.

كذلك قول اللسان؛ لأن قول اللسان نحن قلنا كل عبادة لسانية، فهل يستوي فلان الذاكر لله في كل حين القارئ والتالي للقرآن في أطراف النهار وآناء الليل، الإنسان الذي يسبح الله ويحمده ويتقرب إليه بأنواع المحامد، هل يستوي في العبادات اللسانية مع إنسان لاهٍ غافل، دائماً لسانه بالمذمات والشتائم وقول الهجر إلى غير ذلك؟ لا يستويان بالتأكيد في الإيمان؛ لأن هذا الشخص ما وقر على لسانه أو ما استقر على لسانه من العبادات يفوق بكثرة ذاك الشخص الذي لا يلتفت أبداً إلى العبادات اللسانية ودائماً منشغل بدنياه.

كذلك أحبتي ما يتعلق باعمال الجوارح، ففلان الذي يقوم الليل ويتصدق ويبر والديه ويصل الأرحام إلى غير ذلك، وفلان لا يفعل شيئاً من الطاعات إلا النزر اليسير وفي أغلب وقته في المحرمات والملاهي، هل يستوي هذا مع هذا في إيمانه؟

إذاً، الإيمان حقيقة متفاوتة بين الناس، وليس مقداباً ثابتاً عندهم جميعاً كما تظن الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة. هذا أصل هو الذي يميز عقيدة أهل السنة والجماعة عن غيره من الفرق المباينة لهم، الوعيدية... والوعيدية كما سنأتي إلى تفصيل أقوالهم. فاهل السنة يرون أن الإيمان يقبل التفاوت زيادة ونقصاناً، وتفاوته بتفاوت تصديق القلب، بتفاوت أعمال القلوب، بتفاوت أعمال اللسان، بتفاوت أعمال الجوارح والأركان تماماً.

فنقول إذاً: فالإيمان إذاً يقبل الزيادة إلى حدود لا يحيط بها الإنسان. يعني يا شيخ طب الإيمان بيزيد، هل يصل إلى حد معين وخلص بيوقف في الزيادة؟ لأ، الإيمان يزيد إلى حد لا نهاية له. طيب ممكن يكون الإيمان اله ما اله نهاية غير منضبط الزيادة؟ يعني لا يوجد له سقف أعلى ينتهي إليه؟ هذا باختصار، هل يمكن أن يكون الإيمان يزيد من دون أن يكون هناك سقف أعلى أن يصل إليه وتنتهي هذه الزيادة؟ أي نعم، يمكن ذلك. الإنسان في ثروته المالية، أعطيك مثال من الواقع العملي، أليس هناك أناس يزدادون يوم بعد يوم ثراء؟ هل هناك سقف معين للثراء؟ لا، لا يمكن أن يزداد عنه الإنسان، بل الإنسان كلما جمع مالاً ازداد ثراء وكلما طبع يزداد ثراء، لا يوجد سقف محدد يعني في في عادتنا يصل إليه الإنسان في الثراء. يعني نقول مبلغ خلاص يصل إليه الإنسان هذا أعلى الثراء ولا يوجد مبلغ أعلى منه؟ ما دام هناك أموال، ما دام هناك صك عملات، يزداد الإنسان ثراء إلى حدود لا يحيط بها.

فكذلك الإيمان يقبل الزيادة إلى حدود لا نحيط بها، ويقبل النقصان في الجهة المقابلة إلى أن يخرج الإنسان من الكلية، يعني إلى متى سينتهي النقصان؟ يبقى ينقص الإيمان، ينقص الإيمان، ينقص الإيمان حتى تخرج منه.

وبالتالي خرج من دائرة الدين وأصبح كافراً، فالنقصان نهاية الخروج من دائرة الدين، أما الإيمان فزيادته لا مجال لحدها. هذا الأصل أن الإيمان يزيد وينقص متفق عليه بين أهل السنة والجماعة في الجملة.

وما نقل عن الإام مالك بن انس أنه أنكر لفظة نقصان الإيمان فهو في الحقيقة أولاً الجواب الأول عن هذه الشبهة؛ لأنه البعض يقول مالك بن انس أنكر نقصان الإيمان، فنقول انتبهوا، الإام مالك بن انس لم ينكر النقصان كمفهوم، إنما أنكر استعمال لفظة النقصان، يعني تورع مالك ابن انس عن استعمال لفظة النقصان لعدم ورودها في النصوص والسنة. الإام مالك يقول الإيمان يزيد، لكن نقل عنه أنه توقف عن نقصان الإيمان، وافق على الزيادة وسكت عن النقصان ولم يحب أن يتكلم به. ففهم البعض من ذلك أن الإام مالك لا يرى نقصان الإيمان، لكن هذا الفهم ليس سديداً. الإام مالك هو لم يسكت لأنه لا يرى الإيمان ينقص، هو سكت عن استعمال لفظة النقصان تورعاً منه رضي الله عنه؛ لأن هذه اللفظة لم تستعمل في نصوص الكتاب والسنة بخلاف لفظة الزيادة فإنها وردت بشكل صريح في نصوص الكتاب والسنة.

إذاً إشكالية مالك بن انس رحمه الله في لفظة النقصان وليس في مفهومها وحقيقتها، فتورع عن استعمال اللفظ مع اتفاقه على المضمون. لكن هناك جواب آخر على قضية مالك بن انس، نقل عن الإام مالك رواية أخرى صحيحة مشهورة أثبت فيها لفظة النقصان ووافق عليها، هذا الجواب أقوى بالنسبة لدي؛ أنه في أصلًا رواية مشهورة عن الإام مالك أنهم أثبتوا لفظة النقصان وأقروا بها. هذه الرواية من أخرجها يا شيخ؟ أخرجها الإام أحمد بن حنبل في مسائل أبي داود تجدونها، وفي كتاب الشريعة للآجري تجدونها أيضاً.

فإذاً انتهينا من قضية مالك بن انس؛ أنه مالك بن انس أصلاً هناك رواية مشهورة يوافق فيها علماء أهل السنة والجماعة في استخدام لفظة النقصان، والرواية المنقولة عنه أنه لم يحب استعمال النقصان ليس لأنه لا يرى النقصان، وإنما تورعاً منه من استعمال اللفظة فقط. طيب، ما هي أدلة هذه القاعدة؟ نريد أدلة الآن، أي شيء تثبته في العقيدة الإسلامية لابد من أدلة، والادلة هي مصادر الاستدلال المقبول الأربعة التي تطرقنا إليها سابقاً.

فنقول: وهذا الأصل دلت عليه نصوص كثيرة جداً في الكتاب والسنة، وأشار ابن قدامة إليه في لمعته. ابن قدامة أشار إلى هذا الأصل من استدلالاته ولم يصرح بذلك، لكنه أشار إليه في استدلالاته. مثال: نأخذ بعض الأمثلة التي أوردها ابن قدامة رحمة الله عليه على زيادة الإيمان، قال منها أولاً، قال سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: 173]. إذاً الإيمان يزيد، وهذا نص واضح وصريح، لكن فرق الإرجاء تحب دائماً التأويل الذي هو التحريف للنصوص، تضع قواعد بعقولها وأهوائها ثم تأتي للقرآن الكريم فتبدأ تتلاعب وتحرف: لا، ليس مقصوداً به كذا.

فلماذا تقول هذه الألاعب والتحريفات؟ لأن عقولنا لا تستقيم معها. فبئساً لعقول تلاعبت بكتاب ربها، الكتاب هو الذي يحكم عقولنا وليست عقولنا هي التي تحكم الكتاب. إذاً فزادهم إيماناً، فأثبت زيادة الإيمان. قال سبحانه في آية أخرى الدليل الثاني: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: 2]. هذا نص صريح في إثبات الزيادة، ولاحظوا أحبتي أن هناك أعمال، هناك أشياء تحدث مع الإنسان يزداد بها إيمانه، وسنأتي إن شاء الله نبين كيف تكون زيادة الإيمان ونقصانه، وسأذكر ذلك بإذن الله.

أيضاً نأتي إلى حديث: قال صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً». لاحظوا كيف عبر النبي صلى الله عليه وسلم عن اكتمال الإيمان: «أكمل المؤمنين إيماناً». إذاً الإيمان بما أنه يقبل الاكتمال إذاً معناها يقبل الزيادة، وهذا هو ما يفهم من النص: «أكمل المؤمنين إيماناً». كيف تصل إلى الكمال في الإيمان؟ كيف تصل إلى الكمالات؟ فقال بحسن الأخلاق. وبما أن الإيمان إذاً يقبل الكمالات إذاً لابد وأنه يزداد، وأن من لم يحسن خلقه لم يكتمل إيمانه، إذاً إيمانه أنقص من غيره. فأنتم ترون هذه النصوص التي تتكلم عن اكتمال الإيمان وعن تفاوت الناس في الإيمان هي تدل على وجود الزيادة والنقصان معاً.

يعني صحيح ما عندنا لفظة صريحة بالنقصان، لكن أي نص يتكلم عن اكتمال الإيمان أو يتكلم عن تفاوت الناس في الإيمان أو يتكلم عن زيادة الإيمان هو يدل بذاته على أن في المقابل سيكون هناك نقصان من دون حاجة إلى أن يأتي التعبير الصريح قطعي بالنقصان؛ لأن هذا هو مقتضى دلالة هذه النصوص. بما أن الإيمان يقبل الاكتمال إذاً في حالة عدم اكتماله سيكون ناقصاً، إذاً هناك نقصان.

الدليل الرابع: قال صلى الله عليه وسلم: «يخرج من النار»، كما جاء في الحديث المشهور: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال ذرة»، أو «خردلة»، أو «ذرة من الإيمان». يعني يخرج من النار يوم القيامة أقوام في قلوبهم مثقال برة من الإيمان، وأقوام في قلوبهم مثقال خردلة، وأقوام يخرجون من النار وفي قلوبهم مثقال ذرة من الإيمان. إذاً في برة من الإيمان، وفي خردلة، وفي ذرة، إذاً الإيمان يقبل التفاوت قطعاً، هذا دلالة هذا النص. ما معنى أن يكون شخص في قلبه من الإيمان خردلة، وشخص آخر في قلبه من الإيمان ذرة؟ إذاً هذا إيمانه أكثر من إيمان هذا، فهذا إيمانه فيه زيادة وهذا إيمانه فيه نقصان. وهذا يؤكد إذاً حقيقة أن الإيمان شيء يقبل التفاوت ويقبل النقصان، وإلا كيف يقول محمد صلى الله عليه وسلم إنه هناك من يخرج من النار وفي قلبه مثقال خردلة، بينما هناك شخص يخرج من النار في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، ويفسر ذرة من الإيمان خردلة من الإيمان؟ إذاً هذا واضح يدل على تفاوت الناس في الإيمان زيادة ونقصاناً.

يقول ابن قدامة في تعليقه على هذا الحديث الأخير (يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال ذرة أو خردل أو ذرة من الإيمان)، يقول ابن قدامة -يعني ابن قدامة تعبيراته مختصرة جداً-: معلقاً على هذا الحديث فجعله متفاضلاً. أي النبي صلى الله عليه وسلم من خلال هذا الحديث لما قال إنه هناك إيمان في ذرة وهناك إيمان خردلة، دل على أن الإيمان متفاضل. فإذا كان الإيمان متفاضلاً -هذا ما يريد أن يقوله ابن قدامة- فبما أنه جعله متفاضلاً ومتفاوتاً إذاً الإيمان يقبل الزيادة والنقصان. أي أن التفاوت، أي أن تفاوت الناس في مقدار الإيمان في قلوبهم حتى يكون إيمان بعضهم كالبُرة وبعضهم كالحبة وبعضهم كالذرة، يدل على أن الإيمان يقبل التفاوت وما كان متفاوتاً فهو إذاً يزيد وينقص، هذا معنى التفاوت ومعقوليته في الأذهان.

وقد ذكر أهل العلم أسباباً متعددة لزيادة الإيمان ونقصانه من أهمها، يعني كيف يزداد الإيمان وكيف ينقص الإيمان؟ هذا هو السؤال الذي يرد على أذهانكم الآن وسنسعد بالإجابة إليه. فنقول: ذكر أهل العلم أسباباً متعددة لزيادة الإيمان ونقصانه، من أهمها كما قلنا أعمال القلوب والجوارح، فمن حقق عدداً أكبر من أعمال القلوب والجوارح يكون إيمانه أكمل ممن لم يتحقق بها. بالتأكيد إنسان أعمال القلوب عنده حاضرة في حياته في كل تحركاته، إيمانه لن يكون كإيمان شخص غافل تماماً عن أعمال القلوب. كذلك إنسان يكثر من الأعمال الظاهرة أعمال الجوارح، إيمانه لن يكون كإيمان من يتقلل من أعمال الجوارح.

وكذلك لأن هذه قضية ينسبون إليها، وكذلك لما نقول الإيمان يزيد وينقص، هذه تكون مقارنة بين شخص وشخص فيكون إيمان شخص أعلى من إيمان شخص آخر، ويكون الزيادة والنقصان في داخل الشخص الواحد نفسه. فالإنسان في بعض الأيام تكون إيمانياته عالية ويبكي من خشية الله ويقرأ القرآن ومقبل على ربه، وفي أيام أخرى تكون إيمانياته منخفضة جداً ويسرف على نفسه بالذنوب والمعاصي. فتفاوت الإيمان زيادة ونقصاناً هذا لا يكون فقط في مقارنة شخص مع شخص أنه فلان إيمانه أزيد من فلان وفلان إيمانه أنقص من فلان، بل حتى في الإنسان الواحد الإيمان يزيد وينقص. فمجالات الزيادة والنقصان التي عنها أهل السنة في مقارنة شخص مع شخص هناك تفاوت بين الأشخاص في الإيمان، وكذلك في الشخص الواحد تأتي عليه لحظات وساعات يكون إيمانه مرتفعاً، ثم في لحظات أخرى ينخفض منسوب الإيمان عنده بحسب استحضاره لأعمال القلوب حسب استحضاره لأعمال اللسان وأعمال الأركان وعلاقته بالله سبحانه وتعالى. إذاً وكذلك الإنسان الواحد قد يزيد إيمانه باستحضار أعمال القلوب والمسارعة في الخيرات، ثم ينقص إيمانه عندما تغيب عنه هذه الحقائق وتضعف مبادرته للأعمال.

هكذا نكون انتهينا من تأصيل الأصل الأول. عرفنا الإيمان ومكوناته، دخلنا في الأصل الأول المرتبط بمفهوم الإيمان وهو أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة يقبل الزيادة والنقصان. بقي علينا نتكلم عن الأصل الثاني سأتكلم عنه في المحاضرة القادمة، ثم ننطلق للكلام عن الفرق التي خالفت أهل السنة والجماعة في باب الإيمان. وسامحونا على الإطالة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية طريقك نحو علم شرعي راسخ.