تسجيل الدخول

شرح لمعة الاعتقاد (18) / قراءة كلام ابن قدامة في الصفات

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب لمعة الاعتقاد للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الصالحي رحمة الله تعالى عليه. بالمحاضرة السابقة أحبتي تكلمنا عن بعض النصوص المجملة للسلف الصالح في باب الصفات، وعرفنا كيف نتعقلها ونفهمها، وكيف نجمعها مع غيرها من النصوص المحكمة المفصلة، وبالتالي نكون انتهينا من تأسيس هذا الباب عموماً، وهو باب الصفات العلى، تأسيسه من حيث القواعد السبع التي يقوم عليها هذا الباب عند أهل السنة والجماعة، من حيث دراستنا وتحليلنا لمنهج ابن قدامة رحمة الله عليه والطريقة التي فهم فيها كلام السلف في هذا الباب.

ثم وقفنا كما قلنا عند بعض النصوص المجملة التي ينبغي أن نعالجها حتى لا يقف عندها الطالب حائراً وهو يحاول أن يتتبع ويتفهم ما الذي يقوله علماء السلف الصالح في مثل هذه المسائل؟ اليوم بإذن الله سأقرأ الباب الأول من ابن قدامة رحمة الله عليه في لمعة الاعتقاد. طبعا هذا الباب نحن شرحناه في ثنايا عرضنا لعقيدة ابن قدامة في باب الصفات؛ لأن ابن قدامة وكما قلنا لم يتطرق لمسائل توحيد الألوهية والربوبية؛ لأنها ليست هي محل رسالته، وليست هي موطن الإشكال الزمني الذي عاشه رحمة الله عليه، وإنما تطرق لباب الأسماء والصفات؛ لأنها هي المسألة الإشكالية التي كانت أو المشكلة التي دار عليها الحديث في زمنه، فاضطر أن يؤلف فيها، وكما قلنا نحن نجهل الدافع الذي دفعه لتأليف لمعة الاعتقاد، هل هو إجابة عن سؤال أو مشكلة وقعت في بلدته فاحتاج أن يجيب باللمعة؟ الله تعالى أعلم ما هو الدافع الذي دفعه لتصنيف هذه الرسالة.

لكن المهم كما قلنا أنه عالج في هذه الرسالة مجموعة من القضايا العقدية، وفي مسائل التوحيد عالج أولاً مسألة توحيد الأسماء والصفات، ونحن كما قلنا تطرقنا لمنهج ابن قدامة في الأسماء والصفات، ونقلنا جزءاً من كلامه في اللمعة، ونحن نحاول أن نستقرئ ما هو منهج ابن قدامة في هذا الباب، ما هي النصوص التي تعطينا إشارات عن الفكر الذي قام عنده ليس فقط من اللمعة؛ لأن تحديد منهج ابن قدامة في باب الصفات أحبتي لا يؤخذ فقط من لمعة الاعتقاد، وهنا خطأ وقع فيه كثير من المعاصرين الذين درسوا لمعة الاعتقاد، خطأ وقع فيه كثير من المعاصرين الذين درسوا كتاب لمعة الاعتقاد وشرحوه أنهم سعوا لبيان منهج ابن قدامة رحمة الله عليه أو حاولوا فهم منهج ابن قدامة في باب الصفات فقط من كتاب لمعة الاعتقاد.

وكتاب لمعة الاعتقاد لا يشكل الصورة كاملة، لابد أن نعود إلى كتبه المشهورة تحريم النظر في كتب الكلام وذم التأويل واللمعة والصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم، ونأخذ كل النصوص التي تكلم فيها ابن قدامة حول هذا الموضوع هي التي ستشكل لنا رؤية شاملة عن هذا الرجل رحمة الله تعالى عليه، فقط الاعتماد على نص أو على نصين لا يعطينا صورة كاملة ولا يمنحنا الحقيقة كما هي، وهذا طبعا بيناه وحينما تكلمنا عن منهجية التوثيق العقدي وأهميتها في الوصول إلى آراء العلماء والأئمة.

دعوني إذا اليوم حتى نكون نحن قرأنا لمعة الاعتقاد في هذه الدورة المباركة، دعوني أقرأ ماذا ذكر ابن قدامة رحمة الله عليه في هذا الفصل مع تعليق يسير على بعض الأفكار، فنقول مستعينين بالله، قال الإمام الموفق رحمة الله تعالى عليه: الحمد لله المحمود بكل لسان في كل زمان. طبعا معنى الحمد والفرق بين الحمد والشكر هذا أطنبت فيه الحديث في العديد من الدورات السابقة فعودوا إليه، أنا سأقرأ لمعة الاعتقاد لنقف على مقاصدها وليس تحليلاً لفظياً لكل لفظة لفظة؛ فإن مثل هذه الرسائل العقدية التي صنفها العلماء لا ينبغي أن يتعامل معها بالألغاز مفردة، بل ينبغي أن يتعامل معها بالنصوص المركبة الجملية لتستخلص منها المقاصد.

فقال رحمة الله عليه: الحمد لله المحمود بكل لسان في كل زمان، الذي لا يخلو من علمه مكان، ولا يشغله شأن عن شأن، جل عن الأشباه والأنداد. طبعا الند هو النظير المضاد، وهذا كثيراً ما تجدونه في رسائل العلماء، يقولون: جل عن الأشباه والأنداد، إيش الفرق بين الأشباه والأنداد؟ الند هو النظير المضاد، فالله سبحانه وتعالى لا يوجد له نظير موافق له، ولا يوجد له نظير مضاد له، فهذا معنى جل عن الأشباه والأنداد. لماذا يقابلون بين هذا وهذا؟ نقول الأشباه النظير الموافق، والأمداد النظير المضاد، فلا يوجد إله يشترك معه سبحانه وتعالى في حكم الكون، ولا يوجد إله يضاده أيضاً في حكم الكون، فهو سبحانه وتعالى المتفرد عن الأشباه المشاركين وعن الأنداد المضادين له جل في علاه، إذا جل عن الأشباه والأنداد. عرفنا لماذا يجمعون بين نفي الشبيه ونفي الند؟ وتنزه عن الصاحبة والأولاد، أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة؟ وقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ هُوَ الْغَنِيُّ﴾. إذاً وتنزه عن الصاحبة والأولاد، ووجود الزوجة ووجود الأولاد هو أصلاً كما قلنا من علامة الافتقار، والله سبحانه وتعالى كما أخذنا أسماؤه تدل على كمال الحسن، وصفاته تدل على الكمال المطلق، إذاً وتنزه عن الصاحبة والأولاد، ونفذ حكمه في جميع العباد.

لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير. لا تستطيع عقولنا أن تدرك كنه ذاته، ولا أن تدرك كيفية اتصافه بصفاته؛ فإن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فاذا كنا نجهل كَيْفَ ذاته سبحانه وتعالى، فاننا بالتالي سنجهل كيف اتصف بصفاته مع اثباتنا لما اثبته سبحانه وتعالى منها في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم. وهذه الجملة متفق عليها بين علماء أهل السنة والجماعة، أنه سبحانه لا تمثله العقول بالتفكير، مهما حاولت العقول أن تخوض في ذاته وأن تتوهم كيفية اتصافه بصفاته لا تستطيع أن تصل إلى شيء في ذلك، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير.

ثم أتى بالآية المحكمة، بالآية المحكمة في باب الأسماء والصفات، وهي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. وقلنا هذه الآية أحبتي تدل على المنهج الكامل: نفي التحريف والتعطيل ونفي التكييف والتمثيل. فقوله ليس كمثله شيء هذا نفي التكييف والتمثيل، وقوله وهو السميع البصير المقطع الثاني من الآية نفي التأويل اللي هو التحريف، نفي للتحريف وللتعطيل كما سبق بيانه، فهذه آية تعتبر آية محكمة عند علماء أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات.

ثم بعد أن أتى بهذه الآية المحكمة قال: له الأسماء الحسنى والصفات العلى. له الأسماء الحسنى والصفات العلى. إذاً ابن قدامة يخبرنا أنه ممن يثبت الأسماء الحسنى، وأنه يثبت الصفات العلى. لكن كيف تثبت الصفات؟ هل تثبتها كمعاني يا ابن قدامة رحمة الله عليك، أم أنك تتعامل مع نصوص الصفات على أنها مجرد ألفاظ وتفوض المعاني إلى الله؟ هنا كانت المشكلة أو الحوار بيننا وبين ابن قدامة. فكما قلت لكم أحيانا لا يمكن أن نقف عند نص واحد أو جملة واحدة لنعرف منهج الإمام، لابد نجمع كل النصوص التي تكلم بها حول هذه القضية وحول هذا الموضوع لتتشكل عندنا رؤية كاملة كيف يفكر هذا العالم، لا يمكن ذلك إلا من خلال الجمع وإلا محاورة الاقتطاع والاقتباس لجذب هذا العالم لتيار دون هذا العالم لتيار دون آخر، هذه ليست محاولة بحثية جادة لتحديد الحق والوصول إليه.

ثم بعد أن قال: له الأسماء الحسنى والصفات العلى، قال: الرحمن على العرش استوى، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى. يعني لاحظوا أنه بعد أن أتى بقوله له الأسماء الحسنى والصفات العلى، أتى بهذه الآية التي تثبت استواء الله على عرشه، فقال: الرحمن على العرش استوى، وهذا كما قلت يشير أحبتي إلى القضية التي ذكرناها سابقاً، وهو أن ابن قدامة رحمة الله عليه وإن كان مفوضاً عاماً في باب التقعيد، لكنه في باب التطبيق يجنح أحياناً إلى إثبات المعاني للصفات، وأحياناً يجنح إلى تفويض المعاني من ناحية تطبيقية.

فهو حينما قال: له الصفات العلى، ثم أتى مباشرة: الرحمن على العرش استوى، هو يريد أن يرد على علماء الكلام الذين ينفون صفة الاستواء للعرش أو صفة استواء الله سبحانه وتعالى على عرشه بأنها بمعنى الاستيلاء، أنه استولى، وهذا معنى لا حقيقة له في هذه الآيات، فابن قدامة يتقصد لما قال: له أسماؤه الحسنى والصفات العلى، على رأسها: الرحمن على العرش استوى، فهذه آية تثبت صفة الاستواء على العرش لله سبحانه وتعالى، وقد يكون ابن قدامة من الذين يثبتون الاستواء على العرش بمعناه الحق، وإن كان كما قلنا في كثير من نصوص الصفات الأخرى يجنح إلى التفويض، لكن في صفة الاستواء على العرش وكأنه يجنح فيها إلى إثبات معانيها.

قال: أحاط بكل شيء علماً، وقهر كل مخلوق عزة وحكماً، ووسع كل شيء رحمة وعلما، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً. إلى أن يتكلم عن علم الله سبحانه وتعالى، يتكلم عن عزة عن عزته وحكمه وعن رحمته. قال: موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم وعلى لسان نبيه الكريم. هذه أيضاً قاعدة يقول ابن قدامة: موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم وعلى لسان نبيه الكريم. فهو يبين لنا أن المنطلق في إثبات الأسماء الحسنى والصفات العلى هو الكتاب والسنة.

قال -ما زال يكمل تقعيداته-: وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له بالرد. لا يجوز أن ترده. وترك التعرض له بالرد والتأويل -اللي هو التحريف- والتشبيه والتمثيل. طبعا يقول ابن قدامة: إذاً نصوص الصفات الواردة في القرآن أو عن النبي صلى الله عليه وسلم وجب الإيمان بها وتلقيها بالتسليم والقبول. طيب إذاً ابن قدامة يسلم بنصوص الصفات، لكن مشكلتنا هو هل يسلم بنصوص الصفات على معانيها أم أنه يفوض معانيها إلى الله؟

يعني أحبتي ابن قدامة كما قلنا هناك إشكالية في طرحه في كتبه المتنوعة، أنه كما ظهر لنا من خلال الاستقراء أحياناً في نصوص تدل على أنه يثبت معاني نصوص الصفات، وهناك نصوص أخرى تدل على أنه يفوض معاني نصوص الصفات ويؤمن بها كألفاظ، وهذا كما قلنا منهج، يعني هناك منهج التفويض وأنهم يقولون إن نصوص الصفات هي صفات لكننا لا نعلم معانيها. لاحظتم ما هو المنهج؟ أن نصوص الصفات آيات الصفات أحاديث الصفات هي نصوص تتكلم عن صفات لله، لكن ما معنى هذه الصفة؟ هل ندرك نحن معناها أم فقط نؤمن بألفاظها ونقول معناها عند الله؟ هذه مشكلتنا. فمجرد قول ابن قدامة: نحن نؤمن بنصوص الصفات في القرآن والسنة لا يدل على حقيقة منهجه. يعني هذه ما زلنا نعتبرها عموميات، ما زلنا نعتبرها عموميات لا توقفنا على حقيقة منهجه، بل لابد أن نتعمق معه في التفاصيل أكثر وأكثر.

فالمهم كما قلنا يقول ابن قدامة: وكل ما جاء في القرآن وصح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض... لا يجوز عند ابن قدامة رد نصوص الصفات، لا يجوز تأويلها وتحريفها عن معانيها الظاهرة وإلى معاني باطلة كما ذكرنا كيف رد ابن قدامة على الذين حرفوا استوى على العرش وجعلوها بمعنى استولى، هذا رد عليه ابن قدامة رد واضح صريح. إذاً وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل.

الآن نفي التمثيل هذا متفق عليه بين علماء أهل السنة والجماعة؛ لأن الله نفاه: ﴿ليس كمثله شيء﴾، التمثيل هذا واضح، فصفات الله لا تماثل صفات المخلوقين. لكن نفي التشبيه هذه اعتبرها البعض من الألفاظ المجملة، إن قُصِد بنفي التشبيه أن كيفية اتصاف الله بصفاته لا تشبه الكيفية التي يتصف بها المخلوق بالصفات، فهذا معنى صحيح وننفيه عن الله. إن أُرِيد بالتشبيه نقول الله عز وجل لا نشبهه، إن أريد بالتشبيه أن كيفية اتصاف الله بصفاته لا تشبه الكيفية التي يتصف بها المخلوق بصفاته، فهذا النفي الصحيح، نقول ننفي التشبيه بهذا المعنى.

لكن هناك استخدام آخر للتشبيه وهو أن يقال أن هناك كما قلنا قدر مشترك بين الصفة التي نثبتها لله ويشترك معه المخلوق في إثباتها له، مثل مثلاً صفة السمع التي يثبتها أهل السنة والأشاعرة فنقول صفة السمع، نقول أصل معنى السمع القدر المشترك هذا ثابت لله سبحانه وتعالى وثابت للمخلوق، لكن كيفية اتصاف الله بالسمع ولوازم هذه الصفة في الخارج تختلف بين الخالق وبين المخلوق. فحينما نقول هناك قدر مشترك في الصفة به نتعقل معنى هذه الصفة ونفهمها وهو مشترك بين الخالق وبين المخلوق، نقول هناك إذاً نوع من التشابه في الأصل في أصل المعنى أو في القدر المشترك.

هذا القدر من التشابه في أصل المعنى أو في القدر المشترك هذا لا ننفيه، التشابه في أصل المعنى وفي القدر المشترك هذا لا ننفيه، بل هو ضرورة عقلية؛ لأنه به نفهم معنى اتصاف الله السمع والبصر والوجود والكلام والارادة إلى غير ذلك من الصفات التي أخبرنا بها في كتابه، فلابد من وجود تشابه في.

للمعنى، وهذا لا ينفى بل هو ضرورة عقلية. وأما التشابه في الكيفيات واللوازم الخارجية، يعني في كيفية اتصاف الله بالصفات، نعم، فهذا هو التشبيه الذي ينفى. لذلك بعض ما نفى التشبيه بل اقتصر على نفي التمثيل، فقالوا في صفات الله نثبتها لله بلا تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. ما قالوا ولا تشبيه. الآن من قال ولا تشبيه من السلف الصالح، يقصد لا تشبيه أي في اللوازم والهيئات الخارجية، ومن سكت ولم يتطرق إلى نفي التشبيه فقد خشي من أن ينفى بالتشبيه شيء هو حق وواقع ولا يجوز أن ينفى، وهو اشتراك الخالق والمخلوق في أصل المعنى، وهو ما يسمى المعنى الكلي القدر المشترك، فهذا لا يجوز أن ينفى التشابه فيه؛ لأن نفي التشابه يقودنا إلى التعطيل. فلذلك بعض السلف يعني لم يتطرق إلى موضوع نفي التشبيه، والبعض تطرق إليه، ولا حرج في ذلك؛ لأنه يمكن أن نجمع بين هذا وهذا، وأن نقول من نفى التشبيه فإنما يقصد نفس الشيء، يقصد بنفي التشبيه نفي التمثيل والتكييف، يقصد به نفس المعنى من دون وجود فرق.

إذاً يقول ابن قدامة: وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم قبول وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل. ثم قال لاحظوا: وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظا وترك التعرض لمعناه. هذا نقلت النص سابقا عن ابن قدامة يقول: وما أشكل من ذلك، يعني وما أشكل علينا فهمه من نصوص الصفات، وجب إثباته لفظا، يعني نحن نؤمن بهذه النصوص كألفاظ ونترك التعرض لمعانيها ونرد علمها إلى قائلها ونجعل العهدة على الناقل اتباعا لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]. وقال سبحانه في ذم مبتغي التأويل لمتشابه التنزيل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7]. فجعل سبحانه ابتغاء التأويل علامة على الزيغ وقرنه بابتغاء الفتنة في الزمن، فكما ذم الله الذين يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة ذم الذين يتبعون المتشابه ابتغاء التأويل، فقارن بينهما في الذم ثم حجبهم عما أملوه وقطع أطماعهم عما قصدوه بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7].

من عند قول ابن قدامة وما أشكل من ذلك إلى آخر ما ذكره في تفسير هذه الآية هذا ذكرت لكم سابقا في المحاضرة، ليس السابق قبلها وأنا أطرق إلى منهج ابن قدامة، ذكرت أن هذا النص في لمعة الاعتقاد يجنح ويميل إلى أن ابن قدامة مفوض جزئي؛ لأنه قسم في لمعة الاعتقاد أقول ابن قدامة يقسم نصوص الصفات إلى أن هناك نصوص صفات في القرآن وفي السنة نحن نعلم معناها وهناك نصوص صفات نحن لا نعلم معناها، فهذا القسم نصوص الصفات التي لا نعلم معناها واشكل علينا نؤمن بها مجرد ألفاظ ونفوض معانيها إلى الله سبحانه وتعالى ونقول هذه النصوص نحن لا نعلم معانيها نؤمن بها بمجرد ألفاظ. فكلامه في لمعة الاعتقاد يرجح أنه مفوض جزئي، لكن لما جمعنا كل أطراب الكلام من كل كتبه وجدنا لا، إنه في الكتب الأخرى يؤصل لنظرية التفويض بشكل كلي، لكن حينما يأتي ليطبق هذه النظرية على النصوص نعم يصبح مفوضا جزئيا.

لذلك قلت لكم كتأصيل هو يؤصل لفكرة التفويض، لكن كتطبيق أحيانا نثبت بعض النصوص أو بعض نصوص الصفات يثبت لها معانيها مثل العلو لله سبحانه، مثل الكلام كما سيأتي معنا، وهناك بعض نصوص الصفات لا يتوقف في معناها ويؤمن بها كألفاظ ويقول معناها عند الله أنا لا أعلم معناها، وهذا واضح أحبتي في لمعة الاعتقاد لما يقول لك: وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظا وترك التعرض لمعناه ونرد علمه إلى قائله، واضح أن منهجية تفويضية في بعض نصوص الصفات. بعض الأفاضل الأخيار ممن شرح هذا الكتاب يحاول أن يقول أن قول ابن قدامة وترك التعرض لمعناه يقصد به ترك التعرض لكيفية اتصاف الله بالصفة، لكن في الحقيقة يعني أجد هذا الفهم بعيد جدا عن سياق الكلام، بل سياق الكلام هنا مع سياق مع نصوص ابن قدامة الجملية لا تدل على أن ابن قدامة يريد ما هو متبادر إلى الذهن من هذه العبارة أنه يرى أن هناك بعض نصوص الصفات مشكلة فيؤمن بها بمجرد الألفاظ وهذه كلمة بمجرد الألفاظ هو نقلها ابن قدامة يفوض معانيها إلى الله سبحانه وتعالى.

ثم بعد ذلك يبين لنا ابن قدامة ما هي الآية التي ارتكز عليها في هذا الباب، يعني في منهجه في التفويض الجزئي في لمعة الاعتقاد. ما هي الآية التي ارتكز عليها في تفويضه الجزئي؟ وهذه الآية يكررها ابن قدامة في جل كتبه، بل حتى في كتابه في أصول الفقة روضة الناظر أتى بها، هذه الآية هي آية مشهورة في سورة آل عمران قوله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]. هذه الآية تشكل منطلق عند ابن قدامة في التفكير في باب الصفات العلى، لأن ابن قدامة باختصار في كتاب روضة الناظر صرح بأن آيات الصفات عنده في اعتقاده هو من المتشابهات التي ذم الله عز وجل من يطلبها ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويلها. ابن قدامة نص في روضة الناظر بأن آيات الصفات من المتشابهات التي ذم الله عز وجل من يطلبها وجعله يعني وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 7]. الذين يتبعون المتشابهات ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل ذمهم الله سبحانه وتعالى. هكذا فهم ابن قدامة هذه الآية وساعود إلى فهمه، لكن دعونا أحبتي نقف عند هذه الآية في بيان معناها عموما لن أخل في التفاصيل كثيرة لكن لابد أن يكون لي وقفة عندها حتى نفهم هذه الآية وما هي المنهجية التي تدل عليها؟

لانه في الحقيقة الآن هذه الآية كل الفرق الكلامية والفرق الإسلامية تحاول أن تفهمها بطريقة توافق منهجها، الفرق الإسلامية من المعتزلة والاشاعرة والكلابية وغير كل فرقة تحاول أن تفهم هذه الآية أو تأتي بهذه الآيات بمعنى يوافق منهجيتها في التفكير العقدي. لذلك لابد أن يكون لأهل السنة والجماعة فيها رأي واضح يفهم من خلاله ما هو المحكم الذي أراده الله؟ وما هو المتشابه؟ وما معنى ذم الذي يبتغي أو يطلب المتشابه؟ يقول الله سبحانه وتعالى في هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7]. إذا مطلع الآية يقسم لنا النصوص القرآنية إلى نصوص قرآنية محكمة ونصوص قرآنية متشابهة.

طيب ما معنى الآيات المحكمات وما معنى الآيات المتشابهات هنا المفصل وهنا يقع النزاع بين العلماء. ما معنى هناك آيات محكمات؟ ما معنى الإحكام هنا؟ وما معنى التشابه؟ طبعا هذا يسمى الإحكام الخاص والتشابه الخاص. نقول أحبتي المراد بالآيات المحكمات هي الآيات التي اتضحت معانيها واتضحت حقائقها لنا في الخارج، أعيش أقول الآيات المحكمات هي آيات فهمنا معانيها وفهمنا حقيقة هذه المعاني في الواقع الخارجي، فهي آيات واضحة جدا في معانيها وفي حقائقها في الواقع الخارجي. أما المتشابهات القسم الآخر: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ فهي آيات نفهم أصلا معناها اللغوي لكننا نجهل حقائقها في الواقع الخارجي؛ لأننا لم نشاهد لهذه المعاني نظيرا نستطيع أن نقيسها عليه أو أن نفهمها من خلاله.

أعيد الآيات المتشابهات في آيات نفهم أصل معناها اللغوي نفهمها بمعانيها لكننا لا نعرف حقائقها في الواقع الخارجي؛ لأن هذه المعاني لا نجد لها نظيرا ومثيلا في واقعنا نفهمها من خلاله، فنحن نفهم أصل المعنى، لكن كيف هو في الخارج؟ الله تعالى أعلم، هذا هو الفرق بين الآيات المحكمات والايات المتشابهات. آيات المحكمات وهي التي نعلم حقائقها، يعني نعلم معناها اللغوي ونعلم حقيقة هذا المعنى في الخارج. آيات المتشابهات آيات نعرف أصل معناها اللغوي لكننا لا نعرف كيف هي في الخارج مآلها في الخارج لا نعلمه.

طيب مثل ايش يا شيخ آيات متشابهات نحن لا نعلم حقائقها في الخارج لكننا نعرف أصل معناها؟ هناك العديد من الآيات التي يمكن إدخالها ضمن المتشابهات بهذا المفهوم، مثل الآيات التي تتكلم عن أهوال يوم القيامة وما سيكون من الميزان والصراط وتطاير الصحف والحشر. الآيات التي تتكلم عن أهوال يوم القيامة ومراحل اليوم الآخر هي آيات متشابهة. ما معنى أنها متشابهة؟ يعني أننا نعلم معناها، لكننا لا نعرف حقائقها في الخارج؛ لأننا لم نشاهد لها نظيرا. فلو سألت كيف يكون الميزان عند الله سبحانه وتعالى شكل وصورته؟ أقول لك الله عز وجل أعلم، هناك ميزان حقيقي، لكن كيف شكله وصورته في الخارج الله تعالى أعلم. كيف سيكون شكل الصحف التي نأخذها بأيماننا وشمائلنا -نسأل الله أن نكون أهل اليمين- كيف يأخذها الناس بأيمانهم وشمائلهم؟ الله تعالى أعلم. كيف يكون الصراط المنصوب؟ الله تعالى أعلم. نحن نعلم معنى الصراط، نعلم معنى الميزان، نعلم معنى الصحف، نعلم معنى وجود قنطرة بين الجنة والنار، نعلم معنى حوض النبي صلى الله عليه وسلم، لكن حقائقها في الخارج صورتها في الخارج لا نعلمها؛ لأننا لم نشاهد لها نظيرا في واقعنا، وإنما الله عز وجل أخبرنا بها. فهناك قدر مشترك بين الميزان الذي نراه في حياتنا والميزان الذي هو في يوم سيكون في عرصات يوم القيامة، قدر مشترك أصل معنى نفهم به ما معنى كلمة ميزان يوم القيامة، معنى صحف يوم القيامة، معراط يوم القيامة، لكن كيف سيكون هذا الميزان شكلا ومظهرا وما الخارجية؟ كذلك الصراط هذه لا نعلم كيفياتها.

كذلك ما يمكن أن يعد من المتشابهات ما ذكر الله عز وجل به قضية البرزخ أو ماذا ورد في الأحاديث النبوية من عذاب القبر، فعذاب القبر والحياة البرزخية نحن نعلمها كمعنى لكن حقائقها في الخارج كيفية صورتها وما تكون عليه هذا نحن لا نعلم، ونسأل الله أن يرحمنا في تلك اللحظات. كذلك ما يتعلق بصفات الله، فصفات الله عز وجل نحن نعلم معانيها، نعلم معانيها لكننا نجهل حقائقها في الخارج، يعني لوازمها وكيفياتها في الخارج. فكل هذا يمكن اعتباره من المتشابهات: الآيات التي تتكلم عن أهوال يوم القيامة وعن ما أعده الله في الجنة وما أعده الله في النار، الآيات التي عن عذاب القبر ونعيم القبر مراحل البرزخ، الآيات التي تتكلم عن صفات الله سبحانه وتعالى. هل عندنا في عد هذه الآيات من المتشابهات بالمعنى الذي قررناه للمتشابه، وهو أن المتشابهات نعلم معناها اللغوي لكننا لا نعلم حقائقها في الخارج، كيفياتها في الخارج لا نعلمها؟ فإذا المتشابهات بهذا المفهوم واضحة اصبحت عندنا محكمات نعلم معانيها وحقائقها ومدلولاتها في الخارج، ومتشابهات نعلم معانيها لكننا لا نعرف حقائقها ومدلولاتها في الخارج. تمام؟

طب دعونا نكمل الآية حتى نفهمها، إذا قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ يعني هذول الأصول وأخر متشابهات هذه الفروع. طيب: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ الذين في قلوبهم مرض: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ يتبعون الآيات المتشابهة: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ فتنة الناس والتشويش عليهم كما تبعد الفرق الكلامية، وابتغاء تأويله، يعني الذين في قلوبهم مرض يقفون عند الآيات المتشابهات ويتبعونها ابتغاء للفتنة فتنة الناس والتشويش عليهم في معتقداتهم وابتغاء لتأويلها.

كلمة التأويل أيضا لابد نقف عندها، ما المراد وابتغاء تأويله؟ الآن أحبتي ركزوا معي، كلمة التأويل لها ثلاث معاني تستعمل بها: معنيان متقدمان مشهوران عند العرب وهناك معنى متأخر لها نشأ مع نشأة العلوم الشرعية. هناك معنيان متقدمان معلومان عند العرب وهناك معنى ثالث لكلمة التأويل متأخر نشأ مع نشأة العلوم الشرعية.

ما هي معاني كلمة التأويل؟ التأويل أول معانيه التفسير، فكلمة التأويل تستخدم بمعنى كلمة التفسير عند العرب، وبهذا المعنى استخدمها علماء التفسير الأوائل مثل ابن جرير الطبري الذي سمى كتابه الكبير الضخم في التفسير جامع البيان في تأويل القرآن. ما معنى تأويل القرآن؟ أي تفسير القرآن. فكلمة التأويل معهودة عند العرب بمعنى التفسير، فيقولون وتأويل هذه الآية دايما ابن جرير يقول: وتأويل هذه الآية، ما معنى تأويلها؟ تفسيرها شرحها. فالتأويل يأتي بمعنى التفسير والشرح، هذا المعنى الأول له.

المعنى الثاني للتأويل المعروف أيضا عند العرب هناك معنى آخر لهذه الكلمة، التأويل بمعنى حقيقة الشيء التي يؤول إليها في الخارج، يقولون تأويل الكلام ايش يعني؟ هذا معنى آخر غير تفسير الكلام، يقولون تأويل الكلام يعني حقيقة وصورته في الخارج هذا يسمى تأويلا. فحينما اقول لك اول لي هذا الكلام ممكن أكون أقصد فسر لي هذا الكلام، ويمكن أقصود أول هذا الكلام أي أرني حقيقته في الخارج، أرني حقيقته وصورته في الخارج. فأنت مثلا قلت مثلا عندي هاتف، فأقول لك أول لي هذا الكلام، يمكن أن يكون قصدي يعني فسر لي ما معنى عندي هاتف؟ ويمكن أن أكون أقصد بأول لي هذا الكلام أي أرني حقيقة هذا الهاتف أين هو، أرني صورته. إذا فالتأويل عند العرب يأتي بمعنى تفسير الكلام وشرحه، ويأتي بمعنى حقيقة وصورة الكلام في الخارج.

المعنى الثالث للتأويل، وكما قلنا هو معنى متأخر حادث لم تستعمله العرب قديما.

التأويل المعروف عند علماء أصول الفقه وعلماء الكلام وغيرهم، وهو: صرف الكلام عن معناه الظاهر إلى معنى آخر مرجوح بسبب وجود قرينة اقتضت هذا التأويل. صرف الكلام عن معناه الظاهر إلى معنى آخر لوجود قرينة اقتضت هذا العدول، وهو بمعنى المجاز. فاستخدام التأويل بهذا المعنى الثالث (التأويل بمعنى صرف الكلام عن معناه الظاهر المتبادر إلى معنى آخر لوجود قرينة اقتضت هذا العدول) هذا يسمى تأويلاً.

طبعاً هناك تأويل صحيح، وهو إذا كان العدول عن المعنى الظاهر المتبادر إلى المعنى الآخر بقرينة صحيحة، فهذا التأويل صحيح وهذا المجاز صحيح، ويكون بالتالي المعنى هذا الذي سميناه مرجوحاً يكون في الحقيقة هو المعنى الظاهر من السياق.

يعني في شرح هذا التعريف بسطناه في كتب أصول الفقه وفي شرحنا على قواعد الأصول، لكن ما يهمنا أن تفهم أن التأويل له معنى ثالث وهو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى المعنى المرجوح، لكن هذا الصرف ليس بالهوى، لأنه أن تصرف اللفظ إلى معناه ظاهر معنى مرجوح من دون قرينة هذا التأويل الفاسد.

لكن أن تصرفه من المعنى الظاهر إلى المعنى المرجوح لقرينة، هذا هو التأويل الصحيح. لكن عموماً هذا التفسير لكلمة التأويل أنها الصرف عن المعنى الظاهر إلى المعنى المرجوح، هذا معنى متأخر لهذه الكلمة، وبما أنه معنى متأخر نشأ مع نشأة العلوم، لا يجوز أن أفسر كلمة تأويل في هذه الآية بهذا المعنى الثالث، لأنه اتفقنا هذا المعنى الثالث كلمة التأويل لم يكن حاضراً في أذهان الصحابة وأذهان العرب حينما نزل القرآن يخاطبهم بهذه الآية، فبالتالي يجب أن استثني المعنى الثالث. ومن خطأ بعض المفسرين المتأخرين أنهم تأثروا بقضايا التأويل عند الأصوليين وعلماء الكلام فقالوا: معنى التأويل في هذه الآية القرآنية ﴿وَابْتِغَاءَ فِتْنَةٍ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: 7] هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى المعنى المرجوح. نقول: هل هذا تفسير خطأ؟ لأن كلمة التأويل، لأن التأويل لم تكن معروفة بهذا المعنى عند الصحابة وعند العرب عموماً، وإنما ينبغي أن تفسر التأويل بأحد المعنيين المعلومين عند العرب: أما التأويل بمعنى التفسير، أو التأويل بمعنى حقيقة الشيء التي يؤول إليها في الخارج.

أما تفسر كلمة التأويل في هذه الآية بالمعنى الأول أو المعنى الثاني، أما المعنى الثالث هذا لا نفسر به، لأنه معنى حادث متأخر. طيب، إذاً دعونا ننظر أي المعنيين يصلح لشرح كلمة التأويل هنا؟ هل هو المعنى الأول ولا المعنى الثاني؟

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: 7] كما قلنا، فتنة التشويش على الناس، ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، وابتغاء تأويله يعني ابتغاء تفسيره ولا المراد ابتغاء الوصول إلى حقيقته في الخارج؟

فهمنا لكلمة المتشابه هو الذي سيقودنا إلى فهم كلمة التأويل. إذا أنت فسرت المتشابه بشكل صحيح وفهمته بشكل صحيح، ستفهم كلمة التأويل هنا بشكل صحيح. إذا فسرت المتشابه بشكل خاطئ سيقودك هذا إلى تفسير كلمة التأويل بشكل خاطئ. نحن إيش فسرنا المتشابهات؟ قلنا: المتشابهات هي النصوص التي نعلم أصل معناها اللغوي لكننا لا نعلم حقيقتها في الخارج لأننا لم نشاهد لها نظيراً مماثلاً لها في حياتنا، تمام، هكذا فسرنا المتشابه. بالتالي لما يقول سبحانه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: 7]، الله عز وجل لا يذم من يبتغي تأويل هذه المتشابهات بمعنى تفسيرها، لأن تفسير المتشابهات هذا ممكن حاصل، لأنه متشابه نحن نعلم أصل معنى، نحن نعلم أصل معناه، فبالتالي تأويل المتشابه نفسر التأويل بالمعنى الأول وهو التفسير، لا حرج فيه لأن المتشابه معلوم المعنى أصالة لكنه مجهول الكيفية والصورة الخارجية.

فتأويل المتشابه بمعنى تفسير المتشابه هذا لا إشكال فيه ولا يذم صاحبه، لأنه ضمن المستطاع؛ آيات المتشابهات معلومة أصل المعنى، لكن تأويل المتشابه الذي يذمه الله هو التأويل بالمعنى الثاني؛ تأويل المتشابه يعني الوصول إلى حقيقة وصورة هذه الآيات المتشابهات في الخارج. اه، إذا أردت أن تصل إلى حقيقة وصورة هذه الآيات المتشابهات في الخارج تكون أنت مذموم عند الله سبحانه وتعالى، لأنك لن تستطيع أن تصل إلى حقيقتها في الخارج لأنك لم تشاهد لها مثيلاً ولا نظيراً، بالتالي سعيك إلى الوصول إلى حقائقها في الخارج سيقود هذا إلى تشبيه الخالق بالمخلوق، وسيقودك إلى أغاليل وتصاوير وأوهام عقلية في إدراك حقائق هذه الآيات في الخارج ولا يكون هذا واقعاً صحيحاً.

فآيات الصفات إذا عددناها من المتشابه نقول: نحن نؤول هذه الآيات بمعنى نفسر معناها، وإن كنت قلت في المحاضرة السابقة أن السلف الصالح كانوا يسكتون عن تفسير آيات الصفات من أن يعرفوها أو يخوضوا في تفسيرها بألفاظ لا تليق بجلال الله، وإن كان بعضهم مثل أحمد بن حنبل خاض في تفسير بعضها ليرد على الجهمية الذين نفوا معاني نصوص الصفات، لكن المهم آيات الصفات تأويلها بمعنى تفسيرها وإدراك المعنى العام لها هذا لا إشكال فيه، لكن تأويلها بمعنى محاولة إدراك حقائقها في الخارج؛ كيف اتصف الله بالصفات في الخارج؟ هذا هو المذموم الذي يجب أن يجتنب، وخاضت فيه المشبهة والمشبهة من الفرق البدعية، كما ذكرنا أن الذين أخطأوا وانحرفوا بباب الصفات كانوا معطلة مشبهة، المشبهة قاسوا صفات الخالق في كيفياتها الخارجية على صفات المخلوقين، وهذا هو التأويل المذموم في هذه الآية، طريقة المشبهة الذين تأولوا المتشابهات، تأولوها بمعنى سعوا لإدراك حقائقها في الخارج مع أن هذه آيات متشابهات لا نستطيع أن ندرك حقائقها في الخارج وإنما نفهم أصل المعنى.

تمام، فإذا فهمنا هذه الآية أحبتي بهذه المنهجية انحل الإشكال عنا، أن المحكمات هي الآيات المعلومة المعنى والمعلومة الحقائق، المتشابهات آيات معلومة المعنى لكننا لا ندرك حقائقها في الخارج، فالله سبحانه وتعالى أمرنا كيف نتعامل مع الآيات المتشابهات؟ أمرنا سبحانه وتعالى ألا نتبع هذه الآيات المتشابهات، لكن ما المراد ألا نتبعها؟ يعني ألا نخوض أو ألا نسعى في معرفة حقائقها الخارجية، لأن هذه الآيات حُجِبَ عنا معرفة حقائقها الخارجية، حُجِبَ عنا معرفة حقائقها الخارجية على الأقل في هذه الحياة الدنيا.

فالسعي لمعرفة حقائقها الخارجية هو تشويش على الناس في عقائدهم وتلويث لها، فالله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 7] يقفون مع المتشابهات ابتغاء للتشويش على الناس ﴿وَابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: 7] وسعياً منهم للوصول إلى حقائقها في الخارج، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7].

وما يعلم تأويله إلا الله، إيش يعني وما يعلم تأويله؟ نفس القضية، ما احنا فسرنا التأويل ابتداء بأنه معرفة حقائقها في الخارج، بالتالي ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7] يعني لا يعلم حقائق هذه النصوص المتشابهات في الخارج إلا الله، وليس المراد والله أعلم أنه لا يعلم تأويله إلا الله يعني لا يعلم تفسيرها أصالة إلا الله، لا، المراد لا يعلم تأويلها إلا الله يعني لا يعلم حقائقها في الخارج إلا الله، وأما أصل معناها التفسير العام لمعناها هذا من خوطب به هذا الكتاب العزيز، لذلك ثم أكون سبحانه، الوقوف طبعا عند جماهير السلف عند قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7].

يعني العلماء الراسخون يقولون: نحن نؤمن بالآيات المتشابهات على معانيها لكننا نقف عند ذلك ولا ندخل في كيفياتها وفي حقائقها في الخارج لأننا لا نستطيع إدراك ذلك ونقول: كل من عند ربنا. بهذه المنهجية تنحل هذه الآية ويتضح لنا ما المراد بالمحكم؟ ما المراد بالمتشابه؟ ما هو المذموم في تأويل المتشابه؟ فهمتم أحبتي؟

المحكم واضح المعنى واضح الحقيقة. المتشابه واضح المعنى لكنه غير واضح وغير معلوم الحقيقة لنا في الخارج. تأويل المتشابه المذموم هو السعي لمعرفة حقيقة المتشابهات في الخارج، والله قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7] لا يعلم حقائقها في الخارج إلا الله سبحانه وتعالى، وأما الراسخون في العلم فيقولون هذه المتشابهات نحن نعلم معناها ولكننا بعد ذلك لا نعرف حقائقها في الخارج لأننا لم نشاهد لها نظيراً.

بهذه القضية أو بهذا التفسير يكتمل ويلتئم عندنا المعاني، أما أن نجعل مئات الآيات القرآنية الواردة في الصفات العلى والواردة في أحوال يوم القيامة أن نجعلها كلها من المتشابهات بالمعنى الذي يقرره المفوضة أن المتشابهات هي آيات، لاحظوا ماذا تقول المفوضة في تفسير المتشابهات: يقولون آيات المتشابهات هي آيات نحن نؤمن بمجرد ألفاظها، واما معانيها فنحن لا نعلمها ونكلها إلى الله سبحانه وتعالى.

تفسير الآيات المتشابهات بهذا الشكل سيجعل هناك حجم كبير من القرآن الكريم مجرد ألفاظ لنا ولا نفهم شيئاً منه كمعاني، وهذا يتعارض مع قوله سبحانه في وصفه لكتابه أنه هدى للمتقين، وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89]، وقوله: ﴿الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1]. هناك تفصيل وأحكام ووضوح في آيات القرآن الكريم من حيث المعاني، وأما حقائقها في الخارج نعم هناك قسم معلوم الحقائق في الخارج وهناك قسم مجهول الحقائق في الخارج، هذا الذي يلتئم فيه أو تلتئم فيه الصورة.

وأما تفسير المتشابهات أو تصورها على أنها آيات لا نعرف أصل معانيها، ثم ندخل فيها الصفات وآيات اليوم الآخر وغيرها من الآيات، هذا سيجعل جزءاً كبيراً من القرآن في حيز المبهمات.

الآن يمكن يعني أنا اقول هناك رأي يرى أن المتشابهات هي آيات لا نعلم فعلا معناها، هناك رأي لبعض الأفاضل (يعني هي مسألة تقبل الأخذ والرد)، لكن أنا قررت التفسير الذي يلتئم عموماً مع منهج السلف الصالح، وسأدلل لماذا فسّرت المتشابه بهذا المعنى الآن بعد قليل إن شاء الله. لكن أقول: هناك رأي آخر يقول المتشابهات فعلاً آيات لا نعلم معناها، لكنه يحصرها في الحروف المقطعة في أوائل السور وفي آيات معينة محدودة، ولا يقول الآيات المتشابهات هي آيات الصفات واليوم الآخر إلى غير ذلك، يعني هناك تيار من علماء التفسير يقول: المتشابهات في آيات لا نعلم معناها اختاروا هذه الطريقة، لكنهم لم يجعلوا آيات الصفات من قبيل المتشابهات بهذا المعنى، بل قالوا آيات الصفات نحن نعلم معانيها بالتالي لا ندخلها في آيات المتشابهات التي لا يعرف معناها.

الآن من قال الآيات المتشابهات هي التي لا يعرف أصل معناها ولكننا لا ندخل فيها آيات الصفات والآيات التي تتكلم عن عذاب القبر وعن اليوم الآخر، هؤلاء لا إشكال بيننا وبينهم، لأنها في النهاية ستبقى قضية تفسيرية في تفسير المراد بالايات المتشابهات وفيه أخذ ورد ولا يوجد عندنا نص حاسم، بالتالي هناك أخذ ورد بينهم أو بيننا وبينهم، لكن المشكلة تكبر حينما نقول: المتشابهات لا نعلم معناها ونقحم فيها آيات الصفات واليوم الآخر، يعني الآيات التي تتكلم عن اليوم الآخر، أو هنا ستصبح مشكلة عويصة أنه أنت بالتالي عندك جزء كبير من القرآن الكريم سيدخل عندك ضمن آيات المتشابهات، هنا المشكلة الكبرى.

لكن لو جاء شخص وفسر المتشابهات بأنه لا يعلم معناها ولا يجوز لنا أن نفسر معناها، ففسر التأويل في الآية بأنه التفسير، لكن لم يدخل آيات الصفات ضمن المتشابهات كما قلنا الخلاف مع هذا خلاف مقبول، القضية كما قلنا المشكلة الكبرى في وجهة نظري أن تفسر المتشابهات بأنها لا يعلم معناها ثم ندخل فيه آيات الصفات والآيات التي تتكلم عن البرزخ وعن اليوم الآخر، هنا المشكلة العظمى، يعني تركيب هذا مع هذا.

وأما تفسير المتشابهات بأنه لا معنى ونحصر ذلك في فواتح السور كما ذكر بعض أهل العلم وفي آيات معينة هذا كما قلناه الخلاف فيه واسع يقبل الأخذ والرد بشرط ألا ندخل آيات الصفات، آيات اليوم الآخر، وآيات نعيم الجنة وعذاب النار فيها.

طيب، الآن يا شيخ، هل عندك دليل على أن المتشابه هو ما يعلم معناه لكننا نجهل حقائقه في الخارج؟ أنت فسرْت المتشابهات بأنه ما يعلم أصل معناه لكننا نجهل حقائقه في الخارج، هل عندك شيء يسعفك في هذا الفهم؟

أقول: هناك بعض نصوص التابعين في هذا الباب تساعد على هذا الفهم؛ مجاهد بن جبر إمام المفسرين رحمة الله عليه وأكبر تلميذ لابن عباس في التفسير وعليه يعتمد العلماء حقيقة في نقولاتهم الأثرية يقول: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته، أقف عند كل آية آية وأسأله عن تفسيرها. عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية آية وأسألك عن تفسيرها.

الآن أحبتي، ماذا نفهم من هذا؟ أن مجاهد بن جبر كان يقف عند كل الآيات القرآنية، سواء الآيات التي تتكلم عن صفات الله أو تتكلم عن اليوم الآخر أو تتكلم عن نعيم الجنة أو عذاب النار أو عن البرزخ وعذاب القبر، وقف عند كل الآيات واستفسرها واستشرحها من ابن عباس.

لو كانت المتشابهات هي الآيات التي لا يعلم معناها أصالة وكانت نصوص الصفات والنصوص التي تتكلم عن اليوم الآخر من ضمن المتشابهات، لكان أخبرنا مجاهد بن جبر أنه هناك حجم كبير أو آيات كثيرة في القرآن الكريم ابن عباس لم يستطع أن يفسرها واعتبرها من المتشابهات. هذه هي القضية، لو كان، لأنه أحبتي نصوص الصفات في القرآن مئات النصوص، والنصوص التي تتكلم عن أهوال يوم القيامة وعن الجنة وعن النار مئات النصوص، لو كانت هذه النصوص من المتشابهات بمعنى لا نعلم أصل معناها إذاً لكان مجاهد بن جبر أخبرنا أنني عرضت المصحف على ابن عباس فكان هناك جزء محكم ابن عباس فسر معناه وهناك جزء...

متشابه ابن عباس قال هذا متشابه لا نعلم معناه ونؤمن بلفظه. لكن مجاهد بن جبر ما قال هكذا. قال أنا عرضت المصحف أقف عند كل آية أفسرها، إذا هذا يدل على أن المتشابه ليس هو الذي لا يعلم أصل معناه، وإنما هو الذي يعلم معناه لكن لا يعلم حقائقه في الخارج فقط. وإذا تريدون القول أن المتشابه هو الذي لا يعلم أصل معناه بدكم تحصروه في جزء محدود جدا جدا من القرآن. ولا يجوز أن تقحموا فيه آيات الصفات واليوم الآخر والجنة والنار، لأنه هذا معناه أن نصف القرآن سيصبح من قبيل الذي لا يعلم معناه.

كذلك ورد عن مجاهد بن جبر وعن طائفة من علماء السلف أنهم قالوا في المتشابهات قالوا إنهم يعلمون معنى المتشابه. وهذا نص واضح بالتالي أن مجاهد بن جبر يقول أنا أعلم معنى المتشابهات، إذا المعنى معلوم. طب إذا ما هو المجهول في المتشابهات؟ حقائقها في الخارج. فهذا يؤكد الفكرة التي قررناها، فلابد بالتالي أن يكون المتشابه معلوم المعنى في الأصل لكن الذي لا يعلم فيه هو صورته وحقيقته في الخارج.

وبالتالي حينما نتعامل مع هذا النوع من الآيات ندرك أصل المعنى ونفوض الكيف والخارج إلى الله سبحانه وتعالى ونرد المتشابه إلى المحكم. فنقول في نصوص الصفات نؤمن بأصل معناها ونردها إلى المحكم كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]. فهذه الآيات محكمات، ليس كمثله شيء محكم، لم يكن له كفوا أحد محكمة واضحة المعنى وواضحة الحقائق. فحينما نأتي نتعامل مع آيات الصفات ونجعلها من المتشابهات فنقول هي من المتشابهات يعني أننا لا ندرك حقائقها في الخارج.

والمتشابهات ترد إلى المحكمات، فحينما نأتي إلى نصوص الصفات نثبت معانيها ونقول ليس كمثله شيء، نثبت معانيها ونقول لم يكن كفوا أحد. ولا نتأولها بمعنى لا نخوض في ماذا؟ لا نخوض في حقائقها في الخارج. هذا معنى أننا لا نتأول المتشابهات، لا نخوض في معانيه في حقائقها الخارجية. تمام، الآن هذا هو الفهم الذي أقرره، وهو الذي يعني يسير عليه علماء أهل السنة عموما.

ابن قدامة رحمة الله عليه حينما يأتي بهذه الآية ويوظفها كما قلنا في سياق كلامه، يشعرنا ابن قدامة أنه يفهم هذه الآية بطريقة أخرى في الحقيقة. يعني حينما أقرأ كلام ابن قدامة في لمعة الاعتقاد وفي روضة الناظر وغيره من الكتب، ابن قدامة يجنح إلى أن معنى المتشابهات أننا لا نعلم أصل معناها ونفوض المعنى إلى الله. هكذا يفسر المتشابه أننا لا نعلم أصل المعنى، فهي آيات نؤمن بها مجرد ألفاظ. وأما معانيها فنكلها إلى الله.

ويفسر التأويل الوارد في الآية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: 7]. يفسر التأويل بأنه التفسير، يقول بالمعنى الأول لكلمة التأويل، يجعل التأويل بالمعنى الأول لها التفسير. فيقول تفسير المتشابه مذموم عند الله، تفسير المتشابه مذموم عند الله. فهذه الإشكالية أنه قال المتشابهات هي التي لا نعلم أصل معناها، والله عز وجل ذم الذي يبتغي تأويلها.

طب إيش يعني تأويلها يا ابن قدامة؟ ابن قدامة يرى أن التأويل هو التفسير عموما. يرى أن التأويل هو التفسير عموما، فابن قدامة إذا جعل المتشابهات هي مجهولة المعاني. وقال لا يجوز تفسير هذه المتشابهات لأنها مجهولة المعاني ولا يعلم معانيها إلا الله. الآن كما قلت لكم ابن قدامة عد نصوص الصفات، كتقعيد عد نصوص الصفات من المتشابهات التي لا نعلم معناها وتأويلها بمعنى تفسير معناها مذموم ولا يعلم معناها إلا الله.

لكن لما أتينا للواقع العملي عند ابن قدامة وجدنا أنه لا يجعل كل آيات الصفات من هذه المشكلة التي يعني يوقعنا فيها ابن قدامة، أنه يؤصل تأصيلات عامة في روضة الناظر يقول: ومن المتشابهات آيات الصفات. ثم لما يأتي للتطبيق العملي نجد لا، إنه مش كل آيات الصفات يعتبرها ابن قدامة من المتشابه. فهو مثلا يثبت الكلام بمعناه لله سبحانه وتعالى، يثبت العلو بمعناه لله سبحانه وتعالى. هناك عديد من الصفات يثبتها بمعانيها لله عز وجل، وهناك نصوص صفات أخرى هي التي اعتبرها ابن قدامة مشكلة كما ذكر لكم في اللمعة.

فنصوص الصفات مشكلة هي المتشابه وهي التي لا يجوز أن نتأولها أن نفسرها ونفوض تفسيرها إلى الله سبحانه وتعالى. فهمتم أين ابن قدامة كيف يفكر؟ لأنه أحيانا يطلق وأحيانا يقيد، هذه مشكلة. أحيانا يطلق نصوص الصفات من المتشابهات هكذا يقول في الروضة، لما يأتي لللمعة لا نجد أنه في تفصيل عنده أنه يقول لكم قبل قليل أن نصوص الصفات ما أشكل منها، ما أشكل معناها، في إيش ليس مشكلا؟

فما أشكل، القسم المشكل من نصوص الصفات نثبتها كألفاظ ونفوض معناها إلى الله. ثم مباشرة يستدل على هذه الفكرة بالآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7]. فهو يريد باتيانه بهذه الآية بعد القاعدة التي ذكرها، يريد أن يخبرنا أن هناك قسم من آيات الصفات من المتشابهات. إيش يعني متشابهات يا ابن قدامة؟ المتشابهات عندي التي لا يعلم معناها، بالتالي لا يجوز لكم أن تتأولوها يعني أن تفسروها عموما.

سواء التفسير بصرفه على معانيه الظاهرة أو التفسير على طريقة المتكلمين بصرفها عن المعاني الظاهرة إلى معاني أخرى مرجوحة. فابن قدامة يلغي التأويل عموما، سواء التأويل بمعنى المعنى الظاهر، يعني تفسير المعنى الظاهر أو التأويل بمعنى التفسير على طريقة المتكلمين. فابن قدامة يريد أن يلغي التأويل بكل أشكاله لهذا القسم من نصوص الصفات.

بالتالي نريد أن نقول: هل يا ابن قدامة كل نصوص الصفات عندك من المتشابهات على ما ذكرت في روضة الناظر؟ أم بعض نصوص الصفات عندك منها كما نفهم من كلامك في لمعة الاعتقاد؟ كما قلت لكم الذي يظهر أن ابن قدامة من حيث التطبيق، من حيث التطبيق مفوض جزئي. فهو لا يتعامل مع كل نصوص الصفات على أنها من المتشابهات بالمعنى الذي يفهمه هو للمتشابه، بل يجعل بعض نصوص الصفات من المتشابهات وهو الأكثر عنده وبعضها لا واضح المعنى لا يجوز لنا أن نجحده.

طبعا سامحوني أنا بسطت الكلام هنا حتى يفهم استدلالات ابن قدامة، لماذا استدل بهذه الآية آية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ بعد قوله وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظا وترك التعارض لمعناه؟ هو يريد أن يقول إن هذه الآية تخبرنا أن هناك متشابهات، المتشابهات عندي ما لا يعلم معناه. وهناك قسم من نصوص الصفات لا يعلم معناه فادخله من المتشابهات، وهذا الذي يريد أن يقوله رحمة الله عليه.

ثم بعد أن انتهينا من كلام ابن قدامة العمومي وهو الذي يسير علينا في لمعة الاعتقاد أنه مفوض جزئي، بدأ يستدل بكلام السلف الصالح. وهذا يدلل على ما ذكرته أولا أن ابن قدامة يسير على طريقة علماء أهل السنة والجماعة، أنه في بنائه العقدي يعتمد على النصوص المنقولة عن السلف وعن الأحاديث النبوية وعلى القرآن والسنة، ما عنده الطريقة الكلامية المتعمقة لكن إشكاليته في الفهم.

كيف فهم كلام السلف؟ هنا مشكلة ابن قدامة وليس مشكلة أن بناءه العقدي أصالة يستند على أصول خاطئة، لا لا. هو يستند على أصول صحيحة، لكن إشكاليته في فهم هذه الأصول والنصوص. فمثلا هذا النص الأول لابن قدامة يقول: قال الإام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل في قوله تعالى: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا، هذا نص نقلته سابقا أقرؤه سريعا: وأن الله يرى يوم القيامة وما أشبه هذه الأحاديث نؤمن بها ونصدق بها بلا كيف ولا معنى.

هذه رواية حنبل بن إسحاق التي ذكرتها لكم في المحاضرة السابقة وعالجناها بالتفصيل. نؤمن بها ونصدق بها بلا كيف ولا معنى، وعرفنا إيش يعني ولا معنى، ولا نرد شيئا منها ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا صفات. الله لا نحدها ولا نجعل لها غاية، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].

ونقول كما قال الله تعالى ونصفه بما وصف به نفسه، لا نتعدى ذلك ولا يبلغه وصف الواصفين. نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شناعت ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كنه ذلك. هذه القضية بيركز عليها أحمد: كيف كنه ذلك؟ الكيفية هي التي نجهلها. ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول وتثبيت القرآن.

طبعا هذه كلها رواية واحدة عن الإمام أحمد بن حنبل، وفيها العديد من القواعد العامة في باب الصفات عند السلف الصالح. لكن كما قلنا وقع فيها إجمال. هذا النص لأحمد بن حنبل وقع فيه إجمال في قوله بلا كيف ولا معنى، ولا معنى. ابن قدامة لما أتى إلى ولا معنى ذهب إلى مسلك التفويض. فهم هذه العبارة عن أحمد بن حنبل بطريقة معينة، أن أحمد بن حنبل يرى أننا نؤمن بها بنصوص الصفات على أنها مجرد ألفاظ ومعانيها نفوضها إلى الله. وهذا كما قلنا فهم ليس بصحيح.

كذلك الإمام محمد بن إدريس الشافعي يقول، هذا نص آخر ينقله ابن قدامة: قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله. يعني أيضا شف هذا الشافعي يتكئ عليه المفوضة، ويمكن أن يفهم على طريقة التفويض. لأن الشافعي يقول في آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، المفوضة إيش يفهمون هذا النص؟ يقولون إن الإمام الشافعي يقول إننا نؤمن بالنصوص التي أتت عن الله نؤمن بها على المعنى الذي يريده الله.

طب هل هذا المعنى الذي يريده الله نحن كبشر نعلمه؟ هنا الإشكالية. المفوضة يقولون الشافعي يريد أن يقول إن هناك معاني لا نعلمها يعلمها الله ونحن نؤمن بهذه النصوص بمجرد الألفاظ، هذا مراد الشافعي. لكن في الحقيقة ليس هذا ظاهرا في مراد الشافعي، لأننا لو جمعنا كلام الشافعي هنا -هاي المشكلة، مشكلة الاقتطاع المجتزأ، لا تعطى الصورة كاملة- اجمع كلام الشافعي في كل المواطن وامنحني الصورة الكاملة.

هل الشافعي يثبت معاني نصوص الصفات؟ نعم، الشافعي يثبت معاني نصوص الصفات كما ورد ذلك عنه في كثير من النصوص، وإن لم يكن مكثرا كأحمد بن حنبل، لكن ورد عنه ما يشير إلى أنه يثبت معاني نصوص الصفات. فقول الشافعي هنا آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، لا يقصد من أنه على مراد الله الذي لا نعلمه نحن، هو يريد أن يقول إننا نؤمن بهذه النصوص وبما جاء عن الله سبحانه وتعالى على المعنى الذي يريده الله سبحانه وتعالى.

وهذا المعنى الذي يريده الله هو المعنى المتبادر الظاهر من النص، ليس المعنى الذي يريده الله هو المعنى الذي لا نعلمه نحن نجهله وكتبه الله عنده. ولم يقل ذلك الشافعي. أنتم أيها المفوضة تحاولون فهم العبارة بهذه الطريقة. طب أنت أيضا لماذا تفهم العبارة بطريقتك؟ أقول أنا لا أفهم العبارة بطريقتي، أنا أجمع بين هذه العبارة وبين العبارات الأخرى عن الإمام الشافعي حتى تلتئم عندي الصورة. لا يجوز أن تفهم رأي الإمام من نص واحد، خطأ علمي، لابد تجمع كل نصوص الإمام لتكتمل عندك الصورة، فإن الكلام لا يفهم إلا بجمع أطرافه وسياقاته.

فقول الشافعي آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله: مراد الله هو المعنى الظاهر المتبادر من النص كما يفهمه علماء التفسير طبعا. وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله: مراد رسول الله هو المعنى الظاهر المتبادر المفهوم من النص من سياقه. ولهذا المعنى نفهمه، ولكننا كما قلنا نجهل الكيفية واللوازم الخارجية.

قال: وعلى هذا الآن يكمل ابن قدامة ليؤكد منهجه، قال: وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف كلهم متفقون على الإقرار والمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله. الآن إيش مرادك بتأويله؟ كما قلت لكم سيبقى بعض الألفاظ التي يريدها ابن قدامة ألفاظ محتملة. ماذا تريد يا ابن قدامة بالتأويل؟ الذي يظهر لنا أن التأويل عندك معناه واسع، التأويل المذموم الذي يتبعه علماء الكلام، والتأويل بمعنى أيضا التفسير لأصل المعنى.

أمش هيك احنا فهمنا الآية أن ابن قدامة يفهم التأويل المذموم في الآية أن التأويل هو التفسير عموما، سواء التفسير بالمعنى الظاهر أو التفسير على طريقة صرف اللفظ عن المعنى الظاهر إلى المعنى المرجوح؟ فكلمة التأويل في الحقيقة ابن قدامة يوسعها، يدخل فيها أي تفسير للنص، سواء تفسير لمعناه الظاهر أو تفسير من صرفه من المعنى الظاهر إلى المعنى المرجوح بقرينة صحيحة أو بغير صحيحة.

هو يمنع التأويل العام. طبعا هل هو يمنع التأويل لكل نصوص الصفات أو لبعض نصوص الصفات؟ هذه هي المشكلة، والذي رجحناه أنه في الحقيقة لا، هو يمنع طبعا التأويل بالمعنى الكلامي صرف اللفظ عن معناه وهذا المعنى المرجوح هذا يمنعه تماما. التأويل بمعنى

التفسير لنصوص الصفات يمنعه في بعض النصوص ويجوزه في بعض النصوص، وإن كان تأصيله العام هو طريقة المفوضة. طيب، وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله. وقد أمرنا الاختفاء لآثارهم والاهتداء بمنارهم وحذرنا المحدثات، وأخبرنا أنها من الضلالات. لاحظ، يقول: نحن مأمورون باتباع السلف. هذه الكلمات يجب ألا تمر علينا سريعا. يعني، ما هو منهج ابن قدامة في البناء العقدي؟ هذا نستخلصه من ثنايا نصوصه؛ أن مرجعه في البناء العقدي لطريقة أهل السنة والجماعة، لذلك هو من علماء أهل السنة والجماعة.

وإشكاليتنا مع ابن قدامة في جزئية الصفات هي آلية محدودة مؤطرة وليست إشكالية عامة في كل منهجه الاعتقادي، لذلك كما قلنا يعتبر من علماء أهل السنة والجماعة رحمة الله عليه. ثم يدلل على أهمية الاختفاء بالسلف والاهتداء بمنارهم بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». ثم، يعني لاحظوا، ابن قدامة يحشد دائما النصوص؛ واضح، يحشد آيات قرآن، يحشد أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، يحشد آثار الصحابة، يحشد كلام التابعين والسلف الصالح. الآن كيف يفهم هذا أمر آخر؟ لكن على ماذا اعتمد؟ على الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح.

بدنا نفرق بين زاويتين: كيف فهم الآيات القرآنية؟ كيف فهم الأحاديث؟ كيف فهم كلام السلف؟ هذه جزئية، واعتماده عليها هذه جزئية أخرى، لكل منها حظ في وزن هذا الإمام العظيم. طيب، دعونا ننظر الآن نص الصحابة، وقال عبد الله بن مسعود: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم. وقال عمر بن عبد العزيز كلاما معناه يقوله بالمعنى الآن هو ابن قدامة: يقول عمر بن عبد العزيز: قف حيث وقف القوم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر كفوا، ولهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى. فلئن قلتم: حدث بعدهم، فنقول: فما أحدثه إلا من خالف هديهم ورغب عن سنتهم، ولقد وصفوا منه ما يشفي وتكلموا منهم بما يكفي، فما فوقهم السر أي عنده إفراط وما دونه مقصر أي عنده تفريط. لقد قصر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وأنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم. ومنهج الوسط، منهج أهل السنة والجماعة، هو أننا لا نشبه صفات الله بصفات المخلوقين ولا نخوض ولا نتعمق في شرح نصوص الصفات، لكن في نفس الوقت لا نقول: هذه نصوص نؤمن بالفاظها ولا أعلم معانيها، ولا نحرف هذه النصوص ولا نردها. هذا هو الوسط الذي يقصده عمر بن عبد العزيز.

الآن كيف يفهم ابن قدامة هذا النص لعمر بن عبد العزيز؟ كيف يفهم كلام ابن مسعود؟ هنا الإشكالية؛ أنه لما يقول ابن مسعود: قف حيث وقف القوم، أو عفوا يقول ابن مسعود: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم. ولما يقول عمر بن عبد العزيز: قف حيث وقف القوم، كيف يفهم ابن قدامة مثل هذه النصوص؟ هل ابن قدامة أنت تفهم هذه النصوص أو توظفها في هذا المقام في مقام حديثك عن الصفات، بمعنى أن الصحابة لم يخوضوا في نصوص الصفات لأنهم لا يعلمون معانيها وهذا معنى قف حيث وقف القوم، وإلا أنت تقصد: قف حيث وقف القوم، يعني الصحابة كانوا يعلمون المعاني والسلف كانوا يعلمون المعاني لكنهم كانوا يسكتون عن الشرح والتفصيل في هذه الجزئيات خشية من الخطأ والتعبير غير اللائق بالله؟

هنا الكلام مع ابن قدامة أحبتي، لذلك لما تقرأ لابد أن تكون ناقدا مفكرا، لا تقرأ النص مباشرة تفهمه بطريقة معينة، لابد تحاول أن تفكر كيف ابن قدامة يتعامل مع هذه النصوص؟ كيف وجهها لمنهجه؟ ما هي نظرته لها؟ أحيانا تستطيع أن تصل إلى حلول وأحيانا تشعر أن هناك إشكالية معرفية عند ابن قدامة أو عند غيره تحتاج ما زالت إلى توضيح أكثر وأكثر. يعني هناك عموميات في الاستدلال ولا يوجد تنصيص واضح على المراد. الآن لاحظوا نقله عن الأوزاعي: وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي: عليك بآثار السلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه ولك بالقول.

وقال محمد بن عبد الرحمن الأدرمي، إمام من أئمة السلف، لرجل تكلم بدعة ودعا الناس إليها، وهذا الكلام ذكره في أثناء مناظرته للذين يقولون بخلق القرآن. يقول عن محمد بن عبد الرحمن الأدرمي، انظروا المنطق وهو يرد على أهل البدع، يقول الأدرمي لهذا الرجل الذي يقول بخلق القرآن: يقول له: هل علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي فلم يعلموها؟ فقال هذا الرجل المبتدع الذي يقول بخلق القرآن: قال بل لم يعلموها. فقال له الأدرمي: شيء لم يعلمه هؤلاء، النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه ولا الخلفاء الراشدون، أنت علمته؟ قال المبتدع هنا الجم، فعاد قال: فاني اقول قد علموها. عاد المبتدأ ليقول: لا لا خلق القرآن كان يعلمه الصحابة ويعلمه النبي صلى الله عليه وسلم.

فقال له الأدرمي: أواسعهم ألا يتكلموا به ولا يدعوا الناس إليه أم لم يسعهم؟ فالأدرمي يقول لهذا المبتدأ ممتاز، بما انك تقول ان النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة كانوا يعرفون خلق القرآن على طريقتي، هل امتحنوا الناس بخلق القرآن؟ وهل دعوا الناس إلى القول بخلق القرآن؟ وبدأوا يجلدون من لا يقول بذلك؟ يعني هو يريد أن يقول للمبتدعة الذين فتنوا الناس مسألة خلق القرآن، يعني أنتم تجلدون الناس وتفتنون العلماء وتقتلونهم حتى يقولوا بخلق القرآن، هل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء فعلوا ذلك؟ يقول إذا الأدرمي لهذا المبتدع: أواسعهم ألا يتكلموا به ولا يدعوا الناس إليه أم لم يسعهم؟ فقال طبعا هذا المبتدأ لا يستطيع أن يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم امتحن الناس بخلق القرآن ما عنده أي دليل على ذلك، فإيش قال؟ قال بلى وسعهم. يعني فعلا النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة لم يدعوا الناس إلى هذه المسألة. قال الأدرمي: فشيء وسع رسول الله وخلفاءه ألا يسعك أنت؟ فانقطع الرجل سكت.

يعني الآن الأدرمي ما بده يتناقش مع المعتزلة في مسألة خلق القرآن صح خطأ، مش نقاشنا الآن هيك. لكن نقاشي معك أيها المعتزلة المنهجية: هل مسألة خلق القرآن التي تقول بها هل هو شيء علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لم يعلمه ابتداء؟ قال المعتزلي: لم يعلمه. فقال له الأدرمي: شيء لم يعلمه رسول الله المبعوث من رب العالمين أنت علمته؟ فالمعتزلي انتبه على نفسه أنه خطأ كبير وهذا يعني قد يصل به إلى الكفر، فعاده قال: لا بل علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن القرآن مخلوق. الأدرمي الآن كما قلنا ما بده يناقشه إنه صح ولا خطأ، لكن قال له: طيب أنت تزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن القرآن مخلوق، هل دعا الناس إلى هذه المسألة وامتحنهم وقاتلهم عليها؟ عندك شيء من السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا ناس قولوا القرآن مخلوق، قال: إن القرآن مخلوق سنشنقه ونعدمه، عندك شيء؟ فقال المعتزلي: والله ولا، بلى وسعه السكوت عليه الصلاة والسلام عن هذه المسألة. فالأدرمي قال له: شيء وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يسعك أنت؟ يعني النبي صلى الله عليه وسلم على زعمك أنه يرى أنه غير مخلوق، ألم يسعه أن يسكت عن هذه القضية؟ لماذا أنت تمتحن الناس بها وتعذبهم عليها؟ هو نقاش في هذه الجزئية فقط.

فقال الخليفة -كان الخليفة حاضرا لهذا النقاش الجميل- فقال الخليفة وكان حاضر مع أنه الخليفة كان يقول بخلق القرآن، يعني أنا لا أذكر الآن هل هو هنا المأمون ولا الواثق ولا المعتصم، لكن فعلا الخليفة أبهر بطريقة الأدرمي في النقاش وقال: فعلا، لا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم، يقول المعتزلة: يعني أنت ذبحتنا بمسألة خلق القرآن وذبحت الناس معك، مع أنه هذه مسألة أنت الآن بلسانك أيها المعتزلي تقول لنا إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمتحن الناس بها، فلماذا تضيق على الناس في هذه الجزئية وتمتحنهم بشيء لم يمتحن به النبي صلى الله عليه وسلم الأمة؟

وهكذا إلى أن ابن قدامة يقول: وهكذا من لم يسعه ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان والأئمة من بعد والراسخين في العلم، من تلاوة آيات الصفات وقراءة أخبارها وإمرارها كما جاءت، فلا وسع الله عليه. أيضا هنا في زوايا مشكلة في هذا الإطلاق من ابن قدامة. ماذا تقصد تلاوة آيات الصفات وقراءة أخبارها كما جاءت؟ هل أنت هنا تسير على طريق المفوضة والإيمان بمجرد الألفاظ كما قررت يا ابن قدامة في كتبك الأخرى؟ أم تريد إمرارها كما جاءت مع إدراكنا لأصل معانيها؟ هنا إشكاليات ابن قدامة أنه يأتي بعموميات، هذه العموميات أحبتي لا يمكن أن نفهمها من لمعة الاعتقاد فقط، بل لابد من أن نققرأ كل كلامه، وقرأناه وعرفنا أنه ابن قدامة عنده إشكالية في فهم هذه النصوص عن السلف الصالح، سواء فهم كلام ابن مسعود أو كلام عمر بن عبد العزيز أو كلام الشافعي أو كذا أو غيره من النصوص أو كلام أحمد بن حنبل، أنه يفهم أن هناك مساحة كبيرة للتفويض للمعاني، وهذا ليس بصحيح كما قررناه.

لذلك أنا ما أحببت أن أدخل مباشرة معكم في شرح كلام ابن قدامة حتى لا تتتشوش الأمور. أنا في الحقيقة قعدت لباب الصفات العلا عند أهل السنة، ناقشنا ابن قدامة رحمة الله عليه، حاولنا أن نعطي نظرة متكاملة عن ابن قدامة في أكثر من زاوية: ما منهجه في البناء العقدي؟ إيش النصوص اللي اعتمد عليها؟ خلاصة هذه النصوص اتجاهاتها. ثم قرأنا مع بعضنا اليوم كلامه في الصفات حتى نفهم أنه لن نستطيع أن نفهم وجهة نظر ابن قدامة في باب الصفات إلا من خلال جمع كل كلامه، والا هيك وأنتم تنظورون إنه ابن قدامة في لمعة الاعتقاد أتى بعموميات لا تعطينا حقيقة المنهج الذي سار عليه. ثم بعد أن قال: وهكذا من لم يسعه ما وسع رسول الله وأصحابه والتابعين بإحسان من الراسخين في العلم من تلاوة آيات الصفات وأخبارها كما جاءت، بدأ يسرد بعض آيات الصفات، قال: فمما جاء من آيات الصفات قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: 27] الآيات اللي تتكلم عن إثبات وجه الله سبحانه، وقوله سبحانه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64] إثبات اليدين، وقوله تعالى إخبارا عن عيسى: ﴿تَعْلَمُ مَا في نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: 116] إثبات النفس لله، وقوله سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: 22] بهذه صفة المجيء وهي من الصفات الاختيارية، وقوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 210] إتيان الله وهي من صفات الاختيارية، يعني الصفات الفعلية الاختيارية التي تحدث وفق ما شاء، ورضي الله عنهم ورضوا عنه إثبات صفة الرضا، وقوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: 54] وهي من الصفات كلها الرضا والمحبة من الصفات الاختيارية الفعلية، وقوله في الكفار: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: 6] وقابل المحبة الغضب، وقوله: ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد: 28] سخط الله عز وجل يسخط على الكافرين، وقوله: ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة: 46] إثبات أن الله يكره.

الآن مثل هذه النصوص ابن قدامة كما قلنا موقعنا في إشكال، هل هذه النصوص هي ابن قدامة أنت تصنفها من نصوص صفات المشكلة ولا تصنفها من نصوص الصفات الواضحة؟ هنا ابن قدامة قال: هذه نصوص صفات. هل تعتبرها نصوص صفات واضحة فتثبت معانيها فتثبت معنى الوجه، أصل معنى الوجه وأصل معنى اليدين وأصل معنى الغضب والمحبة والرضا؟ ولا أنت تقول: هذه نصوص صفات لكننا لا نعلم معناها؟ هنا المشكلة مع ابن قدامة وأنا أركز دائما حتى تفهموا أين مناطق الإشكال.

ثم الآن أتى بأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات، ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا»، وقوله: «يعجب ربك» صفة النزول الإلهي في النص الأول. النص الثاني: «يعجب ربك من شاب ليست له صبوة». وهذا النص في إثبات صفة العجب لله، وإن كان هذا الحديث الحقيقة متكلم فيه؛ حديث: «يعجب ربكم من شاب ليست له صبوة»، هذا حديث متكلم فيه من حيث الصحة والضعف، ويعني تكلم فيه من حيث أن فيه ابن لهيعة. وقوله صلى الله عليه وسلم: «يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة»، وهذا فيه أدلة صفة الضحك لله، و﴿وَسَوَفَ تَضْحَكُ﴾ ثبتت لله من نصوص عديدة. فهذا وما أشبهه ما صح سنده -لاحظوا يتبع صحة السند وليس التواتر، فهو يقبل الآحاد في مسائل الاعتقاد وهذا منهج سني- فهذا وما أشبه وما صح سنده، وهذه شروط قبول الأحاديث في باب الاعتقاد: صحة السند ولا نشترط أن يكون متواترا. فهذا وما أشباه وما صح سنده عدلت رواته، نؤمن به ولا نرده ولا نجحده ولا أوله بتأويل يخالف ظاهره.

اه، إذا يا شيخ هو قال: لا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره. هنا طبعا التأويل يقصد به المعنى الخاص، صرف اللفظ عن معناه الظاهر المعنى المرجوح من دون وجود قرينة؛ التأويل الفاسد. فيقول: لا أتأولها بما يخالف ظاهرها. طيب هل تثبت ظاهرها؟ هيك سؤال، لا تأولها بما يخالف ظاهرها، لكن هل تثبت ظاهرها؟ ولا أيضا معناها الظاهر أنت تفوضه؟

فقوله: ولا نتأولها بتأويل يخالف ظاهرها، لا يستلزم أن القدامى يثبتون المعنى الظاهر، قد يقول: لا نتأولها بتأويل يخالف ظاهرها، الظاهر لا نقول به، بل نفوضه إلى الله. هذه إشكاليات يجب أن تكون دقيقة في الفهم عندكم، لا تأخذوا ظواهر النصوص هكذا على عواهنها، بل ينبغي أن نحقق أن يتفحص ما الذي يريد ابن قدامة من كل إطلاق من هذه الإطلاقات.

قال: ولا نشبهه بصفات المخلوقين. هذا واضح، ولا بسمات المحدثين، وهذا واضح أكيد، ونعلم أنه سبحانه لا شبيه له ولا نظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فالله سبحانه وتعالى بخلافه. ومن ذلك عاد ليذكر بعض نصوص الصفات من القرآن: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]. وكما قلت لكم الذي كفر النائب، كما يثبت الاستواء على العرش بمعناه، فهي من نصوص الصفات التي أثبتها بمعناها.

وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَّن في السَّمَاءِ﴾ [الملك: 16]. من في؛ في هنا بمعنى على، أأمنتم من على السماء؟ إذا فسرنا السماء بمعنى القبة أو السماوات السبع، إذا قلنا السماء المراد بها السماوات السبع فمعنى أأمنتم من في السماء أي أأمنتم من على السماء. والسماء تأتي بمعنى آخر ليس بمعنى السماوات السبع، بل تأتي السماء في اللغة بمعنى العلو، فإذا قلنا السماء في الآية بمعنى العلو، كون أأمنتم من في العلو، فهنا لا نحتاج أن نجعل في بمعنى على. يعني باختصار؛ إذا قلنا السماء في هذه الآية المراد بها السماوات السبع فيكون في في هذه الآية بمعنى على، وفي اللغة العربية تأتي في بمعنى على، يعني أأمنتم من في السماء أي أأمنتم من على السماء؟ والله عز وجل على فوق السماوات، وإن قلنا السماء أصلا في الآية ليس معناها السماوات السبع، المراد السماء هو العلو، معنى قوله تعالى: أأمنتم من في السماء أي أأمنتم من في العلو، وهنا لا نحتاج أن نجعل في بمعنى على، بل تبقى في على ظاهرها، لأن في هنا صحيحة في الظاهر، أي أن الله في العلو، وابن قدامة يثبت العلو لله حقيقة على معناه.

فبالتالي إذاً، كما قلنا، هناك صفات يثبتها ابن قدامة بمعناها مثل صفة الاستواء، مثل صفة العلو، مثل صفة الكلام الإلهي. وقوله صلى الله عليه وسلم: «ربنا الذي في السماء». ابن قدامة يركز هنا على قضية العلو؛ لأنها قضية مشهورة، والأشاعرة وغيرهم ينكرون علو الله سبحانه وتعالى، ويقولون فيه ما لا يقوله عاقل من أنه لا في العالم ولا خارج العالم، إلى غير ذلك من الأمور التي لربما نناقشها في المطولات بإذن الله. لكن هنا أركز أن ابن قدامة الآن سيأتي بنصوص تتكلم عن علو الله سبحانه وتعالى، أنه يريد أن يوجه كلامه للمتكلمين أن ابن قدامة يثبت العلو لله حقيقة. وإن ترك العلو ترى العلو أحبتي من الصفات العقلية، يعني التي يثبتها العقل والنص، وليس النص هو الذي يثبت العلو لله سبحانه وتعالى وحده.

وقوله صلى الله عليه وسلم: «ربنا الذي في السماء تقدس اسمك». في السماء نفس القضية، في السماء هل على السماء؟ أو إذا قلنا السماء بمعنى العلو أي في العلو تقدس اسمك. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الجارية: «أين الله؟» فقالت الجارية: في السماء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي: «اعتقها فإنها مؤمنة». الآن قول الجارية في السماء أي على السماء، وإذا قلنا السماء بمعنى العلو خلاص نجعل في على معناها الحقيقي. وهذه أحاديث صحيحة رواها مسلم ومالك وغيرهما من الأئمة.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم للحصين والد عمران بن حصين حينما وكان مشركا: «كم إلها تعبد؟» فقال الحصين: سبعة، ستة في الأرض وواحدة في السماء؛ لأن كفار قريش كانوا يؤمنون بالله سبحانه وتعالى ويعبدون الله، لكن مشكلتهم كما قلنا أنهم يشركون معه غيره. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه الحصين قال: «كم إلها تعبد؟» فقال الحصين: أعبد ستة في الأرض وواحدا في السماء؛ يعني ست أصناف في الأرض، وأعبد إلها في السماء؛ يعني حتى كفار قريش كانوا يعلمون بعلو الله سبحانه وتعالى. قال: «من لرغبتك ورهبتك؟» قال: الذي في السماء العالي في السماء. قال: «فاترك الستة واعبد الذي في السماء». هكذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «فاترك الستة واعبد الذي في السماء وأنا أعلمك دعوتين»، فأسلم، وعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي.

طبعا هذا الحديث تكلم فيه بعض اهل العلم من جهة السند حقيقة، وانا الاحظ طبعا في طبيعة الاحاديث التي يستدل بها ابن قدامة ان ابن قدامة احيانا يستدل باحاديث ضعيفة احيانا، وهذا ليس بسديد. يعني طبعا ابن قدامة هو ليس من علماء الحديث المحققين في الرجال بل هو عالم في الفقهي وفي اصول الفقه وفي العقائد يعني هذا هو الجانب الذي جنح اليه، وهذا سبب طبعا كما قلنا ربما شيء من القصور في نقله حديث انه احيانا يتساهل في نقل الاحاديث ضعيفة السند، وهو ليس من اهل الفن اهل فن الحديث، وهذا ربما سبب كما قلنا تساهلا في نقله لبعض الاحاديث من دون ان يحرر اسانيدها.

وفيما نقل من علامات النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه في الكتب المتقدمة انهم يسجدون بالارض ويزعمون ان الههم في السماء هذا نص جيد ابن قدامة يقول في الكتب المتقدمة اصحاب الكتاب في التوراة والانجيل من علامات النبي صلى الله عليه وسلم طبعا هذا ليس طبعا اصل نعتمد عليه في تقرير مسألة العلو لكن يستأنس به استئناسا فقط. يقول ان مما ذكر في علامة النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه في الكتب المتقدمة ان من علامة هذا النبي انه هو اصحابه يسجدون في الارض ويزعمون ان الههم في السماء وهذا تقرير لعلو الله سبحانه وتعالى.

وروى أبو داود في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا وكذا»، وذكر الخبر إلى قوله: وفوق ذلك العرش من فوق السماوات العرش والله سبحانه وتعالى فوق ذلك، أي فوق العرش. وهذا يدل على أن علو الله علو حقيقي فوق السماوات العلا، وإن كان أيضا هذا الحديث من الاحاديث التي فيها اشكال في سنده. لكن ابن قدامة الآن يختم ويقول: فهذا وما أشبهه مما أجمع على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده ولا تأويله ولا تشبيهه ولا تمثيله. وكما قلنا ابن قدامة يثبت العلو لله على حقيقته بمعناه، وليس هو من نصوص الصفات المشكلة عند ابن قدامة، بل أثبت العلو على معناه الحقيقي لله سبحانه وتعالى.

سئل الإمام مالك بن انس يا أبا عبد الله: الرحمن على العرش استوى كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ثم أمر بالرجل فأخرج. الآن ابن قدامة أتى بنص مالك بن انس في قضية الاستواء، وأن مالك قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول. فكما قلنا يظهر أن ابن قدامة أيضا في صفة الاستواء على العرش لربما يجنح إلى إثباتها. لكن في الحقيقة، يعني الآن خطر ذكرته، تذكرت نصا لابن قدامة أظن في ذم التأويل قد يفهم منه أنه أيضا لا يثبت الاستواء على حقيقته وإنما يفوض معناه إلى الله، لأنه لما أتى إلى نص مالك بن انس: الاستواء غير معلوم في كتابه ذم التأويل. عفوا، الاستواء غير مجهول وهي في نص آخر؛ يعني الإمام مالك هناك نص أن الاستواء معلوم، وفي بعض النقول عن الاستواء غير مجهول وهي نفس النتيجة، الاستواء معروف، الاستواء غير مجهول، نفس النتيجة.

لكن ابن قدامة في ذم التأويل لما أتى ليفسر كلام مالك بن انس أن الاستواء معلوم، يقول ابن قدامة: الاستواء معلوم. يقصد ابن يقصد مالك بن انس بعلمه أن الاستواء معلوم الوجود. وفي الحقيقة هذا ليس بفهم صحيح، الإمام مالك بن انس لما قال الاستواء معلوم لا يقصد معلوم الوجود، بل يقصد أنه معلوم المعنى، يقصد أنه معلوم المعنى ومجهول الكيفية. ابن قدامة في ذم كتاب ذم التأويل يقول: قصد مالك بن انس أن الاستواء معلوم، أنه معلوم الوجود، أن فيه هناك استواء معلوم وجوده. وتفسير كلام مالك بن انس بهي الصورة أنه مراد الاستواء معلوم معلوم الوجود، هذه في الحقيقة من طرق المفوضة وليس من طريقة أهل السنة والجماعة، تفسير كلام مالك بن انس أن الاستواء معلوم أنه معلوم الوجود هذا من طرق المفوضة، والإمام مالك لم يقصد هذا، هو معلوم يعني معلوم المعنى وليس المراد مجرد معلوم الوجود.

فكما قلنا ابن قدامة رحمة الله عليه هل يثبت صفة الاستواء للعرش حقيقة؟ يعني احيانا تشعر أنه يريد أن يثبتها كما هو في لمعة، وأحيانا يقودك إلى أنه لا يريد إثباتك صفة حقيقية لله. وهذا كما قلنا هو الذي سبب التجاذب في عقيدة هذا الإمام رحمة الله عليه في باب الصفات، لكن أنا اخترت هذه العقيدة لنعلم منهجية التعامل مع الأئمة. يعني يمكن يقول طالب: يا شيخ لماذا لم ندرس عقيدة واضحة المعالم من ألفها إلى يائها؟ لأنني أحبتي أريد أن أعلمكم، أو نتعلم جميعا كيف نقرأ كلام السلف الصالح، وكيف أننا إذا اختلفنا مع إمام في جزئية من الجزئيات كيف ننظر إلى كلامه؟ كيف نزن؟ كيف نطبق التوثيق العقدي؟ كتاب ابن قدامة كتاب جيد لممارسة عملية أو المنهجية العقدية أو عملية صناعة الدرس العقدي الصحيح. لأن ابن قدامة يعني تتجاذبه الأنظار في نصوص وفي مسائل أخرى على طريقة أهل السنة يعطينا كلام عام نحتاج إلى أن نفصل، يعطينا مجملات نحتاج إلى أن نردها إلى المحكمات. ففي الحقيقة لابد أن نحسن التعامل مع كلام الأئمة الأقدمين، أن نحل الإشكاليات التي تمر علينا في كلامهم، حتى يصبح عندنا منهجية نقدية تفكيرية علمية وليس مجرد أننا نحفظ ولا نفهم، أو يأتي أي شخص يعطينا أي معلومة نقبلها منه نبني عليها آراء عن العلماء وعن الأئمة. عندنا منهجية علمية نبني بها آراءنا وأفكارنا وتوجهاتنا وصورنا.

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن نكون وفقنا لإيصال شيء من الحقيقة عن ابن قدامة رحمة الله تعالى عليه، وأسأل الله أن يغفر لهذا الإمام العظيم وأن يجزيه عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. إن شاء الله في المحاضرة القادمة أحبتي نخوض في مسألة معينة، وهي مسألة تتعلق في باب الصفات العلا هي مسألة الكلام الإلهي وما طبيعة الخلاف الذي نشأ في هذه الصفة بالتحديد؟

أسأل الله أن يعيننا دائما على الصواب وأن يرشدنا إليه. اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض أن تلحقوا بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني واهدنا جميعا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية طريقك نحو علم شرعي راسخ.