غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح لمعة الاعتقاد للشيخ إبراهيم رفيق الطويل. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمدُه سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح لمعة الاعتقاد للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الصالحي رحمة الله تعالى عليه. وابتداءً نعتذر عن شيء من الإتعاب قد تبدو في هذه المحاضرة لعلة صحية حلت بالعبد الفقير، نسأل الله أن يصرف عني وعنكم كل شر وسوء وبأس.
في المحاضرة السابقة أحبتي تكلمنا عن المسألة الأولى من مسائل هذا العلم الشريف، وهي مسألة توحيد الله سبحانه وتعالى، وهذه المسألة هي أعظم مسألة في علم الاعتقاد، بل هي أعظم مسألة في الوجود. فعرفنا أن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد ربوبية، وتوحيد ألوهية، وتوحيد أسماء وصفات. وذكرنا النوعين الأولين: توحيد الربوبية والألوهية. فعرفنا أن توحيد الربوبية هو اعتقاد تفرد الله سبحانه وتعالى بالملك المطلق والتصرف والتدبير المطلق في هذا الكون، وتعلمنا أن الربوبية مأخوذة من الرب، والرب في اللغة هو المالك المدبر للشيء المربي له. فلا يصح إطلاق الرب مطلقاً عن القيود إلا على الله سبحانه وتعالى، أما على المخلوق فإذا أطلقت لفظة الرب فإنما تطلق مقيدة، وعرفنا أوجه الانحراف الذي وقع في توحيد الربوبية في التاريخ الإنساني.
ثم انتقلنا إلى توحيد الألوهية، فعرفنا أن توحيد الألوهية معناه إفراد الله سبحانه وتعالى بجميع أنواع العبادة، وعرفنا أن العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه من الاقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. والألوهية مأخوذة من الإله، والإله باللغة هو المعبود، فبالتالي توحيد الألوهية يعني توحيد العبودية، توحيد الألوهية يعني بعبارة أخرى توحيد العبودية أن تصرف العبادة لله سبحانه وتعالى، وتحدثنا أيضاً عن أشكال الانحراف التي وقعت عبر التاريخ في هذا النوع من التوحيد توحيد الألوهية.
وكما قلت لكم إننا لم نستوعب الحديث عن تفاصيل مسائل توحيد الربوبية والألوهية، فإن هذا مما يطول به المقام، وإنما غرضنا في هذه المدارس أن نصور للطالب هذه المفاهيم الأساسية التي تكون مستحضرة لديه وهو يقرأ في كلام أهل العلم، وتكون حاضرة لدينا بإذن الله في دورات قادمة متخصصة ومتعمقة أكثر وأكثر في علم الاعتقاد.
اليوم أحبتي موعدنا مع النوع الثالث من أنواع التوحيد وهو توحيد الأسماء والصفات، وهذا النوع هو الذي تطرق إليه ابن قدامة رحمة الله عليه في بداية رسالته لمعة الاعتقاد. وهو النوع الذي تحدث فيه كما قلنا، ليس لأنه يجهل النوع الأول والثاني فهذا إمام عظيم رحمة الله عليه، لكن لأن توحيد الأسماء والصفات هو النوع الأشد خلافا بين الفرق الإسلامية عبر التاريخ، وهو النوع الذي وقع فيه الخلاف بشكل أشد وكثر فيه الجذب والرد، فأحتاج ابن قدامة في هذه الرسالة أن يبين موقفه من هذا النوع، وما هي القواعد التي يتبناها في هذا النهج، فلذلك اقتصر في حديثه على قضية الأسماء والصفات.
فدعونا إذاً أحبتي نخوض في هذا النوع الثالث من التوحيد، عمق فيه توحيد الربوبية والألوهية تكلمنا بشكل مجمل في توحيد الأسماء والصفات أنه هذا النوع هو الذي يتطرق إليه ابن قدامة، فإننا سنتعمق فيه أكثر وأكثر ونذكر فيه مجموعة من القواعد.
أولاً: ما هو توحيد الأسماء والصفات؟ عموماً لو قلت لي ما هو توحيد الأسماء والصفات؟ امنحني تعريفا مجملاً له، فأقول لك: توحيد الأسماء والصفات هو اعتقاد تفرد الله سبحانه وتعالى بأحسن الأسماء وأكمل الصفات التي أثبتها لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وسنشرح بعض المفردات التي وردت في هذا التعريف.
لكن نعيد مرة أخرى توحيد الأسماء والصفات، لا بد كلمة توحيد حاضرة، فلاحظوا كيف سنعرف توحيد الأسماء؟ التوحيد في اللغة هو التفرد، إذاً قضية التفرد لا بد تكون حاضرة معي في تعريف توحيد الأسماء والصفات، فأقول: توحيد الأسماء والصفات هو اعتقاد تفرد. لاحظوا كلمة التفرد كيف حضرت معنا في توحيد الربوبية، توحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. اعتقاد تفرد الله سبحانه وتعالى بأحسن الأسماء وأكمل الصفات التي أثبتها لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. لا بد أن نجتنب هذه المناهج الأربعة المنحرفة من دون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
فستقول لي يا شيخ: ما معنى هذه أو ما هي هذه المناهج الأربعة التي حذرتني منها؟ ما هي هذه المناهج الأربعة التي حذرتني منها والتي يكثر تداولها على ألسنة أهل العلم في كتب الاعتقاد؟ دائماً حينما تقرؤون في منهج أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات يقولون: نحن نثبت الأسماء الحسنى والصفات العلى من دون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. هذه العبارات دائماً متكررة في كل الكتب التي تسير على النهج القويم، فلا بد يكون الطالب إذاً على دراية بدلالة هذه المصطلحات الأربع ليفهم طبيعة منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع نصوص الأسماء والصفات.
فنقول أولاً: الآن سأبدأ في تعريف ما هو التحريف؟ ما هو التعطيل؟ ما هو التكييف؟ وما هو التمثيل؟ حتى نجتنب هذه الأمور ونحن نتعامل مع نصوص الأسماء والصفات.
أولاً: ما هو التحريف؟ التحريف أحبتي هو صرف الاسم أو الصفة الثابتة في الكتاب أو السنة عن معناها الظاهر الذي يفهمه العوام منه إلى معنى آخر مع عدم وجود قرينة صحيحة تقتضي هذا العدول وهذا الصرف. أعيد مرة أخرى: التحريف هو أن تصرف الاسم الوارد في نصوص الكتاب والسنة، اسم ورد في الظاهر أنه ثابت لله سبحانه وتعالى من أسمائه، أو صفة وردت في نص من الكتاب والسنة الظاهر إلى ذهن كل العقلاء أن هذه صفة ثابتة لله سبحانه وتعالى؛ أن تصرف هذا الاسم أو هذه الصفة الثابتة في الكتاب أو في السنة عن معناها الظاهر الذي يفهمه العقلاء والناس منه إلى معنى آخر مع عدم قرينة صحيحة تقتضي هذا العدول.
الآن أحبتي نحن نعرف اللغة العربية، عموماً هناك حقيقة وهناك مجاز. الحقيقة: اللفظ المستعمل فيما وضع له ابتداء في لسان العربية أو عند المخاطب. أما المجاز: فهو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في عرف المخاطب لوجود قرينة، ها، لوجود قرينة تقتضي هذا العدول وهذا درسناه في كلامنا في البلاغة، ودرسناه في أصول الفقه، ودرسناه في النحو دائماً ندرس قضية الحقيقة والمجاز وفهمناها. أن الحقيقة أن يستعمل اللفظ فيما وضع له في عرف المخاطب، وفي المجاز لا تستعمل اللفظ في غير ما وضع له في عرف المخاطب، لكن في المجاز لا بد من شرطين: لا بد أولاً من وجود قرينة تصحح هذا العدول، قرينة صحيحة لفظية أو حالية هي التي جوزت لنا أن نعدل بهذا اللفظ عن معناه الظاهر إلى هذا المعنى الآخر المجازي، ولا بد أيضاً من وجود علاقة أيضاً بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي.
من دون وجود قرينة هذا الذي يهمني الآن، من دون وجود قرينة لفظية أو حالية لا يجوز لك أن تحمل الألفاظ على معانيها المجازية. من دون وجود قرينة صحيحة لفظية أو حالية لا يجوز لك أن تحمل الألفاظ على معانيها المجازية، بل يجب أن تبقى الألفاظ على معانيها الحقيقية الظاهرة المتبادرة إلى الذهن.
مثلاً إذا قلت لك: رأيت... الآن كلمة الأسد معناها الحقيقي المتبادر إلى الذهن الحيوان المفترس، فإذا قلت لك: رأيت أسداً؛ يجب أن تحمل الأسد هنا على الحيوان المفترس على المعنى الحقيقي للأسدية، ولا يجوز لك أن تقول: آه قصدك برأيت أسداً رأيت رجلاً شجاعاً! أقول لك: لا، لا يجوز لك أن تفسر الأسد هنا بالرجل الشجاع، لماذا؟ لأن إطلاق الأسد على الرجل الشجاع إطلاق مجازي، فلا بد من وجود قرينة في السياق لفظية أو حالية تدلك على أني لم أرد بالأسد هنا معناه الحقيقي الظاهر المتبادر إلى الذهن وإنما أردت منه المعنى المجازي. من دون وجود هذه القرينة الصحيحة يجب أن يبقى اللفظ على معناه الحقيقي، فإذا حملته على معناه المجازي من دون وجود القرينة فهذا يسمى تحريفا للكلم، يسمى تحريفا للكلم.
حرفت، إذا كان هناك قرينة هي التي اقتضت أن أنتقل باللفظ من معناه الحقيقي إلى معناه المجازي هذا ما عندنا فيه أشكال، يسمى مجازاً ويسمى تأويلاً عند المتأخرين ما في مشكلة، لكن مع عدم وجود قرينة تقتضي هذا العدول أنت تمارس عملية التحريف للكلام، وهذا ما مارسه كثير من المتكلمين على نصوص الكتاب والسنة أنهم أتوا إلى نصوص ظاهرها تدل على معنى صحيح، تدل على اسم من أسماء الله الحسنى، أو تدل على صفة من صفاته العلى، فحرفوا هذه الألفاظ صرفوها عن معانيها الظاهرة المتبادرة إلى الذهن إلى معانٍ أخر مجازية لها مع عدم وجود قرينة صحيحة تقتضي هذا العدول، وإنما توهموا قرائن وهمية في عقولهم.
هم يقولون: عندنا قرائن، لكن في الحقيقة ليست قرائن حقيقية، قرائن وهمية توهموها في عقولهم جعلوا هذه القرائن الوهمية سبباً لعملية الصرف، سبباً لعملية الصرف، وهذه القرائن قرائن باطلة فاسدة، لعلنا نقف معها في دورات أخرى بإذن الله.
فإذاً التحريف الذي نرده هو أن يأتي نص في الكتاب أو في السنة فيه اسم من الأسماء الحسنى أو فيه صفة من الصفات العلى، فتقوم أنت بصرف هذا النص عن معناه الظاهر المتبادر الذي يتعقله العقلاء منه إلى معنى آخر مجازي مع عدم وجود قرينة صحيحة تقتضي منك هذا العدول.
فحينما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]، الآن هذه الآية معناها ظاهر، معناها ظاهر أن الله استوى على عرشه، طبعا مع بقية المقتضيات التي سنذكرها نحن نفهمها بمعناها الظاهر من دون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. سأذكر أيضاً يجب أن ننفي التكييف والتمثيل عن الصفات، لكن ما أقوله الآن هنا ما أريد أقضده، أقول: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ هذه الآية معناها ظاهر حقيقي في أن الله استوى على عرشه، صرف هذا النص عن معناه الظاهر المتبادر إلى أذهان العقلاء إلى معنى آخر مجازي مع عدم وجود قرينة صحيحة تقتضي هذا العدول هي عملية تحريف للنص، هي عملية تحريف للنص، وهذا للأسف يمارسه كثير من الفرق الكلامية على هذا النص وعلى غيره من نصوص الصفات.
فيقولون: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ آه هذه ليست معناها هو المعنى الظاهر المتبادر إلى أذهانكم، كلا! بل لها معنى مجازي يجب أن نصرف الآية إليه. قلنا: ما هو المعنى المجازي هنا؟ قالوا: المراد باستوى استولى! الرحمن على العرش استوى أي استولى على العرش. فنقول لهم: من أين أتيتم بهذا المعنى المجازي؟ وكيف صرفتم هذا اللفظ عن حقيقته المتبادرة إلى أذهان عقلاء إلى هذا المعنى المجازي؟ ما هي القرينة التي اقتضت ذلك؟ فيأتون بقرائن وهمية يدعونها، يقولون: إثبات الاستواء يقتضي التجسيم والتمثيل، إلى غير ذلك من الأمور الباطلة التي يدعونها، فهذا الذي دعانا إلى تحريف النص.
فنقول لهم: هذه عملية تحريف لا تجوز عند أهل السنة والجماعة، فالنص يبقى على ظاهره وعلى الحقيقة المتبادرة منه كما قال مالك بن أنس حينما سئل عن هذه الآية عن الاستواء فقال: الاستواء معلوم، معناه معلوم في أذهاننا، والكيف غير معقول، وفي رواية أخرى: والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. لا تأخذ تقول: كيف استوى؟ وتبدأ تمثل، لكن تؤمن أن الله استوى، تؤمن أن الله استوى ويجب أن تؤمن بذلك كما قال مالك بن أنس، لكن لا تخض بعد ذلك: كيف استوى؟ هذا أمره إليه سبحانه وتعالى.
إذاً فهمنا ما هو التحريف: أن تأتي النصوص في الكتاب أو السنة تدل على اسم من أسمائه الحسنى أو صفة من صفاته العلى، فتقوم بتحريف هذا النص. ما معنى تحريفه؟ أن تصرفه من معناه الظاهر المتبادل إلى أذهان العقلاء إلى معنى آخر مجازي مع عدم وجود قرينة صحيحة تقتضي هذا العدول، وإنما اعتمدت على قرينة وهمية باطلة لا عبرة بها أتيت بها من وهمك وصنعتها بعقلك. إذاً أولاً لا بد نحذر من التحريف.
طيب، الشيء الثاني: لا بد نحذر من التعطيل، قلنا من غير تحريف ولا تعطيل. ما هو التعطيل؟ التعطيل في اللغة أحبتي هو الخلو، فتقول مثلاً: هذا جيد معطل من الحلي أي خال من الحلي، تمام؟ فهذا معنى التعطيل في اللغة الخلو. المراد بالتعطيل الذي ننفيه عن نصوص الأسماء والصفات: أنه لا يجوز أن ننفي اسماً من الأسماء الحسنى الثابتة لله عنه، أو ننفي صفة من الصفات العلى الثابتة لله عنه أو بعض الصفات. يعني هناك من يسلك التعطيل الكلي، ينفي كل الأسماء عن الله، وينفي كل الصفات العلى عن الله، هذا تعطيل كلي، وهناك من يمارس تعطيل جزئي، أنه ينفي قسماً من الأسماء الحسنى عن الله أو قسماً من الصفات العلى عن الله.
فالتعطيل ممنوع سواء كان تعطيلاً كلياً أو تعطيلاً جزئياً. ما هو التعطيل؟ أن تنفي عن الله الأسماء الحسنى أو الصفات العلى الثابتة له بنصوص الكتاب والسنة، أن تنفي هذه الأسماء عن الله أو تنفي اتصاف الله بهذه الصفات، سواء كلها أو بعضها. قد تمارس أنت تعطيل كلي، وقد تمارس تعطيل جزئي، وكلاهما لا يجوز عند أهل السنة.
إذا عرفنا ما هو التحريف وما هو التعطيل؟ التعطيل هو النفي، طيب بقي علينا المفهوم الثالث والرابع من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف. أيضا من منهج أهل السنة والجماعة أننا لا نخوض في التكييف. ما معنى التكييف؟ يعني في الكيفية والصورة التي اتصف الله عز وجل بها في هذه الصفات الثابتة له. الآن الله عز وجل اتصف بصفات علا وردت في نصوص الكتاب والسنة، فنحن نثبت هذه الصفات بمعانيها التي نعلمها لكننا لا نخوض في الصورة والكيفية التي اتصف الله سبحانه وتعالى بها لهذه الصفات. فنحن نثبت لله سبحانه وتعالى كما أخبرنا أنه ينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، لكن نحن نثبت ونفهم ما معنى النزول، لكن كيف ينزل ما هي صورة النزول؟ ما هي هيئة النزول؟ هذا لا نعلمه ولا يجوز لنا أن نخوض فيه، لأن الخوض في صورة الصفات وفي هيئتها فرع عن معرفتنا بالذات الإلهية، ونحن نجهل الذات الإلهية، فكيف نستطيع أن نعرف كيفية اتصاف هذه الذات بالصفات لا نستطيع تعقل الصفات في كيفيتها هو فرع عن تعقل الذات ونحن لا نعرف ذاته.
نثبت ذاتا إلهية مقدسة منزهة، لكننا لا نعرفها، فكيف إذا سنعرف كيفية اتصاف هذه الذات بالصفات؟ فنحن علينا أن نقف مع النص. أخبرنا الله أنه ينزل إلى السماء الدنيا نقول الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف ذلك لا يجوز لنا أن نخوض لأننا لا نستطيع أن نتعقل هذا. الله سبحانه وتعالى أخبرنا أن له وجها أن له يدا، فإننا نثبت لله الوجه واليد والعين وكل ما أخبرنا الله سبحانه وتعالى أنه ثابت له نحن نتبعه، أخبرنا بشيء نتبعه نثبته له لكننا نقف عند حدنا ولا نخوض في كيفية اتصاف الله بالوجه أو كيفية اتصاف الله باليد أو كيف كيفية اتصاف الله سبحانه وتعالى بالضحك بالكلام إلى غير ذلك من الصفات. فهذا الأمر يجب أن ننهيه تماما وأن نغلقه تماما، كيفية اتصاف الله بالصفات الثابتة له هذا أمر لا مجال للعقل أن يخوض فيه بحال من الأحوال.
إذا عرفنا ما هو التكييف الذي ينفيه أهل السنة والجماعة؟ الخوض في كيفية اتصاف الله بالصفات، وما هي الصورة والهيئة التي تقوم بها في ذاته سبحانه وتعالى. الشيء الرابع هو التمثيل، عند أهل السنة والجماعة أيضا يقولون من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. ما هو التمثيل؟ التمثيل هو أن تشبه صفات الخالق الثابتة له بصفات المخلوقين. فبعض الجهال ماذا يقولون؟ يقول الله سبحانه وتعالى موصوف بالوجه كما أخبرنا ووجهه كوجه المخلوقين، حاشاه سبحانه، أو يده كيد المخلوقين، حاشاه سبحانه، أو نزوله أو استواؤه إلى غير ذلك من الصفات كصفات المخلوقين. هذا تمثيل لا يجوز عند أهل السنة والجماعة، لا يجوز عند أهل السنة والجماعة أن تمثل صفات الخالق بصفات المخلوقين.
لماذا؟ للقضية التي ذكرناها أننا لا نعرف الذات الإلهية فكيف ندخل في تمثيل صفاتها بصفات المخلوقين. الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فاذا كنا نجهل الذات الإلهية نحن نثبت ذاته، القصد بالذات الإلهية نحن نثبت ذاتا إلهية مقدسة منزهة لكننا لم نطلع ولم نشاهد هذه الذات، فبما أننا لم نطلع ولم نشاهد هذه الذات فلا يجوز لنا بالتالي أن نخوض في ماذا؟ في كيفية أو تمثيل صفات هذه الذات المقدسة المنزهة بصفات المخلوقين. فلو قلت لي طب يا شيخ أنا شايف أنه قضية التكييف والتمثيل نفس الشيء؟ أقول لك لا، هناك فرق دقيق بين التكييف والتمثيل حينما يقول من غير تكييف ولا تمثيل.
التكييف هو أن تخوض في كيفية اتصاف الله سبحانه وتعالى بالصفة وفي الهيئة وفي الصورة التي تحل فيها هذه الصفة في الذات الإلهية من دون أن تقيسها على شيء من المخلوقات، من دون القياس على شيء من المخلوقات. التكييف ممنوع لكن حتى أطيك الفرق الدقيق لماذا أهل السنة يقولون من دون تكييف ولا تمثيل؟ لماذا لا يقتصرون على شيء واحد يقولون من دون تمثيل؟ لا، لأن كلاهما منفي، التكييف منفي والتمثيل منفي. طب ما هو الفرق بين التكييف والتمثيل؟ هذا الذي ذكرته لك، التكييف المنفي هو أن تخوض في الكيفية التي اتصف الله سبحانه وتعالى بها بهذه الصفة أو الصورة التي اتصف الله عز وجل بها بهذه الصفة طبعا من دون أن تقيس على مخلوق من المخلوقات فهذا يسمى تكييف وهو منفي ولا يجوز.
التمثيل أشد، هو أن تخوض في كيفية اتصاف الله بالصفة أو الصورة التي اتصف الله عز وجل فيها بهذه الصفة من خلال قياسها وتمثيلها بصفات المخلوقين، فأنت في التمثيل تقيس صفة الخالق على صفة المخلوق، أنت تخوض في الكيفية لكن خوضك في الكيفية في التمثيل هو أن تقيس الكيفية التي اتصف الله عز وجل بها بصفاته على كيفية المخلوق بها وهذا لا يجوز وهو خطير جدا. وأما التكييف المطلق هو أن تدخل في كيفية اتصاف الله سبحانه وتعالى بالصفة حتى ولو لم تقارن أو تقيس على شيء معين، هذا أيضا باب ممنوع يجب إغلاقه تماما.
إذا عرفنا دلالة هذه المصطلحات الأربع: من غير تحريف؛ صرف اللفظ الوارد في الكتاب أو في السنة من الأسماء والصفات عن معناه الظاهر الحقيقي المتبادل إلى أذهان العقلاء إلى معنى آخر مجازي من دون وجود قرينة صحيحة بل بناء على قرائن باطلة. ولا تعطيل؛ التعطيل هو أن تنفي الصفات أو الأسماء عن الله سبحانه وتعالى كلها أو بعضها. ولا تكييف؛ التكييف أن تخوض في كيفية اتصاف الله بالصفة أو الصورة والهيئة التي اتصف الله عز وجل بهذه الصفة من دون أن تقيس على شيء معين وهذا ممنوع. ولا تمثيل؛ التمثيل هو أن تخوض في الكيفية التي اتصف الله عز وجل بها أو الهيئة أو الصورة مع قياسها على شيء معين من المخلوقات وكلاهما ممنوع. وهذه الأربع التي منعناها وقلنا أهل السنة والجماعة يطلبون منك اجتنابها، الله سبحانه وتعالى دلنا على اجتنابها في آية واحدة جامعة في كلامه سبحانه وتعالى حين قال في سورة الشورى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
المقطع الأول ليس كمثله شيء هذا فيه دعوة إلى نبذ التكييف والتمثيل، كأن الله عز وجل يقول لك إياك أن تقارن، إياك أن تحاول تعقل صفاته أو اسمائه بصفات المخلوقين، إياك أن تقارن أو تدخل في الكيفيات والهيئات، اثبت من دون تكييف ولا تمثيل لماذا؟ لأنه ليس كمثله شيء، فإذا ليس كمثله شيء هذا المقطع الأول نفي للتكييف ونفي للتمثيل. ثم قال وهو السميع البصير، لاحظوا هذا الجمع في سياق واحد هذا مقصود لله سبحانه وتعالى، ليس كمثله شيء لكن في نفس الوقت وهو السميع البصير، ذكر السمع والبصر ونبه باثبات السمع والبصر على باقي الصفات أسمائه الحسنى، فإياك أن تظن إذا قلت لك ليس كمثله شيء أنك ينبغي عليك أن تنفي وأن تعطل الأسماء والصفات، لا هو صحيح ليس كمثله شيء، لكن في نفس الوقت له أسماء حسنى وله صفات يجب أن تثبتها على ما أثبته الله لنفسه في الكتاب والسنة وهو السميع البصير.
قال العلماء هذا نفي وإبطال للتحريف والتعطيل، فلا تحريف في نصوص الأسماء والصفات ولا تعطيل لا نعطل الله عن أسماءه وصفاته، لكننا في نفس الوقت ليس كمثله شيء لا نكيف ولا نمثل. هذا هو منهج أهل السنة والجماعة باختصار في باب الأسماء الحسنى والصفات العلى، عموما الآن سنفصل أكثر وأكثر لكن عموما يجب أن تكون هذه الأمور واضحة لديك ابتداء، أن توحيد الأسماء والصفات هو اعتقاد تفرد الله بأحسن الأسماء وأكمل الصفات الواردة في الكتاب والسنة من دون تحريف ومن دون تعطيل ومن دون تكييف ومن دون تمثيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
طيب بعد أن قعدنا مفهوم توحيد الأسماء والصفات دعونا أحبتي الآن نغوص في ذكر قواعد باب الأسماء الحسنى والصفات العلى. الآن طريقة العلماء في سرد قواعد باب الصفات والأسماء لهم طرق متنوعة في ذكر هذه القواعد، أنا اخترت طريقة ذكرها طائفة من أهل العلم وأوجدها طريقة جيدة، وهي أنني أولا ساذكر قواعد أهل السنة والجماعة في باب الأسماء الحسنى على حدة، ثم ساذكر قواعد أهل السنة والجماعة في باب الصفات العلى على حدة، وحينما أذكر قواعد الأسماء الحسنى سأذكر عموما بشكل إجمالي ما هي المناهج المنحرفة في الأسماء الحسنى؟ وحينما أذكر باب قواعد أهل السنة والجماعة في باب الصفات العلى ساذكر عموما ما هي المناهج المنحرفة في باب الصفات العلى؟ واعلموا أنني لم استوعب جميع القواعد وإنما ذكرت أهمها، لم استوعب جميع القواعد في باب الأسماء الحسنى والصفات العلى وإنما ذكرت أهم هذه القواعد التي تليق بهذا الكتاب المختصر.
إذا منهجنا الآن أننا سنذكر قواعد باب الأسماء الحسنى، سنتعرف على المناهج المنحرفة في الأسماء الحسنى، ثم أنتقل إلى قواعد باب الصفات العلى وما هي المناهج المنحرفة في باب الصفات العلى؟ ثم بعد ذلك نغوص أكثر وأكثر مع ابن قدامة فيما ذكره. إذا دعونا ننتقل الآن إذا للكلام عن قواعد باب الأسماء الحسنى عند أهل السنة والجماعة، فنقول مستعينين بالله: القاعدة الأولى من قواعد باب الأسماء الحسنى تقول: أسماء الله كلها حسنى. هذه قاعدة مهمة، إياكم أحبتي أن تظنوا أن بعض القواعد خلاص واضحة على اللي بعديها يا شيخ؟ لا لا، كل قاعدة يجب أن تقف عندها وأن تتأمل دلالتها حتى ولو كانت في ظاهر الأمر واضحة لكنك لو غصت فيها ستجد فيها عمقا.
القاعدة الأولى تقول: أسماء الله كلها حسنى أي بلغت النهاية في الحسن، أي بالغة في الحسن المنتهى والحد الأقصى، وذلك لأنها مشتملة دالة على صفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه. نعيد القاعدة: أسماء الله كلها حسنى في المرتبة العالية في الحسن والجمال والكمال، لماذا؟ قالوا لأنها دالة ومشتملة على صفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه، تدل على صفات كمال ومدح لا نقص فيها بوجه من الوجوه. مثال ذلك من أسماء الله الحسنى: الحي، اسم الحي متضمن للحياة الكاملة لله سبحانه وتعالى التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فاسم الحي صادق على الله في أعلى درجات الكمال.
مثال آخر: العليم، هذا الاسم متضمن للعلم الكامل بالكليات والجزئيات، فالله سبحانه وتعالى لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين، وعنده مفاتح الغيب سبحانه لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، علم هائل شامل للكليات والجزئيات لا يفوت شيء سبحانه. فحينما نقول من اسماء الله العليم فهذا اسم يتصف الله عز وجل به على أعلى درجات الكمال والحسن مدح، فالعليم يدل على علم كامل شامل بالكليات والجزئيات فلا يعزب عنه شيء في السماوات ولا في الأرض، فدائما أي اسم من أسماء الله الحسنى عليك أن تنظر فيه هذه الزاوية من الكمال وتتفكر في درجات الكمال الإلهي فيه: العليم، الرحيم، الرحمن، العزيز، الحكيم، دائما أي اسم من أسمائه اعلم أن الله عز وجل وصل في هذا الاسم إلى أعلى درجات الكمال، الكمال المطلق له سبحانه وتعالى.
وهذا الحسن في أسمائه سبحانه وتعالى على درجتين، الحسن في أسمائه سبحانه وتعالى على درجتين: الدرجة الأولى: حسن كل اسم على انفراده، فإذا نظرت للرحيم وحده تجد كمال وحسن، إذا نظرت في الرحمن وحده تجد كمال وحسن، إذا نظرت في العزيز وحده عن انفراده أخذت هذا الاسم عن انفراده ونظرت فيه تجد الكمال المطلق، وإذا نظرت في كلمة الحكيم على انفرادها تجد الكمال المطلق. إذا الحسن في أسماء الله الحسنى أولا كل اسم على انفراده.
المرتبة الثانية: حسن كل اسم حينما يقرن باسم آخر، إذ يحشر بعض الأسماء بعضها إلى بعض كمال فوق الكمال وهذا شيء جميل جدا. يعني كل اسم على انفراد يدل على كمال، وإذا قرن الاسم مع غيره يدل على كمال فوق الكمال، فحينما أنظر في كتاب الله سبحانه وتعالى كثيرا ما تجد اسماء مقترنة مع بعضها البعض مثلا: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: 24]. فالعزيز وحدها تدل على كمال والحكيم وحدها تدل على كمال، وقرن العزيز بالحكيم في سياق واحد يدل على كمال فوق ذلك الكمال.
طب ما هو هذا الكمال الذي فوق الكمال الأول؟ هذا الكمال أنك حينما تقول العزيز الحكيم فإنك تريد القول إن الله في عزته وقوته وغلبته لا يوجد هناك ظلم وجور وجهل، بل هناك حكمة تقترن بهذه العزة والقوة. وحينما تقول الحكيم مقترنة بالعزيز فإن حكمة الله سبحانه وتعالى لا تقتضي خورا وضعفا كما هو الحال في كثير من المخلوقين، قد تجد بعض الناس يقول لك أنا عن نفسي إنه حكيم لكن حكمة هذا البشر فيها خور وضعف، فيها شيء من الخور والضعف، لكن حكمة الله سبحانه من كمالها أنها مقترنة أيضا بالعزة والغلبة والقهر، فعزته لا تتضمن جورا وظلما، وحكمته لا تتضمن خورا وضعفا، فلاحظوا كيف أن اجتماع العزة مع
مع الحكيم تضمن كمالاً فوق الكمال. إذا؛ الحزن في الله في أسماء الله سبحانه وتعالى حسن كل اسم على انفراده، فكل اسم لو أخذته على انفراد وتأملت فيه؛ فيه الكمال المطلق. وإذا ضممت اسم إلى آخر ستجد كمالاً فوق الكمال، يعني تنتج كمالاً فوق الكمال. فضم مع الحكيم وضم الغفور مع الرحيم، إلى غير ذلك من الأسماء التي وردت مقترنة مع بعضها في نصوص الكتاب والسنة. إذا نظرت في اقترانها وفي ارتباطها ستجد كمالاً فوق الكمال.
ووظيفة الإنسان أحبتي حينما ينظر في هذه النصوص في الكتاب والسنة أن يلاحظ هذا الكمال، يعني لا نريد أن تبقى مسائل الاعتقاد وقواعد الأسماء والصفات قواعد جامدة نظرية فقط، نحن نريدها لنرد على الفرق الأخرى. نحن قلنا المادة العقدية وظيفتها الأساسية أن تكون وقوداً لك محركة لك، فعليك أن تتعبد الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى. ومن أخطاء الدرس العقدي عند كثير من المعاصرين أن الدرس العقدي أصبح درس جامد، درس لا يحتوي على إيمانيات ولطائف وتدبرات في الأسماء الحسنى وفي الصفات العلى، والتأمل والتدبر في مظاهر قدرة الله. هذا هو المقصود من العقيدة؛ العقيدة إنما أتت ليعمل لتكون رصيد ووقود للعمل الإنساني. لم يؤتى بالدرس العقدي لييكون مجرد خلافات ونقاشات وجدل فيما هو الدليل وما هو الصواب فقط من أجل هذا الأمر، بل المادة العقدية مادة يجب أن تقف عندها متدبراً متأملاً عاملاً.
حينما نتكلم أن الله سبحانه وتعالى القاعدة الأولى أسماء الله كلها حسنى في أعلى درجات الحسن، وتعرف أن هذا الحسن على مرتبتين؛ المرتبة الأولى: حسن كل اسم على انفراده. المرتبة الثانية: حسن كل اسم حينما يضاف إلى غيره. هذا يدعوك إلى أن تتدبر وتتأمل في نصوص الكتاب والسنة حينما تقرأ وردك من كتاب الله سبحانه وتعالى. لماذا قرن هذا الاسم بهذا الاسم بالتحديد؟ ما هو الكمال الذي انضاف فوق الكمال السابق؟ هذه الجماليات التي يجب أن نحيا بها.
كذلك حينما تحيا مع اسم الله العزيز، مع اسم الله الحكيم، مع اسم الله الغفور، مع اسم الله الرحيم؛ عليك أن تحيا مع هذا الاسم وتنظر مقتضياته في حياتك. حينما تؤمن أن الله سبحانه وتعالى الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، كل اسم من أسماء الله الحسنى لا ينبغي أن يكون له أثر في حياتك. أن تتعبد الله باسم العزيز، أن تتعبد الله باسم الحكيم، أن تتعبد الله باسم الكريم، باسم القدوس، باسم الملك، باسم الجبار. عليك كل يوم أن يكون عندك ورد من أوراد هذا التدبر، وأن تحيا مع كل اسم من أسماء الله الحسنى في كل يوم من أيامك، وتنظر في مظاهر هذا الاسم وتجلياته في حياتك وفي هذا الكون، فإن هذا هو المطلوب حقيقة من إقامة الدرس العقدي، وليس مجرد سرد المسائل والأقوال.
إذا عرفنا أحبتي هذه القاعدة الأولى؛ وهي أن أسماء الله -حفظت القاعدة الأولى- أسماء الله كلها حسنى، أي بالغة في الحسن والمنتهى إلى الحد الأقصى، وذلك لأنها مشتملة على صفات الكمال والمدح. إذا عرفنا هذه القاعدة ينبغي أن يعلم أولاً أن الأسماء التي تدل على نقص لا كمال فيها كالفقير والعاجز والضعيف ونحوها، لا يجوز البتة بحال من الأحوال أن تبأ إلى الله سبحانه وتعالى. أي اسم يدل على نقص لا كمال فيه فلا يجوز بحال من الأحوال أن ينسب إلى الله سبحانه وتعالى، فلا يجوز أن تصف الله والعياذ بالله أو تسمي الله بالفقير أو العاجز، هذا والعياذ فيه تنقص من الله، ومن تنقص من الله كفر، قضية خطيرة. إذاً؛ الأسماء التي تدل على نقص لا كمال فيها كالفقير والعاجز والضعيف ونحوها من اسماء النقص، لا يجوز البتة أن تنسب إلى الخالق. نعم؛ المخلوق يسمى فقيراً ضعيفاً عاجزاً ما عندنا مشكلة، لكن الخالق يبرأ عن كل نقص.
ثانياً؛ الأمر الثاني الذي يجب أن يعلمه: أن الأسماء التي تدل على كمال في حال ونقص في حال، أيضاً لا يجوز تسمية الله سبحانه وتعالى بها. الفرع الأول كأنه يقول: الأسماء التي تدل دائماً على النقص لا كمال فيها بوجه من الوجوه، لا يجوز أن يتسمى الله سبحانه وتعالى بها أو أن تجعل اسماً من اسمائه، وكذلك لا تجعل صفة من صفاته كما سنأتي في باب الصفات. النوع الثاني: الأسماء التي تدل على كمال في حال وعلى نقص في حال، يعني هي في حال قد تدل على كمال، لكن في حال آخر تدل على نقص، فهذه لا يجوز أن يسمى الله بها أيضاً، لكن يجوز أن يوصف الله عز وجل بها في حال كمالها. إذاً؛ في فرق بين النقطة الأولى والثانية. النقطة الأولى تتكلم عن الأسماء التي هي دائماً نقص لا كمال فيها بوجه من الوجوه، فهذه لا تصلح أن تكون اسماً لله ولا أيضاً أن تكون صفة لله. النوع الثاني: أسماء تدل على كمال في حال ونقص في حال، فهذه لا يجوز أيضاً أن تكون اسماً من أسماء الله، لكن كما سيأتي معنا في باب الصفات يجوز أن تكون صفة وأن يوصف الله بها في حال كمالها، في حال كمالها، وأكيد لن يتصف الله بها على صورة النقص، حاشاه سبحانه وتعالى.
فمثلاً اعطينا مثال يا شيخ: المتكلم، المريد، الماكر، الخادع. دعونا نقف عند هذه الأربع، هل يجوز أن تسمي الله بأنه متكلم من أسماء الله الحسنى؟ نقول: من أسمائه الحسنى أنه متكلم، أو أنه مريد هذا اسم من أسماء الله الحسنى، أو أنه ماكر أو أنه خادع. لا يجوز أن يسمى الله عز وجل بهذه الأسماء، لماذا؟ لأن هذه أحبتي؛ المتكلم والمريد والماكر والخادع ونحوها تكون كمالاً في حال ونقصاً في حال.
كيف يا شيخ؟ المتكلم: أليس قد يتكلم المتكلم بشيء خطأ أو بفحش أو ما شابه ذلك؟ يعني خلونا ننظر في حياتنا الواقعية. الإنسان المتكلم؛ ألا يمكن أن يتكلم بشيء من الفحش والفجور والخطأ، فيكون هنا الكلام ليس مدحاً، بل الكلام هنا يكون مذموماً؟ وإذا تكلم الإنسان بالخير والصلاح وذكر الله وقراءة القرآن يكون الكلام في هذه الحالة ممدوحاً. إذاً؛ هل الكلام ممدوح على كل أحواله؟ كلا. إذاً؛ كان الكلام بالشر والسوء والفحشاء فالكلام هنا مذموم، وإذا كان الكلام بالخير والحكمة والفضيلة فالكلام هنا ممدوح. إذاً؛ الكلام قد يكون مدحاً في حال وذماً في حال.
الإرادة: إذا كان الإنسان مثلاً مريد لشيء من الأشياء النافعة الهادفة فهذه الإرادة تكون خيرة، وإذا كان مريداً لشيء ضار أو فيه أذى أو فيه شر فتكون هذه الإرادة إرادة فاسدة. فإذاً؛ الإرادة قد تكون فيها خير وكمال، وقد تكون فيها نقص وضعف بحسب الشيء الذي تريده. فلاحظوا إذاً كيف أن الكلام والإرادة فيها حالة كمال وفيها حالة نقص.
كذلك المكر والخداع، المكر والخداع أحبتي قد يكون في صورة نقص، قد يكون في صورة نقص أن يكون الإنسان لا يستطيع أن يحصل مراده بشكل واضح جلي. هذا نتكلم عن المكر والخداع الناقص: أن يكون الإنسان لا يستطيع أن يحصل مراده بشكل واضح جلي، فيلجأ إلى طرق المكر والخداع من دون حاجة إلى ممارسة المكر والخداع، يعني ما في أحد أوقع عليه مكراً أو خداعاً، لكن هو يريد أن يصل إلى أموال الناس أو إلى حقوق الناس أو إلى أشياء يريدها في ذهنه، يريد أن يصل إليها عن طريق الطرق الملتوية، المكر والخداع. في هذه الحالة يكون المكر خداع مذموماً.
لكن في حالة أخرى: إذا تعرض المسلم لخداع عدوه، أو إذا تعرض المسلم لمكر من عدوه، فالمسلم في هذه الحالة يقابل هذا الخداع بخداع آخر، ويقابل هذا المكر الذي مكره به العدو بمكر آخر. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحرب خدعة». هناك خداع فيه كمال للإنسان، فإن المسلم لا يكون مغفلاً؛ الأعداء يخدعونه وهو يقابلهم بالورود، الأعداء يمكرون به وهو لا يمكر بهم، يخططون له في الليل وهو لا يخطط لهم، لا يصلح. فإذاً؛ المكر والخداع في حال قد يكون مذموماً إذا وصلت به إلى باطل، وفي حال يكون كمالاً ومدحاً إذا وصلت به إلى كمال وإلى خير.
فالتكلم والارادة والمكر والخداع وغيرها؛ يعني هناك امور اخرى قد تكون في حال نوع من الكمال وفي حال آخر نوع من النقص. وهذا النوع بما انه هو في حالة فيه كمال وفي حالة فيه نقص، لا يجوز أن نسمي الله عز وجل به على الإطلاق، لا يجوز أن تقول من أسماء الله الحسنى، لأن إحنا قررنا قاعدة: أسماء الله كلها حسنة. يعني أي اسم سنثبته لله سبحانه وتعالى لا بد أن يكون هذا الاسم حين إطلاقه وحين بمجرد أن تسمعه يدلك على الكمال المطلق.
فمثلاً الرحمن: إذا سمعت كلمة الرحمن بمجرد تسمعها لا يخطر في ذهنك أن هناك والله رحمة شريرة ورحمة خيرة، الرحمة تدل على كمال مطلق. العزيز: العزة والقوة، إذا سمعت الله من اسمائه عزيز، فلا يخطر في ذهنك أن هناك عزة فاسدة، بل عزته سبحانه وتعالى إذ كلما سمعتها على الكمال. الحكيم، الرشيد، الحليم.
لكن إذا قلت: المتكلم، المريد، لاحظ أن هذه الأسماء لا تدل على كمال في ذاتها، وإنما هي كمال في حال دون حال، لأن هناك ما قلنا من يتكلم بالشر وهناك من يتكلم بالخير، هناك من يريد إرادة شريرة وهناك من يريد إرادة خيرة. فإذا تقول من أسماء الله الحسنى المتكلم المريد نقول: المتكلم، المريد، الخادع، الماكر وغيرها، لا تدل حين إطلاقها على الكمال المطلق، فهي ليست حسنى بهذا المفهوم، ليست حسنى بهذا المفهوم، لأنه قلنا: أسماء الله من شرطها أنها حسنى. حسنى يعني إذا أطلقت فتدل مباشرة على الكمال المطلق.
والمتكلم والمريد والماكر والخادع إذا أطلقت هكذا؛ ماكر، خادع، متكلم، مريد، لا تدل بمجرد إطلاقها على الحسن المطلق والكمال المطلق، بل فيها تفصيل، وبما أنه فيها تفصيل إذاً لا تصلح أن تكون من أسماء الله الحسنى، بل تصلح أن تكون في باب الصفات فيما ثبت منها في الصفات. تمام؛ إذاً نقول: الأسماء التي تدل على كمال في حال ونقص في حال لا يجوز أن تجعل من أسماء الله الحسنى، وإن كان قد يوصف بها في حال كمالها.
فالمتكلم والمريد والماكر والخادع ونحوها تكون كمالاً في حال ونقصاً في حال، لذا لا يصح تسمية الله بها، وإن كان قد يوصف بها في حال كمالها كما سيأتي معنا في باب الصفات بإذن الله. وإنما لم يسمى الله بها؛ لأنها في حال إطلاقها قلت: ماكر، خادع، متكلم، مريد، لا تشتمل على المدح، لا تشتمل -إذا كنت متكلم وسكت- آه والله هذا اسم من أسماء الله الحسنى هكذا على الإطلاق، لا تشتمل على مدح. مريد هكذا على الإطلاق لا تشتمل على مدح، ماكر هكذا على الإطلاق لا تشتمل على مدح، بل بل قد يفهم في بعض الأحيان كلفظة الماكر والخادع قد يفهم منها في بعض الأحيان نقص. فلا يجوز إذاً أن تطلق على الله سبحانه وتعالى كاسم من أسماء الله الحسنى، وأما باب الصفات فهذا له قاعدته التي سنأتي إليها.
وأماء الله الحسنى كما قررنا فيجب أن تدل على المدح في نفسها وفي ذاتها بمجرد سماعها، وليست مما يحتمل الحالين. تمام؛ إذاً هذه القاعدة الأولى انهيناها، أسماء الله يجب أن تدل على الحسن المطلق والكمال المطلق بمجرد سماعها. وعرفنا درجات الحسن، وعرفنا ما يتفرع عن هذه القاعدة: أن ما كان يدل على نقص مطلق فلا يسمى الله به ولا يوصف الله به، وما كان يدل على كمال في حال ونقص في حال فلا يسمى الله به، وإن كان قد يوصف به في حال كماله.
نذهب إلى القاعدة الثانية فنقول: القاعدة الثانية أسماء الله سبحانه وتعالى هي أعلام وأوصاف في نفس الوقت. أسماء الله الحسنى هي أعلام وأوصاف في نفس الوقت، لماذا؟ لأن هذه الأسماء في الحقيقة إنما هي مشتقة من أوصافه سبحانه وتعالى. هذه الأسماء هذه الأعلام مشتقة من ماذا؟ من أوصافه.
فنحن نقول: أسماء الله سبحانه وتعالى هي أعلام. أعلام يعني تدل على الذات. حينما نقول علم يعني تدل على الذات. لأن العلم في العربية العرب لماذا أتت بالأعلام محمد، زيد، بكر، خالد؟ لماذا أتت بالأعلام؟ أليس لتدل على الذوات؟ فكلمة محمد تدل على ذات محمد، وسعد تدل على ذات سعد. وأسماء الله سبحانه وتعالى هي أعلام هي تدل على ذات الله سبحانه، فالرحمن يدل على ذات الله، والرحيم يدل على ذات الله، والكريم يدل على ذات الله، فأسماء الله أعلام.
لكنها في نفس الوقت أيضاً أوصاف، لماذا؟ لأن هذه الاعلام أصالة إنما اشتقت من الأوصاف. فلما كان الله موصوفاً بالرحمة اشتق منها الرحيم والرحمن، ولما كان الله موصوفاً بالحكمة اشتق منه الحكيم، ولما كان الله موصوفاً بالعزة اشتق منه العزيز. فأسماء الله الحسنى هي مشتقة من صفاته سبحانه وتعالى، فلذلك أصبحت هذه الأسماء أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وفي نفس الوقت صفات باعتبار دلالتها على الصفات التي اشتقت منها.
فحينما تقول: الحكيم، العزيز، الصبور، الرشيد، هذه أسماء الله الحسنى هي أعلام تدل على ذات الله، وفي نفس الوقت هي صفات لأنها تدل على اتصاف الله بالحكمة التي اشتق منها اسم الحكيم، وتدل على اتصاف الله بالرحمة اشتق منها اسم الرحيم، وعلى ذلك فقس. إذاً القاعدة الثانية عند أهل السنة والجماعة.
وهذه قاعدة مهمة، لأن هناك من خالف فيها من الفرق كما سيأتي معنا. نقول: أسماء الله هي أعلام على ذاته، وفي نفس الوقت هي أوصاف. لماذا؟ تقول: لأن هذه الأسماء الحسنى هي أصلاً مشتقة من الصفات، ولا يوجد اسم لله سبحانه وتعالى لا يدل على صفة، ولا يوجد اسم لله سبحانه وتعالى ليس مأخوذاً من صفة. وهذا حقيقةً أحبتي فرق بين أسماء الله وأعلام الله الحسنى وبين أعلام المخلوقين؛ لأن هذه القاعدة فيها فرق بين أسماء الله وأأسماء المخلوقين. لأنك قد تسمي المخلوق باسم وتضع له علماً من دون أن يكون هذا العلم أو هذا الاسم الذي وضعته للمخلوق مشتقاً من صفة من صفاته، وهذا هو العادة. يعني أنت الله سبحانه وتعالى يرزقك ولد، هذا الولد مثلاً سميته كريم، الآن تسميتك لطفلك الجديد بكريم هل لانه متصف الآن بصفة الكرم؟ كلا، وإنما هو من باب التفاؤل أنه إن شاء الله في المستقبل يكون كريماً، وإلا كم من شخص اسمه كريم وهو في الواقع بخيل، وكم من شخص اسمه حكيم وهو في الواقع أحمق وجاهل.
فإذن هناك فرق بين أسماء الله وأسماء المخلوقين: أسماء الله أعلام عليه، هي مشتقة في الأصل من صفاته؛ فالله لما كان حكيماً، اشتق اسم الحكيم له لما كان متصفاً بالحكمة، ولما كان متصفاً بالرحمة اشتق اسمه الرحيم له، ولما كان متصفاً بالعزة اشتق اسم العزيز له، فأصبح العزيز يدل على الذات باعتباره علماً ويدل على صفة العزة لأنه اشتق منها ابتداء وعلى ذلك. وأما المخلوق فكما قلنا، في العادة نسمي أبناءنا بأسمآء ونضع لهم أعلاماً من دون أن تكون هذه الأعلام التي وضعناها لابنائنا مشتقة من صفات قائمة بهم؛ كم من شخص جهول أحمق وهو اسمه حكيم، ما فيش ترابط إذاً بين اسم الشخص وبين صفته، فقد يكون اسمه حكيم وهو جهول، وقد يكون اسمه كما قلنا كريم وهو بخيل وعلى ذلك فقس.
فإذاً، هذه القاعدة جاءت لتعطي الفرق بين أسماء الله الحسنى وأسماء المخلوقين؛ فأنت قد تسمي مخلوقاً حكيماً مع أنه لا علاقة له بالحكمة، وقد تسميه رشيداً وهو لم ير الرشد في حياته. فالعلم الذي يسمى به المخلوق ليس بالضرورة يدل على معنى في هذا المخلوق. الآن ممكن يعني مثلاً تجد في ابنك صفة من الصفات فتقول خلاص أريد أن أسمي ابني بهذا الاسم لأن فيه هذه الصفة، ممكن، ولكن ليس هذا هو الأمر المعتاد عندنا في تسمية المخلوقين. فالعلم إذاً الذي يسمى به المخلوق ليس بالضرورة يدل على معنى في المخلوق؛ لأن أعلامهم في العادة لا تشتق من صفاتهم وأحوالهم. وهذا ما قرره الإمام الدارمي رحمة الله عليه في ثنايا رده على المعتزلي بشر المريسي. لأن المعتزلة أحبتي يرون أن - خلاص سأستعجل وأقول - المعتزلة يرون أن أسماء الله هي مجرد أعلام على الذات ولا تدل على صفات لله سبحانه.
فالمعتزلة يقولون: من أسماء الله العليم، لكن اسم العالم لا يدل على اتصاف الله بالعلم. يقولون: من أسماء الله الحكيم، لكن الحكيم لا تدل على اتصاف الله بالحكمة. وهذا مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة، بل نقول: اسم الله الحكيم يدل على الذات ويدل على اتصاف الله بالحكمة، ويدل العليم على الذات ويدل على اتصاف الله بالعلم؛ لأن الأسماء مشتقة من الصفات. المهم يقول الدارمي وهو يرد على المعتزلي بشر المريسي في مناظرة شهيرة، يقول له وهو يبين الفرق بين أسماء الله وبين أسماء المخلوقين: قد يسمى الرجل حكيماً -هذا كلام الدارمي- وهو جاهل، وحكماً وهو ظالم، وعزيزاً وهو حقير. فالدارمي يقول للمريسي: إن في المخلوقين ما عندنا مشكلة، فالمخلوق نعم يسمى باسم وإن كان متصفاً بنقيض هذا الاسم.
وأما الله سبحانه وتعالى، فإذا سمي باسم فإنه متصف بهذا الاسم. أما في حق الله تعالى، فإن أسماءه الحسنى أعلام على ذاته، لكنها في نفس الوقت تدل على صفات اتصفت بها هذه الذات؛ لأن هذه الأسماء الحسنى اشتقت أصالة من صفاته. ولأن هذه الأسماء لو لم تكن دالة على الصفات فلا معنى لححسنها؛ يعني إذا قلنا الله حكيم لكنه غير متصف بالحكمة، أو عليم لا تدل على العلم، أو اسم الله العزيز لا يدل على العزة، إذاً ما معنى الحسن في اسماء الله حينما نقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: 180]؟ ما هو الحسن في هذه الأسماء إذا كانت لا تدل على الصفات؟ ما هو الحسن والجمال والكمال في هذه الأسماء وفي هذه الأعلام إذا لم تدل على الصفات؟ لا حسن فيها. فنقول إذاً: ولأنها لو لم تكن تدل على الصفات فلا معنى لحسنها بل أصبحت كغيرها من أسماء الأعلام، فاسمه الرحيم ليس مجرد اسم من أسماء الله الحسنى علم على ذاته، بل هو في نفس الوقت يدل على اتصاف هذه الذات بصفة الرحمة، وقل ذلك في سائر الأسماء الحسنى.
الآن أحبتي العلماء يقولون: إن أسماء النبي صلى الله عليه وسلم نبينا الحبيب صلى الله عليه وسلم، أسماؤه أيضاً التي سمي بها في النصوص فيها هذا الأمر، أنها أسماء علامة على ذاته وتدل على صفة من صفاته كما درسنا في السيرة، ألم نتعلم أن أسماء النبي صلى الله عليه وسلم أنه الحاشر والعاقب ومحمد وأحمد إلى غيرها؟ فأسماء النبي صلى الله عليه وسلم هي أعلام عليه وهي أيضاً تدل على صفات فيه؛ فالحاشر والعاقب الذي يحشر الناس على عقبه، ونبي الملحمة ونبي الرحمة ومحمد وأحمد هي أعلام عليه وفي نفس الوقت صفات قائمة فيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كذلك أسماء القرآن فيها نفس الخصلة، فالقرآن الله عز وجل أعطاه العديد من الأسماء في كتابه: أسماء القرآن هي أعلام عليه وهي في نفس الوقت تدل على صفات فيه. وعلى ذلك يجب أن ينتبه أن أسماء النبي صلى الله عليه وسلم واسماء القرآن فيها نفس الصفة التي في اسماء الله؛ فاسماء الله هي أعلام على ذاته وتدل على صفاته، كذلك أسماء النبي صلى الله عليه وسلم أعلام على ذاته وتدل على صفات، وأسماء القرآن هي أعلام على القرآن وهي في نفس الوقت تدل على صفات فيه.
طبعا الآن ماذا يتفرع على هذه القاعدة؟ من الأمور التي يمكن تفريعها على هذه القاعدة، مثلاً أن يعلم أن اسم الدهر ليس من أسماء الله الحسنى. لماذا؟ لأن القاعدة إيش تقول؟ أي اسم من أسماء الله الحسنى هو علم على الذات ويدل على الصفة التي اشتق منها. الآن جاء في الحديث أن الله سبحانه وتعالى قال: «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر». هل يجوز أن نسمي بناء على هذه الأحاديث أن نقول من أسماء الله الحسنى أنه يسمى دهراً؟ نقول: لا، ليس من أسماء الله الحسنى أنه يسمى دهراً. لماذا؟ لأن الدهر أحبتي أولاً -ها نطبق القاعدة الأولى- أن أسماء الله كلها حسنى، وكلمة الدهر لا تدل على حسن وكمال ومدح، كلمة الدهر لو نظرت فيها هل تدل على حسن وعلى كمال وعلى مدح في ذاتها؟ لا تدل على ذلك، فإذاً لا ينطبق عليها القاعدة الأولى وهي أن أسماء الله ينبغي أن تكون حسنى تدل على الكمال والمدح حين اطلاقها.
ثانياً: نطبق القاعدة الثانية، أن أسماء الله سبحانه وتعالى أعلام وأوصاف لأن هذه الأسماء مشتقة من الأوصاف هكذا القاعدة تقول، فنأتي الآن للدهر: هذا الاسم ما هي الصفة التي اشتق منها؟ لا نجد صفة اشتق منها، حاول تفكر: هل كلمة الدهر مشتقة من صفة من الصفات؟ الآن الحكيم مشتقة من الحكمة، والعزيز مشتق من العزة، طيب الدهر ما هي الصفة التي تشتق منها؟ لا يوجد صفة اشتق منها اسم الدهر، بالتالي هو لا يدل على صفة في الله سبحانه وتعالى. وبما أنه لا يدل على صفة، إذاً لا يصلح أن يكون من أسماء الله الحسنى، وإنما الحديث أوله العلماء رحمة الله عليهم بتأويلات تذكر في شروح الأحاديث.
هذه القاعدة كما قلنا من الذي خالف فيها؟ خالف فيها المعتزلة كما سيأتي، فقالوا: أسماء الله تدل على ذاته لكنها لا تدل على صفات، فقالوا: الله عليم بلا علم، وسميع بلا سمع، إلى غير ذلك؛ لأن أصلاً منهجهم كما سيأتي أنهم ينفون صفات الله بالكلية، ينفون عن الله سبحانه وتعالى الصفات بالكلية، فقالوا: نقتصر على الأسماء الحسنى فنقول هذه أسماء لكنها لا تدل على صفات، وهذا منهج مبتدع مخالف لطريقة أهل السنة والجماعة، وليس هذا طبعا وقت كما قلنا مناقشة أدلة المعتزلة والرد على هذه الأدلة وبيان منهج أهل السنة والجماعة بالاستدلال، فهذا سيطول به المقام.
طب نذهب الآن إلى القاعدة الثالثة: بعد أن انتهينا من القاعدة الأولى أن أسماء الله كلها حسنى، هذه قاعدة يعني كلها ينبغي أن تدل حين إطلاقها على الكمال المطلق وتدل على المدح في نفسها. والقاعدة الثانية تقول: أسماء الله أعلام على الذات وأوصاف، فهي علم على الذات وفي نفس الوقت تدل على صفة قامت في هذه الذات لأن الاسم مشتق من الصفة أصالة. الآن نذهب إلى القاعدة الثالثة: إذا قلنا أحبتي أسماء الله مشتقة من صفاته، فهل يجوز لنا نحن البشر أن نمارس عملية الاشتقاق فنأتي إلى أي صفة واردة في الكتاب والسنة فنشتق منها اسماً نثبته لله؟ أم أن الاشتقاق أيضاً يتوقف على النص فليس لنا نحن أن نشتق، وإنما الذي يشتق هو النص؟ فإذا وجدنا النص الإلهي أو في السنة النبوية اشتقاقاً نتبع ما ورد، وإذا لم نجد اشتقاقاً فليس لنا نحن أن نشتق. فأهل السنة والجماعة يقولون في القاعدة الثالثة: أسماء الله توقيفية لا مجال للعقل فيها، وليس لنا نحن أن نشتقها من صفاته، هي صحيح الأسماء مشتقة من الصفات، لكن الذي يقوم بالاشتقاق هو النص الوحي الإلهي وليس نحن الذين نقوم بعملية الاشتقاق.
إذاً القاعدة الثالثة: أسماء الله توقيفية لا مجال للعقل فيها، وليس لنا أن نشتقها نحن بأنفسنا. لا يستطيع العقل البشري أحبتي الوقوف على ما يستحقه الله سبحانه وتعالى من الأسماء الحسنى. يعني لماذا لا نجوز لأنفسنا أن نشتق؟ لأننا في الحقيقة عندنا قصور وضعف ولا نعرف الذات الإلهية، فلا تستطيع عقولنا القاصرة الضعيفة أن تدرك حق الإدراك ما يستحقه الله سبحانه وتعالى من الأسماء الحسنى، لا نستطيع أن نصل إلى تحديد أن نقول الله هذا يصلح أن يكون اسماً وعلماً على الذات الإلهية بينما هذا لا يصلح أن يكون اسماً وعلماً على الذات الإلهية. الآن ما كان يدل على نقص لا يصلح، لكن ما كان فيه كمال من الصفات التي تدل على الكمال، لا نستطيع أن نشتق منها نحن بأنفسنا بعقولنا القاصرة اسماً ونقول خلاص هذا اسم من الأسماء الحسنى نثبته لله؛ لأننا لا نعرف حق المعرفة هل فعلاً هذا الاسم يريده الله سبحانه وتعالى لنفسه ويريد أن يتسمى به على أنه علم له؟ في الحقيقة عقولنا قاصرة ضعيفة عاجزة أن تدرك ما يستحقه الله سبحانه وتعالى من الأسماء الحسنى.
إن عملية أن تقول إن هذا اسم من أسماء الله الحسنى، أنت تضع لله علماً، عملية خطيرة، أنت تضع لله علماً، فهل لنا نحن كبشر أن نضع باجتهادنا أعلاماً لله سبحانه وتعالى نسميه بها؟ أم أن الأمر موقوف من عنده: ما ارتضاه لنفسه نرتضيه، وما لم يرتضه سبحانه لنفسه فنتوقف عن الخوض فيه؟ نعم، هذا هو المنهج الأسلم الصحيح: أن ما أخبرنا الله أنه ارتضاه لنفسه وأنه يليق أن يكون علماً بذاته نثبته، وما لم يخبرنا الله عز وجل به أنه اسم من أسمائه فإننا نتوقف عنه. إذاً لا يستطيع العقل البشري الوقوف على ما يستحقه الله من الأسماء الحسنى، فواجبه الوقوف عندما بيّنه الكتاب والسنة من ذلك، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180].
إن هذه شبهة يمكن أن توَرد، يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ أليست يا شيخ في الآية ولله الأسماء، أليست الاستغراقية يعني على طريقة الأصوليين الاستغراقية تستطيع أن تضع مكانها كلمة كل؟ بالتالي ولله الأسماء الحسنى يعني ولله كل اسم حسن يمكن أن يفهم. وهذا فهمه البعض، البعض فهم من العموم أو أن بعضهم طبعا قال إنه قال هنا الاستغراقية فجعل النص عاماً، فقالوا: بالتالي معنى هذا النص ولله كل اسم حسن وهذا يدل على أننا يجوز أن نشتق الأسماء بأنفسنا لله. في الحقيقة نقول: لا، الـ التي في الأسماء ليست الاستغراقية، بل هذه الـ للعهد، والمراد ولله الأسماء الحسنى أي ولله الأسماء الحسنى المعهودة لكم التي ذكرناها في الكتاب والسنة. فقال هنا: قال للعهد الذكري، أو تستطيع أن تقول إن الـ للعهد الذهني عفوًا، نجعلها الآن للعهد الذهني أي ولله الأسماء الحسنى المعهودة لديكم، أين عهدت؟ في نصوص الكتاب والسنة، فادعوا الله عز وجل بهذه الأسماء الحسنى.
وهذا هو الأقرب في فهم الآية: أن نجعلها ليست للاستغراق، ونقول ولله كل اسم حسن فادعوه به، لا، بل نجعل الـ هنا للعهد الذهني أي ولله الأسماء الحسنى المعهودة لديكم في نصوص الكتاب والسنة، وهكذا نخلص من هذا الإشكال.
في قوله: الأسماء ليست للاستغراق، حتى يقال لله كل اسم حسن، بل هنا للتعريف العهدي الذهني؛ أي لله الأسماء المعهودة لديكم، عهدناها من خلال ذكرها لكم في الكتاب والسنة. وبالتالي نقول إذن أسماء الله بابها التوقيف وليس.
هذا القول هو مشهور عند أهل السنة والجماعة، وخالف في ذلك بعض الطوائف مدعية جواز اشتقاق اسم لله من كل صفة اتصف بها. بعض الطوائف تقول: أي صفة اتصف الله بها في كتابه يجوز لنا أن نشتق منها نحن بأنفسنا اسماً لله عز وجل، حتى ولو لم ينطق به الكتاب والسنة.
هذا قول مرجوح ضعيف، لكن الآن سأستدرك، آه لكن هذا دائماً فيها استدراكات، لكن وانتبهوا على هذا الكلام لأنه دقيق جداً: لو اشتق من صفة الكمال التي أثبتها الله لنفسه في كتابه أو في السنة، لو اشتق من صفة الكمال اسماً نخبر به عن الله سبحانه وتعالى من دون أن يجعل هذا الاسم من الأسماء الحسنى ومن الأعلام الإلهية، فهذا جائز!
آه، الآن إذن في استدراك يقول العلماء: لو أننا أتينا إلى صفة من صفات الكمال التي أخبرنا الله بها في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، أتينا إلى هذه صفة فاشتققنا منها اسماً نخبر به مجرد أخبار عن الله سبحانه وتعالى أن الله عز وجل كذا وكذا من دون أن نجعل هذا الاسم المشتق من الأسماء الحسنى الثابتة لله سبحانه وتعالى، فهل هذا يجوز؟ في الحقيقة نعم، هذا يجوز عند أكثر أهل السنة والجماعة.
نقول: لكن لو اشتق من صفة الكمال الثابتة لله اسم، وأخبر بهذا الاسم عن الرب إخباراً من دون أن يدعى لهذا الاسم من الأسماء الحسنى، بل يستخدم في معرض الإخبار، فهذا جائز فلا بأس بذلك، لأن القاعدة تقول ماذا؟ باب الإخبار أحفظوا هذه القاعدة والضابط.
الفرقي: باب الإخبار أوسع من باب الأسماء، يعني العلماء علماء أهل السنة يتساهلون في باب الإخبار عن الله سبحانه وتعالى ما لا يتساهلون في باب تسمية الله، فيقولون: لو أننا أتينا إلى صفة كمال فاشتققنا نحن بأنفسنا اسماً منها وأخبرنا به عن الله مجرد إخبار فهذا يتوسع وجائز، لكن أن نجعل هذا الاسم المشتق علماً على الذات الإلهية ونجعله في رتبة الأسماء الحسنى، فهذا غير جائز.
ومن هنا جوز البعض أن نشتق من صفة الكلام لله سبحانه وتعالى اسم المتكلم، فتقول: الله متكلم. لما تقول: الله متكلم، كلمة متكلم لم نجعلها من الأسماء الحسنى، وإنما قلت: الله متكلم مجرد إخبار عن الله أنه متكلم. فمتكلم دقت من صفة الكلام، لكن حينما اشتقت هل رفعناها إلى مرتبة الأسماء الحسنى؟ لا. طيب، لماذا ما رفعناها؟ لما ذكرناها، أولاً: أن المتكلم هي تدل على كمال في حال ونقص في حال، وبما أنها تدل على كمال في حال ونقص في حال لا نستطيع أن نجعلها اسماً من أسماء الله الحسنى على الإطلاق، لأنه كما قلنا أسماء الله كلها حسنى.
طبعا أحبتي لاحظوا في ترابط بين القاعدة الأولى والثانية والثالثة، كل قاعدة تنبني على التي قبلها. قلنا: متكلم، المتكلم هي بذاتها لا تدل بمجرد سماعها على الحسن المطلق وعلى الكمال المطلق، لأن المتكلم قد يتكلم بشر وقد يتكلم بخير. فاذا قلنا: الله متكلم، نحن نعلم أن الله سبحانه وتعالى لا يتكلم إلا بالخير، لكن من شرط الأسماء الحسنى كما ذكرنا أنها حسنى، أنها بسماعها تدل على الكمال المطلق، والمتكلم لا تدل بمجرد سماعها على الكمال المطلق، فبالتالي لا يجوز أن تصطف في مصاف الأسماء الحسنى.
لكن لو أخبرنا بها إخباراً عن الله سبحانه وتعالى أن الله متكلم، فلا إشكال في ذلك لأن هذا من باب الخبر. ولو قلنا: الله مريد، لأن الله عز وجل سبحانه وتعالى يريد، فلو قلنا الله عز وجل مريد وقلنا: المريد إخبار عن الله وليس اسم من أسماء الله، أيضاً ما في إشكال، لأن باب الإخبار عن الله أوسع من باب الأسماء الحسنى.
ومن هنا كما قلنا: إذا جاز تسمية الله متكلماً ومريداً في بعض السياقات عند أهل العلم من باب الإخبار عن الله أنه متكلم مريد، وليس من باب أنها من الأسماء الحسنى. فاذاً أحبتي بديكم كما قلتم تلاحظوا قضية الحسنى، الحسنى تدل على الحسن المطلق. القاعدة الأولى: أسماء الله حسنى، يعني ينبغي الاسم الذي يدعى العلم والذات على الذات الإلهية أن يدل بمجرد اطلاقه على الحسن على الكمال المطلق؛ الرحيم، الرحمن، الحكيم، العزيز، تمام؟
ثم انتقلنا إلى القاعدة الثانية: أن أسماء الله سبحانه وتعالى هي أعلام وفي نفس الوقت أوصاف، لأن هذه الأسماء اشتقت من صفات الكمال، هذه الأسماء والأعلام على الذات الإلهية اشتقت أساساً من صفات الكمال، واشتقاقها من صفات الكمال هو الذي منحها الحسن، فأصبحت هذه أسماء حسنى.
ثم انتقلنا إلى القاعدة الثالثة: وعملية الاشتقاق، هل يجوز لنا نحن أن نمارسها؟ قلنا: لا يجوز لنا نحن أن نمارسها، لأن عقولنا لا تستطيع أن تقف على ما يستحقه الله سبحانه من الأسماء الحسنى بهذا الوصف، وإنما يجوز أن نشتق اسماً من الصفات للإخبار عن الله به مجرد إخبار، أما أن نصوغه في مصاف الأسماء الحسنى فهذا من حق الله سبحانه وليس من حقنا.
طيب انتهينا إذاً من القاعدة الثالثة: أسماء الله توقيفية، ليس لنا نحن أن نقوم باشتقاقها من نصوص الصفات، بل الذي يشتق هو نفس الوحي.
نذهب إلى القاعدة الرابعة: أسماء الله الحسنى لا حصر لها بعدد معين. يعتقد كثير من الناس أن أسماء الله سبحانه وتعالى محصورة في عدد معين، فأكثرهم يظنون أن أسماء الله محصورة في التسعة وتسعين اسماً بناءً على الحديث المشهور: «إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة».
فيقولون: آه إذاً هذا الحديث يدل على أن أسماء الله الحسنى فقط تسعة وتسعين ويحاولون إحصاءها، لكن في الحقيقة هذا الفهم ليس بصحيح، هذا الحديث لا يدل على أن أسماء الله الحسنى محصورة في تسعة وتسعين اسماً، بل يدل على أن هناك تسعة وتسعين اسماً من أسمائه سبحانه، من أحصى هذه الأسماء حفظاً وتدبُّراً وفهماً وعملاً بمقتضاها أدخله الله الجنة.
يعني هذا جائزة إلهية أنه في هناك تسعة وتسعين من أسمائه، من حفظها وأحصاها فهماً وتدبُّراً وعملاً بمقتضاها يدخله الله الجنة، لكن لا يدل على أنه لا يوجد إلا تسعة وتسعين اسماً لله، الحديث لا يتكلم بهذا المفهوم، الحديث يقول لك: هناك تسعة وتسعين اسماً إذا حفظتها وأحصيتها فعملت بها دخلت الجنة، ولم يقل لك: إنه لا يوجد إلا تسعة وتسعين اسماً لله، فهذا فهم خاطئ لدلالة هذا الحديث.
بل هناك آخر يدل على أن أسماء الله الحسنى أكثر من ذلك، وهو الحديث المشهور: «أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك».
لاحظ: أو استأثرت به في علم الغيب عندك، هذا يدل على أن أسماء الله عظيمة جليلة عديدة تفوق الإحصاء البشري، بل ذكر بعض أهل العلم أن هناك أسماء لله سبحانه وتعالى لم يخبرنا بها واستأثر بها، لأن عقولنا الضعيفة عاجزة لا تستطيع أن تتعقلها وأن تفهم معناها.
تصوروا، طبعا هذا الحديث: «اللهم أسألك بكل اسم...» إلى آخره، بعض أهل العلم يضاعفه، لكن صححه الشيخ أحمد شاكر رحمة الله عليه وطائفة من أهل العلم، لذلك ذكرته في هذا السياق.
تجهيز الآن: قلة من أهل العلم كالسهيلي وابن حزم الظاهري رحمة الله عليهما ذهبا إلى أن أسماء الله كما قلنا محصورة في هذا العدد محصورة في تسعة وتسعين، وفهموا هذا الحديث بالشكل الخاطئ، لكن يعني لو أن بعض الناس فهموا الحديث بالشكل الخاطئ وظنوا أن أسماء الله محصورة في التسعة وتسعين، هنا لا نصل بهم إلى درجة التبديع، فهذه المسألة من فروع مسائل الاعتقاد.
فلو أن شخصاً أخطأ ففهم أن أسماء الله محسورة في التسعة وتسعين، نحن نقول: لو أخطأت في فهمك للحديث، بل أسماء الله سبحانه وتعالى أوسع من ذلك، لكن لو أصر على فهمه فنحن لا نعتبر هذه المسألة من مسائل أصول الاعتقاد، وأن من ظن أن أسماء الله محصورة في التسعة وتسعين فهو مبتدع خارج عن طريق أهل السنة والجماعة؛ لا، نحن هنا نضع الخطأ بمكانه الصحيح، لأنه هذا خطأ في فهم النص، نبين أنه خطأ، لكننا كما قلنا لا نبدع المخالف ولا نكبر حجم المسألة إلى حجم أكبر من الحجم الذي تستحقه، إذاً هذه المسألة ليست من أصول الاعتقاد التي يبدع فيها المخالف، والله تعالى أعلم.
طيب نذهب إلى القاعدة الخامسة. إذاً القاعدة الأولى دعونا دائماً نكرر حتى نحفظ: أسماء الله كلها تدل على الحسن المطلق والكمال المطلق. القاعدة الثانية: أسماء الله سبحانه وتعالى أعلام وفي نفس الوقت أوصاف، لأن هذه الاعلام اشتقت أصالة من الأوصاف. القاعدة الثالثة: أسماء الله سبحانه وتعالى توقيفية، ليس لنا نحن أن نمارس الاشتقاق، لأننا لا نستطيع أن نصل إلى معرفة ما يستحقه الله سبحانه وتعالى من الأسماء الحسنى، فهو أعلم عز وجل بما هو الحق له في هذا الباب، فعلينا أن نتوقف حيث توقف النص، وما أثبته النص نثبته من أسماء لله الحسنى، فالأسماء أيضاً توقيفية.
القاعدة الرابعة: أسماء الله الحسنى لا حصر لها في عدد معين. القاعدة الخامسة والأخيرة تقول: أسماء الله الحسنى تأتي على صورتين، قد تأتي مفردة وقد تأتي عفواً على ثلاث صور، قد تأتي مفردة وقد تأتي مركبة وقد تأتي مقترنة. أسماء الله الحسنى التي تسمى به تسمى بها سبحانه وتعالى تأتي على أشكال: قد تأتي مفردة، اسم من مقطع واحد، وهناك أسماء لله سبحانه وتعالى حسنى مركبة، وهناك أسماء لله سبحانه وتعالى حسنى لكنها مقترنة؛ يعني لا تذكر إلا وهي مقترنة.
أعطنا أمثلة يا شيخ. أسماء الله المفردة كثيرة؛ الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم، فهذه أسماء لله سبحانه وتعالى مفردة يصح أن تستعمل وهي مفردة وأحياناً تركب مع غيرها لكنها تستعمل مفردة ما في إشكال.
هناك أسماء لله مركبة، يعني لا تستعمل إلا وهي مركبة، ولا يجوز أن تفرد أو أن تفرد في استعمالها، مثال ذلك: ذو الجلال والإكرام، ومالك الملك، فهذا النوع من الأسماء بطبيعته مركب هكذا ورد في نصوص الكتاب والسنة، فلا يجوز أن نستعمله إلا مركباً، فنقول: ذو الجلال والإكرام. هذا اسم، ما تقول الله من أسماء الله الحسنى ذو الجلال وتسكت، لأن هذا لم يرد مفرداً، بل ورد مركباً ذو الجلال والإكرام. ومالك الملك، لا يجوز أن تقول من أسماء الله الحسنى المالك وتسكت، بل تقول: مالك الملك، لأنه لم يرد مفردا في نصوص الكتاب والسنة بل ورد بالصورة المركبة، بخلاف النوع الأول الأسماء المفردة العزيز الحكيم وغيرها هي أسماء وردت مفردة استعملت مفردة وأحياناً استعملت مركبة مع غيرها، فاستعمل الرحمن وحده واستعمل الرحمن المركب مع الرحيم.
فإذاً الأسماء المفردة هي الأسماء التي يجوز أن تستعمل مفردة غير مقترنة باسم آخر. الأسماء المركبة هي الأسماء التي استعملت مركبة، يعني هي بطبيعة اسم مركب مش والله مفرد، مثل ذو الجلال والإكرام أو مالك الملك.
الأسماء المقترنة، وهذه انتبهوا عليها، هذا النوع من الأسماء هو كل اسم في الحقيقة مستقل وحده، لكنه أيضاً لم يستعمل في السياق القرآني أو في السياق الحديثي إلا مقترناً مع اسم آخر مقابل له. ما اسم آخر مقابل له؟ والآن سندرك إن شاء الله الفرق بين الأسماء المقترنة والمركبة.
مثال ذلك مثال الأسماء المقترنة: القابض الباسط، الآن القابض هو يدل بذاته على اسم، لكن هذا الاسم لم يستعمل وحده في الكتاب والسنة، بل استعمل دائماً مقترناً مع مقابله الباسط، فحينما تطلق هذا الاسم على الله لا تقل القابض وتسكت، بل تقول القابض الباسط.
مثلاً الضار النافع، وردت هذه الأسماء في الكتاب والسنة لكنها وردت مقترنة، فلا يقول الإنسان الضار من أسماء الله الحسنى ويسكت، بل يجب أن يقْرن ذكره لهذا الاسم بذكر مقابله، تقول الله عز وجل الضار النافع بالإقتران، لا تقل النافع وتسكت، النافع الضار، الضار النافع.
كذلك المعز المذل، ليس من أسماء الله الحسنى المذل وتسكت، بل هذا الاسم دائماً يقترن مع غيره، المعز المذل دائماً في سياق واحد في الاقتران.
فهذا النوع من الأسماء الكمال فيه يكون باجتماع الأسمين ولا ينفرد أحدهما عن الآخر، يعني هذا النوع الأسماء المقترنة لها خصيصة معينة أن دلالتها على الكمال لا تكون إلا في حالة الاقتران بمقابلها، ركزوا فيها.
أسماء الله المقترنة هي الأسماء التي لا تدل على الكمال إلا في حال اقترانها مع مقابلها. وأما الأسماء المركبة لا، هي مش قضية أنه اسم يستعمل مع مقابل، لا، أسماء الله المركبة هو نفس الاسم الواحد اسم مركب، ذو الجلال والإكرام هو اسم مركب، مالك الملك هو اسم مركب مش اسم مقابله.
فهذا فرق بين الأسماء المركبة والأسماء المقترنة، الأسماء المركبة هو اسم واحد مركب من عدة ألفاظ، هيك باختصار ذو الجلال والإكرام هذا اسم واحد مركب بعدة ألفاظ، مالك الملك اسم واحد مركب بعدة ألفاظ. الأسماء المقترنة لا، هي عبارة عن اسمين، لكن هذان الاسمان لم يستعملا إلا مقترنين لأن الدلالة فيهما على الكمال لا تكون إلا في حالة الاقتران فقط، مثل النافع الضار، المانع المعطي، القابض الباسط، المعز المذل إلى غيره من الأسماء المقترنة. ولاحظوا تأملوا في نصوص الكتاب والسنة، هل وجدتم مثلاً جاء نص؟
الله عز وجل هو الضار وسكت، أو الله عز وجل هو المانع وسكت، الله عز وجل هو القابض وسكت. دائما لا يستعمل هذا إلا مع مقابله. إذًا القاعدة الخامسة تقول: أسماء الله سبحانه وتعالى تأتي مفردة ومركبة ومقترنة.
المفردة كما قلنا هي أسماء استعملت مفردة في نصوص الكتاب والسنة من دون أي إشكال. ويكون الاسم من مفردة واحدة، يعني العزيز، لاحظوا مش مركب من عدة أجزاء. وفي نفس الوقت استعمل وحده في نصوص الكتاب والسنة من دون حاجة أن يقترن مع مقابله. فلذلك نقول هذه الأسماء المفردة التي يصح أن تستعمل مفردة وليست مركبة من أجزاء.
الأسماء المركبة هو اسم واحد لكنه مركب من عدة أجزاء. الأسماء المقترنة هي أسماء لم تستعمل إلا مع مقابلها في نصوص الكتاب والسنة لأنها لا تدل على الكمال في حق الله إلا حينما تكون مقترنة مع مقابلها. إذًا هذه القواعد الخمسة في باب الأسماء الحسنى.
الآن دعونا ننتقل إلى ما هي المناهج المنحرفة في باب الأسماء الحسنى. ما هي المناهج المنحرفة التي انحرفت عن جادة أهل السنة والجماعة. وهنا في الحقيقة سأكتفي فقط بذكر المنهج، لكن لن أطنب في ذكر أدلتهم والرد عليهم وما شابه ذلك. أنا فقط أريدك أن تتصور وأن تفهم ولكن ليس هذا مناط التوسع فيه وإنما هذا يكون في دورات أخرى مطولة بإذن الله.
فالسؤال الآن ما هي المناهج المنحرفة في باب الأسماء الحسنى. المنهج الأول المنحرف هو منهج النفي للأسماء الحسنى. هناك طوائف من الأمة نفت أسماء الله الحسنى، قالت الله عز وجل ليس له أصلًا أسماء حسنى، هذا مذهب خطير جدا، مذهب خطير جدا. والذي قال به أساسًا هو جهم بن صفوان. أقول لكم تذكرون هذا الاسم، ذكرناه في محاضرات سابقة. جهم بن صفوان هذا الشخص هو الذي نفى أسماء الله الحسنى وتبعته كثير من الطوائف الكلامية بعد ذلك.
إذًا نفي أسماء الله الحسنى هذا مذهب جهم بن صفوان وأصبح يسمى مذهب الجهمية. فيقال الجهمية الذين يتبعون جهم بن صفوان ينفون أسماء الله الحسنى عنه. هناك مذهب آخر منحرف، وهو المنهج الذي يثبت لله الأسماء الحسنى لكنه يقول هذه الأسماء لا تدل على صفات اتصف بها الخالق سبحانه. وهذا ذكرناه قبل قليل، وهو منهج المعتزلة.
فيقولون الله حكيم لكن الحكيم لا تدل على اتصافه بالحكمة. الله عليم لكن عليم لا تدل على اتصافه بالعلم، وقل ذلك في سائر الأسماء. فهذا منهج آخر منحرف أو صورة أخرى من صور الانحراف؛ إثبات الأسماء لكن إبطال دلالتها على الصفات، فيقول العليم بلا علم، وقدير بلا قدرة، وقوي بلا قوة، وعلى ذلك فقس. وهذا هو مذهب المعتزلة وهو أيضًا منهج منحرف.
إذًا المنهج الأول منحرف من ينفي أصالة الأسماء الحسنى عن الله. وهذا مذهب جهم بن صفوان واتباعه يسمون الجهمية. طبعا جهم بن صفوان هذا جزء من اعتقاده الفاسد، له اعتقاد فاسد في أكثر من باب من أبواب الاعتقاد كما سيأتي معنا. فلذلك أصبحت الجهمية عبارة عن قد يجمع عدة أمور فاسدة في توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات والقضاء والقدر إلى غير ذلك.
فالجهمية إذًا اسم جامع من العقائد الفاسدة اعتقدها جهم بن صفوان وعلمها لمن بعده. من جملة العقائد الفاسدة عنده أنه ينفي أسماء الله الحسنى، وهذا الذي يهمنا هنا أن هذا المنهج الأول المنحرف منهج التعطيل وهذا هو التعطيل، هذا هو التعطيل نفي أسماء الله الحسنى عنه.
المنهج الثاني المنحرف منهج إثبات الأسماء الحسنى لله، لكن إبطال دلالتها على الصفات، وهذا منهج أيضًا خطير لأن كما قلنا أسماء الله أعلام عليه وهي مشتقة من صفاته. فحكيم يدل على الحكمة، وعليم يدل على العلم. طيب الآن هكذا انتهينا من باب الأسماء الحسنى. عرفنا القواعد الخمس: أسماء الله حتى تسمى أسماء حسنى لابد أن تدل على الكمال المطلق بمجرد سماعها وتدل على المدح المطلق بمجرد سماعها.
ثانيا: أسماء الله سبحانه أعلام عليه وهي أوصاف في نفس الوقت، فهي كما تدل على الذات فتدل على أوصاف، لأن هذه الإعلام مشتقة من الأوصاف. ثالثا: أسماء الله توقيفية، لسنا نحن من نشتقها من صفاته بل هو الذي يأتينا به يخبرنا بها. أسماء الله سبحانه وتعالى لا حصر لها في عدد معين، وهذه القاعدة الرابعة. القاعدة الخامسة: أسماء الله تأتي مفردة ومركبة ومقترنة، هذه ثلاث أشكال لها.
وعرفنا المناهج المنحرفة. في المحاضرة القادمة بإذن الله ندخل أحبتي في قواعد باب الصفات العلا وما هي أشهر الانحرافات التي وقعت في هذا الباب. أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ينفعنا بما سمعنا وأن يهدينا دائما إلى الصواب. اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. نلقاكم في مجلس آخر من مجالس غراس العلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل