الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فهذا هو المجلس الثاني من مجالس شرح لمعة الاعتقاد لابن قدامة عليه رحمة الله، والمنعقد في التاسع والعشرين من الشهر الرابع لعام ألف وأربعمئة وأربعة وعشرين.
قال الإمام ابن قدامة عليه رحمة الله ونفعنا الله بعلمه وبعلم شيخنا في الدارين آمين: وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن، وجب الإيمان به وتلقيه بالقبول وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل. وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظًا وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله، اتباعًا لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7].
المصنف رحمه الله كما سبق في المجلس الماضي، ابتدأ بذكر مسألة الصفات، وأبان رحمه الله في جمله السالفة وفي شرحها فيما بعد، أن طريقته هي طريقة الأئمة، وأن كل ما جاء في القرآن أو صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من صفات الله، فإنه يجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد من التأويل والتشبيه والتمثيل. وهذه القاعدة التي ذكرها هي القاعدة المتفق عليها بين أئمة السنة والجماعة، وحروفه التي ذكرها في هذه القاعدة في الجملة حروف بينة؛ فإنه قال: وجب الإيمان به، أي الإيمان بهذه النصوص وما دلت عليه.
والإيمان هو التصديق والقبول المستلزم للعمل أو المتضمن للأعمال، وهذا هو معنى الإيمان الشرعي. وليس مجرد المعرفة، فالمعرفة تقع لغير المسلمين في قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: 146]. ولهذا وإن سمى الله سبحانه وتعالى اتباع ما بعث به نبيه عليه الصلاة والسلام علمًا ومعرفة، إلا أن الغالب وهو الأصل أن هذا يسمى إيمانًا. فالإيمان إن لم يكن متضمنًا للأعمال الظاهرة والباطنة، فإنه مستلزم لها، كما قيل إن الإيمان من جهة أصله يسمى التصديق. ولهذا ترى أن السلف رحمهم الله لما ذكروا مسمى الإيمان، قالوا إن الإيمان قول وعمل. وهذا لازم من جهة الشرع ومن جهة الدلائل؛ فإنه لا يكون مؤمنًا بمحض التصور الذي هو المعرفة فقط، ولابد أن ينقاد القلب ويحصل بذلك أثر على الظاهر.
قال: وتلقيه بالتسليم والقبول. وهذا إشارة إلى الرد على من اشتغل بتأويل نصوص الأسماء والصفات، فإن هذا نوع من ترك التسليم والقبول لها. ولهذا قال: وترك التعرض له بالرد، والرد الذي هو الإعراض والترك أو التكذيب أو ما إلى ذلك من أحوال الرد، لم يقع من أحد من أهل القبلة من طوائف المسلمين أنه رد نصًا من كتاب الله سبحانه وتعالى على هذا المعنى. وإنما قد يقع ما هو من الرد في جملة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم على القاعدة التي استعملها جملة من أهل البدع من أهل الكلام وغيرهم، وهي أن العقائد ولا سيما مسائل الصفات لا يحتج لها بأحاديث الآحاد. وسبق الإشارة إلى أصل هذه القاعدة في الآحاد والمتواتر.
وقال المصنف: والتأويل، وسبق الإشارة إلى جملة التأويل، وأن التأويل يستعمل في كلام الله ورسوله وكلام السلف على معنى الحقيقة التي يؤول إليها الشيء، ويستعمل على معنى تفسير الشيء وبيانه. والتأويل الذي اصطلح عليه المتكلمون وذكره جملة من الأصوليين -وهو المقصود بكلام المصنف هنا- هو صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز، أو صرف اللفظ عن ظاهره إلى مؤوله. هذا التأويل هو التأويل الاصطلاحي في كلام الأصوليين وأصله من نُظّار المتكلمين. هذا التأويل يقال إنه غلط من جهة الشرع، ليس لمجرد كونه معنى اصطلح عليه، فإن المعاني إذا اصطلح عليها وهي صحيحة فلا مشاحة في اصطلاحها.
وإنما وجه كونه غلطًا أنه يتضمن أن كلام الله سبحانه وتعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام له ظاهر وله مؤول، ونهج الظاهر إضافته إلى كلام الله ليس له، بل هو بدعة تقسيم كلام الله ورسوله إلى ظاهر ومقابله. هذا بدعة حدثت من طوائف أهل هذا التقسيم، كالباطنية من الشيعة أو الصوفية الغالية، يقولون ينقسم إلى ظاهر وباطن، فجعلوا المقابل للظاهر هو الباطن، ثم ترى أن هؤلاء يجعلون علم الباطن يختص بنوع ممن يسمونهم الأئمة أو الأولياء أو الأقطاب أو ما إلى ذلك من مصطلحات التسمية. ولا شك أن هذا بدعة لا أصل لها في دين الله سبحانه وتعالى، بل كلام الله سبحانه وتعالى على وجه واحد وعلى معنى واحد. ولهذا لم يعرف مثل هذا التقسيم زمن السلف، فضلًا عن صدر زمنهم الذي هو زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
وثمة تقسيم آخر أن الظاهر يقابله المؤول، وهذا هو المقصود عند المتكلمين، فإن المتكلمين لا يقولون أن ثمة ظاهرًا وباطنًا، هذا تقسيم عند من يأخذون مبدأ الإشراق ومبدأ التصوف أو مبدأ التسليم دقائق دون عرضها على العقل من الشيعة وغيرها. وأما المتكلمون أصحاب النظر العقلي فيقسمون كلام الله سبحانه وتعالى إلى ظاهر ومؤول. الظاهر هو ما يظهر من الكلام، وأما المؤول فهو المعنى الذي دل عليه حكم العقل. وهو المعنى الذي دل عليه حكم العقل على تناقض؛ لأنه يلزم عليه أن الظاهر لم يدل عليه حكم العقل، وعليه هذه مسألة يطول شرحها، لكن يمكن أن نلخص شأننا بأن هذا التقسيم من جهة الأصل بدعة في الشرع، ثم هو فوق كونه بدعة في الشرع هو ممتنع في العقل.
لم؟ لأن المتكلم إذا تكلم بكلام، فإنه يريد بكلامه معنى في نفسه، ولهذا سائر كلام بني آدم -ولله المثل الأعلى- سائر المتكلمين إذا تكلموا فإنهم يريدون بكلامهم هذا معنى واحدًا، ويمتنع أن يكون مريدًا لأكثر من حقيقة، ولا سيما إذا كانت الحقائق بينها اختلاف أو تضاد. فمثلًا لو قال شخص: جاء زيد، امتنع أن يكون أراد أنه جاء وأراد أنه لم يأت. فباب الأسماء والصفات والمطالع من الإخوة ينظر أن شيخ الإسلام ابن تيمية في أول الرسالة يقول: إن هذا الباب يدور بين الإثبات والنفي، باب خبري. فمعنى هذا الخبر القرآني إما أن يراد إثباته في الشيء وإما أن يراد عدم إثباته. فقوله تعالى مثلًا: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾، إما أن يراد أن الله كلمه، وإما أن يراد عدم ذلك. فإذن يمتنع أن المتكلم يتكلم بكلام ويريد به جملة من الحقائق بينها اختلاف وتضاد، وفوق هذا كله تكون هذه الحقائق المتضادة ظاهر، وبعضها يحتاج إلى تأويل، وعليه هذا التقسيم ممتنع أيضًا من جهة العقل.
بل الصواب عقلًا وشرعًا أن كلام الله سبحانه وتعالى واحد من جهة المعنى، وأن الله أراد به معنى واحدًا. فإذا قيل إن في كلامه أو في آيات القرآن -وهذا أدق من الإطلاق- أن في آيات القرآن ترددا من جهة المعنى حتى عند علماء السنة والجماعة، أين ذلك؟ قالوا: نرى أن جملة من آيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم تردد العلماء من الصحابة والتابعين وغيرهم في فهم معناها على أقوال، فمنهم من فهم من الآية الوجوب ومنهم من فهم من الآية الاستحباب إلى غير ذلك. أو لما قال النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا في حديث أبي سعيد في الصحيح: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم»، فهم طائفة من أهل العلم أن غسل الجمعة فرض عين وأنه واجب لا بد منه ويلحق الإثم بتركه، وفهم الجمهور -وهو الصحيح- أن غسل الجمعة ليس بواجب على التعيين، وأن كلمة واجب لا يراد بها الوجوب الاصطلاحي.
القصد أن العلماء اختلفوا في فهم الكلام، فما الجواب عن هذا؟ يقال الاختلاف الذي وقع بين علماء السلف في فهم بعض آيات القرآن في مسائل الفقه، وكذلك الأحاديث، لم يرجع إلى ذات الكلام، بمعنى أنهم يتفقون أن الكلام إنما يراد به معنى واحد، هذا متفق عليه، أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد حكمًا واحدًا إما الوجوب وإما الاستحباب، لكن اختلفوا في تعيينه، هذا الاختلاف يرجع إلى مادته من الأوجه الاجتهادية. ولكن في باب الأخبار وباب الأسماء والصفات من باب الأخبار ليس من باب الأمر والنهي، باب الأخبار لا يرد عليه؛ لأنه إما أن يثبت الشيء وإما أن ينفى. فقوله تعالى مثلًا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، هذا إسناد صريح من جهة لغة العرب. ولهذا يمتنع أن أحدًا يفهم من لفظ المجيء إذا أضيف إلى الله أكثر من حقيقته الظاهرة، ولهذا إذا قال شخص -ولله المثل الأعلى-: جاء زيد، هل يتردد العقلاء في فهم هذه الجملة؟ بأي لغة عبر بها يفهم أن رجلًا يقال له زيد قد جاء، مجيئًا يختص به ويناسبه.
فإذن التقسيم من أصله، يعني تقسيم الكلام إلى ظاهر ومؤول، غلط. هم بنوا على وجه زعموه من اللغة وهو أن اللغة تنقسم إلى حقيقة ومجاز، وهذه مسألة كثيرة الجدل، ولكن يمكن أن يلخص فيها تقرير يسير، فيقال: تقسيم كلام العرب أو تقسيم الكلام في القرآن والسنة إلى حقيقة ومجاز يقع على أحد وجهين. إن أريد به الوجه اللفظي الاصطلاحي فهذا لا مشاحة فيه، فمن قال مثلًا في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، فقال إن هذا من باب المجاز في اللغة، وأراد أن العرب إذا حذفت المضاف وأقامت المضاف إليه مقامه فإن هذا مما تجوزه اللغة أو من مجازات لغتهم، وأما المراد أهل القرية، فهذا التسمية نقول أنها اصطلاح. فإذن نحصل هذا أن تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز إن كان من عوارض الألفاظ فهذا اصطلاح لا بأس به.
وإن كان من المعاني فهذا هو المشكل لغة، وهو المستعمل عند اللغويين من المعتزلة وشاع في كلام المتكلمين وغيرهم، على معنى قالوا فيه إن الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له، وأن المجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له. هذا تقسيم أو تعريف للحقيقة والمجاز منشور عندهم. هذا التعريف كما ترى مشكل من أوجه كثيرة، لكن من أخصها أنه يتضمن أن ثمة في الكلام استعمالًا ووضعًا، الحقيقة اللفظ مستعمل فيما وضع له، والمجاز لفظ مستعمل في غير ما وضع له. إذا ثمة استعمال وثمة وضع، أليس كذلك؟ لا يمكن أن يكون هذا التعريف صوابًا أو ممكنًا إلا إذا حصل الإدراك للوضع والاستعمال، وأن بينهما اتحادًا أو افتراقًا. وهذا لما سموا المجاز قالوا: استعمل في غير ما وضع له. هذا مشكل، لِمَ؟ لأن عليه سؤالات: من الواضع؟ ومن المستعمل؟ المستعمل هم العرب في كلامهم من الجاهليين ومن أدرك فصيح اللغة بعدهم. طيب إذا كان الوضع الاستعمال واستعمال العرب، فالوضع وضع مَن؟ إذا قيل هو وضع العرب، امتنع أن ينفك الاستعمال عن الوضع.
هذه النظرية لا يمكن أن تكون صحيحة في العقل إلا إذا فرض أن ثمة وضعًا انضبط ثم عقبه استعمال. فإذا تناسب الاستعمال مع الوضع سمي الكلام حقيقة، وإذا خرج استعماله عن الوضع سمي الكلام مجازًا. أما إذا كان الاستعمال هو الوضع أو امتنع امتياز أحدهما عن الآخر، فإن التقسيم يكون ممكنًا في العقل أو غير ممكن؟ يكون غير ممكن في العقل. لاحظتم هذا؟ وهذا سؤال عقلي متين على مسألة الحقيقة والمجاز، أنها تستلزم إثبات الوضع وإثبات الاستعمال، وأن الوضع يسبق الاستعمال. هذا غير ممكن التحصيل؛ لأن الاستعمال هو استعمال العرب، والوضع للكلمات هذا أمر لا علم فيه، كيف حصل نظام الوضع؟ هذا لا علم فيه. ولهذا ترى المعتزلة بخاصة ومن شاركهم في نظريتهم هذه على هذا التقسيم، وترى هذا في كتب الأصوليين أحيانًا في مقدمات كتب الأصوليين، بتطوير مسألة مبدأ اللغات وكيف بدأت اللغة، وبدؤوا يذكرون أقوالًا، مع أن هذه المسألة تكلم عنها بعض المفسرين في مثل قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، فقيل إنها لغة آدم، وقيل كانت الجن تتكلم بها، وقيل كذا وقيل كذا. أيها الراجح؟ ليس المهم في مثل هذه المسائل الراجح، المهم هل العلم ممكن بهذه المسألة أم لا؟ وعليه قد نقول الراجح أن العلم بهذه المسألة غير ممكن إلا إن جاء نص إلهي نبوي عن طريق بأن اللغة تحصلت بكذا وكذا، وإلا من جهة الإدراك فإن هذا متعذر الإدراك.
وعليه تبقى مسألة الحقيقة والمجاز مسألة نظرية، أما إذا دخلت إلى عمق المعاني فهي مرفوضة وغلط لكونها ممتنعة في العقل، امتنعت التحصيل؛ لابد أن تثبت وضعًا ثم تثبت استعمالًا، إذا اتفق مع الوضع سميته حقيقة وإذا تخالف مع الوضع سميته مجازًا. هم يقولون الحذاق من المعتزلة أجابوا عن هذا السؤال، حتى نلخص هذه المسألة باختصار، أجابوا عنه فقالوا إن الجدار مثلًا لا يسأل، أو القرية لا تسأل، فإذا ما جاء مثل قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ دل على أن المقصود أهل القرية، قيل هذا لا مشاحة فيه، ولا أحد يفهم من العقلاء حتى من غير المسلمين، حتى العرب الذين سمعوا القرآن إذا سمعوا مثل هذه الآية فهموا أن المقصود أهل القرية، وأن في الكلام ما يحصل هذا الجواب عن إشكال المعتزلة. هل يقال إن عامة ما جعلوه مجازًا هو في اللغة على أحد وجهين؟ الوجه الأول:
أن يكون من باب الحذف، وهذا كثير في اللغة، وهو أن يُحذف المضاف ويُقام المضاف إليه مقامه؛ فهذا كثير في اللغة ولا إشكال فيه البتة. ولهذا، هذا الحذف ليس خاصاً بلغة العرب، بل هو موجود في جميع ألسنة بني آدم، أنهم يحذفون المعلوم من الكلام اختصاراً. ولهذا مثلاً قال ابن مالك في ألفيته: "وحذف ما يعلم جائز"، كما تقول: "زيد" في جواب من قال: "عندك من؟". فالمقصود أن الحذف شائع في جميع ألسنة بني آدم، والعرب من أخصهم، وهو أنهم يحذفون الكلام أو بعض الأحرف المعلومة، أي بعض الكلمات المعلومة ضرورةً. ففي جواب: "كيف زيد؟"، قل مثلاً: إذا قال شخص: "كيف زيد؟" أو "كيف عمر؟"، فكنت "صحيح" أو "حسن" أو "مريض"، لم يلزمك لغةً ولا عقلاً ولا نظراً أن تقول: "زيد صحيح"؛ موضوع أنما سأل عن زيد. فالمتحصل من هذا ماذا؟ المتحصل أن في كلام العرب حذفاً، هذا لا جدل فيه، وأن تسمية المخلوق في كلام العرب، أو تسمية السياقات التي يدخلها حذف في كلام العرب، تسميتها "مجازاً"؛ هذا إذا قُصد به أن اللغة تجيزه، فهذا لا مشاحة فيه. وهذه هي تسمية أبي عبيدة معمر بن المثنى لما قال: "وهذا من مجاز اللغة"، أنك تتجوّزها اللغة أيما تجوز، انظر، وهذا لا مشاحة فيه، أن يسمى هذا مجازاً، أي متجوَّزاً فيه لغةً.
الحقيقة الثالثة: أن العرب وغير العرب، وهذه نظرية عقلية، يمتنع أن يحذفوا في كلامهم الذي به الإفهام ما يحذفون منه إلا ما كان معلوماً ضرورة. فإذا رجعنا إلى كلام الله سبحانه وتعالى وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم، فهذا الكلام والقرآن إنما نزل هدى وبياناً وإيماناً للناس، فإذا ما كان فيه من على نسق كلام العرب يلزم أن يكون المحذوف معلوماً ضرورة، كقوله تعالى مثلاً: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82]، عُلم ضرورة أن المقصود أهل القرية، وهذا علم عقلي. لكن لما جاء قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: 22]، قالوا: هذا من جنس كونه "واسأل القرية"، نقول: هذا ممتنع؛ لأن الاتفاق العقلي واللغوي على أن المحذوف من شرطه أن يكون معلوماً، فهنا المحذوف معلوم أو غير معلوم؟ ليس معلوماً، بل المحذوف هنا ممتنع العلم. ولهذا من لم يثبت مجيء الله سبحانه وتعالى على ما يليق به، وقال: إن الآية ليست على ظاهرها، أو أن هذا مجاز، أو أن هذه الحقيقة ليست مرادة والمراد هو المجاز، يُقال له: إن هذا خبر قُصد تصديقه في القرآن، أليس كذلك؟
طيب، ما معناه؟ إذا كان في الكلام حذف، فلا يُفهم المعنى إلا إذا عُلم المحذوف، هل العلم بالمحذوف ممكن أم ممتنع؟ العلم به ممتنع؛ لما لتعدد الإمكان. ما معنى أن تعدد الإمكان؟ لأن منهم من يقول: "وجاء ربك" جاء أمره، ومنهم من يقول: "وجاء ربك" جاءت ملائكة رحمته، ومنهم من يقول: "وجاء ربك" جاء قسطاسه أو جاء عدله. إذاً المحذوف الآن تقديره عند المخالفين واحد أو متعدد؟ متعدد. والذي أراد الله حقيقةً أليس شيئاً واحداً؟ لأنه فرق بين أن يجيء جبريل، أو تجيء جملة من الملائكة، أو يكون المقصود مجيء رحمته، أو ما إلى ذلك. فإذاً هنا السؤال للمخالفين: ما الذي جعل التعيين لواحد من هذه المتعددات أمراً متحقّقاً؟ لأن من يقول: "وجاء ربك" جاء أمره، نقول: قد يكون المقصود جاء جبريل، إذاً إذا جوّزتم مسألة أن الكلام ليس على ظاهره؛ فالنتيجة أنه لما تعددت إمكانية المحذوف، وعُلم أن الكلام على ظاهره وليس فيه حذف، بل المقصود: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ أي جاء هو سبحانه وتعالى مجيئاً يليق بجلاله.
فإذاً النتيجة من هذا أن المحذوف من شرطه الضروري في جميع ألسنة بني آدم أن يكون معلوماً علماً يقيناً، وعليه ليس بالقرآن حذف إلا إذا استقر في فهم المخاطبين ابتداءً أن في الكلام حذفاً، وإلا تُلقى السياقات على لفظ الظاهر، كما أسلفت، أنه لم يُوجد ذكره في القرآن على معنى الكلام، إنما جاء في مثل قول الله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: 120]، هذا باب آخر، ومع ذلك فلما اشتغل الناس بلفظ الظاهر، قال أهل السنة: إن كلام الله ورسوله على هذا، فمن قال هذا فلا بأس. ولكن التقسيم في كلامه سبحانه وتعالى إلى ظاهر وباطن، أو ظاهر ومؤوّل، هو بدعة محدثة في الدين باطلة في الشرع والعقل.
أحسنت، نعم، أما أن يكون من باب إجازة الحذف كالسابق، وهذا نقول إنه لا بأس بتسميته إذا انضبط المحذوف عقلاً، لأن المحذوف لابد أن يكون معلوماً. الثاني: أن يكون لفظاً مشتركاً، أي في أكثر من سياق أو في أكثر من مسمى، فاليد مثلاً، فإنها تستعمل ويُراد بها الصفة المتعلقة بالحي، وتستعمل اليد ويُراد بها النعمة، هل هناك تناسب بين معنى النعمة وبين معنى اليد الصفة؟ وأن النعمة إنما سُقت بهذه اليد؛ هذه مسائل لا بأس بها افتراضية أو بإمكانها، إنما المقصود أن لفظ اليد لفظ مشترك متعدد المعنى. ولهذا لما قال عروة بن مسعود الثقفي في قصة صلح الحديبية كما في الصحيح، لما لجأه أبو بكر فقال: "من هذا؟" قال: "هذا أبو بكر"، قال له عروة بن مسعود الثقفي: "لولا يد لم أجزك بها لأجبتك"، لولا نعمة، قالوا: إنه من باب المجاز، نقول: كلا، هذا من باب الحقيقة، ولأن هذا يُسمى مجازاً في اللغة تسميةً، فلا بأس. فالمقصود أن بعض الكلمات في اللغة متعددة المعاني باعتبار السياق، لكن هل في كلام العرب سياق واحد يحتمل جملة من المعاني من خطاب الجواب؟ هذا لا يقع إلا على أحد وجهين: إما أن يكون المتكلم ليس فصيحاً، وإما أن يكون السامع ليس في الفهم والإدراك. وعليه، فإذا قيل: إن العرب تعرف اليد بمعنى النعمة، قيل: نعم تعرفها بمعنى النعمة، لكن السياق نفسه يدل على ذلك، السياق نفسه يدل على ذلك، فالاعتبار بالسياقات، وليس بإفراد الكلمات.
نعم، ثم قال المصنف بعد تقريره لهذه القاعدة في الصفات: "وما أشكل من ذلك"، أي في باب الصفات، "وجب إثباته لفظاً، وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله". هذه المسألة هي أشكل ما أخلّه الموفق رحمه الله، وكما أسلفت بالمس أن رسالته هذه ليس فيها غلط محض بيّن، إنما فيها بعض الأحرف المحتملة. هل هذا الكلام من المصنف تقرير للتفويض أم لا؟ أولاً، كما أن السلف رحمهم الله تركوا التأويل، وطالبوا بوجوب البقاء على ظواهر النصوص، وأن النصوص معناها واحد، إلى غير ذلك، فإنهم تركوا قول المفوضة، والمراد بالمفوضة هم من زعموا أن هذه النصوص بألفاظها، وأما معانيها فليس هناك معنى يؤمن به، وإنما يُقال: المعنى الله أعلم به. هذا المذهب مذهب غلط، ومذهب مبتدع، وكما قال الإمام ابن تيمية: إن قول المفوضة من شر أقوال أهل البدع.
إذاً عندنا في مقام الصفات مذهب السلف: الإيمان بالأسماء والصفات من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وعندنا ثلاثة مسالك بدعية: المسلك الأول: مسلك المعطلة المؤولة، الذين عطّلوا صفات الله وتأوّلوها إلى معانٍ سموها مجازاً، كقولهم: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ جاء أمرك، استوى بمعنى استولى؛ هذا مذهب المعتزلة ومن يوافقهم عليه من متكلمة الصفاتية كالأشاعرة وغيرهم. المذهب الثاني: مذهب التشبيه، وهم من شبّه الله أو من شبّه صفاته بصفات خلقه، والمشبهة أصلهم من أئمة ثم دخل على بعض الأحناف أتباع محمد بن... ثم تبعه. هذان المذهبان، أعني مذهب التشبيه ومذهب التعطيل والتأويل، مذهبان لم يشتبه على أحد من أصحاب السنة والجماعة من الفقهاء المبتعدين عن علم الكلام أنهما مذهبان مخالفان لمذهب السلف، وإنما الذي اشتبه على بعض الفقهاء التاركين لعلم الكلام أنه قول لطائفة من السلف، فظنوا أن السلف مفوّضة، ما معنى المفوضة؟ أي أنهم يقولون: إن هذه الألفاظ تُثبت، وأما معناها فيُسكَت عنه.
هذا التفويض لا شك أنه بدعة وهو ممتنع في العقل، ودائماً يجب في تقرير هذه المسألة أن يُبان التوافق بين العقل وبين النقل، وأنه لا تعارض بينهما. لما التفويض ممتنع عقلاً؟ لأن الله سبحانه وتعالى إنما أراد بهذه الأخبار المعرفة، فإذا كان معناها غير مدرك، انعدمت المعرفة به سبحانه ولم تمكن، ولأن الله سبحانه وتعالى أراد بذكر سياق معنىً من الخبر، في قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: 181]، هذا خبر، إذا لم يكن هناك فهمٌ، فهمٌ للصفة، فإن العلم بهذا الخبر يكون علماً ممتنعاً، ولهذا التفويض قول متعذّر. إذا تحقق ذلك، فيُقال مع كونه بدعة ومتعذّراً في الشرع والعقل، فإن طائفة من الفقهاء المبتعدين عن علم الكلام مجّدوه وامتدحوه وظنوا أنه طريق للسلف أو لطائفة منهم. وإذا استعملت طريقة أخرى فإنه يمكن أن تقول: إن التأويل هو طريق المتكلمين ومن وافقهم أو تأثّر بهم، وإن التفويض هو طريق جماعة من الفقهاء والصوفية المعظّمين للسنة والأئمة، ولكنهم لم يحققوا مذهبهم. إذاً، ففُقه المقصود بلفظ التفويض وأنه لفظ يُراد به معنى من المعاني الباطلة المبتدعة، بقي السؤال: هل المصنف ابن قدامة في مقامه هذا يرى التفويض أم أنه لا يذهب إليه؟
قبل هذا التحقيق، أو قبل هذا الجواب بعبارة أجود، قبل هذا الجواب اختبار دائماً بتحقيق الحقائق، أما أن هذا المعين من الناس يقول بهذا المذهب أو لا يقول به، هذه مسألة ليست من المسائل المهمة؛ فالمهم أن يكون متبيّناً أن التفويض في الصفات طريق بدعي لا أصل له في كلام السلف. بقي، هل ابن قدامة يوافق المفوضة في بعض مسائله؟ يُقال: هذه مسألة محتملة، ولكن الأظهر في طريقته رحمه الله أنه لا يوافقهم، وإن كانت بعض ألفاظها المجمَلة قد تدل على شيء من ذلك، وأقصد بذلك هذه الألفاظ، لأنها قال: "وما أشكل من ذلك". الدليل على أن الموفق رحمه الله ليس مفوّضاً أنه هل جعل التفويض هو القاعدة في الأسماء والصفات؟ هل ترون أنه جعلها القاعدة أم جعل القاعدة الإثبات بالتسليم والقبول والإيمان وترك التعرض له بالرد والتأويل؟ إنما كل تقرير للتفويض أو تقرير للإثبات المعروف عند السلف، أيهما للأول؟ ثم إن هذا التقرير الذي ابتدأ به هو الذي فسّره في رسالته هذه وفي غيرها من كتبه التي كتبها في أصول الدين، فذكر تفصيل الإثبات للقرآن وأنه كلام الله، وتفصيل الإثبات لصفاته الأخرى سبحانه وتعالى، ولهذا تراه قال: "وما أشكل لذلك"، فهذا يُعلم به قطعاً أن الموفق ليس مفوّضاً، إنما المحتمل أنه قد يكون عنده مادة من التفويض أو يسير من التفويض، وفرق بين من دخل عليه شيء من التفويض وبين من طريقته في الأصل طريقة المفوضة.
وعليه، فما علّقه بعض المعاصرين من أن صاحب الرسالة يذهب إلى مذهب المفوضة وهو مذهب مخالف للسلف، الحقائق يجب أن تكون معتدلة، أما أن فيه من المفوض المخالف للسلف فنعمة، لكن أن يُفتات على إمام من الأئمة ويُطعن فيه من هذا الباب، هذا ليس ملازماً، حينما يمكنك أن تضبط السنة فتقول: التفويض مذهب مخالف للسنة. لكن أن الرجل يقول، لأنهم كما ترى قال: "وما أشكل من ذلك"، فدلّ على أن ما قد يصح أن يموت عنده هو مشكلة في أحرف الأسماء والصفات، وليس قاعدة مضطربة، وليس قاعدة مضطربة.
فتأمّل قوله: "ما أشكل من ذلك"، فدلّ على أن جمهوره مشكل أو غير مشكل؟ غير مشكل، دلّ على أن جمهوره غير مشكل، الذي غير مشكل هل ذكر فيه تفويضاً؟ لا، إنما ذكر التفويض في المشكل، فدلّ على أن غير المشكل عنده على معناه أو على تفويضه؟ على معناه، هذا قدر لابد أن يُضبط. ثم هذا المشكل الذي قال المصنف ما قال، هل قصد أنه يفوّض تفويضاً بدعياً؟ يكون هذا مبنياً على مرادي بالمشكل، وهذا السؤال لابد من اعتباره.
المؤلف جاء بعدما زاد كثير من الحنابلة، هذه مسألة يعني فيها شيء من التاريخية لابد أن تتصوروها، مراده رحمه الله الحنابلة كطائفة فقهية، إمامهم رحمه الله ربما لهم من الرد على المعتزلة الذين هم أساطين علم الكلام أكثر من غيرهم بسبب مسألة فتنة خلق القرآن، ولهذا بعد عصر الأئمة الأربعة جاء رجلان: أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي، أبو الحسن الأشعري الشافعي فقهاً، وماتريدي حنفي فقهاً، فقال: هذان الرجلان على طريقة علم الكلام لكنهما انتسبا للسنة والجماعة، فدخل علم الكلام على الشافعية كثيراً وعلى الحنفية كثيراً، لأن هذين الرجلين الأشعري شافعي والماتريدي حنفي، وليسوا من الأئمة، بل يؤمنون بمنهج أهل السنة والجماعة كمنهج عام وكأصل، لكنهم يطبّقون على طريقة علم الكلام، فنتجوا هذه المذاهب التي هي من السنة والبدعة. الحنابلة لم يظهر فيهم علماء متكلّمون ينتسبون إلى الإمام أحمد فقهاً، فصار الحنابلة منهم من يتأثر بالأشاعرة، التميميون من الحنابلة كأبو الحسن التميمي وأبو الفضل التميمي وأمثال هؤلاء وابن عقيل كالقاضي أبي يعلى زمناً من أمره تعثّر قوم منهم بالكلابية والأشاعرة، قسم آخر من الحنابلة بدأوا يبالغون في ضبط مذهب الإمام أحمد في الصفات والبعد عن التأويل وعلم الكلام إلى حد الزيادة، بمعنى أنهم بدأوا يفسّرون جُملاً ما فصّلها السلف، من باب تحقيق الإثبات، كأبي عبد الله بن حامد مثلاً، فهو يبالغ في تفصيل بعض المسائل التي ما هي الصلاة على السلف، إذاً المتحصل من هذا ماذا؟ أنه كما أن ثمة طائفة من الفقهاء انتحلوا علم الكلام وبعقود أهل البدع، فثمة.
من أصحاب الأئمة، ولا سيما من الحنابلة، صار عندهم قدر من المبالغة في الإثبات لم تُعرف عن الأئمة -رحمهم الله- فبدأوا في أمور هي قدر من الإشكال. الأظهر في نظري أن ابن قدامة -رحمه الله- كان يبتعد عن أهل هذه الطريقة، ويرى أن ما زاد عن كلام السلف والأئمة فإنه يجب التوقف فيه. والمعاني التي يُسأل عنها الناس مما زاد على تقرير السلف، ماذا نجيب عنها؟ نقول: إنها يُفوض علمها إلى الله سبحانه وتعالى.
فإذاً نحصل هذا؛ أن المعاني التي تكلم فيها المتأخرون الذين يعظمون السنة والجماعة وطريقة السلف تنقسم إلى قسمين: قسم مستقر عند السلف، ما هو القسم المستقر؟ القسم المستقر هو القسم الذي دلت عليه ظواهر النصوص. القسم الثاني هو قسم متكلف من المعاني، مشتبه من المعاني. فهذا بعض من رمى التحقيق كابن حامد مثلاً؛ أصحاب المذاهب الأربعة بالغوا في إثباته حتى وصل ببعض الأحناف إلى حد التشبيه، مبالغة في الإثبات. يعني لما يقال: الكرامية مجسمة أو مشبهة، ما كان ابن كرام يقصد موافقة هشام بن الحكم من الشيعة، كان يذم التشبيه، لكن بالغ في الإثبات إلى قدر وصل به إلى شيء من التشبيه، فكان ابن قدامة -رحمه الله- ينتقد أو يعترض على من بالغوا في المعاني التي سُئلوا عنها أن يقال: يرد علمها إلى الله سبحانه وتعالى. هذا هو الراجح، والاحتمال المرجوح أن ثمة بعض الأحوال من الصفات مشكلة عند ابن قدامة ونرى أنه يجوز فيها التفويض، ولكن على كلا التقديرين لا يمكن أن يقال إن الموفق يذهب مذهباً تاماً مضطرباً إلى مذهب الطائفتين: أهل التأويل من الحنابلة الذين تأثروا بالكلابية.
لا شك أنه قدر من التعدي والاجتهاد. الحق أن المصنف لذلك ذكر ما يتعلق بالمحكم والمتشابه؛ القرآن ذكر الله سبحانه وتعالى فيه أنه محكم، وذكر فيه أنه متشابه، وذكر أن منه آيات محكمات وأخر متشابهات. أما إحكامها العام فهو استقامة معناه، وأنه حق ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إلى آخره. وأما كون القرآن كتاباً متشابهاً فالمراد بتشابهه العام أن بعضه يصدق بعضاً ويشبه بعضاً، كما تقول: هذه المسائل أشباه، وهؤلاء رجال أشباه، لما بينهم من التوافق والاشتراك.
وأما المحكم الخاص والمتشابه الخاص المذكور في قوله تعالى في سورة آل عمران والآيات التي ذكرها المصنف هنا، فهذا محل خلاف بين المفسرين. لكن هي مسألة أن جملة من المتكلمين درجوا على أنهم يجعلون آيات الصفات هي المتشابهة، ومنهم -وهم أقل- من يجعل آيات الصفات من المتشابه؛ فرق بين الطريقتين. أما من قصر التشابه على آيات الصفات فهذا لم يقصده إلا المتكلمون من أهل البدعة، ومنهم يقال إن آيات الصفات من المتشابهة، وهذا أيضاً إطلاق ساقط. النتيجة أن آيات الصفات لا يجوز أن تُعد من المتشابه، وهنا المصنف -رحمه الله- أخطأ، لكن هذا الوهم ليس عقديّاً، هذا وهم تفسيري؛ لأنه لم يجعله مضطرباً في سائر الصفات، إنما يقول إن المشكل هو المتشابه، والمتشابه في وضوء على هذه الآية؛ فإذاً هذا وهم تفسيري وليس وهماً عقدياً.
الصحيح كما أسلفت أن آيات الصفات من المحكم، وأنها ليست من المتشابه، وإنما المتشابه ما أشكل أو تردّد معناه. وعليه، بقوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]، إذا كان الوقف على ذلك، صار المتشابه هو ما لم يمكن طائفة من أهل العلم فهمُه، ويكون من جنس قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان: «الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس». وأما إذا كان الوقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7] ويكون الراسخون في العلم ابتداءً، فإن التشابه هنا يُراد به الحقائق الغيبية التي اختص الله سبحانه وتعالى بعلمها، كحقيقة العذاب والنعيم وكحقائق صفاته سبحانه؛ لا يعلمها إلا الله وهي شيء مجهول للمخاطبين.
نعم، وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: 7] فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أملوه وقطع أطماعهم عما قصدوه بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. ولم يُرد المصنف بذلك أن سائر آيات الصفات هي من المتشابه الذي يُوقف عن معناه، والدليل على أنه لم يرد ذلك أنه فصّل في رسالته هذه وفي غيرها ذكر الأسماء والصفات ومعانيها إلى غير ذلك.
ولهذا الإمام ابن تيمية -كما أسلفت- لما ذكر الحنابلة قالوا: ثلاثة أقسام؛ قسم يميل إلى شيء من طرق المتكلمين كبعض التميميين وكابن عقيل وأمثال هؤلاء، قال: وقسم بالغوا في الإثبات يزيدون فيه كأبي عبد الله بن حامد، قال: وقسم من أصحابنا محققون على طريقة الأئمة كأحمد وغيره، وطريقته هي طريقة أهل الحديث المحضة كالشيخ أبي محمد، ويقصد بالشيخ أبي محمد الموفق صاحب الرسالة. فحكم شيخ الإسلام عليه حكم أحمد، ولهذا لو كان الموفق مفوّضاً ما أثنى عليه شيخ الإسلام ذلك الثناء، خاصة أن هذه الرسالة ابن تيمية نفسه قد وضع رسالته الوسطية على نسقها، ومن يتأمل هذه الرسالة ورسالة الإمام ابن تيمية كما أسلفت يجد المحاكاة بينت بين السلفيين حتى إنه وبعض الأحداث ترتب بعض المسائل على نفس الترتيب إلى غير ذلك.
نعم، قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل -رضي الله عنه- في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله ينزل إلى سماء الدنيا، وإن الله يُرى في القيامة» وما أشبه هذه الأحاديث: نؤمن بها ونصدق بها، لا كيف ولا معنى، ولا نرد شيئاً منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم. نعم، هي الكلام الذي نسبه الموفق للإمام أحمد -رحمه الله- يقال فيه إن ما نسبه الحنابلة أو غيرهم من نسب لأئمتهم من الكلام يكون على وجهه؛ تارة يكون كلام نصاً، وتارة يكون كلام فهماً. في مذهب الإمام أحمد خاصة إشكال في نقل أصحابه عنهم في العقيدة. هذا الإشكال نحصله أن جملة من الحنابلة ثم مذهب الإمام أحمد في صفات فهماً، فصار بعضهم يلخص فهمها وينقله عن الإمام أحمد، لذلك لهذا مثل ذكره الإمام ابن تيمية، ونعلم الانتباه لفقه مثل هذا التقرير في نقل أقوال الأئمة.
أبو الحسن التميمي من الحنابلة صنّف كتاباً في عقيدة الإمام أحمد، جعل هذا الكتاب على لسان الإمام ما يحتاج، فجعل يقول مثلاً: وكان أبو عبد الله يقول، ثم يأتي بجمل: وكان أبو عبد الله يقول، وإن كان أبو عبد الله يذهب إلى كذا، وهكذا: وكان أبو عبد الله وكان أبو عبد الله. هذا النقل لم ينقله برواية عن كبار أصحاب أحمد كحنبل أو كعبد الله أو صالح وأمثالهم، إنما هو فقه خطر التميمي فنقله على لسان الإمام أحمد محاكاة.
من الحنابلة في الجملة متأثرون بالكلابية بمعنى أنهم يأولون صفات الأفعال، ولهذا لما جاء لقول الله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: 22] قال: وكان أبو عبد الله يقول: وجاء ربك جاء أمره. يقول: وكان أبو عبد الله يقول: ربك جاء أمره. هذه الرواية في صفتها التميمي في كلام الإمام أحمد، ولهذا لما جاء الشافعي يميل إلى طريقة الأشاعرة وصنّف في مناقب الإمام أحمد وجاء لذكر عقيدته هذا الكلام، وجاء حتى من هو أدرى بهذه الأمور كابن كثير في البداية والنهاية لما ترجم للإمام أحمد روى أن الإمام أحمد كان يقول: وجاء ربك جاء أمره. وهناك أغلاط عند أبي الحسن التميمي أكثر من هذا في نقله لعقيدة الإمام أحمد، وإن كانت مسألة المجيء قد يكون لها استثناء لأن حنبل بن إسحاق روى عن الإمام أحمد: وجاء ربك جاء أمره، ولكن جمهور أصحاب الإمام أحمد غلّطوه في هذا لتواتر النقل عن أحمد في إثبات الصفات الفعلية.
المقصود من هذا أن هذا النقل الذي نقله الموفق ليس نصاً على الإمام أحمد، إنما هو فهم فهمه بعض الحنابلة عن الإمام أحمد سنطلقه. ولهذا الإشكال في هذا النقل هو في قول «لا معنى»، لكن هذا لا إشكال فيها، قوله «لا معنى» هذا أحسن ما يُجاب عنها أن هذا فهم فهمته طائفة من الحنابلة عن الإمام أحمد؛ فقالوا ما هو هذا الكلام؟ فيحسب قائله؛ إن كان قائله محققاً فقد يكون تأخّر في العبارة وأراد بالمعنى المعنى الذي اخترعه المتكلمون عن معاني الصفات، أي: ولا معنى مخالف للظاهر. وإن كان القائل بذلك مفوضاً أو الناقل ممن يميل إلى التفويض فهو أراد بذلك المعاني التي تخالف الظاهر، وهذا غلط على الإمام أحمد.
المحصّل أن طالب العلم دائماً ينبغي أن يقف عند الأشياء التي لا تحتاج إلى وقوف. الإمام أحمد قد انضبط مذهبه أنه يثبت، وهو من أجمل الأئمة في هذا، وأنه بريء من مادة التفويض جملة وتفصيلاً. التفويض هذا الذي نُقل عنه ليس نصاً عليه، إنما هو فهم بعض أصحابه. هل الموفق نقله من غيره أم أنه وصلنا هكذا؟ هذه أيضاً مسألة مترددة بين احتمالين، وعليه لا يُلتفت إلى هذا التقرير، كما أن هذا التقرير لا يمثل تفويضاً عاماً. ولهذا مع أنه ذكر مسألة النزول، إلا أنه ذكر أن مما يؤمن به من مسألة النزول نعم.
قال: ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. ونقول كما قال ونصفه بما وصف به نفسه، لا نتعدى ذلك ولا يبلغه وصف الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة سُمعت، نعم، وهذا براءة من التوحيد، هذا براءة واضحة من التوحيد. ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة سُمعت، لو كان الرجل مفوّضاً ما أمكنه أن يقول هذا. نعم، ولا نتعدى القرآن والحديث ولا نعلم كيف كُنه ذلك، ولا نعلم كيف كُنه ذلك. هذا براءة من التوفيق، أليس كذلك؟ لأنه لم يذكر التفويض العام في مشكل. التفويض العام هنا ذكره، لكن أين المشكل؟ التفويض العام جعله فقط ليس خاصاً بشيء مشكل، لكن أين موضعه الكيفي؟ المصنف لما ذكر التفويض العام التزم فيما في الكيفية: «ولا نعلم كيف كُنه ذلك». ونفوض، ولا نعلم أنه لا كُنه له، لكن ماذا عن المعاني؟ كلا، إنما قال: «ولا نعلم كيف كُنه ذلك». فإذاً التزم التفويض العام في الكيفية، وهذا مذهب السلف كما قال مالك: «والكيف مجهول». نعم، إلا بتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم وتثبيت القرآن. نعم مثل تصديق الرسول في قوله ومعناه. ما قفل هذا، وإن بقي ثلاث دقائق أو أربع نأخذ بعض الأسئلة.
أحسن الله إليكم، هذا سائل يقول: ذكرنا أن النقص ننفيه عن الله ولو لم يرد نفسه في الكتاب والسنة، وسؤالي: ألا يفتح هذا القول باباً للمعطلة في نفيهم للصفات بدعوى تنزيه الله عن النقائص؟ أولاً، السياق الذي ذُكر لك ليس دقيقاً، إنما السياق الدقيق أن يقال: إن النقص منفي عن الله ولو لم يرد في الكتاب والسنة تعييناً، أما أن تقول إن النقص ينفى عن الله ولو لم يرد في الكتاب والسنة، فهذا تناقض، لِمَ؟ لأن النقص منفي في الكتاب والسنة وليس منفياً من تلقاء نفسه، إنما الذي سبق وقد نص عليه شيخ الإسلام في الرسالة التدمريّة هو أن يقال: إن النقص يُنفى عن الله أي نقص معين كصفة من الصفات يُنفى عن الله ولو لم يرد التنصيص بنفيه معيناً في الكتاب والسنة. مثلاً لو قال قائل: انفه عن الله السِّنة والنوم؛ لأن الله يقول: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255]، ما في مرض، راجع النص عليه؛ مثلاً يقول المرض أيضاً منفي. وصفات النقص لا يلزم أن تُعلم كل صفة بنفي، لأن ذكر صفات الكمال يستلزم نفي ما يقابلها من صفات النقص. إذاً السياق الدقيق أن النقص المعين يُنفى عن الله ولو لم يُعيّن ذكره نفسه للتعيين في الكتاب وفي السنة، ولا يقال: النقص يُنفي عن الله ولا يميز كتاب السنة، النقص مطلق له سبحانه. نعم.
أحسن الله إليكم، هذا يقول: المانع في إثبات الحد للمتواتر الذي منعناه بالأمس إذا كان مجرد اصطلاح والإقرار بأن الأحكام وغيرها تثبت بالسنة الصحيحة مطلقاً؟ إذا كان مجرد اصطلاح، الاصطلاح معناه أن يكون تحت معنى ممكن، هذا هو جائز، إذا وُضع لمعنى ممكن هذا لا بأس به، ولا يُقال إنه محدث أو ما إلى ذلك. لكن إذا كان الاصطلاح بمعنى المتعذر أو يخالف الشريعة فهذا لا يسمى اصطلاحاً، هذا يُسمى قولاً في المعاني، والقول في المعاني لابد أن يكون ممكناً قبل أن يكون للكتاب والسنة. وإنما اعترض عليه بالأمس لكونه ليس ممكناً من جهة كونه يستلزم التعطيل، بتحكيم سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الأصول وغيرها، فهو ممتنع من جهة العقل ومن جهة الشرع. نعم.
أحسن الله إليكم، وهذا سائل يقول: هل مقاتل بن سليمان -رحمه الله- ثبت أنه من المشبهة؟ مقاتل بن سليمان -رحمه الله- قيل عليه كلام كثير في التشبيه، وقيل عليه كلام كثير في الإرجاء، وقيل عليه أشياء كثيرة، ومن الأقوال التي نُسبت إليه قال الغالية من المرجئة إن أصحاب الكبائر لا يعرضون للوعيد أصلاً.
إن أصحاب الكبائر لا يعرضون للوعيد أصلاً، بالنهاية لهم الجنة ابتداءً. ابن تيمية يقول: هذا قول ينسب لغالية المرجئة، ولا نعلم منه معيناً، ونُقل من هذه السنة أن مقاتل بن سليمان نسب إليه هذا القول، ولكنه أجل من أن يقول به، وأنه لم يثبت عنه. فالقصد مقاتل لم تثبت عنه هذه الحقائق، لم يقم بالتشبيه ولا يقوم بالإرجاء الغالي، وإنما نسب إليه جملة كثيرة. وكما أسلفت، إنه لا ينبغي أن يهتم طالب العلم إذا نسب للأعيان؛ من قال قولاً بيناً صريحاً قيل هذا قوله، وأما من اشتبه قوله أو تردد في شأنه العبرة بالمعاني، ما هو الحق منها وما هو الباطل؟ وأما أن هذا أو ذاك يقول بهذا أو لا يقول فهذا شأن ليس مما ينبغي السعي فيه، فهذا هو أدب القرآن.
والآن ابتلي كثير من الشباب وحتى بعض طلبة العلم وكان هذا من تحقيق العلم، تجده يبحث صفحات طويلة هل فلان يقول بهذا القول أو لا يقول؟ والنتيجة؟ هب أنه يقول أو هب أنه لو غير هذا من العلم الآن نشاط المنافقين، هل كان المقصود الشريعة تعليم الصحابة بأن هذا منافق وهذا منافق وهذا منافق؟ تأمل القرآن، تأخر أمر المنافقين إلى سورة التوبة، وتعلمون متى نزلت هذه السورة؟ في آخر عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وواضح أن حذيفة هو الذي يعلم بأسماء المنافقين، وكبار الصحابة ما كانوا يدرون عن جميع المنافقين، حتى في سورة التوبة.
لكن من بين الدرسين خمس دقائق من شاء أن يقوم فليقم، لكن حتى لا ينقطع الكلام ويكون يعرف. الآن ترون في سورة التوبة ماذا يقول الله؟ ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: 101]. ألا تعلمون من المخاطب؟ الرسول عليه الصلاة والسلام. إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام حتى بعد نزول سورة التوبة وحتى بعد افتضاح المنافقين لا يعلم جميع حالات النفاق في المدينة وجميع حالات النفاق في الأعراب الذين يأتونهم صباحاً ومساءً عليه ويعطيهم ويظهرون له الإسلام إلى غير ذلك، فغيرهم من باب أولى؟ إذاً مضى كثير من الصحابة وما ظهر عليهم من أهل النفاق لا يعلمون عنه، إنما المنافق يعلم إذا ظهر شيء.
ولهذا كانت من حكمة الشريعة أن المنافقين مع المسلمين يتزاوجون ويتوارثون، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وقد جرت سنته صلى الله عليه وسلم في عدم التفريق لمسائل الزواج والنكاح والإرث بين المنافقين، ولما مات عبد الله بن أبي صلى عليه. فهذه المسائل ينبغي أن يفقه فيها، لأن مقصود الإسلام هو الإيمان بالله وتحقيق العبادة له، أما أن يصرف طالب العلم كثير من جهده في تتبع كلام الناس: ماذا قال زيد؟ وماذا قال عمرو؟ وهل قال وهذا يقول قال وهذا مثلاً؟ هذا أدب ينبغي أن يترفع عنه شريف النفس فضلاً عن طالب العلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ يوسف الغفيص