تسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. فهذا هو المجلس الرابع من مجالس شرح لمعة الاعتقاد لابن قدامة عليه رحمة الله، والمنعقد في الأول من الشهر الخامس لعام ألف وأربعمئة وعشرين.

قال المؤلف عليه رحمة الله تبارك وتعالى ونفعنا الله بعلمه وبعلم شيخنا في الدارين: وهكذا من لم يسعه ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، ولا أئمة من بعدهم، والراسخين في العلم من تلاوة آيات الصفات، وقراءة أخبارها، وإمرارها كما جاءت، فلا وسع الله عليه.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين. هذا التعليق من المصنف هو تبع لما سبق ذكره في كلامه، وهذا كله فيما ذكره وما نقله عن الشافعي والأوزاعي والإمام أحمد في تقرير طريقة السلف، وأنهم يقفون على قدر ما ورد به الخبر في كلام الله أو كلام نبيه صلى الله عليه وسلم. وهذا إشارة من وجه آخر إلى الرد على أهل التأويل المتكلمين الذين تأولوا آيات الصفات على غير ظاهرها وعلى غير معناها المعروف بكلام الصحابة والأئمة.

قال: فمما جاء من آيات الصفات قول الله عز وجل: ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: 27]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64]، وقوله تعالى إخباراً عن عيسى عليه السلام: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: 116]، وقوله سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: 22]، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 210]، وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: 119]، وقوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: 54]، وقوله تعالى في الكفار: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: 6]، وقوله تعالى: ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد: 28]، وقوله تعالى: ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة: 46].

هذه الأمثلة من آيات الصفات بعدما قرر رحمه الله منهج السلف في هذا الباب؛ فإنه بعدما ذكر قاعدة السلف في باب أسماء الرب سبحانه وتعالى وصفاته ذكر أمثلة لذلك، وهذا هو الذي درج عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة الواسطية فإنه حاكى الموفق في ذلك. إذ قرر الإمام ابن تيمية رحمه الله في الواسطية القاعدة والمنهج عند السلف في الأسماء والصفات ثم قال: وقد دخل في هذه الجملة ما ذكره الله في سورة الإخلاص وما بعد ذلك من سياقه للآيات. وعليه فهذه الآيات التي ذكرها المصنف قاعدتها واحدة؛ أن كل ما أثبته الله لنفسه أو ما ذكره سبحانه وتعالى من صفاته في كتابه فإنه حق على ظاهره ولا يجوز تأويله بما يخالف هذا الظاهر. وهنا ذكر المصنف صفة الوجه المذكورة في أول الآيات التي ذكرها، وذكر صفة العلم، وذكر صفة المجيء في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، وكذلك صفة الإتيان.

والمتأخرون من أهل السنة الذين تكلموا في الصفات يقولون إن الصفات تنقسم إلى قسمين: صفات ذاتية وصفات فعلية، ومنهم من يقول إن الصفات تنقسم إلى صفات ذاتية وصفات خبرية وصفات فعلية. وهذه التقاسيم هي من الاصطلاح الذي يوسع فيه إذا كانت المعالم منضبطة بوجه صحيح. ولكن قيل إنه يوسع فيه ولا بأس باستعماله إذا ضبطت معانيه؛ فإنه ليس تقسيماً مقصوداً لذاته؛ يعني ليس هو من الحقائق المطردة التي يقصد إلى ذكرها في كلام أهل السنة والجماعة، ولهذا لا يلزم أن يبتلى الناس بما هو تقسيم أهل السنة للصفات. فإنك إذا سألت هذا السؤال فإن الجواب أن أهل السنة الذين هم سادة أصولهم أئمة السلف لا تقسيم لهم للصفات، لكن هذا تقسيم ذكره من ذكره من علماء السنة والجماعة، فهذا الذكر يصحح على هذا القدر، على قدر التوسعة لا على قدر القصد إليه. ولهذا من استعمله ليضبط المعاني فلا بأس، ومن تركه وضبط المعاني بدونه فهذا لا بأس؛ كأنه هو الأولى.

لماذا؟ لأن هذا التقسيم فيه ألفاظ إضافية يدخلها شيء من الإشكال، حين يقولون الصفات الذاتية، فكأنه يفهم أن القسم الثاني أو الثالث ليس ذاتياً، هذا المفهوم ليس مراداً لهم ولكنه قد يتبادر إلى الذهن. وحين يقولون الصفات الاختيارية فكأنه يفهم أن ثمة صفات على غير ذلك؛ على غير الاختيار أو على خلاف الاختيار. ولهذا نقول هذا التقسيم هو اصطلاح. أما أن نجعله قاعدة من قواعد السلف أن من قواعدهم أنهم يقسمون الصفات إلى ذاتية وفعلية أو إلى خبرية وما يقابلها فهذا فيه تردد؛ لأنك إن قلت إنه ينقسم إلى خبرية وقسم آخر؛ فحينئذ القسم الأول خبري، وأن الثاني ليس خبرياً، مع أن جميع الصفات خبرية باعتبار أنها جاء بها الخبر الذي هو كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، الذي هو أخبار الله وأخبار رسوله صلى الله عليه وسلم. ولهذا مثل هذه التقاسيم إذا صحت معانيها فهي مما يوسع فيه ولا يقصد إليه. وإذا سألت عن المتقدمين من السلف هل كانوا يقسمون هذا التقسيم؟ فالجواب لا، ولهذا لا ترى أن هذا التقسيم يستعمل في كلام أئمة التابعين أو أئمة السنة المتقدمين كالإمام أحمد وأمثاله.

مسألة أخرى: أن صفات الله سبحانه وتعالى، وهذه قاعدة في الصفات وقلّ ما ينبه إليها، أن صفات الله سبحانه وتعالى تستعمل على وجه سياقها الذي جاء في كلام الله أو كلام رسوله، وأن صفات الله سبحانه وتعالى تستعمل إثباتاً لله سبحانه وتعالى على وجه سياقها في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وما معنى هذا الكلام؟ أو ما الجديد إن صح التعبير؟ أو ما المقصود ذكره في هذا المقام؟ المقصود ذكره هو الجملة التي تقول "على وجه سياقها"؛ لأن بعض المتأخرين والمعاصرين من طلبة العلم الذين يقررون مذهب أهل السنة والجماعة في الصفات، وهذا ليس خاصاً بهؤلاء بل درج عليه من سبق كابن منده مثلاً في بعض كلامه في الصفات، وبعض المتأخرين من أصحاب الأئمة وبعض المعاصرين، درجوا على هذه الطريقة؛ صار عندهم في تمثيل الصفات فك لذكر الصفة عن سياقها إلى قدر من الإفراد، فصاروا يقولون: من صفات الله العلم والسمع والبصر والمكر والكيد والغضب وأمثال ذلك، فيجعلون الصفة منفكة على قدر من الإطلاق. والصواب أن الصفة لله سبحانه وتعالى على وجه سياقها في كلامه أو كلام نبيه صلى الله عليه وسلم.

وإذا تأملت آيات الصفات في كلام الله وفي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وجدت أن الصفات تنقسم إلى قسمين: صفات مطلقة وصفات مقيدة. ولهذا الصفات المطلقة تستعمل مطلقة إثباتاً لله سبحانه وتعالى، أي تثبت له سبحانه وتعالى إطلاقاً، وأما الصفات التي لم تذكر في القرآن أو في السنة إلا على قدر من التقييد، أي في سياق التقييد، فإنها لا تستعمل في مقام الإثبات له على الإطلاق، وإنما تستعمل تقييداً. وهذا هو أصل ضبط اللسان العربي؛ فإن لسان العرب من جهة فهم كلامهم إنما يعتبر بالسياقات ليس بتبع أحد الكلمات. ولهذا ترى أن ابن مالك قال: كلامنا لفظ مفيد، فلابد أن يكون مركباً، أما من فعل وفاعل أو من نحو ذلك مما تحصل به إفادة. فالمقصود أن قوله تعالى مثلاً: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: 15-16]، قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: 30]، مثل هذا السياق هل هو إثبات لصفة المكر والكيد على الإطلاق أم في سياق التقييد؟ السياق فيه تقييد، لأن الله ما ذكر المكر صفة له على الإطلاق، ولا ذكر الكيد صفة له على الإطلاق، بل يعرف بالعقل والشرع أن ذكر المكر صفة لمعين على الإطلاق أن هذا ذم أو مدح؛ ذم، لو قيل عن شخص ما، ومن صفاته.. عن عالم من العلماء وكان هذا ولله المثل الأعلى، وقيل عن عالم وكان عالماً حافظاً ثقة مفسراً فقيهاً "ماكراً"، يأتي هذا أو لا يأتي؟ لا يأتي. فهذه الصفات، وهذا هو الذي أوجب ذكر هذه القاعدة، أنها إذا فكت عن سياق التقييد لم تكن على التحقيق. ولهذا يجب أن يلتزم في هذه الصفات السياق القرآني، فما ذكره الله مطلقاً أثبت له على الإطلاق كصفة العلم، فيقال: ومن صفاته العلم، ومن صفاته القدرة، ومن صفاته الرحمة والعزة والحكمة إلى غير ذلك. وأما الصفات التي ما ذكرها الله إلا مقيدة بوجه كالمكر والكيد وأمثال ذلك فهذا يستعمل على وجه ذكره في القرآن.

ولهذا لا يصح أن يقال من صفاته المكر على الإطلاق؛ لأن الله ما ذكر هذا صفة له، المكر على الإطلاق ليس صفة مدح.

قال: ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة»، وقوله: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا»، وقوله: «يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة»، فهذه وما أشبهها مما صح سنده وعدلت رواته نؤمن به ولا نرده ولا نجحده ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره.

نعم، وقول المصنف: "ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره" دليل على أن المصنف بريء من مذهب التفويض، وإن كان الشبه في بعض جمله الأولى ما هو من ذلك. لكن ذكره صفات الأفعال كالنزول والضحك وأمثالها وإبانته رحمه الله لكونها على ظاهرها ولا ترد بتأويل يخالف الظاهر، دليل على أنه يقر بمعناها، وأن مذهبه رحمه الله على مذهب الأئمة في هذا الباب.

قال: ولا نشبهه بصفات المخلوقين ولا بسمات المحدثين. والمذاهب المعارضة للسلف هي في الجملة إلى مذهبين: المذاهب المعارضة لمذهب السلف في الصفات هي في الجملة إلى مذهبين، إما مذهب التعطيل وهو مذهب المؤولة الذين عطلوا أسماء الرب سبحانه وتعالى وصفاته، وإما مذهب المشبهة. والمشبهة المعطلة من المتكلمين كالجهمية والمعتزلة ومن يشاركهم في شيء من هذا كالأشعرية والماتريدية، وإن كان ثمة فرق بين الأشعرية والماتريدية وبين أئمة الجهمية والمعتزلة؛ فإن الأشاعرة يثبتون جملة من الصفات ويتأولون جملة أخرى، وكذلك الماتريدية يثبتون جملة من الصفات ويتأولون جملة أخرى. والأشاعرة طبقات ليسوا على درجة واحدة، بعضهم أقرب إلى السنة من باب؛ وفي الجملة فالأشاعرة أقرب إلى أهل السنة والجماعة من الماتريدية، والأشعري رحمه الله أقرب من أصحابه إلى السنة والجماعة، والقاضي أبو بكر الباقلاني أقرب من جملة أصحاب الأشعري، وهلم جراً، فهم درجات في الجملة. ومما ينبه إليه أن مذهب الأشاعرة قد شاع أنهم لا يثبتون إلا سبعاً من الصفات، وهي: الحياة والكلام والبصر والسمع والإرادة والعلم والقدرة. هذا المذهب حقيقته أنه مذهب لمتأخريهم، وأول من قرره وشرحه أبو المعالي الجويني، وإن كان أصل هذا المذهب قد ذكره البغدادي في كتبه، ثم درج من بعد الجويني من الأشاعرة. وأما المتقدمون من الأشعرية كعبد الحسن إمام المذهب والقاضي أبي بكر ابن الطيب الباقلاني وابن فورك وأمثال هؤلاء، فإنهم يثبتون هذه الصفات السبع ويثبتون جملة من الصفات الخبرية كالوجه واليدين وأمثال هذه الصفات. فالقصد أن الأشاعرة ليسوا على وجه واحد؛ الاقتصار على سبع صفات هو مذهب متأخريهم كأبي المعالي ومن بعده. وأما مذهب التشبيه فكما سبق أن أصله عن قوم من أئمة الرافضة، ثم دخل على جملة من الأحناف أتباع محمد بن كرام السجستاني؛ يقال مذهب المعطلة ومذهب المشبهة.

هذه مسألة. مسألة أخرى: لم يذهب أحد من المسلمين إلى تعطيل الرب سبحانه وتعالى عن مطلق الكمال، وإنما أثبتوا ما هو من أحكام الصفات معنىً فيهم لقيامها بالذات، فهذا هو مراد السلف بقولهم أن هؤلاء معطلة، وكذلك المشبهة فلم يذهب أحد من المسلمين إلى أن شبه الله بخلقه على التمام؛ فإن هذا هو الشرك في الربوبية ولا يقع من مسلم أو ينتسب إلى دين الإسلام، ولكن عندهم قدر من التشبيه، من هنا سموا مشبهة.

قال: ونعلم أن الله سبحانه وتعالى لا شبيه له ولا نظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. هذه الآية من أشرف قواعد الصفات، وهي جامعة لباب الصفات؛ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فهذا إبانة لتنزهه سبحانه وتعالى عن التشبيه، و﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ إبانة لإثبات أسمائه وصفاته، فإن هذين الاسمين تضمنا جملة من الصفات.

قال: وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه. نعم؛ لأنه سبحانه وتعالى لا يحاط به علماً. وعليه فقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ يقال: ليس كمثله شيء، سواء كان هذا الشيء موجوداً أو متصوراً في الذهن أو مفروضاً في الذهن، فمهما هرب من بصفة لكونه صفة من صفاته فإن الله ينزه عن هذه الكيفية؛ لأن العقل يمتنع أن يتصور أو أن يتخيل إلا كنهًا وكيفًا ناقصًا عليه سمات المحدثات.

قال: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]، وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: 16]. نعم، ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾، ذكر الله تعالى استواءه على عرشه في سبعة مواضع في كتابه، والاستواء على العرش هو من صفاته سبحانه وتعالى الثابتة بالسنة والكتاب والإجماع. والمراد بقوله ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾، المراد بالاستواء العلو، ولكنه علو أضيف في هذا المقام، وإن كان ذكر العلو في مقام آخر على الإطلاق كقوله تعالى ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، فهنا فإن علو الرب سبحانه وتعالى صفة أزلية، لم يزل سبحانه وتعالى علياً. وأما هذا الاستواء على العرش.

المذكور في هذه الآيات هو بعد خلق العرش، والعرش مخلوق حادث بعد أن لم يكن. فالمقصود أن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أي علا، وهذا هو المعنى الصواب المعروف عن جمهور السلف.

وثمة بعض المعاني التي فُسِّر بها لفظ الاستواء في القرآن؛ أي الاستواء على العرش. منهم من قال صعد، وهذا ليس بفاضل في التفسير، ومنهم من قال استقر، وهذا أبعد منه، وإن كان بعض أهل العلم كبعض أئمة اللغة كمعمر بن المثنى يذهب إلى مثل هذا أنه استقر، لكنه ليس بفاضل؛ لأنه تعبير فيه توسع في حق الله سبحانه وتعالى. وأشد بعداً من هذه أي صعد واستقر -وقاله بعض متأخرة أهل السنة- أنه جلوس على العرش، فهذا غلط ولا يجوز أن يذكر هذا في حقه سبحانه وتعالى، بل يقال: الرحمن على العرش استوى، استوى بمعنى علا على العرش.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك»، وقال للجارية: «أين الله؟» قالت: في السماء، وهذا الحديث رواه أبو داوود وهو متكلم فيه، لكن من أهل العلم من قوّاه. وهذا الحديث والآية من قبله، وما ذكره بعده كحديث معاوية بن الحكم، هي جملتها في إثبات علو الرب سبحانه. وقد قال جملة من علماء السنة -كبعض أصحاب الشافعي وبعض أصحاب أحمد كابن القيم وشيخ الإسلام ابن تيمية-: إن دلائل العلو في القرآن أكثر من ثلاث مئة دليل، ومنهم من يقول مثلاً: إن دلائل كلام الله سبحانه وتعالى في القرآن أكثر من ألف دليل.

هنا طريقة عند علماء السنة في الاستدلال على الصفات وهي طريقة التنوع. العلو يثبت بجملة من الأدلة: ذكره سبحانه وتعالى أنه في السماء في قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: 16]، وذكره سبحانه وتعالى لفوقيته في مثل قوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: 50]، وذكره سبحانه وتعالى لعروج الأشياء إليه، وذكره لصعود الأشياء إليه، وذكره لنزول الملائكة من عنده. فجملة هذه الأدلة بتنوعها تدل دلالة قاطعة مطردة على إثبات علوه، وعلوه سبحانه وتعالى من أخص صفاته، وقد أجمع عليه السلف وكثير من الخلف، حتى من انتسب إلى بعض الطرق الكلامية كأبي الحسن الأشعري، وعبد الله بن سعيد بن كلاب؛ فإن هذين وأمثالهما من المقاربين للسنة من المتكلمين يثبتون العلو.

أما نفي الأشاعرة المتأخرين للعلو فإن هذا مذهب دخل عليهم من المعتزلة، وإلا فقد كان إمامهم أبو الحسن الأشعري ومن قبله وهو من أخذ عنه -وهو عبد الله بن سعيد بن كلاب- يثبتون العلو، وقد صنف ابن كلاب كتاباً في الصفات رد فيه على المعتزلة في مسألة العلو بالعقل والنقل. فمسألة العلو مسألة حكى الإجماع عليها جملة من الأئمة، حتى إن شيخ الإسلام في درء التعارض ذكر هذا الإجماع عن بضعة عشر إماماً من كبار أئمة السنة والجماعة، فهي مسألة متواترة صريحة في كلام الله ورسوله، فضلاً عن كون علوه سبحانه وتعالى يثبت بالعقل، ويثبت بدليل الفطرة، فإن الله فطر الخلق على أنه سبحانه وتعالى في السماء.

وهنا مسألة وإن كانت في الجملة بينة، أنه يُراد بكونه سبحانه وتعالى في السماء أي أنه على السماء. وأما ما قد يتبادر إلى ذهن بعض الجهال أنه في السماء في سماء خلقها، كما تقول إن الملائكة في السماء، فهذا مما يُنزه عنه الرب سبحانه وتعالى، فإنه قد قال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: 255]، وقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: 133]. فإذاً قوله: ﴿مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ أي على السماء، أو يُراد بالسماء العلو.

وقال للجارية: «أين الله؟» قالت: في السماء، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». نعم، هذه قصة حديث الجارية، وهو حديث معاوية بن الحكم السلمي رواه مسلم في صحيحه في سياق فيه طول، وفي آخره قال معاوية: وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قبل أحد والجوانية، فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك عليه، فقلت: يا رسول الله، أفلا أعتقها؟ قال: «ائتني بها». قال: فأتيتُه بها، فقال لها: «أين الله؟» قالت: في السماء، قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». وهذا الدليل صريح في أنه سبحانه في السماء، وصريح في أن يُسأل عنه سبحانه وتعالى بـ «أين»، وهذا ما منعه أهل البدع، قالوا: لا يجوز أن يُسأل عن الرب بأين، فيقال: إن أعلم الخلق به -وهو محمد صلى الله عليه وسلم- قال للجارية وهي على قدر من يسير العلم، ومع ذلك قال لها: «أين الله؟» قالت: في السماء.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لحصين: «كم إلهاً تعبد؟» قال: سبعة، ستة في الأرض وواحداً في السماء، قال: «من لرغبتك ورهبتك؟» قال: الذي في السماء، قال: «فاترك الستة واعبد الذي في السماء، وأنا أعلمك دعوتين»، فأسلم، وعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: «اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي». وهذا داخل في هذا، وفي إشارة إلى أن المشركين في الجملة يقرون بأصول الصفات، وهذا من دلائل أهل السنة في ردهم على المعطلة. قالوا: المعطلة تقول إن إثبات الصفات على ظاهرها مخالف لدليل العقل، أليس كذلك؟ قال علماء السنة: إن القرآن نزل وتلقاه المشركون بالتكذيب، وقالوا عن صاحبه الذي نزل عليه إنه ساحر، وقالوا إن هذا إلا قول البشر إلى غير ذلك، فإنه لو كان في آيات الصفات ما يعارض دليل العقل لاعترض به المشركون، ولم يعترضوا؟ الجواب: اعترضوا.

هنا سؤال: لم يُنقل عن واحد من المشركين، لا من العرب ولا من اليهود ولا من النصارى الذين بلغهم القرآن، أنه اعترض اعتراضاً عقلياً على صفة من الصفات، مع أنهم حاولوا الطعن في بعض أخبار القرآن من جهة العقل، كقول الله تعالى عن آخرهم: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: 78]. هذا اعتراض عقلي، أليس كذلك؟ هذا اعتراض بالعقل على مسألة البعث، والله لما ذكر البعث قال: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: 7]. لكن ذكر أنهم كذبوا بأسمائه وصفاته، فهذا يدل على أن المشركين ما كان يقع في عقولهم الإنكار لشيء من أسماء الرب وصفاته في الجملة. فإن قال قائل: فقد أنكر سهيل بن عمرو في صلح الحديبية -كما في الصحيح- اسم الرحمن؛ لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم»، قال سهيل بن عمرو: اكتب باسمك اللهم، أما الرحمن فلا أدري ما هو. هذا ليس من باب المعارضة العقلية، هذا من باب أن سهيل بن عمرو ومن في دائرته من المشركين ما كانوا يعرفون هذا الاسم مضافاً لله سبحانه وتعالى، فهذا نوع من الجهل وليس نوعاً من المعارضة العقلية. والدليل عليه أن المشركين كان منهم من يسمى بعبد الرحمن، كعبد الرحمن الفزاري الذي قتله أبو قتادة الأنصاري في غزوة في الصحيح على الشرك، فكان يسمى عبد الرحمن وكان امرأً مشركاً مات على الشرك. فالقصد أن قول سهيل بن عمرو: أما الرحمن فلا أدري ما هو، أي أنه جاهل به وليس معارضاً له بالعقل، ولهذا كان المشركون يؤمنون بأن الله رحيم وأنه يرحم عباده إلى غير ذلك.

وابن الأيّه قال عنترة: يا عم أين من المنية مهرب؟ وإن كان ربي في السماء قضاها فهذا كان في الجملة على قدر من إقرار المشركين، وفي الجملة فباب الربوبية قد أقر به المشركون. وتعلم أن الصفات والأسماء هي من أخص مقامات الربوبية، وإن كان هذه الجملة التي تقال كثيراً: إن المشركين أو مشركي العرب كانوا مقرين بتوحيد الربوبية؛ هو الصحيح أنهم ليسوا محققين له، وإنما هم مقرون به في الجملة، وإلا فأنت ترى في حال الجاهليين من العرب بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وقبل بعثته كانوا على قدر من الغلط في توحيد الربوبية، ومن ذلك مثلاً الاستقسام بالأزلام، فإن استقسامهم بالأزلام طعنوا في توحيد الربوبية؛ أي إمضاء الأمر أو عدمه على ما يفعلونه في أقداحهم وأزلامهم، هذا طعن في توحيد الربوبية، وكذلك الطيرة، فهي عدم تحقيق لتوحيد الربوبية إلى غير ذلك. وإن كان في الجملة هذه عوائد من الجاهلية، فهذه عوائد عند الجاهلين، وإلا فما في قلوبهم في الغالب أنهم لا يصدقون في مسألة الأزلام.

ولهذا روى البخاري في صحيحه عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة وجد صورة إبراهيم وإسماعيل وهما يستقسمان بالأزلام، قد وضعوها داخل الكعبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قاتلهم الله، أما لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط». ففي الغالب أن مسألة الاستقسام بالأزلام هي من عوائد الجاهلية، وإلا ما كان يدور في خلدهم قناعة تامة في أن مثل هذه الأمور تؤثر في الحوادث، ولكن مع ذلك فهذا نوع من الشرك. ولذلك مما يروى عن امرئ القيس، الشاعر الجاهلي المعروف، أنه لما قتلت بنو أسد أباه، ذهب يستقسم بالأزلام: هل يأخذ الثأر لأبيه أو لا يأخذ؟ فاستقسم الأولى فخرج أنه لا يفعل، والثانية خرج لا يفعل، والثالثة لا يفعل، وكان الافتراض على قاعدة العرب أنه إذا ظهر الأول والثاني والثالث ينقطع، فلما انتهت المحاولة الثالثة خرج لا يفعل، فقام وكسر وقال: لو أنت قتلت لأبيك ما فعلت هذا. فكان هذا من باب أن هذا من عوائدهم أكثر مما هو من حقائق ما في نفوسهم.

وفيما نُقل من علامات النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الكتب المتقدمة أنهم يسجدون بالأرض ويزعمون أن إلههم في السماء. نعم، هذا إشارة من المصنف إلى أن توحيد الأسماء والصفات متواتر في سائر الكتب السماوية، لأن أصول الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والرسل واحدة. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح عن أبي هريرة: «نحن معاشر الأنبياء أبناء علات»، والمقصود بأبناء العلات هم الإخوة من أمهات شتى وأب واحد، فأراد باتفاق أبيهم الاتفاق في أصل الدين، وأراد باختلاف أمهاتهم الاختلاف في شرائعهم. ولهذا عقيدة الأنبياء وتوحيدهم واحد، وإن كان إذا قيل إن عقيدة الأنبياء واحدة، فلا يمنع هذا أن يكون ما بعث به محمد صلى الله عليه وسلم فيه تفصيل لهذه العقيدة بما لم يقدمه مثله من التفصيل في غيره من الكتب، فلا شك أن معتقد الأنبياء واحد، لكن الدلائل والتفاصيل المذكورة في كتاب الله وهو القرآن أكثر من التفصيل المذكور في الكتب السماوية الأخرى، وإن كانت كلام الله سبحانه وتعالى.

وروى أبو داوود في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا وكذا»، وذكر الخبر إلى قوله: «وكذلك العرش، والله سبحانه فوق ذلك». فهذه وما أشبهها مما أجمع السلف رحمهم الله على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده ولا تأويله ولا تشبيهه ولا تمثيله.

سئل الإمام مالك بن أنس -نعم، هذا كله مراد المصنف هنا- أن هذا مما يجب قبوله واتباعه، وهنا ينبه في مسألة الآثار النبوية في هذا الحديث الذي ذكره المصنف وكحديث الأوعال في ذكر حملة العرش وأمثال هذه الأحاديث، هنا ينبه إلى أن الواجب في الاعتقاد هو ما انضبط عند السلف من الأحاديث، وذكروه من مسائل عن أصول الدين، وأما تتبع الروايات في كتب الحديث على طريقة من الأفراد، كما تتبع المسائل الفقهية، فهذا ليس مما ينبغي القصد إليه؛ لأن هذا مقام إخبار عن الرب سبحانه وتعالى فلا ينبغي أن يستطال في التتبع إلى أحاديث فردة قد ينضبط ثبوتها أو لا. ولهذا إشارة المصنف في قوله: «مما أجمع السلف رحمهم الله عليه»، هذه إشارة فاضلة إلى أنه ينبغي تتبع ما أجمع عليه كحديث النزول وأمثاله من الأحاديث.

سئل الإمام مالك بن أنس رحمه الله فقيل: يا أبا عبد الله، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ قال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة»، ثم أمر بالرجل فأُخرج. نعم، وجواب مالك هذا قاعدة مطردة في سائر أسماء الرب وصفاته، وهذه قاعدة مطردة في سائر مسائل الصفات، ولا تختص بمسألة الاستواء على العرش، وهي من أجود القواعد، وفيها جمع بين النقل والعقل، فإنه قال: «الاستواء غير مجهول»، وفي لفظ: «الاستواء معلوم»، أي معلوم المعنى، وهذا بيِّن في أن مالكاً وأمثاله من السلف لا يفوضون المعاني بل يعلمونها، لأن العلم بالمعاني متحقق من جهة جملة اللغة. قال: «والكيف غير معقول»، وفي وجه: «الكيف مجهول»، ولفظ «غير معقول» أوجه، فإن قوله الكيف مجهول قد يفهم منه أنه ممكن العقل وممكن العلم، والصواب أن العلم بالكيف في حق المكلفين علم ممتنع؛ لما؟ لأن الله سبحانه لا يُحاط به علماً، ولهذا هذا اللفظ «الكيف غير معقول» أتم من لهو «الكيف مجهول». قال: «والإيمان به واجب»، أي التصديق به لفظاً ومعنى، لأنه مذكور في القرآن والقرآن إنما وُلدت به الحقائق لا مجرد الألفاظ. قال: «والسؤال عنه بدعة»، أي السؤال عن الكيف، ويمتنع، وقد فسره بعض أهل التأويل من أصحاب مالك أنه قصد، عفا الله عنه، فسره بعض أهل التفويض.

استشكل بعض المفوضة من المالكية قول الإمام مالك: «والسؤال عنه بدعة»، وظنوا أنه يقصد أن السؤال عن المعنى بدعة، وهذا غلط؛ لأنه قال قبل ذلك: «الإيمان به واجب»، وما كان واجباً يصح السؤال عنه، فالمقصود بقوله: «والسؤال عنه بدعة»، أي عن الكيفية.

ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم. قصد المصنف بهذا تفصيل بعض مقامات الكلام؛ إذ الكلام من أخص صفات الرب سبحانه. وأهل السنة يقولون: إن الله موصوف بهذه الصفة، وإنه يتكلم بكلام بحرف وصوت مسموع بمشيئته وإرادته، يتكلم متى شاء إذا شاء كيف شاء، وأن القرآن كلام الله حقيقة لا مجازاً. ودلائل اتصاف الرب سبحانه بالكلام متواترة في الكتاب والسنة، حتى قال بعض أهل العلم: إنها في الوحيين ما يقارب الألف دليل؛ فهم يجعلون كل آية نداء في القرآن دليلاً على إثبات الكلام، لأن المنادي لا بد أن يكون متكلماً، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 104]، وقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: 64]، وكذلك آيات القول كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ﴾ [غافر: 60].

كلامه سبحانه متعلق بمشيئته وإرادته، وهو بحرف وصوت، خلافاً للأشعرية الذين قالوا: إنه معنى في النفس. ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: 143]، فدل على أن الله تعالى تكلم بعد مجيء موسى لميقات ربه، وموسى حادث بعد أن لم يكن، وهذا الميقات متأخر عنه. فكلامه سبحانه يتعلق بقدرته ومشيئته، متى شاء كيف شاء، وهو مع ذلك أزلي النوع.

قول المصنف: «متكلم بكلام قديم»، هذا مأخذ لفظي أخذه بعضهم على المصنف، ولو عبر بما هو أجود منه لكان حسناً، أما أن يقال: إن كلامه غلط بين، أو من كلام أهل البدع، فهذا فيه تكلف؛ فإنه رحمه الله ما أراد بقوله: «كلام قديم» إلا الرد على من يقول: إن كلامه حادث بعد أن لم يكن.

كلام الله صفة من صفاته بدلائل الشرع وبدليل العقل؛ إذ الله هو الإله المعبود، والإله المعبود لا بد أن يكون متكلماً، ولو لم يكن متكلماً لما صح كونه رباً ولا إلهاً. وهذا دليل عقلي في القرآن في قوله تعالى عن قوم موسى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف: 148]. هذا نقض عقلي لألوهية العجل، فدل على أن الإله الحق لا بد أن يكون متكلماً.

يسمعه منه من شاء من خلقه؛ سمعه موسى عليه السلام من غير واسطة، وسمعه جبريل، ومن أذن له من ملائكته ورسله. وأنه سبحانه يكلم المؤمنين ويكلمونه، قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]. وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: 51]. وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله، وهذا يمنع أن يكون المتكلم به غيره سبحانه.

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء. وروى عبد الله بن أنيس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة حفاة غرلاً بهماً، فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قَرُب: أنا الملك، أنا الديان». رواه الأئمة واستشهد به البخاري.

ومن كلام الله سبحانه القرآن العظيم، وهو كتاب الله المبين، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين بلسان عربي مبين، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. قولهم: «القرآن كلام الله» لفظ شرعي صريح، و«منزل» لفظ شرعي أيضاً. أما «غير مخلوق» فليس في الكتاب ولا في السنة، وإنما قاله السلف نفياً لبدعة الجهمية. وقولهم: «منه بدأ وإليه يعود»، أي أنه هو الذي تكلم به حقيقة بحرف وصوت، وإليه يعود أي يرفع من صدور الرجال في آخر الزمان حين يترك العمل به.

وهو سور محكمات، وآيات بينات، وحروف وكلمات. له أول وآخر، وأجزاء وأبعاض، متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، مسموع بالآذان، مكتوب في المصاحف. فيه محكم ومتشابه، ومنسوخ وخاص وعام، وأمر ونهي. ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42].

وقوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: 88]. فلما نفى الله عنه أنه شعر وأثبته قرآناً، لم يبق شبهة لذي لب. وقال عز وجل: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: 23].

أما مسألة مس المصحف للمحدث، فجمهور العلماء على أنه لا يجوز مسه إلا بطهارة، لحديث عمرو بن حزم: «ألا يمس القرآن إلا طاهر». وهو حديث محفوظ ومعروف.

أما الحروف المقطعة في أوائل السور، كقوله: ﴿الم﴾، و﴿حم﴾، فالصحيح أن علمها يُرد إلى الله، لأنها ليست كلمات عربية معروفة عند العرب بمعنى، وإنما هي حروف مجتمعة ابتدأ الله بذكرها لحكمة أرادها.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات». وقال علي رضي الله عنه: من كفر بحرف منه فقد كفر به كله. واتفق المسلمون على عد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه، ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفاً فهو كافر، وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف، وهذا التقرير هو إبانة لكون القرآن كلام الله سبحانه، وهو متواتر في الدلائل الشرعية.

وفي إجماع السلف رحمهم الله. بعد ذلك يقول المصنف فصل والمؤمنون يرون ربهم هذا يؤتى إلى ذكره إن شاء الله المجلس الآتي.

أحسن الله إليكم. هذه سائلة تقول: ذكرتم بالأمس أو أجبتم على سؤال من أحد الطلبة في موضوع خلق القرآن في قولك نسكت عن هذا، في قول أحدهم نسكت عن هذا حتى لا يقال إنه مخلوق، ففهمت إحدى الأخوات أن المقصود والصحيح هو خلق القرآن. فنرجو إيضاح هذه المسألة.

المسألة كما هي في نفسها واضحة، ولهذا التوضيح الواضح قد يكون مشكلا أحيانا. القرآن كما سبق أنه كلام الله سبحانه وتعالى ومنزل وليس مخلوقا، والقول بخلق القرآن هو قول الجهمية وأهل التعطيل من أهل البدع. وإنما المسألة السابقة والمناظرة السابقة المنطوية على الإمام أحمد، أن الإمام أحمد لما قيل له: إن القرآن ليس مخلوقا، من أين هذا في كلام النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال الإمام أحمد: نسكت، ونسكت. أي أنكم معشر من قلتم إن القرآن مخلوق، فلزم أئمة السنة أن يقولوا القرآن ليس مخلوق. كفاية أن الأخت التي تبادر إلى ذهنها نقول ينبغي أن تكون مثل هذه المسائل أوضح من هذا.

هذا سائل يقول: ما معنى حديث «يعجب ربك من شاب ليس له صبوة»؟ هذا الحديث متكلم فيه أساسا، الحديث متكلم في صحته. والمقصود فيه إثبات هذه الصفة لله سبحانه وتعالى، وهو عجبه سبحانه وتعالى مما يشاء من مفعولاته. وحكم إضافي في شاب ليس له صبوة، أي أنه استقام على الديانة وعلى السنة ولم يقع له إسراف في كبائر ونحوها.

أحسن الله إليكم، هذا سائل يقول: ما معنى إعراب القرآن؟ أراد أو النقل المأثور عن أبي بكر يفسر على أحد الوجهين: إما أنهم أرادوا بإعرابه التدبر والتفسير، وإما أنهم أرادوا بإعرابه الإقامة لحروفه حق إقامتها، وأن الإقامة لحروفه حق الإقامة أولى من الحفظ لبعض حروفه على قدر من التقصير في إقامتها.

أحسن الله إليكم، هذا يقول: وما معنى «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»؟ معناه أنهم خرجوا عن السنة، معناه أنهم خرجوا عن السنة وعن جملة الديانة، لا على معنى أنهم كفروا؛ فإن الصحابة رضي الله تعالى عنهم الذين سمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الخوارج «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» ذهبوا إلى أن هذا الحرف من كلام النبي أو هذه الجملة من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم تدل على كفر الخوارج. ولهذا ظاهر مذهب الصحابة بل حكي الاتفاق عليه أنهم ما كانوا يذهبون إلى أن الخوارج كفار، بل كانوا يرونهم أهل بدع معتدين بالظلم والبغي على المسلمين، مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». فقوله يمرقون من الدين أي يمرقون من السنة ويخالفون الجماعة ويخرجون عن حكم الشريعة إلى أمثال ذلك. والمروق ليس هو الكفر، والمروق ليس هو الكفر. ولذلك من كفر الخوارج واستدل على كفرهم بأن النبي قال «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» قيل هذا الحرف أأنت أفقه من الصحابة؟ والصحابة رضي الله عنهم ما ذهب أحد منهم إلى أن هؤلاء كفار، بل علي بن أبي طالب لما قيل يا أبا الحسن أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا. قيل أمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا.

ثم ما جرى فيه من سنة الكفار كاتّباع المدبر والإجهاز على الجريح والغنائم وأمثال ذلك، ولما قتله عبد الرحمن بن ملجم من الخوارج وضربه بالسيف على رأسه وأدخل عليه في الدار، قال علي رضي الله عنه: أيها الناس، إن مت فاقتلوه، وإن حييت فأنا ولي الدم. ولما قال وإن حييت فأنا ولي الدم دل على أن ابن ملجم عنده ليس كافرا، لو كان كافرا مرتدا ما كان عليا ولي الدم؛ لأن المرتد لا ولاية لدمه على أحد، بل يقتل حدا لقول النبي «من بدل دينه فاقتلوه».

أحسن الله إليكم، هذا سائل يقول: ما حكم من يستنتج بعقله أن المعاني تدل على أن الدنيا بين الحياة والموت؟ هذا تكلف ولا يجوز أن يستعمل مثل هذا في القرآن، وإن سماه من سماه من إعجاز القرآن فإن هذا غلط ولا أصل له في سنة السلف رحمهم الله وفي هدي أهل العلم، بل هذا من التكلف الشديد ومن الافتيات على كتاب الله سبحانه وتعالى.

أحسن الله إليكم، هذا سائل يقول: ما الفرق بين المجيء والإتيان؟ وهل لفظ التشبيه جاء في كلام أئمة السلف؟ نعم، مجيء الله سبحانه وتعالى ذكر بمثل قوله ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22] وإتيانه ذكر، وكلاهما على ظاهره. وأما أن ثمة معنى يكون فرقا بينهما فهذا باب آخر لا يلزم تعيينه، وإنما يقال إن هذا فعل وهذا فعل في الجملة على مورد واحد وهو يوم القيامة، وهو مجيئه وإتيانه سبحانه وتعالى ليفصل القضاء. ولكن قد يكون بعض الألفاظ أفهم إلى معنى من اللفظ الأول، فيكون هذا متضمنا لتمام من المعنى أكثر من تضمن الأول له وهكذا. كما أن أسماءه سبحانه وتعالى تعددت مع أن المسمى واحد، فيكون هذا الاسم يدل على صفة أكثر من دلالة غيره. وأما لفظ التشبيه فقد ذكره بعض أئمة السلف نعم، ولهذا لا ينبغي أن ينهى عن ذكره في قول الناس أو في قول القائل إن الله منزه عن التشبيه، فهذا لا ينكر بل يقال إنه منزه عن التشبيه، وهذا ذكره طائفة من السلف، وإن كان لفظ التشبيه لم ينف في القرآن، لكن عدم النفي في القرآن ليس بلازم؛ لأن ما علم أنه نقص لا يليق بالله صح نفيه وإن لم يرد نفيه بلفظه في القرآن، لكن قد يقال إن التعبير بلفظ التمثيل أدق وأضبط لأنه هو المستعمل في قول الله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، والله أعلم وصلى الله.