غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح لمعة الاعتقاد للشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمد سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب لمعة الاعتقاد للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الصالحي رحمة الله تعالى عليه. وقد انتهينا في المحاضرة السابقة من التعليق على كلام ابن قدامة في باب الصفات عموماً، وموعدنا اليوم للحديث عن صفة معينة كثر فيها الخوض بين الإسلاميين قديماً وحديثاً، وهي صفة الكلام الإلهي.
لكن قبل أن أخوض في هذه الصفة، هناك استشكال طرحه بعض الطلبة ورأيت من الجيد أن أبينه في بداية هذا المجلس، وهو أنك يا شيخ في موضوع الآيات المتشابهات التي طرحتها في المحاضرة السابقة، نريد أن نسألك سؤالاً: هل الآيات المتشابهات هي محل اختبار للخلق؟ فأنت يا شيخ في ثنايا حديثك عن فهم المفوضة لآية آل عمران: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7]، في ثنايا حديثك عن فهم المفوضة لهذه الآية نفيت أن تكون الآيات المتشابهات محل اختبار كما يفهمون، لكنك في موطن آخر عدت فقلت إن الآيات المتشابهات فيها امتحان للخلق. فنريد أن نعرف: هل الآيات المتشابهات هي محل اختبار أم ليست محل اختبار؟
فأقول باختصار أحبتي: الآيات المتشابهات هي محل اختبار للخلق، لكن السؤال هو ما هي طبيعة الاختبار بها؟ هنا السؤال. إذاً، نؤصل ونقول: الآيات المتشابهات فيها اختبار للخلق بالتأكيد، لكن الخلاف هو: ما هو طبيعة هذا الاختبار؟ هل الاختبار بها كما تفهمه المفوضة هو أن هذه الآيات المتشابهات هي نصوص قرآنية لا نفهم شيئاً من معانيها، وإنما نقرأها مجرد ألفاظ ونكل معانيها إلى الله سبحانه وتعالى؟ والاختبار بها أن الشارع الحكيم يريد أن ينظر: من الذي سيفسر هذه ويتدبر هذه المعاني للآيات المتشابهات فيذم ويأثم؟ ومن الذي سيقف عند حدود اللفظ فيثاب ويمدح؟ هل هذا هو طبيعة الاختبار بالايات المتشابهات؟
هذا هو فهم المفوضة للاختبار، وهذا كما قلت لكم نعم فهم خاطئ لا نقرهم عليه، فهذا هو الاختبار الذي انفيه؛ الاختبار الذي يصوره المفوضة بهذه الصورة. وإنما أحبتي، الاختبار في الآيات المتشابهات ينبني على الفهم الصحيح لمعنى التشابه فيها، وهو أن هذه الآيات كما قلنا في المحاضرة السابقة معلومة المعاني لكنها مجهولة الحقائق والكيفيات الخارجية بالنسبة إلينا. فالشارع الحكيم يريد أن ينظر: من الذي سيقف عند حدود المعاني؟ يعني يفهم المعنى ولكنه لا يخوض في حقيقته وفي كيفيته في الخارج، هذا أولاً.
ثانياً: لا يسعى إلى تحريف المعنى عن المعنى الظاهر المتبادر إلى معان أخرى متأولة لا دليل عليها. فالذي سيقف مع الآيات المتشابهات هذا الموقف، فهو أنه يقف عند المعاني الظاهرة المتبادرة من دون تحريف لهذه المعاني، ومن دون تكييف لها في الواقع الخارجي، هذا هو الذي يثاب ويمدح. وأما الذي سيخوض في الآيات المتشابهات إما بتحريف معانيها عن المعاني الظاهرة إلى معان أخرى باطلة كما يقول المتكلمون: استوى على العرش يعني استولى، أو يخوض في كيفيتها وفي صورتها كما تفعل المشبهة حينما تشبه صفات الخالق بصفات المخلوق، فهؤلاء هم المذمومون الذين لم يحسنوا التعامل مع الآيات المتشابهات وهؤلاء لم ينجحوا في الاختبار.
فالايات المتشابهات فيها اختبار، لكن طبيعة الاختبار والامتحان بها أن الله عز وجل يريد منا أن نقف عند معانيها الظاهرة المتبادرة من دون تحريف لهذه المعاني ومن دون سعي للوصول إلى حقائقها في الخارج لأن عقولنا لا تستطيع الوصول إلى هذه الحقائق. فمن تجاوز هذا الحد المرسوم للآيات ولم يتعامل معها بالطريقة الشرعية برد المتشابه إلى المحكم بل خاض في الكيفية والتشبيه أو خاض في التحريف والتأويل الباطل، فهذا فشل في الاختبار وسقط فيه.
وأما من وقف عند الحد الإلهي أو الحد الذي اراده الشارع سبحانه وتعالى بالإيمان بها على معانيها من دون الخوض في الكيفيات والتشبيهات ومن دون التحريف والتأويل الباطل، فهذا هو الممدوح المثاب، فهذا طبيعة الاختبار. هذا الشكل من الاختبار نقر به بالتأكيد، وأما الشكل الذي نذمه أو نرفضه فهو الشكل الذي تصوره المفوضة. بالتالي، جمعت لكم هنا أن الاختبار الممدوح ليس هو أو الاختبار المثبت ليس هو الاختبار المنفي، هناك اختبار أثبته على الطريقة التي يفهمها أهل السنة والجماعة، وهناك اختبار أنفيه وهو الاختبار الذي يصوره المفوضة في هذه الآية، والله تعالى أجل وأعلم.
الآن أعود أحبتي إلى موضوع اليوم، وهو موضوع صفة الكلام. صفة الكلام الإلهي، يعني لماذا يا شيخ من كل صفات الله عز وجل ستتكلم عن صفة الكلام الإلهي بالتحديد؟ أقول: لأن ابن قدامة أفرادها بالبحث، والعلماء من القديم والحديث أيضاً يفردونها بالبحث لكثرة الخوض فيها من الفرق الإسلامية، لكثرة الخوض فيها ولاثارها الخطيرة على فهم طبيعة القرآن الكريم. ففهم صفة الكلام الإلهي يؤثر على فهمنا لطبيعة القرآن الكريم الذي بين أيدينا، لذلك كان لابد وأن تفرد بالبحث والنظر والتفهم.
وسنقتصر كما قلنا على التقعيدات العامة في هذا الموضوع، ولن نجادل الفرق الكلامية ونبسط الحديث بالرد والنظر بحثاً، لا، فهذا إن شاء الله في المطولات. لكن هنا في لمعة الاعتقاد فقط أنا أسعى إلى التأسيس والتقعيد وبيان أوجه النظر وتأريخ بعض المسائل، أما البسط في الردود والمناقشات فهذا يصعب أن يكون في لمعة الاعتقاد، بل يكون في المطولات بإذن الله إن كان في العمر بقية.
فاقول مستعيناً بالله: صفة الكلام، لقد أخذت صفة كلام الله سبحانه وتعالى الحيز الأكبر من خلاف الإسلاميين. لقد أخذت صفة كلام الله سبحانه وتعالى الحيز الأكبر من خلاف الإسلاميين منذ ظهور الفرق والطوائف في هذه الأمة، وهي من أقدم المسائل التي وقع فيها الخلاف وكثر فيها الأخذ والرد، حتى قيل إن علم الكلام إنما سمي بهذه التسمية، سمي بعلم الكلام لأن أشهر مسألة وقع فيها الخلاف وكثر فيها الرد والأخذ بين الفرق هي مسألة كلام الله عز وجل. فسمي علم الاعتقاد بعلم الكلام من أجل أن المسألة الأشهر التي وقع فيها الخلاف والتجاذب بين الفرق هي مسألة الكلام الإلهي.
فإذاً، هذه المسألة كما قلنا من أقدم المسائل خلافا ومن أشهر المسائل خلافا، كثر فيها الخوض والأخذ والاعطاء حتى قيل إن علم الكلام سمي بهذه التسمية نسبة إلى هذه المسألة التي طال فيها الخلاف والنقاش بين الإسلاميين. فالسؤال الأول: ما هي الجذور التاريخية للخلاف في هذه المسألة؟ ما هي الجذور التاريخية للخلاف في مسألة الكلام الإلهي؟ وهذا البحث مهم جداً حتى نعرف من أين نشأ أو كيف وقع الاختلاف بين الإسلاميين في هذه الصفة.
فنقول: لم يؤثر فيما وقفنا عليه من أقوال الصحابة والتابعين التطرق إلى الحديث عن هذه الصفة أو إيراد أي إشكال في فهمها. ما عندنا أي نص عن الصحابة أو التابعين فيه تطرق إلى تفسير معنى الكلام الإلهي أو على إيراد إشكال في هذه الصفة، بل كانوا يقرأون النصوص القرآنية التي تتحدث عن هذه الصفة وتثبتها من دون اعتراض أو تعليق، ويفهمونها وفق مقتضى العربية، و﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]. الصحابة والتابعون يفهمون هذه النصوص على وفق مقتضى العربية والدلالات المتبادرة منها، بل كانوا يفهمونها وفق مقتضى العربية وما تفهمه العقول السوية من دون تشبيه ولا تحريف.
وقد قال ابن عدي في الكامل، وهو من أئمة الجرح والتعديل، يقول معلقاً على نص ينسب للصحابي الجليل أنس بن مالك أنه قال: القرآن غير مخلوق. يقول ابن عدي معلقاً على هذا الأثر المنسوب إلى أنس بن مالك -انظروا ماذا قال؟-: وهذا الأثر وإن كان موقوفاً على أنس بن مالك من كلامه، لكنه منكر غير ثابت عنه. لماذا يا ابن عدي؟ قال: لأنه لا يحفظ للصحابة الخوض في القرآن، لا يحفظ عن الصحابة أنهم خاضوا في القرآن.
فبالتالي نريد أن نؤصل نحن لهذه القضية: هل خاض الصحابة أو خاض التابعون في قضية الكلام الإلهي ودخلوا في شرحها وبسطها وعرض إشكالات عليها ومجاوبة عنها؟ كلا، هذا النوع من البحث لم يكن موجوداً في زمن الصحابة ولا في زمن كبار التابعين، بل كانوا يقرأون النصوص القرآنية التي تتحدث عن كلام الله سبحانه ويفهمونها وفق مقتضى العربية وعلى ما يقتضيه السياق من دون تحريف ومن دون تشبيه.
حتى جاء شخص، هذا الشخص يسمى الجعد بن درهم. الجعد بن درهم أحبتي توفي في مئة وأربعة وعشرين هجري. هذا الشخص احفظوا اسمه جيداً: الجعد بن درهم كان مؤدباً لأحد الخلفاء الأمويين، بل مؤدباً لآخر الخلفاء الأمويين، للخليفة المسمى بمروان الحمار. كان الجعد بن درهم مؤدباً لمروان الحمار آخر خلفاء بني أمية.
هذا الرجل أظهر قولاً شنيعاً، هو أول من أظهر هذا القول في الأمة، أظهر قولاً شنيعاً بإنكار صفة الكلام عن الله تعالى، أنكر أن يكون الله عز وجل متكلماً، فانكر صفة الكلام لله بالكلية وحرف الآيات التي تدل على ذلك عن مقصودها إلى معان باطلة فاسدة. ولما أظهر الجعد بن درهم هذه المقالة الباطلة، بدأ الخلفاء والعلماء يطلبونه ليؤدبوه، فهرب الجعد بن درهم إلى الكوفة حتى تمكن منه وقبض عليه الأمير خالد القسري.
الأمير خالد القسري ألقى القبض على الجعد بن درهم وقتله عند المنبر في يوم عيد الأضحى، حيث خطب خطبته الشهيرة. الأمير خالد القسري خطب خطبة شهيرة قال فيها: يا أيها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم. انظروا إلى وصل الأمر؛ لأن هذا الرجل يريد أن يبدل الديانة، يكذب الله عز وجل -لما الله عز وجل يقول: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]- من لك أو كيف لك أيها الإنسان أن تعترض على هذا النص وأن تكذبه وأن تحرفه وأن تعطيه معان فاسدة لا وجود لها في العقل الإنساني!
لذلك خالد القسري كما قلنا قال: يا أيها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، فانه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى تكليماً. ثم نزل خالد عن المنبر فقتل الجعد في أصل المنبر، فقتله يعني في أمام الناس عند المنبر، لأن قوله كان تكذيباً لله سبحانه وتعالى. وأقر العلماء جميعاً خالد القسري على ما فعله في هذا الرجل المكذب لله.
لكن الإشكالية أن الجعد بن درهم قبل أن يلقى القبض عليه، نفث هذه المقالة الشنيعة وأعطاها لرجل آخر يسمى الجهم بن صفوان. الجعد بن درهم علم هذه المقالة الشنيعة لرجل يقال له الجهم بن صفوان، متوفى مئة وثمانية وعشرين هجري، فتلقاها منه بالكوفة. الجهم بن صفوان أخذ هذه المقولة وهذا الاعتقاد عن الجعد بن درهم في الكوفة، لكن لما عرف الناس بالجهم بن صفوان وأنه يقول بقول الجعد بن درهم، هرب الجهم بن صفوان إلى منطقة ترمذ من بلاد خرسان. هرب الجهم بن صفوان بمعتقداته إلى ترمذ خشية القتل، لكن في النهاية تم إلقاء القبض عليه، وألقى القبض عليه الأمير سلم بن أحوز في أصفهان وقتل أيضاً.
قتله سلم بن أحوز أحد الأمراء في مدينة أصفهان، لأن هذا الرجل حرف معاني آيات الله سبحانه وتعالى واعتبر مكذباً راداً لها، فالعلماء جميعاً أقروا قتله لأنه كان رأس من رؤوس الفتنة والضلال وحرف الناس عن العقيدة الحقة. لكن للاسف إنما تم قتل الجهم بن صفوان بعد أن استطاع أن يربي تلاميذ وأن ينفث سمومه في هذه الأمة، وتبعه كثير من العوام وأصبح رمزا لفكر سائد في الأمة يسمى الفكر الجهمي.
الفكر الجهمي نسبة إلى هذا الرجل الجهم بن صفوان. الجهم بن صفوان لم تكن مشكلته فقط في أنه ينفي كلام الله سبحانه، بل مشكلاته العقدية متعددة في مختلف أبواب الاعتقاد؛ في باب القضاء والقدر، وفي باب توحيد الألوهية والربوبية، وفي باب الأسماء والصفات. يعني مشاكه العقدية متنوعة، ومن أخطرها مشكلة الكلام الإلهي وأقوال هذا الرجل كلها شنيعة في الدين، سواء في مسألة الكلام الإلهي أو في غيرها من مسائل الدين.
وهذا الرجل كان جاهلاً بالعربية، لم يكن له علم بالعربية. إنسان جاهل يفسر القرآن بهواه -كما يفعل كثير من المعاصرين اليوم، يخرجون على الإعلام يفسرون القرآن بأهوائهم- يفسر القرآن بهواه وليس له دراية بقواعد الدين، فشوه الدين الإسلامي وحرفه، ولذلك حكم عليه العلماء بالكفر. ولم يتلق هذا الرجل علم عن أكابر العلماء، بل اتبع هواه ورؤوس الضلال، لذا كفره أهل الملة المحمدية وكان باب شر وداعية فتنة ومتلاعباً بالنصوص الشرعية.
ثم تلقى قول الجهم بن صفوان ونافح عنه بعد ذلك. من الذي نافح عن قول الجهم بن صفوان بعد أن قتل الجهم؟ أخذ هذه المقولة ونافح عنها رجل يسمى بشر المريسي. الذي نافح عن معتقد الجهم، وعقدت معه مناظرات بينه وبين العلماء، وصنف العلماء الكتب في الرد عليه، وكفره أكثر أهل العلم لأقواله الشنيعة. وعن هذا الرجل أعني بشر المريسي، تلقى ابن أبي دؤاد رأس المعتزلة، تلقى ابن أبي دؤاد القول بأن القرآن مخلوق.
واستطاع ابن أبي دؤاد رأس المعتزلة أن يقنع الخليفة المأمون والخليفة الواثق بالله والخليفة المعتصم بأن هذه العقيدة في القرآن هي العقيدة الحقة، وبدأت فتنة خلق القرآن التي قادها أولئك الخلفاء الثلاثة؛ المأمون أولاً، ثم الواثق والمعتصم، وفتنوا بها الناس، حتى وقف لهم أحمد بن حنبل جبلاً شامخاً على الرغم من التعذيب والاضطهاد والسعي إلى قتله، ثبت أحمد بن حنبل في وجه هذه الفتنة إلى أن نصر الله عز وجل الحق، وجاء الخليفة
نفي هذه الفتنة، وأقر قول أهل السنة والجماعة بأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق. إذا هذا هو التسلسل أخي، الجعد بن درهم أعطى هذه المقولة للجهم بن صفوان، الجهم بن صفوان نشر هذه المقولة، وأشهر من تلقاها عنه بشر المريسي، بشر المريسي أعطى هذه المقولة لابن أبي دؤاد، وابن أبي دؤاد هو الذي أقنع الخلفاء العباسيين ابتداءً بهذه المقولة الفاسدة. وبدأت فتنة الناس إلى أن نصر الله عز وجل قول أهل السنة والجماعة بأحمد بن حنبل والخليفة المتوكل رحمة الله عليهم جميعاً.
لكن السؤال الذي يدور الآن في الخاطر: الجعد بن درهم، يا ترى هل أخذ هذه المقولة أو أنشأ هذه المقولة بنفي الكلام الإلهي من بنات أفكاره، أم تلقاها عن قوم؟ انتبهوا لسؤال الجعد بن درهم رأس الفتنة، هل هذه المقولة أنشأها من بنات أفكاره يعني هو الذي أبدعها إبداعاً من عنده، أم أنه تلقاها عن غيره؟ في الحقيقة ابن عساكر رحمة الله عليه، وهو من المؤرخين المبرزين وكان طالباً للعلم كما يقول عنه الذهبي، يؤرخ لنا من أين أخذ الجعد بن درهم أصل هذا القول. انتبهوا أحبتي من أين تسلل هذا القول إلى الفكر الإسلامي؟ يقول ابن عساكر رحمة الله عليه، وهو الذي يذكر لنا منشأ هذه الفتنة: يقول الجعد بن درهم أخذ هذا القول، يعني نفي الكلام الإلهي، عن رجل يسمى بيان بن سمعان، عن رجل يسمى بيان بن سمعان. بيان ابن سمعان هذا رجل كافر، كان يقول إن علي بن أبي طالب إله، كان يؤله سيدنا علي بن أبي طالب. فالجعد بن درهم أخذ مقولته عن بيان ابن سمعان، وبيان ابن سمعان من أين أخذ مقولته؟ أخذها من رجل يهودي يقال له طالوت.
طالوت اليهودي هذا الرجل هو ابن اخت لبيد بن الأعصم الساحر اليهودي الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في البخاري ومسلم. إذا طالوت هو ابن اخت لبيد بن الأعصم، أخذ طالوت عقيدة نفي الكلام الإلهي عن خاله لبيد بن الأعصم، أخذها عن خاله لبيد بن الأعصم هذا الساحر اليهودي. لبيد بن الأعصم أحبتي كان يقول إن التوراة التي أنزلها الله على موسى مخلوقة. انظروا الفتنة من أين نبعت؟ من اليهود لبيد بن الأعصم الساحر الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقول: التوراة التي أنزلها الله على موسى ليست كلام الله، وإنما هي مخلوقة.
ثم نفث هذا الكلام الباطل إلى طالوت، ثم طالوت أعطاه لبيان بن سمعان، وبدأت هذه الفكرة الخطيرة تتسلل إلى الفكر الإسلامي عن طريق الجعد بن درهم إلى نهاية السلسلة التي أتينا بها. فإذا اليهود رؤوس الفتن أحبتي قديماً وحديثاً، وهذا يدلل على أثر اليهود منذ فجر التاريخ في الكيد لهذه الأمة، ومحاولة حرفها عن المسار وزرع بذور الفتن والضلال. ففتنة خلق القرآن ونفي الكلام الحقيقي لله سبحانه وتعالى ليست وليدة الفكر الإسلامي، بل هي فكرة مدسوسة بدأ بها اليهود، ثم تلقى من تلقاها من جهال هذه الامة وبدأوا يعدلون عليها ويطورونها بوعي منهم أو بغير وعي. لأننا سنجد أن كثير من الفرق الإسلامية تأثرت بقول الجعد بن درهم والجهم بن صفوان، لكنهم عدلوا على أقوال الجعد والجهم، عدلوا عليها وطوروا هذه الأفكار بوعي منهم أو بغير وعي، عن أن أصل هذه الفتنة إنما هو اليهود.
والإصابة أحبتي والتابعون ما كان عندهم أي إشكال في قراءة نصوص الكلام الإلهي في القرآن الكريم، يفهمون ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164] على ما هو متبادل للأذهان، فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغو مأمنه، واضح كلام الله على ما يفهم أن الله متكلم بحرف وصوت كما سنقرره إن شاء الله عقيدة أهل السنة والجماعة. لكن إذا اليهود كما قلنا دسوا هذه الفتنة في الفكر الإسلامي، وللأسف كثير من الإسلاميين حتى من الافاضل تلقى هذه الفتنة وهذه المقولة الشنيعة بوعي أو بغير وعي. البعض كما قلنا كثير منهم لم يعِ خطر هذه المقولة وحجم فسادها وابتعاده عن الحق والصواب لغة وعقلاً وشرعاً، بدأوا يطورون هذه الفكرة ويعدلون عليها وينقحونها، ويحاولون التخفيف من أثرها كما سيظهر لنا ونحن نعرض أقوال الفرق الإسلامية في هذا الباب. فأقول إذا فأكثر الناس من الخوض في مسألة الكلام الإلهي بعد ذلك، حتى وصلت أقوال الفرق الإسلامية في الكلام الإلهي إلى تسعة أقوال، يعني الفرق الإسلامية كم قول لها في فهم الكلام الإلهي؟ عندنا قرابة تسعة أقوال كما ذكر ذلك ابن أبي العز الحنفي في شرحه على العقيدة الطحاوية.
البعض يقول لا، هي ستة أقوال، البعض يقول سبعة، المهم توزعت الأقوال وتكاثرت في توصيف الكلام الإلهي، وكثر الجدال والنقاش، وازدادت الهوة بين المدارس العقدية، وظهرت مصنفات خاصة بمسألة الكلام الإلهي من مختلف الطوائف، كل طائفة تحاول أن تنصر رأيها وأن تدافع عنه وأن تبطل رأي خصومها. حتى لا نطيل الكلام ولا نطيل سرد الأقوال، يمكن أن نجمل أبرز الأقوال في مسألة الكلام الإلهي في ثلاثة أقوال، يعني هي صحيح وصلت إلى تسعة، لكن أبرز الأقوال هي ثلاثة في هذه المسألة، هي التي سأتكلم عنها في هذا المجلس بإذن الله. فاقول يمكن أن نجمل أبرز ثلاثة أقوال في المسألة والتي دار عليها الخلاف عموماً بين الفرق.
القول الأول وهو الذي يهمنا هنا أن نبينه، وهو قول أهل السنة والجماعة. قول أهل السنة والجماعة من السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان، ماذا نقول أحبتي في كلام الله سبحانه وتعالى؟ نقول إن الله عز وجل متكلم بكلام حقيقي بصوت وألفاظ كيف شاء ومتى شاء، يسمعه من شاء من خلقه، فهو متصف بصفة الكلام في الأزل. فجنس صفة الكلام الله متصف به في الأزل، ولكن إنه يحدث الكلام ويجدده بإرادته في الوقت الذي يشاء، فصفة الكلام عندنا إذا هي من الصفات الاختيارية. تذكرون تقسيم الصفات إلى صفات ذاتية ملازمة وصفات اختيارية، وأن الاختيارية الفعلية جنسها موصوف الله عز وجل به في الأزل من القدم، لكن أفرادها تتجدد وفق إرادة الله سبحانه. فالله عز وجل يتكلم متى شاء وكيف شاء لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى.
إذا نعيد تقرير قول أهل السنة والجماعة، أن الله عز وجل متكلم بكلام حقيقي بصوت ولفظ كيف شاء ومتى شاء، يسمعه هذا الكلام من شاء من خلقه، سمعه موسى عليه السلام وسمعه جبريل وسمعه محمد صلى الله عليه وسلم على الصحيح حينما ذهب إلى السماء العليا ليفرض الله عز وجل عليه الصلوات الخمس، يسمعه من شاء من خلقه. فهو متصف بصفة الكلام في الأزل، ولكنه يحدث كلامه بإرادته في الوقت الذي يشاء، وهذا ما يعبر عنه أهل السنة والجماعة في صفة الكلام، بل في غيرها من الصفات الاختيارية، أن هذه الصفات الاختيارية كالكلام والنزول إلى السماء الدنيا والمحبة والغضب وما شابهها، صفات من حيث الجنس أزلية، ومن حيث الأفراد وتجددها فهي حادثة الآحاد، وحدوثها لا يعني أنها مخلوقة كما تزعم الفرق الكلامية، وسنبين ذلك بإذن الله.
فكلامه سبحانه وتعالى ليس بمخلوق، الآن سأصل هاي الفكرة كلام الله بصوت ولفظ يسمعه من شاء من خلقه، كلام ليس مخلوق أبداً، ولا يجوز أن نقول إنه مخلوق. بل ابن حنبل وغيره من علماء السلف قالوا: من قال إن كلام الله مخلوق فقد كفر، من قال إن كلام الله مخلوق فقد كفر. فالسؤال الآن الذي يوجه إلى أهل السنة والجماعة: كيف لا يكون كلام الله مخلوقاً وهو حادث في آحاده أي متجدد الآحاد؟ يعني أنتم يا أهل السنة والجماعة تقولون: الله متكلم بكلام كجنس الكلام موصوف به في الأزل، لكن أفراد الكلام وآحاد الكلام يحدثها سبحانه وتعالى متى شاء. فحينما شاء أن موسى كلمه، وحينما شاء أن يكلم محمد صلى الله عليه وسلم كلمه، وحينما شاء ليكلم جبريل بالقرآن كلمه.
فإذا هذه الآحاد وهذه الأفراد حادثة متجددة يحدثها الله متى شاء، فكيف تكون حادثة متجددة يحدثها الله متى شاء ولا تكون مخلوقة؟ كيف تقولون ذلك؟ الآحاد والأفراد حادثة لكنها ليست مخلوقة، هل هناك حادث ليس بمخلوق باختصار؟ هذا ما يريد المتكلمون أن يوجهوه إلى أهل السنة والجماعة. فنقول الجواب: أن يُعلم أن كلمة حادث لا تعني بالتمام كلمة مخلوق باختصار. بعبارة أخرى، كلمة حادث ليست مرادفة في اللغة لكلمة مخلوق كما يتوهم علماء الكلام، فالحدوث لا يستلزم الخلق كما يزعم المتكلمون، بل الحدوث أعم من الخلق، فعلاقة لفظة حادث بلفظة مخلوق هي علاقة العموم والخصوص المطلق. فهناك حادث هو مخلوق، وهناك حادث ليس بمخلوق.
وجعل كلمة حادث مرادف ومساوٍ تماماً لكلمة مخلوق هذا من إبداع المتكلمين ومن عقولهم، وإلا فعماء العربية الذين لم يتأثروا بأفكار المتكلمين، يعني علماء العربية الأقدمون قبل ظهور الفرق الكلامية، لا يوجد أحد منهم ففسر كلمة حادث أنها تساوي كلمة مخلوق، لا يوجد من علماء العربية قبل ظهور الفرق الكلامية من فسر كلمة حادث أنها تساوي كلمة مخلوق، وإنما وجد تفسير الحادث بأنه مخلوق في بعض المعاجم اللغوية المتأخرة التي تبنى أصحابها الفكر الأشعري أو المعتزلي أو ما شابه ذلك. انتبهوا لأنه بعض اللغويين أحبتي نشأ في أزمان متأخرة وتبنى الفكر الأشعري أو الماتريدي أو المعتزلي، فللأسف هؤلاء اللغويون الذين تأثروا بالفرق العقدية يسيرون هذه الألفاظ بما يتوافق مع معتقداتهم، وليس بما هو مدلول اللغة أصالة.
أما لجهلهم بمدلول اللغة -نحن لا نتهمهم في ديانتهم أنهم أرادوا التزوير حاشاهم رحمة الله عليهم-، لكننا نقصد لغلبة الفكر العقدي على عقول هؤلاء اللغويين فسروا هذه الكلمات بما تقتضيه العقائد، ولم يحرروا استعمال اللغويين فيها. وأما علماء اللغة قبل ظهور الفرق الكلامية والذين لم يتأثروا بالفرق الكلامية، لم يفسروا هذه الألفاظ كما يفسرها الكلاميون. فنقول إذاً ينبغي أن يُعلم أن كلمة حادث لا تساوي كلمة مخلوق، بل الحادث على نوعين: هناك حادث مخلوق، وهناك حادث غير مخلوق، ولا يوجد في العربية ما يدل على أن الحدوث مرادف للخلق تماماً كما يتوهم المتكلمون.
طيب، إذاً ما معنى كلمة حادث عند علماء العربية الأقدمين؟ الحادث عند علماء العربية الأقدمين هو المتجدد ما وجد بعد أن لم يكن، الحادث هو المتجدد ما وجد بعد أن لم يكن. تمام، قد يكون هذا الحدوث وهذا التجدد خلقاً، وقد لا يكون خلقاً. كيف ذلك يا شيخ؟ انظروا الآن لكلام ابن أبي العز الحنفي لنفهم كيف ذلك. إذاً معنى كلمة حادث في اللغة، في أصل اللغة، ما معناه؟ ما وجد بعد أن لم يكن، اكتبوه عندكم، الحادث هو ما وجد بعد أن لم يكن. هناك حدوث من دون خلق، ويسمونه التجدد فقط، مجرد تجدد من دون أن يكون ناشئاً عن خلق، وهناك حدوث يكون ناشئاً عن خلق.
يقول ابن أبي العز الحنفي رحمة الله عليه في شرحه على العقيدة الطحاوية: حلول الحوادث بالرب سبحانه وتعالى المنفي في علم الكلام المذموم، لاحظوا ماذا يقول ابن أبي العز الحنفي الكلام المذموم، يقول: إذاً حلول الحوادث بالرب، هل الله سبحانه وتعالى تقوم به الحوادث، تحل به الحوادث؟ علماء الكلام وفي علم الكلام يقولون: الله لا تحل به الحوادث، يقولون هذه عبارة مجملة، الله لا تحل به الحوادث. فابن أبي العز الحنفي يريد أن يقف مع هذه العبارة: هل هذا الإطلاق صحيح؟ الله لا تحل به الحوادث، هل هذا الإطلاق صحيح؟
فيقول ابن أبي العز: حلول الحوادث بالرب الذي ينفيه علم الكلام لم يرد نفيه ولا إثباته في الكتاب ولا في السنة، ففيه إجمال. يعني يقول ابن أبي العز الحنفي: لا يوجد عندنا نص في القرآن ولا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ينفي حلول الحوادث في الرب سبحانه، بالتالي هذه العبارة التي تستخدمونها يا علماء أن الحوادث لا تحل في الله هذه عبارة مجملة تحتاج إلى تفصيل. فالآن سيُفصل ابن أبي العز فيقول: فإن أريد بالنفي أنه لا يحل في ذاته المقدسة شيء من المخلوقات المحدثة، إن قصدتم أيها العلماء الكلام بقولكم إن الله لا تحل به الحوادث، إن قصدتم بهذا النفي أنه لا تحل في ذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن، فهذا النفي صحيح نحن نوافقكم عليه.
إن قصدتم أن الحوادث لا تحل بذات الله، أن الله عز وجل لا تقوم بذاته شيء من مخلوقاته، فهذا النفي صحيح، الله عز وجل لا يقوم في ذاته المقدسة شيء من مخلوقاته. وان قصدتم أيضاً بنفي حلول الحوادث أن الله عز وجل لا تحل فيه صفة جديدة لم يكن متصفاً بها من الأزل، فنقول أيضاً هذا الكلام صحيح، فالله عز وجل لا تحدث له صفات لم يكن متصفاً بها من الأزل تجددت له مع مرور الأوقات، لا يوجد، فهذا النفي لحلول للحوادث نحن نوافقكم عليه. لا، انظروا ايش قال: وإن أريد به -أي وإن اردتم بنفي الحوادث نفي الصفات الاختيارية من أنه سبحانه لا يفعل ما يريد ولا يتكلم بما يشاء، وأنه لا يغضب ولا يرضى- فهذا نفي باطل، فهذا نفي باطل.
يعني إن أردتم بقولكم الحوادث لا تحل بالله، إن أردتم بهذه الجملة أن تنفوا الصفات الاختيارية عن الله، وأنكم تقولون إن الله لا يتكلم متى شاء ولا يفعل ما يشاء ولا ينزل متى يشاء، فهذا نفي باطل لا نقول به أبداً ولا نقركم عليه. فبالتالي أصبحت عبارة الحوادث لا تحل بذات الله أصبحت عبارة مجملة يجب علينا أن نفصل فيها، لأن علماء الكلام ينفونها بالإجمال ويدخلون معانٍ باطلة فيها، فابن أبي العز سلك هذا المسلك.
مسلك علمي في تفصيل هذه المقولة التي لم ترد لا في الكتاب ولا في السنة، فبيَّن أن نفي حلول الحوادث له معنى صحيح وله معنى باطل. نذهب الآن إلى ابن تيمية رحمه الله، وأنا أدرك أننا إذا قلنا ابن تيمية هنا تشرئب له الاعناق، ويَبْدَأ الكل ينظر: هَا الشيخُ عاد إلى ابن تيمية! ابن تيمية أحبتي بالنهاية هو عالم من علماء الأمة الكبار، شهد له الأشاعرة والمعتزلة قبل أهل السنة والجماعة بأنه عالم تحرير محقق. يعني حتى من خالف ابن تيمية من الأشاعرة كثير منهم عرفوا قدر هذا الرجل، كالسيوطي وغيره، ومدحوا هذا الرجل في العلم وشدة اطلاعه، بل ذكر السيوطي رحمه الله -وهو من علماء الأشاعرة- في شرحه على الكوكب الساطع أن من الأئمة المجتهدين اجتهاداً مطلقاً -أن من وصل إلى مرتبة الاجتهاد المطلق- ابن تيمية، مع أن السيوطي كان أشعرياً، لكنه منصف يدرك للرجال، فالقضية ليست مناكفة.
يعني حينما نقول الغزالي عالم، حينما نقول النووي عالم وهو أشعري، نحن في النهاية نقف موقف حق: أن من كان عالماً يجب أن أعلم أنه عالم وأنه عالم رباني، لكن خلافنا معه في الاعتقاد نبين خطأه ونقف عنده ولا نصحح أقوالهم الباطلة في الاعتقاد أنهم علماء، هذه النهاية مسائل تبحث. فكذلك أنا أقول لمن يخالف ابن تيمية: ابن تيمية أخي الكريم مهما حاولت أن تطمس الحقائق هو مجتهد مطلق وعالم موسوعي ورجل محقق في جميع العلوم، فإياك أن تنتقص من حقه، أو أن تتلفظ في حقه بما لا يليق. إياك أن تكون من هذا فتحرم والله! يعني خالف ابن تيمية هذه وجهة نظرك، ناقشه بأدب واحترام، هذه طريقة جيدة يعني أسلكها، لكن أن تتنقص من قدر هذا الرجل وأن تعتمد على أقوال فلان وفلان في ذمه وأنه لم يكن ولم يكن، فلن تستطيع أن تطمس نور الشمس، هذه حقائق ثابتة عليكم أن تعرفوها.
لن تستطيع أن تطمس التاريخ، هذا الرجل له من المصنفات العقدية الضخام شيء مهول! من نظر في بيان تلبيس الجهمية، سبع مجلدات كتبت في باب الاعتقاد، وفي درء تعارض العقل والنقل، أربع مجلدات مسطرة في علم الاعتقاد في الجمع بين العقل والنقل، وفي مجموع الفتاوى، وفي كتاب النبوات، وفي منهاج السنة، وغيرها من الكتب والموسوعات العقدية التي خلفها هذا الرجل، يدرك أنك تتكلم عن إنسان مطلع، متضلع، مؤصل، متفنن، قرأ الفلسفة وقرأ المنطق وقرأ الفرق الكرامية وحررها وعرف داخلها ومخارجها. لا تتكلم عن شخص بسيط في العلم، أو إنسان كحال أكثر المتكلمين اليوم -يعني إذا قرأ كتاباً أو كتابين أو سمع أو دورتين ظن أنه الإمام الأعظم الذي لا يُشق له غبار- تتكلم عن إنسان عميق في العلم، فإياك أن تنتقص من قدر الرجال بل وأنت لا تعرفهم.
المهم يقول ابن تيمية رحمه الله: وإذا قالوا -أي أهل الكلام-: نحن نسمي كل حادث مخلوقاً، لأن ابن تيمية بده يناقش علماء الكلام، فيقول: إذا قال علماء الكلام نحن نسمي كل شيء حادث مخلوق، فنقول لهم: هذا محل النزاع، فالسلف وائمة الحديث وكثير من طوائف الكلام -يعني حتى هناك طوائف كلامية كالهاشمية والكرامية وأبي معاذ وغيرهم- لا يقولون كل حادث مخلوق، يعني حتى بعض الفرق الكلامية لا توافق الأشاعرة والمعتزلة ومن شابههم على أن كل حادث مخلوق، هذه العبارة ليست محل اتفاق داخل الصف الكلامي نفسه، لا يقولون كل حادث مخلوق.
ويقولون الحوادث -يعني السلف وائمة الحديث وكثير من فرق الكلاميين- يقولون الحوادث تنقسم إلى قسمين: إلى ما يقوم بذاته سبحانه وتعالى بقدرته ومشيئته -هذا النوع الأول، فهذا حادث حل في ذاته وقام في ذاته سبحانه وتعالى وهذا ليس بمخلوق- وإلى ما يقوم بائناً عنه، يعني هناك حادث يقوم لكن في خارج ذاته بائناً عن ذاته، وهذا هو المخلوق. إذا يقول ابن تيمية: الحوادث تنقسم إلى ما يقوم بذاته بقدرته ومشيئته سبحانه وتعالى؛ هناك حوادث الله عز وجل يقيمها في ذاته بقدرته ومشيئته وإرادته المطلقة، فهذه الحوادث التي تقوم في ذاته ليست بمخلوقة.
فالله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، هذا حادث يقوم في ذاته متى شاء ويفعله كيف شاء، وهذا الحادث الذي قام في ذاته -ما معنى حادث؟ أنه حدث بعد أن لم يكن- الله ينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، إذا هذا شيء حدث، فهذا حدوث، حدوث النزول هذا أمر قام في ذاته سبحانه وتعالى في ثلث الليل الآخر كيف شاء وهو ليس بمخلوق. كذلك الله عز وجل حينما يضحك من عبده يوم القيامة، وحينما يغضب على من يفعل المعاصي، وحينما يحب التائب الذي يعود إليه، طب ما هذه كلياتها عبارة عن حوادث، أشياء متجددة حدثت بعد أن لم تكن قامت في ذاته سبحانه، لكن قيامها في ذاته وحدوثها في ذاته ليس خلقاً، لأن الله لا يخلق شيئاً في ذاته.
طب ما هو الخلق إذاً؟ الخلق هي الحوادث الأشياء المتجددة التي تحدث بائنة عن ذاته، أي تحدث في هذا الكون، فكل حادث في هذا الكون منفصل عن الذات الإلهية فهذا حادث مخلوق، وأما الحادث الذي يقوم في الذات الإلهية فهذا حادث غير مخلوق أصلاً. يستحيل أحبتي أن الله عز وجل يخلق شيئاً في ذاته، طبيعة الخلق أن المخلوق منفصل عن الخالق، المخلوق ينبغي أن يكون منفصلاً عن الخالق، فالله سبحانه وتعالى خلق المخلوقات فتكون هذه المخلوقات بائنة خارجة عن ذاته.
وأما ما يجدده ويحدثه في ذاته من الأفعال الاختيارية كالمحبة والغضب والنزول والاتيان والمجيء -الله عز وجل يأتي يوم القيامة، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22]، وجاء ربك، كيف بالله عليكم تفهمون هذه الآية؟- نحن نفهم أن الله سيجيء يوم القيامة وخلفه الملائكة صفوفاً صفوفاً، هذا المعنى الذي يفهم كل العقلاء وأهل العربية، والذي يفهمه أصحابه التابِعُون، وهذا مجيء متجدد حدث بعد أن لم يكن، قام في ذاته سبحانه وتعالى وهو ليس بمخلوق.
فإذاً ينبغي أن نفسر بين نوعين من الحوادث؛ حوادث -إذا فهمتم هذه القضية سترتاحون أحبتي- تفهمون أين إشكالية الفكر الكلامي الذي حصل الحوادث في أنها ينبغي أن تكون مخلوقة، وبالتالي نفوا كل الصفات عن الله بحجة أن هذه الصفات كيف تحدث في ذات الله؟ هل يحدث في ذات الله مخلوقات؟ لا، إذاً ينبغي أن ننفي الصفات الاختيارية! خطأ، الصفات الاختيارية أولاً جنسها -يعني أصلها- قديم، فجنس الكلام وجنس المجيء الله متصف به من القدم والأزل، وليس الله كان عاجزاً عن الكلام ثم حدث له الكلام كلا، ليس الله كان عاجزاً عن المجيء والاتيان ثم اتصف بهذه الصفة كلا.
فجنس المجيء وجنس الاتيان أصل هذه الصفة الله متصف به، لكن الآحاد -متى يفعل الله هذا الفعل؟- هذا يكون بمشيئة وإرادته واختياره سبحانه وتعالى متى شاء ومتى فعل هذه الأفراد ومتى حدثت وتجددت في ذاته فلا تكون مخلوقة. فإذاً هناك حوادث غير مخلوقة نعم، وبملء فيك هناك حوادث غير مخلوقة، وجعل كلمة حادث مرادف لكلمة مخلوق هذا من إبداع الفرق الكلامية ومن آثار الفلسفة الإغريقية، وليس من كلام العرب ولم يأت به كتاب ولا سنة ولا آثار عن الصحابة والتابعين.
إذاً انتهينا من نقل نص ابن أبي العز الحنفي ونص ابن تيمية في بيان أن الحوادث لا تستلزم أن تكون مخلوقة، فالحوادث التي تقوم في ذاته من الكلام وغيره من الصفات الاختيارية ليست مخلوقة بشكل من الأشكال. طيب يا شيخ، سؤال: هل هناك -يعني هذا سؤال أكيد سيوجهه كثير من الطلبة- هل هناك أحد من علماء السلف ذكر أن الله سبحانه وتعالى يتكلم بصوت ولفظ، وأنه يتكلم متى شاء، أم هذه القضية -قضية أن الله يتكلم بصوت ولفظ وأنه يتكلم متى شاء- من مخترعات ابن تيمية ومن تبعهم بعد ذلك؟
هذا سؤال يرد عندك كثير، لأننا حينما نتكلم عن الكلام الإلهي ونقرر قول أهل السنة، يخرج لنا بعض للأسف ضعاف العلم ومن ليس لديهم اطلاع من الناشئين في العلم ممن تأثر بالفرق الكرامية يقولون: أنتم تنصرون ابن تيمية لأنه ابن تيمية، وأنتم تيميون وغير ذلك من الألفاظ الفارغة التي لا تحمل أي دلالات، وإنما تدل كما قلنا على سذاجة في عقل الإنسان. فنقول أحبتي: هل فعلاً قضية أن الله يتكلم بصوت ولفظ متى شاء، هل هذه من مخترعات ابن تيمية، ولا هناك قبل ابن تيمية كثير من العلماء تكلم بهذا الكلام؟
الآن سأعي إلى تقرير هذه المسألة، وهو أن ما نقوله: إن الله يتكلم بصوت ولفظ كيف شاء ومتى شاء، أن هذا هو أصلاً كلام السلف الصالح قبل ابن تيمية بقرون، وكلام علماء كثر، بل هو إجماع السلف الصالح ومن بعدهم من علماء أهل السنة والجماعة، وإنما ابن تيمية في القرن السابع والثامن الهجري إنما أعاد نفض الغبار عن هذا القول بعد أن سعى الفكر الكلامي لتغطيته بفكرة حلول للحوادث وما شابه ذلك من الأفكار المستقاة من الفلسفة الإغريقية. دعونا ننظر إلى الحقيقة كما هي، وأي شخص يريد أن يخالف ابن تيمية ويقول: ابن تيمية أخطأ في مسألة الكلام، أنا أطالب بأنه يناقش قبلي ابن تيمية كل العلماء الذين سنقرر عنهم الآن كلامهم في إثبات صفة كلام الله سبحانه وتعالى.
طيب، من الإشكاليات المعاصرة كثرة التشويش والتضليل الذي يمارسه رؤوس المتكلمين من خلال إيهام الناس وطلبة العلم أن ما يقوله ابن تيمية في صفة الكلام وفي غيرها من مسائل الصفات ومن بنات أفكاره ولم يسبقه أحد إليه، وهذا من الجهل والتضليل الذي يتفشى نتيجة ضعف الاطلاع عند طلبة العلم على كلام العلماء الأوائل، فيأخذون كلام الأساتذة مسلَّماً، ولو أن الطالب الكريم كلف نفسه البحث والنظر في كلام الأوائل لوجد أن ابن تيمية لم يعدُ النقل والتوضيح لما يقول السلف. هذا ما فعله، أنه أعاد نقل كلام السلف وأزال الغبار الذي وضعه علماء الكلام عليه وتحريفهم لكلام السلف الصالح رضوان الله عليهم.
وهنا سانقل مجموعة من النصوص الثابتة عن الأئمة الأوائل تثبت لكم عقيدة السلف الصالح في صفة الكلام الإلهي التي قررناها قبل قليل. سأبدأ بكلام إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل؛ يقول عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل في كتاب السنة -كتاب السنة كتاب لعبد الله بن الإمام أحمد-: ماذا يقول؟ يقول عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: قال أبي رحمه الله -من أبوه؟ أحمد بن حنبل- قال أبي رحمه الله: حديث ابن مسعود رضي الله عنه: إذا تكلم الله عز وجل سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان. أحمد بن حنبل يعلق على حديث ابن مسعود: إذا تكلم الله عز وجل سمع له صوت، أي سمع لكلامه صوت كجر السلسلة على الصفوان.
ثم يقول أحمد بن حنبل معلقاً على هذا الحديث: وهذا -أي هذا الحديث- الجهمية تنكره، يعني أتباع الجهم بن صفوان، أتباع الجهمة، فالمصطفى كما قلنا الجهم بن صفوان هو الذي حمل الراية بعد الجعد بن درهم، فأتباع الجهم بن صفوان ينكرون هذا الحديث، لأنه صريح في إثبات أن الله عز وجل له كلام وكلام مسموع، وهذا الكلام ذكر كجر السلسلة على الصفوان. وقال أبي رحمه الله عليه: هؤلاء -انظروا أحمد بن حنبل شديد كان على الجهمية الذين ينفون الكلام الإلهي- يقول أحمد بن حنبل: هؤلاء كفار، يريدون أن يموهوا على الناس. من زعم أن الله لم يتكلم فهو كافر، إلا أننا -ما زال أحمد يكمل- إلا أننا نروي هذه الأحاديث كما جاءت، يعني لا ندخل في كيف يتكلم الله، هنا نقف، لا ندري كيف يتكلم الله، وإنما نقول: الله أخبرنا أنه يتكلم، ومن نفى أن الله يتكلم فاحمد بن حنبل يقول: هو كافر. نسأل الله السلامة والعافية.
إذاً هذا النص الأول عن أحمد بن حنبل. نص آخر أوضح لأحمد بن حنبل؛ يقول عبد الله بن الإمام أحمد: قلت لأبي أحمد بن حنبل: أنا هَا هنا -يعني عبد الله يقول لأبيه: إن ها هنا من يقول إن الله لا يتكلم بصوت- فماذا قال له أحمد بن حنبل؟ يا بني! هؤلاء جهمية زنادقة، الذين يقولون إن الله لا يتكلم بصوت، يقول أحمد بن حنبل: هؤلاء جهمية زنادقة، إنما يدورون على قيل، هم يريدون أن يعطلوا الله عن صفة الكلام، فيقولون: الله لا يتكلم بصوت، لا يتكلم من دون صوت، أو يتكلم بكلام يقوم في ذاته كما تقول كلام نفسي كما تقول بعض الفرق. هذا كلام خطير أحبتي أن تنفي كلام الله عز وجل! أي جرأة هذه تتجرأها على الله؟ أي جرأة على النص، على القرآن الكريم، على محمد صلى الله عليه وسلم، عن السلف الصالح، التي يملكها هؤلاء القوم؟ نسأل الله الهداية والرشاد.
الآن النص الثالث: صالح بن الإمام أحمد بن حنبل. الإمام أحمد بن حنبل من أشهر تلاميذه ابنه عبد الله وصالح، وهؤلاء من أكثر من نقلوا النصوص عن أبيهم أحمد بن حنبل رحمه الله، فالآن سأنقل لكم نصاً عن صالح، الابن الآخر لأحمد بن حنبل. صالح بن الإمام أحمد بن حنبل ينقل أن أحمد بن حنبل رحمه الله قال في القرآن الكريم: انظروا ماذا قال أحمد بن حنبل في القرآن الكريم، يقول أحمد: جبريل سمعه من الله، واضحة القضية، جبريل -من أين أتيت بالقرآن يا جبريل؟- جبريل عليه السلام سمعه من الله عز وجل، إذاً الله عز وجل.
كيف سمعه جبريل؟ يعني أحياناً خلص لنصل لمرحلة عقلية نقف عندها. جبريل سمعه من الله، كيف سمعه من الله؟ هذه مشكلة. علماء الكلام ماذا يقولون؟ لا، لا يقصد أحمد بن حنبل أن جبريل لم يسمعه من الله مباشرة، بل الله عز وجل خلق صوتاً في شيء حوله، جبريل سمع كلام الله من خلال هذا الشيء. تأويلات متعسفة متكلفة حقيقة أحياناً لا تحاول أن تفهمها، لا تفهمها. ماذا يريد علماء الكلام؟
المهم أحمد بن حنبل بشكل صريح يقول: جبريل سمعه من الله، والنبي صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل، والصحابة سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم. ذكر هذا الأثر قوام السنة الإصبهاني في الحجة في بيان المحجة، الإمام الخلال، وذكرنا كثيراً مرة من الإمام الخلال جامع روايات الإمام أحمد بن حنبل.
يقول الإمام الخلال: أنبأنا أبو بكر المروزي، سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، وقيل له: يا أحمد بن حنبل إن عبد الوهاب قد تكلم وقال: من زعم أن الله كلم موسى بلا صوت فهو جهمي عدو لله وعدو للإسلام. فتبسم أبو عبد الله أحمد بن حنبل وقال: ما أحسن ما قال عافاه الله.
قيل لأحمد بن حنبل: يا أحمد، الإمام عبد الوهاب من أئمة السلف الصالح، الإمام عبد الوهاب يقول: من زعم أن الله لم يكلم موسى بصوت فهو جهمي عدو لله وللإسلام. فأحمد بن حنبل سرّ من كلام عبد الوهاب وقال: جزاه الله خيراً، ما أحسن هذا الكلام.
بالله عليكم، إذاً ماذا بقي؟ هل أحمد بن حنبل يعني للأسف اليوم تجلس مع بعض علماء الكلام يقولون: أحمد بن حنبل لا يقول إن الله يتكلم بصوت. طيب يا اخي كيف فلا يقول الله يتكلم بصوت، هذا كلام الرجل. لماذا هذا التعنت المبالغ فيه؟ أنا أدرك أن علماء الكلام يعانون من مأزق كبير حينما يأتون لكلام أحمد بن حنبل وكلام غيره من علماء السلف.
المأزق أنهم يشعرون أن علماء السلف وكلام أهل السنة والجماعة مالك وأحمد بن حنبل وكذلك الشافعي وأبو حنيفة، كلام هؤلاء يختلف عن كلامهم تماماً، وأن التأصيلات العقدية لأحمد بن حنبل تختلف عن تأصيلاتهم، فيحاولون ليّ أعناق النصوص ويحرفون كلام أحمد بن حنبل ما لذلك سبيلاً.
لكن للأسف بعض المتكلمين من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة تجرأوا على مقام أحمد بن حنبل وخاضوا في عقيدته واتهموه. طبعاً بشكل عام الفكر الاشعري أو الماتريدي يحاول أن يجعل أحمد بن حنبل في صفهم، بل كما قلنا نسبوا إلى أحمد بن حنبل عقيدة الأشعري بالتمام مع أن أحمد بن حنبل كان بغض الأشعري أصالة.
لكن المهم بعض الأشاعرة -لا أعمم، لأنه كما قلنا البعض يحرف نصوص أحمد بن حنبل حتى تتوافق مع معتقده- لكن بعض الأشاعرة لما وجدوا نصوصاً صريحة لأحمد بن حنبل تخالف طرائقهم العقدية، البعض لمز في أحمد بن حنبل واتهمه في عقيدته وأنه لم يوافق السلف الصالح.
انظروا أين وصلت الجرأة! وصلت الجرأة للتعدي على كلام إمام أجمعت الأمة من قرون متطاولة على أنه إمام أهل السنة والجماعة والناصر للعقيدة الحقة. فإذاً هناك مشكلة كما قلنا بين الكلام الذي يقوله أحمد بن حنبل حقاً، وما ينسبه المتكلمون إليه.
النص الخامس -هذا النص ليس عن أحمد بن حنبل فقط، نقلت أربعة نصوص عن أحمد بن حنبل- بل دعوني أنقل نصاً عن إمام آخر، عن أبي حامد الإسفراييني. أبو حامد الإسفراييني من الأئمة الشافعية، وتوفاه الله أربعمائة وستة هجري، يعني قبل ابن تيمية بأربعة قرون تقريباً أبو حامد الإسفراييني.
ذكر الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرخي في كتابه الذي سماه الفصول في الأصول، قال: سمعت الإام أبا منصور محمد بن أحمد يقول: سمعت أبا حامد الإسفراييني -متوفى أربعمائة وستة هجري- يقول: مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار. لاحظ، يعني أبو حامد الإسفراييني لا أحد يستطيع أن يطعن أنه إمام ثقة عدل، يعني هذا شيء معروف منتشر مستفيض في الكتب في كل التراجم، إمام كبير.
لا ينقل قولي الشخصي، بل يقول: مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار. إذاً بالتأكيد أبو حامد الإسفراييني جالس مع عدد كبير من العلماء وسمع منهم هذه المقولة. ما هي المقولة؟ أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال إنه مخلوق فهو كافر. والقرآن حمله جبريل مسموعاً من جبريل، سمعه ممن يا أبا حامد؟ مسموعاً من الله.
إذاً الله تكلم بالقرآن، والنبي صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا كلام أبي حامد الإسفراييني، ليس كلام ابن تيمية ولا تلاميذ ابن تيمية، أبو حامد الإسفراييني أربعمائة وستة هجري.
طيب، أنا قفزت، كان ينبغي أن أقدم، الآن أذهب إلى النص السادس، الإمام البخاري. الإمام البخاري مئتان وستة وخمسون -يعني قبل أبي حامد الإسفراييني- مئتان وستة وخمسون هجري توفاه الله. ولا أظن أحداً يستطيع الخوض في الإام البخاري رحمة الله عليه.
بوب البخاري رحمة الله عليه في كتابه صحيح البخاري، الكتاب المشهور، في كتاب التوحيد. يعني ارجعوا الآن، اذهبوا إلى صحيح البخاري بين أيديكم، اذهبوا إلى كتاب التوحيد، انظروا في تراجم البخاري. ومعلوم أن فقه البخاري وأفكار البخاري تتجلى في تراجمه، هذا الكل يقوله.
طب دعونا ننظر ما هي تراجم البخاري في كتاب التوحيد؟ يقول البخاري: باب كلام الرب مع جبريل، ونداء الله الملائكة. ماذا تفهمون من هذه الترجمة؟ باب كلام الرب مع جبريل، ونداء الله الملائكة. ترى البخاري مثل أحمد بن حنبل رد على الجهمية الذين ينفون كلام الله، لذلك البخاري يتقصد هذه الترجمة يريد أن يقول لك: إن الله تكلم كلاماً مباشراً مع جبريل، ونداء الله الملائكة.
فنادى الملائكة، ما جاء في الحديث أن العبد إذا أحبه ينادي الله عز وجل: يا جبريل. أليس الله ينادي جبريل؟ يا جبريل إني أحب فلاناً فأحبه. فينادي جبريل في أهل السماء. إذاً الله تكلم مع جبريل وناداه وأخبره أنه يحب عبده فلاناً.
في الحقيقة أنا لا أعرف كيف يفهم علماء الكلام مثل هذه الأحاديث، وما هو الحرمان الذي يقع فيه علماء الكلام من استشعار عظمة مثل هذه الأحاديث. ما أجمل وما أبقى أن تسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله إذا أحب فلاناً نادى جبريل فقال: يا جبريل إني أحب فلان فأحبه، فينادي جبريل في أهل السماء أن الله يحب فلاناً»، المهم إلى آخر الحديث.
كيف تعيشون مع هذه النصوص؟ كيف تحيون وتتدبرون معاني كلام الله عز وجل ومعاني أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تتكلم عن النزول الإلهي في ثلث الليل الآخر بالله عليكم؟ حينما تنفون النزول الإلهي، أين الإيمانيات؟ الروحانيات؟ أن الله ينزل في ثلث الليل الآخر، هل من تائب فأقبله؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ كيف تضيعون كل هذه الإيمانيات والجماليات والعلاقة بين العبد وإلهه بسبب كل هذه الفلسفة الإغريقية والهرطقات التي لا معنى لها؟
نسأل الله ألا يحرمنا من هذا الذوق، ومن هذا الإيمان، ومن جمالية هذه النصوص وروحانيتها. إذاً باب كلام الرب مع جبريل ونداء الله للملائكة. وذكر مباشر البخاري الحديث: «أن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل إني أحب فلاناً فأحبه»، الحديث إلى آخره.
وبوب البخاري: باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبإ: 23]. وذكر البخاري حدثنا بإسناده إلى أبي سعيد الخدري قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله: يا آدم. فيقول آدم: لبيك وسعديك. ينادي بصوت -ينادي بكسر الدال- ينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار. ما رأيكم بهذا الحديث؟
يقول الله: يا آدم. يقول الله: يا آدم. آدم قال: لبيك وسعديك. آدم يخاطب من؟ ألا يخاطب الله؟ لأن الله خاطبه. إذاً الله تكلم. وكلام يوم القيامة هذا ليس كلاماً قديماً، كلامه يوم القيامة كلام حادث متجدد يحدثه الله يوم القيامة ما تشاء.
يقول الله: يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك. ينادي بصوت -إذاً كلام الله بصوت-: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار. يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني -ترى الحافظ ابن حجر العسقلاني هو متأثر بالفرق الكلامية في هذا الباب، في باب الكلام الإلهي عنده تأثر، لكنه منصف رحمة الله عليه- فيقول في الفتح الباري معلقاً على هذا الحديث: ووقع في "ينادي" مضبوطاً بكسر الدال -يعني يؤكد ابن حجر أن أكثر العلماء ضبطوا كلمة ينادي بكسر الدال "ينادي"-.
فبالتالي من الذي ينادي؟ من الفاعل؟ الله، ينادي بصوته. ووقع في رواية أبي ذر الهروي فقط بفتحها على البناء للمجهول، أنه في رواية -يعني إحدى نسخ البخاري وهي نسخة أبي ذر الهروي- وقع فيها "فينادى بصوت". الآن على صيغة المبني للمجهول أصبح فيه إشكال في النص: فينادى بصوت. من الذي إذا نادى؟ لأنه فينادى، لكن على رواية الأكثر وهي الرواية الصحيحة التي أثبتها ابن حجر "ينادي بصوت"، إذاً الله عز وجل، إنه هكذا يفهم هذا النص في اللغة العربية.
طبعاً أبو ذر الهروي أحد رواة البخاري، لكن عنده إشكالية أنه كان متأثراً بالفرق الكرامية وأخذ عنهم في بغداد وفي غيرها من المناطق. فبالتالي دعوى أبي ذر الهروي مخالفة لرواية الجمهور، مع تأثر أبي ذر الهروي في الفكر الكلامي، فيجعلنا بالتالي نتجه إلى رواية الجمهور وهي الرواية الصحيحة الثابتة.
وقال البخاري أيضاً في ذات الباب: ويذكر -الآن ركزوا معي في هذا الحديث، لأنه هذا حديث معلق ذكره البخاري بصيغة التمريض. الآن نحن ذكرنا في شرحنا على نزهة النظر أن هل كل حديث معلق ذكره البخاري بصيغة التمريض معناه مباشرة أن هذا الحديث ضعيف؟ لا. وبينا بالتفصيل أن معلقات البخاري التي أتى فيها بصيغة التمريض لها تفاصيل مطولة، وليس كما هو مشهور عند كثير من المبتدئين في طلب العلم أن كل حديث ذكره البخاري بصيغة التمريض مباشرة حديث ضعيف.
كلا، هذه معلومة خاطئة، وعودوا إلى كتاب النكت على ابن الصلاح لابن حجر العسقلاني، فقد أبدى رحمة الله عليه في بيان المعلقات التي أتى فيها البخاري بصيغة التمريض ما أنواعها وما دلالاتها عند البخاري رحمة الله عليه، كان مبدعاً ابن حجر في ذاك الباب.
المهم هذا حديث معلق بصيغة التمريض ذكره البخاري، وهو قال -يعني قال البخاري-: ويذكر -صيغة تبديل المجهول بالتالي صيغة تمريض- ويذكر عن جابر عن عبد الله بن أنيس قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول -عبد الله بن أنيس، إذاً جابر بن عبد الله عن عبد الله بن أنيس الصحابي الجليل قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول-: يحشر الله العباد يحشر الله العباد -أي يوم القيامة- فيناديهم بصوت -لاحظوا كلمة الصوت متكررة أحبتي في الأحاديث النبوية وفي كلام السلف الصالح- يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك الديان، أنا الملك الديان.
هذا الحديث رواه البخاري في صحيحه بصيغة التمريض، وعاد البخاري فرواه في الأدب المفرد. ورواه في كتاب للبخاري آخر اسمه الأدب المفرد. والبخاري في هذا الحديث وعاد فرواه البخاري أيضاً في كتاب له اسمه خلق أفعال العباد، هذا كتاب للبخاري اسمه خلق أفعال العباد، روى هذا الحديث فيه أيضاً واحتج به البخاري في كتابه خلق أفعال العباد.
يعني إذاً البخاري يرى أن هذا الحديث ايش؟ صحيح. صح ذكره بصيغة التمريض لسبب من الأسباب في كتابه صحيح البخاري، لكنه لم يذكره بصيغة التمريض لأنه يرى ضعفه. كيف عرفت يا شيخ؟ عرفت أنه ذكره في كتابه خلق أفعال العباد محتجا به. انظروا.
وقد ذكر البخاري في كتاب العلم قصة رحيل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس بصيغة الجزم، وهو أصل هذا الحديث. يعني أصلاً أصل هذا الحديث حديث جابر عن عبد الله بن أنيس سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يحشر الله العباد يوم القيامة فيناديهم بصوت. هذا الحديث ذكره البخاري في صحيحه مسنداً متصلاً في موطن آخر، قصة رحيل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس من أجل أن يسمع منه اللفظة.
وهذا الحديث أصله متصل مسند في صحيح البخاري، فإذاً كل الدلائل تدل على أن البخاري لم يورد هذا الحديث بصيغة التمريض لأنه يرى ضعفه، بل هذا الحديث احتج به البخاري في الأدب المفرد وفي خلق أفعال العباد، وأصل هذا الحديث بالسند المتصل مذكور في صحيح البخاري نفسه، مذكور بالسند المتصل لكنه في موطن آخر.
لكن أنا الآن سانقل لكم كلام البخاري في خلق أفعال العباد وهو يحتج بهذا الحديث. انظروا ماذا قال البخاري في خلق أفعال العباد. يقول البخاري رحمة الله عليه: وإن الله عز وجل -البخاري يقرر عقيدة أهل السنة والجماعة في باب الكلام الإلهي- ويقول: وإن الله عز وجل ينادي بصوت -واضحة، ينادي بصوت- أسمعه من بعد كما أسمعه من قرب، فليس هذا لغير الله جل ذكره.
يعني من ميزة كلام الله أن كلام الله يسمعه البعيد البعيد ويسمعه القريب القريب، وهذا لا يكون إلا لكلام الله. ويقول البخاري: وفي هذا دليل -طبعاً قالوا إن الله عز وجل ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب-. من أين أخذ البخاري رحمة الله عليه هذا الكلام أن الله ينادي بصوت يسمعه من قرب كما يسمعه من بعد؟ أخذه من الحديث السابق، حديث جابر عبد الله بن أنيس: يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه.
هو من بعد كما يسمعه من قرب. فالبخاري ذكر هذا الحديث في خلق أفعال العباد وعلق عليه أن الله عز وجل ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، ويقول البخاري معلقا على هذا الحديث: وفي هذا دليل على أن صوت الله -أعيدها كلمة خطيرة جدا محورية ومفصلية- وفي هذا دليل على أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق، لأن صوته جل ذكره يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، وأن الملائكة يصعقون من صوته.
إذا هناك صوت إلهي، وهناك كلام إلهي، وهناك نداء إلهي. فهل كان البخاري رحمة الله عليه وأحمد بن حنبل وأبو حامد الإسفراييني وكل هؤلاء الذين كانوا قبل ابن تيمية بقرون وعاشوا ولاحقوا وأدركوا من بقي من السلف ويقولون ويذكرون أقوالهم في كلام الإله ينقلونها عن السلف وعن الفقهاء في زمنهم، هل هؤلاء كلهم أخذوا من ابن تيمية؟
إذا القضية أصبحت أحبتي تحتاج فقط إلى التحري العلمي، وإلى أن يتنقى هذا القلب وأن تطهر النفس من المواقف المسبقة. هناك من شوه لكم صورة ابن تيمية نحن ندرك ذلك، لكن الإنصاف العلمي، إذا كنت تبحث عن أنصاف علمي منك أن تعود إلى النصوص السابقة.
دعك من ابن تيمية واذهب إلى النصوص السابقة، عد إلى المنبع الأصيل إلى كلام السلف الصالح، وانظر ماذا قال قوم وطابق بين كلامهم وبين كلام المتكلمين لتدرك ما هو الحق في هذا الباب.
وقد توهم البعض أن ذكر البخاري لهذا الحديث بصيغة المبني للمجهول قصد به الإشارة إلى ضعفه، وليس هذا هو المقصود. وقد أشرنا في مقام سابق أن الاتيان في شرحنا وجهة النظر أن الإتيان بصيغة المجهول له مقاصد عديدة عند البخاري وليس هو المقصد الوحيد، فكيف والبخاري نفسه يستدل بهذا الحديث بكتابه خلق أفعال العباد.
وهناك أيضا مجموعة من التراجم من البخاري تصب في إثبات الكلام الإلهي أسردها سريعا. بوب البخاري: باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: 15]، وذكر فيه البخاري سبعة عشر حديثا فيه إثبات القول والكلام لله سبحانه.
باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]. باب كلام الرب أهل الجنة، كلها تبويبات البخاري يريد منها بلا نقاش، يريد منها إثبات أن الله متكلم بكلام حقيقي بصوت ولفظ يسمعه منه الخلق.
اذهب الآن إلى النقل السابع، الحافظ ابن منده متوفى ثلاثمائة وخمسة وتسعين هجري، قبل ابن تيمية بأربع قرون، يقول في كتاب التوحيد: بيان آخر يدل على أن الله عز وجل إذا تكلم بالوحي سمعه أهل السماوات، بيان آخر يدل على أن الله إذا تكلم بالوحي سمعه، إذا تكلم سمعه.
إذا في كلام وفي من يسمع هذا الكلام، سمعه أهل السماوات وساق الأحاديث التي تدل على ذلك. الإام السجزي، الإمام السجزي أحبتي حقيقة يهمني جدا هذه الشخصية. الإمام السجزي أربعمائة وأربعة وأربعين هجري توفاه الله.
له رسالة مفردة في إثبات الكلام الإلهي وانه بصوت وحرف، أرسلها إلى منطقة زبيد في اليمن يجيب بها عن تساؤلات وردت إليه: أنه هل كلام الله كلام حقيقي ولا كلام نفسي؟ الإمام السجزي أربعمائة وأربعة وأربعين كتب رسالة كاملة مطبوعة وعودوا إليها مهمة جدا.
هذا واجب عليكم أن تعودوا إلى هذه الرسالة، رسالة إلى أهل زبيد لإثبات أن كلام الله سبحانه وتعالى بحرف وصوت وليس كلاما نفسيا كما يزعم المتكلمون، أو كلاما مخلوقا كما يزعم المعتزلة خصوصا.
فالآن الإمام السجزي كتاب ثروة يجب أن تقفوا عندها جميعا، وتعطوه لأي متكلم يقول لكم إن ابن تيمية هو الذي أبدع قضية الكلام الإلهي. بل قولوا له: هذا كتاب كامل للإمام السجزي أربعمائة وأربعة وأربعين هجري يعطيك هذه المسألة من رأسها إلى آخرها.
لكن الآن هنا سانقل فقط بعض النصوص عن الإمام السجزي وأؤدي إليكم قضية البحث العلمي، إن كان هناك شخص يبحث عن البحث العلمي. هذه القضية قال الإمام السجزي في الرد على من أنكر الحرف والصوت: وهذا القول يوجب أن يكون كلامه سبحانه وتعالى حرفا وصوتا، وكذلك كلام المحدث.
إلا أن كلامه معجز ولا انتهاء له وأزلي، وكلام المحدث غير معجز وهو متناه. يعني كلام الله سبحانه وكلام المحدث يعني كلام المخلوق كلاهما كلام بحرف وصوت. كلام المحدث وكلام المخلوقين، وكلام الله. فيريد أن يقول السجزي رحمة الله عليه: كلام الله وكلام المخلوق كله بحرف وصوت، هذا هو المعقول في الكلام إذا أن يكون كلامه حرفا وصوتا، وكذلك كلام المحدث حرف وصوت.
طيب ايش الفرق بين كلام الله وكلام المخلوق؟ طبعا كيفية كلام الله تختلف عن كيفية كلام المخلوق هذا واحد. واثنان: ما ذكره السجزي، إلا أن كلامه سبحانه وتعالى كلام الله معجز ولا انتهاء له وأزلي، يعني جنس صفة الكلام صفة أزلية الله متصف بها منذ الأزل، ولكن الآحاد هي متجددة. وكلام المحدث يعني كلام ليس بمعجز وهو متناه، له نهاية.
ثم قال وقال الإمام أبو نصر السجزي رحمة الله عليه هذا نص آخر عنه في هذا الكتاب. الان هذا النص بالنسبة لي مهم جدا، انظروا أبو نصر السجزي كيف يفكر مع علماء الكلام؟ يقول لهم: ينبغي أن ينظر في كتب من درج وفي أخبار السلف. هل قال أحد منهم أي من علماء السلف أن الحروف المتسقة التي يتأتى سماعها وفهمها ليست بكلام الله سبحانه على الحقيقة؟
هل هناك أحد قال إن كلام الله لا يكون بحروف متسقة كما تزعمون؟ وأن كلام الله هذا شيء آخر مخالف لقضية الحرف والصوت، وأن كلام الله معنى لا يدرى ما هو كما تقولون؟ طبعا غير محتمل شرحا وتفسيرا أنه ما حداش فاهم شو يعني أن الله يتكلم ولا نستطيع أن نفسر ما معنى أن الله يتكلم؟ هل هناك أحد من السلف قال هذا الكلام؟
فإن جاء ذلك عن أحد من الأوائل والسلف وأهل النحل قبل مخالفينا من الكلابية والاشعرية -أن أبو الحسن الأشعري أخذ هذه الفكرة من ابن كلاب كما سيأتي معنا ان شاء الله- فبقول: إذا وجدنا شيء من كلام السلف يؤكد هذه الفكرة قبل ما تظهر الفرقة الكلابية والاشعرية عذروا في موافقتهم إياه.
يعني إذا وجدنا فعلا واحدا من علماء السلف قال قولا يوافق قول الأشاعرة والكلابية خلص إذا في قول للسلف يوافقكم أيها الأشاعرة الكلابية، إذا صارت المسألة والله فعلا قولكم له حظ من النظر.
وإن لم يرد ذلك عمن سلف من القرون والأمم، ولا نطق به كتاب منزل، ولا فاه به نبي مرسل، ولا اقتضاه عقل، جهل مخالفين وابداعهم أي ابتداعهم. وفي النهاية: لن يقدر أحد في علم على إيراد ذلك عن الأوائل ولا اتخاذه دينا أول اتخاذه إياه دينا في أثر ولا عقل.
يعني أقول لكم لن تستطيعوا يا علماء الكلام أن تأتوا بأثر واحد عن عالم من علماء السلف يقف معكم ويؤكد نظرتكم أن الكلام الإلهي هو مجرد أمور نفسية تقوم في ذات الله، كما إن شاء الله اعتقاد الكلابية والأشاعرة في الكلام الإلهي. لن تجدوا، فلذلك يقول لهم: ارتاحوا فإن هذا جهل منكم وابتداع، لن تجدوا من يوافقكم عليه.
ويقول السجزي في رسالته أيضا: فقول خصومنا أي من الأشاعرة والكلابية -هذا كلام السجزي- فقول خصومنا أن أحدا لم يقل إن القرآن كلام الله حرف وصوت. يعني الأشاعرة الكلابية ايش يقولون لاهل السنة؟ لا يوجد أحد قال إن كلام الله بحرف وصوت. فيقول السجزي: هذا كذب وزور، بل السلف كلهم كانوا قائلين بذلك.
فيابالب العلم إذا جاءك دكتور جامعي ولا محاضر وقال لك: علماء السلف لم يقولوا إن الله تكلم بالصوت. قل له: أخطأت، احنا بدناش نحكي كما قال السجزي كذب وزور. احنا بدنا نتنزل ونخفف، قل: أخطأت، وأت له بكلام أحمد بن حنبل وكلام من قبله ومن بعده، وكلام البخاري وكلام غيره. قل: هذه النصوص بين أيدينا تثبت أن السلف الصالح قالوا كلام الله صوت وحرف.
فالمهم السجزي يقول: فقول خصومنا أن أحدا لم يقل إن القرآن كلام الله حرف وصوت هذا كذب وزور، بل السلف كلهم كانوا قائلين بذلك. وإذا أوردنا فيه وقول الصحابة من غير مخالفة وقعت بينهم في ذلك صار كالاجماع. يعني القضية إجماعية أصلا.
ولم أجد أحدا يعتد به ولا يعرف ببدعة من نفر من ذكر الصوت. الآن هذه الكلمة بدك تقف عندها: ولا أجد أحدا يعتد به ولا يعرف ببدعة من نفر من ذكر الصوت. قال: إلا البويطي، إن صح عنه ذلك.
هو يقول عن أهل عصره، طبعا أقرأوا سيرا من أئمة الحديث ومن العلماء الكبار. إذا بالتأكيد هو جالس مع عدد كبير من العلماء، والكل قال له كما يقول: إن كلام الله بحرف وصوت. يعني إذا ليست إبداع السجزي وليست إبداع ابن منده وليست إبداع البخاري وليست إبداع أحمد بن حنبل، الكل تنقل عن علماء العصر. إذا هذا القول كان ظاهرا وحاضرا عند العلماء، أين اختفى هذا القول حتى أبفعه ابن تيمية؟ ما القضية الجدلية التي تثيرونها؟
هذا الإمام السجزي يقول لك: لا أعرف أحدا على كثرة من جالس من العلماء والأئمة في زمنه لا يجد أحدا ينفر عن ذكر الصوت أن الله يتكلم بصوت. قال: إلا البويطي إن صح عنه ذلك. البويطي من أئمة الشافعية ينسب أنه نفى الصوت. لكن السجزي يقول: إن صح عنه ذلك، فإن عند أهل مصر رسالة يزعمون أنها عنه وفيها أنه قال: لا أقول إن كلام الله حرف وصوت، ولا أقول إنه ليس بحرف وصوت.
يعني حتى البويطي من ينسب إليه أنه أنكر الصوت ما أنكر الصوت صراحة، البويطي وقف إن صح عنه ذلك. يقول: وقف قال أنا لا أدري هل كلام الله بصوت وحرف أو ليس بصوت وحرف؟ وقف البويطي، وهذا إن صح عنه -هذا كلام السجزي- فليس فيه أكثر من إعلامنا أنه لم يتبين شيئا في هذه المسألة ولم يقف على الصواب فيها.
يعني البويطي فقط ما فهم هذه المسألة، والا كل من قابلتهم في زمني وفي عصري يقولون بإثبات الكلام الإلهي.
الإمام عبد الغني المقدسي ستمائة هجري قبل ابن تيمية رحمة الله عليه يقول في كتاب له اسمه الاقتصاد في الاعتقاد في إثبات أن كلام الله بحرف وصوت، يثبت ذلك ويقول: وروى عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء كجر على الصفوان فيخرون سجدا»، وذكر الحديث.
وقول القائل بأن الحرف والصوت -الآن عبد الغني المقدسي يرد على علماء الكلام، ايش يقولون حتى يحرجوا أهل السنة؟ يقولون لنا: الكلام لا يكون إلا بمخارج ولسان وفم وأسنان-. فيقول لهم علماء أهل السنة: هذا الكلام عند المخلوقين. مشكلة أهل الكلام أحبتي أنهم كما قلنا يأتون لصفة يعرفونها كما يشاهدونها في المخلوقين ولا ينظرون أن هذه الصفة ما تعرفونه به هذه لوازمها في المخلوقات، ولكن لا تستلزم ولا تستدعي أن تكون كذلك في ذات الله سبحانه وتعالى.
فالكلام في المخلوق نعم يكون بفم وأسنان ولسان، لكن كلام الله يكون بهيئة وبصورة وكيفية لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى، فلا يستلزم إذا كان الكلام البشري بأسنان ولسان أن يكون الكلام الإلهي بهذه القضية.
عبد الغني المقدسي يؤكد على هذه الفكرة: القائل بأن الحرف والصوت لا يكون إلا من مخارج -لابد من مخارج حلق وشفتين وأسنان ولسان مخارج الحروف التي تدرسونها في التجويد- فقال: فهذا باطل ومحال. ألم تسمع قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: 30].
إبداع من؟ عبد الغني المقدسي. صراحة عبد الغني المقدسي يقول لعلماء الكلام: دعوكم من الكلام الإلهي ودعونا نبحث الآن في قضية أخرى، أليس الله عز وجل يقول في كتابه عن النار: إن النار يوم القيامة كما تعلمون الله عز وجل تكب فيها كثير من الخلق، والنار تطلب تطلب وتقول: هل من مزيد؟ وتقول: هل من مزيد؟
الله عز وجل هكذا قال في كتابه إن النار تخاطب الرب سبحانه وتقول: النار قالت، ايش قالت؟ يا رب هل من مزيد؟ النار مستعرة تطلب المزيد من هؤلاء العصاة ومن هؤلاء الكفرة الذين أغضبوا الرب سبحانه. فتقول: يا رب هل من مزيد؟
الآن طبعا لما تأتي إلى كثير من الأشاعرة والماتريدية الذين يتأثرون بهذا الفكر يقولون: لا، النار لم تقل ذلك حقيقة وإنما هو لسان حالها أنها هل من مزيد. لكن هذا تحريف للنص. الله عز وجل يخبرنا أن النار قالت هل من مزيد، ما الذي أدراكم أن النار لم تقل ذلك حقيقة؟ ايش بقولوا لك؟ النار ليس لها لسان وفم حتى تقول ذلك.
قل: عدنا لنفس مشكلة أنكم تتصورون الكلام على هيئته فيما ترونه في حياتكم أن الإنسان بني آدم إذا تكلم لابد يتكلم أسنان وفم. هذا الكلام في الإنسان، لكن كلام النار -لاحظوا- كلام النار بكيفية وصورة.
لا يعلمها إلا هو سبحانه. فقوله: وتقول هل من مزيد؟ هذه من الآيات المتشابهات. طيب، كيف هي من المتشابهات؟ هل معناها غير مفهوم؟ لا، معناها مفهوم أن النار تقول هل من مزيد. طب، كيف هي متشابهة؟ متشابهة أننا لا نعرف الصورة والكيفية والحقيقة التي تتكلم بها، فهي متشابهة من أننا لا ندرك حقائقها في الخارج؛ لأننا لم نشاهد النار نال الله عز وجل يوم القيامة، يمكن أن نشاهدها ونشوف كيف ستتكلم يمكن، ونسأل الله أن يعافينا منها.
لكن المهم في الحياة الدنيا مهما خاضت عقولنا كيف تقول النار ذلك بأي طريقة، لن نستطيع أن نصل للحقيقة، ولكننا نعرف هذا المعنى أن النار تقول هل من مزيد. هل كلام النار احتاج إلى أسنان ولسان وما شابه ذلك؟ لا، لا، لا، أثبتنا كلاماً للنار بكيفية وصورة يعلمها سبحانه. فيقول عبد الغني المقدسي: فكذلك، يعني كما أننا أثبتنا كلاماً للنار بصورة وكيفية يعلمها سبحانه، فكذلك كلام الله بصورة وكيفية يعلمها سبحانه، ولا ندخل في قضية الأسنان والمخارج إلى غير ذلك من الكلام الذي لا معنى له، الذي يعني دائماً يبهره علماء الكلام يزعجون به أهل السنة والجماعة.
فيقول عبد الغني المقدسي معلقاً على هذه الآية: فحصل القول من غير مخارج ولا أدوات. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كلمه ذراع مسمومة. ألم يخبرها، يعني عبد الغني المقدسي يريد أن يدحض كلام المتكلمين من واقع الحياة المشاهد، وليس فقط الكلام الإلهي نريد أن نقول لهم: أليس النبي صلى الله عليه وسلم لما في غزوة خيبر -وسنأتي إليه إن شاء الله في شرحنا على السيرة الأرجوزة المائية في غزوة خيبر- لما قدمت له الشاة المسمومة ذراع الشاة، ذراع الشاة كلم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إني مسموم.
طب، كيف كلم الذراع النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل ذراع الشاة له أسنان ولسان وفم تكلم به؟ أكيد الذراع كلم النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا ستكذبون كلام النبي عليه الصلاة والسلام أن الذراع كلمته، ذراع الشاة كلمت النبي صلى الله عليه وسلم بصورة وكيفية نحن لا نعلمها وأخبرته أنني مسمومة. فإذا كان هذا في المخلوقات، يعني هناك مخلوقات كذراع الشاة كنار الله تكلمت من دون مخارج وأسنان لسان، فلماذا تجبرون عقولكم أن إثبات الكلام الإلهي سيستدعي أن يكون هناك لسان وأسنان؟ إذا كانت مخلوقات من دون الحاجة إلى لسان ولا أسنان، فليس الله عز وجل منزه عن كل هذه اللوازم الموجودة في المخلوقين؟ انتبهوا يا أولى الأبصار.
قالوا وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سلم عليه الحجر، الحجر يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي سمع أصوات الحجر والشجر وهي تسلم عليه قبل البعثة. طب، كيف سمعها؟ كيف تكلمت؟ إذاً هناك كلام من دون الحاجة إلى مخارج وإلى عفوا إلى أسنان ولسان وما شابه ذلك مما هو الإنسان، فلا تجبروا أنفسكم وتغلقوا عقولكم فتجعلوا هذه الصفة لابد تكون بهذه الكيفية. لماذا تربطون بين الصفة والكيفية؟ هذه كيفية فيات عرفية ليست لوازم عقلية يستحيل انفكاكها عن الصفة. هناك لوازم عقلية يستحيل انفكاكها عن الصفة هذه لا نناقش فيها.
لكن اللوازم العرفية التي يمكن أن تنفك عن الصفة، عليكم أن تفكوها حتى تخلصوا من هذا التشوش والاضطراب الذهني في فهم صفات الله سبحانه وتعالى. أخيراً ابن قدامة المقدسي وهذا صاحبنا الذي معنا له كتاب كامل في إثبات الكلام الإلهي الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم. يقول ابن قدامة: وكلام الله صفة من صفاته وهو حروف وأصوات. يعني صاحب القدامى إحنا وصلنا أنه هو عنده تفويض جزئي من حيث التطبيق، من حيث التأصيل مفوض، من حيث التطبيق عنده تفويض جزئي ويثبت بعض الصفات على حقائقها، صفة الكلام من الصفات التي أثبتها ابن قدامة على حقيقتها وبمعناها ولم يفوضها، ما استطاع ابن قدامة أن ينكرها، ووقف عند كلام إمامه أحمد بن حنبل؛ لأنه وجد ابن قدامة كما قلنا إمام متبع، ليس لكن وقع في بعض الأخطاء في باب الصفات كما قلنا لظروف معينة، لكن المهم أن الإمام متبع. خلص، وجد النص عن السلف يقف، وجد أحمد بن حنبل يقال كلام الله بصوت، إذاً قال ابن قدامة: كلام الله سبحانه حروف وأصوات.
وحينما اعترض على ابن قدامة بأن طريقتك في الصفات يا قدامة التفويض، وهذا يؤكد للفكرة التي ذكرتها لكم في الدروس السابقة أن ابن قدامة كان يجنح إلى تفويض جزئي في التطبيق، ويؤصل على طريقة المفوضة كتأصيل، وأهل عصره كانوا يدركون ذلك منه، فاعترض على ابن قدامة أنه يا ابن قدامة أنت عادتك أنك ما بتفسر وتفوض نصوص الصفات إلى الله، فكيف أثبت صفة الكلام؟ وفسرتها على حقيقتها أنها حروف وأصوات؟ بماذا أجاب ابن قدامة على الذين اعترضوا عليه؟
وحينما اعترض على ابن قدامة بأن طريقتك في الصفات هي التفويض، فلماذا فسرت صفة الكلام بحد ذاتها؟ أجاب أولاً: إنما لا يجوز تفسير المتشابه الذي سكت السلف عن تفسيره، وليس كذلك الكلام، فإنه من المعلوم بين الخلق لا شبهة فيه، وقد فسره الكتاب والسنة. اه، إذاً ابن قدامة في هذا التأصيل هنا بعطينا مؤشر كما قلت مقارب للمؤشر اللي أعطانا إياه في لمعة الاعتقاد؛ أنه هو يقسم نصوص الصفات، نصوص واضحة المعاني نثبتها، ونصوص مشكلة في الصفات أفوضها إلى الله وأقرأها كألغاز، فهو مفوض جزئي.
لكن ما بنفع أيضاً أني أخذ رأي ابن قدامة من خلال نص، كما قلت لكم إحنا جمعنا كلام ابن قدامة من كل كتبه، فوصلنا إلى الصورة النهائية الشكل النهائي لمنهجه؛ أنه كتأصيل عام مفوض، لكن كتطبيق يقسم نصوص الصفات إلى نوعين: نصوص مشكلة ونصوص غير مشكلة. فابن قدامة يعتبر نصوص الصفات التي تتكلم عن الكلام الإلهي غير واضحة المعنى فيثبت الكلام الحقيقي. إذاً قال ابن قدامة: لا يجوز تفسير المتشابه الذي سكت السلف عن تفسيره، وليس كذلك فإنه من المعلوم بين الخلق لا شبهة فيه، وقد فسره وبينه الكتاب والسنة، أنه نصوص الكتاب والسنة واضحة متواترة مستفيضة، كلها تدل على أن هناك كلام حقيقي للرب سبحانه.
ثانياً يقول ابن قدامة: ثانياً إنما نحن فسرناه بحمله على حقيقه تفسيراً جاء به الكتاب والسنة، وهم أي الأشاعرة وهم فسروه بما لم يرد به كتاب ولا سنة ولا يوافق الحقيقة ولا يجوز نسبته إلى الله. يعني أقل ما فيها أنا فسرته، كيقول ابن قدامة، أقل ما فيها أنا فسرت الكلام الوارد في الكتاب والسنة بما هو معلوم في تفسيره عند العرب، أما أنتم أيها الأشاعرة ومن سار على نهجكم فسرتم الكلام الإلهي بتفسير لا هو كلام الله ولا هو تفسير رسول الله ولا قال به الأئمة ولا يجوز نسبته إلى الله عز وجل ولا هو مقتضى العربية.
طب، بماذا فسر الأشاعرة والماتريدية كلام الله؟ هذا سنأتي إليه إن شاء الله في المحاضرة القادمة. اه بعد هذه النصوص العشرة والنقود العشرة التي نقلتها لكم عن أئمة السلف، أظن أن القضية اتضحت، أن موضوع أن ابن تيمية هو الذي أثبت الكلام الإلهي بصوت هذا في الحقيقة نوع من الجهل المعرفي الفاضح الذي يدل إما على جهل في القراءة والاطلاع وإما على هوى متبع عند أرباب هذه المذاهب الردية.
ومن أشهر المصنفات في إثبات كلام الله أنه لفظ ومعنى، وأن القرآن كلام الله حقيقة وليس بمخلوق، أشهر المصنفات مصنفات كاملة الآن أحيلكم إليها: كتاب الحيدة لعبد العزيز بن يحيى الكناني مئتين وأربعين هجري، عودوا إلى هذا الكتاب لتعرفوا عقيدة السلف في الكلام. كتاب الاختلاف في اللفظ لابن قتيبة رحمة الله عليه متوفى مئتين وستة وسبعين هجري. رسالة السجن إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت، وذكرتها لكم قبل قليل. كتاب الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم، وهذا كتاب ابن قدامة المقدسي صاحب لمعة الاعتقاد.
أربعة كتب عودوا إليها لتعرفوا أن ما ينسب إلى أن ابن تيمية هو الذي قال إن الكلام بصوت أن هو أبدع هذه الفكرة، هذا كلام لا حقيقة له، وإنما هو وهم كلامي. فهذه النصوص والمصنفات تدل دلالة واضحة لمن يطلب الحق بتجرد ويبحث عنه على أن إثبات الكلام الإلهي ليس إبداعاً تيمياً كما يشوش المخالفون من أهل الكلام، بل هو منهج الأوائل من علماء أهل السنة والجماعة، وعليه تتابع الذين صفوا مشاربهم عن المناهج الكلامية.
بقي هناك إشكال يعني مختصر، سأريده إن شاء الله في مطلع المحاضرة القادمة، يعني إشكال عند ابن قدامة وبعض الحنابلة في فهمهم أن كلام الله بصوت وحرف. ابن قدامة وبعض الحنابلة يفهمون أن يقرون أن كلام الله بصوت وحرف، لكن هناك إشكالية معهم، وهو أن هل كلام الله بصوت وحرف كله قديم أم كما يقول أحمد بن حنبل وكما يقول علماء السلف عموماً وما يوضحه يفسره ابن تيمية أنه لا كلام الله في الأصل وكجنس قديم لكنه متجدد الآحاد. يعني إشكالية إن شاء الله سأطرحها لكم في المحاضرة القادمة بإذن الله إن كان في العمر بقية.
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يهدينا إلى ما يرضيه، ونقول دائماً: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا وفيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل