الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فهذا هو المجلس الثالث من مجالس شرح لمعة الاعتقاد لابن قدامة عليه رحمة الله، والمنعقد في الثلاثين من الشهر الرابع لعام ألف وأربعمئة وأربعة وعشرين.
قال المؤلف عليه رحمة الله تبارك وتعالى ونفعنا الله بعلمه وبعلم شيخنا في الدارين آمين: قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه: «آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله».
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين. من شرف هذه الرسالة أن مؤلفها نقل فيها عن جملة من أئمة السلف، كنقله عن الإمام أحمد فيما سلف، وإن كان سبق الإشارة إلى أن النقل السالف عن أحمد رحمه الله ليس بالضرورة أن يكون من منصوصه، وفي الجملة أنه فهمه أصحابه فعبروا به عنه. وهذا النقل عن الإمام الشافعي هو أيضاً نقل فاضل على ما فيه من الإجمال؛ فإن الجملة التي قالها الشافعي رحمه الله هي جملة متحققة الامتداد عند سائر أهل العلم، وليس فيها مادة من الاختصاص.
فإنه قال: آمنت بالله وبما جاء عنه سبحانه وتعالى، أي مما أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم على مراد الله، وآمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله. وترى أن هذه الجملة تعد من الجمل المسلمة ابتداءً عند سائر الأئمة، وإنما يكرر الشافعي ونقلها من نقل عنه من أصحاب السنة والجماعة من الفقهاء والمصنفين في أصول الدين؛ ما فيها من الإشارة إلى ترك التأويل، فإن جملة هذه فيها إشارة بينة إلى مخالفة طريقة أهل التأويل من المتكلمين الذين تأولوا نصوص الصفات، فهذا هو وجه نقدها.
ينبه في هذه الجملة التي رواها وذكرها عن الشافعي أن الشافعي رحمه الله يقرر بهذا وجهاً من أوجه التفويض لمعاني الصفات، وهذه الجملة قد زعم بعض الفقهاء من أصحاب الشافعي وبعض أصحاب أحمد أن الشافعي بهذه الجملة يذهب إلى شيء من التفويض. وكما أسلفت، فإن مسألة التفويض لمعاني الصفات مسألة أشكلت على كثير من الفقهاء، وما من إمام من الأئمة الأربعة إلا ونسب إليه بعض أصحابه وغيرهم جملة من التفويض؛ فأحمد نُسب إليه قوله في التفويض، والشافعي نُسب إليه مثل هذا القول، ومالك رحمه الله لما قال جملته المعروفة: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة؛ نُسب إليه شيء من التفويض. وكذلك الجمل المأثورة عن بعض المتقدمين من السلف كقولهم: أمروها كما جاءت بلا كيف، وهذه جملة مروية عن مكحول والزهري وسفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي إلى غير ذلك.
فهذه الجمل إذا تأملتها لا ترى أن فيها مادة من التفويض، فالقول الشافعي هذا ليس فيه ذكر للتفويض، وإنما فيه تقرير لكونه رحمه الله يذهب إلى أن الإيمان على مراد الله ورسوله. فلك أن تقول إن هذه الجملة مخالفة لقول المفوضة؛ لأن الشافعي رحمه الله بين أنه آمن بها على مراد الله وعلى مراد رسول الله، فظهر أن لله ولرسوله مراداً من جهة المعنى في هذه النصوص، وإذا كان له سبحانه وتعالى مراد ولرسوله مراد في خطابه، فإن هذا مراد مما يمكن فكره وفهمه ووعيه. وكذلك قولهم: أمروها كما جاءت بلا كيف، وهذا قول معروف لجملة من كبار أئمة السلف، هذا أيضاً فيه براءة من التفويض وليس قولاً بالتفويض؛ لأن قولهم أمروها كما جاءت دليل على أنها تؤخذ على ظاهرها في المعاني المقتضية لها في لسان العرب، وقولهم بلا كيف إنما نفوا العلم بالكيفية، وكونه مخصص للكيفية بالنفي، أي بنفي العلم، دليل على أن المعنى من جهة أصله يكون معلوماً.
قال رحمه الله: على هذا درج السلف وأئمة الخلف رضي الله عنهم، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله. أي من غير تعرض لتأويله، وأراد بالتأويل هنا التأويل الذي أحدثه المتكلمون، وهو صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز، أو صرف اللفظ عن الظاهر إلى المؤوَّل، فهذا هو التأويل البدعي الذي يحدثه المتكلمون من المعتزلة وغيرهم في باب الأسماء والصفات.
قال: وقد أمرنا بالاقتفاء لآثارهم والاهتداء بمنازلهم، وحذرنا المحدثات، وأخبرنا أنها من الضلالات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».
مقام السنة والاتباع يعتبر بأصلين: الأصل الأول العلم، والأصل الثاني التسليم، وهما المذكوران في قول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]. فالتسليم الذي ليس مبنياً على العلم هذا ليس مقصوداً من الشريعة، ولهذا التسليم للأعيان هذه بدعة حدثت في الإسلام، وأول من أحدثها الشيعة ثم الصوفية، فصاروا يسلمون لأئمتهم تسليماً مطلقاً، إلى قدر اعتقدوا فيه -أو اعتقد بعض طوائفهم- ما يصل إلى عصمة الأئمة. المقصود أن التسليم لأعيان أهل العلم فضلاً عن من دونهم ليس مشروعاً في الشرع، التسليم الذي ليس مبنياً على العلم هو التسليم المطلق، فإن التسليم المطلق لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى ولحكم نبيه صلى الله عليه وسلم، وأما غير النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يراجع في قوله، ولابد أن يظهر قوله على وفق مقاصد الشريعة. فهنا قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ﴾ فلا بد من مقام العلم ومقام التسليم، فهذان الأصلان هما مبنى السنة والاتباع؛ أن يكون صاحب السنة والمقتدي بأثر السلف على علم وعلى تسليم.
أما إذا أُسقط مقام العلم واعتُبر مقام التسليم فهذا ليس من مقصود الشريعة؛ لأنه علم بالله سبحانه وتعالى، ولا يمكن أن تقوم الحقائق في القلوب ويعظم شأنه سبحانه وتعالى إلا بالعلم الذي يصاحبه التسليم. وكذلك مقام العلم وحده الذي ينقطع عن التسليم بل يقوم على الجدل وما إلى ذلك، هذا ليس مقصوداً في الشريعة، ولهذا لا ترى أن الله سبحانه وتعالى عظم مقام الجدل وجعله منهجاً للمؤمنين، بل لم يذكر هذا كما نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلا في حق مجادلة الكفار، وأما الجدل فما ذُكر بين المؤمنين؛ لقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]، وقوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: 46]، فمقام النظر والجدل هذا لم يذكر في سياق المؤمنين إنما مع الكفار. فإذاً لا بد من اعتبار هذين المقامين، مقام العلم وهو التحكيم، ومقام التسليم.
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.. هذا الحديث -وهو حديث العرباض بن سارية- حديث ثابت، أخرجه الإمام أحمد وغيره، وهو من سننه صلى الله عليه وسلم، وفيه قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء». ويراد بالخلفاء هم الخلفاء الأربعة الراشدون، وأنت ترى أن من بعدهم سُموا في الإسلام وفي تاريخ الإسلام خلفاء، كخلفاء بني أمية وخلفاء بني العباس إلى غير ذلك، فهل تسمية من بعد الأربعة الراشدين خلفاء مما يسوء أو مما يُنهى عنه؟ هو مما يسوغ، لكن فرق بين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي خليفة، وبين تسمية من بعدهم؛ فإن المقصود بالخلفاء الأربعة هنا أنهم خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في أمته. هذا هو معنى أن أبا بكر خليفة، أي أنه خليفة عن رسول الله، وكذلك عمر من بعده وعثمان وعلي، وكل واحد من هؤلاء بعد أو عند خلافته هو خليفة عن رسول الله في الأمة، وأما من بعدهم فإذا سُمي خليفة فهو مستخلف على المسلمين كراعٍ وأمير وسلطان، فهذا هو الفرق بين الخلافتين: بين الخلافة النبوية وهي التي لها سنة، والخلفاء بعده عليه الصلاة والسلام خلفاء النبوة هم أربعة.
ذهب بعض أهل العلم -وهو مشهور في كتب السير، وهو قول لبعض أهل العراق- أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله يسمى خليفة خامساً، وهذا غلط، وقد نبه إليه جملة من الكبار، الإمام أحمد رحمه الله أنكر هذا القول لما بلغه، واستدل بما روى سفينة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة». ولهذا الإمام أحمد لما بلغه قول بعض أهل العراق أن عمر بن عبد العزيز هو الخليفة الخامس، عجب من ذلك وقال: ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: «بعدي ثلاثون سنة»؟ مقصوده رحمه الله أن من جعل عمر بن عبد العزيز خليفة خامساً فقد زاد على الثلاثين؛ لأن الثلاثين سنة هذه قد انتهت، يعني بقي فيها أشهر بعد مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فهي جزء من إمارة الحسن إن كان للحسن إمارة، على خلاف بين أهل العلم في إمارة الحسن. المقصود أن عمر بن عبد العزيز صاحب سنة وصاحب هدي وإمام في العلم وصاحب عدل إلى آخره، لكن لا يجوز أن يسمى خليفة خامساً، خلفاؤهم أربعة، وأما من بعدهم فهم سلاطين وملوك.
هذه جهة، الجهة الثانية أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه بإجماع السلف أفضل من عمر بن عبد العزيز، لأن معاوية صحابي، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إن العلماء اتفقوا على أن أفضل ملوك الإسلام معاوية؛ لأن من قبله كانوا خلفاء، فمعاوية ملك وإن كان يسمى خليفة. قال شيخ الإسلام: أفضل ملوك الإسلام بالاتفاق، فهو أفضل من عمر بن عبد العزيز ولا شك، مع أن شيخ الإسلام استدرك جملة قال: وإن كان بعض مقامات العدل استقرت في زمن عمر وخلافة عمر بن عبد العزيز أكثر من استقرارها في خلافة معاوية، لكن هذا أوجبه حال السلطان في الذاكرة، بمعنى أن معاوية أدرك فتناً ومعاوية رجالاً من الصحابة في خلافته وإلى آخره، فكان لزمنه اختصاص بخلاف عمر بن عبد العزيز فإن الأمور استقرت له في الجملة، فبعض مظاهر العدل التي تحققت في زمن عمر ولم تتحقق في زمن معاوية -يعني عمر بن عبد العزيز- هذا لا يعجب منه، فإن الاعتبار كليات الأمور واجتماعها وليس بجزء من أحدها.
أيضاً في هذا الحديث: «فإن كل محدثة بدعة»، أي كل إحداث في الدين فإنه بدعة، سواء كانت بدعة قولية أو بدعة عقدية أو بدعة فعلية. وفي بعض أوجه حديث جابر الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح خطبته به وهو في الصحيح، حديث جابر بن عبد الله، قوله صلى الله عليه وسلم: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». في غيرها وجه وزيادة: «وكل ضلالة في النار». هذه من جهة الإسناد فيها تردد، الجميع يقول أنها شاذة، يرى أن شذوذها من جهة متنها، ما وجه ذلك؟ قال: لأن الضلال لا يلزم أن تكون في النار، فإن الإنسان قد يضل ويكون ضلاله مغفوراً له؛ على قول الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث عمرو بن العاص في الصحيحين: «إذا حكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم في الشهادة فأخطأ فله أجر». من هذا الوجه ذهب الإمام الجميع إلى أن هذه الزيادة لا تصح، يقول لأن قوله كل ضلالة في النار هذا عموم، والحق أن الضلالة أي ضلال الإنسان في قول قاله أو فعل ينفع له، قد يكون هو في النار لكونه متعدياً بعدما تبين له الهدى، وقد لا يكون في النار، أي لا يكون معرضاً للوعيد لكونه هذا هو محل اجتهاده، فيكون خطؤه مغفوراً واجتهاده مأجوراً. ومن هنا يذهب الإمام الجميع إلى أن هذه الزيادة لا تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم لإعلالها من هذا الوجه.
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم».
مقتضى الاتباع هو الأخذ بآثار السلف، ولكن هنا أيها الإخوة مسألة لابد من فقهها؛ فإنا نقول إنه يجب الاتباع لمذهب السلف، هذه جملة محكمة صحيحة، أنه يجب على كل مسلم أن يتبع سلف هذه الأمة، وإذا ذُكر السلف فيُراد بهم أهل القرون الثلاثة الفاضلة الذين ذكر النبي عليه الصلاة والسلام فضلهم في حديث عمران في الصحيحين. وعليه فصدر السلف وأفضلهم وأجلهم هم المهاجرون والأنصار، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100]. فلكونه سبحانه وتعالى رضي عنهم ورضوا عنه دل على أن اتباعهم يكون واجباً، وأن السنة في أقوالهم، ولا يمكن أن غيرهم يختص بسنة لا توجد عندهم، فدل على أن هؤلاء هم أصحاب الهدي والسنة والاقتداء. أما من بعد القرون الثلاثة الفاضلة فإذا سُمي سلفياً فباعتبار اقتدائه؛ فإن كلمة السلف تعني القوم السالفون من أهل التقدم، وهم القرون الثلاثة الفاضلة ومن بعدهم فقد جرى على سنتهم. لكن هنا مسألة أجلُّ وأخصُّ من هذه المسألة، ويدخلها كثير من الغلط، وهي: متى يصح أن يقال عن قول ما أو فعل ما أن هذا القول أو هذا الفعل مذهب للسلف؟ هذه مسألة لابد من فقهها لكثرة الغلط فيها من زمن متقدم، وممن نبه على كثرة الغلط فيها الإمام ابن تيمية رحمه الله وقال أنها مسألة...
عظيمة غلط فيها جملة من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم. متى يقال عن قول من الأقوال إن هذا مذهب للسلف، أو عن فعل من الأفعال إن هذا مذهب للسلف؟ يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: وهنا ثلاثة من الطرق؛ طريقان معروفان للمحققين من أصحاب السنة، وطريق ثالث ذكره بعض الفقهاء، وأصله عن جملة من المتكلمين المنتسبين للسنة والجماعة. قال: وهو عند التحقيق من طرق أهل البدع، وليس من طرق أصحاب السنة والجماعة.
الطريقان المحققان لمعرفة أن هذا القول مذهب للسلف: قال أن يستفيض هذا القول ذكراً عند الأئمة ولا يذكر غيرهم؛ أي أنك إذا نظرت أقوال الأئمة السالفين كالتابعين ومن بعدهم من الأئمة كالأئمة الأربعة وأمثالهم، وجدت أن قولاً من الأقوال قد استفاض عندهم ورأوا أنه هو السنة اللازمة، وأن خلافه خروج عن السنة. فإذا استفاض ذكر قول من الأقوال، فإن هذا يكون مذهباً للسلف، وإذا كان مذهباً للسلف فالنتيجة أنه يجب اتباعه، ولا يجوز مخالفته، ومخالفته بدعة وضلالة.
في استفاضة قولهم إن القرآن ليس مخلوقاً وأنه كلام الله منزل غير مخلوق، فهذه جملة مستفيضة. وكاستفاضة قولهم إن أفعال العباد مخلوقة لله، فهذه جملة مستفيضة عن السلف والأئمة من أهل الحجاز والعراق وغير ذلك، فالتواتر لجملة من الجمل بين الأئمة؛ فإذا تواتر قول أو جملة من الجمل، فإن هذا يكون للسلف ولا يجوز الخروج عنه.
الطريق الثاني: قال أن يحكي من عُرف بقدر من التحقيق من أهل العلم أن هذا إجماع للسلف، كالإجماع الذي يذكره محمد بن نصر وأبو عمر ابن عبد البر وأمثال هؤلاء. فهؤلاء -أي من عُرف من أصحاب الأئمة بالتحقيق والانضباط في السنة- إذا حكوا إجماعات في مسائل وقالوا إن هذا إجماع للسلف، فإن هذا الإجماع إذا لم يكدر عليه شيء، فإنه يكون طريقاً لمعرفة مذهب السلف.
فإذا تحقق من هذا أن ما يصح أن يقال إنه مذهب للسلف يجب اتباعه هو من ضُبط إجماعاً؛ فإنه من ضُبط إجماعاً. فأنت إذا تأملت وجدت أن الطريقين يرجعان في الجملة إلى الإجماع، فإن الإجماع إما أن يكون بتصريح عالم كمحمد بن نصر مثلاً أو ابن عبد البر أو أمثال هؤلاء أن هذا إجماع للسلف. فإذا شاع أنه إجماع، أو من هو أجلُّ من هؤلاء ممن تقدم كأن يقول الإمام أحمد: وعلى هذا أجمعوا، أو يقول وكيع أو يقول إسحاق؛ فإذا نص عالم من الأئمة والأكابر المعروفين بالسنة على أن هذا إجماع ولم يكدر عليه شيء فهذا مذهب السنة، أو ترى هذا القول نقلاً عنه والسلف.
فتحصل من هذا أن المعرفة بمذهب السلف ترجع إلى وجه واحد وإلى طريق واحد وهو الإجماع، وهو انضباط الإجماع، إما تواتراً لفظياً واستفاضة للكلمة، أو تصريحاً من بعض الأعيان المعتبرين بأن هذا إجماع، ولو لم تستفض الكلمة بينهم؛ وهذا هو الفرق بين الوجهين، أن الثاني قد يصرح فيه مثلاً محمد بن نصر وجملة من العلماء أن هذا إجماع للسلف مع أنك إذا تأملت ودرست أقوالاً قد لا تجد أن هناك استفاضة صريحة لهذه الجملة.
الطريق الثالث وهو المذلة، ومع الأسف أن بعض المعاصرين من بعض طلبة العلم والطلاب قد يقعون في شيء منه وهو طريق غلط. قال شيخ الإسلام: والطريق الثالث وقد استعمله جملة من الفقهاء المنتسبين للسنة المعظمين لفريق السلف من أصحابنا وغيرهم، قال: هو الفهم لكلام السلف، فإذا فهموا عن السلف كلاماً جعلوه مذهباً للسلف. قال: وهذا له اطّراد في كلام كثير من الفقهاء، فمن فقه من كتاب الله معنى في أبواب أصول الدين وتبين له أن هذا ظاهر من كلام الله، جعل هذا مذهباً للسلف؛ لأن السلف عنده لا يخرجون عن ظاهر القرآن.
محصل هذا الطريق -كاختصار- أنه من يقول عن قول من الأقوال إنه مذهب للسلف مع أنه ليس فيه إجماع ولا استفاضة، إنما فهم فهماً هذا المجتهد أو هذا الناظر فهماً، فهذا الفهم لما بان له أنه فهم منضبط وأنه على وفق ظاهر النصوص وأن النصوص تؤيده، قال: إن هذا مذهب للسلف لأن السلف لا يأخذون عن النصوص. فهو تحصيل لمذهب السلف من طريق الفهم وليس بطريق النقل.
وهنا لك أن تقول إن الطرق التي استعملت تنقسم إلى طريقين: الطريق الأول تحصيل مذهب السلف نقلاً، الثاني تحصيل مذهب السلف فهماً. تحصيل مذهب السلف فهماً هذا غلط؛ من فهم فهماً ونسبه لجميع السلف أي جعله مذهباً لأهل السنة والجماعة ولم يجد فيه نقلاً -إما إجماعاً مصرحاً به أو استفاضة لذكره بين الأئمة- وإنما اعتبر فهمه أو فهم غيره من أهل العلم، فهذا طريق لا يصح.
لم؟ لأنك إن قلت عن قول ما إنه مذهب للسلف فمعناه أن اتباعه يكون واجباً، وأن غيره يكون بدعة، وأن الاجتهاد ولو من عالم كبير بخلاف هذا القول ليس سائغاً، بل اجتهاده مخالف للحق ابتداءً. هذا هو وجه التشديد من هذه الجملة. ولهذا لا يجوز أن يقال عن قول من الأقوال أو فعل إن هذا مذهب للسلف، أو هذه سنة سلفية يجب اتباعها إلا إذا كانت منضبطة الإجماع نقلاً، إما استفاضة وإما تصريحاً بلفظ الإجماع. وأما إذا فهم الفاهم فهماً من نصوص الكتاب أو السنة أو من كلام السلف فقال إن من مذهب السلف كذا وكذا لكونه أحمد قال جملة من الجمل لم يقصد بها الإجماع ولم يذكر فيها إجماعاً، أو لكون ظاهراً من النصوص دل على شيء ما، فهذا لا يصح.
ومن مثال ذلك: لا يصح لقائل أن يقول إن من السنة السلفية إسناد اليدين بعد الرفع من الركوع، وأن هذه سنة سلفية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه يضع اليدين على الصدر بعد الرفع من الركوع. هذه مسألة خلاف، كون العالم أو المجتهد أو الناظر أو حتى طالب العلم يذهب إلى أن هذا هو القول الراجح القول المحقق أنه ظاهر النصوص عنده، هذا لا بأس، لكن أنه إذا فهم أن هذا هو الذي دل عليه الدليل يجعله سنة لازمة، كلا.
وأنت ترى الفقهاء الكبار كأحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة وأمثالهم قالوا في أقوال كثيرة ومعهم ظواهر من النصوص قد تصل أحياناً إلى حد التصريح ومع ذلك لم يعتبروا قولهم سنة لازمة، بل اعتبروه قولاً من ظهر له أن هذا القول موافق للقرآن وجب اتباعه له، وأما من لم يظهر له ذلك فإنه لا يلزم؛ ولا سيما أن مقام الظهور في الجملة مقام يتأخر ويختلف من المجتهدين.
فأنت ترى مثلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم»، فذهبت طائفة إلى أن غسل الجمعة واجب على الأعيان لأن النبي قال «واجب»، وكلمة واجب في الأصول تدل على الوجوب. ومع ذلك القول المحقق والذي عليه السواد من أهل العلم كالأئمة الأربعة أن غسل الجمعة ليس واجباً. ماذا يفعل بهذا الحديث؟ هم لا يرون أن هذا الحديث يدل على الوجوب. وهناك مسائل فقهية كثيرة من السنن العملية والأحكام العملية لا يسلك عليها ذلك.
فالمحصل أن مذهب السلف الذي ينسب إليهم ليس هو الآحاد الفقهية، الآحاد الفقهية هي محل خلاف في الجملة بين السلف، إنما مذهب السلف الذي يجب اتباعه هو من ضُبط إجماعاً سواء كان في المسائل القولية أو كان في المسائل الفعلية أو سواء كان في المسائل العلمية أو المسائل العملية. وأما ما لم ينضبط بالإجماع انضباطاً بيناً فهذا لا يجوز نسبته إلى السلف كمذهب، وإنما يذكر أنه قول لطائفة من السلف أو أنه محل نزاع بينهم أو ما ذلك.
فالمحصل إذاً أن من قال عن قول ما أو فعل ما إن هذا مذهب للسلف، وأن خلافه بدعة، قيل: يلزمك أن تحكي إجماعاً بالتصريح أو استفاضة عند الأئمة بذكر هذا القول. وأما إذا كان هذا مجرد فهم، فإن هذا ليس بلازم وإن كان قد يكون راجحاً ويعتبر، لكنه لا يكون ملزماً لسائر الأمة والمسلمين. فهذه مسألة لا بد من اعتبار إدراكها؛ لأنه كثر التوسع عند كثير من السلفيين اليوم، بعض طلبة العلم من السلفيين توسعوا في تقرير مذهب السلف لدرجة قال بعضهم مثلاً إن الانتساب للمذاهب الأربعة يعد بدعة مخالفة لمذهب السلف، وهذا لا شك أن فيه تكلفاً.
لأن هذه المذاهب نشأت من قرون متقدمة، ولربما نقول إنه إلى عصرنا هذا مضى عشرة قرون في الأمة، وسائر العلماء من المحققين المعروفين في السنة والجماعة يقرون للانتساب لهذه المذاهب. وأما التعصب لإمام -كأحمد أو الشافعي أو مالك- التعصب لسائر أقواله، أو الادعاء بأن مذهبه هو الراجح على مذهب غيره، أو أن الواحد يترك الدليل لقول عالم من العلماء سواء كان من الأئمة أو غيرهم، هذه الأوجه وأمثالها لا شك أنها مذمومة. لكن فرق بين الانتساب، هذا مقام تراتيب علمية، لا إشكال فيه، وما زال الأئمة حتى المعروفون بالتحقيق في السنة كابن تيمية وغيره يقرون هذا الانتساب، ولم يظهر إنكاره إلا بعد القرن العاشر، هم الذين صرحوا بإنكار هذا التمذهب، ولربما أنهم مالوا إلى نفس القضية؛ أي رجعوا إلى قدر من التمذهب بوجه آخر، فتركوا الانتساب لأحمد وانتسبوا للشوكاني، أو تركوا الانتساب لأحمد وانتسبوا لابن حزم أو ما إلى ذلك.
فمسألة الانتساب للشيوخ والأعيان درج عليها المتقدمون، حتى الأئمة الأربعة كانوا ينتسبون لبعض شيوخهم ويقتدون ببعض أقوالهم، وترى الكوفيين امتداداً لفقه عبد الله بن مسعود وأصحابه. فمثل هذه مسألة تراتيب علمية لا يعاير الناس بها، ويقال من انتسب إلى مذهب من المذاهب الأربعة فهذا في سلفيته نقص، وأنه ليس سلفياً، أو من شرط السلفي ألا ينتسب إلى مذهب من المذاهب الأربعة؛ هذا تكلف، وإن اجتهد به بعض أهل العلم كالمجتهدين كالشيخ الإمام العالم الألباني رحمه الله، هذا اجتهاد للشيخ نقدر اجتهاده رحمه الله، لكنه ليس بلازم. بنيت السلفية على أن تقتدي بإجماعات السلف.
وأما إذا انتسب منتسب لفقيه من الفقهاء الأربعة فهذا الانتساب لا بأس به، بشرط ألا يتعصب له، بشرط ألا يترك الحق لقوله، بشرط كذا وكذا من الأمور المعلومة ضرورة في دين الإسلام.
وقال عمر بن عبد العزيز كلاماً معناه: قف حيث وقف القوم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، وهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كانوا فيها أحرى. فإن قلتم حدث بعدهم فما أحدثه إلا من خالف هديهم ورغب عن سنتهم، ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، فما فوقهم محسر، وما دونهم مقصر، لقد قصر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدىً مستقيم. نعم، وهي وسطية السلف.
وقد قال الإمام ابن تيمية في الوصية الجامعة التي كتبها لأصحاب علي بن مسافر الأموي، يقول في فصل فيها: إنه ما من أمر أمر الله ورسوله به إلا وصار فيه طرفان ووسط، الوسط هم أصحاب السنة والاقتداء، وأما الطرفان فهم قوم إما أنهم أصحاب إفراط أو أصحاب تفريط. وعليه، فمقام التشقيق؛ مقام التشكيك وهذا هو الذي ينبغي أن نخاطب به مثل هذا المجلس لكونه هو الذي يحتاج. مقام التشقيق ليس من السنة.
ما المقصود بمقام التشكيك؟ أي مقام التكلف في تشقيق المسائل، والإلزام بما لم يكن إلزاماً عند الصالحين، والتضييق لمسائل الخلاف التي كانت شائعة بين الأئمة كالصحابة والتابعين وأمثالهم. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الطائفة المنصورة الناجية -وهذا حديث متواتر عنه عليه الصلاة والسلام- في ذكره للطائفة المنصورة إلى قيام الساعة وهم أهل السنة والجماعة، لو سألنا سؤالاً مختصراً: هذه الطائفة ما الفرق بينها أو ما حقيقتها؟ إنها تطبق ماذا؟ تطبق سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب لو أجاب مجيب آخر وقال: هذه الطائفة تطبق الإسلام، كان مصيباً، فليس مصيباً -أي كلاهما مصيب-. فإذاً هذه الطائفة ليس فيها زيادة إلا أنها تحافظ على الإسلام كما جاء. ومن هنا فالأصل أو من أخص أسماء هذه الطائفة أنهم أهل السنة، وقبل كونهم أهل السنة هم أهل الإسلام، ولهذا ترى أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كإبراهيم قال: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: 128]. فالأصل أن الإسلام هو الجامع لهذه الطائفة. والنبي لما ذكر في حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وأنس -وهو حديث الافتراق المشهور وفيه كلام، لكن الكثير من الحفاظ يقوونه- «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة».
لم يكن بالضرورة مقصوداً أن الفرقة الناجية المنصورة يجب أن تضيق. والذي قصدت إليه من هذه الإشارات أن الطائفة الناجية المنصورة وهم أهل السنة والجماعة لا ينبغي أن يقصد إلى تضييقهم، وأن تضاف أو تقيد قيود كثيرة تكون شروطاً لمن يسمى سلفياً أو يسمى من أهل السنة والجماعة. إنما السلفي ومن هو من أهل السنة والجماعة والطائفة المنصورة والفرقة الناجية، هو من اقتدى بالسنة النبوية بوجهها العام، واقتدى بإجماعات السلف، واختار ما بان له أقرب إلى الحق في خلاف السلف؛ فإن السلف كما أنهم مجمعون على مسائل، فإنهم مختلفون في مسائل كجمهور المسائل الفقهية، إذاً لا ينبغي أن توجد قيود على مسألة السلفية، إنما ينبغي أن تبقى كما بقيت زمن الصحابة، وكما بقيت زمن التابعين، وكما بقيت.
الأئمة لا يسمى القول سنة لازمة إلا إذا انضبط في كونه إجماعًا. وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي رضي الله عنه: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه بالقول. ولهذا من فقه طالب العلم أن يعتبر في كل مسألة قالها أقوال المتقدمين. وإذا قلنا إن المسائل الأصولية والمسائل العقدية في الجملة هي إجماعات معروفة مذهبًا للسلف، فإن المسائل الخلافية -وهي الغالبة على مسائل الفقه- يمكن أن تقسم إلى خمسة أقسام. وهذا التقسيم إذا وعاه طالب العلم تلخص له كثير من الدأب وكثرة البحث والنظر في المسائل الفقهية.
القسم الأول: مسائل من الفقه في الصلاة والزكاة والعبادات والمعاملات حكي الإجماع عليها عند الفقهاء، وانضبط الإجماع على أقل درجة أنه لم يظهر مخالف. هذه مسائل لا ينبغي كثرة البحث فيها أو التردد عليها؛ لكونها مسائل قد انضبطت وظهرت.
القسم الثاني: مسائل حكي الإجماع أو الاتفاق عليها، ولكن عند التحقيق ترى أن فيها طرفًا ووجهًا من الخلاف يقارب الشذوذ أحيانًا. فهذا النوع من المسائل أيضًا لا ينبغي لطالب العلم أن يذهب وقته في تكلف ضبط هذا الخلاف والبحث عن أصله ودليله والرد عليه، بل يعتبر قول السواد من أهل العلم والفقهاء، ويترك ما خالف السواد من أهل العلم حتى حكي الإجماع على خلافه.
القسم الثالث: مسائل ذهب إليها الجمهور من السلف، وذهبت طائفة قليلة من السلف إلى خلاف هذا القول. فتكون المسألة عند التحقيق خلافية بين السلف أنفسهم، لكن جمهورهم على قول والطائفة الثانية -وهم الأقل- على قول. هل يجب على طالب العلم أن يتبع قول الجمهور؟ الجواب: لا. ولكن هل يعني أن قول الجمهور يكون كقول غيرهم؟ هنا تعليق للإمام ابن تيمية ولغيره أيضًا كأبي عمر بن عبد البر والشاطبي، وكثير علقوا، بل الذهب أيضًا علق مثل هذا الكلام، وأشد من هؤلاء كلهم وأقوى من هؤلاء كلهم لدرجة أنك قد تقول إنه يزيد في هذا ابن رجب رحمه الله.
محصل هذا الكلام: أن الجمهور من السلف أي من أئمة الفقهاء المتقدمين إذا ذهبوا إلى قول وقد اتفقت أمصارهم واتفق عصرهم واختلف مِصرهم، ففي الجملة -أي في الغالب- أن هذا القول هو الصواب. يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: وإذا ذهب الجمهور من أئمة السلف إلى قول، ففي الجملة أن هذا القول هو الصواب، ولا سيما إذا اتفقت أمصارهم.
ما معنى هذا؟ هنا أربعة أئمة يعدون أئمة الدنيا في زمانهم: الليث بن سعد في مصر، والأوزاعي في الشام، والثوري في العراق وبلاد الري، والإمام مالك في الحجاز بالمدينة النبوية. هؤلاء الأربعة يقول الإمام ابن تيمية: هؤلاء هم أئمة الدنيا في زمانهم. إذا اتفق هؤلاء على قول وصار عليه السواد من بعدهم، ففي الغالب أن هذا القول يكون هو الصواب.
علل شيخ الإسلام ابن تيمية بتعليل النظر ولكنه شرعي أيضًا، قال: لأنه يبعد أن السنة -أي الحكم الشرعي- يبعد أن تخفى على جمهور السلف، ولا سيما إذا تعددت أمصارهم؛ لأن تعدد المصر له أثر، لأنه فرق بين أن يتوارد علماء العراق على قول وبين أن يكون التوارد مشتركًا بين العراقيين والحجازيين؛ لأنه قد يقال إن هذا مبني على سنة ما بلغت أهل العراق، أو على سنة ما بلغت أهل الحجاز مثلًا أو مصر أو ما إلى ذلك. فإذا رأيت كبار أئمة مصر والشام والحجاز والعراق ذهبوا إلى قول واستقروا عليه، فهذا القول في الجملة يكون هو الراجح.
وقد نقول أو يمكن أن يقال إن هذا من طرق طالب العلم ولا سيما في مبدأ طلب العلم، في الزمن الذي لا يستطيع النظر بدقة في الأدلة. ولو أراد النظر في الأدلة ببعض الظواهر، مثل لو قلت لطالب علم في مبتدأ طلبه: ذهب قوم إلى أن غسل الجمعة واجب لأن النبي ﷺ يقول: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» (أخرجه البخاري ومسلم)، والقول الثاني أنه مستحب، سيرجح أيهما؟ سيرجح الأول لكونه يرى أن هذا هو ظاهر النص.
فإذًا طالب العلم ينبغي أن يكون عنده هذا الإدراك؛ لا يقال إن قول الجمهور ملزم، لكن يقال إن قول الجمهور في الجملة يكون مائلًا إلى الصحة. فهذا يعني أن طالب العلم لا يتجاوز قول الجماهير إذا انضبط أن هذا قول الجماهير من السلف، لا يتجاوز هذا القول إلا بوجه بين. إذا بان له وجه من كتاب الله وسنة نبيه فلا شك أن النصوص مقدمة على أقوال الرجال ولو كثروا. ثم تنبيه في هذا القسم إلى أنه يراد بالجمهور الجمهور من السلف، وأما جمهور الفقهاء من أصحاب المذاهب الأربعة، جمهور الحنفية وجمهور الشافعية وجمهور المالكية وجمهور الحنابلة، هؤلاء ليسوا بالضرورة أنهم يمثلون الجمهور من السلف، بل قد تكون هناك مسائل شاعت عند الفقهاء المتأخرين وهي عند المتقدمين على خلاف ما شاعت عند المتأخرين، وهذا وإن لم يكن غالبًا إلا أن له وجودًا.
القسم الرابع: مسائل ترى أن السلف -أئمة الفقهاء من أصحاب المذاهب الأربعة ومن قبلهم- ترى أن هؤلاء قد افترقوا في المسألة افتراقًا بينًا، أو هو أجل من هؤلاء كلهم وهم الصحابة؛ تجد أن الصحابة اختلفوا في المسألة اختلافًا معروفًا محفوظًا. فهذه المسائل التي اختلف فيها الأكابر مع تعدد الأمصار تجد أن الأكابر اختلفوا فيها اختلافًا بينًا، وتردد فيها حتى أن الإمام الواحد قد يحكى عنه أكثر من قول في المسألة. هذه المسائل ينبغي لطالب العلم أنه إذا رجح فيها ألا يخفض ويرفع، إنما يرجح بقدر من حسن واختصار. مثلًا: الماء إذا كان دون القلتين وخلطته نجاسة ولم تغيره، هل يكون نجسًا أو يكون طاهرًا؟ هذه مسألة اختلف فيها الكبار، حتى إن مالكًا تردد فيها، وأحمد تردد فيها ونقل عنه التردد. هذه مسألة انقسم العلماء فيها انقسامًا بينًا.
مثل هذه المسائل لا نقول إن طالب العلم يتحير فيها، يذهب إلى قول ما بحسب ما يظهر له من الأدلة، لكن لا ينبغي الخفض فيها والرفع. ما معنى الخفض والرفع؟ يعني لا يبالغ في تغليط الأقوال الأخرى ويستطرد في الرد عليها. وإذا كان يقال في هذا القسم الرابع إنه لا يخفض فيه ويرفع إذا رجح طالب العلم أحد الأقوال، فمن باب أولى أن طالب العلم إذا خرج عن قول الجمهور في القسم الثالث بظاهر دليل وجب عليه التزامه، فيكون خروجه مأذونًا فيه، لكن لا يصح له أن يطعن في قول الجمهور.
تعجب الآن أن تجد أن بعض طلبة العلم يقرر للطلاب -ويعتاد هذا الطلبة- أنه يقرر القول الأول قول الأئمة الأربعة، والقول الثاني قول ابن حزم، والراجح قول ابن حزم، وأما القول الأول فلا دليل عليه! لو أخذتم المسألة بالعقل، هل يمكن أن السواد من السلف والجمهور من السلف بما فيهم الأئمة الأربعة يذهبون إلى قول وليس عليه دليل؟ هذه كناحية عقلية ممكنة؟ غير ممكنة. هذا الأسلوب لا تجد أنه مستعمل في كلام العلماء أبدًا؛ أن قولًا من الأقوال عليه جمهور من الأئمة وفي الأخير يقال هذا قول لا دليل عليه. كيف هذا دليل عليه؟
أحيانًا أيها الإخوة، مع السلف ظهور الأدلة ترى مسألة مشكلة ليست يسيرة. الآن أضرب لكم مثلًا: الحائض إذا طهرت في وقت العصر، هل تصلي العصر؟ هل تصلي الظهر؟ هذه مسألة خلافية. الإشكال في ماذا؟ أن الإمام أحمد يقول إنها تصلي الظهر وسئل عنها فقال: تصلي الظهر والعصر مع أنها ما طهرت إلا وقت العصر. لما سئل يا أبا عبد الله من أين ذلك؟ قال: عامة التابعين على هذا القول إلا الحسن.
هنا سؤال: كيف أطبق عامة التابعين على هذا القول؟ أنت كطالب علم أو كباحث معاصر قد لا تجد قولًا مباشرًا -إن صح التعبير- ونصًا مباشرًا على هذا القول. هنا لا يجوز لك أن تأتي وتقول: هذا قول لا دليل عليه؛ لأنه يبقى عليك سؤال: هذا السواد من الأئمة الذين هم أعظم إمامة وعلمًا من أين تواردوا على هذا؟ كونك تقول إن لهم دليلًا لكنه مرجوح، هذا لا بأس، لكن أن تقول قول لا دليل عليه، هذه جملة منكرة لا يجوز أن توصف بها أقوال الجماهير من الأئمة.
ثم إن الأئمة -أيها الإخوة، وربما أننا أطلنا بعض الشيء- الأئمة ترى لهم في طرق فقههم -يعني أخذوا الفقه استقراءً- أخذوا فقه الشريعة استقراءً. أضرب مثلًا باختصار: ابن عباس رضي الله تعالى عنه روى عنه مسلم في صحيحه من رواية طاوس عن ابن عباس أنه قال: كان طلاق الثلاث على عهد رسول الله وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس استعجلوا في أمر لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم. هذا الحديث من أخرجه؟ مسلم في الصحيح. وابن عباس يقول طلاق الثلاث على عهد رسول الله وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة. فلما استعجل الناس في زمن عمر أمضاه عمر من باب التعجيل، وإلا عمر في الأول كان يجعله على رواية ابن عباس هذه، كان يجعله واحدًا.
هل هناك نص يقول إن طلاق الثلاث ثلاث في القرآن؟ هل فقهاء النص أن طلاق الثلاث ثلاث؟ الجواب: لا، ما هناك نص صريح. هل في السنة نص صريح على أن طلاق الثلاث ثلاث؟ كنص صريح ما هو، لا نص صريح. الذي تعجب منه -ولا عجب من هذا لكن هي من باب أن مسألة ظهور الأدلة فقه، ليست مسألة سهلة كما عود عليها كثير من طلاب العلم اليوم- أن ترى أن الجمهور من السلف بما فيهم الأئمة الأربعة يذهبون إلى أن طلاق الثلاث ثلاث.
لسنا الآن بصدد الترجيح، أو نقول هذا أرجح وهذا راجح وهذا مرجوح، إنما نريد أن نبين طريقة فقه السالفين. ذهب الجمهور بما فيهم الأئمة الأربعة إلى أن طلاق الثلاث ثلاث، طيب وابن عباس يقول: كان طلاق الثلاث على عهد رسول الله وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة. لم تركوا سنة النبي ﷺ وأخذوا بتعزير عمر؟ حتى إن ابن رجب رحمه الله لشدة قوته في هذا القول يقول: اعلم أنه لم يصح عن أحد من الصحابة أو التابعين أو الأئمة المتبوعين أنه جعل طلاق الثلاث واحدة. ابن رجب كأنه يميل إلى أن هذا القول كأنه مقارب للإجماع، وهو يقصد بذلك رد شيخ الإسلام ابن تيمية الذي انتصر لكون طلاق الثلاث واحدة.
لما الأئمة تركوا قول ابن عباس؟ هذا من يجيب ويقول: أخذوا بتعزير عمر هذا جهل. كيف يأخذون بتعزير عمر ويتركون فعل عمر الأول؟ ومن باب أولى يتركون فعل أبي بكر، ومن باب أولى يتركون سنة النبي ﷺ؟ هذا أمر ينزه عنه الأئمة كجواب. يقول وقد أجابوا عن حديث ابن عباس الذي رواه مسلم أنهم قدموا تحذير عمر وأخذوا بتحذير عمر. كيف يأخذون بتعزير عمر ويتركون سنة النبي ﷺ؟ هذا ليس بجواب. العجب في هذا أن الأئمة تركوا كلام ابن عباس في هذا الحديث أو تركوا رواية ابن عباس مع أنها في مسلم.
روى أبو داود وغيره عن ابن عباس في الحج أنه قال: من ترك نسكًا فليهرق دمًا. هل قال ابن عباس هذه سنة النبي؟ هل قال هذه سنة رسول الله وأبي بكر؟ لا، قال كلمة كذا: من ترك نسكًا فليهرق دمًا. فتجد أن السواد من الأئمة بما فيهم الأئمة الأربعة أطبق على أن من ترك واجبًا في الحج فعليه دم، حتى حكي الإجماع على هذا القول ومستندهم قول ابن عباس. كيف أخذوا بقول ابن عباس مع أنه في السنن هنا؟ أي لأنه خرج في مسلم، وإن كان الأئمة الذين قالوا هذا قبل مسلم وقبل أن تأتي كتب الرواية هذه.
هذا مثال أردت به أن طالب العلم ينبغي له أن يكون متفطنًا لمسألة الدلائل، لا يأتي لمسألة الطلاق ويقول: قول الجمهور لا دليل عليه ومخالف لما روى مسلم في الصحيح. وقول ابن عباس في الحج أيضًا اجتهاد من الصحابي والأصل براءة الذمة، وإن من ترك واجبًا في الحج ليس عليه شيء. هذا اختصار للفقه، هذا اختصار مخل. ليس بالضرورة أننا نقول إن الراجح طلاق الثلاث ثلاث، وليس بالضرورة أننا نقول إن الراجح أن من ترك واجبًا فعليه دم، يمكن أن تقول إن من ترك واجبًا لا يلزمه دم، لكن بقدر من حسن.
عدم اختصار المسائل وإسقاط فقه المتقدمين رحمهم الله. نعم، هذا القسم الرابع. القسم الخامس خلاف لم يشتهر عند الأئمة أصلاً، إنما هي أوجه في المذاهب الأربعة، وإذا قرأت في كتب الفقه وجدت: وهذا وجه في مذهب الشافعي، وهذا وجه في مذهب أحمد. ما معنى أنه وجه؟ أنه قول لطائفة من الأصحاب. فأوجه الأصحاب هذه وأقل منها المحتمل؛ لما يقول مثلاً صاحب الإنصاف من الحنابلة: ويحتمل كذا، أن هذه مسألة ما نص عليها الأصحاب قبل، فإذا وردت احتمل أن يقام فيها كذا.
أوجه الأصحاب هذه وهي التشقيقات الفقهية المتأخرة لا ينبغي لطالب العلم أن يكثر التردد عليها، بل ينبغي له أن يُعنى بحفظ مسائل الإجماع ومسائل الخلاف المحفوظ بين الأئمة. وأما مسائل التشقيق المتأخرة فإن هذه قد زاد الأصحاب في الجملة، وغرضهم في زيادتها ضبط المذاهب أو الانتصار للمذاهب، ولهذا بقدر ما يُعنى طالب العلم يُعنى بالخلاف المحقق بين الأئمة، أما هذه الأوجه المتأخرة ففي الغالب أنها ليست منضبطة.
كمذاهب للأئمة الأربعة، الحنابلة طبقات لكن المتأخرون منهم معتبر المذهب عندهم ما قرره صاحب الإقناع والمنتهى. صاحب الإقناع والمنتهى قيدوا المذهب الحنبلي بقيود كثيرة، حتى إن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله يقول: أكثر ما في الإقناع والمنتهى مخالف لمذهب أحمد. فمشيت قيود الأصحاب هذه، ينبغي ألا تهلك طالب العلم، إنما يُعنى بأقوال الأئمة المنضبطة وبالخلاف المنضبط، أما أوجه الأصحاب فهذه لا تناهي لها. أن تقرأ في الفروع واقرأ في الإنصاف عند الحنابلة مثلاً، أو اقرأ في كتب فقه الشافعية المطولة، تجد أوجه الأصحاب هذه لا تتناهى، وفي الغالب أنها تتعاكس، هذا يقول كذا وهذا يقول كذا. هل معنى هذا أنها تسقط؟ لا، لكن نقول هذه في مرحلة متأخرة لطالب العلم.
وقال محمد بن عبد الرحمن لرجل تكلم ببدعة ودعا الناس إليها: هل علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو لم يعلموها؟ قال: لم يعلموها. قال: فشيء لم يعلمه هؤلاء أعلمته أنت؟ قال الرجل: فإني أقول قد علموها. قال: أفوسعهم أن يتكلموا به ولا يدعوا الناس إليه أو لم يسعهم؟ قال: بل وسعهم. قال: فشيء وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءه لا يسعك أنت؟ فانقطع الرجل، فقال الخليفة وكان حاضراً: وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم.
نعم، هذه مناظرة فاضلة، وهذه تحت قاعدة ذكرها مالك وغيره من السلف أن كل صاحب بدعة فإنه مخصوم بالإجماع؛ لأننا قلنا إن البدعة هي المخالفة لمذهب من السلف، وقلنا إن مذهب السلف هو القول المجمع عليه. إذاً كقاعدة: إذا أردت أن ترد على صاحب بدعة فيقال إن بدعتك هذه مخالفة لإجماع السلف، واتباع السلف واجب في قول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة: 100] إلى آخر الآية. هذه المناظرة رويت عن الدارمي ورويت عن الإمام أحمد وغيره. في وجه روايته عن الإمام أحمد أنه في مناظرة المعتزلة في خلق القرآن، قال الإمام أحمد: يا ابن أبي دؤاد، القرآن مخلوق أي قولكم معشر المعتزلة القرآن مخلوق، فهذا من الدين أو ليس من الدين؟ طبعاً ابن أبي دؤاد لا بد أن يقول: من الدين؛ لأنه لو كان ليس من الدين أسقط قوله. قال: من الدين. قال: هذا الدين علمه الرسول وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو لم يعرفوه؟ قال: عرفوه. قال الإمام أحمد: أين هو في كلامهم؟
وهكذا دائماً أي بدعة، تقول لصاحبها: هل هذا من الدين أو ليس من الدين؟ إن قال: ليس من الدين، فقد أسقط قوله، وإن قال: من الدين، فيقال: عرفه النبي والخلفاء أو لم يعرفوه؟ إن قال: عرفوه، يقال له: أين هو في كلامهم؟ فانقطع ابن أبي دؤاد، وقال: أقلني يا أبا عبد الله. هكذا تقول الرواية، وهي إخبارية في الجملة. قال الإمام أحمد: أقلتك، قال: لا، ما عرفوه، فقال الإمام أحمد: دين لم يعرفه النبي والخلفاء جئت لتعرفه أنت؟ فكان انقطاع ابن أبي دؤاد في الثانية أشد. لما كان في المجلس الآتي ابن دؤاد حضر نفس المناظرة على الإمام أحمد، وقال الإمام أحمد: يا أحمد، القرآن ليس مخلوقاً، يعني الآن السنة يقولون القرآن ليس مخلوقاً، أهذا من الدين؟ قال الإمام أحمد: من الدين. قال: عرفه النبي والخلفاء ولم يعرفوه؟ قال: ما أحد عرفوه. قال: أين هو في كلامهم؟ يعني هات في السنة النبوية أو من كلام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أنهم قالوا القرآن ليس مخلوق، هل يوجد في كلامهم؟ لا، هل في كلمة عن الرسول بهذا التصريح؟ لا، هل صحابي قالها؟ لا.
هل انقطع الإمام أحمد؟ لا، وانظر إلى أن علماء السنة ترى علماء سنة لكن ترى علماء عقل. العقل هذا أثنى عليه كثيرون، لكن الله يقول في كتابه: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ [الملك: 10] العقل نعمة خلقها الله ليعرف بها الحق لا ليكفر بها. ولهذا قال الكفار عندما أذنبوا: لو كنا نسمع أو نعقل، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: 179] إلى آخره. ماذا أجاب الإمام أحمد لما أورد عليه ابن أبي دؤاد الإيراد؟ أجاب مباشرة بجواب عقلي مقنع، قال: اسكت ونسكت. ما معنى هذا الكلام؟ معنى هذا الكلام أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: هذا كلام الله، ويقول: «أعوذ بكلمات الله»، والله يقول في القرآن: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6]، ويقول الله في القرآن كثيراً: أنزله، ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ﴾ [الفرقان: 1] إلى آخره.
فقال الإمام أحمد: اسكت ونسكت. ما معنى هذا؟ معناه أن جملة المعتزلة جملة إثبات أو نفي، القرآن مخلوق إثبات، جملة السلف القرآن ليس مخلوق جملة نفي. الإمام أحمد يقول: إن جملة إثبات ليس لها أصل في القرآن، فلما كان ليس لها أصل في القرآن جئنا نحن لأجلها فيها. الرسول ما نفاها لأنه ما تكلم، هل قال أحد في زمن النبي القرآن مخلوق؟ أو في زمن الصحابة؟ كلا. فلما جاء قوم وقالوا بدعة، نجمع صاحب السنة والحق أن ينفي، ولهذا اسكت ونسكت، يعني إن لم تقولوا القرآن مخلوق لا نحتاج أن نقول ليس مخلوقاً كما أن الصحابة لم يحتاجوا ذلك، فهذا من فقه الأئمة في مناظراتهم.
ونقف مع ما يتيسر من الأسئلة. أحسن الله إليكم، هذا سائل يقول: ما هو مذهب السلف في السماع لأهل البدع وتلقي العلم عنهم فيما برعوا فيه كعلم اللغة وما شابه ذلك؟ كقاعدة كلية، والقواعد الكلية لا يلزم أن تكون منفردة في سائر الأعيان، لكن كقاعدة كلية أنه لا يصح الأخذ عن أهل البدع، ولا سيما في مسائل الديانة، وهذا هو المقصود بهذه القاعدة. لم؟ لأن مسائل الديانة لا يمكن أن يوجد عند صاحب بدعة حق يختص به، انتبه لا نقول لا يمكن أن يوجد عند صاحب بدعة حق، لا قد يوجد عند صاحب بدعة حق، لكن هل هذا الحق اختص به؟ أم عند أهل السنة هذا الحق على قدر من التحقيق أفضل؟ الثاني مثلاً، أهل البدعة يصلون في الجملة، أليس كذلك؟ هذا حق وليس حقاً؟ هذا من الحق، لكن أهل السنة يصلون، وهكذا، فالمقصود أنه لا يوجد عند صاحب بدعة قول من الحق يختص به. وعليه لا ينبغي الأخذ عن أهل البدع في مسائل الديانة. وأما مسائل العلم الأخرى كاللغة مثلاً وأمثال ذلك، فهذا بحسب حال الآخذ، إن كان من أهل العلم الضابطين واحتاج إلى هذا الرجل ليأخذ عنه شيئاً من اللغة مثلاً، هذه مسألة بحسب تقديرها وبحسب مصالحها.
لكن أيضاً أشير إلى جهة في سؤال الأخ، يقول: العلوم التي برعوا فيها كاللغة، كبار أئمة اللغة ترى كانوا من علماء السنة، كالخليل بن أحمد مثلاً، كالأصمعي، كأبي عبيدة معمر بن المثنى، إلى أمثال هؤلاء. نعم، يوجد في المعتزلة علماء لغة، لكن يوجد في أهل السنة علماء لغة، ولا تجد علماً من العلوم تقول إنه قد برع فيه أهل البدع أكثر من أهل السنة والجماعة. قد يقول قائل: العلم أصول الفقه، المؤلفين من المتكلمين، نقول: ولهذا السبب، يعني دخول علم الكلام في كتابة أصول الفقه، أفسدوا كثيراً من أصول فقه الشريعة بسبب علم الكلام الذي انتحلوه، تجد من كلامه مثلاً في التكليف، كلامه في التحسين والتقبيح العقليين، كل هذا فرعٌ لآرائهم في مسائل القدر التي انتحلوها في علم الكلام.
أحسن الله إليكم، يقول السائل: ما الفرق بين المحكم والمتشابه؟ وكيف نرد المتشابه إلى المحكم مع ضرب مثال لذلك؟ نعم، تقدم أن المحكم بسورة آل عمران يراد به من ضبط فهمه، وأمكن العلم به. وأما المتشابه فما حصل فيه تردد، وهذا يدلك على أن التشابه ليس آيات معينة بالضرورة من القرآن، بل يكون ذلك بحسب أحوال المخاطبين وأحوال السامعين والقارئين لهذا الكلام. فمن أشكل عليه شيء في طرد بعض المعاني أو سعتها، فهذا المعنى في حقه يكون متشابهاً، يجب أن يقف عند ما يعلمه من المحكم، وأما المتشابه فإنه يوكل علمه إلى الله سبحانه.
آخر سؤال أحسن الله إليكم، هذا سائل يقول: إذا اتفقت الأئمة الأربعة على شيء هل يجوز البحث فيه؟ نعم، يقول إذا اتفقت الأئمة الأربعة على قول في المذاهب الفقهية هل يجب اتباعه؟ الجواب: لا يجب اتباعه؛ لأن هؤلاء أربعة فقط، هذا جواب عقلي يجب اتباعهم لأنهم أربعة، طيب الأئمة في عصرهم؟ ولا أربعين ولا أربعمائة أكثر من هذا، فهذا لا يجب اتباعهم، وهذا قول يقول بعض المتأخرين: إنه يجب الاقتداء بالأئمة الأربعة ولا يجوز الخروج عنهم. ابن رجب رحمه الله ترى كأنه لمح إلى هذه المسألة وقال: إني تأملت المسائل وإذا اتفقت الأئمة الأربعة في الغالب أن المسألة تكون شبه اتفاق عند غيرهم، هذا ليس مطرداً، وإنما الاعتبار بانضباط الخلاف. إذا كان قول الأئمة الأربعة طالب العلم لم يجد خلافاً يقابله، فهذا لا شك أنه يجب أن يُتّبع لكونه اتفاقاً، أما إذا قابله خلاف لأئمة من أمثالهم أو ممن فوقهم أو حتى ممن دونهم، فتبقى أن المسألة من مسائل الخلاف، ما يبقى عندنا قول الأئمة الأربعة له وجه وقوة، لكن لا يلزم أن يكون هو الحق المطرد. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى أصحابه أجمعين.
الشيخ يوسف الغفيص