الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فهذا هو المجلس الخامس من مجالس شرح لمعة الاعتقاد لابن قدامة عليه رحمة الله، والمنعقد في الثاني من الشهر الخامس لعام ألف وأربع مئة وأربعة وعشرين.
قال المؤلف على رحمة الله تبارك وتعالى ونفعنا الله بعلمه وبعلم شيخنا في الدارين آمين: والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم، ويزورونه ويكلمهم ويكلمونه.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه. ذكر المصنف مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى في تفصيل ذكره للصفات، والقول في مسألة الرؤية أعني رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، وذلك في مقامين: في عرصات القيامة وبعد دخولهم الجنة. فهذا من مسائل الإجماع المتفق عليها من السلف أن المؤمنين يرون ربهم عيانًا بأبصارهم في الآخرة في مقامين: في عرصات القيامة وبعد دخولهم الجنة. وظاهر النصوص أن رؤيتهم له سبحانه وتعالى بعد دخولهم الجنة تكون أتم من الرؤية التي تقع في عرصات القيامة، فإنها المذكورة أعني التي بعد دخول الجنة هي المذكورة في قول الله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26]. فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث صهيب الذي رواه مسلم وغيره ذكر الزيادة وقال: هي النظر إلى وجه الله، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم. فهذا من معاقل الإجماع الذي دل عليه الكتاب والسنة والإجماع.
ومن أخص دليل القرآن على ثبوت رؤية المؤمنين لربهم قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]. فإن هذا من دليل السلف الصريح على إثبات رؤية المؤمنين لربهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ فهذا أيضًا من صريح الدليل. وإن كان لفظ الزيادة لفظًا مجملًا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم فسره فيما صح عنه في الصحيح وغيره، فسره بذلك أي بالنظر وهو الرؤية له سبحانه وتعالى.
وكذلك من دليل الرؤية أعني رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة في كتاب الله قوله تعالى عن الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15]، فإن في هذه الآية دليلاً على أن المؤمنين لا يُحجبون عنه، كما ذكر ذلك الشافعي ومالك وجملة من السلف. ومن دليل ذلك قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: 44]، فإن اللقاء إذا قُرن بالتحية فإنه يفيد معنى النظر أو يتضمن النظر والرؤية. وقد حكى ثعلب -وهو من أئمة اللغة- الإجماع، أي إجماع أهل اللغة، على أن اللقاء إذا قُرن بالتحية فإنه يفيد أو يتضمن الرؤية، وهذا رواه عنه أبو عبد الله بن بطة وغيره.
وكذلك من دليل الرؤية في كتاب الله قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: 103]. فإن المنفي هنا هو الإدراك، والإدراك قدر زائد عن أصل الرؤية، فإنه لا يلزم من رؤية الشيء أن يكون مُدركًا. فإنك تقول -ولله المثل الأعلى- رأيت السماء ومع ذلك لم تُدركها، وتقول إنك رأيت الشمس وإن كنت لم تُدركها، وتقول إنك رأيت القادم من بعيد وأنت لم تُدركه؛ أهو زيد أم عمرو؟ أهو رجل أو امرأة؟ أهو مارة؟ فإن من رأى قادمًا من بعيد لا يرى إلا شخصه ولا يُميز هذا الشخص من هو ومن يكون، وقال إنه رأى هذا القادم فإنه يُصدق عليه، ولكن لا يمكن أن يقول إنه أدركه. فلما قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ دل على أن الأبصار تراه ولكنه لا يُدرك. فإنه لو كان سبحانه وتعالى لا يُرى مطلقًا ولا يراه المؤمنون لما لزم نفي الإدراك؛ فإن الأصل إذا كان مُنتفيًا فإن ما فوقه يكون مُنتفيًا من باب أولى. فإذا النتيجة أن قوله تعالى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ دليل على ثبوت الرؤية، ووجه ذلك أنه لما خُص القدر الزائد على أصل الرؤية بالنفي، دل على أن ما دونه -أي ما دون الإدراك وهو أصل الرؤية- يكون ممكنًا.
وكذلك في كتاب الله جملة من الدلائل بعضها محل تردد بين أهل السنة في قوله تعالى: ﴿لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: 35]، فإن من أهل السنة من استدل بها على الرؤية. وهذه الآية مختلف في صحة الاستدلال بها، ومن يستدل بها رأى أن لفظ أو حرف المزيد هو على مادة حرف الزيادة المفسرة في السنة، فقال إن المقصود ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ أي الرؤية. ومن لم يذهب إلى هذا التفسير قال: يمكن أن يكون المزيد المذكور ليس هو المراد بالزيادة في الآية الأخرى.
وأما السنة فإنه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث متواتر في رؤية المؤمنين ربهم، وقد روى أحاديث الرؤية عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يقارب الثلاثين من الصحابة، وقد أخرج الشيخان وأهل السنن وغيرهم أحاديث جملة من الصحابة، وممن روى ذلك من الصحابة العشرة المُبشرون بالجنة. فثمة جملة من الأحاديث متفق عليها بين الشيخين البخاري ومسلم، وجملة من أفرادهما، وجملة في السنن والمسانيد، فحديث الرؤية تلقاه الأئمة بالقبول كما ذكره الإمام أحمد وغيره. ومن أصلها حديث أبي هريرة وأبي سعيد في سياق طويل في الصحيحين أن أناسًا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا. فقال: هل تضارون في رؤية الشمس صحوًا ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا. قال: فإنكم سترون ربكم كذلك؛ لا تضامون في رؤيته. إلى غير ذلك من النصوص الصريحة في كلام الله ورسوله على أن المؤمنين يرون ربهم، كما أسلفت، إجماع متحقق عند السلف. هذه هي الأصل في مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى، وهي رؤية المؤمنين لربهم.
وثمة مسألتان لا تُعدان من الأصول، وإنما تكلم فيها طوائف من أهل السنة، وهما: رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لربه ليلة المعراج، هل يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ببصره ليلة المعراج أو لم يره؟ هذه المسألة فيها نزاع بين متأخري أهل السنة مشهور، وهم على طائفتين أو ينقسمون إلى قسمين: قسم منهم يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج ببصره، ومنهم من يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرَ ربه ببصره. هذا المذهب على هذين الوجهين من الخلاف مشهور عند المتأخرين، ومن الذي يميل إليه كثير أو أكثر أصحاب الأئمة المتأخرين؟ أن النبي رأى ربه ببصره. ولكن هذا المذهب وإن اشتهر عند المتأخرين حتى قيل إنه قول جمهورهم -وهذا يحتاج إلى تحقيق أكثر- إلا أنه يعلم أن هذا المذهب، أعني بأن النبي رأى ربه ببصره، غريب عند المتقدمين. وهذه هي المسألة المقصودة، القول الذي اشتهر عند جملة من المتأخرين من أصحاب الأئمة الأربعة وهو أن النبي رأى ربه ببصره ليلة المعراج، وإن اشتهر عند المتأخرين من بعض الأئمة إلا أنه غريب عند المتقدمين؛ حتى حُكي الإجماع على خلافه، أي حُكي الإجماع على أن النبي لم يرَ ربه ببصره، وممن حكى الإجماع الدارمي، وهو إمام فاضل متقدم، وناقل عنه كما سلف في المناظرة في مسألة الصفات، فالدارمي رحمه الله وهو من كبار أئمة السنة حكى إجماع الصحابة على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يرَ ربه ببصره، وهذا هو المشهور في مذهب الأئمة.
وإن قيل إن هذا إجماع منضبط صحيح، أو قيل إنه إجماع سكوتي، فإنه لم يصح عن واحد من الصحابة أنه قال إن النبي رأى ربه ببصره، وإنما جواب الصحابة على أحد وجهين: منهم من يقول إن النبي لم يره، ومنهم من يقول إنه رآه بفؤاده. فالأول جواب عائشة ومن معها، والثاني -الذي هو إثبات رؤية الفؤاد- جواب ابن عباس وأمثاله. وترى أن جواب ابن عباس ليس معارضًا عند التحقيق لجواب عائشة، بل يمكن أن يقال إن جواب ابن عباس يؤيد جواب عائشة من جهة أن ابن عباس لما قصر الرؤية على الفؤاد، دل على أن ما فوقه وهي الرؤية البصرية غير مُتحصلة. أما المتأخرون فإنهم فهموا من كلام ابن عباس الإثبات للرؤية البصرية، لأن ابن عباس وأصحابه يرون عنه تارة الإطلاق وتارة التقييد بالفؤاد، وصار من المتأخرين من يقول إن ابن عباس وطائفة يقولون إن النبي رأى ربه ببصره، وهذا غلط على ابن عباس، فإن ابن عباس إنما كان يقول: رآه بفؤاده، ولم يقل ابن عباس رآه ببصره، فهذا تفسير من المتأخرين لمذهب ابن عباس. ولهذا لا يغتر طالب العلم بما يقع في كتب بعض الشراح كشراح الصحيح وغيره أنهم يقولون إن القول بإثبات رؤية النبي ربه ببصره هو مذهب ابن عباس وطائفة، أو يقولون هو أحد قولي ابن عباس، والصواب أن ابن عباس له قول واحد فقط، ونسبة القول إليه غلط عليه. بل التحقيق كما أسلفت أن قول ابن عباس إن النبي رأى ربه بفؤاده يدل على نفي رؤية البصر وليس على إثباتها، فإنه كان يرى أنه لم يره ببصره.
وكذلك الإمام أحمد، فإن من الحنابلة من حكى عن أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ببصره، وهذا كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره أنه غلط على الإمام أحمد، بل الإمام أحمد إنما كان يجيب بجواب ابن عباس وعائشة، مما يدل على أن الجوابين عنده ليس بينهما تنافر. فهذا على كل تقدير يقال الصواب، والذي عليه الجماهير من الأئمة حتى حُكي الإجماع عليه، أن النبي لم يرَ ربه ببصره. وإذا قيل رآه بفؤاده فهذه مسألة واسعة، كان ابن عباس وجملة من الصحابة يقولونها، بل أكثر أهل السنة كما قال شيخ الإسلام يقولون بقول ابن عباس إن النبي رأى ربه بفؤاده، ولكن الرؤية ليست الرؤية البصرية. ولكن مع هذا هل يقال مسألة رؤية النبي لربه من مسائل الأصول التي يُضلل فيها المخالف ويُبدع؟ الجواب لا، ليست من مسائل الأصول، وإن كان القول بإثبات الرؤية البصرية قولا غريبًا لا ينبغي أن يُصار إليه، ولا سيما أن القول الذي عليه عامة السلف والجماهير من أئمة السنة هو ظاهر القرآن وصريح السنة.
أما أنه ظاهر القرآن فهو في قول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: 1]، وفي قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ﴾ [النجم: 18]. فهاتان الآيتان تدلان دلالة ظاهرة -وإن لم تكن صريحة- على أن النبي لم يرَ ربه ببصره. ما وجه ذلك؟ وجه ذلك أن الله ذكر مِنة نبيه صلى الله عليه وسلم على جهة النعمة والامتنان عليه، أليس كذلك؟ وأبان سبحانه وتعالى أنه رأى من آيات ربه، وقال: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ﴾، وقال: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾، فذكر حاله في مُبتدأه وحاله بعد منتهاه، ومع ذلك لم يقع ذكر الامتنان إلا على رؤية الآيات. قال شيخ الإسلام وغيره: فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه لكان إظهار الامتنان عليه برؤيته لربه أولى من إظهار الامتنان لرؤية الآيات. فلما اقتصر ذكر القرآن على رؤية الآيات، دل على أنه لم يحصل له ما هو فوق هذا المقام وهو رؤية النبي لربه، وهذا استدلال فاضل فقيه في تحصيل دلالة القرآن على عدم رؤية النبي لربه.
وأما السنة فهو ما رواه أبو ذر أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنى أراه. وفي وجه آخر: رأيت نورًا. وكلا الوجهين رواهما مسلم في صحيحه، أن أبا ذر سأل النبي صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنى أراه. هذان وجهان قيل إنهما محفوظان كلاهما، والإمام أحمد في أحد الأجوبة أو في بعض أجوبته، وجملة من أئمة الحديث، ينزعون إلى أن المحفوظ واحد من الوجهين. هذه مسألة فيها سعة، المقصود قوله: نور أنى أراه، كأنه إشارة إلى أن النور حال دون رؤيته، وهذا النور والله أعلم هو حجابه سبحانه وتعالى، فإنه ثبت في الصحيح من حديث أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه. وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الوجه الآخر: رأيت نورًا، أي أنه رأى هذا الحجاب أو نور الحجاب. فعلى كل حال هذا هو قدر هذه المسألة.
مسألة أخرى في باب الرؤية وهي رؤية الكفار والمنافقين لربهم في عرصات القيامة، هل المنافقون والكفار من أهل الأوثان وأهل الكتاب يرون ربهم في موقف القيامة كما يراه المؤمنون أم لا؟ أولاً يقال: هذه المسألة ليست من مسائل الأصول، إنما المسألة الأصل هي مسألة واحدة وهي رؤية المؤمنين لربهم، وأما مسألة رؤية الكفار والمنافقين فليست من الأصول. وإذا قيل أي المسألتين أقوى مقامًا عند أهل السنة: رؤية النبي لربه أو رؤية الكفار؟ رؤية النبي لربه أقوى؛ لأن السلف وأولهم الصحابة لهم قول معروف فيها وهو أن النبي لم يرَ ربه، وهذا يدل عليه ظاهر القرآن والسنة الصريحة. أما رؤية الكفار لربهم فإن شيخ الإسلام قال قولًا قد يكون غريبًا بعض الشيء على بعض الناظرين فيه، قال إن الصحابة لم يُحفظ عنهم قول.
فيما يتعلق بمسألة رؤية الكفار لربهم، هل يرونه أم لا؟ يقال: إن الصحابة لم يُحفظ عنهم فيها قول، وإنما تكلم الناس بعد الصحابة. وعلى كل حال فلأهل السنة فيها أقوال؛ فمنهم من يقول إن الكفار يرون ربهم وإن كانت ليست رؤية نعمة وامتنان، ومنهم من يقول إن المنافقين يرونه دون بقية الكفار، ومنهم من يقول إنه يراه المنافقون وغيرهم من أهل الكتاب كما جاء في بعض أحرف الحديث في الصحيح، ومنهم من يقول إن الكفار جميعاً يرون ربهم. وهذا المذهب هو ظاهر مذهب الأئمة، وهو الذي عليه الجمهور من أصحاب أحمد، وهو الذي يدل عليه ظاهر القرآن في قول الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15]. وهذا هو القول الذي يميل إليه أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وإن كان ابن القيم هذه من المسائل التي خالف فيها ابن القيم كلام الإمام ابن تيمية رحمه الله وكلام شيخه؛ فإن ابن القيم يذهب إلى أن الكفار يرون ربهم، ويجعل هذا عاماً في سائر الكفار، ويستدل على ذلك بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: 6].
وابن القيم يقول إن اللقاء عند العرب كما ذكره ثعلب يفيد الرؤية، وهذا الاستدلال مما فات ابن القيم رحمه الله؛ فإن الذي ذكره ثعلب هو في قول الله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: 44]. واللقاء المذكور في هذه الآية ليس هو اللقاء المذكور في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾. ما الفرق؟ اللقاء في الآية الأولى مقرون بذكر التحية والسلام، وأما اللقاء هنا فإنه مطلق. والذي ذكره ثعلب فهو من اللغة وإجماع أهل اللغة عليه هو في الآية الأولى، فإن ثعلب كان من المنتصرين لأهل السنة وأقوالهم في مسائل أصول الدين. فاعلم أن ما ذكر من كلام أهل اللغة عند قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ قال: إن العرب إذا ذكرت اللقاء مع التحية فإنه مفيد للبصر والرؤية، وأما اللقاء المطلق فإنه لا يفيد هذا، وهو أمر معروف حتى بالعقل والحس أن اللقاء المطلق لا يستلزم أو يتضمن النظر والإبصار. فما استدل به ابن القيم ورآه دليلاً قوياً، وقال إن هذا هو دليل اللغة المطبق عليها، فيه نظر من الإمام ابن القيم، وقد فاته أن ثمة فرقاً بين الآيتين.
فالجمهور من محققي أهل السنة كأمثال شيخ الإسلام، وهو كما نص شيخ الإسلام عليه أنه هو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد، أن الكفار لا يرون ربهم، وهذا هو الصواب الأظهر في هذه المسألة، وإن كانت بعض الأحرف من السنة النبوية قد تشعر بأن الكفار يرون ربهم، فهذه مسألة أخرى. المقصود أن هذه المسائل الثلاث هي المقولة في مسألة الرؤية: رؤية المؤمنين وهي الأصل، رؤية النبي لربه ليلة المعراج، رؤية الكفار لربهم، والمسألتان الأخيرتان ليستا من الأصول. وأما رؤيته سبحانه وتعالى في الدنيا لغير النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، فهذه أجمع عامة المسلمين على بطلانها، ولم يدعِ شيئاً من ذلك إلا أهل الخرافات الذين يدعون أنه يُرى قبل الموت، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت».
موسى لما سأل، قال الله تعالى: ﴿لَن تَرَانِي﴾، وإن كان هذا ليس نفياً عاماً للرؤية أو مطلقاً للرؤية، إنما هو نفي للحال، فإن موسى هل كان يسأل ربه أن يراه في الآخرة أو في الجنة أو في مقام الثواب أم كان يسأل ربه أن يراه في الحال؟ إنما سأل في الحال، وإنما الذي نفي هو محل السؤال، ولهذا قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف: 143] ليس دليلاً للمعتزلة والجهمية ومن يوافقهم على نفي الرؤية، ويقولون إن لن تفيد التأبيد، وهذا ليس بصحيح؛ فإن لن لا تستلزم التأبيد وإن كانت قد تقتضيه بحسب السياق. ولهذا القول الصواب إذا قيل لك: هل لن تقتضي تأبيد النفي؟ قيل الجواب أنها قد تقتضيه، ولا يُنفى لأن البعض إذا أراد الرد على المعتزلة قال إن لن لا تفيد التأبيد مطلقاً، وهذا ليس بصحيح، بل قد تقتضي تأبيد النفي بحسب السياق.
ومما يدل على أنها لا تستلزم التأبيد في سائر المقامات أنه لو كانت تستلزم التأبيد لما جاز تحديد الفعل بعدها بغاية، وقد جاء تحديد الفعل بعدها في كلام العرب وفي القرآن في قول الله تعالى: ﴿فَلَن أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف: 80]. فهذا يدل على أن لن لا تستلزم التأبيد وإن كانت قد تقتضيه، وهذا السياق في قصة موسى لا تقتضي فيه لن تأبيد النفي، لأن السؤال من موسى عليه الصلاة والسلام إنما كان سؤالاً عن الحال.
وهنا من الجواب في هذه الآية أن المعتزلة ينفون رؤية الله وكذلك من يوافقهم من الإباضية وغيرهم الذين دخلت عليهم أقوال الجهمية والمعتزلة، ينفون رؤية الله ويعدون إثباتها نقصاً، ويقولون إن هذا هو المذهب الحق الذي ذكره الله في القرآن في قوله: ﴿لَن تَرَانِي﴾. هنا سؤال لهم: إذا كان إثباتها نقصاً في حق الله، أي إن إثبات الرؤية نقص في حق الله، وأن من كماله أنه لا يرى، وأن من يقول إنه يرى مشبه منقص لله سبحانه وتعالى؛ أليسوا يقولون هذا صراحة؟ يقولون لا يثبت الرؤية إلا المشبهة المنقصون له، فإن كماله ينافي رؤيته. يقال: يلزم على هذا أن يكون موسى عليه الصلاة والسلام أحد رجلين: إما أنه جاهل بما هو كمال الله أو النقص، وإما أن كان متعدياً على ربه. فإن قالوا إنه متعدٍ فهذا طعن في رسالته وفي ذكر الله له بالثناء، وإن قالوا إنه كان جاهلاً فإن جهله هنا إسقاط لرسالته ولنبوته ولاصطفائه، كيف يكون جاهلاً بتوحيد الله؟ لأن القول هنا قول في التوحيد؛ حتى المعتزلة يعدون قولهم بنفي الصفات توحيداً لله، ولهذا سموا نفي الصفات في كتبهم الأصل الأول من أصولهم الخمسة: التوحيد، ويريدون بالتوحيد نفي الصفات.
فإذاً يمتنع أن يكون موسى جاهلاً بما هو من أصول التوحيد أو توحيد العلم والمعرفة، وهو ما يليق بالله وما لا يليق به، ولهذا لا ترى أن الله عاتب موسى على سؤاله. ونوح عليه الصلاة والسلام لما سأل ربه مسألة ليست من الأصول المضطردة في معرفته سبحانه، وهي نجاة ابنه، ماذا قال الله له؟ ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: 46]. هل قيل لموسى ما هو من ذلك؟ مع أن مسألة موسى أكبر قطعاً، فدل على أن سؤال موسى كان من أصله حقاً، ولكنه أمر يتعلق بمشيئة ربه وإرادته، ولهذا قال: ﴿لَن تَرَانِي﴾، وإنما يتفضل على المؤمنين برؤيته إذا وافوه يوم القيامة ودخلوا جنته.
وعليه فقوله تعالى في قصة موسى تراها عند التحقيق تدل على إثبات الرؤية، كقوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: 103]؛ فإن المعتزلة يستدلون بها على نفي الرؤية، والصواب أنها دليل على الإثبات، لأن المنفي هو الإدراك، والإدراك ليس هو مطلق الرؤية، بل هو قدر زائد على أصل الرؤية. ولهذا قال رجل لابن عباس: إن الله يقول ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ويقول ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]، كأن الرجل فهم تعارضاً بين الآيتين، قال له ابن عباس: يا هذا، ألست ترى السماء؟ قال: بلى، قال: أتدركها كلها؟ قال: لا، قال: فالله أعظم. الآن لكل أحد من بني آدم يرى السماء، هل يستطيع أحد من بني آدم أن يقول إنه أدرك السماء طولاً وعرضاً وماهيةً ونفوذاً إلى آخره؟ كلا، فإذاً بين من العقل والحس والنظر أن الإدراك ليس هو محض أو مطلق الرؤية.
قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾، فلما حُجب أولئك في حال السخط، دل على أن المؤمنين يرونه في حالة الرضا. وهذا استدلال ذكره الشافعي ومالك وجملة من السلف، فقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ دليل على إثبات الرؤية للمؤمنين، وإلا لم يكن بينهما فرق.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته». هذا تشبيه للرؤية بالرؤية؛ أي لا ينضم بعضكم إلى بعض، أي لا يحتاج الناس إلى ازدحام. وهذا بين؛ ولهذا لما قال بعض الأعراب للنبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي رزين: يا رسول الله، كيف وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم رؤية ربه، قال: «كيف؟ فهو واحد ونحن كثر»، قال: «سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، هذا القمر كلكم تراه مسمّى به، وهو واحد». فالناس يرون الشمس ويرون القمر ولا يزدحمون ولا يتكلفون ولا يدفع بعضهم بعضاً لرؤيته، مع أن هذا آية يسيرة من آيات الله، فالله سبحانه وتعالى أعظم.
هذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي، فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير. وهنا طعن المعتزلة رداً لهذا الحديث، فقالوا إن حديث «إنكم سترون ربكم» من أحاديث التشبيه؛ لأن فيه «كما ترون القمر» و«كما ترون الشمس»، وهذا غلط جهلاً بمقتضى الكلام، فإن التشبيه هنا ليس تشبيهاً للمرئي بالمرئي، أي ليس تشبيهاً لله بالقمر أو بالشمس، وإنما هو تشبيه لفعل الرائين. هذا هو الفرق، الحديث ليس فيه تشبيه للمرئي بالمرئي، أي لله بالشمس أو القمر؛ تعالى الله عن ذلك فليس كمثله شيء، وإنما فيه تشبيه للرؤية بالرؤية، أي لفعل الرائين. والرؤية الأولى لله والرؤية الثانية للقمر كلاهما من فعل بني آدم، وأفعال بني آدم يجوز التشبيه بينها، فإذاً هو تشبيه لفعل الرائين بعضه ببعض، وليس تشبيهاً للمرئي بالمرئي، وهذا من جهالات المعتزلة في هذا الباب.
ولهذا أكبر قضاة المعتزلة في زمنه، وهو القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني، الذي كتب "المغني في أصول المعتزلة" فيما يقارب العشرين مجلداً؛ ما أساءت علمه بالنظر والعقليات والجدل إلى آخره إلا أنه، وهذا ليس خاصاً به بل هو الشأن في المعتزلة، فهم من أجهل الناس بالسنن والآثار. ولهذا لما أراد الرد على أدلة أهل السنة من الحديث قال إنهم يستدلون بحديث رواه جرير بن عبد الله البجلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنكم سترون ربكم»، قال: وهذا حديث تفرد به جرير بن عبد الله، وتفرد به عن جرير... ثم ساق الإسناد وقال: هو حديث آحاد وفيه مادة من التشبيه، وهذا كله جهل. أولاً: الحديث لم يتفرد به جرير، بل الحديث رؤية بسائر ألفاظه رواه ما يقارب الثلاثين من الصحابة، وحديث أبي هريرة أشهر عند المحدثين من رواية جرير بن عبد الله. فهذا مجموع جهالات من القاضي عبد الجبار المعتزلي.
ومن صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد، لا يكون شيء إلا عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خُط في اللوح المستور. أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه، خلق الخلق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته. قال الله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23].
قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]. وقال الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: 2]. وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾ [الحديد: 22].
يريد الله أن يهديه ويشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً. هذا الفصل عقده المصنف -رحمه الله- لتقرير أصل من أصول الدين، وهو قدره سبحانه وتعالى.
والإيمان بقدر الرب سبحانه وتعالى من أصول الإيمان، كما ذكر ذلك النبي ﷺ في حديث جبريل لما قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره». فهذا من أصول الإسلام وأصول الإيمان. وكما قال ابن تيمية: القدر نظام التوحيد. القدر نظام التوحيد. فهذا من أخص أصول الإيمان والدين، القدر هو قدر الله سبحانه وتعالى، وهو فعله وقضاؤه وإرادته ومشيئته في سائر ما يقع في هذا العالم، وسائر ما يقع في ملكوت السماوات والأرض، وما خلق الله من شيء؛ فهذا قدره سبحانه وتعالى، فلا يقع شيء إلا بإرادته ومشيئته. أصل هذا الباب وهو أن كل شيء في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء هو بتدبير الله وقضائه وإرادته وملكه، أصل هذا الباب مجمع عليه بين المسلمين، لم يقع فيه شيء من النزاع من جهة أصله، وحتى عامة الكفار الذين يقرون بالربوبية يقرون بهذا القدر على وجه الإجمال فيه. وإن كان كما أسلفنا، حتى توحيد الربوبية وإن قيل إن الكفار يقرون به، إلا أنه إيمان بالأصول المجملة، وأما التحقيق فإنه لا يحقق توحيد الربوبية إلا مسلم مؤمن بالله ورسوله، وفرق بين الإيمان المجمل عند المشركين بالربوبية وبين الإيمان المفصل بالربوبية عند المسلمين.
وإنما المسألة من القدر التي كثر النزاع فيها بين أهل القبلة هي مسألة أفعال العباد. هل أفعال العباد تدخل في قدر الله وقضائه؟ أم أنها مختصة بالعباد؟ هذا هو محل الخلاف بين أهل القبلة في الجملة، فأكبر مسألة قدرية تكلم أهل القبلة فيها بقدر من التنازع هي مسألة أفعال العباد؛ طاعتهم ومعصيتهم، وأفعالهم العادية؛ هل يقال إن هذه الأفعال بإرادة الله ومشيئته وخلقه، أم أن العباد يستقلون بها؟ أم يقال إن العباد قد جبروا على أفعالهم ولا إرادة لهم ولا مشيئة؟ هذه هي المسألة التي كثر النزاع فيها.
أولاً: تقرير مذهب أهل السنة في باب القدر. اشتهر في كلام جملة من متأخري أهل السنة أن مراتب القدر أربع: علم الرب سبحانه وتعالى بأفعال العباد، كتابته لها، إرادته ومشيئته، خلقه. هذا القول قول صحيح، ولكن إذا أردت تقرير التمام في مسألة القدر فإن يقال: إن هذه المسألة محصلة بأصول سبعة عند السلف، ومن نص على هذه الأصول الإمام ابن تيمية -رحمه الله-.
الأصل الأول: الإيمان بعموم علمه سبحانه وتعالى بكل شيء في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء، فعلم ما كان وما سيكون. وقد دخل في عموم علمه سبحانه وتعالى بأفعال العباد قبل كونها، فيعلم ما هم فاعلون وما تصير إليه أمورهم وأحوالهم، وهذا الأصل أصل شرعي عقلي فطري؛ ولهذا من أنكر هذا الأصل فإنه يكون كافراً زنديقاً، وهذا الأصل لم ينكره أحد من المسلمين، حتى القدرية من المعتزلة أقروا بهذا الأصل في الإجمال، وإن قيل إن الغلاة من القدرية ينكرون؛ قيل: الغلاة من القدرية هؤلاء الذين يراد بهم من ينكر علم الرب بما سيكون من أفعال العباد ويقولون إنه لا يعلمها إلا عند كونها، هؤلاء ليسوا مسلمين، هؤلاء قوم وكفرهم أعظم من كفر اليهود والنصارى؛ لأنه ماذا بقي لهم من الدين والإسلام والاشتباه والتأويل إذا أنكروا علم الرب بما سيكون؟ هذا إبطال لمقام ربوبية الله سبحانه وتعالى، وإذا بطل مقام الربوبية بطل مقام الألوهية؛ لأن الإله المعبود لا بد أن يكون هو الرب المتفرد بالملكوت والتدبير والعلم والإرادة، فإذاً هذا قول قوم من الزنادقة، وإن نسب لطائفة من القدرية الذين يزعمون الإسلام، فهؤلاء إن زعموا الإسلام هم منافقون. فما منشأ هذا القول؟ قيل: هذا قول قوم من غلاة الفلاسفة الملاحدة، نقل إلى من يزعم الانتساب إلى الإسلام، وهؤلاء كما يقول ابن تيمية إنهم منافقون نفاقاً علمياً بانتسابهم للإسلام، وإلا فهم قوم زنادقة، وقد أجمع السلف على تكفيرهم في أعيانهم، ولا يلزم أن تقام الحجة عليهم؛ لأن الحجة عليهم يعلم ضرورة أنها قائمة، فإن هذه مسألة لا يمكن أن يحصل فيها اشتباه لكونها مستقرة بالفطرة والعقل والشرع.
الأصل الثاني: أن الله سبحانه وتعالى كتب في الذكر -في اللوح المحفوظ- كل شيء، وقد دخل في عموم كتابته سبحانه وتعالى أفعال العباد. وفي حديث عبد الله بن عمر في الصحيح: «أن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة»، وكتب سبحانه وتعالى أفعال العباد قبل وجودهم وقبل خلقهم. هل الكتابة أصل بالعقل والشرع أم عرفناه بالشرع؟ الجواب: بالشرع، يعني هل العقل قبل ورود النص من القرآن يدل على أن أفعال العباد مكتوبة؟ الجواب: لا، وإن كان العقل بعد خبر الله بها لا ينفي شيئاً من ذلك، فإن العقل لا يعارض النقل.
الأصل الثالث: هذا الأصل أيضاً أقر به سواد المسلمين، ولم ينكره إلا قوم من غلاة القدرية، وهو دون الأصل الأول في المقام. الأصل الثالث: أن الله سبحانه وتعالى، أو تقول: الإيمان بعموم إرادته ومشيئته النافذة، فلا يقع شيء إلا وقد أراد الله سبحانه وتعالى وقوعه، ولا يقع شيء في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء إلا بمشيئته، وقد دخل في عموم إرادته إرادته لأفعال العباد؛ طاعة أو معصية، خيراً أو شراً، عبادة أو عادة، كل أفعالهم بإرادة الرب ومشيئته.
الأصل الرابع: الإيمان بأنه خالق كل شيء، الإيمان بعموم خلقه كما وصف نفسه في كتابه بأنه خالق كل شيء. وقد دخل في عموم خلقه سبحانه وتعالى خلقه لأفعال العباد، فأفعال العباد داخلة في عموم خلقه؛ لأن الشيء إما أن يكون خالقاً وإما أن يكون مخلوقاً، ولا شك أن الخالق هو الله وحده وما سواه مخلوق. وهذا من طرق جدل المعتزلة والقدرية المنكرين لخلق أفعال العباد، أن يقال لهم: ما من شيء موجود في الخارج إلا وهو أحد أمرين، إما أن يكون خالقاً وإما أن يكون مخلوقاً، فهذا مخلوق لله سبحانه وتعالى لأنه لا خالق إلا هو، والعباد ليسوا خالقين وإنما هم أهل فعل، والله وصف العباد بأنهم فاعلون، مصلون، مزكون، صائمون، إلى أمثال ذلك. هذا هو الأصل الرابع. الأصل الثالث والرابع أنكرهما القدرية وغيرهم، وهذه هي البدعة التي اشتهرت عند طائفة من أهل القبلة، وهي القول بأن أفعال العباد لم يردها الله ولم يشأها ولم يخلقها.
الأصل الخامس في تقرير مسألة القدر وأفعال العباد: الإيمان بأن للعباد مشيئة وإرادة في أفعالهم، لكنها تابعة لمشيئة الله. الإيمان بأن للعباد إرادة ومشيئة على الحقيقة -وليس على المجاز كما يقول بعض الأشاعرة- ولكنها تابعة لمشيئة الله، فإن الله أثبت إرادة العباد في مثل: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: 28]، ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران: 152]، فذكر أن إرادتهم متنوعة ومتعددة، وذكر أن أصحاب الآخرة بإرادتهم وأصحاب الدنيا بإرادتهم. وهذا المقام أعني مشيئة العباد ينكرها الجبرية الذين يقولون إن العباد مجبورون على أفعالهم، أو من يقارب قول الجبرية أهل الكسب من الأشاعرة. فإذا قيل لك: مشيئة العباد ما قول السلف فيها؟ قيل: السلف فيها وسط بين طائفتين؛ الطائفة الأولى التي تقول إن للعباد مشيئة مستقلة عن مشيئة الله وإرادته، وهذا قول القدرية، والطرف الثاني الجبرية الذين يقولون إن العباد لا مشيئة ولا إرادة لهم، وأهل السنة يقولون -على قول الله تعالى-: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: 28-29] - إن للعباد مشيئة، لكنها تابعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى.
الأصل السادس: الإيمان بعموم حكمته سبحانه وتعالى، وأن سائر أفعاله لحكمة؛ فعذاب المعذبين، وثواب المصلين الطائعين المؤمنين، وما يقع في الكون من الحوادث -وإن ظهر لبعض الناس أنه شر- فإن الشر لا يضاف إليه سبحانه وتعالى؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «والشر ليس إليك». بل كل ما يقع في هذا العالم من الحوادث فإنها لحكمة يعلمها الله سبحانه وتعالى، ولا يكون في ملكه وملكوته سبحانه شراً محضاً، لا خير فيه بوجه من الوجوه أو لا يستلزم خيراً؛ فإن سائر ما يقع إما أن يتضمن خيراً، أو تقول: ما يقع من أفعال الرب سبحانه وتعالى في هذا العالم إما أن يكون خيراً محضاً، وإما أن يكون متضمناً للخير، وإما أن يكون مستلزماً لمقام من الخير. ولذلك مثلاً قتال الكفار للمسلمين؛ قتال الكفار خير أم شر؟ فعل الكفار شر، لكنه استلزم خيراً وهو مجاهدة المسلمين لهم وإقامة ذكر الله وإعلاء كلمته إلى أمثال ذلك، ولهذا إنما شرع الجهاد لإعلاء كلمة الله. وهنا نقول: إن كل ما يقع في هذا العالم فإما أن يكون خيراً محضاً كبعث النبي ﷺ، فهذا خير محض، وإما أن يكون متضمناً للخير كالولد، ولهذا سمى الله الولد أو جعل الأولاد نعمة وجعلهم فتنة، فما هم متضمنون؛ ففيهم تضمن من الخير، وإما أن يكون ما يقع مستلزماً للخير وإن كان في مبدئه أو في ظاهره قدر من الشر. ولهذا لما طعن على عائشة -وهذه مسألة ينتبه لها- أن ما يقع في العالم هو ملك الله سبحانه وتعالى وتدبيره وليس فيه شر محض، ولهذا لما طعن على عائشة بالزنا ورماها المنافقون بالزنا وهي منزهة -رضي الله تعالى عنها-، قد نزهها الله سبحانه وتعالى في كتابه، المقصود ماذا قال الله تعالى؟
إذا أخذنا المسألة الأولى: رمي عائشة بالزنا خير أم شر؟ واضح أن رمي أم المؤمنين بالزنا هذا فيه تعد وشر، ولكن نزل القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [النور: 11]. هل من الخير أن ترمى عائشة؟ أم أن هذا استلزم خيراً؟ نقول: استلزم أو تضمن خيراً. ولهذا دائماً هذه القاعدة: أن كل ما يقع إما أن يكون خيراً محضاً، وإما أن يكون متضمناً أو مضمناً لما هو من الخير كالأولاد، ففيهم خير وهم نعمة وفيهم فتنة وابتلاء، وإما أن يكون على أقل تقدير مستلزماً للخير، وإن كان في مبدئه المختص به صورته صورة الشر، فرمي عائشة بالزنا هو شر، ولا يجوز ومنكر من القول وزور، ومع ذلك قال الله فيه: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم﴾، وهل قال الله لا تحسبوه شراً؟ أم قال لا تحسبوه شراً لكم؟ أيهما؟ الثاني، وهذا في فقه القرآن تأمله، ما قال الله تعالى لا تحسبوه شراً، إنما قال لا تحسبوه شراً لكم، وإن هو منكر وشر، لكنه ليس شراً للمؤمنين، بل حصل فيه من المنافع امتياز المؤمنين لغيرهم وتبرئة أم المؤمنين وتفضيلها وتقديمها، ما هو خير بين. فهذا معنى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «والشر ليس إليك»، وهذه الكلمة تكلف شرحها حتى بعض أهل السنة المتأخرين، وهي من البينات والهدى التي لا إشكال فيها، أن الله سبحانه وتعالى منزه عن الشر، ولا يضاف إليه الشر بحال من الأحوال، وكل ما يقع في هذا العالم مما ظاهره شر ففيه مصلحة وخير من وجه آخر.
الأصل السابع: الإيمان بأن العباد مأمورون بما أمرهم الله به، منهيون عما نهاهم الله عنه، وأنه لا حجة لأحد من الخلق على الله، بل لله الحجة البالغة على خلقه، وهذا المقام هو ما يسمى بمقام الجمع بين الشرع -وهو أمر الله ونهيه- والقدر، وأن القدر ليس حجة على إسقاط الأمر والنهي، وهذه مسألة -أعني مسألة الاحتجاج بالقدر على المعصية- يأتي الكلام فيها إن شاء الله.
هذه الأصول السبعة أصول جامعة لمسألة أفعال العباد ومقامها في قدر الله وقضائه، هذه الأصول السبعة أصول أجمع عليها السلف، وهي أصول جامعة لمسألة أفعال العباد التي حصل فيها النزاع ومقامها في قدر الله تعالى. وترى أن هذه الأصول السبعة خالف السلف بها غلاة القدرية في العصر الأول، خالفوا مجمل القدرية من المعتزلة وغيرهم في الأصل الثالث والرابع، خالفوا الجبرية والقدرية في الأصل الخامس، خالفوا الجبرية الذين ينفون الحكمة في الأصل السادس، خالفوا المنحرفة من الصوفية في الأصل السابع الذين لم يحققوا الجمع بين الشرع والقدر. فهذا امتياز، يعني هذه الأصول هي امتياز أهل السنة عن سائر طوائف أهل البدع في مسألة أفعال العباد.
ومقامها في قدر الرب سبحانه وتعالى. نستكمل بعض مسائل القدر غدا أو الخميس، نعم، السبت إن شاء الله.
أحسنت، هذه الآية يأتي إن شاء الله يوم السبت الكلام عليها، وأن فيها لأهل السنة قولين معروفين: منهم من يقول إن هذا يقع في صحف الملائكة وما إلى ذلك، ويستدلون بحديث: «من أحب أن يبسط له في رزقه». والقول الثاني وهو الصحيح: أن هذا في الشرائع وليس في الأحكام القدرية، بل هذا من الشرع ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 39]، أي من الشرائع، وعنده أم الكتاب الذي هو محكم قدره وقضائه، وأن هذا ليس من باب القدر. هذه الآية الصواب أنها في الشرائع، وأن قدر الله سبحانه وتعالى وما كتبه في قدره لا يدخله محو.
أحسن الله إليكم، هذا سائل يقول: ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تضامون في رؤيته»؟ أي لا ينضم بعضكم إلى بعض، أي لا تزدحمون، لا تتكلفون، لا يلحقكم مشقة.
وهذا سائل يقول: هل يرى المؤمن ربه عند موته؟ إن كان مراد السائل بعد الموت في الآخرة فهو ما سبق، أن المؤمنين يرون ربهم في عرصات القيامة وبعد دخول الجنة. وإن كان المراد أنه أثناء الاحتضار يرى ربه، فهذا ليس له أصل.
أحسن الله إليكم، هذا سائل يقول: هل الرؤيا لعموم المؤمنين أم لطائفة مخصوصة؟ بل هي للمؤمنين، لكل من رضي الله سبحانه وتعالى عنه، فهي عامة للمؤمنين.
أحسن الله إليكم، هذا سائل يقول: ما هو الضابط في مسائل التكفير والتضليل والتبديع؟ هل يكون ذلك في المسائل العقدية فقط أم أيضاً في الأمور الدنيوية؟ أما الدنيوية فلا، وأما الأمور الدنيوية فلا مجال فيها للتبديع والتكفير. وأما الضابط، فالضابط أن تعرف أن هذه المسألة مسألة فقه، ومسألة استقراء في القرآن واستقراء في السنة واستقراء في كلام الأئمة، أن تعرف أنها مسألة لا تحصل بكلمة أو بكلمتين أو سؤال أو سؤالين. تستغرب أحياناً بعض الإخوة يخرج مع أحد الشيوخ أو في درس، وهو في طريقه للسيارة أو في دقيقة يسيرة يقول: نريد قاعدة مطردة في باب التكفير، لا يمكن، ما يمكن، هذه مسائل طويلة لا يمكن أن الإنسان يختصرها في هذا المقام. فالأخ يقول ما الضابط، نقول الضابط: تدرك أن هذه مسألة استقراء وأنها مسألة فقه، أولاً في القرآن، ثم في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم في إجماعات السلف وفقههم، وتستظهر بعض الكتب التي تكلمت عن هذا كالصارم المسلول لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
نعم، دخل إبلاغ من الإدارة أن هناك درساً صباح غد إن شاء الله.
هذا سائل يقول: هل الأشاعرة من الفرق الضالة؟ مثل هذا السؤال يراد بالجواب عنه أحد مقامين: إما أن يراد بالجواب معرفة من البدعة، فإذا أريد هذا المراد وهذا المقصد، كان الجواب عنه واضحاً، أن أبا الحسن الأشعري لم يكن موافقاً لطريقة أهل السنة والجماعة، بل كان معتزلياً، ثم ترك الاعتزال وانتسب لأهل السنة والجماعة وأحب مذهبهم وقصد إلى تحقيقه، لكنه كان كثير الاشتغال سابقاً بعلم الكلام على معرفة مجملة ليست مفصلة بالسنة، ولهذا جاء بمذهب مركب، عن الأشعري إمام المذهب، جاء بمذهب مركب من مادة اعتزالية، ومادة سنية معروفة عند الأئمة، ومادة كلام عبد الله بن سعيد بن كلاب، ومادة اخترعها الأشعري وحصلها اجتهاداً في المذاهب بحسب نظره ومعرفته بمقالات الطوائف، فإنه من أوسع الناس علماً بالمقالات. فجاء مذهبه مركباً من جملة مواد؛ مذهب الأشعري بعد رجوعه لما كان أربعين سنة في الاعتزال، ومن تلاميذ أبي علي الجبائي، ثم أعلن براءته من الاعتزال وكذب المعتزلة في أقوالهم وأظهر الرد عليهم. إلى أي شيء رجع الأشعري؟ اعلم أنه رجع إلى مذهب أهل السنة والجماعة، وهذا هو الصحيح في شأن أبي الحسن الأشعري أنه رجع إلى السنة والجماعة من جهة الانتماء والانتساب والرغبة والإرادة، لكن من جانب الحقائق العلمية هو أراد السنة والجماعة لكنه لم يكن عارفا بتفاصيلها. فدخل عليه جملة من مادة الاعتزال، وبقي عليه شيء من كلام عبد الله بن سعيد بن كلاب، وكان ابن كلاب يعد عند الأشعري من أهل السنة، من متكلمة أهل السنة، وبقي عليه كلام من أثر الطوائف عليه، حصل مادة سنية سلفية، فمذهبه ملفق من هذا المجموع. هل المذهب من حيث المجموع أصبح سلفياً؟
الجواب لا، ليس مذهباً سلفياً أو مذهباً سنياً، يعني مذهب أبي الحسن الأشعري، لكن يبقى أن الأشعري رحمه الله كان قاصداً ومريداً لتحقيق مذهب أهل السنة والجماعة، وهذا هو الصحيح في شأن أبي الحسن الأشعري، لأن الشائع في البحوث المعاصرة ما ذكره ابن كثير، وابن كثير ليس محققاً في هذه المسائل، يقول إن الأشعري كان معتزلياً ثم ترك الاعتزال وصار كلابياً، أي على مذهب عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم ترك مذهب عبد الله بن سعيد بن كلاب وصار سنياً، ويجعلون كتاب الإبانة هي المرحلة الثالثة، اللمع وأمثالها في المرحلة الثانية، وهكذا. هذا ليس بصحيح، بل الصحيح أن للأشعري من جهة الانتماء مقامان من جهة الحقيقة العلمية. من جهة الانتماء والانتساب والرغبة والإرادة والقصد، مقامه الأول من انتساب معتزلي، ثم بعد الاعتزال مباشرة تبرأ من المعتزلة وانتسب لأهل السنة. تقول انتسب لابن كلاب؟ الأشعري ما انتسب يوماً واحداً لابن كلاب، هذه جهة. الجهة الثانية أن الأشعري أساساً كان يرى أن ابن كلاب من عداد أهل السنة، ما كان يرى له امتيازاً، كان يرى أنه يختلف مع المحدثين، هل يعتقد أنه متميز عن أهل السنة والجماعة؟ هذا من جهة الانتماء. من جهة الحقيقة العلمية بقي عليه بقية من الاعتزال، رجل قضى أكثر عمره وقوته العلمية في الاعتزال، بقي عليه مواد اعتزالية، عليه من كلام عبد الله بن سعيد لأن ابن كلاب مؤثر كثيراً في الأشعري، حتى البغدادي يقول شيخنا عبد الله بن سعيد بن كلاب. عليه كلام من الأشعري نفسه مادة تحصيل الأشعري واجتهادات الأشعري عنده مادة من كلام أهل السنة، ولذلك الأشعري إذا تكلم بالمجملات فالغالب أنه يجيد، يقول: ومن طريقتنا الإيمان بالقدر والإيمان بصفات الله، لكن إذا بدأ يفصل لا يعرف يفصل في الغالب إلا على طريقة المتكلمين فيخرج عن دائرة أهل السنة والجماعة.
المقام الثاني أن يكون المقصود من السؤال التقرير لحقيقة المذهب الأشعري، هل هو درجة واحدة أم أنه درجات؟ الصواب أنه درجات، وأن الأشعري خير من أصحابه، والباقلاني خير من الجويني، والجويني أقرب من محمد بن عمر الرازي، وهكذا، فالمذهب الأشعري أيضاً طبقات. مع الأسف أن الذي استمر عليه التقرير عند الأشاعرة هو طريقة المتأخرين، طريقة محمد بن عمر الرازي صاحب المطالب العالية وأمثاله، لو كانوا يقررون على طريقة الإمام الأشعري رحمه الله لكانوا أقرب بكثير إلى السنة والجماعة وإلى مذهب السلف. ابن تيمية ترى أثنى كثيراً على الأشعري، وقال إن أصحابنا الحنابلة يعدونه من متكلمة أهل السنة، وقال عن طائفته إنها أقرب الطوائف إلى أهل السنة والجماعة، فهذا هو ما يمكن أن يقال في شأن أبي الحسن رحمه الله ومدرسته.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين.
الشيخ يوسف الغفيص