الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فهذا هو المجلس التاسع من مجالس شرح لمعة الاعتقاد لابن قدامة عليه رحمة الله، من عقبه الثامن من الشهر الخامس لعام ألف وأربعمائة وأربعة وعشرين.
قال المؤلف عليه رحمة الله تبارك وتعالى: والميزان له كفتان ولسان توزن به الأعمال، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون. هذا مقدار من كلام المصنف قد سبق التعليق عليه.
قال ولنبينا محمد صلى الله عليه وسلم حوض في القيامة ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وأباريقه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً. هذا مما يجب الإيمان به، وهو كما وصف المصنف، وهذه الجمل أو الصفات التي ذكرها المصنف في صفة هذا الأمر جاءت من السنة على التصريح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد حدثنا في حديث متواتر عنه على معنى التواتر المعتبر في الشرع والعقل واللغة واعتبار الأئمة. فحديث الحوض متفق على ثبوته، وقد جاء في الصحيحين وغيرهما من غير وجه.
وإذا قيل: هل ورد ذكره في القرآن؟ قيل إنه ورد ذكره في القرآن على قدر من الإجمال كذكر مقام الشفاعة، فإن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1]. وفي الصحيح عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسماً وهو يضحك، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت علي آنفاً سورة، ثم قرأ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ حتى ختم السورة، فقال: أتدورن ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً. فذكر الكوثر في كتاب الله يتضمن ذكراً للحوض بتفسير النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الآية.
وعليه فإنه يقال إن مما أجمع السلف على الإيمان به وصفته كما ذكر في حديث أبي ذر وجابر بن سمرة وأبي هريرة وجماعة من الصحابة أن طوله شهر وعرضه شهر، وأن آنيته عدد نجوم السماء. وهكذا وصف الرسول صلى الله عليه وسلم تارة بمقدار الزمان كقوله طوله شهر وعرضه شهر، وتارة بالمقدار المكاني كقوله صلى الله عليه وسلم حوض ما بين مقام هذا إلى صنعاء اليمن، كقوله ما بين جرداء إلى أذرح وهما بلدان في الشام، إلى غير ذلك. فهذه أوصاف الحوض كما ذكر.
وإن كان بعض الشراح المتأخرين تكلموا في مسألة المقدار، قالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال طوله شهر وعرضه شهر، وقال ما بين مقامي إلى صنعاء، وما بين مقامي هذا إلى عمان، وما بين جرباء وأذرح كما في ابن عمر، قالوا فبعض هذه المسافات بينها قدر من التفاوت، فأيها الذي يقال؟ هنا بدأت كثير من المتأخرين يقع عندهم شيء من التكلف كما يقع أحياناً في لزوم الجواب عن مثل هذه السؤالات. فمنهم من قال إنه ابتدأ بمقدار ثم زيد، فكان النبي كلما جاءه الوحي بزيادة في قدر هذا الحوض حدث به، فهذا هو وجه تعدد الروايات على قدر من الزيادة في بعضها دون بعض؛ هذا فيما يظهر قدر من التكلف. والعرب إذا تكلمت بمثل هذا الكلام لم ترد بالضرورة المقاييس الدقيقة المطردة من كل وجه، إنما هو إشارة إلى معنى عام وليس بالضرورة يكون إشارة لقضية قياسية دقيقة على طرق الرياضيين والهندسيين. فهذا السؤال وهذا الاستدراك وهذا الجواب في أصله ليس له موجب، وإنما يؤمن بهذه الأحاديث على إطلاقها.
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن قوماً يذادون عن حوضه كما في حديث أبي هريرة ثابت في الصحيح، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: وددت أنا قد رأينا إخواننا. قلنا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد. ولهذا من أدركه وآمن به يسمى صاحباً له، ومن لم يدرك يسمى من إخوانه، قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. قلنا: يا رسول الله وكيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك؟ قال: أرأيتم لو أن رجلاً له خيل غُر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟ بلى، قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غرّاً محجلين من آثار الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم ألا هلم، ألا هلم، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول سحقاً سحقاً.
وفي وجه في صحيح البخاري قال: فيقول أصحابي أصحابي. وإن قال إنهم قد بدلوا بعدك، وهذا الحرف وهو قول أصحابي في هذا الوجه من الرواية تمسك به بعض الشيعة وزعموا أن هذا دليل على ما حصل من نفاق أو ردة الصحابة أو مروقهم عن هديه وسنته إلى آخره، وهذا ليس بشيء، فإن قوله أصحابي لا يراد بالصاحب هنا الأصحاب الذين حققوا الصحبة، وإنما يراد من هم في ظاهر أمرهم من الأمة. وكما أسلفت أنه في كتاب الله سبحانه وتعالى تارة للمنافق يدخل في عموم المسلمين، وتارة كقول الله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ [الأحزاب: 18] فجعلهم مضافين إلى المؤمنين، قال: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأحزاب: 18] فذكر اسم الإخوة هنا مع أن المنافق عند التحقيق ليس أخاً للمؤمن؛ ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ﴾ [التوبة: 67] و﴿الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71]، فهذا التمييز في كتاب الله لا ينافي الجمع في مقام آخر. التمييز في مثل قوله المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، وقوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾ [التوبة: 56] هذا تمييز لا ينافي الجمع المذكور في مثل قوله: قد يعلم الله المعوقين منكم. هنا أحاديث في الصحيح بعض الشيعة أخذوها وأظهروا شبهاً على مذهب أهل السنة ولا سيما في بعض الصحابة، هذا سيأتي إن شاء الله التعليق عليه في الكلام عن كلام المصنف عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
قال رحمه الله: والصراط حق يجوزه الأبرار ويزل عنه الفجار. مما يجب الإيمان به الصراط، وهو ينصب على متن جهنم ويمر عليه الناس، وهو قول الله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: 71]. فإن المراد بورودها هو المرور على الصراط، وهذا هو الصحيح في تفسير الآية. وأما من قال إن الورود هو نفحة من لفحات النار أو ما إلى ذلك فهذا ليس بصحيح، فإن المؤمنين الأبرار المتقين من الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين لا شيء من أثر النار عليهم وإن كانوا يمرون على الصراط.
وهذا حديث أيضاً متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم أن العباد يمرون على الصراط فيمر أولهم على صورة القمر، ثم ذكر أحوالهم، وذكر مقدار مرورهم مرور الريح، وأجاويد الركاب وما إلى ذلك. ومنهم من يدركه الصراط فيقع في نار جهنم، ومنهم من يتعثر فيلحقه مقام من الشفاعة، وذكر عليه الصلاة والسلام أن الأمانة والرحم تقومان جنب الصراط، وأن الأنبياء والمرسلين يقولون: اللهم سلم سلم. فهذه أحوال من أحوال الصراط يجب الإيمان بها، ولكن كما سبق في القاعدة أنه يوقف على حرفها الصريح فقط، وأما المعنى الذي لم يتضمنه الحرف الصريح مما يفيد العقل الاستفسار عنه فإن الواجب السكوت.
هذه جهة، جهة أخرى أن الصراط على وجه بالتحديد وكذلك بعض هذه المسائل قد روي فيه روايات منكرة في بعض كتب الرواية ولا سيما في كتب الواعظين وذكر الجنة والنار والمآلات وما إلى ذلك، ذكر في الصراط روايات منكرة في صفته وفي هيئته وما إلى ذلك، فهذا يجب أن يعتبر فيه ما ثبت ثبوتاً بيناً، وأما ما تردد في ثبوته فإنه يسكت عنه.
قال: ويشفع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر. نعم، شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ثابتة في الكتاب والسنة والإجماع، وله صلى الله عليه شفاعات أعظمها وأجلها الشفاعة العظمى، وهي شفاعته لأهل الموقف أن يفصل بينهم، وهذه سبق ذكرها وشيء من حديثها، وهذه الشفاعة العظمى أجمع عليها المسلمون سنتهم وبدعتهم، أجمعوا على ثبوتها، ذكرها في السنة متواتر، وفيها مجمل من القرآن، وهو قول الله تعالى: ﴿عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]، فإن المقام المحمود هو الشفاعة العظمى.
هذه الشفاعة الأولى وهي الشفاعة العظمى، وله صلى الله عليه وسلم شفاعات، وهي شفاعته في أهل الكبائر، وشفاعته في أهل الكبائر على وجهين: الوجه الأول شفاعته فيمن دخل النار من أهل الكبائر أن يعجل خروجه منها، وهذا أفصح من أن تقول أن يخرج منها؛ فإن كلمة يخرج كأن الشفاعة لو لم تدركه لبقي، وهذا ليس بصحيح، فإنه جميع من يخرج النار لا يخرجون بشفاعة الأنبياء، إنما يخرجون من النار بوعد الله سبحانه وتعالى أنه لا يخلد في النار إلا من كفر به. فإذا قيل إن صاحب الكبيرة ليس مخلداً في النار فما معنى الشفاعة له؟ قيل معناها أن يعجل خروجه منها قبل استتمام عذابه الذي قضاه الله وعيداً عليه، وهذا هو معنى الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم. وليس معناه أن الشفاعة لو لم تدرك لبقي وخلد في النار، فإنه لا يخلد في النار إلا الكفار.
هذه الشفاعة ثابتة بحديث متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أبي سعيد الخدري في مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس منكم أصابتهم النار بذنوبهم أو بخطاياهم، فأماتهم الله إماتة، حتى إذا صاروا فحماً أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة إلى آخره. فهذه أحاديث من حديث أبي سعيد وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري في الصحيحين وغيرهما تدل دلالة صريحة على ثبوت الشفاعة وخروج أهل الكبائر من النار، وفيها تصريح بدخول طائفة وخروجهم، هذا وجه في شفاعته منصوص عليه في صريح السنة.
هناك وجه آخر، وهو شفاعته فيمن استحق أو استوجب النار من أهل الكبائر ألا يدخل فيها، فإن الوجه الأول شفاعته فيمن دخل النار، والوجه الثاني شفاعته في قوم من أهل الكبائر استوجبوا دخول النار فيشفع ألا يدخلوها. وقد شفع في الثاني ألا يدخلوا النار تعجيلاً لرحمتها، شفاعته في تعجيل خروجهم كما في حديثه صريح مفصل متفق على ثبوته. أما الوجه الثاني فهو شفاعته لمن استوجب النار ألا يدخلها، فهذا يدل عليه عموم أحاديث الشفاعة كقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الصحيح: أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه. وفي حديث يرويه سبعة عن النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، وإن كان حديث فيه كلام لكن من أهل العلم من اعتبره. الشاهد أن هذه العمومات عموم شفاعته لأهل الكبائر تدل على أنه يشفع فيمن استوجب الدخول ألا يدخلها، وإذا كان عليه الصلاة والسلام شفع فيمن دخل النار، فلا شك أن من لم يدخل النار أقرب إلى هديه وإلى سنته ممن دخله، فإن الله لا يظلم مثقال ذرة، الذين لم يدخلوا النار لا شك أنهم أقرب إلى العفو وإلى الرحمة وإلى الاتباع ممن دخل النار، وعليه فإن هذه الشفاعة شفاعة ثابتة، وهي داخلة في كلامه، ولهذا ما ذكره بعض أهل العلم كالإمام ابن القيم رحمه الله لما قال وهذا النوع من الشفاعة ليس به صريح إلى آخره، هذا ليس على إطلاقه، هذه الشفاعة ثابتة هي ثابتة بإجماع أهل السنة والجماعة وليست مما ينكره بعض المتأخرين أو بعض أهل العلم، فإن السلف إذا ذكروا الشفاعة لأهل الكبائر أرادوا بها هذا وهذا، والنصوص أرادت هذا وهذا، وإن كانت النوع الأول أفصل في النصوص أكثر.
فإذاً الشفاعة لأهل الكبائر تكون على وجهين. هذا النوع من الشفاعة أنكره الخوارج والمعتزلة بناء على أصلهم الفاسد أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، وعن هذا أنكروا هذه الشفاعة، وأقر بها جمهور المسلمين وهي إجماع عند أهل السنة والجماعة.
وإذا قيل هل ثبت هل جاء ذكرها في كلام الله؟ قيل جاء ذكرها في القرآن مجملاً، إذا جاء ذكرها في القرآن مجملاً في ذكر الشفاعة التي أذن الله سبحانه وتعالى بها لمن يشاء ويرضى، هذه الشفاعة ليست خاصة برسول الله صلى الله عليه.
بل تكون له وتكون لغيره من الأنبياء والمرسلين، ومن شاء الله من الصديقين والصالحين. ولكن كل شفاعة قيل إنها ليست خاصة به، فإن حظه فيها ومقامه فيها أتم من مقام غيره، ومقامها في هذه الشفاعة أتم من مقام الأنبياء؛ فهم لا يعادلونهم.
هذا نوع من الشفاعة، ومن شفاعته صلى الله عليه وسلم شفاعته في أهل الجنة أن يعجل دخولهم، وأن ترفع درجاتهم، فهذان وجهان من الشفاعة لأهل الثواب، كما أن له عليه الصلاة والسلام وجهين من الشفاعة لأهل العقاب، إذ له وجهان من الشفاعة في أهل الثواب ووجهان من الشفاعة في أهل العقاب من أمته ومن استوجب العقاب من أمته.
شفاعته في أهل الثواب على وجهين: الوجه الأول أن يعجل دخولهم الجنة، والوجه الثاني أن ترفع درجاتهم. وهذه الشفاعة أقرها المعتزلة والخوارج في الجملة، ليس فيها نزاع مشهور بين أهل القبلة، وإن كان بعض غلاة أهل البدع أنكرها، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام، ونقل عن بعض من الوعيدية الإنكار لمثل هذا النوع من الشفاعة. وإذا قيل إنكارها ففي الغالب أن إنكارها على أصول المعتزلة أظهر منه على أصول الخوارج؛ لما؟ لأن المعتزلة يعتبرون في أصولهم أن الثواب والعقاب على مبدأ المعاوضة، ومن هنا يمتنع عندهم الزيادة والنقص فيه؛ لأنهم يعتبرونه من جنس المعارضة، ولهذا يترددون في مسألة الزيادة والنقصان فيه لأنهم يعتبرون هذا من باب الظلم. إذا زيد أحد فإنه نقص لغيره أو عدم عدل مع إلى آخره، فإذاً على أصول الغلاة من المعتزلة ينفون هذا النوع من الشفاعة. ما وجه هذا التخريج؟ أنه على مبدأ المعارضة عندهم في العمل أو في الثواب والعقاب، أما جمهور المعتزلة وهو الذي عليه جمهور المسلمين فضلاً عن كونه إجماعاً لأهل السنة فهو إثبات هذا النوع من الشفاعة.
إلى هذه الشفاعة الثالثة؛ الشفاعة الأولى الشفاعة العظمى، الشفاعة الثانية الشفاعة لأهل الكبائر، الثالثة لأهل الجنة، وهذه الشفاعة الثالثة يقال فيها ما يقال في الثانية إنها ليست خاصة برسول الله بل تكون له ولغيره، ولكن مقامه أتم.
الشفاعة الرابعة وهي شفاعته صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب، وهذا خاص به، فليس هناك نبي أو رسول أو غيرهم يشفع لكافر، فإن الكفار محجوبون عن الشفاعة، ولقول الله تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: 48]. أما أبو طالب فإن النبي صلى الله عليه وسلم اختصه بهذه الشفاعة، ووعد من الله، وإذا قيل إن هذا الحديث معارض لظاهر القرآن قيل ليس بصحيح، وإن هذا من باب هكذا يقال، والصحيح أنه ليس من باب التخصيص، وهذا الباب لا يدخله الخاص في العام، إنما حال أبي طالب حال معين، الذي ذكر في القرآن هو مسألة العذاب من جهة رفعه، وأما من جهة درجات العذاب فإن هذا لم يذكر شأنه في القرآن.
فإذاً هل أبو طالب تحصن له بالشفاعة عدم العذاب؟ الجواب: إنما تحصن له قدر من ماهية العذاب، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». فإن العباس لما قال له كما في الصحيح: هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: «نعم، هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». وهنا الحقيقة في حديث أبي طالب سؤال، أنا أذكره وإن لم يلزم أن يذكر الجواب: هل النبي صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يخفف عذاب أبي طالب وشفع له شفاعة معينة فأجاب الله سبحانه سؤال نبيه فخفف العذاب عن عمه؟ أم أن الله سبحانه وتعالى قضى لأبي طالب هذا القضاء بسبب النبي صلى الله عليه وسلم أو بحاله مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ لاحظتم الفرق بين الأمرين؟ هل النبي صلى الله عليه وسلم سأل ربه الشفاعة لأبي طالب وأن يخفف عذابه وما إلى ذلك، أي طلب وشفع إلى ربه في عمه فأجابه الله إلى ذلك فخفف عنه العذاب، أم أن الأمر هو أن الله قضى لأبي طالب هذا القضاء بسبب حاله مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن كان الرسول لا يلزم أنه سأل ربه ذلك، لكن الله أخبره أن عمه على هذا القدر من العذاب بسببه، ولولا مقامه مع رسول الله لما كان على هذا القدر من العذاب؟
لاحظتم الفرق بين الأمرين؟ الأصل والمناسب لأصول الشريعة أن هذا هو قضاء الله، إلا إن جاء نص صريح في السنة يبين أن النبي شفع وسأل ربه لعمه سؤالاً مختصاً فأجيب إليه، فإن قوله عليه الصلاة والسلام للعباس لما قال هل نفعت أبا طالب بشيء؟ قال: «نعم، هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار»، لا يلزم من هذا أنه كان هذا عن سؤال، ما كان هذا عن إخبار من الله للنبي في شأن عمه، وبين الله لنبيه أن هذا بسبب حاله مع رسوله، فإذاً ثمة احتمالان، الأصل ومظاهر النصوص الثابتة أو ظاهر بعض النصوص في الصحيحين هو أن هذا من قضاء الله المحض الذي ليس فيه شفاعة، ولكنه قُرِن بسببه. فإذاً ما درج عليه شفاعته، هذا فيها لفظ، لكن نقول هذا معتبر بثبوت نص، إن ثبت نص صريح في أن النبي شفع قيل هذه شفاعة بينها، وإن لم يثبت قيل هذا قضاء الله ولكن ذكر سببه وهو مقامه مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الفهم إذا لم يوجد نص هو الذي يُصار إليه، وهذا الفهم هو الذي يُصار إليه ولا يُصار إلى غيره، وهو كما هو مذكور الحديث ليس إخراجاً من النار وإنما هو تخفيف من شأن عذابه، وتخفيف من شأن عذابه. وهذا دليل على أنها مطالب، خلافاً لما زعمته بعض طوائف الشيعة أنه كان مسلماً أو أنه أسلم إلى آخره، فإن هذا كله من الكذب الذي ليس بشيء.
نعم، قال فيخرجون بشفاعته بعد ما احترقوا وصاروا فحماً وحمماً فيدخلون الجنة، باختصار أن مسألة أبي طالب تتبع في النصوص، إذا ما صح فيها نص بذكر الشفاعة فلا تعد من مسائل الشفاعة، تعد من قضاء الله المختص بأبي طالب. وأما إبراهيم فإنه يشفع لأبيه كما ثبت في الصحيح في حديث أبي هريرة، يلقى إبراهيم النبي أباه آزر، فيقول إبراهيم لأبيه: ألم أدعك؟ أو جملة نحو هذا، فيقول أبوه: أعصيك، فهنا يشفع إبراهيم ويقول: يا ربي إنك وعدتني ألا تخزيني يوم يبعثون، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقال له يا إبراهيم انظر، فينظر إلى تحت قدميه فإذا هو بضبع متلطخ -أي أن صورته صورة آزر تقلب إلى هذا- فيقول إبراهيم: بعداً بعداً، فيسحب بقوائمه إلى النار. فما تقبل شفاعة نبي أو رسول في أحد من أقاربه أو من غيره، إنما هذا خاص بأبي طالب، والأظهر أنه قضاء من قضاء الله سبحانه وتعالى وليس عن شفاعة، وهذا هو الأنسب للأصول وهو المناسب لظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾، وفي قول الله تعالى في شأن أبي طالب: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾، وإن كان هذا في الاستغفار، وفي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي»، فالأظهر هو المناسب لأصول الرسل، ألا تروا في قصة نوح مع ابنه أنهم ما كانوا يشفعون في الكفار، وإنما هذا قضاء قضاه الله في شأن أبي طالب، ولهذا لك أن تقول فيه إن فيه اختصاصاً في شأن أبي طالب؛ لأنه قد يقول قائل: وغيرهم من الكفار الذين لهم بعض الحسنات هل يخفف عذابهم بحسناتهم؟
كمن يبذل المال أو يبذل العتاق أو يبذل بعض وجوه الخير؟ يقال هذا هو وجه اختصاص أبي طالب، فإنه صلى الله عليه وسلم قال في حديث أنس الذي رواه مسلم وغيره: «إن الله لا يظلم مؤمناً حسنةً يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها». فما هو هذه الرواية؟ أو صريح حتى أن الكافر صاحب الحسنات، والمراد بالحسنة هنا ماذا؟ الشريعة، الخير، والكافر قد يصدر منه خير، لا يلزم أن الكفار ما يعرفون الخير، الله يقول: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114]. هذه كلها أوجه من الخير تصدر من المسلم ومن الكافر، ولهذا قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي في الآخرة، ولهذا الكافر قد يفعل الخير على مثل هذا الوجه، قال: «وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة تجزى بها». أبو طالب حسنة لم تكن لوجه الله سبحانه وتعالى، حسنة مع الرسول كانت حسنة قرابة وصلة إلى آخره من أوجه المقاصد عند أبي طالب، لم يجز عليها في الآخرة، أو جزي عليها في الآخرة. هذا الحقيقة فيه تفصيل، هو لم يجز عليها جزاء الثواب، وإنما جزي عليها بالتخفيف، جزي عليها بالتخفيف.
قال: ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات. قال تعالى: ﴿وَلِسَائِرِ الْأَنبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ﴾، كلمة المؤمنين ليس يراد بها أن جميع أعيان المؤمنين يشفعون، فإن هذا ليس بلازم، وإنما من يقول الله له سبحانه وتعالى بمقام من الشفاعة على شرطها في كتاب الله وهو إذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع له. وهذه الآية استدل بها الخوارج والمعتزلة على نفي الشفاعة، وهي: ﴿إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ﴾ [النجم: 26]. قالوا: هذا دليل على أنها لا تكون لأهل الكبائر، بل تكون لأهل الثواب في رفع الدرجات، كذلك لم؟ قالوا: لأن شرطها أن يأذن الله وأن يرضى، الإذن للشافع والرضا عن المشفوع له، قالوا: وصاحب كبيرة ليس مرضياً عند الله لكبيرته. من يجيب عن هذا الإيراد؟ قالوا إن الله يقول: ﴿إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ﴾ أي ويرضى عن المشفوع له، وصاحب الكبائر ليس مرضياً عند الله، وإنما عندهم صاحب الثواب فهذا هو الذي يشفع له في رفع درجاته، فإن الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه الأبرار الصالحون الذين ذكرهم الله في مثل قوله: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18]، وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100].
فالفجار والفساق وأهل الكبائر ليسوا ممن رضي الله عنهم. ماذا يجاب؟ يقال هذا نفس القاعدة أن الأسماء والأوصاف والإضافات في كتاب الله بحسب مواردها، الرضا هنا يراد بالرضا عن أصل التوحيد، الرضا أي مفارقة الكفر، فإن صاحب الكبيرة هل يقال إن الله لم يرض عنه مطلقاً أم أن الله رضي عنه توحيداً وإسلامه الأصل؟ فبقدر ما يقال إنه ممن غضب الله عليه إلا أن له حالاً من الرضا. فإذا كانت كبيرته هذه هي المعادلة العقلية إن صح التعبير، إذا كانت كبيرته موجبة لغضب الله، فإن حسنته أوجبت لرضاه. هذا هو الجواب عنه، من قال إنه قد غضب عليه بالكبيرة قيل فلم لم يرض عنه بالطاعة؟ فإن الله إنما يرضى عن أهل من لماذا رضي عن الصحابة؟ لأنهم أصحاب حسنات، ولماذا غضب على الكفار؟ لأنهم أصحاب سيئات محضة، فإذا اجتمعت حسنة وسيئة فمن قال إنه يستحق الغضب وليس يستحق الرضا، فإن موجب الغضب هو السيئة وموجب الرضا هو الحسنة، وصاحب الكبيرة كما له سيئة إلا أن له حسنة أعظم من سيئاته.
قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ﴾ وقوله: ﴿وَيَرْضَىٰ﴾ هذا إبادة لامتناع الشفاعة في حق من؟ في حق الكفار، هذا إبادة هو معنى قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. قوله: ﴿وَيَرْضَىٰ﴾ هو بمعنى قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: 28]، ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين.
والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، فالجنة مأوى أوليائه والنار عقاب لأعدائه. نعم الجنة والنار مخلوقتان الآن، وغلط من قال من أهل البدع إنهما تنشئان عند موافاة الناس، من الصواب الذي قضت به النصوص ويجمع عليه السلف أن الجنة والنار مخلوقتان، والنبي عليه الصلاة والسلام رأى ذلك في منامه، وجاء ذكر ذلك في السنة وفي الكتاب على التصريح، ومسألة دوام الجنة هذا مجمع عليه بين السلف إجماعاً قطعياً بين أهل السنة والجماعة، بل عليه عامة المسلمين، وحكى إجماع سائر المسلمين عليه. ومن شذ في كيف إنما هو من ضلالات ومن قد يفرض ضلاله أو شذوذه من أهل البدع، أما مسألة النار فإنها كذلك على التحقيق أن النار دائمة كدوام الجنة، وكان جهم بن صفوان لا يذهب إلى دوامها، وكذلك أبو الهذيل العلاف، وإن كان بين قول الجهم وبين قول أبي الهذيل العلاف فرق معروف في كتب المتكلمين. فهذان القولان من أقوال أهل البدع، أعني قول جهم بن صفوان وقول أبي الهذيل العلاف من أساطين المعتزلة، وهناك قول انتصر له انتصاراً.
أما فيما يتعلق بابن القيم رحمه الله في كتابه "حادي الأرواح"، فهل يقول بفناء النار أو لا يقول بفناء النار؟ هنا مسألة، فأولاً القول الذي قصده ابن القيم ليس هو قول ابن هذيل، فضلاً عن كونه قول جهم، فإذاً عندك ثلاثة أقوال: قول جهم، والقول الذي ذكره ابن القيم في "حادي الأرواح". يجب أن يُعرف أن بين الأقوال اختلافاً، فأشدها قول جهم، ثم أقل منه قول ابن هذيل العلاف، وهذان القولان من أقوال أهل البدع المعروفة.
المهم، فقه مسألتين: المسألة الأولى أن القول الذي أشار إليه ليس قول ابن هذيل وجهم، وهذه مسألة. المسألة الثانية أن يفقه أن ما جمعه ابن القيم في "حادي الأرواح" من الآثار السلفية والأدلة، وأن هذا قول معروف عند كثير من السلف، هذا فيه زيادة؛ إن صح فهو اجتهاد لابن القيم، أما أن عمراً وجماعة من الصحابة وكباراً من أئمة التابعين وغيرهم كانوا يقولون بهذا القول، وهذا عليه ظواهر النصوص إلى آخره، وافترق فيه السلف إلى فريقين إلى آخره من تعبيرات ابن القيم رحمه الله، فهذا فيه زيادة. المسألة لم تكن بهذا أبداً عند السلف أن فيها فريقين، وأنهما طائفة من الصحابة قالت كذا وطائفة قابلتها ثم التابعون ثم إلى آخره، هذا تصوير زائد في المسألة؛ إنما هذا قول يسير من أهل العلم فهموا هذا الفهم، وابن القيم مال إليه في هذا ميلين، وإن كان قد يقال إنه صرح فيه، لكن فيما يظهر لي أنه ميل أو مقاربة أكثر منه إلى التصريح، فإنه يقدم ثم يحجم رحمه الله عن التصريح والجزم.
وهو في كتابه "الوابل الصيب" لما ذكر هذه المسألة، نص على أن مذهب أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان ولا تبيدان، ذكر هذه الجملة في "الوابل الصيب" جملة مجملة. هل ابن القيم رحمه الله اعتبر القول الذي ذكره في "الوابل" وكان متردداً في الثاني الذي ذكره في "حادي الأرواح"؟ هذه مسألة محتملة، هل هنا أجمل وهناك فصل؟ هذا كله وارد. وهنا كنتيجة نقول إن القول الذي تشير إليه ليس هو القول الذي عليه أبو الهذيل ومن جاء من صفوان، ولهذا من رد على ابن القيم رحمه الله وقال إن قوله هذا هو قول أبي الهذيل وقول جهم بن صفوان، فهذا غلط على ابن القيم، وزيادة عليه رحمه الله، والعدل واجب، والإنصاف لزوم. هذه جهة.
الجهة الثانية أن ذكر ابن القيم رحمه الله للآثار السلفية وانقسام أهل السنة إلى آخره، المسألة ليست بهذا القدر، لم تشع الخلاف فيها في كتب أهل السنة الأولى ولا بينها، إنما ظاهر كلامهم المنقول عنهم هو الدوام كما هو ظاهر كتاب الله وسنة نبيه. هذه مسألة ثانية. مسألة ثالثة، أن ابن القيم نفسه هل يقول بهذا القول؟ هذا فيه تردد، فإن كلامه في "الحادي" يجزم أو يكاد يقدم ثم يتردد، وكلامه في "الوابل الصيب" على إجماله فيه نوع من التردد الزائد أيضاً.
هنا مسألة رابعة حتى ننتهي من هذه المسألة: هل ابن تيمية رحمه الله يقول بهذا القول؟ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ليس فيها ذكر لهذا القول أبداً، كتب شيخ الإسلام ليس فيها ذكر لذلك، إنما هناك رسالة منسوبة لشيخ الإسلام ابن تيمية فيها جزم وتصريح بهذا القول، هذه الرسالة حُققت وهي منسوبة لشيخ الإسلام وهي غلط عليه لا تصح عنه. هذه جهة، ابن القيم رحمه الله يقول إن شيخنا شيخ الإسلام يذكر هذه المسألة ويقول إن فيها خلافاً معروفاً، فهو يشير إلى أن ابن تيمية يذكر تارة الخلاف. نعم، ابن تيمية ذكر ابن القيم ولا يمكن أن يكون غلط عليه، نعم يذكر الخلاف، لكن هل يلزم أن شيخ الإسلام يذكر الخلاف بنفس الدرجة التي يصورها الإمام ابن القيم؟ هذا فيه نظر؛ وشيخ الإسلام في كتبه نص في مواضع كثيرة على أن الجنة والنار لا تبيدان ولا تفنيان، وذكر هذا إجماعاً عند أهل السنة والجماعة، وأن خلافهم أقوال أهل البدع، وما نطق بحرف في كتبه المعتبرة المضبوطة عنه، ما نطق بحرف واحد في أن النار تفنى. فزعم الجدل أن ابن تيمية رحمه الله يقول بفناء النار، فهذا اجتهاد قد انفرد فيه وفاته فيه شيء، أمره يسير يكون من المسائل المشكلة على طالب العلم.
نعم، قال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108]، وقال: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: 74-75]، ويؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار ثم يقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت. نعم، هذا أيضاً من الأحكام الغيبية التي يؤمن بها؛ أن الموت يؤتى به في صورة كبش، كيف ذلك؟ هذا من جنس قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي أمامة في الصحيح: «تجيء البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف». مع أن القرآن ومنه سورة البقرة هو كلام الله، هذا ليس معناه أن كلام الله ينقلب إلى أعيان مخلوقة، فإن كلامه سبحانه وتعالى صفة من صفاته في هذه الدنيا، وإذا قام الناس إلى ربهم سبحانه وتعالى، فكلامه هو صفة من صفاته في الحالين، وإنما هذا هو ثوابهما، وإنما الذي يجيء ثوابهما. نعم.
قال: ومحمد رسول الله، من صفات الله سبحانه وتعالى لها أثر، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق رحمة أنزل منها رحمة واحدة وأبقى تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها يوم القيامة»، قال: «أنزل منها رحمة واحدة فبها يتراحم الناس، وبها تعطف الوحش على ولدها»، قال: «إن الله خلق»، فصرح بلفظ الخلق، وذكر في الرواية لفظ الخلق مع أن رحمة الله صفة من صفاته ليست مخلوقة، وهذه قاعدة أشار إليها شيخ الإسلام، وإن كانت الرواية في صحيح مسلم ليس فيها ذكر الخلق، إنما فيها أن لله مائة رحمة، وفي رواية عند مسلم: «إن الله خلق»، ومنهم من قال بشذوذها وهذا لا أصل له من جهة المتن، فإن ابن تيمية رحمه الله ذكر قاعدة أن الاسم قد يذكر ويراد به الفعل الذي وصفه، وقد يذكر الاسم ويراد مفهومه، وهذا هو أثر من آثار هذا الاسم، كتسمية المطر من رحمة الله، وهذا أثر عن رحمة الله سبحانه وتعالى. نعم.
قال: ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وسيد المرسلين، لا يصح إيمان عبد حتى يقر برسالته ويشهد بنبوته، ولا يقضى بين الناس في هذا ركن في الديانة. وهنا مسألة تكلم عنها كثير من متأخري أهل العلم، وهي من شهد أن لا إله إلا الله ولم يشهد أن محمداً رسول الله، فهل يقال إنه بشهادة لا إله إلا الله دخل الإسلام فيعتبر مسلماً، أم يقال إنه لا يدخل الإسلام إلا بالشهادتين معاً؟ فإن قيل هذا الخلاف له ثمرة يفرضونها؛ كان له ثمرة. مثال هذه الثمرة: يقولون لو قال لا إله إلا الله ومات وهلك، أما مرضاً أو زهوقاً لنفسه أو قُتل وما إلى ذلك، فهل يقال إنه مات على الإسلام أم لا؟ أم لابد أن يكون قال لا إله إلا الله وشهد أن محمداً رسول الله؟ هذه المسألة يصورون لنا هذه الثمرة، والحق أن هذه المسألة، هذه الثمرة إن صح التعبير نظرية، وإلا فالمسألة كحقيقة سنة واحدة، المسألة حقيقة علمية مسألة واحدة، إلى أنه لا يثبت الإيمان والإسلام إلا بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
لكن هل يلزم على هذا أن من قال لا إله إلا الله وقصد بها الديانة والدخول في دين الإسلام والبراءة من الكفر، وهو على إقدام في قلبه بذكر ماذا؟ بذكر شهادة أن محمداً رسول الله، أو قصد بـ "لا إله إلا الله" التسليم لهذا التوحيد وبمن جاء به نبياً رسولاً وهو محمد عليه الصلاة والسلام؛ من قال هذه الكلمة وقصد معنى شهادة أن محمداً رسول الله في ظلها، هل نقول دخل في الإسلام؟ هذا دخل في الإسلام بالإجماع، ومن حكى أن المتأخرين لهم خلاف في هذا، هذا ليس بصحيح، لأنك تقول إن لا إله إلا الله أليست تتضمن الدين جميعه؟ أليس كذلك؟ أليس لا إله إلا الله تتضمن الإيمان برسول الله؟ ولهذا يقال: من كفر برسول الله فقد كفر بالله. فإذاً هذا يقال بحسب المعاني القائمة في القلب. من قال لا إله إلا الله ولم يقصد الإيمان برسوله، وإنما قال أنا أؤمن بالتوحيد، أو هو يؤمن بالتوحيد دون أن يلتزم بشريعة محمد، أو يكون على شريعة غيره أو ما إلى ذلك، هذا هل يكون مسلماً؟ لم يكن مسلماً.
أجيب حتى تكون المسألة بينة في الذهن: من قال لا إله إلا الله ولم يقصد، بل قصد بذلك أن يفرد الله بالعبادة لكن لا يؤمن برسوله محمد عليه الصلاة والسلام، نقول: أسلم ولم يسلم؟ لم يسلم. لِمَ؟ كثير من المتأخرين يقول لأنه لم يصرح بأن محمداً رسول الله أو لم يقل بشيء، الصواب أنه كفر، لأن قوله "لا إله إلا الله" ليست صحيحة، يعني من يقول لا إله إلا الله ولا يؤمن برسول الله، شهادته بالتوحيد شهادة باطلة، لأن معنى لا إله إلا الله أن الله هو المعبود بما شرع، أن الله هو المعبود وحده بما شرع. فكان من يقول بالتوحيد دون شريعة محمد، فحقيقة قوله أن الله معبود بما هوى وليس بما شرع الله، والتوحيد شريعة وإخلاص، ولهذا من عبد الله لا يكون عابداً له، من اخترع له عبادات وقصد من التقرب، لا يكون العياذ بالله. ولهذا هذا فرض نظري، ولهذا كل من انسلخ من الشريعة لم يكن محققاً للإخلاص والتوحيد لله إلا من أصحاب الشرائع النبوية، ولهذا من فسدت شريعته في أصولها فسد توحيده، كاليهود والنصارى، فإنها لما فشلت شريعتهم دخل عليهم الشرك. فإذاً كلمة لا إله إلا الله تتضمن الرسالة النبوية، وكلمة الرسالة النبوية تتضمن التوحيد، وعليه فإذا قيل هل يدخل الإسلام بلا إله إلا الله؟ أو بالثانية معها؟ قيل هذا بحسب المقامات والمعاني.
ولهذا الدليل على غلط من يقول من المتأخرين أنه لابد من ذكر محمد رسول الله، نقول: نعم، لا شك أن من لم يؤمن برسول الله كافر، وأن الشهادة له صلى الله عليه وسلم بالرسالة واجبة معنىً ورسماً، أم معنىً فقط؟ واجبة وركن في الإسلام معنىً ولفظاً، والإسلام بُني على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لكن السؤال أو البحث ليس في هذا؛ من أركان الإسلام النطق بالشهادتين معاً، هذا ركن في الإسلام، من لم ينطق به أو امتنع عن النطق بشهادة أن محمداً رسول الله وقال هي قائمة في قلبه لكنه لا يريد أن ينطق بها، يكون مسلماً أو كافراً؟ من امتنع عن النطق بها فإنه يكون كافراً. من امتنع عن النطق بشهادة أن محمداً رسول الله يكون كافراً، لكن القصد أن الابتداء الأول من جنس قول النبي لأسامة بن زيد لما أدرك الرجل في القتال، فقال الرجل: لا إله إلا الله، لما رفع عليه وكان الرجل مقاتل المسلمين، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟». مثل لقول النبي في حديث المقداد بن الأسود لما قال: أرأيت يا رسول الله لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف وقطعت، ثم لاذ مني بشجرة فقال أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله؟ قال: «لا تقتله»، قلت: فإن قتلته؟ قال: «إن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول الكلمة التي قال»، مع أن الرجل قال أسلمت لله، فإذاً مسائل الابتداء ليست هي مسائل الثبوت الثاني، ولهذا النبي كان يقول لعمه في حديث سعيد بن المسيب عن أبيه في الصحيحين: «يا عم، قل لا إله إلا الله»، هل يظن النبي أنها تكفيه ولا نبيه مؤمن بالرسالة؟ كلا. فإذاً هذه المسألة فيها تفصيل لفظي، وأما معانيها فإنها متفقة.
نعم، قال: ولا يقضى بين الناس في القيامة إلا بشفاعته، ولا يدخل الجنة أحد إلا بشفاعته، ويقصد بذلك المصنف الشفاعة العظمى. وهذا فيه حقيقة زيادة، هذه الكلمة لو لم يعبر بها المصنف لكان أحسن، فإن التعظيم للرسول عليه الصلاة والسلام لا يجب أن يكون على حقوق الله، فقوله: ولا يقضى بين الناس في القيامة إلا بشفاعته؛ والله سبحانه وتعالى ما جاء بهم من الحشر ليوم الحساب إلا أنه يقضي بينهم، ولو لم تكن شفاعة للنبي عليه الصلاة والسلام، لكن هذا من تعجيل القضاء، فإذا قيل هل شفاعته هي التي استوجبت القضاء؟ أو استوجبت تعجيله؟ أيهما؟ يعني ربط القضاء هذا غلط، ربط القضاء هذه أحكام الله، يعني حقوق الله سبحانه وتعالى لا يجوز أن يصرف منها شيء للأنبياء ورسل من الرسل، النبي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، كما يعني بشر مخلوق إلى آخره، فالقصد أن كلام المصنف لا.
لأنه غلط، ولكن فيه إجمال في التعبير، لو لم نعبر به لكان أجود؛ فإنه يقضى بين الناس قضاء وهذا وعد الله وقدره السابق إلى آخره، لكن إنما كانت شفاعة النبي سببًا في التعجيل، نعم.
قال: ولا يدخل الجنة أمة إلا بعد، هو أول من يدخل الجنة كما في الصحيحين عن أنس، أتى يوم القيامة باب الجنة فاستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فيقول: محمد، فيقول: بك أُمرت، لا يصلح لأحد قبله. وكذلك أمته هي أول الأمم دخولًا للجنة، لكن قوله إن أمته عليه الصلاة والسلام هي أول الأمم هذا على قدر من الإجمال؛ لا يلزم من هذا أن سائر طبقات هذه الأمة يدخلون قبل دخول بقية الأمم، فإن الأمم الأخرى الدرجة الأولى أن فيها الأنبياء، والأنبياء لا شك أن مقامهم أشرف حتى من مقام الصحابة، هذه جهة وهي جهة بديهية.
حتى الجهة الثانية وهي أن الأمم كأتباع موسى أو عيسى وبعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أتباعهم قوم صالحون وصديقون أفضل من كثير من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فإن في أتباع محمد الصالحون ومنهم دون ذلك، والمقتصد، والظالم لنفسه، وصاحب الكبائر إلى آخره، فالقصد أن أمتها من جهة ابتداء الأمم لا من جهة كل الأفراد والأعيان.
وهذا المنتدى ومثل هذه اللزومات أحيانًا في كلام بعض أهل العلم فيها تكلم، ككلام ابن حزم رحمه الله لما قال إن نساء الرسول عليه الصلاة والسلام أفضل من العشرة المبشرين بالجنة، قال: لأنهن نساؤه في الدنيا والآخرة، وسيكن إذا كن نساؤه في الجنة فيكن معه في درجته، قال: ودرجته لا ينالها أبو بكر ولا غيره، هذا تكلف وظاهرية محضة من ابن حزم؛ لأنه لو لزم هذا المعنى للزم أن نساء النبي أفضل من الأنبياء والمرسلين، هذا مثل هذه ليست قياسات لا وجه لها، نعم.
قال: صاحب لواء الحمد، والمقام المحمود، والحوض المورود، وهو إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم، نعم هذه من خصائصه وفضائله صلى الله عليه وآله وسلم، ومع ذلك فإنه صلى الله عليه وسلم في بعض مقامات يوم القيامة ذكر التردد، باختصار أن صلى الله عليه وسلم وخصائصه أكمل من فضائل غيره في الدنيا والآخرة، ولكن مع ذلك يكون لبعض الأنبياء والمرسلين، أو لبعض المرسلين على التخصيص، بعض المقامات التي قد يختص بها ذكرًا؛ كعيسى، فإن الله رفعه إليه، فهذا اختصاص في شأن عيسى عليه الصلاة والسلام، ولا شك أنها منزلة ما أوتيها غيره من الأنبياء والمرسلين.
فإذا حال محمد صلى الله عليه وسلم من هذا الوجه من جانب التفاصيل، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائم العرش -وفي وجه وفي ساق العرش- فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور»، فهذا من مقام التشريف لموسى، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: «إن أول من يكسى يوم القيامة» من هذه تشريفات مختصة بالأنبياء، فإذا لا يضل أن مقام الأنبياء أولي العزم من الرسل مؤخر على كل تقدير، بل هناك مقامات ولكن الاعتبار بالتفضيل العام التفضيل الشامل، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253]. نقف على هذا القدر ونأخذ خمس دقائق للأسئلة.
أحسن الله إليكم، هذا سائل يقول: ما هو الفرق بين قول الجهم وأبي الهذيل العلاف، وبين قول ابن القيم، حيث إن كلا القولين محصلهما واحد وهو قول بفناء النار؟ وهو التحصيل من جهة النتائج الكلية، وأما من جهة فهي مختلفة؛ الجهم لا يقول إن النار تفنى فناء مطلقًا، أي أن النار وأهل النار يكون لهم فناء وعدم، أما أبو الهذيل العلاف فيرى أن الفناء هو في العذاب، وهو سكون حركات أهل النار، حتى في رواية عنها حتى يشوفون حركات أهل الثواب؛ لأن هذا مبني عند أبي الهذيل العلاف على امتناع التسلسل في المستقبل، وإذا كانوا معذبين أو منعمين، وهذا ورد عليه لما قال هذا في مسألة العذاب، ورد عليه في مسألة الثواب، يقول إن دوام حركة أهل النار يعني تسلسل الحوادث في المستقبل، فإن الحركة تسلسل فلا يمكن أن يكون هذا على الدوام، هذا من تكلفات المعتزلة ونظارة المتكلمين، نعم.
هذا سائل يقول: أحسن الله إليكم، هل في قول المصنف إن الميزان له لسان دليل؟ هذا جاء في بعض أوجه الرواية، وحديثها ليس من الأحاديث المنضبطة الصحة، ولهذا ترك التعليق عليه من هذا الوجه، نعم.
أحسن الله إليكم، هذا سائل يقول: هذا مما يؤخذ على بعض من يصنف في أصول الدين، وهذه قاعدة ينبغي لطالب العلم قصدًا إلى أن الكتاب إذا كتب في أصول الدين يجب ألا يأتي إلا بالمنضبط، والمسائل لأن ما يكتب في هذا الكتاب الأصل أنه سنة لازمة على المسلمين، ولذلك إدخال بعض الأحاديث المتردد فيها، وأحيانًا بعض الأحاديث المنكرة، هي من طرق المتأخرين حتى من أهل السنة، تجدهم أدخلوا أحاديث فيها ضعف أو فهم مفهومات فيها تكلف، مثل ما يقع في كلام أو في بعض الروايات التي يذكرها عبد الله بن أحمد في السنة مع شرف هذا الكتاب، مسألة الجلوس على العرش في تفسير الاستواء، هذه الفهمات أو بعض الروايات ليست بصحيحة، الواجب ألا يعبر في كتب أصول الدين إلا بأحرف منضبطة، وبروايات منضبطة؛ لأن من كتب في أصول الدين الأصل فيه أنه إجماع الصحابة والتابعين وإجماع السلف، نعم.
هذا سائل يقول: هل أتى حديث أن الصراط أدق من الشعر وأحدّ من السيف؟ هذا فيه أحاديث مروية لكنها لا تصح، ليست منضبطة الصحة، نعم.
أحسن الله إليكم، هذا يقول: هل ثبت شيء عن آزر والد إبراهيم؟ وهل قبل الله عز وجل استغفار إبراهيم له؟ لا، الجواب القرآن والسنة بينة في أن الله سبحانه وتعالى لم يشفع أو لم يقبل شفاعة إبراهيم فيه، وأما هل ثبت؟ ما أدري ماذا يقصد الآخرين، كان قصد من جهة اسمه فاسمه آزر كما هو في القرآن، وأما من تكلف وأتى بأسماء من بني إسرائيل فهذا ليس بلازم، وهو كما هو في القرآن قال إبراهيم لأبيه آزر، هل يمتنع عقلاً أن يكون آزر؟ لا، ما دام أن القرآن قال آزر فيجب أن يقال هذا اسمه، إبراهيم فيه كما ذكرت في حديث أبي هريرة أنه سأل ربه فيه فلم يُجب إليه.
هذا سائل يقول: من منهج أهل السنة إثبات الصفات لله، ومعنى الصفة بدون تكييف، مثل السمع بما يليق بالله عز وجل، ولكن أشكل مثل صفة الوجه واليدين، فكيف نثبت المعنى فيهما؟ نعم، إن لله وجهًا يليق بجلاله، إن لله وجهًا يليق بجلاله، وأما المعنى فيهما فهو المعنى الكلي، وأما تفصيل المعنى فحقيقته هو الدخول في الكيفيات؛ يعني من أراد؛ يعني إذا قلت ما هي الكيفية؟ يعني المعنى إذا استتم فقهًا تضمن إدراكه إدراك مقام من مقامات الكيفية، ولهذا كان السلف يقولون على ما يليق بجلاله، أي أن المعنى الذي يدركون هو المعاني الكلية اللائقة بالله سبحانه وتعالى، أما المعاني التفصيلية التي تكون في عقل المخاطب وعقل القارئ، وهي المعاني يراد بالمعاني التفصيلية المعاني الخلقية اللائقة بالمخلوق، فهذه لا شك أن الله يُنزه سبحانه وتعالى عنها، نعم.
أحسن الله إليكم، هذا سائل يقول: هل قال أحد من السلف بجواز التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته؟ هل فيها أحيانًا الحروف المجملة عن بعض السلف؟ والذي عليه إجماع من قبلهم أنه ليس كذلك، وأن مسألة التوسل من مسائل الأصول المغلقة وليست من مسائل، وإذا كان هذا كما يذكر الإمام الجميل في بعض كلامه أن بعض أهل السنة عنهم وجه في هذا، فهذا من الغلط الذي ترى، وإلا فجماعة الصحابة والأئمة من التابعين على أن التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز، مهما كان قصد المتوسط، وأما حديث الشرك بحق السائلين فالحديث أولًا ضعيف، هذا هو الصحيح فيه، ثانيًا أن معناه بحق السائلين بعملهم، فهذا من التوسل بالعمل الصالح أو بفعل من أفعال الله وهو ثوابه، فهذا يفسر على هذا الوجه، أنه إما توسل بعمل صالح، وإما توسل بفعل من أفعال الله، هذا إذا صح الحديث، معنى الحديث الأصل أنه ضعيف، نعم.
نقف على هذا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ يوسف الغفيص