غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح لمعة الاعتقاد للشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمد سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح لمعة الاعتقاد للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الصالحي رحمة الله تعالى عليه.
وقد ذكرنا في المحاضرة السابقة المنهج الذي اتبعه ابن قدامة رحمة الله تعالى عليه في باب الصفات، وذكرنا ما ترجح لدينا بعد أن سعينا لتطبيق التوثيق العقدي على نصوص وكلام ابن قدامة رحمة الله تعالى عليه في جل مصنفاته التي بين أيدينا، وتوصلنا فيما ظهر لنا والله تعالى أعلم أن ابن قدامة المقدسي كان في تأصيله لباب الصفات يسير على طريقة المفوضة.
وأما في تنزيله وتطبيقه على النصوص الجزئية فانه كان مفوضاً جزئياً، أحياناً فعلاً يفوض وأحياناً يجنح إلى إثبات المعاني، وهذا بحسب وضوح النص أو عدم وضوحه في نظر ابن قدامة رحمة الله عليه.
وذكرت أو في ختام المحاضرة السابقة أشرت إلى السبب الذي أوقع ابن قدامة رحمة الله عليه في هذا الخطأ، يعني لماذا ابن قدامة رحمة الله عليه أخطأ في ظننا فذهب إلى مسلك التفويض ولم يتبع طريقة أهل السنة والجماعة في إثبات معاني نصوص الصفات مع تفويض الكيفية فقط؟
لماذا لم يتبع هذا المنهج وسلك مسلك التفويض العام؛ التفويض للمعنى وللكيف عموماً؟
ذكرت أن أبرز الأسباب هي أن ابن قدامة رحمة الله عليه حينما نقل نصوص السلف الصالح تعامل مع نصوص السلف مجملة، تعامل مع نصوص مجملة للسلف الصالح قد يفهم منها البعض التفويض إذا لم يقم بردها إلى النصوص المفصلة المحكمة المنقولة عنهم رحمة الله تعالى عليهم.
فابن قدامة كما فعل في ذم التأويل وفي تحريم النظر في كتب الكلام وحتى في لمعة الاعتقاد ساق بعض النصوص، هذه النصوص من نظر إليها هكذا للوهلة الأولى وحدها من دون أن يكون هناك استقراء تام لربما يخطئ ويظن أن السلف منهجهم في نصوص الصفات تفويض المعاني وتفويض الكيفية، يعني التفويض في المعنى وفي الكيف جميعاً.
وتوقفنا ما هو السبب الذي أوقع ابن قدامة رحمة الله عليه في هذا الخطأ؟
يعني ابن قدامة لماذا لم يرد هذه النصوص المجملة التي نقلها عن السلف إلى النصوص المفصلة المحكمة؟
ما هي العوامل التي أثرت في عقليته؟
هل هي عوامل البيئة، عوامل الشيوخ، ضغط الواقع، وجود تيارات متباينة في الساحة؛ تيار يجنح إلى التأويل والتعطيل وتيار يجنح إلى زيادة في الإثبات فأراد أن يسلك المنهج الوسط؟
الله تعالى أعلم، ولكن خلاصة ما وصلنا إليه إلى الآن هو أن ابن قدامة رحمة الله عليه لم يحرر كلام السلف الصالح في باب الصفات تحريراً جيداً، وفهم منهجهم بشكل خاطئ، مما أفراز وانتج بعد ذلك أنه تعامل مع نصوص الصفات في كثير من الأحيان بمنهجية مباينة لطريقة أهل السنة والجماعة.
اليوم أحبتي كما وعدتكم سانقل لكم بعض النصوص المجملة الواردة عن السلف الصالح في باب الصفات، ونتعلم معاً كيف نتعامل مع هذه النصوص المجملة؟ وكيف نردها إلى النصوص المفصلة المحكمة؟
حتى تتضح لدينا الصورة، نحن الآن نتعلم ونتدارس معاً كيف نقرأ الاعتقاد؟ كيف نتعامل مع النصوص؟
لان باب الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة يقوم جزء كبير منه على النقل عن السلف الصالح، فكيف أقرأ كلام السلف الصالح؟ كيف أفهمه؟ كيف أطبق التوثيق العقدي؟ كيف أجمع الكلام؟ كيف أرد المتشابه إلى المحكم؟
هذا أمر مهم جداً جداً أحبتي لبناء عقل طالب العلم.
كثير ممن يدرسون مسائل الاعتقاد يكون تركيزهم فقط على إعطاء النتيجة النهائية مباشرة من دون أن يمتلك الطالب مفاتيح التفكير العقدي، وأظن هذا الأمر يجب أن ينظر فيه لأننا نرى هناك ضعف عام في طلبة العلم الذين يسلكون منهج أهل السنة والجماعة في باب الاعتقاد، ضعف عام في طريقة التفكير، ضعف في الرد على الشبهات.
والسبب في ذلك كما قلنا أنهم يحفظون كلام أهل السنة حفظاً ويأخذون الكلام من المتأخرين من دون أن يكون لديهم منهجية واضحة محكمة في التعامل مع النصوص ومعرفة أوجه الجمع بينها، وكيف يعمل طالب العلم عقله حينما ترد عليه النصوص وحينما ترد عليه الشبهات والشكاليات.
فلذلك نحن سنسعى إن شاء الله ما استطعنا في هذه الدورة أن نتعلم كيف نتعامل، كيف نحلل، كيف نفكر حتى يكون لدينا طالب علم عاقل، طالب علم مفكر عنده قدرة على التحليل على التعامل مع النصوص، ليس مجرد طالب علم يحفظ من دون إدراك أو وعي.
فكما قلنا الآن أذكر لكم بعض النصوص المجملة للسلف الصالح في باب الصفات وأريكم كيف نتعامل مع هذه النصوص ونردها إلى المحكمات.
أول نص أتعامل معه أحبتي رواية حنبل بن إسحاق تلميذ الإمام أحمد بن حنبل، حنبل بن إسحاق نقل عن أحمد بن حنبل رواية، هذه الرواية اعتمدها ابن قدامة وجعلها أصل ومنطلق في تفكيره العقدي في باب الصفات.
رواية حنبل التي سانقلها الآن ابن قدامة أعتبرها أصل في تفكيره العقدي في باب الصفات، هذه الرواية فيها بعض الألفاظ المجملة هي التي سببت أو كانت من أبرز الأمور التي سببت خطأ ابن قدامة في فهم منهج السلف الصالح في باب الصفات.
ما هي رواية حنبل؟
ننظر، روى حنبل عن الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة أنه قال في نصوص الصفات؛ إيش قال أحمد بن حنبل؟
هكذا الرواية التي نقلها حنبل، يقول حنبل: الإمام أحمد بن حنبل قال في نصوص الصفات -طبعا أنا هنا اقتطعت النص الذي أريد اللي فيه الإجمال-: نؤمن بهذه الأحاديث -أي أحاديث الصفات- ونقرها ونمرها كما جاءت بلا كيف ولا معنى.
أعيد النص الذي سأتحلله الآن: نؤمن بهذه الأحاديث -أي أحاديث الصفات- ونقرها ونمرها كما جاءت بلا كيف ولا معنى.
الإشكالية في هذا النص أين؟ هي الإجمال أين هو؟ في قوله: بلا معنى، الكلمة الأخيرة لا كيف ولا معنى.
الآن بلا كيف هذا الكل متفق عليه أننا لا نكيف صفات الله، وإنما قال ففي ذلك المشبهة، لكن الإشكالية في هذا النص قول أحمد بن حنبل ولا معنى.
ابن قدامة ماذا فهم من قول أحمد بن حنبل ولا معنى؟
أن نصوص الصفات والأحاديث التي تثبت الصفات لله نتعامل معها بمجرد الألفاظ ولا نثبت لها معاني، وإنما نقول لها معاني يعلمها الله سبحانه، أما نحن البشر لا نعلم معاني هذه النصوص.
هكذا ابن قدامة رحمة الله عليه فيما يظهر لنا فهم هذا الكلام لأحمد بن حنبل: بلا كيف ولا معنى؟
أه لا معنى، إذا لا معنى لنصوص صفاتي نعلمه نحن البشر، وإنما الذي يعلم معنى نصوص الصفات هو الله سبحانه وتعالى.
هكذا فهم ابن قدامة، دعونا ننظر هل هذا الفهم صحيح؟ وما هو الخطأ في هذه الطريقة في التعامل مع النص؟
أقول هذه النص وهذا النص من المتشابهات عن أحمد بن حنبل إذ قد يفهم منه أننا نجهل معاني نصوص الصفات كما أننا نجهل كيفية اتصاف الرب بها، لأن أحمد قال لا كيف ولا معنى قرن بين الإثنين.
فنقول معالجة هذا النص أولاً؛ نعالج هذا النص من جهة الإسناد، لابد نتأكد ابتداءً هل أحمد بن حنبل فعلاً قال هذا النص أم هذا النص لم يثبت عنه؟
إذاً دعونا نعالج هذا النص أولاً من جهة الإسناد، فنقول هذه الرواية انفرد بها حنبل بن إسحاق عن الإمام أحمد ولم ينقلها سائر أصحاب الإمام عنه.
إذاً انفرد بها من؟ حنبل بن إسحاق، وقد تكلم علماء المذهب عن نكارة تفرداته وشذوذها، علماء الحنابلة من القدم تكلموا في حنبل بن إسحاق بالتحديد.
حنبل بن إسحاق مشكلة أحبتي أنه إذا نقل عن الإمام أحمد بن حنبل وتفرد بالنقل فكثيراً ما يغرب ويشذ ويأتي بكلام يستغربه اتباع الإمام أحمد بن حنبل، حنبل بن إسحاق إذاً فيه مشكلة أنه يأتي بعبارات منكرة وشذوذات ويتفرد عن سائر أصحاب الإمام أحمد بروايات غريبة، وقد أخطأ حنبل بن إسحاق في كثير من المواطن على الإمام أحمد بن حنبل سواء في مسائل الاعتقاد أو حتى مسائل الفقه.
يعني خطأ حنبل في نقله عن الإمام أحمد ليس فقط في مسائل الاعتقاد بل حتى في مسائل الفقه، تفردات حنبل مشكلة وغريبة ولا تكون معتمدة عند الحنابلة عادة.
يقول ابن القيم الجوزي رحمة الله عليه عن حنبل بن إسحاق: وهو كثير المفاريد المخالفة للمشهور من مذهبه، أي حنبل كثير المفاريد له تفردات مخالفة للمشهور من كلام الإمام أحمد بن حنبل ومذهبه.
وإذا تفرد حنبل بما خالف المشهور عن الإمام فالإمام الخلال -وهو من أشهر المتقدمين من الحنابلة- وصاحبه عبد العزيز الملقب بغلام خلال، هذان الرجلان لا نثبت تفردات حنبل رواية في المذهب، حتى في الفقه إذا حنبل تفرد برواية مسألة فقهية فالخلال وغلام الخلال وهم من هم في المذهب يقولون: لا نثبت رواية حنبل عن الإمام برواية في المذهب، لأنه هذا الرجل عنده إشكالية.
أيضاً الحافظ ابن رجب الحنبلي يقول: وكان أبو بكر الخلال وصاحبه عبد العزيز لا يثبتان ما تفرد به حنبل عن الإمام رواية في المذهب.
ويقول الإمام الذهبي رحمة الله عليه عن حنبل: له مسائل كثيرة عن أحمد، ويتفرد ويغرب، يعني يأتي بالغريب عن الإمام أحمد.
فيتلخص أحبتي من هذا أن حنبل بن إسحاق هذا الرجل رحمه الله ليس ممن يعتمد عليه في الرواية والنقل عن الإمام أحمد خاصة إذا تفرد، يعني إذا أتى بكلام نسبه إلى أحمد ولم نجد هذا الكلام منقولاً عن أحمد إلا عن طريق حنبل فهذه الرواية عليها علامات استفهام كبيرة وعريضة وليست مما يعتمد عليها في بيان منهج أحمد بن أحمد.
إذاً فيتلخص من هذا أن حنبل ليس ممن يعتمد عليه في الرواية والنقل عن الإمام أحمد إذا تفرد، فتفرده بهذه الرواية عن سائر أصحاب الإمام مع وجود ما يردها من النصوص الأخرى المنقولة عن الإمام يجعلها في محل نظر.
الآن هذه الرواية العقدية التي قرأناها ابتداءً أن أحمد قال: نؤمن بهذه الأحاديث ونقرها ونمرها كما جاءت بلا كيف ولا معنى، هذا لم يرد عن أصحاب الإمام أحمد إلا عن طريق حنبل، هو الوحيد الذي تفرد بنقله، فهذا النص بحد ذاته إذاً هو محل نظر عندنا في ثبوته عن الإمام خاصة كما قلنا أنه يتعارض -يمكن أن يتعارض حتى لأني الآن سأبين أنه حتى لو أثبتنا لا يتعارض-، لكن أقول يمكن أن يتعارض في عقول بعض الناس مع النصوص الأخرى للإمام أحمد بن حنبل التي ينص فيها على إثبات معاني الصفات على طريقة أهل السنة والجماعة.
إذاً هذا معالجة هذا النص من جهة السند.
دعوني الآن نعالج هذا النص من جهة المعنى، على فرض أن هذه الرواية ثابتة عن الإمام أحمد بن حنبل، على هذا الفرض تنزلاً أن هذه الرواية ثابتة، فكيف نعالج النص؟ وهل يمكن أن يفهم النص أصالة بشكل صحيح لا يتعارض مع الروايات الأخرى للإمام أحمد، هل يمكن؟ نعم يمكن ذلك.
فاقول الآن انتقل ثانياً معالجة هذا النص من جهة المتن.
معالجة هذه الرواية من جهة المتن بعد التسليم بثبوتها عن الإمام يكون من جهتين، سأعالج النص المتن من جهتين.
الجهة الأولى أ: محاولة تفسيرها وشرحها، سأبدأ بهذا النوع من المعالجة؛ محاولة تفسير هذه العبارة ماذا يقصد أحمد بن حنبل بقوله: نمرها كما جاءت بلا كيف ولا معنى؟
ماذا يقصد بنفي المعنى؟ دعونا نحاول أن نفسرها بالشكل الصحيح.
في هذه الحالة وفي المرحلة الأولى سأحاول تقديم أقرب تصور لفهم هذه العبارة عن الإمام أحمد من خلال النظر في روايات الإمام الأخرى وسياق هذه النصوص عموماً عند السلف الصالح.
فاقول: نصوص الصفات -ركزوا معاي الموضوع يحتاج إلى شيء من الفهم والتركيز- أقول مستعيناً بالله: نصوص الصفات كانت معلومة المعاني في ذهن الصحابة الكرام والسلف الصالح قبل ظهور الفرق الكلامية، قبل أن تأتي الفرق الكلامية وتطرح العقائد بالقوالب الفلسفية.
نصوص الصفات معلومة المعاني عند الصحابة والسلف الصالح تماماً، ولم يحتاج إلى تفسيرها، ما أحتاج الصحابة ولا التابعون إلى أن يفسروا نصوص الصفات فيقولوا معنى محبة الله كذا وكذا، ومعنى غضب الله كذا وكذا، ومعنى كذا وكذا.
لماذا؟
لأنها معاني معلومة في الأذهان، وأنت إنما تعرف المصطلحات والألفاظ الغامضة، يعني التعريف والشرح يكون لماذا أحبتي؟ للأشياء الغامضة، للمصطلحات غير المفهومة، هي التي تحتاج إلى تعاريف وحدود ورسوم.
أما الألفاظ ظاهرة المعاني التي يشترك العقلاء جميعاً في إدراكها، هذه لا تحتاج إلى تعريف ولا إلى شرح ولا تفسير، واضحة.
الصحابة كلهم يعلمون ما معنى ﴿يُحِبُّجُلُّكُمْ﴾ والكل يعلم ما معنى استوى على عرشه، والكل يعلم ما معنى سخط الله وغضب الله إلى غير ذلك، والكل يعلم ما معنى نزول الله سبحانه، لكن كما قلنا يثبتون المعاني ويقولون الله تعالى أعلم بكيفية اتصافه بها، إذاً ولم تحتاج إلى تفسير سوى نصوص قليلة جداً جداً كان سياقها محتملاً.
ففسرها بعض الصحابة على ما فهمه، كما ينقلان عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: 42] أنه فسر الساق هنا في هذا النص بالشدة، ورأى أن النص محتمل لهذا المعنى. وهذا نادر، يعني فقط نص نصين، ليس الأمر في مئات النصوص من الصفات نص نصين لا يجعل هذا منهجا عاما.
ولأن السلف الصالح كانوا يعقلون أن اتصاف الرب سبحانه بهذه المعاني ليس كاتصافنا بها نحن؛ لأنه قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، فقد كرهوا -هنا ركزوا- كرهوا؛ لأنهم يعلمون أن اتصاف الخالق بهذه الصفات ليس كاتصاف المخلوق، لذلك كرهوا الخوض في شرح هذه النصوص وبيان معانيها بما أن المعنى واضح. لماذا أخوض في شرحها وبسطها؟ كرهوا، قالوا كما قال مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. لا نريد أن نخوض في تفسير الواضحات.
لماذا لا نخوض في تفسير الواضحات؟ دعوني أككمل حتى نتعرف اه فقد كرهوا الخوض في شرحها وبيان معانيها. وحينما كان يطلب منهم ذلك -حينما كان يطلب منهم ذلك أي من السلف الصالح- حينما كان يأتي البعض يطلبون منهم شرح معاني نصوص الصفات، ماذا يكون الجواب من السلف الصالح لهم؟ يقولون: قراءتها تفسيرها، نقطة. أي أن هذه النصوص تشرح نفسها بنفسها، وتفسر نفسها بنفسها من دون الحاجة إلى شرحها، وهذا ما ستقرءونه كثيرا في كلام السلف الصالح، يقول: نصوص الصفات قراءتها تفسيرها.
ماذا يعني قراءتها تفسيرها؟ أن هذه النصوص تفسر بنفسها هي بذاتها تخبرك عن معانيها، فلا تجبرني أن آتي بتفاسير وتعاريف وحدود على طريقة الأرسيين إلى غير ذلك من الكلام الذي لا ينسجم أصالة مع التفكير والمنطق السليم. الشيء الواضح لا أحتاج إلى تعريفه، يعني أحبتي لو قلت: عرفوا الماء، هل ستفول يا شيخ ما في داعي أن تعرف الماء؟ الماء معروف، الكل يشرب الماء ويتعامل معه في حياته اليومية بشتى أنواع التعامل، فالدخول في تعريف الماء نوع من التكلف والتعسف والتقعر في العبارة لا حاجة له، لماذا؟ لأن معنى الماء واضح.
هذه الفكرة، السماء لو قال لك شخص: عرف السماء، أقول: ما في داعي أن تعرف السماء؛ لأن السماء شيء يشاهده الجميع، والكل يعرف. لو وجدنا شخص ما شاهد السماء في حياته اه نعم، هذا الشخص احتاج إلى أن أخبره تقريبا تقريبا أن السماء هو عبارة عن قبة فوق الأرض إلى آخره، لكن كل من يشاهد السماء لا حاجة إلى أن نعرف له الواضحات؛ لأن تعريف الواضحات من المشكلات، وكثير من المتشدقين والمتكلفين ومن المطبعين يأتون إلى أمور واضحة يسعون لتعريفها، فحينما يعرفونها يسببون فيها أبهاما.
يعني هو كان واضح قبل، لما عرفوه زاد أبهاما، كما يقول البعض في تعريف الماء: جوهر سيال يسير بتتابع، تجد أن التعريف أغمض من المصطلح، الماء قبل أن يعرف أوضح من الماء بعد أن يعرف. فإذا، كما قلنا السلف كانوا يقولون: قراءتها تفسيرها، أي أن هذه النصوص تشرح نفسها بنفسها، وتفسر نفسها بنفسها من دون الحاجة إلى شرحها.
وببعضهم يقول كما قال مالك بن انس: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. يعني الاستواء نحن نعلمه في عقولنا، لا أحد يقول لي: أنا ما بعرف معنى كلمة استويت، الكل يعرف، لذلك أحبتي في ذهنه ولا تحاول أن تتنطع وأن تجبر خصمك: لا لا أنا ما بعرف الاستواء، لا يوجد شخص منا لا يعرف ما هو الاستواء، نقول: استوى على كرسيه، استوى فلان على كذا، استوى فلان على الطاولة، الاستواء معلوم في أذهاننا، والكيف في حق الله مجهول أو غير معقول على رواية أخرى. ما حد يعقل كيف الله استوى؟ استواء يليق بجلاله، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وكأن مالكا كان يستشرف أن هناك بدعا قادمة على الأمة يخوضها المتكلمون، حيث يخوضون في أمور لا حاجة إلى الخوض فيها؛ لأنها مستقرة معلومة في الأذهان إلى يومنا هذا. يعني تعالوا إلى العوام في يومنا هذا، واسألوهم عن معاني نصوص الصفات، ستجدونهم على الفطر النقية، يعلمونها في أذهانهم، ويكيفونها، وينفون عنها التكييف في عقولهم عن الله سبحانه وتعالى.
تمام، إذا وإنما كانوا -الان ساعلل- وإنما كانوا يتهيبون من شرح نصوص الصفات، ويعتبرون السؤال عن شرحها بدعة، كما صح عن مالك بن انس وغيره، خشيته -ونركزوا-. لماذا كانوا يهابون؟ أولا: لأن المعاني واضحة في الأذهان، هذا التفسير الذي ذكرته قبل قليل، معانيها واضحة وتوضيح الواضحات من المشكلات، هذا ضعوه رقم واحد.
ثانيا، وهذا أمر سأركز عليه الآن، لماذا كانوا لا يخوضون في شرحها؟ خشية أن يعبروا عن معاني نصوص الصفات بألفاظ لا تليق بالله سبحانه وتعالى. كانوا يهابون أن يخوضوا في شرح نصوص الصفات، فيأتون بألفاظ يعبرون بها عن هذه المعاني، هذه الألفاظ لا تليق بالله سبحانه وتعالى، لماذا طيب؟
نقول: فإن الإنسان إذا طلب منه بيان معنى كلمة وشرحها فإنه سيفسرها يطرحها بما يشاهده في العادة من آثارها ولوازمها في المخلوقين. فلو قلت لشخص: عرف لي الغضب، هو حتى يعرف لك الغضب سيبحث عن لوازم وآثار الغضب في المخلوق، يأتي بهذه اللوازم وهذه الآثار ويجعلها تعريفا للغضب، إن لم تكن في الواقع هي معنى الغضب، كما ذكرنا في المحاضرة السابقة وقبلها.
أن عادة الإنسان أحبتي لما يعرف شيئا أنك تقول، كما يقول أصحاب الحد الأرستي: أنك ستعرف ماهية الشيء وحقيقته وذاتياته. هذا أمر نادر متعسر صعب جدا، والغزالي وهو إمام المنطق الأرستي يقول: إن الوصول إلى الحد التام متعذر متعسر صعب جدا. طب بالتالي احنا لما نعرف الأشياء كيف نعرفها؟
في الحقيقة نحن نعرف برسومها، أي بآثارها ولوازمها الخارجية التي نشاهدها، فنأتي إلى الغضب فنعرفه بأنه ثوران الدم عند موقف يثير كذا الإزعاج. هذا ثوران الدم هذا ليس حقيقة الغضب، هذه آثارها ولوازمها، نحن نجعلها تعريفا للغضب حتى نقرب معنى الغضب للسائل، حتى نقرب مجرد تقريب معنى الغضب للسائل؛ لأن المقصود من التعريف في الحقيقة هو تقريب الألفاظ إلى أذهان السامعين، وليس المقصود من التعريف حقيقة الوصول إلى ذاتيات وماهيات الأشياء، كما يزعم أصحاب المنطق الأرستي، وكما بينت ذلك في شرحه على السلم المنورقة.
المهم، فإذا عرفنا الغضب فإننا سنفسره بالآثار المشاهدة في المخلوقين، وإياك أن تتوهم ما يزعمه علماء الكلام من أنهم يعرفون هذه الصفات المحبة والغضب والنزول والاستواء، أنهم يعرفون هذه الصفات بحقيقتها وماهيتها وذاتياتها، بل هم لا يعرفون إلا بالآثار واللوازم، ويوهمونكم أنهم يعرفون الحقائق.
انظروا هذه، انتبهوا لها، المتكلمون لما يأتوا بتعريف المحبة والغضب يوهمونكم أيها السامعون أنهم أتوا بحقيقة الغضب بحقيقة المحبة، فردوا عليهم وقولوا لهم: هذه ليست حقيقة المحبة والغضب الموجودة في أذهاننا، كل ما تأتون به هي لوازم المحبة والغضب المشاهدة في المخلوقين، وهذه اللوازم لا توجد في الخالق، فنحن نثبت المعاني التي ندركها في أذهاننا ونفوض الكيف إلى الله سبحانه وتعالى، نجهل كيفية اتصاف الله بهذه الصفات.
المهم، فقلت: وهذه الأثار واللوازم الثابتة في المخلوقين لا يصح إثباتها للخالق سبحانه وتعالى؛ لأن اتصافه سبحانه بهذه المعاني كما حررنا سابقا يختلف عن اتصاف المخلوقين بهذه الصفات. لذلك سكت علماء السلف عن شرح معاني نصوص الصفات، هذه انتبهوا.
لذلك إذا سكت علماء السلف عن شرح معاني نصوص الصفات خشية الوقوع في هذا المحظور وهو ماذا؟ كما قلنا: أولا أن هذه الصفات معلومة المعاني، ثانيا: كان منهم خشية أن يعرفوا هذه الصفات بألفاظ وتعابير لا تليق بجلال الله سبحانه. فقالوا: إذا دعونا من التفسير والشرح وقراءتها تفسيرها، تفسر نفسها بنفسها، لماذا تضعوننا في الزوايا الضيقة؟ نحن لا نحتاج إلى كل هذا التكلف.
طيب، طب يا شيخ ألم يرد عن بعض السلف تفسير بعض الصفات؟ أقول: وما وقع من بعضهم أي من بعض السلف في شرح بعض الصفات، فقد اكتفوا فيه بذكر المراد بالأشهر لهذه الصفات، من أجل أن تتوضح وأن تتبين لمن وقع في ذهنه التباس وفساد.
كما ورد عن أحمد بن حنبل وعن بعض السلف أنهم فسروا معنى الاستواء، فقالوا: الاستواء العرش هو العلو عليه. هذا ورد عن أحمد بن حنبل وذكره الخلال، كما سيأتي اليوم معنا إن شاء الله، أن أحمد بن حنبل فسر الاستواء بأنه العلو.
طب لماذا أحمد بن حنبل لم يسلك مسلك مالك بن انس؟ يعني مالك بن انس لما سئل عن الاستواء قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. أحمد بن حنبل سئل مرة عن الاستواء ففسره، ما قال: الاستواء معلوم، لا، فسر،ه لكن بالمراد بالأشهر وبكلمتين ونقطة، قال: الاستواء على العرش يعني علوه سبحانه على عرشه، نقطة.
طب لماذا أحمد فسر هنا؟ كما قلنا؛ لأن في عصر أحمد بن حنبل أحمد بن حنبل بعد الإام مالك، وبدأ في عصر أحمد بن حنبل تظهر الفرق الجهمية والفرق الكلامية التي تنفي نصوص الصفات أو تحرفها إلى معاني باطلة، فأحمد حتى يظهر منهج السلف الصالح أن منهجنا أننا نثبت هذه الصفات بمعانيها وإنما نفوض كيفيتها، اضطر أحمد بن حنبل في زمنه أن يفسر بعض نصوص الصفات لتتضح هذه النصوص للسامعين وليعلموا أن السلف الصالح يثبتون المعاني على حقائقها الظاهرة المتبادرة إلى الذهن، وهذه الظاهرة المتبادرة لا تدل على تمثيل ولا تشبيه كما يزعم الكلاميون.
إذا، كما وقع منهم تفسير معنى الاستواء على العرش بالعلو عليه ونحو ذلك من الألفاظ العمومية المرادفة لتأكيد معنى الاستواء في أذهان السامعين، هذا المعنى الذي أفسده المتكلمون بتأويلاتهم الفاسدة، فأصبحوا يقولون: استواء الله على عرشه هو استيلاؤه إلى غير ذلك من الكلام الذي لا أصل له حتى في كلام العرب. يعني حتى في كلام العرب تجد أن مثل هذه المجازات تكاد تكون مهجورة ونادرة، فيحملون عليها سبعة نصوص ثابتة في كتاب الله سبحانه وتعالى، وعجب حالهم والله!
ومن هنا أحبتي كان طلب معاني نصوص الصفات والبحث عنها يشفي شرحها مخالفا لمنهج السلف الصالح، هذا أمر أقرره نعم طلب معاني نصوص الصفات والبحث عنها والتنبيش في شرحها هذا ليس منهج السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، مع أنهم كانوا يعلمون هذه المعاني في أذهانهم، فلما ظهرت بدع المتكلمين في طلب معاني نصوص الصفات هكذا المتكلمون أصبحوا ينبشون عن معاني نصوص الصفات: ما معنى الاستواء؟ ما معنى المحبة؟ ما معنى الغضب؟ أصبحوا يخوضون في الواضحات تكلفا منهم.
أصبحوا يخوضون في الواضحات تكلفا منهم، انظروا التكلف كيف قادهم إلى الانحراف عن منهج أهل السنة. فلما ظهرت بدعة المتكلمين في طلب معاني نصوص صفاته وتأويلها بعد ذلك وتحميلها من المعاني ما لا تحتمل، تكلم أحمد بن حنبل بمثل هذه العبارة اللي هي لا كيف ولا معنى. نحن الآن نعالج هذه العبارة، لما ظهرت البدع الكلامية اضطر أحمد أن يتكلم مثل هذه العبارة: لا كيف ولا معنى، في تصويره لمنهج السلف الصالح في الصفات.
فقال: لا كيف ولا معنى؟ أي، ركزوا ما معنى هذه العبارة؟ انتبهوا جدا، أي أننا نؤمن بهذه النصوص ولا ندخل في تكييفها ولا في شرح معانيها. هذا معنى ولا معنى، لا يقصد أحمد بن حنبل أن هذه النصوص لا معنى لها، كما فهم ابن قدامة، كلا، هو يريد أن يقول: أننا لا ندخل في تكييفها ولا في شرح معانيها، هذا معنى ولا معنى أي لا نشرح المعنى؛ لأننا لا نعلم المعاني أساسا، بل لأن ترك التبيين والتفصيل والشرح هو الأورع والأسلم أبعد عن الزلل، على هذا درج السلف وعليه قام منهجهم.
ومما يساعد على هذا الفهم لكلام الإمام أحمد السياق الآخر الذي وردت فيه هذه الرواية كما ذكرها اللالكائي. فاللالكائي ذكر هذه الرواية نفسها عن طريق حنبل بن إسحاق، لكن بصيغة أخرى. تصوروا نفس هذه الرواية التي نقلها حنبل عن الإمام أحمد لها عدة ألفاظ، اختلفت ألفاظها من كتاب إلى كتاب آخر. فاللالكائي كيف نقل هذه الرواية؟
يقول اللالكائي: قال حنبل بن إسحاق: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي تروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها، لا نرد شيئا منها إذا كانت باسانيد صحاح كما نقلت -وهذا النص نقلته بالضبط في المحاضرة السابقة- ولا نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى أن قال حتى قلت لأبي عبد الله.
الآن حنبل يقول: قلت لأبي عبد الله ينزل الله إلى السماء الدنيا، فقلت يا إمام: نزوله بعلمه أم بماذا؟ يعني هل المراد بنزول الله إلى السماء الدنيا هو نزول علم الله وليس نزول ذاته؟ فاحمد ابن حنبل غضب من حنبل وقال له: اسكت عن هذا، ما لك ولهذا؟ لماذا تخوض في هذه الشروحات وهذه التكلفات؟ أمضي حديث على ما روي بلا كيف ولا حد.
الرواية الأصلية التي نعالجها: بلا كيف ولا معنى. هنا يقول أحمد: بلا كيف ولا حد. إنما جاءت به الآثار، وبما جاء به الكتاب، وبها جاء بها الكتاب. قال الله تعالى فلا تضربوا لله الأمثال. المهم انتهت الرواية.
أركز على قول أحمد بن حنبل في هذه الرواية: لا كيف ولا حد. لاحظوا، اختلف النص؛ نلاحظ في هذا السياق أن أحمد بن حنبل قال: بلا حد، بدل: بلا معنى.
وقد يفهم، طيب، إيش نفهم من هذا؟ قد يفهم من هذا أن الرواية السابقة التي قال فيها أحمد: ولا معنى، قد تكون نقلت بالمعنى عن الإمام أحمد بن حنبل، وليست هي صريح لفظه. يعني لما أجد أحمد بن حنبل أحياناً يقول لك: كيف ولا معنى؟ وفي نص آخر لنفس الشخص -حنبل- أجد الرواية: بلا كيف ولا حد، آه إذاً أي الروايتين قالهما أحمد بن حنبل؟ هل قال أحمد: بلا كيف ولا معنى، أم قال: بلا كيف ولا حد؟
وبالتالي قد تكون الرواية الأولى بلا كيف لا معنى نقلت بالمعنى عن الإمام، أو بفهم حنبل عن الإمام، يعني حنبل هكذا نقلها عن الإمام، فهمه وليس بصريح لفظ الإمام، فلما نقلها حنبل بفهمه، أوقعنا في إشكال أنه نقلها: لا كيف ولا معنى، فأوهم الذين يقرؤون هذا النص عن الإمام أحمد بن حنبل أن أحمد بن حنبل يفوض المعاني، وهنا الإشكالية. إذاً هناك احتمال كبير، إذاً بناءً على الروايات المتباينة لهذه الواقعة، هناك احتمال كبير أن يكون حنبل نقل الرواية الأولى بفهمه وليس بلفظ الإمام أحمد بالضبط.
طيب، فهذا إذاً، هذا ما أشرح به هذه العبارة، أنه لو ثبتت هذه العبارة بنصها: لا كيف ولا معنى، فمعنى هذا النص عن الإمام أحمد: لا كيف لا معنى، أي أننا لا نخوض في الكيف ولا نخوض في شرح المعنى. وذكرت: قم لماذا السلف الصالح منهجهم كان عدم الخوض في شرح معاني نصوص الصفات؟ لأنها أولاً واضحة، فقالوا: قراءتها تفسيرها، ولأنهم كانوا يخشون أن يأتوا بألفاظ في أثناء الشرح لا تليق بجلال الله، فتورعوا عن كل هذا الباب. فهمتم؟ هذا أمر منهجي.
شيء مهم جداً عليكم أن تفهموه حتى تردوا به على أصحاب البدع من المتكلمين. طيب، فهذا شرح وافٍ لمعنى هذه العبارة ينسجم مع الروايات الأخرى الواردة مع الإمام، والتي تدل على أن منهج أحمد بن حنبل هو الإيمان بالمعنى الظاهر لنصوص الصفات من غير تكييف. ساسرد لكم بعد قليل إن شاء الله نصوصاً واضحة عن أحمد بن حنبل يثبت فيها معاني الصفات، المعاني؛ فحينما أجد نصوصاً واضحة محكمة مفصلة عن أحمد بن حنبل يثبت بها المعاني، ثم يأتيني رواية عن حنبل بهذه الصيغة: لا كيف لا معنى؟ لابد أن أحاول الجميع بشكل صحيح حتى لا تتضارب نصوص الإمام بعضها مع بعض.
المفوضة يفرحون بهذا النص للإمام أحمد بن حنبل؛ لأنهم يرونه مناصراً لعقيدتهم في الصفات. أتباع التفويض اليوم حينما يأتوا ليقولوا: والله نحن المفوضة أتباع أحمد بن حنبل، نقول لهم: كيف أنتم أتباع أحمد بن حنبل؟ فيقولون: أحمد بن حنبل يقول: «نصوص الصفات أمروها كما جاءت بلا كيف ولا معنى»، إذاً لا معنى لنصوص الصفات نعلمها نحن، وإنما معانيها عند الله، ويستدلون بهذه الرواية لأحمد بن حنبل. فالمفوضة يفرحون بهذا النص للإمام أحمد؛ لأنهم يرونه مناصراً لعقيدتهم في الصفات. لكن في الحقيقة من نظر في هذا النص فإنه يدرك أنه لا يدل على التفويض إلا بنوع تأويل، يعني أن تحملوه على التفويض، وأن أحمد يقصد تفويض المعاني أيضاً، هذا يحتاج منكم إلى أن تأولوا النص لينسجم مع فكركم.
لأن قول أحمد بن حنبل: لا كيف ولا معنى، الآن أنا أناقش مفوضاً، تخيلوا أنني الآن أناقش مفوضاً، فأقول له: قول الإمام أحمد بن حنبل: لا كيف ولا معنى، لو أخذناه بظاهره البحت، أنا الآن بدي أعتبر أني أخذت بظاهره البحت باللفظ: لا كيف ولا معنى؟ لو أخذناه بظاهره من دون أي تفكير فيه، لفهم منه عموماً أن نصوص الصفات لا معنى لها، أنه بدي أتعامل مع الظاهرية البحتة، لا كيف ولا معنى، أمروها كما جاءت، لا كيف ولا معنى، إذاً نصوص الصفات لا معنى لها، هذا ظاهر العبارة، وإنما هي مجرد ألفاظ.
وحمله على طريقتكم أيها المفوضة، يعني حرف هذا النص وتأويله على طريقتكم، يحتاج أن تأولوه أنتم أيها المفوضة بأن تقولوا: يقصد الإمام أحمد بن حنبل بقوله: ولا معنى، أنه لا يوجد معنى معين نحن نعلمه، ولكن هناك معنى عام في الجملة يعرفه الله، هذا الذي يقصده أحمد. فأقول للمفوضة: أنتم هكذا فهمتم هذه الجملة عن الإمام أحمد، صحيح؟ وهذا تأويل منكم لهذا النص، يعني أحمد ما قال ما قلتموه، هو قال: لا معنى، أنتم أتيتم فهمتم هذا النص بطريقتكم أن أحمد يقصد بقوله: ولا معنى، أنه لا يوجد معنى معين نعلمه نحن البشر، وإنما هناك معنى عام يعلمه الله سبحانه.
الآن أحمد بن حنبل ما قال إن هناك معنى عام يعلمه الله سبحانه، هو قال: لا، أنتم زدتم هذه الأمور وأفضتم في بسطها لتؤكدوا أن أحمد بن حنبل يسير على طريقتكم. تمام؟ فالآن المفوض سيرد علي، ماذا سيقول المفوض؟ وأنت يا شيخ لما فهمت هذا النص بالطريقة التي بينتها قبل قليل أن قصد أحمد بن حنبل: لا معنى، أننا لا نشرح المعنى ولا نخوض في تفسيره مع أنه معلوم في أذهاننا؟ أنت يا شيخ لما فسرت هذا النص بهذه الطريقة، أنت أيضاً تأولت كلام الإمام أحمد بن حنبل، والامام أحمد بن حنبل لم يقل: إنني لا أشرح المعاني، قال: لا معنى بهذه الطريقة، فأنت أيضاً تأولت.
فأرد على هذا المفوض وأقول: إذاً اتفقنا، أنت احتجت إلى تأويل كلام الإمام أحمد بن حنبل يتوافق مع مذهب المفوضة، وأنا احتجت لتأويل كلام الإمام أحمد بن حنبل ليتوافق مع منهج أهل السنة، مع أن تأويلي لكلام الإمام أحمد بن حنبل هو الذي ينسجم مع النصوص المفصلة للإمام، يعني هو ليس تأويلاً من هواي الشخصي، هو تأويل ينسجم مع روايات الإمام المحكمة المفصلة.
لكنني تنزلاً مع هذا المفوض، سأقول له: إذاً اتفقنا، أنت احتجت إلى تأويل وأنا احتجت إلى تأويل، إذاً أصبح هذا النص مشكلاً علينا، فلندع هذا النص ولنذهب إلى النصوص الأخرى الواضحة للإمام أحمد بن حنبل نتحاكم إليها. انظروا المنهجية في النقاش العقدي؛ خلص النص مجمل، أنت لا تستدل به وأنا لا أستدل به، إذاً دعنا نذهب إلى النصوص الواضحة المفصلة، تمام.
إذاً هذه الطريقة الأولى في معالجتي لهذا النص؛ طريقة شرح هذه العبارة. أنا سعيت لأن أشرح هذه العبارة بشكل صحيح، طبعا هذا اجتهادي أننا شرحنا هذه العبارة، طبعا اجتهادي بالنظر إلى كلام السلف وسياق هذه العبارات متكررة عندهم، فحينما أقرأها وأنظر فيها أجد أن هذا الأمر أنهم لا يخوضون في تفسير نصوص الصفات لأنهم يخشون من التفسير أن يأتوا بألفاظ لا تليق بجلال الله، فيقولون: الاستواء معلوم، وانتهى الأمر، وأحمد بن حنبل هذا ما يريد أننا نشرح المعاني، خلاص المعاني واضحة.
فلذلك أنا فهمت هذا النص عن الإمام بهذه الطريقة؛ لأن هذا هو الوارد عن أكثر من شخص من السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم. الطريقة الثانية التي ساعالج بها هذا المتن هي طريقة كما قلنا: رد المتشابه إلى المحكم. أنه أنا اتفقت مع هذا المفوض أن هذا النص عن الإمام أحمد بن حنبل من المتشابهات، يعني مش واضح أموره لدينا، فدعنا ايها المفوض نرد هذا النص المتشابه إلى النصوص المحكمة المفصلة للإمام أحمد لنعرف ما هو منهج أحمد بالضبط.
لو سلمنا أن هذا النص للإمام أحمد من النصوص المتشابهة المشكلة عنا، فإن المنهج العلمي يقتضي ألا نجعل هذه الرواية هي الأصل في فهم منهج أحمد في الصفات، بل نردها إلى المحكم الصريح من كلام الإمام في الروايات الأخرى، وإلى ما هو أيضاً معلوم متواتر من منهج السلف الصالح في الباب. يعني أيضاً أنا لا أرد هذه الرواية المتشابهة عن أحمد بن حنبل إلى محكمات أحمد فقط، بل أردها إلى المحكمات الواردة عن السلف الصالح؛ لأن أحمد هو جزء من السلف الصالح، يستحيل أن يكون كلام أحمد في الصفات يخالف كلام سفيان بن عيينة وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي وأبي عبيد القاسم بن سلام، لا يمكن، كلهم متفقون على شيء، ولم ينقل إلينا أن أحد السلف أنكر على عالم آخر من علماء السلف فهمه لباب الصفات.
يعني ما أحد قال لنا إن سفيان الثوري أنكر على أحمد بن حنبل، أو أحمد أنكر على سفيان، أو أنكر على عبد الرحمن بن مهدي أو على يحيى القطان، لم نسمع ذلك، وإنما سمعنا إجماعات دائماً تنقل للسلف. هذه الإجماعات المنقولة عن السلف التي يقولها ابن عبد البر والخطابي وغيرهم من العلماء، تدل على أن السلف كانوا وحدة واحدة في التفكير وفي التعامل مع النصوص، وإنما هناك خلافات جزئية تبقى في مسائل اجتهادية فرعية.
طيب، فاذا سنرد هذا النص المتشابه للإمام إلى المحكمات الواردة عن الإمام وعن السلف الصالح عموماً. فيقول ابتداءً: هناك الآن ساتبع طريقة رد المتشابه إلى المحكم؛ أولاً هناك سياق ثالث وردت فيه هذه الرواية عن حنبل، يعني هذه الرواية لها سياق ثالث. هناك السياق الأول الذي ذكرناه وذكره ابن قدامة، وهناك السياق الذي ذكرناه عن اللالكائي نقلها اللالكائي، وهناك السياق الثالث لهذه الرواية نفسها نقله ابن بطة رحمة الله تعالى عليه في الإبانة.
فاقول: هناك سياق ثالث لهذه الرواية ذكره ابن بطة في كتابه الإبانة عن حنبل بن إسحاق قال: عن نفس الشخص قال حنبل بن إسحاق: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: ينزل الله إلى السماء الدنيا؟ فقال أحمد بن حنبل: نعم. انظروا كيف يجيب أحمد بن حنبل! حنبل بن إسحاق يقول: يا إمام هل الله إلى السماء الدنيا؟ أحمد بن حنبل بكلمة واحدة قال: نعم، ما قال الذي ينزل علمه أو الذي ينزل أمره، لا لا، الله ينزل؟ قال: نعم، نقطة.
فقلت له: يا إمام، هل نزوله بعلمه؟ الآن حنبل بدو تأول، كأنه يقول: هل نزول حقيقي ولا نزول بعلمه؟ فهنا أحمد بن حنبل قال: اسكت عن هذا وغضب غضباً شديداً، وقال: ما لك ولهذا؟ امض الحديث كما روي بلا كيف، وسكت أحمد. ما قال بلا كيف ولا معنى، ولم يقل كما جاء في رواية اللالكائي قبل قليل: بلا كيف ولا حد، قال: بلا كيف، وسكت، أمضي هذه الروايات أو أمضي هذه الأحاديث كما روي بلا كيف، لا تخض في الكيفية. الله ينزل؟ نعم ينزل. نعم، بعد ذلك تسكت.
فنلاحظ في هذه الرواية اقتصار أحمد بن حنبل على نفي الكيف فقط، ولم يتطرق المعنى ولا لنفي الحد من أصله، وهذا يسبب بالتالي إشكالاً في الجمع بين هذه الروايات واشتباهاً يقتضي منا التوقف والبحث عن نصوص أوضح تبين مذهب الإمام. الآن بما أن رواية حنبل رواية حنبل لها ثلاث أشكال: شكل يقول فيه أحمد: لا كيف ولا معنى، وطريق: بلا كيف ولا حد، وطريق ابن بطة يقول: لا كيف، وسكت. ماذا قال أحمد بن حنبل بالضبط؟ في إشكال في هذه الرواية يا جماعة، في إشكال، تمام؟
وحتى لو حاول البعض حل الإشكال، أنا أستطيع أن أحل الإشكال بالصورة التي ذكرتها لكم قبل قليل؛ أنه نفيه المعنى ونفي الحد أصالة هو لا خطأ فيه علمي، لأنه يمكن أن يوجه بشكل صحيح، أننا لا نخوض في تفسير المعاني ولا نخوض في حد الصفات، لا تحد الصفات ولا نأتي بتعريفات لها، نقطة وسطر جديد، نعلم معانيها في أذهاننا ونسكت بعد ذلك، فما عندي مشكلة في قوله ما معنى لا حد، لكن عندي مشكلة أنه هو بالضبط بالضبط ماذا قال أحمد بن حنبل؟ يعني أنا أري أن أتاكد هل قال أحمد بن حنبل: لا معنى؟ هل قال: لا حد؟ أري أن أدرك ذلك.
فهناك إشكاليات إذاً في أصل هذه الرواية، ما إمكانية توجيهها بالشكل الصحيح؟ لكن بما أنه في إشكاليات، دعونا ننظر ماذا قال أحمد في نصوص أخرى من الروايات المحكمة المنقولة عن الإمام أحمد في باب الصفات.
رواية حنبل عن أحمد بن حنبل، لاحظوا الآن ماذا سيحدث؛ حنبل يأتينا بقصة أخرى، حنبل رحمة الله تعالى عليه يأتينا الآن بقصة أخرى نقلها عن الإمام أحمد بن حنبل. انظروا هذا التباين في نقول حنبل بن إسحاق؛ يروي حنبل عن الإمام أحمد بن حنبل ما يدل على أنه يثبت معنى الصفة، فيقول لنا حنبل: قال الإمام أحمد بن حنبل -هذه الرواية عن طريق حنبل بن إسحاق نفس الشخص، يقول لنا:- قال الإمام أحمد بن حنبل: يضحك الله، ولا نعلم كيف ذلك. ما قال: ولا نعلم معنى ذلك، واضح النص: يضحك الله، ولا نعلم كيف ذلك، نجهل الكيف ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول. وقالت المشبهة: بصر كبصر ويد كيد وقدم كقدم، ومن قال ذلك فقد شبه الله بخلقه.
هذا النص أحبتي واضح، أحمد بن حنبل يقول في بدايته: يضحك الله، ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم. ما قال: ولا نعلم معنى الضحك، قال: لا نعرف كيف يضحك فقط، نحن نصدق النبي صلى الله عليه وسلم، الله يضحك الله يضحك، كيف؟ الله أعلم. ثم بين أحمد بن حنبل ما هو التشبيه المردود؟ ما هو التجسيم على طريقة الأشاعرة وغيره؟ ما هو التجسيم المردود؟ قال: المشبهة يقولون: يد الله كيدنا، بصر الله كبصرنا، قدم الله كقدمنا، ومن قال.
ذلك فقد شبه الله. إذا الإمام أحمد بين لنا ما هو التشبيه المردود؟ هو أن تقيس صفات الخالق على صفات المخلوق، أن كيفية اتصاف الله بصفاته على كيفية اتصاف المخلوق بصفاته. هذا هو التشبيه المردود الذي نرده جميعا.
هذا هو التشبيه الذي يرده السلف، أن تقيس كيفية اتصاف الله بصفاته على صفات المخلوق. هذا نعم لا يقوله السلف الصالح وهو تشبيه مردود، ومن قال به مبتدع. وأما إثبات أصل المعنى فهذا لم ينكره أحمد بن حنبل. طيب، إذا فهذا النص واضح جلي في أن أحمد بن حنبل يثبت المعنى للألفاظ ويجهل الكيف فقط.
وأن التشبيه المردود عنده ليس هو إثبات المعاني لنصوص الصفات، بل التشبيه المردود هو في قول الإنسان بصر الله كبصره ونحو ذلك. طيب، نص آخر محكم عن الإمام أحمد يرويه الخلال. طبعا أنا متأكد كثير ممن يسمعني لا يعرف الخلال. الخلال أحبتي من كبار متقدمين الحنابلة، وهو الشخص الذي جمع روايات أحمد بن حنبل المتناثرة، أول شخص جمع روايات أحمد بن حنبل المتناثرة في مجلدات ضخمة ونقلها بعد ذلك إلى الأجيال اللاحقة هو الخلال. فالخلال كما يقول ركن أساسي في مذهب الحنابلة لا يمكن تجاوزه، هو الذي نقل روايات الإمام أحمد بن حنبل في الفقه والاعتقاد والأخلاق والسلوك إلى غير ذلك. طبعا هناك غيره شارك ولكن هو الشخص الأساسي الذي جمع كما قالوا في مائتي مجلد، تصوروا؟ في مائتي مجلد جمع روايات الإمام أحمد بن حنبل. روى الخلال عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال في معنى استواء الله على عرشه، قال الإمام أحمد بن حنبل: هو العلو والارتفاع.
الان ماذا يقول المتكلمون؟ بماذا سيردون على الخلال؟ هذا هو الإمام أحمد بن حنبل فسر استواء الله على عرشه بأنه علو على عرشه ارتفاعه على عرشه. ما قال أحمد بن حنبل استواء الله على عرشه هو استيلاؤه، أبدا ما خطر هذا أصلا في ذهن أحمد ولا السلف ولا الصحابة وإنما هو من خزعبلات المتكلمين. فماذا يرد هؤلاء على هذه الرواية الصريحة؟ نقل الخلال عن أحمد أنه قال في معنى الاستواء هو العلو والارتفاع، واضح جدا أحمد.
طبعا أحمد نلاحظ وقلنا هنا فسر الصفة، ما قال كما قال مالك الاستواء معلوم، لكن أحمد لماذا فسر هنا واضطر إلى التفسير من خلال المرادف؟ لاحظوا مرادف فقط، ما دخل في تفسير تعريف الجنس الفصل إلى غير ذلك من الأمور المتكلفة، أتى بالمرادف الأشهر لكلمة الاستواء حتى يرد على الجهمية الذين بزغوا في عصره وأصبحوا يقولون نصوص الصفات نردها ولا نثبت صفات لله سبحانه. فاحمد أراد أن يؤكد أن السلف الصالح يثبتون معاني نصوص الصفات وأن الاستواء هو استواء العلو على العرش والارتفاع على العرش ولا نعرف كيفيته.
وهذا التفسير من الإمام أحمد لمعنى الاستواء كان حرصا منه على تأكيد معنى هذه الصفة وحقيقة في وجه الجهمية الذين خرجوا في عصره فعطلوا هذه النصوص وتأولوها بمعاني باطلة، وإلا فمنهج السلف العام كان السكوت عن الخوض. المنهج العام للسلف كان السكوت عن الخوض في بسط المعاني وشرحها كما بينا سابقا، لكن اضطر أحمد إلى أن يشرح بعض الصفات لإلجام الجهمية ومن سار على نهجهم، إذا هذا نص محكم يبين لنا أن أحمد بن حنبل يثبت معاني نصوص الصفات. والنص السابق الذي نقلته قبل قليل أيضا نص محكم يثبت معاني نصوص الصفات.
طيب، النص الثالث ابن تيمية، ابن تيمية هنا أنا أنقل عنه باعتباره إماما من أئمة الحنابلة، لا أنقل عنه باعتباره خصما للمدرسة الكلامية. وأظن جميع الحنابلة، جميع الحنابلة من أشعرية الحنابلة ومعتزلة الحنابلة ومفوضة الحنابلة، الكل يقر بإمامة ابن تيمية في مذهب الحنابلة، يعني ما أحد ينازع من عقلاء الفرق الكلامية أن ابن تيمية إمام في مذهب الحنابلة، هو أحد الحنابلة وإن كان من متوسطي الحنابلة، يعني جاء في مرحلة متوسطة، لأن الحنابلة المتقدمين ينتهون 403 هجري، ثم يستمر الحنابلة المتوسطون إلى 885 هجري، ثم الحنابلة المتأخرون من 885 فصاعدا.
فابن تيمية وقع في مرحلة متوسطي الحنابلة، وهو إمام، بني المرداوي رحمة الله عليه جعل قول ابن تيمية فصلا، جعل قول ابن تيمية في الفروع الفقهية فصلا في تحديد ما هو المعتمد عند الحنابلة. فلا أحد كما قلنا من عقلاء الحنابلة على مختلف مسالكهم العقدية ينكر أن ابن تيمية من رجالات الحنابلة وأنه من الثقات في النقل. فابن تيمية إذا هنا أنا أنقل عنه باعتباره حنبليا ينقل عن إمام مذهبه. فيقول ابن تيمية: فسر الإمام أحمد النصوص التي فيها الجهمية متشات.
لاحظوا ابن تيمية هنا في إشارة. ابن تيمية يقول: فسر أحمد بن حنبل النصوص التي تسميها الجهمية متشابهات. إذا كأنه ابن تيمية يقول تسمية نصوص الصفات متشابهات هذا ليس من مسلك أهل السنة والجماعة، النصوص التي تسميها الجهمية متشابهات، فهذا هنا في إشارة أن ابن تيمية يقول نصوص الصفات تسميتها نصوص متشابهة فيها إشكالية، وأن هذا انطلق من عباءة الجهمية.
طيب، المهم فسر الإمام أحمد النصوص التي تسميها الجهمية متشابهات فبين معانيها آية آية. يعني أحمد بن حنبل كما قلنا أدخل نفسه في قضية تفسير نصوص الصفات وذكر معاني نصوص الصفات على خلاف كما قلنا الدارج عند السلف عدم الخوض. لا، أحمد دخل، لأنه أحمد كما قلنا كان في وجه المدفع، أنه كان يواجه الجهمية. الجهمية تنفي نصوص الصفات وتنفى اتصاف الله، فأحمد بن حنبل كان يأتي لنصوص الصفات ويفسر معانيها آية آية وحديثا حديثا ولم يتوقف أحمد في شيء منها ولا الأئمة قبله.
مما يدل على أن التوقف عن بيان معاني آيات الصفات، اللي هو منهج المفوضة، وصرف الألفاظ عن ظواهرها، اللي هو منهج المؤولة، لم يكن مذهبا لأئمة السنة وهم أعرف بمذهب السلف، وإنما مذهب السلف إجراء معاني آيات الصفات على ظاهرها بإثبات الصفات له حقيقة سبحانه. عندهم قراءة الآية والحديث تفسيرها، هذا ما ذكرته لكم أنه السلف الصالح كانوا يعتبرون قراءة الآية هو تفسيرها لأنه واضح المعنى، فتوضيح الواضحات من المشكلات. لكن لما بزغ الجهمية اضطررنا أن نحاول أن نفسر نصوص الصفات لنبين أن منهجنا إثبات وتفويض الكيفيات.
طيب، أنت كما ابن تيمية هنا يقول: أبو بكر الخلال أيضا، أعود إلى الخلال رحمة الله عليه مرة أخرى، وهو أعلم الناس بروايات الإمام أحمد بن حنبل، وهذا نص مهم جدا للخلال، هذا نص محوري، انتبهوا إليه. ينقل عن الإمام أحمد بن حنبل، ماذا يقول؟ ومذهب أبي عبد الله أحمد بن حنبل أن لله عز وجل وجها. يتكلم عن صفة الوجه الثابتة لله.
انظروا أحبتي، لا أحد أعلم بمذهب الإمام أحمد بن حنبل من الخلال من أصحابه المتقدمين، لأن طبعا هو الخلال كما قلنا لم يدرك الإمام أحمد بن حنبل، لكن هو الذي جمع الروايات بين يدي، كل هذه الروايات، فأنا أرجع للخلال لأنه مصدر أساسي، والخلال على فكرة له كتاب اسمه كتاب السنة ينقل فيه روايات الإمام أحمد بن حنبل في باب العقائد.
المهم يقول الخلال: ومذهب أبي عبد الله أحمد بن حنبل أن لله عز وجل وجها، لا كالصور المصورة ولا كالعيان المخططة، بل وجهه وصفه بقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88]، ثم قال: ومن غير معناه فقد ألحد. فقال للوجه لا ليس المراد به الوجه، المراد به شيء آخر، ومن غير معناه فقد ألحد. ليس مراد الملحدين، لولا الإلحاد، هناك إلحاد بمعنى الميل عن الصواب، مجانبة الصواب: ﴿فذروا الذين يلحدون في اسمائه﴾ [الأعراف: 180]، الإلحاد المراد بالقرآن الميل عن الصواب، فقد ألحد أي مال عن الصواب.
وذلك عنده أي الوجه عند الإمام أحمد بن حنبل، هذه كلمة أساسية محكمة مفصلة واضحة لا أظن أن أحدا عاقل يناقش بعدها، وذلك عنده أي الوجه في نظر الإمام أحمد بن حنبل وجه في الحقيقة لا في المجاز، انتهى الأمر، وجه في الحقيقة له معنى حقيقي ليس له مجاز، ليس المراد به هنا المجاز، ووجه الله باق لا يبلى، صفة له لا تفنى. ومن ادعى أن وجهه سبحانه هو نفسه، يعني هو ذات الله، المتكلمون أحبتي الذين ينفون الصفات يقولون الآيات التي ذكر فيها وجه الله المراد بالوجه الذات، المراد بالوجه هو الذات. فيقول الخلال أن أحمد بن حنبل يقول: ومن ادعى أن وجهه نفسه فقد ألحد، ومن غير معناه فقد كفر.
الآن كلمة خطيرة، نحن نعلم أنها لا تسقط على الأعيان، لكن كمقولة يقول هذه المقولة، أن تقول الوجه ليس هو وجه الله سبحانه وإنما له معاني أخرى وتحرف، يجعله الإمام أحمد بن حنبل شكل من أشكال الكفر. نسأل الله السلامة والعافية، وإن كنا كما قلنا يعذر كثير من المتكلمين بسبب التأويلات والتشابه الذي دخل في عقولهم.
المهم، ومن غير معناه فقد كفر. وليس معنى الوجه معنى الجسد عنده ولا الصورة ولا التخطيط، ومن قال ذلك فقد ابتدع. يعني الوجه وجه على معناه الحقيقي الذي يليق بذاته، من دون تكلف ولا تعسف. هذا نص واضح عن الإمام أحمد بن حنبل.
الآن أيضا سارد هذه الرواية المتشابهة لأحمد. أنتم أحبتي تذكروا، أنا الآن ماذا أفعل؟ أنا عندي الآن رواية متشابهة لا كيف، وأردها الآن إلى المحكمات من كلام الإمام أحمد بن حنبل. فذكرت لكم أربع نصوص عن أحمد بن حنبل واضحة تبين أن منهجه إثبات معاني الصفات وليس مجرد الألفاظ كما فهم ابن قدامة المقدسي.
الآن سارد هذه الرواية أيضا إلى المحكمات من كلام السلف، وقد نقلت لكم شيئا من هذه المحكمات سابقا، والآن باختصار. قال أبو سليمان الخطابي في كتابه الغنية عن الكلام وأهله: فاما ما سألت عنه من الكلام في الصفات وما جاء منها في الكتاب والسنن الصحيحة، فإن مذهب السلف اثباتها واجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها. إذا السلف يجرونها على معانيها الظاهرة مع نفي الكيفية والتشبيه فقط.
أيضا ابن عبد البر نقلنا النص عنه سابقا: وأهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفة الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز. مباشرة لما تسمعوا العالم يقول تحمل على الحقيقة إذا هو يثبت المعنى الحقيقي، فالوجه هو الوجه والاستواء هو الاستواء والنزول هو النزول، إثبات للمعاني الحقيقية لها لا على المجاز، لاحظ يؤكدون أننا لا نأتي بالمجاز هنا، لها معانيها الحقيقية، إلا أنهم لا يكيشون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة.
لا نكيف ولا نحد، الحد أحبتي هذا انتبهوا لما يقول لا نحد، أي لا نأتي بتحديد لهذه الصفة في إطار معين، لأن التحديد هو شكل من أشكال التكييف، فلا نأتي نحدد هذه الصفة بحد معين، بل نقول هذه الصفة معناها واضح في أذهاننا، وكيفية اتصاف الله بها تليق بجلاله، لا نخوض فيها.
أبو عبيد، الآن انتهيت من النص الأول الذي عالجته. النص الأول كان هو قول أحمد بن حنبل لا كيف ولا معنى، قلت هذا النص أوپه ابن قدامة في إشكال، وفهم ابن قدامة منه أن أحمد بن حنبل يفوض نصوص الصفات كلية معناها وكيفيتها، وأن أحمد يرى أن هذه النصوص نحن لا نعرف معناها، وإنما الله يعرف معناها. وعرفة أن هذا الفهم من ابن قدامة رحمة الله عليه ليس بفهم سديد، بل أحمد كما هو ظاهر من النصوص المفصلة يثبت المعاني لنصوص الصفات، وإنما قصد لا كيف ولا معنى أننا لا نشرح المعنى، هذا معنى لا معنى، لا نشرح المعنى.
إن جاء شخص فقال: لا كيف، فهمت أن أحمد يغسل؟ لا، نشرح المعنى، أقول له: اعتبر هذا النص متشابها غير واضح عند الإمام أحمد، دعنا نذهب إلى النصوص المفصلة عن الإمام تمام لنعرف ماذا كان منهجه. ونقلت لكم النصوص المفصلة عن الإمام واضحة بينة لكل من يبحث عن الحق، نسأل الله أن يهدينا إلى الصواب.
أذهب الآن إلى النص الثاني، النص الثاني لأبي عبيد القاسم بن سلام، هناك نص آخر يتكئ عليه المفوضة وابن قدامة اتكأ عليه أيضا. هذا نص قول أبي عبيد أو قول أبي عبيد القاسم بن سلام، وهو من أئمة السلف رحمة الله عليه، يقول: ما أدركنا أحدا يفسر هذه الأحاديث، أي أحاديث الصفات، ونحن لا نفسرها. عبارة مشكلة، صح؟
يقول أبو عبيد ماذا؟ ما أدركنا أحدا، ما رأينا أحدا يفسر هذه الأحاديث، يفسر أحاديث الصفات ونحن لا نفسرها. إذا النص مشكل لأن المتبادر منه في الحقيقة أن منهج السلف الصالح عدم تفسير نصوص الصفات، عدم تفسير. لكن لم يقبل أبو عبيد لا معاني لنصوص الصفات، لا لا، هو يقول لا نفسر نصوص الصفات، ما قال لا يوجد معاني لنصوص الصفات أو ولا نقر معاني نصوص الصفات، قال لا نفسر، فهذا كما قلنا سبب إشكال، لا نفسر نصوص الصفات.
أها، ابن قدامة ومن سار على منهج التفويض قالوا: أها، إذا يقصد أبو عبيد أن نصوص الصفات لا نعرف معناها، لذلك لا نفسرها ونفوض معانيها إلى الله، وهذا هو الخطأ. أبو عبيد لما قال: نحن لا نفسرها، ليس لأننا لا نعرف معناها كما فهم ابن قدامة، بل لما ذكرته لكم قبل قليل في معالجتي لنص أحمد، أننا لا نفسرها أننا نتهيب ونخشى من الخوض في تفسيرها، هذا أشهر ما بين وفسر به كلام أبي عبيد، مع أنه هناك أيضا الآن سأبین لكم أن هناك فهما آخر لكلام أبي عبيد ذكره.
أبو عبيد نفسه، دعوني أقرأ. قال أبو عبيد: ما أدركنا أحد يفسر هذه الأحاديث ونحن لا نفسرها. وقد روي نفي التفسير لنصوص الصفات عن غير واحد من السلف. وروي عن بعضهم كما ذكرنا قبل قليل أن تفسير نصوص الصفات بقراءتها.
وهذه النصوص سببت إشكالا عند كثير من المتأخرين وفهمت خطأ منهم، حيث ظنوا أن مقصد السلف من نفي التفسير هو أننا لا نعرف المعنى المراد من هذه النصوص، لذلك ندعو تفسيرها ونكل علمها إلى الله. فظن كثير من المتأخرين بناء على ذلك أن منهج السلف من هذه الأمة هو التفويض في باب الصفات. فهل كان هذا هو مقصود السلف من قولهم لا نفسر نصوص الصفات؟
عندما نطبق المنهج العلمي في التوثيق العقدي من خلال استقراء ما ورد عن السلف الصالح في نصوص الصفات ومحاولة جمع الكلام بعضه إلى بعض بعيدا عن الاجتزاء الذي لا يمنحك الصورة كاملة، وبعيدا عن الانتقاء للنصوص المتشابهة المجملة؛ لأن هناك أحبتي من يجتزئ كلام السلف من سياقه ويصور لك -يعني يأتيك برواية عن أحمد أو عن مالك أو عن الشافعي- يجتزئها من سياقها، ويقول لك: انظر منهج السلف التفويض، أو منهج السلف هكذا يفعلون، كثير من المتكلمين للاسف منهج الاجتزاء لا يأخذ الصورة كاملة. لو وضع الصورة كاملة لاتضح لهم المنهج إن كانوا يبحثون عن الحق، وبعيدا عن الانتقاء للنصوص المتشابهة المجملة، نجد أن الأمر على خلاف ما فهمه هؤلاء القوم.
بل المراد من نفي التفسير أحد أمرين -الآن سأشرح هذه العبارة هي عبارة ثابتة: لا نفسر نصوص الصفات، أو قراءة نصوص الصفات هي تفسيرها- الآن هذا له معنيان: يمكن تفسروا بهذه وتفسروا بهذا.
أولا: المراد بنفي التفسير هو عدم الخوض في شرح نصوص الصفات خوفا من الخطأ والزلل وتجاوز القدر اللائق بالله سبحانه، كما بينا بالتفصيل في النقطة السابقة، عدم الخوض خشية الوقوع في الزلل، هذه الطريقة الأولى في فهم نفي التفسير.
ثانيا: أن يفهم نفي التفسير على عدم الخوض في تفسير الكيفية، إنهم يقولون لا نفسر، ما مرادهم بنفي التفسير؟ أننا لا نفسر الكيف، وليس المراد أننا لا نفسر المعنى. طريقة أخرى أيضا في الفهم، ثانيا: يحتمل أن يكون المراد بنفي التفسير عدم الخوض في تفسير كيفية اتصاف الرب بهذه الصفات. وهذا أمر مهم؛ فإن من القواعد الثابتة عند أهل السنة في باب الصفات أنهم يثبتون المعنى ويجهلون الكيف، كما قال مالك بن أنس: الاستواء معلوم والكيف مجهول.
ومما يؤكد أحبتي أن هذا هو مقصود السلف في نفي التفسير وليس مرادهم جهل معنى النص، ما أخرجه -الآن ركزوا في هذا النص لأنه نص أساسي وجوهري في فهم نفي التفسير، ما معنى نفي التفسير؟- ما أخرجه الدارقطني عن محمد بن مخلد عن العباس الدوري قال: سمعت أبا عبيد -يعني نفس أبو عبيد القاسم بن سلام اللي نقلنا عنه عبارة نحن لا نفسر قبل قليل هو سيفسر لنا ما معنى قوله- سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام وقد ذكر الباب الذي يروى في رؤية الله والكرسي وأن الكرسي موضع قدمي الرب وضحك الرب سبحانه وأين ربنا سبحانه؟ هذه الأبواب التي نتكلم عن نصوص الصفات، فقال أبو عبيد: هذه أحاديث صحاح -تعالوا يعني كلام السلف متقارب، كلام أبي عبيد مع كلام أحمد مع كلام سفيان الثوري مع كلام ابن عيينة مع كلام ابن مهدي مع كلام مالك مع كلام الشافعي، كلامه حتى في تعبيراته يصب في اتجاه واحد واضح أحبتي فقط نحتاج إلى أن ننقي ونطهر هذه العقول من لوثات الفلسفة الإغريقية ونأتي بقلوب جديدة عقول نقية لنفكر بطريقة منطقية صحيحة- يقول أبو عبيد: هذه أحاديث صحاح حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض وهي عندنا حق لا شك فيه.
ولكن إذا قيل كيف وضع قدمه سبحانه؟ أي في النار، ألم يأتي حديث أن الله يضع قدمه في النار حتى هذه النار تقف، المراد أن النار تقول: هل من مزيد؟ هل من مزيد؟ فلا تهدأ هذه النار من طلب المزيد حتى يضع الرب سبحانه وتعالى قدمه فيها، كما جاء في الحديث عند البخاري رحمة الله عليه. ولكن إذا قيل كيف وضع قدمه وكيف ضحك؟ قلنا: لا نفسر هذا ولا سمعنا أحدا يفسرها.
آه إذا أبو عبيد يبين لنا أن الشيء الذي لا يفسرونه هو ماذا؟ هو الكيف، وأن مراده ومراد غيره لما قالوا لا نفسر ونحن لا نفسر، يعني لا نفسر الكيف. أقرأ النص مرة أخرى: هذه أحاديث صحاح حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض وهي عندنا حق لا شك فيه. ولكن إذا قيل آه إذا قيل إيش؟ كيف وضع قدمه؟ مش إذا قيل ما معنى القدم وما معنى الضحك؟ لا، إذا قيل كيف وضع قدمه وكيف ضحك؟ نقول: لا نفسر هذا -ها اسم إشارة- لا نفسر هذا، لا نفسر الكيف. ولا سمعنا أحد يفسرها.
فهذا نص واضح جلي من أبي عبيد القاسم بن سلام يبين فيه ما المراد بنفي التفسير وأنه نفي لتفسير الكيفية لا أننا لا نعلم المعنى في أذهاننا، كما زعمت المفوضة وكما فهم ابن قدامة رحمة الله عليه في تأصيلاته بباب الصفات.
النص الثالث والأخير الذي وقع فيه إجمال واعتمد عليه ابن قدامة في فهمه لمنهج السلف الصالح في الصفات وأخطأ في فهمه، هو قوله أو قول كثير من السلف الصالح عن نصوص الصفات: أمروها كما جاءت.
فالنص الأول الذي عالجته: قول أحمد بن حنبل لا كيف ولا معنى. النص الثاني الذي عالجته: قول أبي عبيد وغيره لا نفسر نصوص الصفات. عرفنا كيف نعالج هذا وهذا. الثالث والأخير الذي سأعالجه اليوم بإذن الله، ما معنى قول السلف الصالح عن نصوص الصفات: أمروها كما جاءت؟ البعض هكذا قال: أمروها كما جاءت وأطلق. فهذا النص أيضا مما يتكئ عليه المفوضة في بيان أن منهج السلف الصالح في آيات الصفات هو التوقف في المعاني وتفويضها إلى الله.
لكن تطبيق المنهج العلمي لفهم هذه العبارة يوضح أن الأمر ليس كما فهم المفوضة؛ إذ من القواعد الأصيلة عند علماء أصول الفقه أن النص متى ورد مطلقا في موضع وورد مقيدا في موطن آخر مع اتحاد الحكم والسبب -هذه قاعدة أصولية درسناها في أصول الفقه، النص يأتي مطلق في موطن، ثم يأتي في موطن آخر مقيدا والحكم والسبب لكلا الموطنين واحد نفس الموضوع نفس الظروف ورد مطلقا في موطن، ومقيدا في موطن آخر- فإن المنهج العلمي أن المطلق يحمل على المقيد ولا يبقى على إطلاقه، هذه قاعدة متفق عليها بين المذاهب عموما.
كيف سنطبق هذه القاعدة على هذا الكلام؟ نقول: ورد عن كثير من علماء السلف تقييدهم هذه العبارة بقولهم: أمروها كما جاءت بلا كيف، آها بهذا القيد. فهذا القيد الآن، عندنا نصوص عن السلف بعضهم يقول: كما جاءت، نفس هذا الرجل من علماء السلف في مكان آخر وفي سؤال آخر يقول: أمروها كما جاءت بلا كيف، ياتي بهذا القيد. فمرة ذكره مطلقا: أمروها كما جاءت من دون التقييد بنفي الكيفية، ومرة ذكرها مقيدة بنفي الكيفية. ما هو المنهج العلمي عند علماء الأصول؟ يعني حتى والمعتزلة من علماء أصول الفقه يعرفون هذه القاعدة، فهذا القيد يفهم من خلاله معنى قول من أطلق: أمروها كما جاءت.
لأننا إذا قلنا: أمروها كما جاءت، تعالوا على القيد المذكور في نصوص أخرى: أمروها كما جاءت بلا كيف، أن مراد السلف بالتالي لما يقولوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، أنه تعاملوا مع هذه النصوص على ظواهرها من دون الخوض في الكيفية. فالذي قال: أمروها كما جاءت، وسكت، لا يقصد أمروها كما جاءت أننا لا نعرف معانيها، لا لا. هو يقول: لها معاني، لكن هذه المعاني أمروها على ظاهرها كما جاءت من دون أن تخوضوا في الكيف، من دون أن تخوضوا في الكيف: أمروها كما جاءت بلا كيف.
وورد هذا القيد عن كثير من السلف مستفيضا، وسأذكر لكم بعض هذه التقييدات على سبيل التمثيل ليس على سبيل الحصر. الإمام أبو زرعة الرازي يقول في نصوص الصفات: أمروها كما جاءت بلا كيف -قيد-. عبد الله بن المبارك حين سأله رجل عن أحاديث الصفات قال: نمرها كما جاءت بلا كيف -قيد-. وكيع بن الجراح شيخ الأئمة يقول: سلم هذه الأحاديث التي في الصفات كما جاءت ولا تقل كيف كذا. لاحظ: سلم هذه الأحاديث التي جاءت في الصفات أو أسلم هذه الأحاديث التي في الصفات كما جاءت ولا تقل كيف كذا؟ إذا المشكلة في الكيف.
وقال في موطن آخر نفسه وكيع بن الجراح: ونحو هذه الأحاديث أي أحاديث الصفات نمرها كما جاءت بلا كيف. وقيل لابن عيينة: هذه الأحاديث التي تروى في الصفات كيف نتعامل معها؟ فقال ابن عيينة -طبعا كيف نتعامل معها؟ هذا شرح مني لمعنى السؤال- فقال ابن عيينة: حق على ما سمعناها ممن نثق به ونرضاه، يعني ما جاءنا بسند صحيح حق بدنا نقبله، نمرها كما جاءت بلا كيف.
وهذه كما وقع على سبيل التمثيل، وإلا فهذا مستفيض عن السلف أنهم يقولون: نمرها كما جاءت بلا كيف. التقييد بلا كيف يعطينا أحبتي المنهج واضحا، أن موضوع السلف الصالح هو نفي الكيفية فقط، التركيز على نفي الكيفية، وأما المعاني فالكل يقر بها على ظواهرها المتبادرة إلى الأذهان. والنصوص في ذلك كثيرة مستفيضة تدل بما لا شك فيه لمن طلب الحق بصدق أنهم إنما توقفوا وسكتوا عن الكلام في الكيف، وهذا هو الذي فوضوه.
يعني أهل السنة هل عندهم تفويض؟ نقول: أهل السنة عندهم تفويض في الكيف، نفوض الكيف إلى الله ما عندنا مشكلة، لكن تفويض المعنى خط أحمر لا نقبله، ولم يكن قصد أحد منهم أننا نجهل معاني نصوص الصفات أساسا.
وأختم الحديث في هذه الجزئية فأقول: ينبغي أن يعلم إذ نختام حديثي في هذا الموضوع، ينبغي أن يعلم أن مقصد الإسلاميين عموما -هذا قاعدة مهمة في نظرتنا إلى المخالفين من أهل الفرق الكلامية، نحن نحسن الظن بعلماء الأمة حتى الكلام أن نحسن الظن بهم- ونقول: ينبغي أن يعلم أن مقصد الإسلاميين عموما من أهل السنة ومن الفرق الكلامية الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة ممن كانوا لهم قدم صدق وعلم، أن مقصدهم جميعا هو تنزيه الله عن النقص ووصفه بالكمال، لكن وقع النزاع في بيان ما هو الكمال في حقه وما هو النقص.
يعني الفرق الكلامية وإن أخطأوا الطريق وإن كان خطأ يتوقف عنده ويجب أن يرد، لكننا نحسن الظن بالعلماء الكبار كالجويني والغزالي والباقلاني ونحوهم، وحتى المعتزلة العلماء الكبار الأثبات منهم كالزمخشري، أن هؤلاء قصدوا التنزيه، لكنهم أخطأوا في فهم ما هو التنزيه لله سبحانه وتعالى. أخطأوا في -أنا لا اريد أن أطيل عليكم- أخطأوا في بيان ما هو التنزيه لله سبحانه وتعالى.
إذا ولكن وقع النزاع في بيان ما هو التنزيه لله وما هو الكمال في حقه، وهذا الخلاف طبعا ليس خلافا فرعيا كما يحاول البعض أن، بل هو خلاف أصلي في الحقيقة؛ يعني خلاف هذا، لا يقول البعض: يا شيخ بما أن الكل قصده التنزيه إذا لماذا كل هذه الاشكاليات بين الفرق وبين أهل السنة ومن يواجههم؟ لا، نقول: الخلاف أصلي تعود جذوره إلى ماذا؟ سأبيّن لماذا خلاف أصلي؛ لأن جذوره تعود إلى طبيعة المنبع المصدر الذي تتلقى منه مسائل الاعتقاد. فمن حكم عقله كالفرق الكلامية ونهلوا من منابع الفلسفة الإغريقية، دفعوا النص بعقولهم وأهوائهم، فهذا الذي سبب انحرافهم عن الفهم الصحيح. ومن قنع بالتسليم كأهل السنة والجماعة ونهى العقل عن الهوى سلم واهتدى.
أننا مشكلتنا مع المتكلمين بعد إحساننا الظن أنهم قصدوا التنزيه، أن خطأكم الكبير: كم حكمتم عقولكم على النصوص! خطاكم الكبير أن منهجيتكم في التفكير العقدي خاطئة، أخذتموها من الفلسفة الإغريقية والهندية ونحو ذلك من الفلسفات ولم توحدوا المنبع، وهذا هو الفارق الأساس.
يعني بعض الأحبة -بعض الأحبة يناقش يقول: يعني لماذا يا شيخ تبقى النقاشات دائرة بين أهل السنة والأشاعرة والماتريدية والمعتزلة، لماذا ما نقول إن هذه اجتهادات؟- لا، هذه ليست اجتهادات، هناك من سلك منهجا صحيحا في التفكير العقدي وانطلق من منطلقات صحيحة هي منطلقات أهل السنة والجماعة التي أوصانا بها النبي صلى الله عليه وسلم: تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنتي. لكن الفرق الكلامية للاسف ذهبت إلى منابع أخرى فيها شوب، منابع غير نقية، منابع الفلسفة الإغريقية، اتخذوا الفلسفة الإغريقية وخلطوا معها النصوص القرآنية، فأتوا بعقيدة فلسفية مشوهة لا هي إسلامية صرفة ولا هي فلسفية صرفة.
من هذا تشوه في نظرهم إلى النصوص، وعظموا النصوص فحكموا بها على كلام وعظموا العقول فحكموا بها على نصوص الله سبحانه وتعالى. فاحنا مشكلتنا ليست في فقط أنكم أولتم الصفة ولا ما أولتموها، هذي مشكلة موجودة، لكن المشكلة الأعظم والخلاف الأشد هو المنطلق في التفكير العقدي؛ لأننا إذا أصبحنا نتساهل في أصول التفكير العقدي سنؤدي بالأمة إلى الهلاك، نفكر في العقيدة بعقولنا، نحكم على الله بعقولنا، الاعتقاد أحبتي هو أخطر شيء في حياة الإنسان، فأخطر شيء أن تحدد ما هي.
منابع التفكير العقدي؛ فإذا كانت المنابع كاسدة فاسدة معناها سيكون هناك انحراف وضياع وابتعاد عن منهج الرب سبحانه. والله لا يرضى عنا إذا ابتعدنا عن منهجه، الله يريد لأهل السنة والجماعة أن يحافظوا على المنهج الصحيح، أن يبينوا أصول البناء العقدي، وأن يبينوا ماذا يتفرع عن هذه الأصول، وأن يبقى الدفاع عن المنهج العقدي المحمدي قائماً.
لا يجوز أحبتي أن نميع مسائل الاعتقاد، لا يجوز أن نعتبرها مسائل اجتهادية فرعية الكل يقول ما يشاء، هكذا سيصبح تائهاً لا توجد أصول ومنطلقات ثابتة. علينا أن نحدد المنطلقات العقدية الصحيحة، ولا نقبل لأحد أن يناقش فيها، وكل من خالفنا في المنطلقات العقدية -في المنطلقات التي حددناها: الكتاب، السنة، إجماعات السلف، الفطرة، والأدلة العقلية الواضحة- وذهب إلى منابع أخرى، سنقول له: أنت خرجت عن طريقة أهل السنة والجماعة. أهل السنة هذه منابعهم العقدية، وأما أخذك من منابع فلسفية وظنك أن المنابع الفلسفية ستروي نهمك في العقيدة الإسلامية، نقول: هذا ابتعاد وحيد عن الطريقة السنية الصحيحة.
علماء الكلام وإن كان قصدهم التنزيه والتعظيم، لكن هذا ليس كافياً لسلامة المنهج والمسلك إن لم يصاحبه التسليم للنصوص والوقوف عندما حده النص. لذا من جميل ما نقله الإمام المحدث الكبير عبد الرحمن بن مهدي أنه ذكر عنده الجهمية وأنهم ينفون نصوص الصفات، فماذا قال عبد الرحمن بن مهدي؟ أنظروا كلمة عاقلة من إمام عاقل من جبال السلف. يقول عبد الرحمن بن مهدي -الله الآن أعيد النص مرة أخرى- الإمام عبد الرحمن بن المهدي ذكر عنده الجهمية وأنهم ينفون نصوص الصفات.
الجهمية كثير منهم لما نفى نصوص الصفات، إيش قالوا؟ الجهمية ماذا قالوا؟ قالوا: الله أعظم من أن يوصف بشيء. أنظروا ماذا قالوا؟ قالوا: الله أعظم من أن يوصف بشيء، يعني حتى الجهمية وهم ينفون نصوص الصفات قصدهم التعظيم، سنتبع هذا ابتداء. فقال الجهمية: الله أعظم من أن يوصف بشيء. فماذا علق عبد الرحمن بن مهدي على هذا الكلام؟ فقال عبد الرحمن بن مهدي: قد هلك قوم والله من هذا الوجه. أي من جهة قصدهم التعظيم هلكوا. كلمة كبيرة وعاقلة من عبد الرحمن: قد هلك قوم من هذا الوجه، أي من جهة قصدهم التعظيم.
فإن قوماً قالوا: الله أعظم من أن ينزل كتاباً أو يرسل رسولاً، ثم قال: وهلكت المجوس، هناك أصلاً من يقول: الله أعظم من أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم. يعني هل إذا جاء شخص أراد أن يعظم الله فيقول: الله أعظم من أن ينزل كتاباً أو أن يرسل رسولاً، سنقول بما أنك أنت قصدك التعظيم إذاً خلص يعني أمورك سهلة وأنت رجل صالح لأنك تقصد التعظيم؟ لا، نقول: هذا انحراف في التفكير، عظمة الله سبحانه لا تتعارض مع أن يرسل الرسل وينزل الكتب.
فهناك كثير من الأقوام هلكوا وضلوا بل والعياذ بالله ارتدوا على أعقابهم بسبب هذه الشبهة الإبليسية التي لا تتنقى ولا يذهب عنها الزغل إلا حينما نعود إلى الكتاب والسنة. ويكمل عبد الرحمن بن مهدي ويقول: وهل هلكت المجوس إلا من جهة التعظيم؟ فقالوا: الله أعظم من أن نعبده، ولكن نعبد من هو أقرب إلينا؛ فعبدوا الشمس وسجدوا لها. يعني المجوس وبعض الطوائف التي عبدت الشمس والكواكب إيش قالوا؟ قالوا: الله أعظم من أن نعبده، لازم نعبد شيئاً واسطة بيننا وبينه، فذهبوا يعبدون الشمس وكفروا بالله من جهة أنهم أرادوا التعظيم.
قصد التعظيم نحن نلحظه في الأئمة وفي علماء الكلام، ونحسن الظن بهم، لكن ما أراد أن أقوله: إن قصد التعظيم لا يعني أنهم على المسلك الصحيح، أو أن هذه المسائل فرعية، أو أنه يا شيخ دعونا نتجاوز هذه العقبة. لا، بما أنك أنت اخترت منهجاً ومنبعاً مكڈراً خارج المنابع الشرعية الأصلية التي نزلت من السماء ووجهتنا الشريعة إليها، فهذا معناه أنك ستخلف الأمة وستخلف البوصلة، توقعنا في المهالك وتجهلنا بربنا سبحانه وتعالى، وهذا أمر لا نقبله بحال من الأحوال.
هذا المنهج الكلامي يجعلنا نحرف نصوص القرآن الكريم، ويجعلنا نفقد المعاني والروحانيات والإيمانيات حينما نقرأ نصوص المحبة والغضب والنزول، لواء نفقد كل هذه الروحانيات لأننا سنفرغ هذه النصوص عن معانيها، سنؤولها ونحرفها إلى معاني باطلة، فيصبح كلام الله محرفاً على تحريف اليهود والنصارى لكتبهم، ونحن نريد أن نحافظ على كلام الله محفوظاً. ترى أحبتي لوازم الفرق الكلامية خطيرة، لذلك أنا أشدد في هذا الباب، المنهج الكلامي حقيقة هو ابتعاد شنيع وانحراف واضح عن منهج الحق سبحانه وتعالى، عن المنهج السوي الذي يقودنا إلى النهضة.
حتى نهضة الأمة والعودة إلى التفكير الصحيح في المنطلقات وفي بناء الحضارة يحتاج منا أن نعود إلى تفكير صحيح في بنائنا العقدي، الأمور جداً متلازمة لكن المكان والمقام لا يسعني لأن أتكلم. فانظر رعاك الله كيف يستهوي الشيطان الخلق ويلبس عليهم دينه، فيأتي العبد فيراوده على نفي الصفات من باب التعظيم. يعني الشيطان أتى لهؤلاء فراودهم أن ينفوا الصفات عن الله ومن باب يعني أنتم تريدون شيئاً خيراً، تريدون أن تعظموا الله فانفوا عنه الصفات، وأنك لست راداً لهذا النص حينما تنفيه بل أنت منزه لمولاك. ويا لله كم ضل تحت هذه المصيدة من الأذكياء والعقلاء، والله العاصم والهادي إلى الصواب، ونلتقي في مجلس آخر من مدارس غراس العلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية طريقك نحو علم شرعي راسخ
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل