تسجيل الدخول

شرح لمعة الاعتقاد (16) / ما عقيدة ابن قدامة في الصفات؟

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

قدم شرح لمعة الاعتقاد للشيخ إبراهيم رفيق الطويل.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح لمعة الاعتقاد للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الصالحي رحمة الله تعالى عليه، وقد أنهينا في المحاضرة السابقة أحبتي الحديث عن قواعد باب الصفات العلا عند أهل السنة والجماعة، وعرفنا ما هو المنهج العام الذي خطه السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم في التعامل مع نصوص الصفات، والذي سار عليه الأئمة الأثبات بعد ذلك.

ثم تطرقنا إلى المناهج المنحرفة عموماً في باب الصفات، فعرفنا أن المناهج المنحرفة على العموم في باب الصفات العليا إما معطلة وإما مشبهة.

المعطلة هم الذين نفوا دلالة نصوص الصفات على ظاهرها، وكما قلنا في المحاضرة السابقة هم الذين ينفون المعاني الظاهرة التي تدل عليها نصوص الصفات، المعطلة هم الذين ينفون المعاني الظاهرة المتبادرة إلى الذهن التي تدل عليها نصوص الصفات، وهؤلاء يسلكون مسلكين يعني يتعاملون مع نصوص الصفات بعد نفي دلالتها على الصفات الظاهرة المتبادرة إلى الذهن منها، يسلكون المسلك الأول مسلك التأويل، التأويل سلكته بعض الطوائف الكلامية، وهم الذين يصرفون نصوص الصفات عن معانيها الظاهرة المتبادلة إلى معان أخرى مجازية من دون وجود قرينة صحيحة، بل يعتمدون على قرائن توهموها بعقولهم جلبوها من الفلسفة الإغريقية، وهذا التأويل هو التحريف حقيقة، إنهم يسوونه تأويلاً لكن هو تحريف وتلاعب بنصوص الصفات، لأن التأويل الصحيح لابد فيه من قرينة صحيحة، وأما أن تصرف اللفظ والآية والنص عن معناه الظاهر إلى معنى مجازي مع عدم وجود قرينة علمية صحيحة تقتضي ذلك، فهذا تلاعب بالنص يسمى تحريفاً.

المسلك الآخر للمعطلة هم المفوضة، والمفوضة سنحتاجه اليوم ونحن نبحث في شخصية ابن قدامة، المفوضة هم أيضاً نفوا دلالة نصوص الصفات على معانيها الظاهرة، نفوا دلالة نصوص الصفات على معانيها الظاهرة، وقالوا هذه النصوص نصوص الصفات لها معان لكننا لا نعلمها، ونفوض هذه المعاني إلى الله سبحانه وتعالى، المفوضة يعني باختصار ماذا يفعلون؟ أي نص من نصوص الصفات أي نص من نصوص الصفات يقولون هذا النص له معنى، لكن هل نحن البشر نعلم هذا المعنى؟ كلا لا نعلم هذا المعنى، فنحن نؤمن بالألفاظ ونؤمن أن هذه الألفاظ لها معان، لكن ما معانيها؟ الله تعالى أعلم، نفوض العلم بها إلى الله، وهذا منهج خطير جداً أيضاً أحبتي، لأن هذا يعني أن هناك كثيراً من النصوص القرآنية نحن نقرأها من دون أن نعرف معناها، ولا نعرف دلالتها، خلص أنت تقرأ لفظ كلفظ ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]، ما معنى يحببكم الله؟ الله أعلم، هكذا يقول المفوضة، الله أعلم لا نعرف ما معنى يحببكم الله، ولكننا نقول له معنى لكن نحن لا نعلمه، ونفوض العلم به إلى الله عز وجل، استوى على عرشه، ما معنى استوى على عرشه؟ الله أعلم، نحن نقرأ هذا النص لكننا لا نعرف معناه، لا نعرف ما معنى استوى على عرشه، ونفوض معناه إلى الله سبحانه وتعالى، وهكذا سائر نصوص الصفات، وهذا أيضاً من المناهج المنحرفة، وهو شكل من أشكال التعطيل، لأنهم عطلوا النصوص عن المعاني الظاهرة المتبادرة منها باختصار، عطلوا هذه النصوص عن معناها الحقيقي، وجعلوا لها معنى مبطناً لا يعلمه البشر، وإنما يعلمه الله سبحانه وتعالى.

إذا عرفنا ما هو التعطيل، وعرفنا أن هناك مسلكين في التعطيل، مسلك التأويل الذي يمنح نصوص الصفات بدلاً من معانيها الظاهرة معان أخرى مجازية مع عدم وجود قرينة، أو منهج التفويض الذي ينفي المعاني الظاهرة لكن لا يمنح النصوص معان جديدة، بل يقول لها معان نحن لا نعلمها والله يعلمها.

المسلك الآخر الذي يقابل التعطيل هو مسلك التشبيه، والمشبهة كما قلنا هم الذين يقولون إن صفات الخالق سبحانه وتعالى تشبه صفات المخلوق في كيفيتها ولوازمها الخارجية، فيقولون سمع الله كسمعنا وعلم الله كعلمنا ويد الله كيدنا ومحبة الله كمحبتنا، فيشبهون صفات الخالق بصفات المخلوق في كيفيتها ولوازمها الخارجية، وهذا لا يجوز عند أهل السنة والجماعة، نعم كما قلنا هناك قدر مشترك بين سمع الله وسمع المخلوق، القدر المشترك هو أصل المعنى الذي نعرف به معنى السمع هذا هو القدر المشترك، أصل المعنى الذي نفهم به ما معنى السمع؟ ما معنى البصر؟ ما معنى الاستواء؟ ما معنى النزول؟ لكن كيف تكون هذه الصفة في الخالق؟ الله تعالى أعلم، ولا نقول إنها في الخالق كيفيتها وصورتها كما هي في المخلوق، حاشاه سبحانه وتعالى، فكما أننا لا نعرف تفاصيل ذاته، كذلك لا نعرف تفاصيل الصفات، إذاً هذه مناهج منحرفة التي ظهرت في باب الصفات العلا والمباينة لطريقة أهل السنة والجماعة.

طريقة أهل السنة ما هي أحبتي؟ أننا نؤمن بحقائق نصوص الصفات، نصوص الصفات نؤمن بها ونؤمن بمعناها الحقيقي الظاهر المتبادر إلى الذهن، لكننا لا نخوض لا في التكييف لها ولا في التمثيل لها، لا نخوض لا في التكييف ولا في التمثيل، لكن لها معان نعلمها، لها معان نعلمها معان حقيقية لا مجازية نعلمها وهي المتبادرة إلى أذهاننا، لكننا نبتعد عن التمثيل والتكييف، وقد سردنا في آخر المحاضرة السابقة نصوص الخطابي وابن عبد البر وغيرهما من الأئمة الكبار قبل ابن تيمية وبعد ابن تيمية في الدلالة على أن منهج أهل السنة والجماعة هو إثبات المعاني الحقيقية لنصوص الصفات وليس المعاني المجازية، لا يقولون بتحريفها ولا بتأويلها، بل يثبتونها على ظاهرها الذي يفهمه العوام لكن من دون تكييف ولا تمثيل.

الآن أحبتي محاضرة اليوم تتكلم عن شخصية ابن قدامة، الآن سنبدأ نغوص في ابن قدامة وفي منهجه العقدي، ما منهج ابن قدامة أحبتي في باب الصفات العلا؟ ما هو منهج ابن قدامة المقدسي رحمة الله عليه في باب الصفات العلا؟ هل هو يسير على منهج أهل السنة والجماعة بالتمام؟ أم عنده بعض الاشكاليات المعرفية في هذا الباب خصوصاً ها أنا أتكلم عن ما هو منهج ابن قدامة في باب الصفات بالتحديد ليس في العقيدة عموماً، بل في باب الصفات بالتحديد، طب لماذا تطرح يا شيخ هذا السؤال؟ لماذا تطرح هذا السؤال؟ ما هو منهج ابن قدامة في باب الصفات العلى؟ في الحقيقة شخصية ابن قدامة في باب الصفات العلا من الشخصيات الجدلية التي تباينت آراء العلماء تجاهها، والسبب هو عدم وجود نصوص قطعية واضحة عنه عن الإمام ابن قدامة توضح منهجه بالضبط، بل استخدم ابن قدامة عبارات مجملة موهمة تجعلك تحكم عليه أحياناً بأنه يسلك منهج أهل السنة والجماعة، وتحكم عليه تارة أخرى بأنه يسلك مسلك المفوضة، بأنه يسلك مسلك المفوضة، فهناك إذاً تباين في الحكم على ابن قدامة، هل أصاب ابن قدامة منهج السلف الصالح ومنهج أهل السنة والجماعة في باب الصفات العلا؟ أم أنه كان مفوضاً يسير على طريقة المفوضة الذين يقولون هذه النصوص نحن نؤمن بألفاظها ونؤمن أن لها معانٍ لكننا لا نعلمها ونفوضها إلى الله؟ ما هي طريقة ابن قدامة؟

تمام، فدعونا نتعرف على ملامح منهجه ونحاول تحليل المنهج الذي سلكه ابن قدامة رحمة الله عليه بناء على قواعد التوثيق العقدي التي تعلمناها مسبقاً.

الآن أحبتي ألم نتعلم في بداية هذه الدورة المباركة مجموعة من القواعد المنهجية في بناء المسائل العقدية، وكانت القاعدة الخامسة تتكلم عن أهمية التوثيق العقدي في بيان عقائد العلماء، إذا أردت أن تحدد عقيدة شخص معين كيف توثق عقديًّا وتبحث بشكل علمي عقيدة هذا الشخص حتى تصل إليها من دون هوى ومن دون محاولة جذب هذا الشخص لطائفتك أو محاولة إسقاط هذا الشخص؟ هذا الشخص ماذا يقول هو؟ نحن نريد أن نصل إلى الحق فيما يقوله هو وليس ما نريد أو ما نحب نحن أن نجعله يقول، يعني بعض الناس لما يبحثون في قول عالم من العلماء يحاولون أن يستنطقوا النصوص كما يهوون هم وكما يحبون هم، وهذا ليس منهجاً علمياً.

نحن إذا أردنا أن نبحث عن عقيدة إمام فعلينا أن نجمع كلامه من كل كتبه ونضع هذا الكلام أمامنا ونحاول أن نوفق وأن نصل لصورة يغلب الظن عليها أنها هي منهج الإمام ومسلكه، وافقنا أو خالفنا هذا لا يهمنا في عملية التوثيق العقدي، يهمنا أن نحرر قوله بالتمام، لذلك الآن سنقوم بعملية ممارسة، يعني نحن درسنا قاعدة التوثيق العقدي، الآن سأطبقها معكم بإذن الله على ابن قدامة المقدسي لنعرف ما هو منهج هذا الرجل رحمة الله عليه في باب الصفات العلا بالتحديد، لكن قبل البدء في قراءة كلام ابن قدامة وجمعها من كتبه لابد أن أقول قولاً هو أن عقيدة أهل السنة والجماعة لا تأخذ قوتها ومصداقيتها وصحتها من كون ابن قدامة رحمة الله عليه قال بها أو لم يقل بها، بل المرد في بيان ما هو منهج أهل السنة والجماعة إلى الأدلة والوقوف على منهج السلف الصالح في عصر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، فابن قدامة رحمة الله عليه من علماء القرن السادس الهجري، إذاً هو متأخر عن العصور المفضلة، فهو من علماء القرن السادس الهجري والسابع الهجري، وقد عاش ابن قدامة في عصر مليء بالشبهات وباستجداث العقد بين الفرق، فاحتمال أن يكون ابن قدامة تأثر ببعض الفرق العقدية في بعض المواطن هذا احتمال وارد بقوة، احتمال أن يتأثر ابن قدامة بآراء بعض الفرق التي كانت قائمة في عهده لعامل من العوامل هذا أمر وارد جداً ومحتمل جداً وليس أمراً مستبعداً حتى نمنعه تماماً، بل الأمر كما قلنا لابد أن نمارس عملية توثيق العقدي لنعرف ما هو رأي ابن قدامة بالتمام.

فنقول مستعينين بالله نبدأ الآن بالتحليل لكلام ابن قدامة، وسأجمع كلامه الآن، أول خطوة من خطوات التوثيق العقدي أن نجمع كلام الإمام في مصنفاته التي بين أيدينا، فنقول سنجمع كلام ابن قدامة من خلال كتبه الأربعة المشهورة في الاعتقاد والتي تكلم فيها عن منهجه في باب الصفات العلا، ما هي هذه الكتب؟

أولاً كتاب تحريم النظر في علم الكلام، ابن قدامة له كتاب اسمه تحريم النظر في علم الكلام، يعني يحرم فيه ابن قدامة أن ننظر في كلام علماء الكلام، إذاً هذا الكتاب، والكتاب الثاني ذم التأويل، له رسالة لطيفة اسمها ذم التأويل، الكتاب الثالث لمعة الاعتقاد وهو الرسالة التي بين أيدينا ونشرحها بإذن الله، الكتاب الرابع الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم، وهذا سنعتمد عليه بشكل كبير في قضية الكلام الإلهي بحد ذاته، فهذه أربع كتب بين أيدينا أو أربعة كتب سنجمع ما حشده ابن قدامة من النصوص فيها لنستخلص ما هو المنهج الذي سار عليه واختاره في التعامل مع نصوص الصفات.

أنا طبعا أنا جمعتها وسآتيكم الآن بمجموعة من النقاط أعلق عليها نقطة نقطة وأتي بالشواهد من كلام ابن قدامة على كل نقطة، فأقول إن الناظر في هذه الكتب الأربعة يصل إلى النتائج التالية، أولاً.

يعني الآن أنتم خذوا هذه الكتب اشتروها اقتنوها أو أنزلوها عن طريق الحاسب الآلي واقرأوا في هذه الكتب، واذا كان هناك أحد يخالفني في هذه النتائج فليناقشني، هي قضية معرفية ومدارسة مذاكرة وليست قضية حتمية، فهذه الكتب موجودة يستطيع أي شخص منكم أن يصل إليها، كما قلنا إما من شرائها أو عن طريق العالم الإلكتروني، اقرأوا هذه المصنفات وإذا كان أي شخص يريد أن يناقشني في الآراء التي أثبتها الآن لابن قدامة ناقشني، ونحن هدفنا بإذن الله جميعاً الوصول إلى الصواب والحق.

النتيجة الأولى أن الناظر في هذه الكتب الأربعة يصل إلى النتائج التالية، النتيجة الأولى انتصار ابن قدامة رحمه الله تعالى لطريقة أهل السنة والجماعة في الاستدلال على مسائل الاعتقاد، هذه أول نتيجة، من يقرأ هذه الكتب الأربع يصل بشكل قطعي إلى أن ابن قدامة ينتصر لطريقة أهل السنة والجماعة ولطريقة السلف الصالح في الاستدلال على مسائل الاعتقاد، ويرفض الأدلة الكلامية المتكلفة في بناء العقائد، احنا قلنا أهل السنة والجماعة يبنون عقائدهم على الدليل الفطري والأدلة العقلية الواضحة نصوص الكتاب والسنة وما أجماع عليه الصحابة والسلف الصالح أو ما كان مشتهراً عندهم من دون مخالف معتبر، هذه مصادر الاستدلال عند أهل السنة والجماعة.

ابن قدامة ينتصر لهذه المصادر في به ويحارب بشكل قوي جداً المناهج الكلامية بكلها بالاشاعرة والماتوريدية والمعتزلة، ويحارب طريقتهم في الاستدلال بالأدلة العقلية المتكلفة، نقول إن ابن قدامة رحمة الله عليه في ثنايا كتبه بين بشكل واضح وجلي أن المصدر الأصيل للاستدلال على مسائل الاعتقاد عموماً وباب الصفات خصوصاً هو نصوص الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وأنه لا عبرة لديه بالأدلة العقلية المتكلفة التي يأتي بها أهل الكلام بل الاعتماد عليها ورد النصوص بها يعني الاعتماد على الأدلة العقلية المتكلفة ورد النصوص من خلالها أو تحريف النصوص من خلالها هو من طرق أهل البدع والزيغ، وقد حارب ابن قدامة المنهج الكلامي بشكل واضح في كتاب النظر في علم الكلام أصلاً، يعني أنت عنوان الكتاب وحده يعطيك المضمون تحريم النظر في كتب الكلام عفواً الذي رد فيه ابن قدامة على ابن عقيل الحنبلي، ابن قدامة في كتابه تحريم النظر في كتب الكلام رد رداً قاسي جداً على ابن عقيل.

الحنبلي، يعني مع أن ابن قدامة حنبلي وابن عقيل حنبلي؛ لكن كما قلنا ابن عقيل كان متأثراً جداً بالفكر الاعتزالي، وله مصنفات كانت في بداية الأمر خطيرة؛ لكن ابن قدامة رد عليه بشكل شرس جداً، وذكر قصة استتابة ابن عقيل. ابن عقيل استتيب من المنهج الاعتزالي، وعاد رحمه الله إلى طريقة أهل السنة عموماً، وألّف كتاب (الانتصار لأهل الحديث). لكن ابن قدامة كما قلنا صنف هذا الكتاب بالتحديد ليبطل كل المنهج الكلامي الذي بنى عليه ابن عقيل معتقده.

إذاً، رد المنهج الكلامي بشكل واضح في كتاب (تحريم النظر في كتب الكلام)، الذي رد فيه على ابن عقيل طريقته في الاعتقاد واتباعه منهج الكلاميين، الذي عده ابن قدامة مخالفا لمنهج السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم. والآن سآتي لكم بالنصوص التي تؤكد وتشهد لهذه النتيجة: إن ابن قدامة كان ينتصر لطريقة أهل السنة والجماعة في الاستدلال ويرفض المنهج الكلامي.

ما هي النصوص يا شيخ التي تؤكد لنا هذه النتيجة التي توصلت إليها؟ خذوا هذه النصوص، ودائماً دعوني أتابع الوقت. أولاً: يقول ابن قدامة في كتاب (تحريم النظر في كتب الكلام): إن طريق السلف الصالح قد ثبت بالدليل القاطع سلامته وصحة حجته من الكتاب والسنة والإجماع، فلا حاجة إلى الكشف عن صحته بدليل آخر. طريق السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم ثبت بالدليل القاطع سلامته وصحة حجته من الكتاب والسنة والإجماع، فلا حاجة إلى الكشف عن صحته بدليل آخر.

يشير إلى عدم الحاجة، يعني ماذا يقصد؟ فلا حاجة إلى الكشف عنه بدليل آخر، ولكن طريق السلف الصالح في مسائل الاعتقاد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، فلا نحتاج إلى دليل آخر يشهد لطريقة السلف الصالح. ماذا يقصد لا نحتاج إلى دليل آخر؟ يقصد: لا نحتاج إلى الأدلة العقلية المتكلفة بفهم طريقة السلف الصالح والاستدلال على طريقة السلف الصالح في الاعتقاد.

النص الثاني: سامحوني اليوم سنطيل في نقل النصوص عن ابن قدامة، يعني اليوم اعتبروها رحلة مع كلام ابن قدامة لنتعرف كيف نبحث وننظر في كلام العلماء. وقال ابن قدامة أيضاً رحمه الله: فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحداً من أمته بعلم الكلام والنظر في أدلة العقول ليعرف به صحة معتقده، بل قنع منهم بمجرد الإسلام.

أعيد مرة أخرى: كلام واضح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحداً من أمته بعلم الكلام والنظر في أدلة العقول -يقصد أدلة العقول المتكلفة- ليعرف به صحة المعتقد. النبي صلى الله عليه وسلم ما قال لأحد: تعلم المقاييس العقلية المتكلفة، وكيف ترتب مقدمات ونتائج، وكيف تستدل على صحة المقدمات؟ لم يطلب النبي صلى الله عليه وسلم أبداً ذلك من أحد من أمته، بل لا توجد إشارة منه إلى طلب هذا المنهج المتكلف، بل قنع منهم بمجرد الإسلام، اللي هي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

النص الثالث: وقال ابن قدامة أيضاً مبيناً لوجوب الاحتجاج بخبر الآحاد في باب الاعتقاد، وأن رد أحاديث الآحاد وتركها كما يقول المتكلمون مخالف للمنهج الصحيح. يقول ابن قدامة: وأما قوله -وهو يرد على شخص، يعني الآن هو يرد على أحد، أو عفـواً هو يرد هنا على ابن عقيل، هو يريد هنا لأني ما زلت أنقل كلامه من كتاب (تحريم النظر)، يرد على ابن عقيل ويقول-: وأما قوله إن الأخبار يجب اطراحها -أي يجب طرحها- لأنها أخبار آحاد، وقد ثبت بأدلة العقول القطع بنفي التشبيه والتجسيم عن الله، فأجيب عنه بوجهين.

الآن سيجيب عن هذه الشبهة التي طرحها ابن عقيل. ابن عقيل قال إنه يجب أن نترك أحاديث الآحاد ولا نلتفت إليها في مسائل الاعتقاد، قال: لأن العقل يدل على نفي التشبيه والتجسيم. طبعا هذه العقول التي أصيبت بآفة الفلاسفة، نعم نحن لا نمثل الله بالمخلوق؛ لكن ماذا تقصد يا ابن عقيل بنفي التمثيل والتجسيم؟ هل ظواهر نصوص الصفات وأخبار الآحاد تدل على التمثيل والتجسيم؟ إنما هي لوثة فلسفية إغريقية دخلت في أذهانكم، ورحمة الله على الجميع.

المهم، فابن قدامة سيرد على ابن عقيل بوجهين. أحدهما: بيان وجوب قبول هذه الأخبار، لأن ابن قدامة يحتج على وجوب الاعتماد على خبر الآحاد، وأن التفريق بين خبر الآحاد والمتواتر بدعي لا أصل له في باب الاعتقاد. يقول: أحدهما اتفاق الأئمة على نقلها وروايتها وتخريجها في الصحاح والمسانيد وتدوينها في الدواوين، وحكم الحفاظ المتفقين عليها بالصحة وعلى رواتها بالاتقان والعدالة، فطرحها مخالف للإجماع، خارج عن أهل الاتفاق، فلا يُلتفت إليها ولا يُعرج عليه.

الآن البخاري رحمه الله بوب في كتابه كثيراً من التراجم العقدية في مسائل التوحيد ومسائل الإيمان ومسائل اليوم الآخر، وأورد فيها البخاري رحمه الله أحاديث آحاد. الآن برأيكم لماذا سيدنا البخاري رحمه الله ذكر أحاديث آحاد تحت أبواب في مسائل الاعتقاد؟ ليخبرنا أن مسائل الاعتقاد يقبل فيها خبر الآحاد كما يقبل فيها الخبر المتواتر من دون أي مشكلة. وكذلك فعل مسلم وغيره من علماء السنن وأهل الحديث.

قال: والوجه الثاني في الرد عليه أن رواة هذه الأخبار هم نقلة الشريعة ورواة الأحكام، وعليهم الاعتماد في بيان الحلال والحرام في الدين، وإذا أبطلنا قولهم بتأويلنا ها هنا، وجب رد قولهم ثمة -أي في باب الأحكام والحلال والحرام- فتبطل الشريعة ويذهب الدين. يعني إذا كنت سترد أحاديث الآحاد في أبواب الاعتقاد، فاعلم أن الذين نقلوا أحاديث الآحاد في أبواب الاعتقاد الأحاديث الصحيحة، الذين نقلوا الأحاديث الصحيحة حديث الأحاديث الصحيحة في أبواب الاعتقاد هم أنفسهم الذين نقلوا أحاديث الأحاديث الصحيحة في الحلال والحرام.

فإذا كنت سترد أحاديث الأحاديث الصحيحة في أبواب الاعتقاد خشية من خطأ الرواة وعدم ضبطهم، فكذلك إذا رددت أحاديث الآحاد التي رواها هؤلاء أنفسهم في باب الحلال والحرام والفقه، وأنت بالتالي ستهدم الشريعة؛ لن تقبل الفقه في أخبار الآحاد ولن تقبل الاعتقاد بأخبار الآحاد. وإلا لماذا تقبل من هؤلاء الثقات أحاديث الآحاد في أبواب الفقه وهم أنفسهم الذين رووا أحاديث الأحاديث في أبواب الاعتقاد، ترد أحاديثهم؟ هذا ليس منهجاً سوياً علمياً في الاستدلال.

طيب، الآن نص آخر أيضاً لابن قدامة، سأحشد لكم كما قلت نصوصاً كثيرة لأننا الآن نقوم بعملية التوثيق العقدي. يقول ابن قدامة: بسم الله الحمد لله. يقول ابن قدامة رحمه الله: ومن العجب -طبعا كلمة قاسية هنا- يقول: من العجب أن هؤلاء المتكلمين أعمى الله بصائرهم فوق ما قد أعماها -هو يدعو عليهم طبعا، هذه وجهة نظره في الدعاء، نحن الآن نسأل الله الهداية للجميع- ومن العجب أن هؤلاء المتكلمين أعمى الله بصائرهم فوق ما أعماها، يزعمون أنهم لا يرضون إلا بالأدلة القاطعة والبراهين اليقينية، ويردون الأخبار زعماً منهم أنها أخبار آحاد لا تفيد علماً يقينياً، ثم يستدلون لهذا -أي الأقيسة العقلية المتكلفة- الذي لا يدل على شيء أصلاً، ولا ظاهراً، ولا يقيناً، فهو بل هو مجرد عمى.

يعني ابن قدامة يقول: يعني أنتم تقولون نحن نريد الأدلة القطعية اليقينية، وأخبار الآحاد نردها لأنها لا تفيد اليقين؛ فيقول ابن قدامة: يعني هل هذه الأقيسة العقلية التي تأتون بها وتوهمون أنها براهين يقينية، هل هي تفيد اليقين حقاً؟ أكثركم ينازع فيها، فإن هم المتكلمون يختلفون بينهم على صحتها، فلا تدل -كما يقول ابن قدامة- لا على شيء ولا على يقين، بل هو مجرد عمى.

الآن أنتقل للنصوص التي أوردها في كتاب (ذم التأويل). نقول: عقد ابن قدامة باباً كاملاً، باباً كاملاً عقده في كتاب (ذم التأويل) يذكر فيه وجوب اتباع السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وأن طريقتهم هي الطريق الصحيح الذي لا محيد عنه، ودعمه بالأدلة الكثيرة على ذلك. يعني أرجعوا اقرؤوا هذا الباب، باب كامل بعنوان: (وجوب اتباع السلف الصالح من الصحابة والتابعين)، اقرؤوا وانظروا النصوص التي حشدها.

قال رحمه الله في سياق رده على الأشعرية طريقتهم في تأويل الصفات، لأن ابن قدامة كثيراً ما رد على الأشعرية طريقتهم في تأويل الصفات. وأنا استغرب اليوم يعني أن بعض الأشاعرة من المعاصرين يعظمون ابن قدامة، يعني يرون أن ابن قدامة أقرب إلى منهجهم إلى منهج أهل السنة؛ لكن استغرب أن هذا الاشعري لم يقرأ الردود الشنيعة من ابن قدامة على الأشاعرة وكيف كان يحذر منهم بالاسم الأشعرية ويحذر من مسلكهم ومن منهجهم.

المهم، ابن قدامة في أثناء رده على الأشعرية تأويله لنصوص الصفات ماذا يقول؟ يقول: إن متأول نصوص الصفات يجمع بين وصف الله بصفة ما وصف بها نفسه ولا أضافها إليها، وبين نفي صفة أضافها الله تعالى إليه. يعني ابن قدامة يقول: من أكبر المشاكل في الفكر الاشعري الذي يقوم على التأويل، أنهم حينما يؤولون ينفون عن الله الصفة التي أثبتها لنفسه -وهو المعنى الظاهر الحقيقي للنص- ويثبتون له صفة ومعنى آخر هو لم يثبته لنفسه.

فانظروا للإشكالية الكبرى: يعني أنتم نفيتم ظاهر النص وهو المعنى الذي أراده الله، وحرفتم وأولتم إلى معنى آخر بالمعنى لم يرده الله، فأثبتم صفة لم يثبتها لنفسه ونفيتم الصفة أثبتها لنفسه! ثم طبق ذلك على قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: 54]. قال: فإذا قال: معنى (استوى على العرش) أي استولى؛ فقد وصف الله تعالى -فقد وصف هذا المؤول- فقد وصف الله تعالى بالاستيلاء، والله لم يصف نفسه بالاستيلاء، الله ما قال استوليت، قال استويت، هكذا قال عن نفسه سبحانه. فقد وصف الله بالاستيلاء والله لم يصف بذلك نفسه، وفي نفس الوقت نفي عنه صفة الاستواء الله تبارك وتعالى لها في القرآن في سبعة مواضع.

يعني الله سبحانه وتعالى في سبعة مواضع من القرآن قال بشكل صريح: ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: 54]، ولم يقل في موطن واحد: استولى. فمن أين أتيتم باستولى هذه؟ أكان الله سبحانه عاجزاً أن يخبرنا في واحد من السبعة أنني قصدت بـ(استوى) (استولى)؟ سبحانه حاشاه أن يعجزه شيء. فلماذا هذه الممارسة التحريفية على هذه النصوص من أجل خرافات فلسفية إغريقية؟

المهم انظر ابن قدامة ماذا فقال: أفما كان الله سبحانه قادراً على أن يقول استولى، حتى جاء هذا المتكلف المتأول فتطرف وتحكم على الله سبحانه وعلى رسوله وعلى رسوله؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. يعني ابن قدامة يقول: إيش هذه الشناعة وما هذه الجرأة على الله؟ هل كان الله عاجزاً أن يقول لنا استولى؟ طيب لماذا في سبع مواطن (استوى)؟

يعني بعض الأمور أحبتي أنا لا أراها تحتاج إلى تفكير عقلي عميق؛ وإنما تحتاج للتجرد من الهوى، للتجرد من الهوى، وأن ننظف عقولنا ونطهر أفئدتنا من الفلسفة ومن علم الكلام، ونعود إلى المنبع العذب، إلى الفطر النقية، إلى الضرورات العقلية والقراءة السوية للنص من دون تأثر بمنابع أخرى.

المهم، المهم ساقتصر عليكم وأقول: حشدت لكم حشداً جيدا يبين أن ابن قدامة كان رحمه الله محارباً للطريقة الاستدلالية التي يسلكها علماء الكلام، ومؤيداً لطريقة أهل السنة والجماعة في بناء العقائد. ولهذا ابن تيمية لما ذكر الحنابلة عموماً، وذكر من كان من الحنابلة يسير إلى طريقة أهل السنة، ذكر أبا محمد ابن قدامة المقدسي أنه من الحنابلة الذين ساروا على طريقة أهل السنة والجماعة في العموم. لماذا أحبتي؟ لأن ابن قدامة كانت منطلقاته في الاستدلال والتفكير العقدي هي منطلقات أهل السنة والجماعة: الفطرة النقية، الأدلة العقلية الواضحة بعيدة عن التكلف، نصوص الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين، وكان يصف تمام الصد عن النظر في الأدلة العقلية المتكلفة.

الآن أذهب إلى النتيجة الثانية. إذا عرفنا النتيجة الأولى؛ النتيجة الثانية من خلال النظر والاستقراء في الكتب الأربعة لابن قدامة، نقول: اعتمد ابن قدامة في رسم منهجه في باب الصفات العلى على فهمه للنصوص المنقولة عن السلف الصالح. أعيد وكلمة فهمه ضعوا تحتها أربعة خطوط، وليس خط، أربعة خطوط؛ لأن هي كلمة محورية هنا.

اعتمد ابن قدامة في رسم منهجه في باب الصفات -يعني اختيارات ابن قدامة وفهم ابن قدامة لباب الصفات العلى من أين أخذه؟- اعتمد فيه على فهمه، على ما فهمه هو من النصوص المنقولة عن السلف الصالح. الآن كما قلنا هو ينطلق من طريقة سنية في الاستدلال العقدي؛ لكن اعتمد في باب الصفات العلى على فهمه، وأخذ نصوص السلف الصالح وبدأ ينظر فيها ويتفهمها، فمن خلال فهمه واستنتاجاته حددت طريقته في باب الصفات العلى.

فنقول إذاً مرة أخرى: اعتمد ابن قدامة في رسم منهجه في باب الصفات على ما فهمه من النصوص المنقولة عن السلف الصالح -أي في هذا الباب، والتي أكثر من ذكرها في كتبه الثلاث خصوصاً (ذم التأويل) و(تحريم النظر في كتب الكلام) و(لمعة الاعتقاد)-. والآن سانقل لك أبرز النصوص التي اعتمد عليها ابن قدامة في تشكيل فهمه لمنهج السلف الصالح.

هناك نصوص واضحة لابن قدامة يكررها في كل كتبه، هذه النصوص التي ينقلها عن السلف الصالح هي التي استنبط منها فهمه. الآن يمكن يكون بفهم صحيح، وممكن يكون فهم بشكل خاطئ، أليس هذا هو التقسيم العلمي؟ الآن ابن قدامة أتى بنصوص السلف وضعها بين يديه، هناك احتمالان: السؤال الأول العقلي أن يفهم هذه النصوص بشكل صحيح، احتمال آخر -وهذا وارد- أن يفهم هذه النصوص بشكل خاطئ. طيب، أي الاحتمالين؟ طيب دعونا أولاً نقرأ ما هي النقول التي اعتمد عليها ابن قدامة؟ سأقرأ النقول وركزوا معي في هذه النقول؛ لأن هذه النقول أحبتي ستعطيكم أيضاً.

زيارة معرفية في منهج أهل السنة والجماعة ومنهج السلف الصالح في باب الصفات العلى بالتحديد، حتى لا يغركم المتكلمون من المعاصرين الذين يوهمونكم كما قلنا؛ أن ما ذكره ابن تيمية في باب الصفات هذا رأي له ابتدعه وخالف فيه الأمة.

ستكتشفون الآن -انظروا في هذه النصوص التي أنقلها عن أحمد بن حنبل ومن كان قبله ومن كان بعده- هذه النصوص نأخذها من كلام ابن قدامة رحمة الله عليه يقول في كتابه النظر في كتب الكلام وفي ذم التأويل وفي لمعة الاعتقاد.

هذه النصوص التي سأنقلها الآن توجد في الكتب الثلاثة، في تحريم النظر في كتب الكلام وفي ذم التأويل وبعضها في لمعة الاعتقاد التي بين أيديكم.

ماذا يقول؟ يقول ابن قدامة: وقال حنبل -حنبلاً هذا كما قلنا من تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل-: سألت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل عن هذه الأحاديث التي تروى؛ أن الله تبارك وتعالى يرى، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا، وأنه يضع قدمه أي في نار جهنم كما جاء في الحديث عند البخاري وما أشبه، فقال أبو عبد الله أحمد بن حنبل إمام أهل السنة: نؤمن بهذه، نؤمن بها أي بهذه النصوص، نؤمن بها ولا نرد منها شيئاً إذا كانت بأسانيد صحاح.

لاحظوا أحمد بن حنبل ما قال إذا كانت متواترة، بأسانيد صحاح سواء كانت أخبار آحاد أو أخبار متواترة، لا يفرق أحمد بن حنبل، ولا نرد على الرسول صلى الله عليه وسلم قوله، ونعلم أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم حق، ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية، هذه الصفات نثبتها لله لكن لا نحدها ضمن إطار معين ولا نجعل لها غاية، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].

وما زال يكمل أحمد فيقول: فنقول كما قال تعالى، ونصفه كما وصف نفسه، لا نتعدى ذلك ولا نزيل عنه، أي لا ننفي عنه من صفاته لشناعة شنعت، نؤمن بهذه الأحاديث ونقرها ونمرها كما جاءت بلا كيف ولا معنى.

الآن هذه بلا كيف ولا معنى لي وقفة معها إن شاء الله في الدرس القادم بإذن الله أو آخر الدرس هذا إذا أدركناه لكن ظروف الدرس القادم، ما معنى قول أحمد بن محمد بلا كيف ولا معنى؟ لأنه هذه من النصوص المشكلة، ونقرها ونمرها كما جاءت بلا كيف، نفي الكيفية وهذا كل متفق عليه، ولا معنى إلا على ما وصف به نفسه تبارك وتعالى وهو كما وصف نفسه سميع بصير، بلا حد أي لا نحد سمعه وبصره بحد معين، ولا تقدير صفاته منه وله، لا نتعدى القرآن والحديث والخبر، ولا نعلم كيف ذلك.

ركزوا يعني أو لاحظوا كيف ابن حنبل يركز على نفي الكيفية وليس على نفي المعنى باستثناء ذاك النص الذي سنعلق عليه بإذن الله، ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم وتثبيت القرآن.

هذا إذن نص مطول اعتمد عليه ابن قدامة في فهم منهج أحمد بن حنبل والسلف الصالح عموماً في باب الصفات.

النص الثاني: روي عن مالك بن أنس والامام الأوزعي وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة ومعمر بن راشد، وهؤلاء أئمة السلف ونقلة السنة، وروي عنهم في أحاديث الصفات أنهم قالوا: رووها كما جاءت، أمروها كما جاءت، وهذا أيضاً سنقف معه نحققه إن شاء الله.

وروى محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة النعمان أنه أجمع أهل العلم في المشرق والمغرب على أن هذه الأحاديث التي جاءت في الصفات لا تفسر.

طيب، إيش معنى يا شيخ لا تفسر؟ أنا الآن فقط أحشد النصوص التي اعتمد عليها ابن قدامة، ثم بعد ذلك لي رجعة ووقفة مع هذه العبارات المجملة.

الآن هذا النص الذي سأذكره الآن من كتاب ذم التأويل اعتمد عليه ابن قدامة، يقول: قال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب: أما الكلام في الصفات فإنما روي منها في السنن الصحاح، مذهب السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم اثباتها واجراؤها على ظاهرها.

إيش يعني إجراؤها على ظاهرها؟ يعني على المعاني الظاهرة المتبادرة منها على طريقة أهل السنة، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، هذا واضح، والاصل فيها أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلوماً أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته، إثبات وجوده.

نثبت وجود صفة الاستواء، صفة النزول، صفة المحبة، صفة الوجه، نثبتها إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فإذا قلنا لله تعالى يد وسمع وبصر، فإنما هو إثبات صفات أثبتها الله تعالى لنفسه.

هذا نص اعتمد عليه ابن قدامة أيضاً، أبو عثمان الصابوني صاحب العقيدة المشهورة يقول: إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة يعرفون ربهم تبارك وتعالى بصفاته التي نطق بها كتابه وتنزيله وشهد له بها رسوله، على ما وردت به الأخبار الصحاح ونقلها العدول الثقات، ولا يعتقدون تشبيهاً لصفاته بصفات خلقه، ولا يكيفونها تكييفاً مشبهاً، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه تحريف المعتزلة والجهمية.

وقد عافى الله أهل السنة من التحريف والتكييف ومن عليهم بالفهم، فهموها لكن كما قلنا من دون تحريف ولا تكييف، حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه.

الآن أبو بكر الإسماعيلي الإمام المشهور صاحب الاعتقاد المشهور أيضاً قال: اعلموا رحمنا الله وإياكم، هذا أيضاً كلها نصوص نقلها ابن قدامة واعتمد عليها، لاحظوا ابن قدامة كيف يبني عقيدته بالفهم لكلام السلف الصالح، ابن قدامة لم يأت لا بأقيسة عقلية متعمقة ولا بقياس اقتراني ولا قياس استثنائي ولا أخذ من فكر الإغريق، لا لا لا.

ذهب إلى نصوص الصفات المنقولة عن السلف، حشد حشد ما استطاع أن يحشده من كلام السلف في نصوص الصفات، ثم حاول أن يفهمها، فهمها خطأ، فهمها بشكل صحيح، هذه مسألة أخرى نناقشها.

لكن المهم انظروا المنطلق، أنه يحشد كلام السلف في هذه الجزئية، هذه هي الطريقة الصحيحة، اذهبوا إلى ما قاله الصحابة والتابعون والعلماء الأثبات من السلف الصالح، اجمعوا كلامهم وانظروا فيه، ستصلون إلى المعتقد الصحيح من دون حاجة إلى أقيسة عقلية ولا كلام متكلف.

اعلموا رحمنا الله وإياكم أن مذهب أهل الحديث، أهل السنة والجماعة، الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقبول ما نطق به كتاب الله تعالى، وصحت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا معدل عما ورد به ولا إلى رده، إذ كانوا مأمورين باتباع الكتاب والسنة، مضموناً لهم الهدى فيهما، مشهوداً لهم بأن نبيهم صلى الله عليه وسلم يهديهم إلى صراط مستقيم، محذرين في مخالفته الفتنة والعذاب الأليم، ويعتقدون أن الله تعالى مدعو بأسمائه الحسنى، وموصوف بصفاته التي سمى ووصف بها نفسه، ووصفه بها نبيه صلى الله عليه وسلم، كقوله: خلق آدم بيده، وقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 64] بلا اعتقاد كيف.

إذن نثبت هذه الصفة كما يقول الإسماعيلي بلا اعتقاد كيف، لا ندخل في التكييف، وأنه عز وجل استوى على عرشه ولم يذكر كيف كان استواؤه، ما قال لا نعرف معنى الاستواء، قال: لم يذكر لنا كيف كان الاستواء، فنحن نقول: الله استوى على عرشه، ولا نعلم كيف كان استواؤه، انتهى الأمر.

وهذا النص أيضاً قال الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة: إن الأخبار في صفات الله موافقة لكتاب الله تعالى، نقلها الخلف عن السلف قرناً بعد قرن من لدن الصحابة والتابعين إلى عصرنا هذا، على سبيل الصفات لله والمعرفة والإيمان به والتسليم لما أخبر الله تعالى في تنزيله ونبيه الرسول صلى الله عليه وسلم عن كتابه، معشوة بالتأويل اللي هو التحريف والجحود وترك التمثيل والتكييف.

وأيضاً قال ابن قدامة: وأخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أحمد بسنده إلى الأوزاعي قال: كان الزهري والإمام مكحول يقولان: أمروها هذه الأحاديث أي أحاديث الصفات كما جاءت، وسنعرف إن شاء الله ما معنى أمروها كما جاءت.

وقال أبو القاسم: حدثنا محمد بن رزق الله، حدثنا عثمان بن أحمد، حدثنا عيسى بن موسى قال: سمعت أبي يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول: كل ما وصف الله تعالى به نفسه في القرآن فقرائته تفسيره، ولا كيف ولا مثل.

وعن أحمد بن نصر أنه سأل سفيان بن عيينة فقال: حديث عبد الله أن الله يجعل السماء على أصبع، وحديث أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، وحديث أن الله تعالى يعجب أو يضحك ممن يذكره في الأسواق، وأنه عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا في كل ليلة ونحو هذه الأحاديث، فقال سفيان بن عيينة -يعني يسأل كيف نفهم هذه الأحاديث ونتعامل معها- فقال سفيان بن عيينة: هذه الأحاديث نرويها ونقر بها كما جاءت بلا كيف، ها كما جاءت بلا كيف كيف، نلاحظ أحياناً مرروها كما جاءت وفي نصوص أخرى أمروها كما جاءت بلا كيف، عندنا نصان.

طيب، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام من الأئمة الكبار: ما أدركنا أحدا يفسر هذه الأحاديث ونحن لا نفسرها.

إيش معنى كلام أبي عبيد؟ هذا مهم جداً نفهم معناه وسأشرحه إن شاء الله، ما معنى أننا لا نفسر؟ لما يقول السلف نحن لا نفسر نصوص الصفات، هل يقصدون أننا كالمفوضة لا نعلم في عقولنا معانيها، وإلا إيش يقصدون لا نفسر؟ سنأتي إليه إن شاء الله.

وقال أبو بكر الخلال: أخبرنا المروذي قال: سألت أبا عبد الله عن أخبار الصفات، فقال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: أمروها كما جاءت.

وأخبرنا يحيى بن محمود إجازة، قال: أنبأنا جدي الحافظ أبو القاسم، قال: ما جاء في الصفات في كتاب الله أو روي بالأسانيد الصحيحة فمذهب السلف رحمة الله عليهم إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، مهم جداً هذا: إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي ماذا؟ الكيفية عنها، لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات.

القاعدة متكررة: الكلام في الصفات يعني الكلام في كيفية اتصاف الله بصفاته هو فرع عن معرفتنا كيفية الذات الإلهية، واثبات الذات هو مجرد إثبات وجود لا إثبات كيفية، نحن نثبت وجود الذات الإلهية، لكن كيفيتها هل هناك أحد يعلمها؟ كلا، فكذلك الصفات: إثبات وجود لا إثبات كيفية.

وهذه النصوص هي التي استنبط منها ابن قدامة رحمة الله عليه منهج السلف الصالح.

الآن انتهيت من سرد النصوص، فأقول النصوص غيره، لكن هذه أهم النصوص، أنا حشدت لكم أهم النصوص، هذه النصوص هي التي استنبط منها ابن قدامة منهج السلف الصالح في باب الصفات ورأى أنه المذهب الذي يجب اتباعه.

ما هو منهج السلف الصالح في باب الصفات كما فهمه ابن قدامة؟ هذه النصوص استنبط منها ابن قدامة منهجين في الصفات العلى، ونسبه ابن قدامة إلى أنه منهج السلف الصالح.

هنا دقيقة مهمة، هذه الدقيقة هي أحبتي أن ابن قدامة ماذا يفعل؟ هذا يفعله الكثير؛ أنه يحشد نصوص الصفات، يعني كثير من علماء أهل السنة والجماعة يفعلون هذا، أنهم يحشدون نصوص الصفات، يفهمونها بطريقة معينة ثم ينسبون فهمهم لها إلى السلف الصالح.

الآن هذا في الحقيقة المنهج يحتاج إلى شيء من التروي، أنه يمكن العالم لما يجمع نصوص السلف الصالح ويحاول أن يتفهمها، يمكن يفهمها بشكل خطأ، ثم يسند فهمه الخاطئ إلى السلف الصالح، طبعا هو باجتهاده ظن أن هذا هو منهج السلف الصالح، وأن فهمه الذي فهمه هو منهج السلف الصالح.

ولكن في الحقيقة يمكن أن العالم يفهم منهج السلف الصالح بشكل خاطئ ثم ينسب فهمه إلى السلف، فبالتالي تصبح أنت تظن أن هذا هو منهج السلف وهو في الحقيقة ليس منهج السلف، وإنما هو منهج ابن قدامة أو منهج فلان أو منهج فلان فهمه من نصوص السلف ثم قام بإسناده إلى السلف.

فهمتم إيش يحدث؟ هذه كثير ما تحدث، العالم المتأخر في القرن السادس والسابع يفهم شيئاً من نصوص السلف الصالح، ويكون هذا الفهم خاطئاً لكنه هو خلص مقتنع أن هذا هو الفهم الصحيح، وينسب فهمه إلى السلف الصالح، ويقول: وعلى هذا صار السلف.

لكن في الحقيقة لا، بيكون مش على هذا صار السلف، على هذا صرت أنت، وهكذا فهمت أنت نصوص السلف ثم نسبت إلى السلف.

لكن ما زلنا كما قلنا لم نعرف يا شيخ، طيب ما هو منهج ابن قدامة؟ ما الذي فهمه ابن قدامة من هذه النصوص؟ هذا ما تريدون بالتأكيد الوقوف عليه.

فنقول ثالثاً: خلاصة ما فهمه ابن قدامة من هذه النصوص وأسند فهمه إلى السلف الصالح، الآن الاستنتاج الثالث: خلاصة ما فهمه ابن قدامة من هذه النصوص وأسند فهمه إلى السلف الصالح، ما هو؟ إيش الذي فهمه ابن قدامة من هذه النصوص في أنه ما هو منهج السلف الصالح في باب الصفات العلى؟ هذا اللي بدنا نعرفه الآن كيف سأعرف؟

الآن سأحلك مسلكاً أحبتي، انتبهوا معي، سأرد لكم تعليقات ابن قدامة، الآن سأذكر لكم تعليقات ابن قدامة على تلك النصوص السابقة، كيف علق ابن قدامة المقدسي على تلك النصوص السابقة التي حشدتها لكم قبل قليل؟ ومن كل نص لابن قدامة سأقوم بوصفه وإعطاء تحليل له.

ثم بعد أن نسرد أهم كلام ابن قدامة في كتبه، سنقف وقفة إجمالية نبين بها ما هي خلاصة منهج ابن قدامة الذي نسبه إلى السلف الصالح، عرفتم ماذا أعمل؟ الآن سآتي.

قال ابن قدامة في كتاب تحريم النظر في كتب الكلام، وهذا كلامه الآن بنصه: يقول ابن قدامة: لا خلاف في أن مذهب السلف الإقرار والتسليم وترك التعرض للتأويل -الذي هو التحريف والتمثيل-. الآن ما رأيكم هذا النص؟ ماذا تفهمون منه؟ يقول ابن قدامة: لا خلاف، لاحظوا هو يقول لك: لا خلاف في أن مذهب السلف في باب الصفات يعني الإقرار بنصوص الصفات، والتسليم، وترك التعرض للتأويل والتمثيل. لا نحرف ولا نمثل، لكننا نقر ونسلم.

الآن سأعطي تقييمي لهذا النص فأقول: وصف النص، قوله، سأعلق على قوله: الإقرار والتسليم. ماذا يقصد بالإقرار والتسليم؟ قوله الإقرار والتسليم لنصوص الصفات، في الحقيقة هذه ألفاظ مجملة، يعني لا أستطيع أن أخذ منها بالتفصيل منهج ابن قدامة، لأنه ايش قصدك يا ابن قدامة؟ أننا نقر ونسلم بنصوص الصفات؟ لأن هناك من يقول: أنا أقر وأسلم وأؤمن بنصوص الصفات، لكنني لا أثبت معانيها الحقيقية المتبادرة منها، انما أقول لها معانيها الباطنة التي يعلمها الله وأنا مفوض. وهذا هو مسلك المفوضة، فيقولون: نحن نقر ونسلم لكن لا نثبت معاني. فهل أنت يا ابن قدامة لما تقول: أنا أقر وأسلم بنصوص الصفات؟ هل تقر وتسلم مع إثبات الحقيقية؟ ولا تقر وتسلم على طريقة المفوضة، إقرار بالألفاظ من دون المعاني ولا تعلم المعاني؟ آه، إذا هنا النص فيه إجمال، ابن قدامة ما أعطانا المهجية مفصلة لديه.

فأقول: هذه ألفاظ مجملة، تحتمل أنه يقصد الإقرار والتسليم لهذه الألفاظ بمعناها المعلوم في الذهن، وهذه طريقة أهل السنة، ويحتمل أنه يقصد الإقرار والتسليم للألفاظ وأن لها معنى يعرفه الله سبحانه، لكننا لا نعرفه نحن. إذا باختصار: هذا النص ليس صريحاً في بيان معتقد ابن قدامة في باب الصفات العلى. إذاً هنا ننظر في نص آخر، يقول أيضاً في تحريم النظر في كتب الكلام: يقول ابن قدامة ولا خلافة -راحت كلمة ولا خلاف، هاي كتير بستخدمها ابن قدامة- ولا خلاف بين أهل النقل تنميهم وبدعيهم في أن مذهب السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم في صفات الله سبحانه وتعالى: الإقرار بها، والامرار لها، والتسليم لقائلها، وترك التعرض لتفسيرها، بذلك جاءت الأخبار، وعنهم، أي عن السلف الصالح، مجملة ومفصلة.

طيب، ايش رأيكم بهذا النقل الثاني؟ بعدها نفهم مين. فأقول وصف النص، سأسقط الآن النص، أقول: قوله الإقرار بها، والامرار لها، والتسليم لقائلها، فيه نفس الإجمال الذي ذكرناه في النص السابق، مش عارفين طبيعة هذا الكلام هذا تقصد. لكنه زاد هنا قوله آآ وترك التعرض لتفسيرها، وهذه اللفظة أيضاً ساعتبرها من قبيل الألفاظ المجملة. ماذا تقصد بترك التعرض لتفسيرها؟ هل يقصد ابن قدامة أننا لا نتعرض لتفسير معاني ألفاظ الصفات بألسنتنا، لا نفسر بالألسنة، مع علمنا بها في أذهاننا؟ أم يقصد أننا ما نفسرها لأننا لا نععلم أصلًا معناها ونفوض العلم بها إلى الله تعالى؟ إذاً هذا النص فيه إجمال أيضاً، ولم يتضح لنا طريقة ابن قدامة بعد.

وقال أيضاً مبيناً ما فهمه من طريقة السلف، يقول في بيان طريقة السلف في باب الصفات، ايش يقول ابن قدامة: وهي، أي طريقتهم، الإيمان بالألفاظ والآايات والأخبار بالمعنى الذي أراده الله تعالى، والسكوت عما لا نعلمه من معناها، وترك البحث عما لم يكلفنا الله البحث عنه من تأويلها ولم يطلعنا على علمه. أيوه، هذا النص، لاحظوا ابن قدامة يسلك فيه مسلكاً آخر، سأعلق على هذا النص حتى يعني نسير، أختصر الكلام وأقول: وصفي لهذا النص هو. قول ابن قدامة: وهي الإيمان بالألفاظ والآيات والأخبار بالمعنى الذي أراده الله، هذا أيضاً فيه شيء من الإجمال. فهل المعنى، ما الذي أراده الله؟ معلوم لدينا نحن البشر أيضاً في وجهة نظر ابن قدامة، أم المعنى الذي يعلمه الله ليس معلوماً لدينا؟ لكن قوله بعد ذلك: والسكوت عما لا نعلمه من معناها، وترك البحث عما لم يكلفنا الله البحث عنه من تأويلها، قد يرجح هذا الكلام قوله إننا نسكت عما لا نعلمه من معناها.

هذه جزئية مهمة جداً أن يقال في هذا النص الأخير آه: الإيمان بالألفاظ والآيات والأخبار والمعنى الذي أراده الله، والسكوت عما لا نعلمه من معناها. آه، هذه الكلمة في الحقيقة ترجح كفة أن ابن قدامة يرى أن بعض ألفاظ الصفات، أن بعض كل كلمة أقولها الآن مهمة أحبتي، هذه اللفظة: أننا نسكت عما لا نعلمه من معناها، ترجح أن ابن قدامة يرى أن بعض ألفاظ الصفات معناها واضح لدينا، فنؤمن بهذه الصفة مع معناها الواضح الذي علمناه. وهناك ألفاظ أخرى معناها ليس معلوماً لنا، فنؤمن باللفظ مجرداً ونفوض المعنى إلى الله. وبالتالي فإن هذا النص يفهم منه أن ابن قدامة مفوض جزئي، عنده تفويض جزئي، يعني هو بعض الصفات يثبتها بمعانيها الظاهرة، وبعض الصفات يفوضها إلى الله ولا يثبت معانيها. فيقول: سوف يكون بناءً على هذا ليس على طريقة أهل السنة تماماً، وليس على طريقة المفوضة تماماً، بل على طريقة المفوضة الجزئية، يأخذ من هنا ومن هنا، مفوض جزئي في باب الصفات وليس مفوضاً كلياً.

طيب، نأخذ نصاً آخر. وقال ابن قدامة رحمة الله عليه إننا لا، عن نصوص الصفات، ايش يقول؟ انتبهوا، يقول ابن قدامة عن نصوص الصفات: إننا لا نعلم لها تفسيراً، ومن لم يعلم شيئاً وجب عليه السكوت عنه وحرم عليه الكلام فيه. فإن عائب هذه المقالة، يعني إذا أحد عاب كلامي هذا، فإن عائب هذه المقالة عائب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانه كان يؤمن بالله وكلماته، ولم يفسر شيئاً من ذلك ولا ما بين معناه، ولا بين معناه. في الحقيقة هذا النص أيضاً يرجح كفة من يقول إن ابن قدامة يسير في باب الصفات على طريقة المفوضة، على طريقة المفوضة بشكل كلي.

هذا النص يختلف، هذا النص السابق لا، ابن قدامة يعني قد يفهم منه أنه بعض الصفات نفهم معناها وبعضها لا نفهم معناها. لكن هذا النص لما يقول: إننا لا نعلم لها تفسيراً، ومن لم يعلم شيئاً وجب عنه السكوت عنه وحرم عليه الكلام فيه. هذا يرجح، أنا ما زلت أقول يرجح، يرجح كفة من يرى أن ابن قدامة يسير في باب الصفات على طريقة المفوضة وليست هي طريقة أهل السنة والجماعة، لأنه قال في النص السابق: لا نعلم لها تفسيراً، وظاهره أننا لا نعلم لها معنى، وإن كان من يدافع عن ابن قدامة يقول: لا، ابن قدامة على منهج أهل السنة لما يأتي هاي العبارة لابن قدامة: إننا لا نعلم أنها تفسيراً، يقول: يقصد ابن قدامة أننا لا نعلم تفسيراً للكيف. الآن أقول: نعم، بعض أهل السنة والجماعة يقول: لا نعلم تفسيراً ويقصد لا نعلم تفسيراً للكيفية، لكن ابن قدامة في الحقيقة من الاستقراء لكلامه، هو يفهم نفي التفسير أنه نفي للمعنى وليس نفي للكيف فقط، وهذا سأدلل عليه لا نستعجل.

وإن كان من يدافع عن ابن قدامة يقول: إننا لا نعلم تفسيراً في الكيفية لا في أصل المعنى، ولكن كما قلت هذا الفهم أنه يريد ابن قدامة أننا نعلم تفسيراً، آه، أنه يقصد لا نعلم تفسير الكيف، أظنه ليس ظاهراً من معناه أو من مقصوده وسياقه.

نص آخر، يقول ابن قدامة: وأما إيماننا بالآيات وأخبار الصفات فإنما هو إيمان بمجرد الألفاظ، ها، خطيرة هذه. فإنما هو إيمان بمجرد الألفاظ التي لا شك في صحتها ولا ريب في صدقها، وقائلها أعلم بمعناها، فآمنا بها على المعنى الذي أراد ربنا تبارك وتعالى فجمعنا بين الإيمان الواجب، يعني آمنت بالألفاظ، ونفي التشبيه المحرم. وهذا في الحقيقة، فهذا النص شوي خطير، لأنه ابن قدامة ما يفهمنا من هذا النص أن إثبات المعاني لنصوص الصفات فيه شيء من التشبيه، وهذا ليس بصحيح. قلنا إثبات معاني نصوص الصفات ليس تشبيهاً، وإنما التشبيه أن تشبه اتصاف الله بهذه كاتصاف المخلوق بنفس الهيئات واللوازم، هذه المشكلة. لكن ابن قدامة كما قلنا كلامه هنا عام.

وهذا النص الآن أصف هذا النص، وهذا النص من أصرخ النصوص التي ترجح كفة من يقول إن ابن قدامة مفوض كلي في باب الصفات تصدق طريقة المفوضة، لأن ابن قدامة يصرح، قال: فإنما هو إيمان بمجرد الألفاظ. هكذا يقول المفوض أصلًا: إننا نؤمن بمجرد اللفظ ونفوض المعنى، والمتكلم يقول ابن قدامة: فإننا نؤمن بمجرد الألفاظ، والمتكلم بها، أي الله عز وجل، هو أعلم بمعناها. تفويض.

طيب دعونا نذهب إلى نص آخر. وقال أيضاً: سامحوني أطلت في نقل النصوص، لكن هذه عملية التوثيق العقدي، من أراد أن يتأكد من منهج إمام لا يلتقط كما يفعل المعاصرون اليوم، يمتهنون آه التقاط بعض النصوص التي توافق طريقتهم ويبترون من سياقها ويقولون: هذا منهج الإمام. هذا كثير ما يفعله المعاصرون من آآ الكلاميين مع ابن تيمية، يأتون إلى نصوص مجملة لابن تيمية يبترونها من سياقها ولا يجمعونها مع النصوص الأخرى له ويقولون: انظروا يا ابن تيمية كيف يجسد، انظروا كيف يمثل، ويسلكون كما قلنا مسلكاً بعيداً بعيداً عن مسلك العلماء الكبار الأفذاذ، منهج التحقيق العلمي وجمع كلام الإمام من كل مصنفاته. لذلك أنا أكثرت النقل هنا حتى تعرفوا كيف يكون التوثيق القديم صحيحاً.

وقال أيضاً ابن قدامة: إذا سألنا سائل عن معنى هذه الألفاظ -ألفاظ نصوص الصفات- قلنا له: لا نزيد على ألفاظها زيادة تفيد معنى، فقط نقرأ الألفاظ ولا نزيدك عليها معاني، بل قراءتها تفسيرها، هذه كلمة قراءتها تفسيرها. طب، بعد ما خلص وعلق عليها تعليقاً: بل قراءتها تفسيرها من غير معنى بعينه، قراءتها تفسيرها من غير بعينه، لا تدل على معنى بعينه ولا تفسير بنفسه، ولكن قد علمنا أن لها معنى في الجملة. نحن نقول هذه الألفاظ أن لها معنى في الجملة يعلمه المتكلم بها هو الله سبحانه، فنحن نؤمن بها بذلك المعنى، أي بذلك المعنى الذي يعلمه الله، ومن كان كذلك كيف يسأل عن معنى؟ يعني أنا أؤمن بالألفاظ، فكيف تسألني عن معانيها؟

وصف هذا النص: هذا النص أحبتي من أصرح النصوص المرجحة لكفة من يرى أن ابن قدامة يسلك مسلك في باب الصفات، فإنه قال: ولكن قد علمنا أن لها معنى في الجملة يعلمه المتكلم بها، فنحن نؤمن بها بذلك المعنى. فهذا شبه تصريح حقيقةً منه أنه يؤمن بالألفاظ وأن لها معانٍ في الجملة، لكن ما هي هذه المعاني؟ لا نعلمها، استوى على العرش، ينزل ربنا إلى السماء الدنيا، العجب، الضحك، إلى آخره، لا نعلمها ونفوض علمها إلى الله. هكذا يقول ابن قدامة، والمشكلة أنه يسند فهماً إلى السلف، هذه مشكلة أحبتي.

وهذا كثير، يعني كل الفرق تحاول أن تنسب نفسها إلى السلف الصالح عادة الفرق، بل حتى المعتزلة، يعني وإن كان ابن تيمية يقول إنهم، إن المعتزلة آآ لا لا ينتسبون إلى أهل السنة أو ولا ينتسبون السلف، لكن في الحقيقة من يقرأ عبد الجبار المعتزلي يجد أن عبد الجبار ذكر في بعض كتبه أن ما هم عليه المعتزلة -وهم أشد الفرق اعترافاً أو من أشد فرق انحرافاً- والله طريقتنا طريقة أهل السنة. لذلك هو بشكل عام ليست القضية بالدعوة، يعني أن يقول آآ الأشعري أو الماتريدي أو ابن قدامة أو غيره بل حتى ابن تيمية، ليست القضية أن يقولوا: لا، هذا الكلام هو فهم السلف، بالحقيقة أنت كطالب علم تبحث عن الحقيقة، لا تأخذ نصوص السلف وتنظر بعد ذلك ما قاله فلان، ما قاله فلان، اتصل بتحقيق علمي لتتأكد بنفسك ما هي طريقة أهل السنة والجماعة على حقيقة.

أيضاً من النصوص التي أتى بها ابن قدامة يقول ابن قدامة: ومذهب السلف رحمة الله تعالى عليهم: الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصفها بها نفسه في آياته وتنزيله، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير زيادة عليها ولا نقص منها، ولا تجاوز لها، ولا تفسير ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها، ولا تشبيه بصفات المخلوقين ولا سمات المحدثين، بل أمروها كما جاءت وردوا علمها إلى قائلها ومعناها إلى المتكلم بها، وآآ وعلموا أن، وهو الله، صادق لا شك في صدقه، فصدقوه ولم يعلموا حقيقة معناها، فسكتوا عما لم يعلموا.

ها هي كلمة خطيرة في هذا النص، قال: علموا أن المتكلم بهذه النصوص صادق، لا شك في صدقه وهو الله، فصدقوه ولم يعلموا معناها. هنا ينفي حقيقة المعنى ابن قدامة: فسكتوا عما لم يعلموا، وأخذوا ذلك الآخر والأول. يعني هذا الأمر تناقله الآخر عن الأوايل، ووصى بعضهم بعضاً بحسن الاتباع والوقوف حيث وقف أولهم. وهذا النص أحبتي أيضاً من النصوص الذي يميل فيه ابن قدامة إلى التفويض بشكل كبير، حيث قال: وعلموا أن، هي تقال ابن قدامة، انظروا ماذا قال: وعلموا أن المتكلم بها صادق ولكن لم يعلموا حقيقة بمعنى، فهذا أيضاً يذهب إلى أن ابن قدامة يسلك مسلك التفويض.

نص آخر، يقول ابن قدامة: فإن قيل، طبعا هذه النصوص أحبتي كما قلنا من أين أتي بها؟ من تحريم النظر في كتب الكلام، هذا كتاب لابن قدامة: تحريم النظر في كتب الكلام، ومن ذم التأويل، ومن لمعة الاعتقاد التي بين أيدينا -أنا الآن بدأت أشرحها- ومن آآ الصراط المستقيم في اثبات الحرف القديم، لكن الصراط المستقيم هذا سنعتمد عليه في مسألة الكلام الإلهي.

فإن قيل: فقد تأولتم آيات وأخبارا؟ الآن هناك شخص؛ يعني ابن قدامة يصور أن هناك شخصاً من المؤولة من الكلاميين يقول لابن قدامة: أنت يا ابن قدامة نراك تأولت آيات وأخبارا يا ابن قدامة، فقد قلت في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: 4] أي بالعلم؛ يعني أنت يا ابن قدامة تأولت قوله تعالى: وهو معكم أينما كنتم، أنها معية بالعلم والإحاطة والرعاية. وهذا معنى: وهو معكم أينما كنتم؛ معية علم وإحاطة ورعاية ودراية.

فإذا ابن قدامة يقول إن بعض المتكلمين اعترض علي فقال لي: يا ابن قدامة، أنت أيضاً تمارس التأويل الذي تذمنا؟! ابن قدامة قال له: وأين مارست التأويل؟ قال: مارسته في قوله تعالى: وهو معكم أينما كنتم؛ فانت يا ابن قدامة تفسر المعية بأنها معية علم وإحاطة؟ أليس هذا تأويلاً ونحو هذا من الآيات والأخبار التي تفسرها يا ابن قدامة؟ فيلزمك ما لزمنا من التأويل.

فماذا قال له ابن قدامة؟ نحن لم نؤل شيئاً، وحمل هذه الألفاظ على هذه المعاني؛ يعني حمل قوله تعالى: وهو معكم أينما كنتم، على أنها معية علم وإحاطة ورعاية، وحمل هذه الألفاظ على هذه المعاني ليس بتأويل، هذا ليس تأويلاً؛ لأن التأويل هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر أي إلى معنى آخر، والتأويل الصحيح لابد له من قرينة صحيحة.

لكن هذا الذي مارسناه ليس تأويلاً؛ لأن التأويل هو صرف اللفظ عن ظاهره، وهذه المعاني التي أثبتناها في هذه النصوص هي الظاهرة من هذه الألفاظ؛ ومعكم أينما كنتم، المعنى الظاهري المتبادر أنها معية علم وإحاطة من دون تأويل أصالة. طيب، وهذه المعاني هي الظاهر من هذه الألفاظ بدليل أنه المتبادر إلى الأفهام منها، والتبادر إلى الفهم من علامات الحقيقة.

إذا كان المعنى هو الذي يتبادر إلى ذهنك من سماعك للنص، فيكون هذا هو المعنى الظاهر للنص الحقيقي له. ومع هذا شف ما زال ابن قدامة يكمل، يقول: هذا المعنى هو الظاهر المتبادر من النص، لكن يقول ابن قدامة: ومع هذا لو سكت إنسان عن تفسيرها وتأويلها لم يحرم ولم يلزمه شيء، فإنه لا يلزم أحد الكلام في التأويل إن شاء الله؛ يعني لو أن أحداً يقول، ابن قدامة ما زال يكمل رده على هذا المتأول المتكلم، فيقول: قل له ولو جاء شخص وقال: وهو معكم أينما كنتم أنا لا أريد أن أفسر ما معنى المعية، لا أقول علم ولا أقول معية إحاطة ولا شيء، أقول: الله أعلم، أفوض معيتي إلى الله.

يرى ابن قدامة أنه لا حرج عليك في سلوكك لهذا المسلك. وصفي لهذا النص ما هو؟ أقول هذا النص يميل باتجاه الجهة الأخرى؛ جهة من يرى أن ابن قدامة مثبت للصفات على معانيها الحقيقية الظاهرة، يعني يسير على طريقة أهل السنة والجماعة؛ لأن ابن قدامة قال: حمل هذه الألفاظ على هذه المعاني ليس بالتأويل، لأن التأويل صرف اللفظ عن ظاهره وهذه المعاني هي الظاهر هذه الألفاظ، إذاً هذا يفهم منه بشكل قريب أنه ابن قدامة يثبت معاني لألفاظ نصوص الصفات، لكنه يشير بعد ذلك -خلونا نكمل التحليل- لكنه يشير بعد ذلك إلى أن الشخص لو لم يفسر معنى الآية واكتفى بالتفويض من دون أن يسلك مسلك التأويل، فلا حرج عليه، وهذا في الحقيقة يجعل ابن قدامة هذا النص بحد ذاته يجعل ابن قدامة في موقف وسط.

في بدايته يشعرنا ابن قدامة أنه يثبت معاني نصوص الصفات، لكن لما في النهاية قال: ولو سكت الإنسان ولم يتكلم، يشعرنا أنه ينصر أيضاً طريقة المفوضة، فهذا النص يجعل ابن قدامة في منطقة وسط محيرة، أنت مع طريقة أهل السنة بالإثبات وإلا مع طريقة المفوضة؟

طيب، دعونا ننتقل إلى نص آخر، يقول ابن قدامة في نص آخر: فلا تعلم صفاته وأسماؤه إلا بالتوقيف، والتوقيف إنما ورد بأسماء دون كيفيتها، ورد بأسماء الصفات؛ يعني بالالفاظ دون كيفيتها وتفسيرها. وهذا يرد على من يرى أن ابن قدامة إذا نفى التفسير يقصد نفي تفسير الكيفية؛ لأنه هنا عطف نفي التفسير على نفي التكييف، فإذا في النصوص التي ينفي فيها التفسير لا يظهر لأن ابن قدامة ينفي التفسير بمعنى نفي تفسير الكيفية بل يقصد تفسير المعنى؛ لأن لاحظوا ايش قال هنا: فلا تعلم صفاته وأسماؤه إلا بالتوقيف، والتوقيف إنما ورد بأسماء الصفات؛ يعني عندنا الألفاظ هي اسماء الصفات هذا الذي بين أيدينا يقول ابن قدامة دون الكيفية والتفسير.

شف عطف دون الكيفية والتفسير، هذا العطف يدل على التغاير، إذاً التفسير عنده غير الكيفية، فيجب الاقتصار على ما ورد. وهذا النص أيضاً يرجح أن ابن قدامة يثبت الصفات، لكنه يفوض؛ هذا النص يرجح أن ابن قدامة يثبت الصفات كألفاظ يثبت الصفات كألفاظ، لكنه يفوض المعنى ويفوض الكيفية.

الآن هذا نص أيضاً آخر أنقله من لمعة الاعتقاد، افتحوا لمعة الاعتقاد بين أيديكم، يقول ابن قدامة في لمعة الاعتقاد: أما أنا ساعيد قراءة؛ يعني عندما أنهي بيان منهج ابن قدامة سأقرا سريعا ما ذكره ابن قدامة في هذه المسألة في باب لمعة الاعتقاد تعليقات عامة وننتقل إلى أخرى بإذن الله، يعني لن أشرع الشرح التفصيلي أن الشرح التفصيلي هنا الآن أمارسه.

يقول ابن قدامة في لمعة الاعتقاد: وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن، كل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن، وجب الإيمان به تلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل.

لانرد اللي هو الرد والتعطيل متقارب بشكل عام، والتأويل؛ التأويل كما قلنا هو شكل من أشكال التعطيل، التأويل شكل من أشكال التعطيل لكن فيما يكون بصرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر، ومن دون تشبيه ولا تمثيل. ثم قال ما زال يكمل: وما أشكل من ذلك؛ يعني نتلقاها بالتسليم من دون رد وتأويل وتشبيه وتمثيل له بالمخلوقين.

وما أشكل من ذلك؛ ركزوا في هذه الكلمة اللي ذكرها في لمعة الاعتقاد، وما أشكل من ذلك وجب أي ما أشكل علينا من نصوص الصفات ولم نعرف معناه، وجب إثباته لفظاً أي كلفظ وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله، اتباعاً لطريقة الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين.

الآن ايش رأيكم أنتم بسماعكم لهذا النص وهو بين أيديكم الآن في اللمعة؟ ماذا تشعرون أن ابن قدامة يميل إلى أي منهج؟ في الحقيقة وصفي لهذا النص أن هذا من النصوص التي تجعل ابن قدامة مفوضاً جزئياً، مفوضاً جزئياً أنه واضح في هذا النص الاعتقاد أنه يقسم نصوص الصفات أن هناك نصوص صفات نحن نعلم معناها لا أشكال عندنا فيها، وهناك نصوص صفات مشكلة.

انظر ايش قال: وما أشكل من ذلك؛ يعني هناك نصوص صفات معناها مشكل، فما واجبنا تجاهها؟ قال: أن نثبتها لفظاً ونترك لمعناها ونفوض المعنى إلى الله، ونقول: هذه النصوص نعلمها الألفاظ لكن معناها لا نعلمه، فهذا يدل على أنه أو يرجح من يرى أن ابن قدامة مفوضاً جزئياً، فالاصل عنده الإثبات، لكن متى اشكل عليه لفظ صفة من الصفات فوضوا المعنى إلى الخالق فيما أشكل فقط وليس في كل باب الصفات.

وقال أيضاً ابن قدامة في لمعة الاعتقاد بعد أن سرد آيات الصفات معلقاً عليها: فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته، نؤمن به ولا نرده ولا نجحده ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله لا شبيه له ولا نظير.

وصفي لهذا النص ما هو؟ هذا النص قد يفهم منه البعض أن ابن قدامة يثبت المعاني الظاهرة لنصوص لقوله: ولا نتأوله، ايش قال في هذا النص؟ لما قلنا قبل قليل قرأنا: ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، فالبعض علمائنا ومشايخنا يقول: ابن قدامة على طريقة أهل السنة يثبت المعاني الظاهرة؛ لانه لما قال ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهرها، يعني في الحقيقة يفهمنا أنه يثبت المعنى الظاهر ولا يتأول بتأويل يخالف الظاهر.

هيك البعض فهم من نص ابن قدامة هنا، لكن في الواقع هذه العبارة لا تدل بشكل واضح على هذا الفهم، بل هو يريد أن يرد على منهج المؤولة الذين يصرفون النصوص عن ظاهرها إلى معان أخرى من دون قرينة تبرر ذلك، فيقول: أنا لا أؤول هذه النصوص ولا أصرفها عن معناها الظاهر، لكن ما هو المعنى الظاهر؟ هل أنت تعرفه يا ابن قدامة أم تفوضه إلى الله؟ يعني أيضاً في الحقيقة يعني في إجمال في هذا النص، لأنه هو قال ما قال: وأنا أثبت المعنى الظاهر، لا لا، هو قال: ولا نتأوله بتأويل يخالف الظاهر.

الآن استوى على العرش كما سردنا قبل قليل عنه، استوى على العرش، يقول ابن قدامة: لا يجوز لي أن أتأولها بما يخالف ظاهرها وأقول استوى بمعنى استولى، لا يجوز، فلا أتأولها بما يخالف، لكن هل أنت طيب تثبت المعنى الظاهر لها حقيقة؟ وخلاص فقط تنفي الكيفية والتمثيل.

أصلاً حتى المعنى الظاهر أنت متوقف فيه، هنا الإشكالية التي لم يتضح لنا مراد ابن قدامة، وإن كان أن يقول: يمكن أن نقول هذا النص يرجح ويتجه أنه قد يثبت المعاني الظاهرة في بعض الأحيان.

الآن هذا النص الأخير سامحوني أطلت عليكم، لكن النقول هنا مهمة جداً لنعلم كيف نوثق؛ لأنه إذا خرجت من هذه الدورة أنت بمنهجية صحيحة في التفكير العقدي أفلحت بإذن الله، لكن إذا بقي الإنسان يسمع من هنا ومن هنا من دون أن يكون منهجاً صحيحاً في التعامل مع الأئمة سيبقى إمعة فلان وفلان.

وحينما اعترض على ابن قدامة بأن طريقَتَك في الصفات هي التفويض فلماذا فسرت يا ابن قدامة صفة الكلام؟ الآن في الحقيقة هناك بعض الصفات فسرها ابن قدامة رحمة الله عليه، ذكر تفسيرها وأثبت منها مثلاً صفة الكلام ومنها أيضاً صفة العلو ومنها أيضاً صفة المعية كما ذكرنا قبل قليل. فالكلام فسره ابن قدامة بأن كلام الله بصوت وحرف.

ابن قدامة يقول: كلام الله كلام بصوت وحرف، هذا تفسير ابن قدامة رحمة الله عليه، يقص علينا أن هناك من يخالف ابن قدامة لكنه يعرض ابن قدامة فيقول لي ابن قدامة: يا ابن قدامة الست أنت على منهج المفوضة؟ طبعا هذا الكلام مني أنا أصوغ هذه القصة أن هي معنى ما سأنقله لكم، لابد أصوغها على شكل قصة، لا تفهموا من مرادي كما قلنا هناك شخص من المتكلمين يحاور ابن قدامة ويقول له: يا ابن قدامة أنا أعلم أنك مفوض لنصوص الصفات، فلماذا والمفوض ما معنى مفوض؟ أنك تثبت اللفظ وتتجه للمعنى وتفوض المعنى إلى الله وهذه منهجية أبي القدامة يجب أن تكون مضطردة عندك في نصوص الصفات، فكيف وجدناك تفسر صفة الكلام الإلهي وتقول إن كلام الله هو بصوت وحرف لا فسرت وأنت أصلاً منهجك التفويض؟ كيف حدث هذا؟

فابن قدامة ماذا يرد على هذا الذي يناقشه؟ يقول: إنما لا يجوز، هذا كلام ابن قدامة: إنما لا يجوز تفسير المتشابه الذي سكت السلف عن تفسيره، وليس كذلك صفة الكلام، فإنه صفة الكلام الإلهي فإنه من المعلوم بين الخلق؛ يعني كل واحد إذا سمع أن الله يتكلم وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء: 164]، يعلم ما معنى الكلام الإلهي بمعناه العام، فإنه من المعلوم بين الخلق، وقد فسره الكتاب والسنة.

ثانياً: ما زال ابن قدامة يكمل رده ويقول: إنما نحن فسرناه؛ أي فسرنا صفة الكلام بحمله على حقيقته؛ حملنا اللفظ على المعنى الحقيقي تفسيراً جاء به الكتاب والسنة، وهم؛ أي الأشاعرة ومن سار على نهجهم، فسروه بما لم يرد به كتاب ولا سنة ولا يوافق الحقيقة ولا يجوز نسبته إلى الله، حينما قالوا إن الكلام هو المعنى القائم في النفس، هذا التفسير ليس بصحيح.

الآن وصفي لهذا النص؛ الآن سأحلل ابن قدامة وهو يرد على هذا الشخص؛ وصفي لهذا النص يقول: هذا النص يميل إلى أن ابن قدامة هو مفوض تفويض جزئي أيضاً، فهو يقسم نصوص الصفات إلى كما قلنا واضحة معناها مفهوم، ومتشابهة لم يخض فيها السلف فيجب السكوت عنه تماماً، فهذا يدل على أن عنده تقسيماً ابن قدامياً لنصوص الصفات إلى نصوص واضحة ونصوص مشكلة، والمشكلة هي التي يجب أن نفوضها، والظاهرة نثبتها، لذلك نجد أنه أثبت بعض الصفات بمعانيها، كصفة الكلام والعلو.

الآن خلاص اكتفي بنقل النصوص ومن تعليقي عليها يتضح لنا أحبتي من خلال النقولات السابقة: أولاً، ماذا يتضح لنا أن ابن قدامة كان محارباً، أجد المحاربة لمنهج التأويل التحريف الذي كانت تسلكه الفرق الكلامية عموماً من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة، مشنعاً عليهم في ذلك.

لكن موقفه هو الشخصي من نصوص الصفات وفهمه لكلام السلف أنا في الحقيقة هذا في النهاية استنتاجي من جمعي لهذه النصوص، أرى أن موقف الشخص من نصوص الصفات ليس ظاهراً جلياً كما ينبغي، وفيه شيء من الاضطراب في إيراد وجهة نظره، وهذا سببه؛ هذا الاضطراب وتباين عبارات ابن قدامة في كتبه سبب اختلافاً بين أهل العلم في الحكم على شخصيته وعلى رأي ابن قدامة في باب الصفات العلا.

ففي الوقت الذي ذهبت فيه طائفة من أهل العلم إلى أن ابن قدامة كان مفوضاً في هذا الباب بناءً على النصوص التي تدل على ذلك وصرح بها نقلت لكم قبل قليل؛ إذاً هناك من يرى أن ابن قدامة مفوض، ذهبت طائفة أخرى من أهل العلم إلى أنه كان مثبتاً لنصوص الصفات.

إلى أنه كان مثبتا لها، وهؤلاء فهموا أن كلام ابن قدامة في نفي التفسير لنصوص الصفات إنما هو نفي لتفسير الكيفية، فهو يفوض الكيفية فقط ولا يفوض المعنى.

الذين يقولون إن ابن قدامة على طريقة أهل السنة والجماعة يثبتون المعاني الظاهرة لنصوص الصفات. كيف دون على تلك النصوص التي هي شبه صريحة في أن ابن قدامة مفوض؟ يجعلون ابن قدامة مفوضاً للكيفية وليس مفوضاً للمعنى، وهناك رأي ثالث يرى أن ابن قدامة مفوض تفويضاً جزئياً.

وأنا بينت ما هي النصوص التي تتجه بنا إلى أنه ابن قدامة تفويض كلي، وبينت ما هي النصوص التي طرحتها قبل قليل تتجه إلى أن ابن قدامة مفوض تفويض جزئي، يعني بعض الصفات يثبتها بظاهرها وبعض يفوضها، وما هي النصوص التي قد تشير إلى أنه ابن قدامة يسير على منهج أهل السنة والجماعة منهج الإثبات لمعاني نصوص الصفات على ظاهرها.

إذاً عموماً أقول: منهج ابن قدامة ليس واضحاً بكفاية، وفيه شيء من التقدم والتأخر، أو شيء من الاضطراب، لكن عموماً الذي يظهر لي بعد محاولة التوثيق والجمع لآراء ابن قدامة -والله تعالى أجل وأعلم- مع وجود كما قلت لكم، يعني أنا ما زلت أقول: حكمي لابن قدامة حكم ظني ليس حكماً قطعياً، وإنما من خلال الجمع والنظر أقول: إن ابن قدامة في تأصيله لباب الصفات كتأصيل يسير على طريقة المفوضة، هذا اجتهادي بعد جمع للنصوص ومحاولة السعي إلى جمعها والتوفيق بينها قدر الإمكان، أن ابن قدامة هناك نصوص شبه صريحة في أنه يسير على طريقة المفوضة كتأصيل، أما من حيث التطبيق والتنزيل على نصوص الصفات فإنه مفوض جزئي.

فهو يفوض بعض الصفات ويثبت بعض الصفات على ظاهرها كصفة الكلام والعلو ونحوها متى وجد وضوحاً في المعنى لا يمكن تجاهله.

أعيد خلاصة ما وصلت إليه، والعلم عند الله، دائماً أقول: والله تعالى جل وأعلم، ورحم الله ابن قدامة هذا الإمام الفذ، لكن أنا أتعامل بمنهج علمي الآن من خلال الجمع، أرى أن ابن قدامة في التأصيل لمنهجه في باب الصفات العلا وهو -يعني كما قلنا- هو ليس فقط يتبناه، هو ينسب فهمه ومنهجه إلى السلف الصالح، هو في الحقيقة يسير على طريقة المفوضة عموماً، ولكنه من حيث التطبيق العملي لما نأتي ننظر كيف طبق منهجه على نصوص الصفات نلاحظ أنه لا، في بعض نصوص الصفات أثبت لها معانيها كصفة الكلام اللي ذكرناها نص قبل قليل فيها، وصفة العلو، وصفة المعية، فأجد من حيث التطبيق مفوض جزئي، ومن حيث التأصيل مفوض كلي والله تعالى أعلم.

إذاً، ابن قدامة سلك هذا المسلك، والله تعالى أعلم، إنه يؤصل على طريقة المفوضة ويطبق تفويضاً جزئياً أحياناً؛ لأنه ما الذي يجعله أحياناً في التطبيق يخالف منهجه التأصيلي؟ أنه يجد بعض النصوص لا يمكن أن أفوضها، واضحة معانيها: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]. كيف تفوض هذا النص وتقول: لا أعلم معناه وأفوض معناه إلى الله؟ غير مقبول.

معناه الله عز وجل أتانا بمئات النصوص في كتابه لا يعلم معناها وإنما هي مجرد ألفاظ! طب لماذا أتى بها إذا كنا لن نعرف معناها؟ الآن المفوضة يقولون: أتانا بها ليختبرنا، هل سنقرر لها معاني، أم أننا نفوض معانيها إلى الله؟ وهل هذا التعليل مقبول أحبتي مقنع؟ يعني إذا سألت مفوضاً: نصوص الصفات التي نحن لا نعلم معناها ونؤمن بها بمجرد ألفاظ، لماذا أتى الله بها في كتابه إذا كانت مجرد ألفاظ نحن ما نعرف أي شيء عنها؟ وكلم الله -مش عارفين ايش معنى- وكلم الله موسى تكليماً، إذا ما فائدة هذا النص؟ يقولون: فائدة هذا النص أراد الله أن يختبرنا، لينظر من منا سيذهب إلى تقرير المعاني ومن منا سيذهب إلى التفويض، وهذا ابتلاء واختبار لكم.

أقول أحبتي: هذا تعليل فارغ؛ لأن هذه النصوص جاءت هداية وللبيان، دائماً أكرر هذه القضية أنها قضية جوهرية في الرد على المتكلمين، لا تتعامل مع القرآن على أنه كتاب ألغاز، لا تتعامل مع القرآن على أنه يعني أفخاخ وحجج وأمور يجب أن نقفز عنها، القرآن ربنا أخبرنا أنه كتاب تبيان لكل شيء، كتاب هدى للمتقين، كتاب أحكمت آياته ثم فصلت، نعم الله أخبرنا أنه في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.

لكن ما معنى التشابه؟ ما معنى التشابه؟ هل معنى التشابه أن هناك نصوص متشابهة؟ هل معنى التشابه أن هناك نصوص لا نعرف معناها؟ ليس هذا هو التشابه الذي أخبرنا الله عز وجل عنه، ليس معنى التشابه أن هناك نصوص في القرآن وآيات لا نعرف معناها، طبعا الحروف المقطعة لها على جنب، لكن بشكل عام أن تقول: مئات نصوص الصفات من المتشابه، ومعنى المتشابه أننا لا نعرف شيئاً من معناها، هذا ليس بصحيح، المتشابهات هي النصوص التي نعلم معناها، لكننا نجهل حقائقها في الخارج، فتحاول بعض العقول المتعبة أن تخوض في معانيها في الخارج، يعني كيفيتها وهيئتها وحقائقها في الخارج، والله عز وجل يقول: لا تخض في حقائقها في الخارج؛ لأنك لن تدرك ذلك، وإنما قف عند المعاني الظاهرة، ورد هذه المعاني الظاهرة إلى المحكمات: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] هذا محكم، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4] هذه نصوص محكمات.

الآن لما تأتي آيات الصفات، آيات الصفات في الحقيقة ليست من المتشابه أصالة، يعني حتى أريحكم، لكن من جعلها من المتشابه وقال: هي متشابه باعتبار حقائقها في الخارج ولوازمها وكيفية اتصاف الله بها من المتشابه، أقول: ما عندي مشكلة في هذا الفهم؛ في النهاية سيبقى اجتهاد شخصي، لكن أن تقول: إن المتشابهات هي آيات لا نعرف معناها أبدا، وأنزلها الله عز وجل فقط لنؤمن بألفاظها، فليس هذا معنى المتشابه في القرآن الكريم.

المتشابهات كما قلنا: آيات نعلم معناها، لكن كما قلنا يشكل معناها علينا، قد يشكل معناها علينا، لها معنى ونفهم، لكن قد يشكل معناها علينا، فنفهم معناها من خلال ردها إلى المحكمات، فكما قلنا لما تسمع مثلاً قوله تعالى: الذين يرون مثلاً آيات صفات متشابهات لو قالوا مثلاً الله عز وجل يقول: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]، كلام الله سبحانه وتعالى هل يشبه كلام البشر؟ كلا، كيف عرفت ذلك؟ أرد الآية هاي إلى المحكم: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]، فحتى لو جعلت، لو جعلت -وأنا لا أوافق على هذا، لكن لو جعل بعضهم نصوص الصفات من المتشابهات- فهذا لا يعني أنها من المتشابهات يعني لا يعرف معناها، بل يعرف معناها، لكن حتى تعرف ما هي منهجية التعامل مع هذا المعنى، أنك تقف عند حدود المعنى ولا تجاوزه إلى الكيف، رد هذه نصوص إلى المحكمات الواضحة البينة في حق الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11].

فهذه قضية مهمة جداً، ولعلنا نقف وقفة أخرى مفصلة مع يعني أنه ابن قدامة استدل بهذه الآية آيات المحكمات والمتشابهات وحاول أن يوظفها ليدلل على منهجه، ساقف معها إن شاء الله في محاضرة قادمة بإذن الله بالتفصيل.

لكن هنا أنا بينت ما فهمته وما أقتنع وأعتقد شخصياً أنه منهج ابن قدامة رحمة الله تعالى عليه. رابعاً ماذا أقول؟ ما طب يعني أنت يا شيخ إذا تقول ابن قدامة أخطأ في فهم كلام السلف؟ أقول: نعم، هذا ما أعتقده، ابن قدامة منهجه سني، أي يأتي إلى كلام السلف ولا يأتي بالأدلة العقلية المتكلفة، لكن ماذا حدث معه؟ أنه اخذ كلام السلف وبدأ ينظر فيه ففهذه الطريقة التي فهم فيها كلام السلف طريقة خاطئة، ويمكن للإنسان أن يفهم الكلام بشكل خاطئ هذا أمر واقع.

لكن السؤال يا شيخ ما هو السبب؟ يعني إمام كابن قدامة ليس من السهل أن تقول إن ابن قدامة أخطأ في فهم لمنهج السلف الصالح في باب الصفات، ما هو سبب الخطأ؟ يعني ليس من السهل أن نقول، فما هو سبب خطأ ابن قدامة؟ فأقول: وهذا أيضاً من الاجتهاد، أقول: السبب في خطأ ابن قدامة يكمن -والله تعالى أعلم- انتبهوا ما هو السبب؟ في وجود بعض العبارات المجملة في كلام السلف، والتي قد يفهم من ظاهرها، قد يفهم أو قد يفهم البعض من ظاهرها تفويض، وأن هذا هو منهج السلف إذا لم يقم بردها إلى النصوص المحكمة المفصلة المنقولة عنهم.

أعيد: السبب في خطأ ابن قدامة في الفهم ما هو؟ وجود بعض العبارات المجملة في كلام السلف، والتي قد يفهم من ظاهرها التفويض إذا لم يتم ردها إلى النصوص المحكمة المفصلة الواضحة عن السلف في هذا الباب.

فإذا كان القرآن الكريم أحبتي وهو كلام الله، وأخبرنا الله عز وجل أن فيه محكماً وفيه متشابهاً، وامرنا الله أن نرد المتشابه إلى المحكم لنصل إلى الدعم إلى الجمع الصحيح وإلى الفهم الصحيح للمتشابه والمحكم، مع علمنا بأن وقع المتشابه في كلام الرب، أو مع علمنا بأن وقوع المتشابه في كلام الرب لم يكن عياً ولا عجزاً منه سبحانه، بل كان اختباراً وامتحاناً منه للخلق لينظر في منهجهم في التعامل مع كتابه: هل سيسلكون التحريف؟ هل سيسلكون التفويض؟ أم يثبتون هذه المعاني مع الجمع بينها وبين المحكمات؟ فكيف هو الحال في كلام الأئمة من السلف الذين قد ينطقون بالمجملات أحياناً ليس من باب الاختبار أو من باب الامتحان، بل من باب السهو أو الغفلة؟ فالطريق العلمي إذن إذا اردنا معرفة نهجهم أن نجمع كلامهم ونرد متشابهه إلى محكمه لتكتمل الصورة.

يعني ابن قدامة رحمة الله عليه كما قلنا، تعامل مع نصوص فيها شيء من الإجمال نقلت عن السلف الصالح، هذه النصوص المجملة قد يفهم منها البعض التفويض إذا لم يقم بردها بشكل صحيح وسليم إلى النصوص المحكمة المفصلة؛ لأن كلام السلف احتمال وارد في النهاية بشر، وقد يكون الشخص منهم كأحمد بن حنبل، أو مالك، أو الشافعي، أو سفيان، قد يعبر بتعبير يريد به معنى معيناً لكن العبارة لا تسعفه تماماً فتأتي عبارة مجملة، الآن من يقف عند هذا الإجمال ويأخذ منه منهج السلف سيخطئ.

إذا اردت تعرف منهج السلف لا تقف عند المجملات والعبارات العمومية العموميات، بل عليك أن تذهب للتفاصيل الدقيقة، وتأخذ كل نص وكل محكم وكل مفصل، ثم تجمع كل البضاعة التي عندك وتحاول أن توازن بينها ستعرف ما هو منهج السلف الصالح بإذن الله في هذا الباب.

إذاً فالطريق العلمي إذا اردنا معرفة منهج السلف الصالح أن نجمع الكلام المفصل والمجمل ونرد المتشابه إلى المحكم لتكتمل الصورة.

فابن قدامة باختصار وأختم بهذه القضية، لم يحرر طريقة السلف الصالح في هذا الباب تحريراً جيداً، ولا نملك معلومة دقيقة عن السبب الكامن خلف عدم تحريره لهذا التحرير وهو الإمام الكبير، هل تأثر ابن قدامة بشيخ من شيوخ ممكن؟ هل تأثر بضغط بيئة معينة نشأ فيها؟ ممكن. هل لأن ابن قدامة كان يعيش في صراع بين طائفتين: طائفتان في باب الإثبات، وطائفة تغلو في باب التأويل، فأراد ابن قدامة أن يأخذ منهجا وسطا في رأيه أن هذا هو المنهج الوسط وهو التفويض؟ الله تعالى أعلم، لا استطيع أن أحدد بالضبط لماذا ابن قدامة لم يحرر؟

أعطيت سبباً عاماً للخطأ، وهو أنه وقف مع المجملات المنقولة عنهم، ولم يتعامل بمنهجية رد المتشابه إلى المحكم ومنهجية رد المجمل إلى المفصل، لكن ما سبب هذا الأمر؟ لماذا ابن قدامة لم يسلك هذا المسلك؟ هل عدم وفرة نصوص بين يديه، ضغط بيئة عليه، وجود شخصيات متناقضة تعامل معها، تأثير أحد شيوخه، وأسباب متعددة. الله تعالى أعلم، لكن أنا فقط أفتح لك الذهن، والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب.

لكن عموماً أو يعني أختصر الكلام هنا وأقول: ابن قدامة ليست مشكلته في كل أبواب الاعتقاد، كلا ابن قدامة كما قلنا مشكلة تتعلق في جزئية في باب الصفات، يعني ما عنده مشكلة في غير توحيد الألوهيّة ولا الربوبية ولا في باب القضاء والقدر ولا في باب اليوم الآخر، الحمد لله هو يسير على طريقة أهل السنة، ولا في باب الإيمان، يسير على طريقة أهل السنة والجماعة، عنده مشكلة وقعت فقط في باب الصفات، عنده مشكلة وقعت في باب الصفات في الجملة، هنا مشكلته.

وطريقته في الاستدلال عموماً هي طريقة السلف الصالح، يعني الاعتماد على الكتاب والسنة والإجماع والأدلة العقلية الواضحة، فلأنه يعتمد المنهج السني في البناء العقدي، ولانه أخطأ خطأ في باب واحد وليس في كل الأبواب، نرى أن علماء أهل السنة والجماعة دون ابن قدامة من الأئمة في باب أهل السنة والجماعة، ولا يخرجونه من دائرة أهل السنة والجماعة نتيجة هذا الخطأ؛ لأنه أهم شيء عندنا أنك تسلك مسلك أهل السنة في البناء العقدي، مرجعك للكتاب والسنة، لا تحاكم النصوص إلى عقلك.

ابن قدامة إذاً لم يسلك مسلك المتكلمين، ورفضه حذر منه، واعتمد على الكتاب والسنة وكلام السلف، لكنه أخطأ الفهم فقط، هذه مشكلته، مشكلته أنه أخطأ الفهم، وليست مشكلته أنه اعتمد مناهج المتكلمين والطرق العقلية الفلسفية الإغريقية، كلا هو اتبع المنهج السني في البناء العقدي، لكن سبحان الله أخطأ في فهم كلام السلف الصالح، ولم يوفق إلى الجمع بين.

تلك النصوص الواردة عنهم، فسلك مسلك التفويض كتأسيس، وفي التطبيق كما قلنا كان مفوضاً جزئياً. هذا اجتهادي وتحليلي لكلام ابن قدامة، أسأل الله العظيم أن يرحم هذا الإامام العظيم، وأن يجزيه عنا خير الجزاء. مثل هذا الخطأ حتى لو في النهاية، كما قلت أولاً، هذا اجتهادي وفهمي لكلامه.

ثانياً، إذا كان كلامي صحيحاً بالضبط، فهذا لا يحط من قدر هذا الإمام العظيم، سيبقى إماماً من أائمة أهل السنة والجماعة. وكلنا يخطئ، الخطأ وارد علينا جميعاً، لا يوجد شخص معصوم، لكن علينا بشكل عام أن نتبع منهجاً علمياً حتى دائماً نكون في تحريرنا، في بحثنا، في إسنادنا للأقوال، حتى لا يكون هناك مدخل على منهجيتنا العلمية.

أن يأتيك شخص غدا يقول: أنت تقول منهج أهل السنة والجماعة وتشرح كلام ابن قدامة، وابن قدامة مفوض، فهل أنت فعلاً ترى ابن قدامة مفوضاً من أهل السنة؟ أنا بشكل عام ما عندي أي مشكلة في طرح يثبت لي أن هذا الشيخ على طريقة معينة أو طريقة أخرى. فهدفنا دائماً الوصول إلى الحق أحبتي، مهما كان ومع أي شخص كان.

اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، طريقك نحو علم شرعي راسخ.