بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم. أحمدُه سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين.
وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين؛ نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح لمعة الاعتقاد للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الصالحي رحمة الله تعالى عليه. في المحاضرة السابقة أحبتي شرعنا في القسم الثالث من أقسام التوحيد، وهو توحيد الأسماء والصفات، وتكلمنا عن قواعد القسم، الجزء الأول منه قواعد الأسماء الحسنى. ذكرنا خمس قواعد للأسماء الحسنى، واليوم بإذن الله سنشرع في القسم الثاني وهو باب الصفات العلى، ونذكر قواعد هذا الباب.
وعرفنا أن توحيد الأسماء والصفات في الجملة معناه هو اعتقاد تفرد الله سبحانه وتعالى بأحسن الأسماء وأكمل الصفات، من دون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وعرفنا ما هو التحريف، وما هو التعطيل، وما هو التكييف، وما هو التمثيل. وكما قلنا ذكرنا القواعد الخمس المتعلقة باب الأسماء الحسنى، واليوم نشرع في قواعد باب الصفات العلى، وتحتاج هذه القواعد منا إلى شيء من التركيز والتفاهم والتعقل لتترك على ما هي عليه، فنقول مستعينين بالله تعالى قواعد الصفات العلى.
قواعد بناء هذا الباب والمنهجية التي سلكها أهل السنة والجماعة في هذا الباب؛ هذا ما نقصده بقولنا قواعد الصفات العلى. أي ما هي المنهجية التي اتبعها أهل السنة والجماعة في باب صفات الله سبحانه وتعالى؟
فالقاعدة الأولى في هذا الباب تقول: صفات الله عز وجل صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه. وهذه القاعدة هنا تقابل القاعدة الأولى في باب الأسماء الحسنى. ألم نقل أسماء الله كلها حسنى تدل على الحسن المطلق وعلى الكمال المطلق لله؟ فكذلك في باب الصفات نقول نفس الشيء. القاعدة الأولى: صفات الله كلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه؛ كالحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والحكمة، والعزة، والعلو. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَمْثَلُ الأَعْلَى﴾، أي الوصف الأعلى. يقول ابن القيم رحمة الله عليه: المثل الأعلى يتضمن الصفة العليا. فقوله سبحانه: ولله المثل الأعلى، ودليل هذه القاعدة أي أن لله الصفة العليا أي صفة الكمال المطلق التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه.
ينبني على هذه القاعدة ومن ثمرات هذه القاعدة أحبتي أنه إذا كانت هناك صفة تدل على نقص فيستحيل وصف الرب سبحانه وتعالى بها، ويجب نفيها عنه، حتى ولو لم يأتي النص بنفيها. وهذا سابينه بإذن الله، كيف أن العقل ينفي صفات النقص عن الله سبحانه وتعالى حتى ولو لم يرد النص بنفي هذا النقص بحد ذاته. المهم إذا كان هناك صفة نقص فيستحيل أن نصف الله سبحانه وتعالى بها، ويجب أن ننفيها عن الرب عز وجل حتى ولو لم يأتي النص المعين بنفيها؛ كالفقر، والعجز، والضعف، والأكل، والشرب، والزوجة، والولد وغيرها. فهذه أحبتي كلها صفات نقص؛ فالأكل والشرب دليل افتقار، والحاجة للزوجة والولد دليل افتقار، والفقر والعجز دلالة افتقار. فكل هذه صفات نقص، لا يجوز بحال من الأحوال أن تنسب لربي سبحانه وتعالى.
إذاً نقول: فإن هذه الصفات كلها صفات نقص، فوجب نفيها عن الله عز وجل. بل بعضها نفي تفصيلا في الكتاب العزيز، وشدد فيه على الكفرة، كما في نسبة الولد لله عز وجل. فلو نظرنا في نصوص الكتاب العزيز التي نفت الولد لله ودلت أن نسبة الولد إلى الله التي قال بها النصارى وقال بها اليهود وقال بها المشركون على اختلاف بينهم في توصيف الولد أنها من أعظم الفرية على الله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَّقَد جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ [مريم: 88-92]. انظر كيف هنا نفي مفصل لصفة نقص.
طبعا لماذا التشديد على صفة النقص هذه، نفي الولد لكثرة من نسب الولد إلى الله سبحانه وتعالى سبحانه وحاشاه من الفرق؟ فالنصارى جعلت عيسى ابن مريم ولد لله حاشاه سبحانه، واليهود جعلوا عزيرا ابن لله حاشاه سبحانه، الكفار المشركون كانوا جعلوا الملائكة بنات لله حاشاه سبحانه. فلكثرة من نسب الولد ولعظم هذه الفرية وهذا النقص، الله سبحانه وتعالى شدد على من ينسب الولد أي وأعظم النكير عليه. فإذا كانت الصفة تدل على نقص فيستحيل وصف الرب سبحانه وتعالى بها، ويجب مباشرة نفيها عن الله.
أما إذا كانت الصفة كمالا في حال دون حال، الآن نتكلم عن شكل آخر من أشكال الصفات؛ إذاً هناك صفات نقص مطلق هذه تنفى مباشرة عن الله، انتهينا منها. وهناك صفات ليست نقصا مطلقا وليست كمالا مطلقا، فهي كمال في صورة من الصور ونقص في صورة أخرى. نقول: إذا كانت الصفة هي كمال في حال دون حال؛ مثل المكر والخداع والاستهزاء، فإن هذه الصفات الثلاث نقص إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة. يعني إذا مكرت بشخص أنت ابتداء من دون أي مبرر، أو خدعت شخص من دون أي مبرر، أو استهزأت بشخص من دون أي مبرر، هذا يكون نقص منك، اليس كذلك؟ طيب.
لكن إذا فعلت هذه الثلاث على وجه المقابلة لمن فعلها بك، وعلى وجه العقوبة لمن يستحقها، فإنها حينئذ تكون صفات كمال، لأنها تدل على عزة وقدرة وقوة فيك. إذا فعلت هذه الصفات المكر أو الخداع أو الاستهزاء على سبيل المعاقبة والمقابلة؛ يعني شخص أراد أن يمكر بك فانت مكرت به قبل أن يمكر بك، شخص يريد أن يخادعك فاستطعت أنت أن تراوغه وأنت الذي تخدع. هذه الصفات في حال المقابلة وفي حال إيقاع عقوبة بمن يستحقها تكون صفات كمال، لأنها تدل كما قلنا على قدرة فيك وعلى عزة وقوة، وأنك لست مغبون قبلها. وإذا فعلت بمن يستحق العقوبة كانت عدلا ودلالة على قوة وعزة، فهذا النوع من الصفات التي تكون كمالا في حال ونقصا في حال، فإن إثباتها لله أو نفيها عنه ليس مطلقا، بل تثبت لله بصورة كمالها فقط، وعلى هذا جاء القرآن.
هذا النوع من الصفات الذي هو كمال في حال دون حال يثبت لله في صورة الكمال فقط، ولا يجوز أن تثبته لله مطلقا ولا أن تنفيه مطلقا، بل تثبته لله في صورة كماله، وعلى هذا جاء القرآن. فقال سبحانه في حق الذين يستهزئون بدينه: ﴿وَقَالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: 14]. أو قالوا لإخوانهم من الشياطين يعني حينما سألوهم لماذا تذهبون إلى المؤمنين؟ قال المنافقون لإخوانهم ورؤوسهم من الشياطين: إنما نحن مستهزئون، يعني نحن نستهزئ بهؤلاء المؤمنين. فالله سبحانه وتعالى مباشرة قال: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: 15]. فاستهزاء الله بالمنافقين هو استدراج لهم، كان معاقبة منه سبحانه وتعالى لهذا الصنف على مكره وخدائه بالمؤمنين وعلى استهزائه بهم. فالاستهزاء هنا معاقبة لمن يستحق، فهو صفة كمال لله.
لكننا لا نثبت الله سبحانه وتعالى من صفاته أنه مستهزئ ونسكت، لا، هذا ليس صفة لله بهذه الصورة، بل تقول: الله يستهزئ بمن يستهزئ به وبشرعه وبكتابه وبالمؤمنين. نعم، بهذا التقييد صحيح؛ لأنه هذه الصفة صفة الاستهزاء ليست كمالا مطلقا وليست نقصا مطلقا، بل هي كمال في حال دون حال، فيجب حين نثبتها لله نتبع الطريق القرآني في إثباتها أنك تثبتها لله مقيدة بهذا القيد: الله يستهزئ بمن يستهزئ به وبكتابه وبشرعه وبالمؤمنين، هذا القيد.
كذلك مثلا ويمكرون ويمكر الله، فجاء المكر لله سبحانه وتعالى مثبتا لكن بهذا القيد، وهو أن الله يمكر بمن يمكر بعباده وبأوليائه: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 54]. لاحظوا نص قرآني: ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين. لكن هل جاء هناك نص ثاني بإثبات المكر لله مطلق؟ لم يأت، بل متى ورد المكر لله وإضافته للرب سبحانه فيكون في مقابلة مكر المشركين بعباده وأوليائه، يخبر سبحانه عن كمال قدرته أنه قادر بأن يمكر بمن يمكر بعباده، وهذا هو الكمال في هذه الصفة.
يخادعون الله، نأتي صفة خداع: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142] نص قرآني. الله يخبر أنه يخدع من يخادعه أو من يحاول أن يخادعه بعبارة أولى، ويخادع الرسول ويخادع المؤمنين، الله سبحانه وتعالى يخادعه. فإثبات الخداع لله لا يكون مطلقا بل يكون مقيدا بهذا القيد: أن الله يخادع من يخادعه. كما قلنا يمكر بل يمكر به، ويستهزئ بمن يستهزئ به، وعلى هذا.
لذلك كل هذه الصفات ورد ذكرها في الكتاب الكريم على وجه المقابلة، فلا يجوز إفرادها عن مقابلها؛ لأنها في حال الإفراد لا تدل على الكمال، وإنما دلالتها على الكمال كما هو في حال ذكرها مع مقابلها. إذا هذه هي القاعدة الأولى: صفات الله تدل على الكمال هذا شرط، أي صفة تثبتها لله يجب أن تدل على الكمال لا نقص فيه.
ويتفرع عن هذه القاعدة أولا: أن كل صفة تدل على النقص لا يجوز أن تنسَب إلى الله سبحانه وتعالى. وكل صفة هي كمال في حال ونقص في حال، إثباتها لله سبحانه وتعالى يكون مقيدا بصورة كمالها ولا تثبت لله على وجه الإطلاق؛ لأنها على وجه الإطلاق لا تدل على كمال ولا على ذم مطلقة، وهي بطبيعتها كمال في حال دون حال، فلابد أن حينما ننسبها ونصف بها الرب سبحانه وتعالى أن نوصِف بها الرب في حال كمالها، فلابد إذا من تقييدها.
طيب، هل يصح أن نقول أن الله سبحانه وتعالى يخون من خانه؟ قال العلماء: لا يصح ذلك. ولذلك الله عز وجل لما أخبر في سورة الأنفال: ﴿وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ [الأنفال: 71] ما قال الله عز وجل: فقد خانوا الله من قبل فعاقبهم الله فخانهم، كلا! بل جاء النص القرآني: ﴿وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال: 71]. لاحظ: فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم. طيب لماذا في هذه صفة الخيانة لم يعاقب بالمثل لم يقل خانوا الله فخانهم؟ بينما في الخداع والاستهزاء والمكر هل هو مكروا ومكر الله، يخادعون الله وهو خادعهم؟ بينما في الخيانة لا، قال: فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم.
لماذا؟ لأن الخيانة أحبتي هي صفة نقص دائمة، هي صفة نقص دائما ولا تكون بأي شكل من أشكالها كمالا. لماذا؟ لأن الخيانة كما قال العلماء: الخيانة هو أن تخدع من أئتمنك، هذه هي الخيانة، أن تخدع من أئتمنك. وخداع من أئتمنك أبدا لا كمال فيه بوجه من الوجوه مهما كان، ولذلك الله عز وجل تنزه شأنه أن تنسَب إليه الخيانة حتى على وجه المقابلة.
وأما المكر والخداع والاستهزاء فهو أن توقع بخصمك بأسباب خفية؛ هذا تعريفه المكر والخداع، أم تعريفه هو أن توقع بالخصم بالأسباب الخفية التي لا ينتبه لها. والإيقاع بالخصوم بالأسباب الخفية إذا كانوا يستحقون هذه الممارسة وعلى وجه المقابلة، هذا كمال؛ لأنها تدل على حكمة وعزة وقدرة. وأما أن تفعلها ابتداء من دون مبرر لها فهذا نقص، فلذلك الخيانة لما كانت نقص في كل أحوالها لم تثبت لله حتى على وجه المقابلة. وأما المكر والخداع والاستهزاء فقد جاء إثباته لله سبحانه وتعالى على وجه المقابلة؛ لأنه على وجه المقابلة يدل على قدرة سبحانه وتعالى. إذا انتهينا من القاعدة الأولى: صفات الله سبحانه وتعالى صفات كمال.
نذهب إلى القاعدة الثانية. القاعدة الثانية في باب الصفات العلى تقول: باب الصفات أوسع من باب الأسماء الحسنى. ما معنى هذه القاعدة؟ ذكرنا أحبتي في باب الأسماء الحسنى أن الأسماء الحسنى مشتقة من صفات الله سبحانه وتعالى، فما من اسم من أسماء الله الحسنى إلا وهو مشتق من صفة من صفاته. لكن في المقابل هل كل صفة من صفات الله العلى اشتق الله سبحانه وتعالى منها اسما له؟ كلا! فلاحظوا إذاً الأسماء الحسنى اشتقتها النصوص من الصفات العلى، لكن ليس كل صفة من صفات الله العلى اشتق الله سبحانه وتعالى منها اسما له، وهذا بالتالي ينبني عليه أن تكون الصفات أوسع من باب الأسماء.
فكل اسم مأخوذ من صفة، لكن ليس كل صفة أخذ منها اسم. نقول في شرحنا لهذه القاعدة: أن كل اسم من أسمائه سبحانه وتعالى يدل على صفة واشتق منها، لكن ليس كل صفة يشتق منها اسم، لذا فإن باب الصفات لابد وأن يكون أوسع من باب الأسماء.
فالله سبحانه وتعالى مثلا يوصف كما ذكرنا في المحاضرة السابقة بأنه متكلم وبأنه مريد سبحانه، وبأنه ينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، وبانه يضحك ويتعجب ويغضب ويمكر بالماكرين ويخادع بالمخادعين. لكن هذه كلها صفات لم تشتق منها أسماء. ولو نظرنا لماذا لم يشتق منها أسماء لوجدنا أن كمالها إنما يكون في حال بقائها عن الوصفية، وأما في حال اشتقاق الأسماء منها فإنها لا تدل على الحسن كما هو الحال في أسماء الله الحسنى. هذه الصفات كما قلنا: المتكلم، المريد، الضحك، التعجب، الغضب، المكر بالماكرين، هذه كلها التي تدل على الكمال في حال بقائها على الوصفية ولا تدل على الكمال في حال اشتقاق الاسم منها، فلذلك لا نجد اشتقاق اسم من أسماء الله الحسنى من هذه الصفات. فليس من أسماء الله الحسنى أنه متكلم أو أنه مريد أو أنه نازل مثلا، لأنه والله تقول: من صفاته أنه ينزل إلى السماء الدنيا فالله يشتق منها اسم النازل، أو أن من أسمائه الحسنى أنه...
أن تسمية الله عز وجل بهذه الأسماء لا يدل على المدح، كتسمية «النازل»، «المتعجب»، «المتكلم»، «المريد» بإطلاقها لا تدل على المدح. فلذلك هذه الصفات كمالها أن تبقى في باب الصفات وألا يشتق منها أسماء.
كمالها أن تبقى في باب الصفات ولا يشتق منها أسماء، فإن اشتقاق الأسماء منها لا يدل على الكمال لله سبحانه وتعالى. إذا، هذه القاعدة الثانية، وهي قاعدة مختصرة: أن كل اسم مشتق من صفة، لكن ليست كل صفة يصلح أن تشتق منها اسماً، فكان باب الصفات أوسع من باب الأسماء.
نأتي الآن إلى القاعدة الثالثة. القاعدة الثالثة وهنا علينا أن نبدأ التركيز أكثر وأكثر، تتكلم عن ماذا؟ تقول القاعدة الثالثة: صفات الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى صفات ثبوتية وصفات سلبية.
أعيد القاعدة: صفات الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى صفات ثبوتية وصفات سلبية. من المعلوم عند أهل السنة والجماعة أن باب الصفات العلى يقوم على الإثبات والنفي، إثبات لصفات الكمال، ونفي وسلب لصفات النقص.
فالصفة الثبوتية هي صفة الكمال، إثبات صفة الكمال لله. الصفة السلبية هي نفي صفة النقص عن الله سبحانه وتعالى وتنزيهه عنها. والكمال في باب الصفات العلى لا يكون إلا بالاثبات والنفي.
انتبهوا، الكمال في باب الصفات العلى عموماً لا يكون إلا بأن تجمع بين الإثبات والنفي، فتثبت لله الكمالات وتنفي عنه النقائص. أما مجرد إثبات الكمالات مع عدم نفي النقائص لا يدل على الكمال المطلق، ومجرد نفي النقائص دون إثبات الكمالات لا يدل على الكمال المطلق.
وإنما الكمال المطلق في باب الصفات العلى هو أن تثبت صفات الكمال لله ثبوتاً، وفي المقابل تنفي وتسلب عنه صفات النقص. فإذاً، منهجية باب الصفات العلى تقوم على إثبات ونفي، وبه يتحقق الكمال.
لكن هذه القاعدة الثالثة يتعلق بها مجموعة من الضوابط المهمة. إذاً، القاعدة الثالثة تقول: باب الصفات العلى ينقسم إلى إثبات وسلب، أو يقوم على الإثبات والسلب، لأن بالإثبات والسلب يتحقق الكمال المطلق في باب الصفات.
وهناك مجموعة من الضوابط تتعلق بهذه القاعدة، ما هي؟ أولاً، هذه الآن ضوابط تتعلق بالقاعدة الثالثة. الضابط الأول: الأصل في باب الإثبات لصفات الكمال أنه يكون مفصلاً في نصوص الوحيين.
الأصل في باب الإثبات، إثبات صفات الكمال، أنه يأتي مفصلاً في القرآن والسنة. والأصل في باب النفي والسلب لصفات النقص أنه يأتي مجملاً في الكتاب والسنة. هذا الضابط مهم جداً.
لماذا؟ لأن التفصيل في باب الإثبات أدل على الكمال. فحينما تفصل في كمالات الله، أو في إثبات صفات الكمال لله، هذا فيه مدح لله عز وجل. وحينما تجمل في باب السلب، فانه أدل على الكمال وعلى مدح الله سبحانه وتعالى.
مثلاً، عندما نقول الله سميع بصير متكلم عليم حكيم على أنها صفات. الآن حينما تقول أنت الآن، هذا تفصيل في الإثبات؛ الله سميع بصير متكلم له عزة وجلال وحكمة وقدرة إلى آخره، لاحظ هذا تفصيل في الإثبات.
التفصيل في الإثبات يدل على الكمال، وهو أدل على الكمال من الإجمال في الإثبات. فحينما تفصل أنت تزيد الكمال فوق الكمال، لكن في السلب ونفي النقائص يكون الإجمال أدل على الكمال من التفصيل.
كيف ذلك؟ الآن انظروا أحبتي، لو في باب السلب اتبعت أنت أسلوب التفصيل فقلت مثلاً: الله سبحانه وتعالى لا ينام ولا يأكل ولا يشرب ولا يتزوج وليس له ولد، بدأت تنفي تنفي. نحن نفهم أنك تنفي السلوك تنفي النقائص، لكن أن تعتمد التفصيل في نفي النقائص لا يشعرك بالكمالات عموماً، أن تسهب في نفي النقائص وتفصل في نفي النقائص لا يشعرك بالكمالات.
خذ هذا المثال من الواقع العملي، لكن قبل أن أتي بهذا المثال أقرأ ما بين يدي: لو فصلت في السلب فقلت الله لا ينام ولا يأكل ولا يشرب ولا يتعب ولا ينصب ولا يتزود وليس له ولد، وجعلت أفصل في السلب، فهذا ليس من مقام الأدب مع الخالق سبحانه وتعالى.
بل لو كنت تخاطب ملكاً من ملوك الأرض، ذهبت لزيارة ملك، فجعلت تمدح هذا الملك لكن من خلال إيش؟ التفصيل في السلب، فقلت له: أنت أيها الملك لا تخادع، ولا تستهزئ، ولا تمكر، ولا تفعل كذا ولا كذا، وأخذت تفصل في السلب.
في الحقيقة، تفصيلك في السلب لا يعتبر كبير مدح لهذا الملك، بل ربما عُدّ عند بعضهم نوعاً من الإزراء تذم عليه. يعني لماذا تدخل في تفصيل في تفصيل نفي النقائص؟ فصل لنا في إثبات الكمالات، لكن لماذا تدخل في تفصيل نفي النقائص؟ أنت لست كذا ولست كذا ولست كذا ولست كذا ولست كذا.
هذا التفصيل الطويل في الحقيقة، وإن كنت أنت تقصد منه التنزيه، لكنه يشعر مع الوقت بشيء من الذم، أو بسوء الأدب وعدم اللباقة. لذلك أحبتي، كان الأصل في الأسلوب القرآني في باب السلب والنفي للنقائص أنه يأتي بالعموميات.
مثال ذلك يقول سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]. خلاص، نفي وسلب على وجه العموم، إياكم أن تقارنوا الله بالمخلوقين أو تمثلوه بالمخلوقين. مثلاً في سورة الإخلاص السورة العظيمة قال سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]. لا يوجد مكافئ لله.
انظروا كيف العموم والإجمال في السلب؛ لا كفؤ لله، وأرح نفسك، هذا إجمال في السلب. إذاً، الضابط الأول يقول: الأصل في باب الإثبات للكمالات التفصيل، فتقول الله سميع بصير، الله متكلم مريد، على كلها من باب الصفات لله.
فهذا التفصيل في باب الإثبات يدل على الكمال، وعليه جاءت الطريقة القرآنية. وأما في باب السلب للنقص فالاصل فيه العموميات الإجماليات، لأنه هو الادل على الكمال، وليس التفصيل والإسهام في نفي النقائص هو الذي يدل على الكمال. عرفنا ما هذه الأصول؟ تمام.
لكن هذا الضابط ضابط أغلبي، يعني قولنا: الطريق القرآنية تقوم على التفصيل في الإثبات وعلى الإجمال في النفي، هذه كما قلنا السواد الأعظم أو الأغلب على الأسلوب القرآني والسنة النبوية.
لكن ورد في القرآن إثبات للكمال على وجه الإجمال، وورد وهل ورد في القرآن سلب للنقص على وجه التفصيل؟ ورد، لكن ليس هو السواد الأعظم، وستتضح لكم هذه الأمور أكثر وأكثر.
فنقول: هذا الضابط لا يعني أن القرآن الكريم والسنة المطهرة لم تأتِ بإثبات مجمل، بل جاء إثبات مجمل، أو لم تأتِ بنفي مفصل، بل جاء هناك نفي مفصل.
فمن الإثبات المجمل قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: 60]، الآية التي ذكرناها قبل قليل، فقوله سبحانه: لله المثل الأعلى، أي صفات الكمال العليا، هذا إثبات على وجه الإجمال.
ومن التفصيل في السلب الوارد في القرآن الكريم قوله سبحانه في آية الكرسي: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255]، أليس هذا تفصيل في السلب؟ وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49] تفصيل في السلب، و﴿تَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: 58] هذا تفصيل في السلب؛ ذكر بعض السلوب التي يجب أن ينزه الله عنها.
إذاً، ورد في القرآن إجمال في الإثبات، وورد في القرآن تفصيل في السلب، لكن ليس هذا هو الحالة الأصلية أو العظمى في الكتاب العزيز، بل الحالة الأصلية المتكاثرة هو أن الإثبات يكون على وجه التفصيل، وأن السلب والتنزيه يكون على وجه الإجمال. تمام؟ هذا هو الضابط الأول.
لكن الآن سأنتقل للضابط الثاني الذي يرتبط بالضابط الأول في جزئية؛ نحن قلنا إن القرآن الكريم وإن السنة المطهرة ورد فيها أحياناً سلب للنقص على وجه التفصيل، أحياناً كقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، وقوله: ﴿تَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾. ورد في القرآن وفي السنة تفصيل في السلب، فما الضابط الثاني ماذا يقول؟
كل نفي وسلب مفصل ورد في الكتاب أو في السنة فالمراد منه في الحقيقة إثبات ضده من الكمال، وليس مجرد النفي. هذا ضابط مهم؛ أي نفي مفصل قرأت في القرآن أو في السنة فالمراد منه في الحقيقة ليس مجرد النفي، بل المراد منه في الحقيقة إثبات الكمال لله سبحانه وتعالى، يعني إثبات نقيض هذا النفي من الكمال من الكمالات لله.
لماذا؟ لأن النفي المجرد أحبتي ليس مدحاً، النفي المجرد ليس مدحاً، وهذا أؤكد مرة أخرى، فانت مثلاً -لاحظ الآن كيف سأصور المسألة بصورة أخرى- لو قلت: زيد ليس ببخيل، هل هذا يعني أن زيد كريم؟ عقلاً هل هذا يعني أن زيد كريم؟ لا، لماذا؟ لأن لو قلت زيد ليس ببخيل، يمكن أن زيد ليس ببخيل لأنه أصلاً فقير ما معه مال، فبالتأكيد لن يكون بخيلاً لأنه هو أصلاً فقير لا يملك مالاً، فلذلك لا يتصف بالبخل، فنفي البخل لا يدل ابتداءً عقلاً على اثبات الكرم.
كذلك لو قلت لك مثلاً: محمد لا ينام، هل هذا لدلالة فيه عقلية على كمال قوته؟ لا، لأنك تقول محمد لا ينام، قد يكون عدم نومه لأنه فيه مرض أو علة، صحيح؟
فلاحظ أنك مجرد النفي -ها، مجرد النفي- نقول لا يدل على الكمال، مجرد النفي. فلذلك العلماء لما تأملوا نصوص الكتاب والسنة التي فيها نفي مفصل: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، لا يموت، لا يظلم، قالوا: كل هذه النصوص التي جاء فيها نفي مفصل ليس المراد منها مجرد النفي وتسكت، بل المراد من النفي المفصل هنا إثبات ضده من الكمالات.
لذلك لو تتبعنا مواطن النفي المفصل بالكتاب الكريم أو في السنة، فإنها في العادة -في العادة- تقترن بذكر مقابلها من الكمال. فمثلاً في آية الكرسي جاء نفي مفصل: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، لكن هذا النفي المفصل جاء مقروناً قبله بإثبات الكمال لله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255]، ثم جاء النفي المفصل: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾.
فالنفي المفصل -لاحظوا- كيف جاء مقروناً قبله بماذا؟ بإثبات الكمال، ولم يأتِ نفي مفصل فقط ونقطة. كذلك مثلاً: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾، الذي لا يموت نفي مفصل، لكنه مقرون قبله بماذا؟ بإثبات نقيضه وضده من الكمال، وهو الحي: وتوكل على الحي. لاحظوا كمال، إثبات كمال، ثم جاء تأكيد هذا الكمال ببيان النقص: لا يموت.
فلذلك نقول: كل نفي مفصل في الكتاب والسنة فالمراد منه إثبات ضده من الكمال، وليس مجرد النفي، فإن النفي المطلق أو المجرد أو العدم المجرد ليس مدحاً. فبالتالي نفيه سبحانه وتعالى للسنة والنوم عن نفسه غرضه إثبات كمال ضده من الحياة، وليس مجرد النفي المحض للسنة والنوم.
ونفيه سبحانه وتعالى للغوب والتعب عن نفسه في قوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق: 38] غرضه ما هو؟ إثبات كمال القدرة وليس مجرد النفي المحض للغوب والتعب.
بل لو تتبعت سياق النفي المفصل في القرآن أو السنة لوجدته يقترن عادة -أنا أقول عادة- يقترن بإثبات كمال لله سبحانه وتعالى، يعني تتبعوا أنتم النصوص التي ورد فيها نفي مفصل ستجدون أن عادة هذه النصوص تقترن بذكر كمالها، أو بضد هذا النفي من الكمالات، وباثبات ضد هذا النفي من صفات الكمال، كقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
الحي القيوم ايش يقابلها؟ نفي السنة والنوم، لأن السنة والنوم تتنافى مع الحياة والقيومية، فكان من المناسب أن تأتي الحي القيوم ثم يؤكد هذا الكمال بنفي النقص عنه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾.
إذاً، هذا الضابط الثاني مهم: كل نفي مفصل في الكتاب والسنة فالمراد منه في الحقيقة إثبات ضده من الكمالات، وليس مجرد النفي المحض. إذاً، هذا الضابط الثاني.
الضابط الثالث أحبتي الذي يتعلق بالصفات الثبوتية والسلبية أو بقاعدة الصفات الثبوتية والسلبية، أن نقول -ذكر الآن، هذا ركزوا معي فيه حقيقة لأن فيه شيئاً من التحرير، وربما تناقشون فيه، ربما تناقشون فيما سأحرره الآن- انتبهوا ماذا ساقول؟
ذاك الضابط الثالث يقول: ذكر طائفة من أهل العلم أن باب الصفات باب توقيفي، سواء في الإثبات أو في النفي. والبعض يقول: باب الصفات باب توقيفي في الإثبات فقط، وأما النفي فيمكن أن يستدل به بالعقل.
إذاً، هذه قاعدة مشهورة عند كثير من المعاصرين تكتب بهذه الصيغة: أن باب الصفات باب توقيفي. الآن، باب الأسماء الحسنى ذكرنا في المحاضرة السابقة أنه باب توقيفي، وهذا لا نقاش فيه، أن باب الأسماء الحسنى عند اهل السنة والجماعة الصحيح أنه باب توقيفي، لأن الله هو الذي له الحق في أن يختار لنفسه من الأسماء الحسنى ما شاء.
الله هو الذي له الحق أن يختار لنفسه من الأسماء الحسنى ما يتسمى به، وليس لنا نحن أن نتحكم في ذلك، أو أن نفرض بعقولنا أسماء لله سبحانه، فالله هو الذي يختار الأسماء الحسنى كما شاء عز وجل، هذا لا نقاش فيه.
لكن الآن نحن نتكلم في باب الصفات؛ كثير من المعاصرين يقولون بهذا الإطلاق: باب الصفات باب توقيفي في الإثبات وفي النفي، يعني سواء في الصفات، الصفات الثبوتية توقيفية، والصفات السلبية التي تنفى عن الله أيضاً توقيفية.
وفي الحقيقة هذا الضابط يحتاج لشيء من التحرير وليس على إطلاقه هكذا. يجب أن يفهم القول أن باب الصفات باب توقيفي في الإثبات والسلب بهذا الإطلاق يحتاج إلى تحرير، وحتى يفهم بالشكل الصحيح بل حتى يمكن أن نقول إن هذه العبارة بهذا الإطلاق تحتاج إلى تفصيل ولا تبقى باطلاقه، هذا ما أريد أن أوصله. ينبغي ألا تبقى بهذا الإطلاق وهاي العمومية، لأنه يمكن أن تفهم بشكل خاطئ. ماذا؟
أحبتي، كما أن الفطرة النقية والضرورات العقلية أثبتت وجود رب لهذا الكون، فكذلك إن الفطر النقية والضرورات العقلية تقتضي أن يكون هذا الرب موصوفاً بالععلم والحياة والسمع والبصر والإرادة والقدرة والعلو وغيرها من الصفات التي تدل الفطر النقية والضرورات العقلية عليها، حتى ولو لم يرد النص بها. هنا الحبكة؛ الفطرة النقية لم تقل إن وجود الرب سبحانه وتعالى تدل عليه الفطر النقية والضرورات العقلية ولا يحتاج أصلاً إلى دليل، وإنما نذكر الدليل مع هؤلاء الملحدين وما شابههم، وإلا فالفطر والضرورة العقلية تثبت أن هذا الكون له رب.
ونقول أيضاً، والفطر النقية والضرورات العقلية تثبت أن هذا الرب لابد وأن يكون موصوفاً بالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والحياة والعلو إلى غيرها من الصفات التي يقتضيها العقل ويدل عليها لهذا الرب، ولو لم يرد النص بها. ولو لم يرد النص بها، لكن النصوص جاءت بإثبات هذه الصفات لله سبحانه وتعالى؛ فإثبات النصوص لهذه الصفات في الحقيقة هو تأكيد لما دل عليه العقل وليس تأسيسه. النصوص التي دلت على اتصاف الله سبحانه وتعالى بالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعلو هي مؤكدة لما دل عليه العقل من اتصاف الله سبحانه وتعالى بهذه الصفات وليست مؤسسة لها. يعني هذه الصفات نحن لم نكن جاهلين بها حتى يأتي النص ليثبتها، بل الضرورات العقلية والفطرة النقية تدل عليها تماماً.
فليس العلم بهذه الصفات موقوفاً ابتداءً على النص والتوقيف، كما قد توهمه قاعدة أن باب الصفات باب توقيفي. يعني هذه القاعدة بإطلاقها ونقول باب الصفات باب توقيفي، ما يخطر في ذهن كثير من طلبة العلم أننا لا نعلم شيئاً من صفات الله سبحانه وتعالى إلا بالتوقيف من النص، هكذا أنتم ما أكثركم يفهم. وبالتالي، لو لم ترد هذه النصوص المثبتة للععلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعلو لما عرفنا اتصاف الله سبحانه وتعالى أو اتصاف الرب بهذه الصفات، وهذا كلام ليس بصحيح. هذا الكلام على اطلاقه ليس بصحيح، بل نقول هناك قسم من الصفات الإلهية الفطر النقية والضرورات العقلية تدل عليه وتثبته كالععلم والقدرة والإرادة، لأنها من ضرورات الربوبية التي لا يمكن أن تنفك عن الرب ويستحيل عقلاً أن يكون الرب خالياً منها. ثم لما جاءت النصوص الشرعية في الكتاب والسنة لتؤكد ما دل عليه العقل من اتصاف الله بهذه الصفات.
الآن من الناحية العملية، يعني يقول الطالب: طب يا شيخ هل هناك صفة العقل يقول ضرورة بإثباتها لله ولم تأتي بها النصوص؟ أقول لك: كلا، لا توجد صفة العقل يحكم بضرورة إثباتها لله وأنه يستحيل خلو الرب عنها والنصوص لا تشير إليها ولا تتكلم عنها؛ من الناحية العملية لا يوجد. لذلك البعض يقول إنه خلينا نغلق الباب ونقول باب الصفات باب توقيفي، بما أنه لا توجد صفة قضى بها العقل وحكم بها العقل أو فهمها العقل وأدركها إلا وقد جاء النص ليؤكدها، إذاً خلاص خلينا نقول باب الصفة توقيفي ونغلق قضية العقل. لكن أرى أن هذا المنهج بهذا الإطلاق ليس صحيحاً، بل ينبغي أن يدرك طالب العلم أن هناك صفات لله سبحانه وتعالى يشترك العقل مع النقل في الدلالة عليها، وأن النقل جاء فيها مؤكداً وليس مؤسساً، مؤكداً لما ثبت بالعقل ابتداءً.
هذا واقع، الآن هناك قسم آخر من الصفات، نعم العقل لا يدل عليها، لكنه في نفس الوقت لا يمنعها؛ العقل والضرورات العقلية والفطرة النقية لا تدل عليها، يعني ما في شيء يلزم أن يكون الله عز وجل متصفاً بها، لكن في نفس الوقت العقل لا يمنعها، فجاءت هنا النصوص الشرعية لتثبتها لله كصفتي النزول إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، وصفة الاستواء على العرش، وصفة الوجه واليدين والضحك والتعجب. فهذا النوع من الصفات العقل لا يقتضيه ضرورة، وإنما إثباتها جاء ابتداءً من النص، فالنص هو الذي أسسها وهو الذي دل عليها، والعقل وظيفته حينئذ أن يسلم للنص وأن ينقاد له من دون نقاش.
أفهمتم كيف الصورة؟ إذاً، هناك قسم آخر من الصفات العقل لا يدل عليه ابتداءً، لكنه لا يمنعه؛ هذه نقطة مهمة هي الخلاف بين أهل السنة والمتكلمين أنهم جعلوا هذه الصفات العقل يمنعها، لا، العقل لم يدل عليها لكنه لم يمنعها، جاءت النصوص تثبتها وتخبر بها كالنزول الإلهي والاستواء على العرش والضحك والتعجب. فالنص هو الذي أسسها ابتداءً ووظيفة العقل أن يسلم بها وينقاد لما دل عليه النص من دون نقاش. فيتخلص إذاً من هذا الباب أن صفات الله سبحانه وتعالى على نوعين؛ هناك صفات يثبتها العقل ضرورة لله وجاء النص ليؤكد ما دل عليه العقل، وهناك صفات أثبتها النص ابتداءً ليس العقل، والعقل وظيفته أن يسلم لها. فهذا هو التحرير في هذا الباب.
وأما أن تطلق تقول باب الصفة توقيفية من دون أن تحرر هذا المعنى، فأخشى أن يوقعك في لبس وأن تفهم وتظن أن الصفات لا يمكن أن يعلم شيء منها إلا بالتوقيف من النصوص. فهذا الإطلاق أنه الصفات لا يمكن أن يعلم شيء منها إلا بالتوقيف من النصوص ليس بصحيح، بل هناك قسم من الصفات العقول تدل عليها. وهنا يعني أستحضر لكم نصاً لشيخنا الشيخ يوسف الغفيس أمدّه الله بالصحة والعافية، يقول فيه أقسام الصفات من حيث حكم العقل بها، فيقول: تنقسم الصفات المذكورة في القرآن الكريم إلى قسمين؛ الأول صفات تعرف بحكم العقل قبل ورود الشرع، لاحظوا: صفات تعرف بحكم العقل قبل ورود الشرع، يعني العقل يدل عليها حتى ولو لم يرد بها الشرع أو قبل ورود الشرع.
ولهذا هذا النوع من الصفات يصدق بها ويؤمن بها جمهور من يقر بربوبية الله ولو كان من المشركين عبدة الأوثان، كإتصاف الله بالعلم فإن المشركين في جاهليتهم كانوا يؤمنون بأن الله عليم، وكإتصاف الله بالقدرة فإن المشركين يقرون بذلك. ولا شك أن الإقرار بالععلم للرب سبحانه والقدرة والعزة وما يتعلق بهذا النوع من الصفات هو إقرار يعلم بالفطرة، لاحظوا كيف الفطرة العقل قارن بينهما الشيخ، فإن الله فطر الخلق على ربوبيته، ومن أخص معاني ربوبيته أنه بكل شيء عليم، يعني يستحيل عقلاً أن تقول الله رب ومن دون أن يكون هذا الرب قادراً عليماً حياً، هذه من مقتضيات الربوبية.
ثم يكمل الشيخ حتى يذهب إلى القسم الثاني، قال: والقسم الثاني صفات، القسم الثاني صفات لا تعلم إلا بعد ورود الشرع؛ مثلاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا»، يقال إن هذه الصفة علمت ابتداءً من السمع، وأما العقل فانه لا يدل عليها. لكن مع قولنا إن هناك جملة من الصفات لا يدل عليها العقل ابتداءً ولم تعرف إلا بخبر الرسل ونزول الكتب، فإن هذا النوع من الصفات بالسمع وحده فضلاً عن الذي يعلم بالعقل ابتداءً يقضي العقل بتصديقه. يعني هذا النوع من الصفات الذي تلقيناه فقط من الخبر من النص والعقل لم يقضِ، لكن العقل لا يمنعه، هذا الذي يريد أن يقوله الشيخ: العقل لا يمنعه بل يصدق أنه لا مانع من أن يتصف الله بالنزول، لا مانع من أن يتصف الله سبحانه وتعالى بالتعجب والغضب على وجه يليق به سبحانه وتعالى وعلى كمال يليق به.
لذلك ثم يقول، أختم يعني: ومن هنا علم أن سائر الأسماء والصفات مبنية على التسليم وعلى حكم العقل، سواء كان هذا الحكم حكماً قبلياً قضى به العقل قبل ورود الشرع أم كان حكماً تقريرياً أن العقل أقر ما جاءت به النصوص. أنا فقط اردت أن أتي بهذا ليعلم أن ما قررته هذا عليه كلام المحققين من أهل العلم، أن باب الصفات منه ما هو صفات تدرك بالعقل ابتداءً ويأتي النص مؤكداً لها، ومنه ما هو صفات تؤخذ من النص ابتداءً والعقل يسلم لها. بهذه الطريقة، وأما إطلاق أن باب الصفات باب توقيفي في الإثبات وفي السلب من دون أن يعلم المراد وهذا التفصيل، فأخشى أن يوقع الطالب في لبس، أن يظن أن الصفات لا يمكن أن تدرك كلها إلا عن طريق السمع.
وهذا الضابط وهذا التفصيل الذي ذكرناه كما هو في الإثبات لصفات الكمال، كذلك هو في النفي لصفات النقص. كيف ذلك؟ العقل والنصوص دلت كما قلنا إجمالاً على أن الله منزه عن أي نقص، وأنه لا يجوز أن يوصف بالنقص، العقل والنص دل على استحالة اتصاف الله بالنقائص إجمالاً، وجاءت نصوص محدودة تفصل في نفي النقائص، لأنه كما قلنا ليس هي العادة في النصوص التفصيل في نفي النقائص، لكن جاءت نصوص معدودة في نفي النقائص عن الله. ونستطيع أن نقول في المقابل إن كل ما دل العقل السليم على أنه نقص في الخالق بوجه من الوجوه فيجب نفيه عنه سبحانه، ولا يتوقف هذا النفي للنقائص على ورود النص، فإن النقص أو فإن النص عفواً دل على التنزيه عموماً، والعقل يدل على التفصيل في هذا التنزيه.
النصوص دلت عموماً أنه ﴿لَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، والعقل السليم النقي يستطيع أن يدرك تفاصيل هذا النفي فينفي عن الله كل النقائص، يعني لا مانع أن نقول إن العقل السليم ينفي عن الله كل نقيصة من النقائص حتى ولو لم يرد النص بنفي هذه النقيصة بالتفصيل. وهذا المنهج اتبعه ابن تيمية رحمة الله عليه في نفي كثير من النقائص بالتفصيل عن الله، وهذه النقائص التي نفاها ابن تيمية عن الله سبحانه وتعالى لم يرد النص بنفيها عن الله صراحة، وإنما العقل دل على أنها نقص فنفاها العقل، فنفاها العقل لأنها تقتضي نقصاً في الله سبحانه وتعالى، والرب سبحانه لا يمكن أن يكون ناقصاً بوجه من الوجوه، فإذاً الدليل العقلي يوجد في باب الإثبات ويوجد في باب النفي أيضاً.
بل القاعدة الآن أنتم تعلمون أن أهل السنة والجماعة يقولون إنه يجوز استخدام قياس الأولى في باب الصفات العلى. أظن أن هذا أي طالب علم درس باب الصفات العلا أو قرأ في شيء من ذلك يدرك أن هذه قاعدة معروفة عند أهل السنة والجماعة، أنهم يجوزون استخدام قياس الأولى في باب الصفات إثباتاً أو نفياً. ايش يعني قياس الأولى؟ يقولون: كل كمال ثبت للمخلوق لا نقص فيه بوجه من الوجوه، الله سبحانه وتعالى أولى به. كل كمال ثبت في المخلوق هذا الكمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه، فالله سبحانه وتعالى أولى به. شاهدوا قياس اولى؛ الله أولى به، لأنه مانح الكمال لغيره، وهذه قاعدة عقلية معروفة، مانح الكمال الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه بهذا القيد لغيره، أولى أن يتصف به.
ويقولون أيضاً: كل نقص ثبت في المخلوق فالله سبحانه وتعالى أولى أن ينزه عنه. وإن كان هناك مجموعة من الضوابط أذكرها إن شاء الله في مراحل متقدمة، يعني هذا القياس الأولوي ليس بهذه الإطلاقات تماماً تماماً، لكنه بشكل عام يؤصل بهذه الطريقة أن كل كمال ثبت في المخلوق لا نقص فيه بوجه من الوجوه فالله أولى به، وكل نقص هو نقص في المخلوق فالله سبحانه وتعالى أولى أن ينزه عنه.
الآن القياس الأولوي هو إذاً استخدام وتوظيف للطرق العقلية في إثبات صفات الكمال لله سبحانه وتعالى ونفي صفات النقص عنه. وقول بعض المعاصرين إن القياس الأولوي فقط وظيفته تأكيد ما دلت عليه النصوص ابتداء بهذا التحديد والتضييق يحتاج إلى نظر، يعني بعض المعاصرين الأفاضل من العلماء الثقات يقولون هذا الكلام: إن القياس الأولوي فقط وظيفته تأكيد تأكيد ما أسسته النصوص في الإثبات أو في النفي، أو يستخدم في الجدل العقدي مع المخالفين الذين مثلاً يأتون يقولون: الله سبحانه وتعالى لا يوصف الاستواء على عرشه أو في ثلث الليل الآخر أو ما شابه ذلك، فأنت تستدل على إثبات ما أثبتته النصوص وتأكيد ما أثبتته النصوص من خلال القياسات الأولية.
فباختصار، وظيفة القياس الأولوي هو فقط تعزيز النص وتأكيد ما ثبت بالنص ابتداءً، فالنص هو الذي أسس الصفات إثباتاً أو نفياً، والقياس الأولوي يعزز ويؤكد لكن لا يستخدم القياس الأولوي أو العقل في إثبات كمال لله ابتداءً أو نفي نقص عنه ابتداءً. أقول: هذا الكلام بهذه الصورة ليس محرراً جيداَ، بل العقل يدل على إثبات بعض الصفات لله سبحانه وتعالى ولو لم يرد بها النص فرضا فرضا، يعني ولو لم يرد بها النص نعم يستطيع العقل أن يثبت صفات لله سبحانه وتعالى.
طبعاً ليس العقل المجرد، نقول الضرورات العقلية والفطر النقية التي أثبتت وجود الرب تقضي أن هناك هذا الرب لابد أن يكون متصفاً بكمالات من العلم والقدرة والسمع والبصر والإرادة، فهذه كمالات متعلقة بالربوبية العقل قضى بها والنصوص أكدتها. كذلك العقل يدل على نفي النقائص عن الله سبحانه وتعالى حتى ولو لم يرد النص بنفي النقائص بالتحديد. الآن النصوص جاءت كما قلنا في باب النفي بالإجمالات، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، ﴿لَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]، لكن التفصيل كما قلنا التفصيل في النفي النصوص استخدمته قليلاً على وجه محدود، والعقل يستطيع أن يدرك التفصيل في النفي ولا إشكال عنده في ذلك. ماذا نقول إن العقل لا يستطيع أن ينفي النقص عن الله سبحانه وتعالى بالتفصيل، وأن نفي النقائص بالتفصيل لابد أن تقف فيه على نص؟ هذه الإطلاقات ليست بدقيقة، بل حتى ابن تيمية رحمة الله عليه استخدم الأدلة العقلية والطرق العقلية في نفي نقائص عن الله لم يرد النص بنفيها بالتحديد، وإنما النص ورد بالعموم: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، ﴿لَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]، عمومات نفي النقائص عن الله.
فهذا تحرير أظن أنه جيد في هذا الباب، حتى لا تؤخذ المسائل بإطلاقاتها أو الألفاظ بإطلاقاتها. لأن كما قلنا كثير من المعاصرين يقولون باب الصفات توقيفي ويسكتون، وهذا يحتاج إلى تحرير وإلى تفصيل، حتى لا يفهم أن باب الصفة توقيفي يعني لا يجوز أبدا أن تقول إن العقل يدل على كذا، وإنما العقل فقط يسلم للنص.
بل هناك تفصيل ذكرته لكم، فأرجو أن تنتبهوا إليه، ونسأل الله سبحانه وتعالى التسديد والتوفيق.
طيب، أين وصلنا؟ الآن هذا هو الضابط الثالث الذي يتعلق القاعدة الثالثة. القاعدة الثالثة أن باب الصفات مبني على الإثبات والنفي، وهذا الكمال فيه، وذكرنا فيه ثلاثة ضوابط لهذه القاعدة.
الضابط الأول: أن الأصل في الإثباتات أن تكون مفصلة، وفي النفي أن يكون مجملا. لكن هل جاء خلاف هذا الأصل؟ قلنا جاء، ولكن على وجه محدود.
ثانيا، الضابط الثاني: أن كل نفي مفصل في القرآن أو في السنة فليس المراد منه مجرد النفي، بل المراد منه إثبات ضده من الكمالات لله. فنفي السنة والنوم المراد منه إثبات كمال الحياة والقيومية، ونفي الموت عنه المراد منه إثبات كمال الحياة، وعلى ذلك فقس.
الضابط الثالث: فصلنا في هل صفات الله توقيفية في الإثبات والنفي بالإطلاق على هذا العموم، وقلنا أن هناك شيئا من التفصيل لابد أن يعرف في هذا الباب، وذكرته لكم بإذن الله على وجه جلي.
الان أذهب إلى القاعدة الرابعة من قواعد باب الصفات. القاعدة الرابعة تقول: تتعلق بالصفات الثبوتية. القاعدة الثالثة قلنا أن باب الصفات فيه إثبات وفيه نفي، فهناك صفات ثبوتية تثبت لله لأنها كمال، وهناك صفات سلبية تنفى عن الله لأنها نقص.
الان القاعدة الرابعة تتعلق بجانب من باب الصفات، وهو الصفات الثبوتية. الصفات الثبوتية التي نثبتها لله سبحانه وتعالى فيها تقسيمات نذكرها. فاقول: القاعدة الرابعة الصفات الثبوتية لله سبحانه وتعالى، يعني الصفات التي تثبت لله عز وجل لأنها كمالات، تنقسم إلى صفات ذاتية وصفات فعلية اختيارية، صفات ذاتية وصفات فعلية اختيارية.
والبعض يقول: لا الأفضل أن نقول صفات ملازمة للذات وصفات اختيارية. وفي الحقيقة هي اصطلاحات، كل شخص يبرر لماذا استخدم هذا الاصطلاح بدل هذا الاصطلاح؟ نعم، هناك انتقاد على التقسيم إلى ذاتي وفعلي، البعض يقول لا الأولى أن نقسم إلى لازم وإلى متجدد.
أقول الآن: إذا علم المراد، وإذا علم وعرف المراد ولم يكن فيه محظور، فالامر واسع بإذن الله في المصطلحات إذا علم المراد والمقصود بالمصطلحات ولم يكن فيها محظور فالامر واسع. المهم أن تكون المعاني المتضمنة واضحة عند الطلبة، المهم أن تكون المعاني المتضمنة في هذه التقسيمات واضحة عند الطلب، ولذلك سأعتمد هذا التقسيم، فاقول: الصفات الثبوتية لله تنقسم إلى صفات ذاتية وصفات فعلية اختيارية.
طيب نبدأ بالقسم الأول: الصفات الذاتية. أولا ما معنى صفات ذاتية؟ طبعا قبل أن أقول ما معنى صفات ذاتية، نحن حينما نقول الصفات الثبوتية تنقسم إلى صفات ذاتية وصفات فعلية، هذا التقسيم باعتباري مبني دائما، أنا عندما أقسم أحب أن أركز للطالب على ما هو الاعتبار الذي بنيت عليه القسمة؟ مهم جدا.
فنقول: تقسيم الصفات الثبوتية إلى ذاتية وفعلية باعتبار ماذا؟ نقول: باعتبار تعلق الصفة الثبوتية بالله. فنقول: الصفات الثبوتية، هذا اكتبوه عندكم، الصفات الثبوتية باعتبار تعلقها بالله سبحانه وتعالى بهذا الاعتبار، أي الجهة التي تعلقت بالله، تنقسم إلى ذاتية وفعلية. ممتاز.
إذا عرفنا هذا التقسيم الاعتبار القائم عليه، لن أبدأ بالقسم الأول الصفات الذاتية. ما المراد بالصفة الذاتية؟ الصفة الذاتية هي الصفة الملازمة للذات الإلهية ولا تنفك عنها بحال من الأحوال، هذه تسمى صفة ذاتية. هي الصفة الملازمة للذات الإلهية ولا تنفك عنها بحال من الأحوال تسمى الصفة التي بهذا المعنى صفة ذاتية.
مثل مثلا الحياة، مثل العلم، العلم الحياة، هذه صفات ملازمة للذات الإلهية ولا تنفك عنها في حال من الأحوال، تمام؟
تمام، الآن الصفة الذاتية هي بنفسها تنقسم إلى قسمين باعتبار دلالة العقل عليها. الآن سأوظف ما ذكرته لكم قبل قليل في أن هناك صفات يدل العقل عليها مع السمع، وهناك صفات لا السمع هو الذي يدل عليها والعقل يسلم. سنوظف هذا الذي ذكرناه هنا. الصفات الذاتية، وهي الصفات الملازمة للذات الإلهية لا تنفك عنها في حال من الأحوال، تنقسم بنفسها إلى قسمين باعتبار دلالة العقل عليها.
القسم الأول: صفات ذاتية خبرية، وهي الصفات التي يتوقف ثبوتها على الخبر على مجيء النص، ولا يدل العقل عليها، لكنه في نفس الوقت لا ينفيها ويمنعها، مثل ايش؟ صفات ذاتية خبرية، كصفة اليدين لله سبحانه وتعالى التي أثبتتها النصوص والعقل لا يدل عليها، لكنه لا يمنعها، فوظيفة العقل أن يسلم لما دل عليه النص.
وصفة الرجل لله سبحانه وتعالى كما جاء في الحديث أن الله يضع رجله في نار جهنم، وصفة العينين، وصفة الوجه، وصفة الأصابع وغيرها، هذه وردت فيها النصوص: ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 27]، وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، وقضية أن الله يضع هذا على هذا الإصبع إلى الأحاديث المعروفة.
فصف هذه الصفات اليدين والرجل والعينين والوجه وغيرها من صفات الذات وردت في ماذا؟ في الآيات والأخبار، العقل لا يدل عليها ابتداء لكنه لا يمنعها، فمتى جاء النص الصحيح باثباتها فوظيفة العقل أن يسلم لما دل عليه النص من دون تكييف ولا تمثيل بصفات المخلوقين. هذه واضحة عندنا، وسنأتي أيضا نوضحها أكثر وأكثر في القاعدة التي تليها، قضية نفي التكييف والتمثيل.
القسم الثاني من الصفات الذاتية: صفات ذاتية عقلية. ايش يعني صفات ذاتية عقلية؟ يعني صفات ذاتية العقل دل عليها، العقل دل عليها، والنصوص جاءت مؤكدة لما دل عليه العقل، فلا يوجد عندي صفة دل عليها العقل والنص ما أرشدنا إليها، بل ما في يعني بالتجربة والنظر والاستقراء، يعني بالنظر والاستقراء لا يوجد صفة دل عليها العقل والنص لم يؤكدها ويرسخها في ذهن العباد، ما في.
لكن هل مجيء النص بها يدل على أن النص هو الذي أسسها له؟ بل العقل يدل عليها أيضا، ما عندنا مانع أن نقول بهذا الكلام. فإذا هناك صفات عقلية، وهي الصفات التي يدل العقل عليها، ويأتي النص ليؤكد ما دل عليه العقل، ويأتي النص مؤكدا ومرسخا لما دل عليه العقل.
وهذه الصفات دل العقل عليها لأنها من مقتضيات الربوبية، ويستحيل عقلا أن يوجد الرب خاليا منها، لذلك دل العقل عليه وجاء النص ليؤكد ما دل عليه العقل. مثال هذه الصفات الذاتية العقلية: صفة السمع، صفة البصر، صفة الحياة، صفة العلم، صفة العلو الإلهي.
العلو الإلهي أحبتي ليس فقط السمع الذي دل عليه، بل من مقتضيات العقل أن الله سبحانه وتعالى عال على خلقه، تمام؟
فإذا الصفات قسمناها: صفات ثبوتية تنقسم باعتبار تعلقها بالذات إلى صفات ذاتية وصفات فعلية. الصفات الذاتية قسمناها إلى صفات خبرية وإلى صفات عقلية.
الصفة الخبرية ما معناها؟ يعني العقل لا يدل عليها ولا يمنعها، وإنما جاء النص باثباتها فالعقل يسلم له. الصفات الذاتية العقلية: صفات دل عليها العقل لأنها من مقتضيات الربوبية، وجاء النص ليؤكد هنا ما دل عليه العقل ويرسخه، تمام؟
طيب الآن انتقل إلى الصفات الثبوتية الفعلية. الصفات الثبوتية الفعلية، أو البعض يسميها الصفات الاختيارية، والبعض يسميها الصفات المتجددة. ما هي؟ انتبهوا لما ساقول لأنه دقيق.
الصفات الفعلية أو الاختيارية، ما المراد بها؟ هي صفات ذاتية من حيث جنسها، لكنها اختيارية متجددة حادثة، ما عندنا مشكلة في هذه التعبيرات، من حيث أفرادها. أعيد: الصفات الفعلية الاختيارية، ما المراد منها عند أهل السنة والجماعة؟ هي صفات ذاتية من حيث جنسها، واختيارية متجددة من حيث أفرادها.
لذلك البعض يعني يقول بدل ما نسميها صفات فعلية نقول صفات ذاتية فعلية، لكن كما قلنا هي مصطلحات بما أنه المضمون واضح لدى طالب العلم، ما عندي إشكال، لكن يهمني أن تدرك أن الصفات الفعلية فيها جهتان: من حيث الجنس الصفات الفعلية هي ذاتية، ومن حيث الأفراد الصفات الفعلية هي متجددة.
كيف ذلك؟ أعيد العبارة مرة أخرى لأني سانطلق من إعادتها لما أريده. أقول: الصفات الفعلية الاختيارية هي صفات ذاتية من حيث جنسها، لكنها اختيارية متجددة من حيث أفرادها. فالأفراد متجددة، تتعلق أو يتعلق حدوثها وتجددها بالمشيئة الإلهية، وأما جنس الصفة فهو ذاتي لا ينفك عن الذات الإلهية في حال من الأحوال.
مثال ذلك: صفات النزول الإلهي في ثلث الليل الآخر. الله عز وجل كما أخبرنا في النصوص الصحيحة أنه ينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، هل من تائب ومستغفر؟ إلى آخره. كذلك الله متكلم، كلم موسى وكلم جبريل بالقرآن. الله سبحانه وتعالى يتكلم مع عباده يوم القيامة. الله سبحانه وتعالى يحب المؤمنين ويحب الطاعة، ويغضب ممن يعصي ويذنب أو من الكفرة.
فالنزول والكلام والضحك والتعجب والغضب والرضا، هذه صفات تسمى صفات فعلية اختيارية. وهذه الصفات فيها جهتان: من حيث جنسها، يعني أصل الصفة هي ذاتية لا تنفك عن الذات الإلهية، مثلها مثل القسم الأول. مش القسم الأول الصفات الذاتية ايش هي؟ الصفات التي لا تنفك عن الذات الإلهية في حال من الأحوال.
فنقول: الصفات الفعلية هي أيضا من حيث الجنس ذاتية. الصفات الفعلية الاختيارية هي من حيث الجنس ذاتية لا تنفك عن الذات الإلهية في حال من الأحوال. بعبارة أخرى أزلية، يعني من حيث الجنس لم يكن الله خاليا منها ثم حدثت له بعد ذلك، كلا حاشاه، بل هو سبحانه وتعالى متصف من حيث الجنس بأنه متكلم من حيث الجنس متكلم سبحانه، ولا نقول أن الله سبحانه وتعالى لم يكن متكلما من حيث الجنس ثم حدثت له حدث له جنس الكلام بعد ذلك، لأن هذا يعني أن الله كان ناقصا لو تقول بهذا الكلام أن جنس الكلام لم يكن عند الله ثم نزل به أو حل به أو قام به، معنى هذا أن الله لم يكن قادرا على الكلام ابتداء ثم اتصف بالقدرة على الكلام، وهذا إثبات نقص حاشاه سبحانه.
نقول: من حيث الجنس الله متكلم، من حيث الجنس الله يغضب، من حيث الجنس الله يحب سبحانه ويرضى، من حيث الجنس الله سبحانه وتعالى حتى قضية الاستواء وما شابه ذلك، الله سبحانه وتعالى من حيث الجنس قادر على كلها، كل هذه الأمور من حيث جنسها.
لكن أفراد الكلام وأفراد النزول وأفراد الغضب وأفراد المحبة إلى غيره من الصفات الفعلية، هذه نعم حادثة متجددة على مشيئته سبحانه وتعالى، يحدث سبحانه وتعالى هذه الأفراد متى شاء. وهذا الأصل كثيرا ما ورد في نصوصه وفي كلام الأئمة الأقدمين.
فأحمد بن حنبل يقول: الله يتكلم متى شاء. ايش تفهم من كلام أحمد بن حنبل؟ الله يتكلم متى شاء، وأن الله سبحانه وتعالى مسؤول عن النزول، ينزل متى شاء وكيف شاء. وهذا كثير كلام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السلف، يقولون: يتكلم متى شاء، ينزل متى شاء، يرضى متى شاء، يغضب متى شاء. فهنا المشيئة في إحداث الأفراد وفي تجدد الأفراد.
وأما من حيث جنس الصفة فالله سبحانه وتعالى متصف بها في الأزل، لذلك العبارة المختصرة التي يعبر بها ابن تيمية أنه يقول: هذه الصفات قديمة النوع، أي من حيث الجنس قديمة أزلية الله متصف بها منذ الأزل، حادثة الآحاد، يعني متجددة في آحادها.
وهذه القاعدة كما قلنا نصوص الأئمة أئمة السلف متواترة عليها متضافرة عليها، وإن لم تكن بهذا التعبير الذي يعبر به ابن تيمية قديمة حديثة الآحاد، لكن هو نفس المضمون فابن تيمية هو ينقل لك ما قاله السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، لما يقول أحمد وغيره أن الكلام والنزول يحدثه الله متى شاء يتكلم متى شاء. إذا هو يتكلم أن هذه الصفات أفرادها ويطرق تجددها بالمشيئة الإلهية.
فلما جاء سبحانه أن يكلم موسى عند الطور كلمه، ولما شاء سبحانه أن يكلم جبريل بالقرآن كلمه، ولما يشاء سبحانه أن يكلم عباده يوم القيامة يكلمه، فهو يتكلم متى شاء. لكن أصل صفة الكلام وجنسها متصف بها بالأزل، ويحدث الكلام متى شاء سبحانه وتعالى.
فمهم جدا أن نقول أن الصفات الفعلية ليس المراد أنها فعلية اختيارية متجددة في أصلها لا، بل هي من حيث الأصل ذاتية تشبه القسم الأول الذاتي، لكن التجدد هو من حيث الأفراد الموجودة التي يحددها سبحانه وتعالى.
فإذن هذا تقسيم صفات ثبوتية فعلية. الآن الصفات الفعلية الاختيارية تنقسم أيضا كالصفات الذاتية، احنا قسمنا الصفات الذاتية إلى خبرية وعقلية، الصفات الفعلية الاختيارية تنقسم إلى خبرية وعقلية، وأظن التعريف واضح لديكم الآن.
فالصفات الفعلية الخبرية هي التي لا تدل العقل إليها بنفسه، ولكنه لا يمنعها، وإنما مرجعها إلى النص، فالنص إذا أتى بها العقل وظيفته أن يسلم، مثل الاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والتعجب، والضحك، والغضب.
وأما الصفات الفعلية العقلية فالعقل يدل عليها، والنصوص جاءت مؤكدة لما دل عليه العقل، مثل الخلق، والإحياء، والإماتة. فهذه الصفات الاختيارية الفعلية وغيرها طبعا العقل يدل عليها، والنصوص تؤكد ما دل عليه العقل.
فإذا نقول القاعدة الرابعة: صفات الله الثبوتية تنقسم باعتبار تعلقها، يعني طبيعة تعلقها بالله، إلى ذاتية وفعلية. الذاتية هي التي لا تنفك عن الذات الإلهية في حال من الأحوال، وليس لها أفراد تتجدد في الخارج، فالوجه واليدين والعينين ومثلا السمع والبصر والحياة والعلو هذه ليست لها أفراد تتجدد في الخارج لذلك هي ذاتية فقط. القسم الثاني: صفات ثبوتية فعلية.
وهي صفات من حيث الجنس ذاتية ومن حيث الأفراد فعلية اختيارية، تتجدد وفق مشيئته سبحانه وتعالى. وقسمنا الصفات الذاتية إلى خبرية وعقلية؛ باعتبار ماذا؟ باعتبار هل يدل العقل عليها أو ليس للعقل دلالة عليها؟ وقسمنا الصفات الاختيارية أيضاً إلى صفات خبرية وعقلية بنفس الاعتبار السابق.
الآن قبل أن أنتقل إلى القاعدة الخامسة، أقول أيضاً: الصفات الثبوتية تنقسم إلى صفات ثبوتية مطلقة، وصفات ثبوتية مقيدة. وهذا التقسيم للصفات الثبوتية تقسيم جديد؛ تقسيم الصفات الثبوتية إلى صفات ثبوتية مطلقة وصفات ثبوتية مقيدة هو متعلق بالقاعدة الأولى التي ذكرناها اليوم في باب الصفات، أن صفات الكمال ينبغي أن تدل على الكمال دائماً. صفات الله التي تثبت له يجب أن تدل على الكمال دائماً، وعرفنا بناء على أن هناك صفات هي بطبيعتها دائما تدل على الكمال، فهذه تثبت لله سبحانه وتعالى من دون أي تفصيل. وهناك صفات من طبيعتها أنها لا تدل على الكمال إلا في وجه من الوجوه وحالة من الأحوال، فاثباتها لله سبحانه وتعالى إنما يكون مقيداً بحالة كمالها لا في حالة نقصها.
فهذا الكلام الذي ذكرناه في القاعدة الأولى سينتج منه تقسيم عند أهل السنة والجماعة في الصفات الثبوتية، إلى أن الصفات الثبوتية تنقسم إلى صفات ثبوتية مطلقة، وصفات ثبوتية مقيدة. وهذا التقسيم إلى مطلق ومقيد كما قلنا باعتبار جهة دلالتها على الكمال؛ فتنقسم الصفات الثبوتية باعتبار جهة دلالتها على الكمال إلى صفات ثبوتية مطلقة، وهي التي تدل على الكمال على الإطلاق في كل أحوالها، كالسمع والبصر والحياة والعلم والقدرة، فهذه تثبت مطلقاً لله سبحانه من دون حاجة إلى أن تقيد بقيد.
ومن هذا النوع نركز على هذه القضية: من الصفات المطلقة التي تثبت لله سبحانه وتعالى على وجه الإطلاق صفات كما قال أو عفواً صفات هي في أصلها صفات كمال، وإنما يتطرق النقص إليها من جهة الاستعمال والأفراد، يعني هذه الحالة التي نريد أن نركز عليها الآن. هناك صفات مطلقة أو تدخل تحت الصفات المطلقة هي كمال من حيث الأصل والجنس، لكن قد نقول يدخل النقص عليها كما قلنا من جهة الاستعمال وفي بعض الأفراد. مثال ذلك الكلام: صفة الكلام نحن نثبت لله صفة الكلام على الإطلاق صح؟ ونثبت لله صفة الإرادة على الإطلاق.
لكن ممكن شخص يقول: طب يا شيخ أليس أنت ذكرت في المحاضرة السابقة أن الكلام قد يكون كلام بشر وقد يكون كلام شر، وأن الإرادة قد تكون إرادة خيرة وإرادة شريرة؟ فكيف نثبت الكلام صفة لله مع أن الكلام قد يكون بخير وقد يكون بشر، والله لا يتكلم بالشر؟ وكيف تثبت الإرادة لله على الإطلاق مع أن الإرادة قد تكون إرادة خيرة وقد تكون إرادة شريرة، والله سبحانه وتعالى ليس له إرادة شريرة سبحانه وتعالى بكل إراداته خيرة؟ فكيف جعلت الكلام والإرادة من الصفات المطلقة مع أنها قد توظف الكلام في الشر كما يوظف في الخير، والإرادة قد توظف في الشر كما توظف في الخير؟
فالأصل إذاً يا شيخ بناء على هذا أن هنا الكلام والإرادة مثل المكر والخداع والاستهزاء؛ فكما أنك ذكرت لنا قبل قليل أن المكر والخداع والاستهزاء هو في حال كمال وفي حال نقص، فنثبت المكر والخداع والاستهزاء مقيداً بحالة الكمال، فكذلك ينبغي أن يكون الكلام والإرادة تثبت لله سبحانه وتعالى مقيدة بحال الكمال.
أقول في الحقيقة هناك فرق دقيق بين الكلام والإرادة وبين الخداع والاستهزاء. ما هو الفرق الدقيق؟ أن الكلام والارادة هي في أصلها أو هي في أصلها كمال، والنقص إنما يرد من جهة الاستعمال والأفراد، وأما المكر والخداع والاستهزاء فليست في أصلها وفي جنسها كمال، بل في أصلها وجنسها هي مقسمة؛ منها نوع كمال ومنها نوع نقص. فهمتم الفرق؟ الكلام والإرادة هي في أصلها من الكمالات، وإنما يدخل النقص في الاستعمال والتوظيف، وأما المكر والخداع والاستهزاء لا؛ هي في أصلها تنقسم إلى ما هو كمال وما هو نقص، وليس فقط في أفرادها. يعني فلا نقول والله المكر كمال ولكن في الأفراد في أفراده التي في الخارج قد يدخل النقص، لا لا؛ هو نفس المكر والخداع والاستهزاء كجنس منه ما هو كمال ومنه ما هو نقص. وأما الكلام والإرادة فهو كجنس لا؛ هو كله كمال، وإنما النقص يدخل في التوظيف والاستعمال في الخارج.
فلذلك الصفات التي في أصلها وجنسها كمالات، ولكن النقص إنما يرد في استعمالاتها، هي يجوز أن تثبت لله سبحانه وتعالى مطلقة؛ فنقول: الله يوصف بالكلام مطلقا، الله يوصف بالإرادة، ونعلم من تنزيهنا لله سبحانه وتعالى أنه سبحانه وتعالى لا يتكلم إلا بخير، وأن إرادته دائماً تكون بخير بتنزيهه سبحانه وتعالى عن النقائص. فلا مانع ولا حرج من إثبات صفة الكلام أو صفة الإرادة لله سبحانه وتعالى على وجه الإطلاق.
فإذاً الصفات الثبوتية هي صفات كمال مطلق، صفات الكمال المطلق يعني تثبت لله سبحانه وتعالى على الإطلاق؛ لأن إثباتها لله على الإطلاق يتضمن الكمال كالسمع والبصر والحياة والعلم. ويدخل في هذا النوع كما قلنا صفات الكمال التي هي في أصلها كمال، وإن كان قد يتطرقها النقص في الاستعمال، لكنها في حق الله سبحانه وتعالى دائماً كمال؛ لأنه سبحانه وتعالى من حيث الاستعمال لا تكون كلامه أو إرادته إلا في الخير، هذه واضحة.
النوع الثاني: صفات مقيدة، وهي صفات في جنسها تكون كمالا في حال ونقصاً في حال، فاثباتها لله سبحانه وتعالى لا يكون إلا في حال كمالها. فالنوع الثاني الصفات المقيدة صفات كمال في حال دون حال، فهي ليست كمالاً مطلقا ولا نقصاً مطلقا في أصلها، بل كمالها ابتداء إنما في صورة دون أخرى. فاثباتها لله لا يكون إلا مقيداً بصورة كمالها، كالمكر والخداع والاستهزاء؛ فبينا لأن الله لا يوصف بالمكر مطلقاً وتسكت، لا، تقول: الله يمكر بالماكرين بهذا القيد، ويخدع المخادعين، ويستهزئ بالمستهزئين. فلابد من هذا التقييد، ولا يوصف الله عز وجل بالمكر والخداع والاستهزاء على الإطلاق.
تمام، إذاً انتهينا هكذا من القاعدة الرابعة التي تتكلم عن تقسيمات الصفات الثبوتية؛ فالصفات الثبوتية تنقسم باعتبار جهة تعلقها بالذات إلى ذاتية وفعلية، وكل من الذاتية والفعلية تنقسم إلى خبرية وعقلية. وتنقسم الصفات الثبوتية باعتبار جهة دلالتها على الكمال إلى صفات ثبوتية مطلقة تدل على الكمال في حال اطلاقها ما فيها مشكلة، وصفات ثبوتية مقيدة تدل على الكمال حينما تقيد بقيد وليس في حال الإطلاق.
الآن هل ننطلق إلى القاعدة الخامسة أم يعني استنزفنا الوقت؟ في الحقيقة القاعدة الخامسة قاعدة فيها شيء من الدسومة؛ قاعدة الصفات الثبوتية أيضاً تتعلق بالصفات الثبوتية. الصفات الثبوتية عند أهل السنة تثبت بلا تمثيل ولا تكييف، هذه القاعدة الخامسة، لكنني أظن أنني إذا دخلت فيها سأخذ جزءاً جيداً من الوقت؛ لأن فيها تفصيلاً مهم جداً على طالب العلم أن يضبطه، لذلك ساؤجل الحديث عن القاعدة الخامسة ونكمل القواعد المتبقية في باب الصفات في المحاضرة القادمة.
اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل