تسجيل الدخول

شرح لمعة الاعتقاد (15) / تكملة قواعد باب الصفات

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب لمعة الاعتقاد للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الصالحي رحمة الله تعالى عليه. وقد انتهى بنا المسير أحبتي إلى قواعد الصفات العلى، شرعنا في المحاضرة السابقة في الحديث عن باب الصفات وعن أهم القواعد التي ينبني عليها منهج أهل السنة والجماعة فيه.

فذكرنا أن القاعدة الأولى في هذا الباب أن صفات الله سبحانه وتعالى كلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، وتعرفنا على تفاصيل هذه القاعدة. ثم انتقلنا إلى القاعدة الثانية وقلنا: باب الصفات أوسع من باب الأسماء الحسنى؛ لماذا؟ لأن كل اسم اشتق من صفة، لكن ليس كل صفة اشتق منها اسم.

ثم انتقلنا إلى القاعدة الثالثة وقلنا فيها: إن الكمال في باب الصفات العلى يكون بالجمع بين النفي والإثبات، إثبات صفات الكمال ونفي صفات النقص. وذكرنا في هذه القاعدة مجموعة من الضوابط؛ الضابط الأول كان يتحدث أن الأصل في باب إثبات صفات الكمال التفصيل، والأصل في باب النفي لصفات النقص الإجمال، هكذا جاءت الطريقة القرآنية. لكن أن هذا لا يمنع ورود بعض نصوص الإثبات مجملة وبعض نصوص النفي مفصلة.

ثم انتقلنا من هنا وقلنا: إن كل نفي لصفات السلب أو صفات النقص عن الله سبحانه وتعالى جاء مفصلاً، فإنما المراد منه إثبات ضده من الكمالات وليس مجرد النفي المحض؛ لأن النفي المحض لا يدل على المدح والكمال. وذكرنا أيضاً ضابطاً يتعلق: هل صفات الله كلها توقيفية؟ أم هناك صفات يمكن أن تدرك بالعقل؟ وجاء النص ليؤكد ما دل عليه العقل، عرفنا أن هناك صفات لا تثبت إلا بالنص وهذه صفات توقيفية بحتة، وهناك صفات يستطيع العقل أن يدركها لله تعالى حتى ولو لم يرد نص، ثم تأتي النصوص بعد ذلك لتؤكد ما ثبت بالعقل؛ لأنه كما قلنا في الواقع العملي لا يوجد صفة يثبتها العقل لله سبحانه وتعالى ولم يأت النص ليدل عليها، كل صفة أثبتها العقل جاء النص ليدل عليها بوجه من الوجوه.

لكن المهم أن نعرف ونحكم هذه القضية، لأن البعض يطلق أن الصفات توقيفية فيفهم طالب العلم أنه لا مجال للعقل في باب الصفات العلى البتة، وهذا ليس بسديد، بل هناك صفات يستطيع العقل إدراكها لله كالحياة والعلم والقدرة حتى ولو لم ترد بها النصوص، لكن في الواقع جاءت النصوص بها مؤكدة لما دل عليه العقل. وهناك صنف آخر من الصفات نعم العقل لا يستدل عليها وحده ولكنه لا يمنعها، فجاءت النصوص تخبرنا باتصاف الله بها، فوظيفة العقل أن يقر لما دل عليه النص.

ثم انتقلنا بعد ذلك إلى القاعدة الرابعة التي تتكلم عن الصفات الثبوتية فقط، فقلنا الصفات الثبوتية تنقسم من حيث تعلقها بالذات الإلهية إلى صفات ذاتية وصفات فعلية. الصفات الذاتية التي لا تنفك عن الله سبحانه وتعالى وهي ملازمة له، تنقسم إلى صفات ذاتية خبرية لا تدرك إلا بالخبر والنص، وصفات ذاتية عقلية يدركها العقل ثم يأتي النص ليؤكد ما دل عليه العقل. وكذلك الصفات الاختيارية، عرفنا أن الصفة الاختيارية هي صفة ذاتية من حيث جنسها، ولكنها اختيارية من حيث أفرادها، فأفرادها حادثة متجددة، وأما جنسها فالله متصف به من الأزل. وتنقسم أيضاً هذه الصفات الفعلية الاختيارية إلى صفات فعلية اختيارية خبرية لا تعرف إلا بالخبر، وصفات فعلية اختيارية عقلية يمكن للعقل أن يدركها.

وقسمنا أيضاً الصفات الثبوتية تقسيماً آخر، وقلنا إن الصفات الثبوتية تنقسم إلى صفات ثبوتية مطلقة، أي تثبت لله سبحانه وتعالى مطلقاً من دون أي قيد. وهناك صفات ثبوتية مقيدة، أي لا تثبت لله سبحانه وتعالى إلا مقيدة بحالة كمالها، وهذه الصفات الثبوتية المقيدة هي الصفات التي تكون في أصلها كمالاً في حال ونقصاً في حال، كالمكر والخداع والاستهزاء، فهذه لا نثبتها لله إلا مقيدة بحال كمالها كما وردت في القرآن الكريم: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 54]، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142]. ولا يجوز إثباتها مطلقة؛ لأنها في حال الإطلاق كما قلنا لا تدل لا على الكمال ولا على النقص، وإنما تكون مبهمة. إذا قلت: مخادع أو يخدع أو يمكر أو يستهزئ، هذا إجمال، لأنه قد يكون هذا كمالاً إذا كان خداعه ومكره واستهزاؤه على سبيل المعاقبة، وقد يكون نقصاً إذا كان خداعه ومكره واستهزاؤه من بدون سبب يقتضي ذلك. فقلنا هذه الصفات لا تثبت لله سبحانه وتعالى إلا مقيدة كما وردت بها النصوص الشرعية.

اليوم ننطلق أحبتي إلى القاعدة الخامسة، ونضبط الوقت من البداية حتى لا نشق عليكم. نبتدئ أحبتي بالقاعدة الخامسة من قواعد باب الصفات العلى. القاعدة الخامسة ماذا تقول؟ تقول هذه القاعدة: الصفات الثبوتية عند أهل السنة والجماعة تثبت على حقيقتها بالمعنى، لكن من دون تكييف ولا تمثيل. وقد مر معنا أحبتي ما معنى التمثيل والتكييف في المحاضرات السابقة.

وقلنا: التكييف هو أن تخوض في كيفية اتصاف الله سبحانه وتعالى بصفاته وفي صورة اتصاف الله بصفاته، أو قل في هيئة اتصاف الله بصفاته من دون أن تقيس على شيء معين، هذا يسمى تكييفاً. نحن فرقنا بين التكييف وبين التمثيل، فقلنا: التكييف هو أن يخوض الإنسان في كيفية اتصاف الله بصفاته أو في الهيئة التي يتصف الله سبحانه وتعالى بها بصفاته من دون أن يقارنه ويقيس على شيء معين، وهذا محظور لا يجوز عند أهل السنة والجماعة، وكذلك التمثيل.

ما هو التمثيل؟ التمثيل هو أيضاً أن تخوض في كيفية اتصاف الله بصفاته أو الهيئة التي يتصف الله فيها بصفاته من خلال قياسه على شيء معين في الخارج. فالفرق إذاً بين التمثيل والتكييف كلاهما -طبعاً- هو دخول في الكيفية، كلاهما هذه نقطة الاشتراك، كلاهما دخول في كيفية الاتصاف وفي هيئة الاتصاف. لكن الفرق بين التكييف، الفرق الدقيق، هو أن التكييف دخول في الكيفية من دون أن تقيسه على شيء معين، وأما التمثيل فهو دخول في الكيفية بالقياس على شيء معين.

فيقول مثلاً الذين يمثلون: يد الله كيدنا، لاحظ يكيفون يد الله بالقياس على أيديهم، وهذا تمثيل لا يجوز أبداً، ليس كمثله شيء سبحانه. أو يقولون: سمع الله كسمعنا، أو يقولون: بصر الله كبصرنا، وهذا كله لا يجوز، هذا كله تمثيل، دخلتم بكيفية اتصاف الله بالصفة من خلال قياسها على أنفسكم على شيء معين، فهذا لا يجوز كما أن التكييف لا يجوز أيضاً. فأهل السنة والجماعة إذاً يثبتون الصفات على حقائقها من دون تكييف ولا تمثيل.

طيب لماذا يا شيخ لا يجوز أن ندخل في التكييف وفي التمثيل لصفات الله؟ لأن القاعدة تقول أحبتي: الكلام في الصفات حينما تتكلم عن صفات أي شيء هو فرع عن الكلام في الذات، فإن كنا لا نستطيع أن نتصور الذات الإلهية ولا تبلغها عقولنا، فكذلك لا يمكننا أن نتصور صفاتها ولا تبلغها عقولنا الكيفية، طبعاً الكلام عن الكيفية. يعني لو سأل سائل: لماذا يا شيخ لا يجوز التكييف والتمثيل مع أننا نثبت الصفات على حقائقها؟ لأننا نقول: الكلام في الصفات، أي في كيفية اتصاف الله بها وفي الهيئة التي تحل بها هذه الصفات في الله، الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فإن كنا لا نستطيع أن نتصور ذاته سبحانه وتعالى، فكيف نتصور صفاته عز وجل؟

وهذا في الحقيقة أحبتي أن هذه القضية ليست فقط تطرد في ذات الله سبحانه، بل حتى هناك أمور مخلوقة لا نعرف نحن ذواتها، لا نعرف ذواتها، بالتالي لا يجوز لنا أن نخوض في كيفية صفاتها. أعطيكم مثالاً: الروح؛ هل أحد منكم يعرف ذات الروح أو اطلع عليها أو رآها؟ كلا، لا أحد منا يعرف ذات الروح، بالتالي كل ما جاء في نصوص الكتاب أو السنة إخبار به عن صفات الروح وعن خروجها ونزولها وغير ذلك وأنها تكون في الجنة في حواصل طير إلى آخر هذه الأمور، كل ما أخبرنا الله به عن صفات الروح نحن لا نستطيع أن ندرك كيفيته ولا هيئته؛ لماذا؟ لأننا نجهل ذات الروح. فكل الصفات التي أخبرنا الله عز وجل بها عن الروح نحن نعرف معناها، لكننا لا نعرف كيفية اتصاف الروح بها لجهلنا بذات الروح. فمن كان يجهل ذات شيء فلابد وأن يجهل كيفية صفاته، لابد وأن يجهل كيفية صفاته وهيئة صفاته فيه.

وهذا أيضاً كما قلنا في نعيم الجنة، يعني كثير من نعيم الجنة نحن لم نرى له مثيلاً في دنيانا، كثير من الأمور التي أخبرنا الله عز وجل بها عنها في جنات النعيم نحن لم نر لها مثيلاً في دنيانا، بالتالي أي صفة يخبرنا الله عز وجل بها عن أمور في الجنة فإننا لا نستطيع أن نكيفها وأن نعرف صورتها وهيئتها لجهلنا بتلك الذوات التي خلقها الله عز وجل في الجنة وليس لها مثيل في دنيانا. فهذه إذاً قاعدة عقلية أحبتي ليست فقط في ذات الله سبحانه، بل في كل شيء نجهل ذاته فنقول: الكلام في صفات هذا الشيء فرع عن معرفتنا لهذا الشيء، فإذا كنا لا نعرفه ولا نجد له نظيراً في دنيانا وفي حياتنا، لم نشاهد له أي مثيل، بالتالي لا نستطيع أن نتعرف كيفية اتصاف هذا الشيء بالصفات أو الهيئة التي تتمثل بها الصفات في هذا الشيء، تمام؟ لذلك لا يجوز التكييف والتمثيل في صفات الله سبحانه وتعالى.

لكن هنا أنتبهوا، ساخوض الآن معكم في شيء من التفصيل الدقيق الذي هو سبب في خطأ كثير من الفرق الكلامية كالأشاعة والماتريدية والمعتزلة. انتبهوا ماذا ساقول الآن: أقول يجب التنبيه على أن نفي المماثلة بين صفات الخالق وصفات المخلوق ونفي التكييف لا ينفي -يجب التنبيه على أن نفي المماثلة ونفي التكييف لا ينفي- الاشتراك في اصل المعنى بين الخالق والمخلوق، فان التمثيل المحظور والتكييف المحظور إنما هو الدخول في الكيفيات والهيئات الخارجية وليس هو الاشتراك في أصل المعنى.

فصل لي أكثر يا شيخ؟ الآن أحبتي؛ أهل السنة والأشاعرة والماتريدية وكثير من الفرق الكلامية يثبتون لله سبحانه وتعالى سمعاً وبصراً، ويثبتون للمخلوق سمعاً وبصراً، يعني الأشاعرة والماتريدية تسمى من الفرق الملفقة التي أثبتت بعض الصفات لله وكثير من الصفات عن الله، بخلاف الفرق الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة الذين نفوا أصل الصفات عن الله تعالى بالتمام، فهناك فرق تنفي كل الصفات عن الله، وهناك فرق كلامية تسمى فرقاً ملفقة التي أثبتت بعض الصفات ونفت بعض الصفات.

المهم، أهل السنة والجماعة وكذلك الأشاعرة والماتريدية يثبتون لله سمعاً وبصراً ويثبتون للمخلوق أيضاً سمعاً وبصراً، هذا مشترك، ليس فقط عند أهل السنة والجماعة. طيب، وهناك أحبتي قدر مشترك، هذه فكرة القدر المشترك خطيرة جداً جداً، بل أغلب أخطاء الفرق الكلامية ناجمة عن عدم تطبيقهم لفكرة القدر المشترك وعدم تحقيقهم لها.

إذاً نقول: وهناك قدر مشترك، سميه قدراً مشتركاً، سميه معنى كلياً، سميه أصل المعنى، كل هذه الألفاظ مدلولها واحد، نقول: هناك قدر مشترك بين السمع والبصر المثبت لله وبين السمع والبصر المثبت للمخلوق، هذا القدر المشترك به نفهم معنى اتصاف الله بالسمع والبصر. الآن لما يقول أهل السنة والأشاعرة والماتريدية: الله سميع من صفاته أنه يسمع، الله بصير من صفاته أنه يبصر؛ هل فهمت معنى وصف الله بالسمع؟ هل فهمت معنى وصف الله بالبصر؟ بالتأكيد فهمت.

طيب كيف فهمت هذا المعنى؟ لأن السمع والبصر موجود فيك كمخلوق، موجود فيك كمخلوق، لكنه موجود فيك على كيفية وهيئة معينة، فأصل السمع والبصر كمعنى موجود فيك وأصل السمع والبصر كمعنى موجود في الله سبحانه، لكن كيفية اتصافك أنت كمخلوق بالسمع والبصر تختلف عن كيفية اتصاف الله سبحانه وتعالى بالسمع والبصر. هنا الفرق، هنا ننفي المماثلة والتكييف، وأما أصل المعنى، أصل معنى السمع والبصر، لابد وأن يكون موجوداً فيك كمخلوق وموجوداً في الخالق، ولولا الاشتراك في أصل المعنى في القدر المشترك بين الخالق والمخلوق لما فهمنا معنى اتصاف الله بالسمع والبصر، لكان قلت أنت أيها السامع: ما معنى أن الله سميع؟ ما معنى أن الله بصير؟ لكن في الواقع أنت تعرف ما معنى أن الله سميع، لكن لا تعرف كيفية سمعه سبحانه، أنت تعرف كيف الله.

لكن لا تعرف كيفية بصره. طب كيف عرفت معنى السمع والبصر؟ لأن هناك قدر مشترك في السمع والبصر، متى أثبتنا سمعاً وبصراً هذا القدر المشترك لابد وأن يكون موجوداً، سواء أثبتنا سمعاً وبصراً للمخلوق أو أثبتنا سمعاً وبصراً للخالق. وهذه قضية عقلية أحبتي، هذه قضية عقلية لا يمكن للإنسان أن يفر منها والا سيقع في تناقضات وفي اضطرابات، نفي القدر المشترك معناها أنك ستوقع في الاضطراب والتخبط ولا تعرف ما معنى اتصاف الله بالسمع والبصر.

فإذا أعود فأقول فهناك قدر مشترك يعني معنى كلي لمعنى السمع والبصر، هذا المعنى الكلي المشترك لمعنى السمع والبصر مثبت لله ومثبت أيضاً للمخلوق لا حرج فيه. وبهذا المعنى الكلي وهو القدر المشترك نفهم معنى اتصاف الله بالسمع والبصر. ولولاه أي لولا هذا المعنى الكلي، لولا هذا القدر المشترك الموجود دائماً في السمع والبصر سواء حل في الخالق أو حل في المخلوق لما فهمنا معنى اتصاف الله بالسمع والبصر. لكن في نفس الوقت نقول لوازم هذه الصفة، لوازم هذه الصفة في الخالق اللوازم الوجودية الهيئات الخارجية، لوازم هذه الصفة في الخالق تختلف عن لوازم هذه الصفة في المخلوق. وهذا الاختلاف في اللوازم الخارجية يعني في الوجود الخارجي به يحصل نفي مماثلة صفات الخالق لصفات المخلوق، وبه يصح معنى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]. فنفي المثلية بين الخالق وبين المخلوق إنما هو نفي المثلية في اللوازم والصور الخارجية.

فنحن نقول الله هو سميع والمخلوق سميع لا حرج، وهناك قدر مشترك يعني أصل المعنى، القدر المشترك هو أصل المعنى. أصل معنى السمع وأصل معنى البصر موجود في المخلوق وموجود في الخالق. لكن كيفية اتصاف المخلوق بالسمع والبصر اللي هو اللي بنسميه اللوازم الخارجية، الهيئات الخارجية، عبر كما تشاء، يختلف بين المخلوق والخالق ضرورة اختلاف ذات المخلوق عن ذات الخالق سبحانه وتعالى.

طيب بعطيكم مثال آخر، الله سبحانه وتعالى موجود، بالتأكيد لا ينافي في هذا إلا الملحدون. الله موجود، أنتم تقولون موجود، والمعتزلة تقول الله موجود، والأشاعرة تقول الله موجود، تمام. وأنت كمخلوق موجود؟ أي نعم. أنت كمخلوق موجود، أنا ما في واحد فينا ينفي أنه موجود. إذا وصفنا الله بأنه موجود، ووصفنا المخلوق بأنه موجود، تمام. الآن لما نقول الله موجود، هل أنت تفهم ما معنى أن الله موجود؟ تفهم اليس كذلك؟ طب كيف فهمت ذلك؟ لأن معنى الوجود، معنى الوجود يوجد في الخالق ويوجد في المخلوق، لكن كيفية وجود الله وهيئة وجود الله في الخارج تختلف عن كيفية وجود المخلوق وهيئة وجود المخلوق. فالمخلوق وجوده ممكن جائز ويصح عليه العدم، بينما وجود الله واجب لا يمكن فيه العدم، مثلاً. أعطيك مثال آخر.

الله يعلم، أليس الله عليم؟ هل أنت تنكر أن الله يعلم؟ طيب، والمخلوق ألا يصح وصفه بالعلم؟ كذلك أنا وأنت عندنا علم، فنحن كمخلوقين نتصف بالعلم، والله سبحانه وتعالى يتصف بالعلم. طب ما معنى أن الله يعلم؟ كل يعني الأشاعرة والماتريدية وأهل السنة كلهم يدركون ما معنى أن الله يعلم كأصل معنى لوجود كأصل معنى لوجود قدر مشترك في صفة العلم، متى وجدت صفة العلم سواء هذه الصفة وجدت في الخالق أو وجدت في المخلوق، هناك قدر مشترك معنى كلي لصفة العلم يحل معها أينما وجدت، هناك معنى كلي ما يسمى القدر المشترك لصفة العلم يوجد مع هذه الصفة أينما حلت سواء في الخالق أو في المخلوق.

لكن لوازم هذه الصفة والهيئات الخارجية لها في المخلوق تختلف عن لوازمها وهيئاتها الخارجية في الخالق. ولذلك نقول المعنى الكلي أو القدر المشترك الموجود في صفة العلم في صفة السمع في صفة البصر في صفة الكلام في صفة التعجب في كل الصفات، المعنى الكلي هذا وجوده أين أحبتي؟ هذا المعنى الكلي للقدر المشترك، هذا وجوده فقط في الأذهان، فانت في ذهنك تتعقل معنى كلمة العلم أينما وجدت، في ذهنك تتعقل معنى كلمة موجود أينما كانت، في عقلك تتعقل معنى كلمة السمع والبصر أينما كانت. لكن اللوازم الخارجية والهيئات الخارجية لهذه الصفات، الآن صفة السمع حينما تتشكل في المخلوق تتشكل في الخارج بهيئة وصورة معينة، لكن صفة السمع والبصر حينما ننسبها لله فإن لها في الخارج لوازم وهيئات أخرى لا نعرفها ولا يجوز لنا أن نخوض فيها، تختلف عن لوازم وصفات لوازم وهيئات هذه الصفة في المخلوق، فهمتم؟

فحينما نقول أهل السنة يثبتون الصفات لله على حقائقها من دون تكييف ولا تمثيل، فنحن حينما ننفي التكييف والتمثيل، التكييف والتمثيل للوازم الصفات في الخارج، هيئاتها التي تتمثل بها في الخارج، هنا ننفي التماثل بين الله وبين المخلوق لاختلاف ذاته عن ذات المخلوقين. لكن أصل المعنى لابد عقلاً أن تثبته، هناك معنى مشترك قدر مشترك في هذه الصفة، يوجد مع هذه الصفة حيثما حلت والى من نسبت، نسبت إلى الخالق أو نسبت إلى المخلوق. عدم التفريق بين هذا وهذا هو الذي أوقع كثير من الفرق الكبيرة في الخطأ، فاتبع كلامي وأقول كثير من الفرق التي نفت الصفات عن الله كان خطؤها في عدم فهم هذه القاعدة جيداً. لذلك حتى ابن تيمية يقول: وهذه القاعدة الجهل بها كان سبباً في ضلال كثير من الأذكياء. عدم التفريق بين المعنى الكلي القدر المشترك الموجود في الأذهان والصفات والعفو واللوازم والهيئات الخارجية، عدم التفريق بين هذا المفهوم هو الذي أوقع كثير من الأذكياء في الخطأ في باب الصفات العلى، إذ أتت هذه الفرق الكلامية إلى نصوص الصفات كالمحبة والغضب والعجب والنزول الإلهي ففسرتها.

انظروا هنا الخطأ وأتمنى أتمنى أن تفهموا هذا الكلام جيداً جيداً، لأن من فهم هذا الكلام الذي سأقوله الآن وخطأ المتكلمين سيرتاح بإذن الله ويعرف أين موضع الإشكال في عقولهم. انظر هذه الفرق الكلامية كثير منها ماذا فعل؟ الذين ينفون أن الله عنده محبة وأنه يغضب وأنه ينزل إلى السماء الدنيا، إيش مشكلتهم؟ كثير من هذه الفرق أتت إلى نصوص الصفات ففسرتها، يعني فسرت هذه الصفة بلوازمها الخارجية التي توجد وتشاهد في المخلوق. الأشاعرة الماتريدية المعتزلة غيرهم، لما أتوا إلى النصوص التي تخبر عن محبة الله سبحانه وتعالى لأوليائه، وأن الله سبحانه وتعالى يغضب من أعدائه، النصوص التي تتكلم عن استواء الله على عرشه، النصوص التي تتكلم عن نزول الله سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا، ماذا فعلوا حينما أتوا إلى هذه الصفات، صفة المحبة صفة الغضب صفة النزول الإلهي صفة الاستواء؟ أتوا إلى هذه الصفات ففسروها، قالوا المحبة ماذا تعني؟ فسروها ليس بحقيقتها وباصل معناها الموجود في الأذهان.

هنا الخطأ التاريخي الأشاعرة وغيرهم لما فسروا المحبة وأعطوا تعريفا لها في كتبهم لم يفسروها بحقيقتها باصل المعنى في أذهاننا، وإنما فسروها وعرفوها بلوازمها الخارجية التي توجد وتشاهد في المخلوق. فمثلاً قالوا المحبة ما تعريفها؟ ما حقيقتها؟ قالوا هو ميل القلب. قالوا الغضب ما حقيقته؟ ما تعريفه؟ قالوا هو ثوران الدم بسبب موقف مزعج مثلاً. وهذه التعاريف وهذه في الحقيقة ليست معاني هذه الصفات، حينما تقول المحبة ميل القلب هذا ليس تعريف المحبة، حينما تقولون الغضب ثوران الدم هذا ليس تعريف الغضب، ثوران الدم هو لازم الغضب في المخلوقين، ميل القلب هو لازم المحبة في المخلوقين. مشكلتكم أيها الأشاعرة ومن تبعكم أنكم أتيتم إلى هذه الصفات أنكم عرفتموها بحقائقها ومعانيها الكلية وليس كذلك، أنتم عرفتم المحبة بلازمها الخارجي وليس بحقيقتها، عرفتم الغضب بلازمها الخارجي الموجود في المخلوق.

يعني هم لاحظوا الغضب ماذا يحدث في المخلوقين؟ لاحظوا أن الغضب يحدث في المخلوق ثوران دم فقالوا إذاً الغضب هو ثوران الدم، نقول أخطأتم، الغضب ليس ثوران الدم، ثوران الدم هو لازم هو شكل الغضب في المخلوق ولكن ليس معنى الغضب ثوران الدم، ثوران الدم أثر من آثار الغضب، لازم من لوازم الغضب وليس حقيقة الغضب. ميل القلب هو لازم من لوازم المحبة وأثر من آثارها في المخلوقين وليست هي معنى المحبة.

طيب دعونا نكمل، فقالوا المحبة ميل القلب والغضب هو ثوران الدم، وهذه في الحقيقة ليست معاني وحقائق هذه الصفات بل هي لوازمها التي تظهر في المخلوقين. ثم لما رأى هؤلاء المتكلمون، لما رأوا أن هذه اللوازم التي في المخلوقين تدل على نقص وضعف قالوا لا يصح وصف الله بهذه الأوصاف، لا يصح أن نصف الله بالمحبة والغضب وما شابه ذلك، لأن هذه الصفات إذا اتصف الله بها فإنها تدل على نقص. وفي الحقيقة الصفة في نفسها وفي معناها الكلي لا تدل على النقص، وإنما النقص حاصل في لوازم هذه الصفة في المخلوق، والخطأ وقع منكم أيها المتكلمون في هذه الجزئية أنكم بدلاً من أن تفسر الصفة بحقيقتها ومعناها فسرتموها بلوازمها، ثم ألزمتم أنفسكم أن اتصاف الله بهذه الصفات سيؤول إلى نقص وضعف.

لكن في الحقيقة الخالق سبحانه يتصف بهذه الصفات بمعانيها الحقيقية، باصل المعنى اللي هو بمعانيها الحقيقية، ولا يتصف بها من خلال لوازمها الموجودة في المخلوقين، فالله يتصف بمحبة ولكن محبة الله لا تستلزم ميل القلب، الله يغضب على أعدائه لكن غضب الله لا يستلزم ثوران الدم كما تظنون، ثوران الدم وميل القلب هذه لوازم لهذه الصفات في المخلوقين. عرفتم الاشكال؟

طيب، إذاً الله يتصف بهذه الصفات بالمعاني الكلية التي ندركها من أنفسنا، أنا لو سألتك إيش المحبة؟ هل بالله عليكم هل هناك انسان أصلاً عاقل يطلب منك أن تعرف له المحبة؟ المحبة أحبتي يعني في المنطق الأرسطي أصلاً المحبة الغضب الوجدانيات عموماً يقولون هذه التصورات ضرورية، هم أنفسهم يقولون ذلك، أصحاب المنطق الأرسطي يقولون التصورات الضرورية هي أمور لا تحتاج إلى تعريف ولا يطلب لها تعريف وتفسير أصالة. فلو قلت لك المحبة، هل هناك شخص يطلب تعريف المحبة؟ والله يا شيخ أنا ما بعرف المحبة، عرف لي إياها، ما في أحد فينا لا يعرف المحبة، لأنه وجودها في كل مخلوق أمر ظاهر بين، هل أحد لا يعرف الغضب؟ لا يمكن أن يأتي أحد يقول لي والله أنا ما بعرف الغضب، الكل يعرف الوجدانيات، هذه الوجدانيات المحبة والغضب والرضا لا أحد يجهلها، لكن هذه مشكلة التكلف أحبتي، التكلف الذي يمارسه المتكلمون أنهم أرادوا أقحموا أنفسهم، أرادوا أن يمنعوا المحبة تعريفا، فبدل من أن يعرفوها بحقيقتها عرفوها بلوازمها، ولما رأوا هذه اللوازم، طب من أين أتوا بلوازمها؟ أتوا بلوازمها التي شاهدوها في المخلوقين، لما رأوا هذه اللوازم تدل على نقص وشيء من الضعف قالوا إذاً يجب أن ننفي المحبة عن الله لأننا لو أثبتنا المحبة لله فهذا يعني ميلان القلب، نقول لهم أخطأتم، المحبة لا تعني ميلان القلب، الغضب لا يعني ثوران الدم، أنتم عرفتم الصفات ليس بحقائقها بل بلوازمها التي شاهدتموها.

بل أقول بل لربما لن تصلوا أنتم أيها المتكلمون إلى التعبير عن حقائق هذه الصفات، إذ ليس كل شيء يمكن التعبير عن حقيقته ومعناه بالألفاظ، وإن كان معلوماً في الأذهان، فالمحبة مهما تكلف الإنسان في تعريفها فهي مجرد ألفاظ، يعني لو انسان أعطى أي تعريف للمحبة خذوها مني، المحبة من التصورات الضرورية التي لا يمكننا أن نأتي بحقيقتها ومعناها أو أن نعبر عن حقيقتها ومعناها بالألفاظ، وإنما نقرب يعني لو أن إنسان أصيب لمرحلة حادة من الحمق فلا يعرف معنى المحبة، نقرب له معنى المحبة من خلال لوازمها الموجودة في المخلوقين فقط من أجل أن نقرر له معنى المحبة ولا ندعي أن هذه اللوازم هي حقيقة المحبة، هنا الخطأ الفادح الذي وقع فيه المتكلمون، إذ ليس كل شيء يمكن التعبير عن حقيقته بالألفاظ وإن كان معلوماً في الذهن، فيتصف الله بهذه الصفات بمعانيها التي ندركها في أذهاننا، لكن يتصف بها بكيفيات وهيئات ولوازم في الخارج تختلف عن الهيئات ولوازم هذه الصفات في المخلوقين.

فالله يتصف بالمحبة يحب أولياءه ويبغض أعداءه، لكن لوازم المحبة وهيئة المحبة في الله تختلف عن لوازم المحبة وهيئة المحبة في المخلوق، ولا يجوز لنا أن نكيف المحبة الإلهية ولا أن نمثلها بمحبة المخلوقين، فأنتم يعني هنا في الحقيقة أجد شيء من الغرابة في التفكير الأشعري الماتوريدي ومن سار على نهجهم، أنتم ألا تثبتون لله سمعاً وبصراً؟ قالوا نعم نثبت لله سمعاً وبصراً، ألا تقولون أن هناك أن المخلوق يسمع ويبصر أيضاً؟ قالوا نعم نقول إن المخلوق يسمع ويبصر، إذاً تجوزون إثبات السمع والبصر للمخلوق وإثبات السمع والبصر للخالق، ثم تقولون أنتم إن السمع والبصر للخالق يختلف في صورته وهيئته عن السمع والبصر في المخلوق، أستم تقولون ذلك؟ طب طبقوا هذه القاعدة في كل الصفات التي أثبتتها النصوص، قولوا الله عز وجل يحب أولياءه ويغضب على أعدائه، وكذلك المخلوق يحب ويغضب، لكن لوازم المحبة والغضب في المخلوق وكيفيتها في المخلوق تختلف عن لوازم وكيفية المحبة والغضب في الخالق، ما هي القضية نفس الشيء في التفكير العقلي، لكن سبحان من هدى عباده.

فنحن نصف الله عز وجل بهذه الصفات من دون أن نثبت لها هذه اللوازم التي لا توجد إلا في المخلوقات، ولا نستطيع نحن البشر تحديد لوازم هذه الصفات صفة الغضب صفة الرضا صفة النزول صفة الاستواء، لا نستطيع أن نحدد لوازم هذه الصفة في الخالق سبحانه لعدم معرفتنا بذاته، فهنا نقف ونقول الله متصف بهذه الصفات لأنه يتصف بها نثبتها له على وجه الكمال من دون أن نعرف كيفية الاتصاف بها وما هي لوازم هذه الصفات فيه. ولا

نشبهها ولا نمثلها بصفات المخلوقين. فهل عرفتم منهج أهل السنة والجماعة؟ لأن هناك تلبيساً أحبتي يمارسه المتكلمون اليوم في كل زمن على أهل السنة والجماعة: أنكم مجسمة، أنكم ممثلة، إلى غير ذلك من العبارات التي لا قيمة لها حقيقة في الميزان العلمي، وإنما يطلقونها هنا وهناك كنوع من التنفير. وهذا كثير ما تستخدمه الفرق الكلامية حتى ينفروا الناس عن طريقة أهل السنة والجماعة.

طريقة أهل السنة والجماعة ليست مجرد طريقة تلقوها من السلف الصالح، بل هي الطريقة العقلية الصحيحة. يعني العقل يدل على منهج أهل السنة والجماعة، حقيقة الوجود تدل على منهج أهل السنة والجماعة. وليس فقط نحن نقول بمنهج أهل السنة لأن السلف قالوا به، بل السلف قالوا به والعقل يدل عليه. وإننا نأسف أن نجد من يتزين بالمنطق الأرسطي ويقول نحن أهل العقل يقع في اضطرابات عقلية وتناقضات عقلية جداً في أقوالهم وتقريراتهم.

لكن كما قلنا المشكلة التاريخية أحبتي ما هي؟ يعني البعض يقول: طب يا شيخ هناك أذكياء من المتكلمين، كيف هذا الخطأ؟ أخطأوا أحبتي هذا الخطأ لأنهم أرادوا أن يصوغوا العقيدة المحمدية التي أتَت في الشرع الإلهي في قوالب فلسفية إغريقية. الفلسفة الإغريقية تختلف تماماً عن الوحي الإلهي في تصويرها للحقائق وفي تبيينها. هذه مشكلة كبيرة جداً أحبتي، معذرةً، هناك مشكلة كبيرة جداً عند المتكلمين أنهم تأثروا بالفكر الفلسفي الإغريقي لما حدثت الترجمة، تشبعوا بها في عقولهم من دون أن يحرروها ثم صاغوا بها العقائد الإسلامية.

فحرفوا هذه العقائد ليس فقط عن مقتضى الشرع بل حتى عن مقتضى العقل، لأن كثيراً من جوانب الفلسفة الإغريقية متناقض مضطرب مع العقل الانساني والحقائق الوجودية.

ساسعى إلى أن أقرّب الصورة لكم أكثر وأكثر. سأسعى أن أقرّب الصورة لكم أكثر وأكثر في الفرق بين المعنى الكلي واللوازم الخارجية. ما هو الفرق بين المعنى الكلي الذي لا حرج أبداً عقلي في أن نقول إن هناك معنى كلياً مشتركاً في صفة السمع والبصر والكلام والمحبة بين الخالق وبين المخلوق، وأن نفي المماثلة والتكييف إنما هو في اللوازم والحقائق الخارجية؟

المعنى الكلي القدر المشترك هذا وجوده في الذهن فقط، لا وجود له في الخارج، وأما ما يوجد في الخارج فهي اللوازم والهيئات الخارجية، وهذه هي التي يختلف بها الخالق عن المخلوق. انظروا إلى هذا المثال العقلي من حياتنا العملية. لو قلت لكم أحبتي انظروا هذا المثال: هناك نور في الشمس ونور في المصباح، المصباح له نور والشمس لها نور، تمام؟

طيب، هناك معنى كلي نفهم منه معنى النور عموماً، إذاً كلمة النور لها معنى كلي، يعني أصل معنى النور يوجد في داخل أذهاننا، نفهم به معنى هذه اللفظة إلى أي شيء أسندت؛ سواء أسندت النور إلى المصباح أو أسندت النور إلى الشمس. كيف أنت تفهم معنى كلمة النور؟ لأن كلمة النور لها معنى كلي، أصل معناها القدر المشترك -سمّه كما تشاء- هذا يوجد في أذهاننا ويلازم كلمة النور حيثما وجدت وإلى أي شيء نسبت، تمام؟

هناك معنى كلي نفهم به معنى النور عموماً أينما وجد، ثم هناك لوازم لنور الشمس، لوازم خارجية لنور الشمس تختلف عن اللوازم الخارجية لنور المصباح، ولا يلزم من اشتراكهما في النور -لا يلزم من اشتراك الشمس والمصباح بأن كليْهما موصوف بالنور، لا يلزم من اتفاقهما في النور- أن يكون نور الشمس في لوازمه وصفاته الخارجية كنور المصباح في لوازمه وصفاته الخارجية. أليس هكذا العقل يقول؟

فلو أن شخصاً -نفرض فرْضاً- لو أن شخصاً رأى المصباح ونوره ولم ير الشمس ونورها، فرْضاً، لكنه سمع بالشمس أن لها نورا. عندنا شخص رأى المصباح ونوره، لكنه في حياته كان في سجن، لم ير الشمس ونورها لكنه سمع سماعاً فقط أن هناك شيئاً يسمى شمس وله نور، طيب.

فلو أن شخصاً رأى المصباح ونوره ولم ير الشمس ونورها في حياته، لكنه سمع بالشمس وبنورها، فقلنا له: النور ينبعث من الشمس أيضاً. قلنا لهذا المسجون: هناك نور ينبعث من الشمس. فقال لنا هذا السجين: إذاً هذه الشمس نورها ضعيف. هذا لا شك، كما قلنا، شخص سجين رأى المصباح ورأى نور المصباح ولكنه لم ير الشمس ولم ير نورها، فأتينا إلى هذا السجين فقلنا له: هناك شيء في الخارج يُسمى شمساً، وهذه الشمس لها نور أيضاً.

فهذا السجين قال لنا: إذاً سيكون نور الشمس ضعيفاً! فقلنا له: كيف عرفت أن نور الشمس سيكون ضعيفاً؟ فقال لنا: ألم تقولوا إن الشمس منيرة؟ قلنا بلى، قلنا لك الشمس منيرة. فقال السجين: لقد رأيت نور المصباح فلم أجده قوياً، إذاً نور الشمس سيكون كذلك ليس قوياً!

هنا سنقول لهذا السجين: طريقتك في التفكير العقلي خاطئة؛ فإن ضعف نور المصباح ليس هو -يعني- ضعف النور الصادر من المصباح، هذا الضعف ليس من حقيقة النور وماهيته. ليس معنى كلمة نور يستلزم الضعف أليس كذلك؟ هل كلمة نور لو سمعت كلمة نور إضاءة، هل هذا يستلزم الضعف عقلاً؟ كلا، فإن ضعف نور المصباح ليس من حقيقة النور ومن ماهيته، بل هو من لوازم وخواص النور في المصباح فقط، وأنت تجعل هذا اللازم وهو الضعف ملاصقاً مفسراً للنور حيثما وجد، وبالتالي حكمت على نور الشمس بالضعف أيضاً، من هنا أخطأت.

فإذا ثبت أن ضعف نور المصباح هو من لوازم نور المصباح بهذا القيد، فلا يلزم من هذا أن يكون نور الشمس ضعيفاً أيضاً، فإن النور حينما يتشكل في الشمس يتشكل بصورة وبهيئة تختلف عن هيئة النور في المصباح. لاحظوا هذه مقارنة بين مخلوقات، فما بالكم بين الخالق سبحانه والمخلوق؟ الاختلاف في اللوازم سيكون هائلاً جداً، ولا نعرف نحن لوازم هذه الصفات في الخالق، لكننا نعرف معناها، فنعرف ما معنى أن الله يحب، وما معنى أن الله ينزل، وأن الله يستوي على عرشه.

كما قال مالك بن انس أحبتي والله سلفنا بينوا لنا العقيدة بأسهل من كل هذه الجدليات التي سببها المتكلمون. الإمام مالك يقول: الاستواء معلوم، يعني نحن نعلم معناه في أذهاننا، كيف يعني اللوازم الخارجية؟ يعني كيف استوى؟ مجهول أو غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وانتهى الأمر.

انظروا كل البساطة في فهم السلف، لكن لما تأثرنا بالفلسفة الإغريقية وصرنا نحاول أن نفلسف الأمور وأن نضعها في قوالب ليست هي القوالب الحقيقية وليست هي القواعد المنطقية العقلية الصحيحة، وقعنا في كل هذه الاضطرابات والشكاليات، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.

إذاً، ولله المثل الأعلى، عندما نقول إن الله ينزل إلى السماء الدنيا، وأن الله يرحم عباده، وأن الله يحب المؤمنين ويبغض الكافرين، فهناك معنى عام للمحبة والغضب والنزول مشترك. هذا المعنى العام الكلي الموجود في داخل الأذهان فقط مشترك بين الخالق والمخلوق، به نفهم معنى هذه الكلمات. لكن لوازم هذه الصفات -صفة الحب والغضب والاستواء- لوازم هذه الصفات للمخلوق تختلف عن لوازم هذه الصفات للخالق.

فليس لأحد أن يأتي إلى لازم هذه الصفات في المخلوق فيجعلها تفسير لهذه الصفات ثم يتوهم ضعفا ونقصاً، ثم يجد أن هذه اللوازم لهذه الصفة في المخلوق توهم ضعفاً ونقصاً فيقوم بنفي هذه الصفات عن الخالق دفعاً للنقص عنه. والخطأ هنا نشأ ابتداء كما قلنا: أنهم جعلوا لازم الصفة تفسيراً للصفة، ثم قاموا بنفي الصفة عن الله، ولازم الصفة ليس هو عين الصفة؛ فلازم الصفة أنت تأخذه من الواقع الخارجي المشاهد، وأنت شاهدت المخلوق ولم تشاهد الخالق.

إذاً هنا أنا سعيت أن أبين لكم حتى لا يظن ظان أن أهل السنة والجماعة يثبتون المحبة والغضب والنزول كألفاظ من دون معانيها، بل يثبتون بمعانيها. فإن طرأ في دينك أو وسوس لك متكلم بأن: آه إذا اثبت معنى الاستواء على العرش إذاً أنت مجسم مشبه! فقل: لست مشبهاً ولا مجسماً، لكنك لا تفكر بعقل منطقي صحيح. أنا قلت: الله استوى على عرشه؛ لأنه سبحانه أخبرنا في كتابه أنه استوى على عرشه، والاستواء أعلمه كمعنى، لكن لا أعرف كيفيته.

وهم إشكاليتهم أحبتي أنهم يتخيلون أن استواء الله على عرشه لابد وأن يكون كاستواء المخلوق على كرسيه! قالوا: آه إذاً استواء الله على عرش كاستواء المخلوق على كرسيه، وهذا يقتضي الحيز والجهة والى غير ذلك مما يقولونه، إذاً يجب أن ننفي الاستواء.

طب ماذا تفعلون بسبع آيات؟ قالوا: هذه الآيات السبع نحرفها، فنقول الاستواء هو الاستيلاء، فمعنى استوى على عرشه استولى على عرشه! بل صدقوني، هذا المعنى -الاستيلاء- هو أيضاً تشبيه؛ فإن المخلوق يستوي على أشياء، وأثبتم أن الله استولى على أشياء، ألا يقتضي هذا تشبيهاً وتسليماً للخالق بالمخلوق؟ فإن قلتم: استيلاء الله على عرشه يختلف عن استيلاء المخلوق في الدنيا، فنقول لهم: طيْب، لماذا لا تقولون ابتداءً: استواء الله على عرشه يختلف عن استواء المخلوق على كرسيه ابتداءً وانتهى الأمر؟!

فأنتم فررتم من التجسيم وأنتم تقعون به شئتم أم أبيتم. بل حتى الصفات التي أثبتتموها أيها المتكلمون كصفة السمع والبصر والكلام إلى غير ذلك، ألا تقتضي هذه الصفات التي أثبتتموها تشبيهاً وتجسيماً؟ فإن قلتم: لا تقتضي تشبيهاً وتجسيماً، فنقول كذلك: إثباتنا للغضب والفرح والنزول والاستواء لا يقتضي تشبيهاً ولا تشييماً. لماذا هذا التحكم؟ لماذا تفرضون أن ما أثبتتموه لا يقتضي تجسيماً بينما ما يثبته أهل السنة يقتضي تجسيماً؟ كما قلنا، إنما هو الاضطراب العقلي وعدم وجود قواعد منطقية عقلية صحيحة عندهم في التفكير في هذا الباب.

إذاً هكذا أكون انتهيت من القاعدة الخامسة، اسمحوا لي أطلت فيها الكلام، لكن اردت أن تعرفوا الفرق بين المعنى الكلي الذي لا حرج في أنه ثابت للخالق وثابت للمخلوق، لأن لولا هذا المعنى الكلي لما فهمنا أصلاً ما دلالة كلمة سمع الله وبصر الله وكلام الله وإرادة الله، لم نفهم لولا وجود هذا المعنى الكلي. أنت من خلال هذا المعنى فهمت أصلاً نصوص الكتاب العادي، وفهمت ما معنى أن الله يقول عن نفسه إنه رحمن رحيم كريم جواد؛ لأنك تعرف ما معنى هذه الصفة في عقلك، فعرفت ما معنى اتصاف الله بها، لكنك لم تعرف كيفية اتصاف الله بها والهيئة الخارجية لهذه الصفات في الذات الإلهية.

تمام، الآن أحبتي سانتقل إلى القاعدة السابعة -القاعدة السادسة، ليست السابعة عذراً-. القاعدة السادسة تقول: ظواهر نصوص الصفات -اهتموا بها جيداً هذه القاعدة أيضاً، القاعدة السادسة ليست السابعة عفواً- القاعدة السادسة تقول: ظواهر نصوص الصفات لا تقتضي التمثيل والتجسيم.

ظواهر نصوص الصفات، المعنى الظاهر المتبادر إلى الذهن من نصوص الصفات لا تقتضي التمثيل والتجسيم كما تدعي الفرق الكلامية من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة ومن سار على نهجهم. نقول أحبتي: الفرق الكلامية ماذا تقول؟ تقول على العرش آه، المعنى المتبادر إلى الذهن المعنى الظاهر من هذه الآية فيه تمثيل وتجسيم فيجب أن يُنفى. ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، آها يحببكم الله، ظاهر هذه الآية المتبادر إلى أذهانكم فيه تمثيل وتجسيم، ماذا نفعل؟ أوولوها!

وهكذا يمارسون هذه العملية على نصوص الصفات، يمارسون هذه العملية على نصوص الصفات، يقولون: ظواهر هذه النصوص تقتضي التجسيم والتمثيل للخالق بالمخلوقين. وهذه بدعة كلامية لا أصل لها، بل أهل السنة والجماعة يقولون: ظواهر نصوص الصفات تحمل على حقيقتها، ولا تدل أبداً على تمثيل ولا على تجسيم، وإنما أنتم أيها المتكلمون توهمتم أنها تدل على التمثيل والتجسيم لأنكم لم تدركوا الفرق ولم تحققوا الفرق بين المعنى الكلي في الأذهان وبين اللوازم الخارجية الموجودة في الأعيان.

لما لم تحرروا الفرق بينهما ولم تدركوا أن إثبات المعنى الكلي لا يقتضي تمثيلاً، وإنما التمثيل المذموم إنما هو تمثيل الخالق بالمخلوق في الهيئات الخارجية والكيفيات الخارجية للصفات، لما لم تفرقوا بين هذا وهذا ظننتم أن ظواهر نصوص الصفات تقتضي التمثيل فيجب أن نحرفها وأن نصرفها عن ظواهرها.

وبالتالي المتكلمون تعاملوا مع القرآن الكريم أحبتي على أنه ألغاز؛ يعني اتوا الآن نصوص الصفات في القرآن مئات النصوص يتعامل معها المتكلمون أشاعرة وماتريدية وسار على نهجهم على أن كل هذه النصوص ظواهرها تقتضي التمثيل فيجب أن نحرفها -هم يسمونه تأويل، لكن هو تحريف- يجب أن نؤولها إلى معاني أخرى.

طب أحبتي، الله الذي قال لنا كتاب أحكمت آياته ثم فصلت، ألم يكن سبحانه وتعالى قادراً على أن يأتي بكتابه واضحاً من دون هذا الألغاز ومن دون هذا التجسيم الذي تتوهمونه أيها الأشاعرة وأيها الماتريدية وأيها المتكلمون عموماً؟ صدقوني أن هذا القول -قول الأشاعرة والماتريدية أن ظواهر نصوص الصفات يقتضي التمثيل والتجسيم- لهو قدح في كتاب الله سبحانه وتعالى؛ لأن معناه أن الله سبحانه أتَى بهذا الكتاب ليكون ألغازاً، ليكون شيئاً من الطلاسم التي علينا أن نكون حذرين، وعبارة عن أفخاخ، وليس كتاب هداية وإرشاد وتشاد وبيان وتوضيح.

أحبتي، الله يقول في بداية سورة البقرة: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 1-2]، أي كتاب هداية! يقول في مطلع سورة هود: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1]. إذاً هو كتاب هداية، كتاب إرشاد، كتاب توضيح وتبيين معالم. أما أن نجعل مئات النصوص كلها ظاهرها يدل على التشبيه ويجب أن نأولها أن نحرفها، إذاً هذا قدح أن هذا الكتاب لم يستطع أن يأتي بظواهر صحيحة يفهمها الناس من دون حاجة إلى تأويلات فارغة. هذا معنى كلامكم أحبتي، فيجب في الحقيقة أن ندرك مآلات هذه العقائد المنحرفة عن منهج أهل السنة والجماعة، وما هي اللوازم التي تلزم من قولهم في تعاملهم مع كتاب الله.

بالله سبحانه وتعالى هم يعتقدون الصفات بعقولهم كما يشاؤون، ثم يأتون إلى نصوص الصفات في القرآن لا يتعاملون مع القرآن على أنه كتاب تلقي للأخبار عن الله، لا يتعاملون أن هذا القرآن كلام الله والله أعلم بنفسه، فهو الأعلم بما يجوز له من الصفات.

ثم يتكلمون في الصفات بعقولهم ثم يأتون إلى القرآن يتعاملون معه كإشكالية كمأزق، علينا أن نحل هذه الموجودة في القرآن من خلال التحريف والتأويل، وهذه إشكالية كبرى والله، هذه إشكالية كبرى أحبتي أن تتعاملوا أيها الفرقة الكرامية مع القرآن ومع نصوص الكتاب على أنها مأزق وأننا لا نأخذ منها، وإنما نحاكمها لعقولنا، فما حكمت عقولنا أنه مقبول والله أخذنا به، وما وجدنا بعقولنا الفلسفية أنه مردود مباشرة على التعريف، فإذا أنتم حرفتم مئات ومئات النصوص وزعمتم أن هذه النصوص تقتضي التشبيه.

هذا في الحقيقة أحبتي انحراف شنيع ناجم عن التأثر كما قلنا بالطرق الفلسفية، اذهبوا إلى القاعدة السابعة والأخيرة، إذا القاعدة السادسة ماذا كانت تقول؟ ظواهر نصوص الصفات لا تدل على التمثيل والتجسيم كما يزعم المتكلمون، بل تدل على معان حقة صحيحة نثبتها لله، ولكننا نجهل الكيف والتمثيل، لا نخوض في تكييفها ولا في تمثيلها.

فحينما نسمع قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5] نقول: الاستواء معلوم والكيف مجهول، كما قال مالك بن أنس، حينما نسمع: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31] نقول: المحبة معلومة والكيفية لها مجهولة، وقل ذلك في سائر الصفات.

وهذا المنهج هو منهج اعتدال راحة طمأنينة، نتعامل به مع كتاب الله على أنه كتاب إرشاد، كتاب جاء يخبرنا عن الله، جاء ليدلنا على الله سبحانه وتعالى، ولم يأت ليوقعنا في إشكاليات وانحرافات وألغاز ونحاول أن نتجاوز هذه الألغاز من هنا وهناك حتى لا نقع في الفخاخ، هذه ليست منهجية علمية تعاملون بها مع كتاب الله سبحانه وتعالى.

وهنا أذكر مقولة لأحد السلف يقول فيها: من لم يفهم من نصوص الصفات ما يفهمه العالم منها فهو جهمي، أي على طريقة الجهم بن صفوان، من لم يفهم من نصوص الصفات ما يفهمه العامة فهو جهمي.

الآن أنا ائتوني بشخص عامي لم يسمع لا بعقائد أهل السنة وبكلام ابن تيمية ومن سبقه ومن بعده، ولم يسمع بكلام الأشاعرة، ائتوني بعاميهم على فطرته النقية وقولوا له اقرأ هذا الكتاب كتاب الله سبحانه، واجعله يقرأ نصوص الصفات، صدقوني بفطرته النقية سيتعامل مع هذه النصوص بشكل سوي.

سيقول: الله عز وجل يحب الأولياء، والمعنى واضح، طيب كيف يحب؟ الله أعلم كيف يحب، انتهت القضية، الله عز وجل يقول إنه استوى على عرشه، كيف استوى على عرشه؟ الله أعلم كيف استوى على عرشه.

العوام والله يا أحبتي هذه جربتها بنفسي يعني اختبرت هذا الأمر على كثير من العوام، يعني أسأله من دون أن أذكر له ما هو رأي وما هو منهجي وما هي طريقتي، لكن أسأله أنت ماذا تفهم من هذه الصفة؟ صدقوني يتكلم بكلام فطري نقي بعيد عن كل اللخبطات والفلسفات والهرطقات والمغالطات، كلام ينبع من قلب مؤمن إيمان سوي إيمان فطري.

أما الإيمان المشوب بكلام الفلاسفة، الإيمان الذي أخذ من منابئ أخرى، هذا إيمان كما قلنا إيمان يضيع صاحبه ويجعله دائما في شكوك وحيرة، ولو أن معنا وقت في هذه الدورة صدقوني لاسهبنا أحبتي في بيان فساد طرق المتكلمين في التعامل مع نصوص الصفات مأخذا مأخذا، ولا وقفنا على أن طرائقهم لا تخالف النص فقط بل تخالف العقل والمنطق السوي.

الآن حتى لا أطيل أذهب إلى القاعدة السابعة والأخيرة، فأقول: ليست هذه قاعدة انتبهوا إليها أن هي في الجانب المقابل أكلم بها وأخاطب بها الذين يثبتون صفات الله سبحانه وتعالى حتى لا يخطئوا، أقول لهم القاعدة السابعة: ليس كل نص نسب فيه فعل لله سبحانه أو نسب فيه شيء لله سبحانه يجعل من نصوص الصفات حتى نتأكد أن نسبة هذا الفعل أو الشيء لله في هذا النص إنما أريد بها إثبات صفة لله عز وجل.

أعيد مرة أخرى القاعدة فيها شيء من الطول لكنها مهمة، القاعدة السابعة تقول: ليس كل نص ورد في الكتاب وفي السنة نسب فيه فعل لله أو نسب فيه شيء لله يجعل من نصوص الصفات، فنقول والله أهذا الفعل إذا صفة من صفات الله أو هذا الشيء صفة من صفات الله، بدنا نتروى حتى نتأكد أن نسبة هذا الفعل أو الشيء لله إنما أريد به من خلال السياق إثبات هذا الفعل أو هذا الشيء صفة لله عز وجل، يا شيخ تعالوا على الشرح.

نقول: بعض الطوائف المثبتة للصفات تجنح في باب الإثبات إلى شيء من التكلف إلى زيادة في الإثبات غير مطلوبة وليست مرادة منك، فتجعل كل فعل أو كل شيء نسب إلى الله في نص من نصوص القرآن أو السنة يجعلون أي فعل أو أي صفة عفوا أي فعل أو أي شيء نسب لله في نص من نصوص الكتاب والسنة مباشرة يجعلونه صفة لله سبحانه وتعالى غافلين عن أن السياق لا يدل على أن هذا الفعل أو أن هذا الشيء من صفات الله سبحانه وتعالى.

وضحي لنا أكثر يا شيخ؟ اقول لهم: انظروا أعطيكم هذا المثال الذي فيه زيادة في الإثبات، طبعا أتمنى من الإخوة أن يترووا في فهم كلامي أنه بعض الإخوة سيقولون ترى يا شيخ يعني هناك من أثبت هذه الصفة لله وأنا أعلم أن هناك من أثبت صفة لله، لكنني أنا الآن أناقش بشكل علمي منهجي، فدعونا نتناقش.

إثبات بعض أهل السنة والجماعة صفة الهرولة لله سبحانه وتعالى بناء على الحديث المشهور الذي يقول الرب فيه سبحانه الحديث القدسي: «من أتاني ماشيا أتيته هرولة».

الآن المتأمل أحبتي في هذا النص، هذا الحديث القدسي: «من أتاني ماشيا» الله عز وجل يقول يخبر عن إقباله على العبد التائب، فيقول سبحانه: «من أتاني ماشيا، إذا تقرب العبد إلي شبرا تقربت منه باعا، وإذا تقرب مني باعا تقربت منه ذراعا، وإذا أتاني ماشيا أتيته هرولة» هذا نص الحديث.

المتأمل في هذا النص تجد السياق يتكلم عن ماذا؟ هل السياق يتكلم عن إثبات صفة لله؟ هل هذا الذي يريده السياق؟ إثبات صفة اسمها صفة الهرولة؟ المتأمل في النص يجد السياق يتكلم عن أمر آخر، يتكلم عن سرعة إقبال الرب سبحانه على عبده.

حينما تسمع أنت هذا الحديث بفطرتك النقية: من أتاني ماشيا أتيته هرولة، ماذا تفهم منه؟ هل تفهم حقيقة أن الله يريد أن يثبت لنفسه الهرولة، ولا الذي فهمته أنت من السياق أن الله يخبرنا عن سرعة إقباله على عبده وأنه يفتح له باب التوبة ويجتبيه سبحانه وتعالى؟

إذا كمل في هذا النص يجد السياق يتكلم عن سرعة إقبال الرب على عبده وأنه يفتح له أبواب الخير إذا أقبل العبد إليه وأناب إليه، ولم يرد من السياق إثبات صفة الهرولة لله سبحانه، فجعل هذا النص من نصوص الصفات المراد منها إثبات صفة الهرولة لله فيه زيادة في الإثبات لا حاجة إليها.

وأنا أدرك أن كثيرا من الأفاضل بل يعني إذا ما خانتني الذاكرة أن ابن تيمية رحمه الله عليه في بعض اختياراته أثبتها صفة لله سبحانه وتعالى، وأن كثيرا من المعاصرين يثبتها صفة لله، وأنا يعني أحترم هذه الآراء، لكنني في الحقيقة أتعامل بعلمية ومنهجية يجب أن تكون مضطردة، حتى لا تفتح الباب المخالف لك.

علينا أن نتعامل مع النصوص على ما يتبادر منها من ظاهرها، ونص: «من أتاني ماشيا أتيته هرولة» السياق هو الذي ورد فيه ليس سياق إثبات صفة هرولة حقيقة لله، وإنما هو إثبات لإقبال الرب على عبده وفتح أبواب الخير له، أما جعل صفة لله حقيقة اسمها صفة الهرولة فهذا زيادة في الإثبات، أقول: زيادة في الإثبات أنت بغنى عنها.

الآن من أثبتها أَيقول أنا مبتدع؟ أنا أقول هذه زيادة في الإثبات لا داعي لها لأن السياق لم يدل عليها، ولا توجد هناك نصوص أخرى تتكلم عن اتصاف الله بالهرولة حتى تحتج بها علي، لا توجد نصوص أخرى تتكلم عن اتصاف الله بالهرولة حتى تحتج بها علي.

نعم الآن كثير من الأصبحي يقول والله إثبات صفة الهرولة لله من المسائل الاجتهادية، من المسائل الاجتهادية، لكن نعم مع احترامي نعم أن هذه المسألة اجتهادية ولا يبدع فيها المخالف، لأنها مسألة جزئية فرعية، لكنني أقول: يجب أن نعتمد منهج واضح في التعامل مع هذه النصوص، أننا دائما نقول: النصوص يجب أن تفهم على المتبادر منها، وحملها على تكلفات وزيادات لا تظهر من السياق سيكون فتح باب للفرق الأخرى المخالفة للطعن في طريقة أهل السنة والجماعة، وهذا وقع أحبتي.

كثير أو بعض، لا أريد أن أقول كثير، بعض المثبتة لصفات الله يتكلف في إثبات صفات من النصوص مع أن هذه النصوص لم تأتي لإثباتها، وانظروا مثلا لأبي يعلى في كتاب إبطال التأويلات، أبو يعلى كان عنده زيادة في الإثبات مع أبي حامد الذي مع ابن حامد رحمه الله عليه.

ذكرنا أن بعض الحنابلة كان عندهم زيادة في الإثبات، والزيادة في الإثبات تعني أنهم يحملون النصوص ما لا تحتمل، فيجعلون أي نص ورد فيه نسبة فعل أو شيء لله مباشرة من نصوص الصفات، ونقول: هذه ليست منهجية سديدة، بل علينا أن ننظر: هذا الفعل أو هذا الشيء الذي نسب لله في هذا النص هل المراد منه من هذه النسبة أن نثبته صفة لله؟ بدك تنظر في السياق، إذا السياق أراد أن يثبته صفة لله تقول بذلك، إذا السياق لم يقل بذلك ولا يدل على ذلك فلا، لا تتكلف وتقول والله هذا النص يثبت صفة لله هي كذا وكذا مع أن السياق في الظاهر لا يدل على ذلك.

ومن هنا أحبتي يعني أرسل رسالة إلى بعض طلبة العلم ممن يسير على مذهب أهل السنة والجماعة عموما، وأقول لهم: يا طلبة العلم إياكم أن تستعجلوا في الحكم على العلماء، لا تسارعوا في تبديع أهل العلم والأئمة لمجرد تأويلهم لبعض نصوص الصفات، ماذا أقصده بهذا؟ الآن أحبتي هناك منهج عام لأهل السنة والجماعة قررناه في مسائل الصفات بهذه القواعد السبع، تمام.

الآن بعض علماء أهل السنة والجماعة هم التزموا طبعا بهم التزموا بهذه المنهجية، لكن بعضهم لما أتوا إلى بعض النصوص المعينة لما أتوا إلى بعض النصوص المعينة رأوا أن هذا النص المعين لا يتكلم عن إثبات صفة لله سبحانه وتعالى، فتجدهم يؤولون هذه النصوص مع أنهم يلتزمون باثبات الصفات لله.

لكنهم أتوا إلى نص معين وجدوا أن هذا النص لا يدل على صفة لله سبحانه وتعالى فقالوا: هذا معناه كذا وكذا أو أولوه إلى معنى معين هو المتبادر إلى الذهن، فتجد بعض الطلبة المتحمسين يستعجل فيقول: هذا العالم مبتدع، كيف تأول هذا النص وكيف صرفه وهذا من نصوص الصفات؟ نقول له: اهدأ اهدأ.

هذا العالم أولا هو يتبنى طريقة أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات فليس لك أن تقول إنه مبتدع، واحد، ثانيا هذا العالم له رأي في هذا النص المعين بحد ذاته ليس عنده منهجية منحرفة في نصوص الصفات، منهجية منهجية أهل السنة، لكن رأى في نص معين أنه لا يدل على الصفة فقال: أنا لا أقول إن هذا النص يدل على صِفة فقط مشكلتي مع نص، تأول هذا النص قال به في المجاز، فليس لك أن تعترض عليه بالتبديع، بل ناقشه علميا، واعلم في النهاية أن هذه قد تكون وجهات نظر.

الاستعجال الذي يمارسه بعض طلبة العلم في الحكم على كثير من علماء أهل السنة والجماعة بالتبديع وخروجهم عن الجادة الصحيحة لمجرد تأولهم لبعض النصوص وأنهم يفهمون بطريقة تخالف طريقة أشياخهم، هذا ليس منهجا صحيحا.

أعطيكم مثال حتى يتضح المقال، الله سبحانه وتعالى أحبتي يقول في سورة الفتح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10].

الآن بعض أهل العلم الأفاضل قالوا: يد الله فوق أيديهم، اليد هنا يد الله، نسبة اليد هنا معناها حقيقة أن يد الله حقيقة فوق أيدي هؤلاء المبايعين، لكنها فوق السماوات العلى، كثير من أهل العلم من أهل السنة والجماعة قالوا في الحقيقة: هذا النص بحد ذاته لا نرى أنه يحمل على حقيقته المجازية، عفوا على معناه الحقيقي للفظة اليد، بل المراد بقوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وهذا هو المعنى الظاهر، هكذا وجهة نظرهم، أن المعنى الظاهر المتبادر إلى الذهن من قوله سبحانه أنه يد الله فوق أيديهم الدلالة على توثيق هذه البيعة وتأكيدها وإلزام الناس بها، وليس المراد أن يد الله حقيقة حينما بايعوا كانت فوق أيدي هؤلاء المبايعين.

طبعا هم الذين قالوا إن يد الله حقيقة فوق أيدي المبايعين هم لا يقصدون المماسة حاشاهم رحمهم الله، إنما يقصدون أن هؤلاء حينما بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم ووضعوا أيديهم في أيدي النبي صلى الله عليه وسلم كانت يد الله سبحانه وتعالى فوق أيديهم حقيقة، وهذا المعنى رأى كثير من أهل العلم من أهل السنة والجماعة أنه ليس المعنى المراد من النص، بل المعنى المراد في هذه الآية بأن يد الله فوق أيديهم أن الله شاهد على هذا العهد مراقب له مطلع عليه ملزم به القوم، هذا المراد من قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾.

هذا هو يعني هذا ليس مجرد تجوز، يعني يا شيخ هذا مجاز والاصل في الكلام الحقيقة؟ هذا ليس مجرد مجاز.

هم يقولون هذا هو المعنى الظاهر المتبادر من النص المعنى المجازي. الآن هؤلاء الذين حملوا هذا النص وهذه الآية على معناها المجازي هم يثبتون صفة اليد لله سبحانه وتعالى، لكن من نصوص أخرى. يقولون: هناك نصوص صريحة في إثبات اليد لله، منها قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ إلى آخر النصوص التي تثبت اليد.

لكن هذا النص بحد ذاته نحن لا نراه ليثبت صفة اليد لله سبحانه وتعالى، وليس المراد منه إثبات حقيقة أن يد الله حقيقة فوق أيديهم. هذا النص نراه المراد منه الإلزام والتوثيق بجد. يعني هذا في الحقيقة وقعت فيما بعض الطلبة المتحمسين يقولون: هذا معنى مبتدع، كيف تؤولون هذا النص؟ هذا نفي لصفة اليد! ويستعجل ويبدأ يتهجم على أهل السنة الذين تأولوا هذه الآية.

نقول: لا تستعجل، هذا منهج علمي في التعامل مع النصوص، النصوص إنما يتعامل معها بظواهرها وسياقها، ولا يجوز التكلف في منحها معاني ليست لها. نعم، تريد أن تثبت الصفات لله؟ اثبتها بشكل علمي من النصوص التي جاءت لتثبت الصفات لله. الآن من رأى أن الآية على حقيقتها، وأن اليد في هذه الآية (يد الله فوق أيديهم) على الحقيقة، فجزاها الله خيراً، هذه وجهة نظر نحترمها ونوقرها.

هناك وجهة نظر أخرى، أن هذه الآية لم يرد منها أن يد الله حقيقة فوق أيديهم. الآن هل يعني المعنى المجازي أن المراد بيد الله فوق أيديهم التوثيق والتأكيد على هذا العهد؟ هل المعنى المجازي يستلزم أن الله له يد؟ هذه قضية أخرى استلزاما قضية أخرى. لكن هم يقولون إن الآية هنا لم ترد أن يد الله حقيقة فوق أيديهم، ليس المعنى الحقيقي الذي يعني تفهمونه من نصوص أخرى، بل المعنى المتبادر إلى الذهن من الآية كما قلنا هو التوثيق والإلزام.

فهنا أناقش بعض من عنده زيادة في الإثبات أو يعني يظن أن إثباته لنصوص الصفات معناه أن يأتي إلى كل نص ورد فيه إثبات شيء لله فيقول هذا من نصوص الصفات، هذا نص من أصول الصفات. بل هي عملية أحبتي لغوية علمية فكرية تعتمد على قواعد صحيحة في القراءة في الفهم في الاستنباط، وليست على مجرد انحيازات معينة لتيار دون تيار، فهذه أنا أنبه عليها أحبتي الطلبة.

بسم الله. الآن انتهيت من الكلام عن القواعد السبع في باب الصفات، طبعا هناك قواعد أخرى إن شاء الله نتطرق إليها في المطولات. لكن الآن أحافظ على القواعد السبع، والقاعدة الأخيرة تقول: ليس كل نص نسب فيه فعل لله أو شيء له يجعل من نصوص الصفات، حتى نتأكد أن نسبة الفعل أو الشيء لله في نصي إنما أريد بها إثبات الصفة لله عز وجل حقها.

طيب الآن بعد أن أنهيت من الكلام عن قواعد الصفات، أريد أن أقول إن هذه القواعد السبع هي تمثل منهج أهل السنة والجماعة في باب الصفات العلى. أهل السنة والجماعة من السلف الصالح ومن سار على نهجهم يثبتون الصفات لله سبحانه وتعالى، الصفات الثبوتية بنوعيها الذاتية والفعلية الاختيارية الخبرية والعقلية. كل نص جاء ليخبرنا بإثبات صفة لله فإننا نثبت هذه الصفة لله، ولا ندخل في كيفيتها ولا في تمثيلها.

نثبتها بحقيقتها بمعناها الذي نفهمه بأذهاننا ولكننا نجهل كيفياتها ولوازمها وهيئاتها في الخارج. يعني كيف اتصف الله بها؟ هذا هو منهج أهل السنة والجماعة، وليس هذا منهج ابن تيمية فقط كما يريد بعض المعاصرين ومن المتأخرين ومن الأقدمين أن يوهمكم به. هذا المنهج منهج أهل السنة والجماعة من أيام محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أيام الصحابة، ومن أيام السلف الصالح، ومن تبعهم من العلماء الأبرار الأنقياء.

وابن تيمية كان مجرد مجلي لهذه الأفكار لما طمست معالمها أو كادت تطمس معالمها. الفكر الفلسفي أحبتي الذي تأثرت به الفرق الكلامية طغى على الساحة الإسلامية من بداية الترجمة في عهد المأمون، من بداية الترجمة في عهد المأمون يعني من آخر المئتين هجري إلى وقتنا الحاضر، فرق الكلام تأثرت بالمناهج الفلسفية. ابن تيمية رحمة الله عليه حينما رأى أن الفكر الفلسفي الكلامي أصبح يطغى على عقول أغلب العلماء في عصره أو كثير من العلماء في عصره، وأنه هو الفكر الوحيد الطاغي في الميدان.

طبعا ليس هذا أنه لا يوجد غير ابن تيمية في عصره يقول بهذا القول، هناك كثير من علماء أهل السنة والجماعة، لكن الدولة والقوة والهيمنة والسيطرة للفكر الفلسفي الكلامي. فأراد ابن تيمية رحمة الله عليه أن يزيل الغبار، وأن يرفع الآثار، وأن يبين وأن يؤكد ما هي عقائد السلف الصالح في هذا الباب، وأن يهدم وينسف الفكر الفلسفي الكلامي من أصوله.

هنا ساقول لكم قضية أحبتي، يعني أحيانا بعض الأفكار تأتي ببعض. لماذا مشكلة المتكلمين خاصة في الوقت المعاصر مع ابن تيمية خصوصا مع أنك يعني أنت يا شيخ تقول أن كثير من العلماء قبل أصل ابن تيمية يقولون بهذا الكلام، وابن تيمية مجرد شخص يجلي هذه الأفكار مرة أخرى في زمن كانت فيه أن تندرس. طب لماذا مشكلة كثير من المتكلمين مع شخص ابن تيمية إذا كانت هذه الأفكار موجودة قبله كما تقول أنت هي عقيدة السلف؟

الميزة في شخصية ابن تيمية أحبتي أنه استطاع أن يحدث ثورة في عصره على الطرق الفلسفية التي يتبناها المتكلمون عرفوا أو لم يعرفوا. ابن تيمية ما امتاز به عن كثير من أهل السنة والجماعة ومن علماء أهل السنة والجماعة ممن قبله وممن بعده، أنه أدرك مواطن الخطأ في البحث الكلامي، وأدرك الإشكاليات الفكرية والمنطلقات الخاطئة التي انطلقوا منها، واستطاع أن ينسف كل هذا البناء الذي بنوه، وأن يهدم الأصول وليس مجرد الفروع.

يعني ممن قبل ابن تيمية كان تركيزهم في العادة وفي أغلبهم على مناقشة الفرعيات مع الأشاعرة والمعتزلة والماتُريدية وما شابه ذلك في أغلبهم، طب بعضهم ركز على الأصول. ابن تيمية شخصيته ولماذا ثار الغضب عليه إلى وقتنا المعاصر؟ لأنه استطاع أن ينسف الأمور من معاقلها ومن أصولها ومن جذورها. استطاع أن يبين للمتكلمين أن مشكلتكم ليست فقط أنكم تثبتون الصفات أو تنفون الصفات، ليست مشكلتكم في القضاء والقدر أنكم جبرية أو قدرية، ليست مشكلتكم في الإرجاء وأنكم خوارج، ليست مشكلتكم في مجرد هذه المسائل.

مشكلتكم في طريقة التفكير، في الأصول الفلسفية الإغريقية التي حشيت في عقولكم خلال عقود، واستمررتم عليها ولم تكلفوا أنفسكم عناء مناقشتها ودحضها ومعرفة الفرق بينها وبين المنهج القرآني الصحيح. فلذلك ابن تيمية كان بالنسبة للتاريخ الإسلامي مرحلة فارقة، أنه استطاع بعد سنوات طغى فيها الفكر الكلامي الفلسفي على عقول كثير من علماء المسلمين، استطاع في القرن السابع الهجري أن ينفض الغبار وأن يحدث ثورة فكرية عقلية في زمنه، أعاد فيها الطريقة العقلية الصحيحة للتفكير.

ابن تيمية أتى بمنطق عقلي صحيح دحض فيه كثير من المنطق الأرسطي والمنطق الكلامي، وبين لهم أن طرائقكم أيها المتكلمون في التفكير العقلي خاطئة أساسا بالأدلة والبراهين. مجلدات ابن تيمية أحبتي اقرؤوا له لتعرفوا من هو ولا تسمعوا عنه، إياكم أن تقفوا عند السماع عنه. اقرؤوا له، موسوعاته العقدية ضخمة جدا: درء تعارض العقل والنقل، بيان تلبيس الجهمية، منهاج السنة، الاستغاثة في الرد على البكري، التدميرية، الحموية، الواسطية، مجموع الفتاوى بضخامته، الصارم المسلول، إلى غير ذلك.

موسوعات ضخمة جدا فيها علم جم، حتى أن كثير من الأشاعرة بعد ابن تيمية لم يجد إلا أن يقول إن هذا الرجل علامة خالفناه. هذا طبعا المنصفون منهم كالسيوط رحمة الله عليه وغيرهم، تجده يقول: ابن تيمية مجتهد مطلق، علامة، عقلية جبارة، لا استطيع أن ألغي هذا، إني أخالفه في الاعتقاد. هؤلاء المنصفون منهم سلكوا هذا المسلك.

فلذلك أنا أريد أن أبين لكم، يعني ما يصير هذا الكلام أن أقول هذا الكلام أن كثير من أحبتنا من يناقشون اليوم يقولون: يا شيخ، الدكاترة في الجامعة يقولون إن هذا المنهج منهج لابن تيمية فقط ولم يعرف عن السلف الصالح. أقول هذا أحبتي تزوير للتاريخ، تزوير للتاريخ. بل القول بأن نصوص الصفات تثبت على حقائقها الظاهرة المتبادرة من دون تكييف ولا تمثيل هو منهج السلف الصالح، ونقله عن السلف الصالح ونقل الإجماع عليه أئمة عدول ثقات قبل ابن تيمية بكثير.

وأنا الآن سانقل لكم، انظروا ممن نقل عقيدة السلف الصالح في باب الصفات التي يقرها ابن تيمية عموما: الخطابي، وأبو بكر الإسماعيلي، ويحيى السجزي، وأبو عثمان الصابوني، وأبو إسماعيل الأنصاري، وابن عبد البر، وابن أبي زمانين. وانظروا هنا، طبعا قد يوجد مثلا اختلاف جزئي بين الخطابي وبين مثلا المثبتة، بين ابن عبد البر في بعض الصفات، ولكن في الجملة كل هؤلاء من علماء أهل السنة والجماعة.

كما قلنا، الخلاف في بعض الصفات الجزئية لا يعني أن الشخص خرج من دائرة أهل السنة والجماعة، إياكم أن تظنوا ذلك. لأن هناك بعض الغلاة في باب الإثبات يظن أنه إذا اختلف الشخص معك في أي صفة معناه خرج من دائرة... لا لا لا، ليس إذا اختلف معك في صفة محددة ورأى أن النصوص لا تدل عليه معناه أن الشخص لم يعد على طريقة أهل السنة، هذا منهج خاطئ. بل أهم شيء أن يكون على طريقة ومنهج أهل السنة في إثبات النصوص أو إثبات الصفات من النصوص، وأما الجزئيات فهذه قد تقبل النظر في بعضها.

الآن أنقل لكم نصاً واحداً من هذا الكتاب، وسأنقل لكم نصوصاً أخرى أيضاً. سأنقل لكم بعض النصوص أيضاً، أنا بعض النصوص لأثبت لكم أن هذه المنهجية التي نذكرها في إثبات الصفات على حقائقها هي منهج السلف الصالح وليس منهج ابن تيمية فقط. يقول الخطابي رحمة الله عليه –هذا كلام الخطابي أسبق ابن تيمية رحمة الله عليه– يقول: مذهب السلف –الآن هو يبين مذهب السلف في الأسماء والصفات– مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية عنها.

وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى درب من التشبيه والتكييف. يعني يقول الخطابي: هناك أناس زادوا في الإثبات وتكلفوا، وهناك أناس نفوا صفات الله سبحانه وتعالى وعطلوا، ومنهج أهل السنة المنهج الوسط أننا نثبت الصفات من دون تكييف ولا تمثيل، وإنما القصد في سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين، ودين الله بين الغالي فيه والمقصر.

والأصل في هذا الباب أن الكلام في الصفات –لاحظوا القاعدة التي ذكرتها لكم قبل قليل– أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، يحتذى في حذوه وأمثاله. فإن كان معلوما أن إثبات الباري إنما هو إثبات وجود، إثبات الله أنت تثبت وجود الله، لا إثبات كيفية، لا نعلم كيفية ذاته، فكذلك إثبات صفاته العلى إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد، لا نحد الصفة بحد معين ولا تكييف.

فإذا قلنا: يد وسمع وبصر وما أشبهها، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه، ولسنا نقول معنى اليد هو النعمة اللي هو تحريف المحرفين (الإشارة: يد نحرفها إلى النعمة)، ولا معنى السمع والبصر نحرفه إلى العلم، ولا نقول إن اليد والرجل وما شابه ذلك جوارح، ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وادوات للفعل الموجودة في المخلوق.

ونقول: إنما وجب إثبات الصفات لأن التوقيف يعني النص ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنه سبحانه لأن الله ليس كمثله شيء، وعلى هذا جرى قول السلف الصالح في أحاديث الصفات. إذاً هذا قول الخطابي وهو قبل ابن تيمية رحمة الله عليه.

أنقل لكم أيضاً هذه النصوص الأخرى: ابن جرير الطبري، فسر العتيد، ما أحد يجهل ابن جرير الطبري وتوفى ثلاثمئة وعشرة رحمة الله عليه، يقول: فإن قال لنا قائل: فما الصواب في معاني الصفات التي ذكرت، وجاء ببعضها كتاب الله ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ نقول له: الصواب من هذا القول عندنا أن نثبت حقائقها، ها، أن نثبت الحقيقة، المعاني المتبادر إلى الذهن على ما نعرف من جهة الإثبات ونفي التشبيه، نثبتها بحقيقتها لكننا ننفي التشبيه.

كما عن نفسه جل ثناؤه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. إلى أن قال ابن جرير رحمة الله عليه: فنثبت كل هذه المعاني التي أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه التشبيه، فنقول: يسمع ثناؤه الأصوات لا بخرق في أذن ولا بجارحة كجوارح بني آدم، إلى آخر ما قاله، وهذا ذكره في كتاب التبصير في معالم الدين.

أيضاً الإمام أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الكرجي المعروف بالقصاب رحمة الله عليه، المتوفى ثلاثمئة وستين هجري، في الاعتقاد القادري الذي كتبه لأمير المؤمنين القادر بالله سنة أربعمائة وثلاث وثلاثين هجري، ووقع على التصديق ما فيه علماء ذلك الوقت، وأرسلت الرسالة القادرية إلى البلدان. قال في كتابه للإمام لأمير المؤمنين: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه، وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها نبيه فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز.

انظروا، يعني ما فيها تأويل، صفة حقيقية لا صفة مجاز، هنا محبكها. ولو كانت صفة مجاز أصالة لتحتم تأويلها، ولقيل: معنى البصر كذا، ومعنى السمع كذا، ولفسرت بغير السابق إلى الأفهام. فلما كان مذهب السلف إقرارها بلا تأويل علم أنها غير محمولة على المجاز، وإنما هي حق بين، وذكر هذه الرسالة ابن الجوزي في المنتظم.

أيضاً الإمام الحافظ أبو عبدالله محمد بن إسحاق بن منده، ابن منده في ثلاثمئة وخمس وتسعين هجري وفاته، يقول في إثبات صفة اليدين لله باب.

لقول الله عز وجل ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي وذكر ما يستدل به من كلام النبي صلى الله عليه وسلم على أن لله عز وجل أو على أن الله عز وجل خلق آدم بيدين حقيقة.

ويقول حافظ المغرب الإام ابن عبدالبر الأندلسي رحمة الله عليه وهو إمام مشهور توفي في الأربعماية وثلاثة وستين هجري: ومن حق أن يحمل على حقيقته. إلى أن قال: وأهل السنة والجماعة، انظر ايش قال؟ ينقض الإجماع: وأهل السنة والجماعة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز. كما قال القادري، كما جعفر في الرسالة القادرية قبل قليل: تحمل نصوص الصفات على حقائقها. ايش المعنى الكلي الذي ندركه في أذهاننا ولكننا نجهل لوازمه في حق الله سبحانه وتعالى؟ نحمله على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم أي أهل السنة لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة، لا نحد ولا نكيف الله أعلم كيف الاتصاف.

وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكر هذه الصفات ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها فهو مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود. والحق فيما قاله القائلون، نقول الحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أهل السنة والجماعة.

كذلك الإام الحافظ الذهبي وهو بعد ابن تيمية يقول: ولو كانت الصفات ترد إلى المجاز لبطل أن تكون صفات لله. وإنما الصفات تابعة للموصوف فهو موجود حقيقة لا مجاز وصفاته ليست مجازا، فإذا كان لا مثل له ولا نظير لزم أن تكون لا مثل لها أي للصفات. ويقول أيضا الذهبي وهو يعلق على كلام ابن عبدالبر السابق، يقول الذهبي معلقا على ابن عبدالبر: صدق والله ابن عبدالبر، فإن من تأول سائر الصفات وحمل، تأول يعني حرف وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام أداه ذلك السلب إلى تعطيل الرب وأن يشابهه بالمعدوم، كما نقل عن ابن زيد أنه قال: مثل الجهمية كقوم قالوا في دارنا نخلة، فقيل لهم: لها سعف أي أوراق؟ فقالوا: لا. قيل: فلها كرب؟ قالوا: لا. قيل: لها رطب وقرو؟ قالوا: لا. قيل: فلا ساق؟ قالوا: لا. قال: فما في داركم نخلة؟ إلى آخر الكلام.

إذا لو أردت أن أحشد لكم النصوص التي كانت قبل ابن تيمية رحمة الله عليه التي تدلل على أن منهج السلف الصالح أنهم يثبتون صفات الله سبحانه وتعالى الواردة في الكتاب والسنة بناء على هذه القواعد السبع التي أصلناها من دون تكييف ولا تمثيل لطال بنا المقام. وإنما أردت من سرد هذا الكلام أن أبين لكم أن من يقول لكم إن ابن تيمية خالف إجماع السلف وأنه أتى بقول لم يسبق إليه، هذا إما أنه جاهل لم يطلع على كلام السلف الصالح وليس له أدنى اطلاع وقراءة على كلام الأوائل، وإما شخص صاحب هوى يريد أن يشنع على ابن تيمية وأن يصوره لكم بصورة الإنسان الغريب.

وهم ماذا يفعلون للاسف يعني حينما أنظر في كثير من مواقعهم يأتون بنصوص لعلماء أشاعرة رحمة الله عليهم أخذوا من ابن تيمية موقفا سلبييا بسبب أنه أحيا منهج السلف الصالح. هؤلاء العلماء خلاص هم مقتنعون بعقيدة الأشاعرة وساروا عليها ورأوا أن ابن تيمية أحدث ثورة فكرية في زمنه، فأرادوا أن يبينوا أن ابن تيمية رجل ضال مضل. فماذا يفعل هؤلاء المعاصرون؟ يقولون: انظروا ماذا قال السبكي في ابن تيمية. انظروا ماذا قال فلان في ابن تيمية. انظروا ماذا قال العراقي في ابن تيمية. انظروا ماذا قال فلان.

أخي الكريم، عندما تقول لي ماذا قال السبكي في ابن تيمية وماذا قال العراقي وماذا قال، هذه ليست حجة على أن ابن تيمية مخطئ. لماذا لا يكون العراقي والسبكي هم الذين أخطأوا، يعني لماذا ينبغي أن يكون في العقل والمنطق أن الخطأ في كلام ابن تيمية وليس في كلام هؤلاء؟ الأمر ليس بالكثرة، الأمر بالعلم بالدليل. ائتونا بنصوص السلف الصالح التي تدل على عقائد المتكلمين، وائتونا بأدلة عقلية علمية توافق المنطق العقلي الصحيح لا أشكال عندنا. أما أن نبقى نقول قال فلان وفلان ممن كان بعد السلف الصالح، ولا تأتون كلام من السلف الصالح يدل على نهجكم، فضلا عن أنكم تتكلمون بأدلة عقلية متكلفة وتخطئون في المنطق العقلي السليم، فهذا منهج لا ترتضيه أبدا.

الآن أحبتي سريعا ساختم بهذه الفكرة، ما هي المناهج المنحرفة في باب الصفات؟ أقول أحبتي المناهج المنحرفة في باب الصفات عموما أنا لن أفسر كثيرا وأن أشعب كثيرا. المناهج المنحرفة عموما منهج المعطلة ومنهج المشبهة، وهؤلاء على تضاد. منهج المعطلة ويقابله منهج المشبهة، هذا منهج منحرف وهذا منهج منحرف.

المعطلة، من هم المعطلة ومنهج في باب الصفات؟ التعطيل منهج في باب الصفات سلكته مجموعة من الطوائف الكلامية يقوم على نفي المعاني التي تدل عليها نصوص الصفات، نفي المعاني الظاهرة التي تدل عليها نصوص الصفات، ثم هم بعد ذلك قسمان. أعيد أنا ذكرت سابقا إنه النفي، والنفي كما قلنا هناك فرق اتبعت النفي الكلي، وهناك فرق اتبعت النفي الجزئي. الذين اتبعوا النفي الجزئي أو التعطيل يسمون بالمثبتة كالأشاعرة والماتريدية. فالتعطيل هو منهج في باب الصفات سلكته مجموعة من الطوائف الكلامية يقوم على نفي المعاني الظاهرة المتبادرة التي تدل عليها نصوص الصفات.

طيب، لما ينفون المعنى الظاهري المتبادر من نصوص الصفات ماذا يفعلون؟ الآن كيف يتعاملون مع هذه النصوص على قسمين؟ فأقول: ثم هم بعد ذلك قسمان، القسم الأول المؤولة. المؤولة هم الذين ينفون المعاني الظاهرة للنصوص ويصرفونها إلى معان أخرى مجازية بقرائن يتوهمونها بعقولهم لكنها قرائن باطلة عقلا وشرعا ولغة. إذن هذا الصنف الأول من المعطلة الذين ينفون المعاني الظاهرة المتبادرة من نصوص الصفات ويأولونها إلى معاني أخرى. يعني باختصار يذهبون إلى المجاز مع عدم وجود قرينة تقتضي المجاز، وإنما هو وهم عقلي تخيلوه.

وهذا التأويل هو الذي سميناه تحريفا لنصوص الصفات، فالتأويل والتحريف متلازمان عند الفرق الكلامية، هم يسلكون منهجية التأويل وهي منهجية التحريف في الحقيقة. القسم الثاني من المعطلة هم المفوضة، وأريدكم أن تهتموا بمفهوم التفويض لأننا سنحتاج إليه في تحليل منهج ابن قدامة رحمة الله عليه. هم الذين ينفون أيضا المعاني الظاهرة لنصوص الصفات، لكنهم لا يمنحونها معان أخرى مجازية يعني لا يؤولونها، بل يقولون: هذه النصوص ننفي المعاني الظاهرة المتبادرة منها لأن فيها تمثيلا وتجسيما كبيرا ما يزعمون، ولكن لها معاني نحن لا نعلمها وإنما يعلمها الله فقط.

فقلنا لهم: إذا أنتم تقرأون هذه النصوص ولا تعرفون معانيها؟ قالوا: نعم، نحن نقرأ هذه النصوص ولا نعرف أبدا شيئا من معانيها. يعني حينما تقرأون استوى على العرش لا تفهمون ما معنى استوى على العرش؟ قالوا: نعم، لا نفهم معنى استوى على العرش ما بنعرف ايش معنى هذه الآية، ولكن الله يعلم. طيب حينما تقرأون فاتبعوني يحببكم الله، لا تعرفون معنى حب الله لعبده؟ قالوا: نعم، لا نعرف معنى حب الله لعبده. طيب هل لها معنى؟ لها معنى عند الله يعلمها، أما نحن نفوض المعنى إلى الله، لذلك سموا المفوضة.

هؤلاء انتبهوا إليهم، هم يشتركون مع المؤولة في أنهم ينفون المعاني الظاهرة للنصوص، لكنهم يختلفون عن المؤول في ماذا؟ أن المفوضة يقولون: هذه النصوص لها معان يعلمها الله فقط ونحن لا نعلمها، فنحن نقرأها كألفاظ من دون أن نفكر أو أن نفهم شيئا من معانيها، هذا التفويض. فإذا المعطلة على قسمين. المعطلة ايش تعريفهم؟ هم الفرق الكلامية، أنا لا أريد أذكر أسماء الفرق، أنا فقط أعطيك التعطيل كمنهج: نفي المعاني الظاهرة المتبادلة من نصوص الصفات. ثم ماذا يفعلون بهذه النصوص؟ هناك مسلكان: مسلك التأويل وهو أنهم يمنحون هذه النصوص معاني مجازية فيأولونها من المعاني الظاهرة إلى المعاني المجازية بقرائن باطلة، والمسلك الآخر مسلك التفويض الذين يقولون هذه النصوص لا معاني ظاهرة لها نفهمها لكننا نقرأها بمجرد ألفاظ هي ألفاظ معانيها لا نفهمها ونفوضها إلى الله، لذلك سموا مفوضة، لأنهم يفوضون المعاني إلى الله، وهذا أيضا مسلك خاطئ فنحن نثبت المعنى أهل السنة يثبتون المعنى لكنهم يجهلون الكيف واللوازم الخارجية وكيفية اتصاف الله بهذا المعنى.

الآن أحبتي نأتي إلى المسلك الآخر التشبيه، إذا عرفنا التعطيل ما يقابله هو التشبيه. المشبهة هو منهج في الصفات أيضا سلكته بعض الطوائف البدعية يقوم على تشبيه صفات الخالق بصفات المخلوق في الكيفيات واللوازم الخارجية، وهذه أيضا منهج بدعي. بعض الفرق البدعية سلكت مسلك التشبيه وهو مسلك مباين تماما لمسلك التأويل. مسلك التشبيه هم فرق تقول إن اتصاف الله بصفة السمع أو البصر مثلا يشبه اتصاف المخلوق بصفة السمع والبصر في الكيف، يقولون في الكيفية الخارجية وهذا خطأ فادح جدا.

نحن نقول هناك معنى مشترك قدر مشترك، نعم المعنى العام الذي في أذهاننا فالله فيه سمع والمخلوق فيه سمع، الله موجود والمخلوق موجود، هناك معنى مشترك وهو أصل معنى الوجود وأصل معنى السمع والبصر ندركه، لكن كيفية اتصاف الله بالسمع والبصر لا نعلمها، كيفية اتصاف الله بالكلام لا نعلمها. وأما المشبهة فهم يقولون: نحن نعلم المعنى ونعلم الكيف، فسمع الله سمعنا وبصر الله كبصرنا وعلم الله كعلمنا تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.

فلو قيل يا شيخ، طبعا هنا تعليق، لو قيل يا شيخ: أهل السنة يقولون بالتشبيه في المعنى الكلي ويقولون لا تشبيه في اللوازم الخارجية، هل هذا التعبير سليم؟ أقول: هذا التعبير لا حرج فيه، إذا قلتم أهل السنة والجماعة يقولون هناك مشابهة في المعنى الكلي، في القدر المشترك، في أصل المعنى، أصل معنى السمع وأصل معنى البصر، يعني مفهوم السمع كمفهوم ومفهوم البصر كمفهوم، هناك مشابهة بين الخالق وبين المخلوق في المعنى فقط، هل هناك إشكال في هذا التعبير؟ في الحقيقة لا إشكال في هذا التعبير لأنه معلوم ماذا تقصدون به. وأما المشابهة في اللوازم يعني في الكيفية والصورة الخارجية فهذا إياكم وإياكم أن تخوضوا فيه فإنه من مسالك المبتدعة.

والمتكلمون المعطلة كالأشاعرة والماتريدية يحاولون حشر أهل السنة والجماعة مع المشبهة في سياق واحد فيقولون المجسمة ويدخلون أهل السنة مع المشبهة. لا أحبتي، فرق أهل السنة والجماعة يختلفون عن المشبهة تماما كما يختلفون عن المعطلة تماما، فأهل السنة يثبتون الحقائق كما قال لكم الخطابي وكما قال لكم ابن عبدالبر وكما قال لكم جليل الطبري وكما قال كل من الأئمة، لكنهم يتوقفون عن الكيف، أما المشبهة فإنهم يخوضون في المعنى وفي الكيف فلذلك قلنا هذا مسلك بدعي منحرف.

إذا، المناهج المنحرفة باب الصفات: منهج المعطلة وهم ينقسمون إلى مؤولة ومفوضة، ومنهج المشبهة وهؤلاء أيضا عرفنا خطأهم وطريق ومسلكهم البدعي. الآن ابن قدامة رحمة الله عليه، ما هو موقفه في باب الصفات؟ هل كان فعلا ابن قدامة المقدسي الذي نحن الآن نشرح رسالته هل كان يسير بالتمام على طريقة أهل السنة في إاثبات الصفات حقائقها من دون تكييف ولا تمثيل؟ أم كان عنده مشكلة في باب الصفات العلى؟ هذا ما سنعرفه بإذن الله في المجلس القادم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية طريقك نحو علم شرعي راسخ.