الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فهذا هو المجلس العاشر من مجالس شرح لمعة الاعتقاد لابن قدامة عليه رحمة الله، والمنعقد في التاسع من الشهر الرابع لعام ألف وأربعمئة وأربعة وعشرين. قال المؤلف عليه رحمة الله تبارك وتعالى ونفعنا الله بعلمه وبعلم شيخنا في الدارين آمين: أمته خير الأمم، وأصحابه خير أصحاب الأنبياء عليهم السلام.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين. في هذا الفصل ذكر لمقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمته، وقد سبق شيء من ذلك، لقوله في هذا المقام: أمته خير الأمم. وهذا مجمع عليه وهو صريح في كتاب الله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]. ولكن هذا لا يستلزم أن يكون أعيان هذه الأمة خيراً من أعيان غيرهم؛ فإن هذا التفضيل إنما هو باعتبار الجنس وليس باعتبار الواحد من الأعيان، فإن في أعيان أتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من هو خير من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، أي من المسلمين وسواد المسلمين. فالمقصود أن أمته باعتبار جنسها ومجموعها هي خير الأمم، وهي أشرف الأمم وأزكاها على الله تعالى.
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم من خصائصها وفضائلها أنهم نصف أهل الجنة، كما ثبت ذلك في الصحيحين في حديث أبي سعيد، وجاء من أحاديث عبد الله بن مسعود: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ فحمدنا الله وكبرنا، قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ فحمدنا الله وكبرنا، قال: والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة. فلا شك أنهم أقرب الأمم إلى ربهم وأزكاهم عند ربهم. ومن فضائلهم هذا المقام أنه أكثر الأمم دخولاً الجنة، فهم يوافون نصف أهل الجنة.
وجاء في حديث في السنن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن أهل الجنة مئة وعشرون صفاً، توافي هذه الأمة ثمانون منها». فهل هذا يدل أن النبي صلى الله عليه وسلم هنا ذكر أنهم الثلثان أم أن هذا على معنى الحديث السابق؟ من أهل العلم من قال إن في هذا الحديث الذي رواه أهل السنن زيادة، فإن قوله مئة وعشرون وهذه الأمة ثمانون، فدل على أنهم على عدد أو على قدر ثلثين، وهذا ليس بلازم، وحقيقة ليس بلازم؛ لأن النبي حينما كان يذكر الصفوف، وهذا الفرض أنهما الثلثان مبني على تساوي الصفوف في العدد، أليس كذلك؟ مبني على تساوي الصفوف في العدد، وهذا الله أعلم به. فإذاً يوقف حيث وقف النص، فيقال إنه نصف أهل الجنة، وأن أهل الجنة مئة وعشرون وهذه الأمة ثمانون منها، هل هذا من زيادة وهذا أمره إلى الله. وأول من يدخل الجنة أمته صلى الله عليه وسلم من الأمم، أيضاً هذا باعتبار المبدأ العام وليس باعتبار أنهم يسبقون الأنبياء أو ما إلى ذلك.
قال: وأصحابه خير أصحاب الأنبياء. أيضاً أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم هم أفضل أصحاب نبي؛ فإن للأنبياء عليهم الصلاة والسلام أصحاباً، وقد قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث ابن مسعود في الصحيح: «ما من الأنبياء من نبي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بهديه، ثم تخلف من بعدهم خلوف». فذكر عليه الصلاة والسلام أن كل نبي فإن له أصحاباً وحواريين، وهذا الذي ذكره عليه الصلاة والسلام في الأنبياء باعتبار الغالب أو باعتبار الجنس، وإلا ففي حديث ابن عباس الثابت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر مقام الموافاة قال: «ورأيت النبي وليس معه أحد». هل هذا نفي لأتباعه أم ماذا؟ هذه مسألة الله أعلم بها، لكن ظاهر النص يدل على أن بعض الأنبياء لم يصدقوا ولا أتباع لهم، مع أنه قال في حديث ابن مسعود: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب».
قال: وأفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى. أمته صلى الله عليه وسلم هم أصحابه، وأفضل أصحابه هم الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. وهكذا وصف المصنف على هذه الصفات، وسلسلتهم على هذا القدر من الترتيب هو إجماع أهل السنة والجماعة، ولا جدل في مسألة أبي بكر، ولم يجادل فيها إلا الرافضة. وكذلك لا جدل في مسألة عمر فلم يجادل فيها إلا الرافضة أو الشيعة بوجه عام، فإن من الشيعة من يثبت شأن أبي بكر في الجملة لكنه يفضل علياً على أبي بكر وعمر، وهذه طرق الزيدية وجمهور الزيدية من الشيعة الذين يفضلون علي بن أبي طالب على أبي بكر وعمر. فالقصد أن تفضيل أبي بكر على سائر الصحابة هو إجماع أهل السنة، وعليه جمهور المسلمين، ولم ينازع في ذلك إلا الشيعة وبعض المعتزلة الذين ليس بالضرورة يفضلون علياً أو غيره عليه، وإنما قد يقطعون مسألة التفضيل، وهذه طريقة من طرق المعتزلة أنهم يقطعون مسألة التفضيل ولا يرون تعيين الفاضل عن المفضول، هذه من طرق بعض غلاة المعتزلة.
قال: ثم عمر الفاروق، وهذا من صفاته، وإنما كان كذلك لأنه كان فاروقاً في الحق. وأما ما يقال إن الله فرق به بين الحق والباطل، وأنه بعد إسلامه جاهر الناس بالدعوة إلى آخره، فلا شك أن إسلام عمر كان له أثر من ذلك، لكن هل هذا الاسم على هذا الوجه تلازم معه؟ هذه مسألة ليست محررة على هذا المقدار. قال: ثم عثمان رضي الله تعالى عنه وهو زوج ابنتي النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هنا سمي ذا النورين. ثم قال: علي المرتضى، وهذا الوصف وصف يسير لا جدل فيه أو لا غلط فيه، فإن علياً ممن رضي الله تعالى عنه من السابقين الأولين، فهذا مقصود المصنف بهذه الجملة، وليس هو من أوصاف الشيعة بشأن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
قال: لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنا نقول والنبي صلى الله عليه وسلم حي: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، فيبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينكره. هذا مظهر ليس منضبطاً من جهة الرواية، المحفوظ عن ابن عمر أنه يقول: كنا نقول على عهد رسول الله: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر. وأما أن في هذا التسلسل إلى آخره فما أذكر أن هذا انضبط عن ابن عمر، والمسألة تحتاج إلى تحليل نظر، لكن المحفوظ في كلام ابن عمر: كنا نقول على عهد رسول الله: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، فهذا هو الذي كان يذكره ابن عمر، وهو الذي كان مستفيضاً بين الخاصة والعامة من الصحابة ولا شك. ولهذا لم يقع فيه جدل بين أهل السنة في مسألة تفضيل أبي بكر ثم عمر رضي الله تعالى عنهما.
وأما مسألة عثمان وعلي فلم تكن من المسائل القطعية البينة في صدر هذه الأمة، ولهذا كان فيها قدر من النزاع: أيهما أفضل؟ علي بن أبي طالب أم عثمان بن عفان؟ هذه من المسائل التي فيها قدر من الاجتهاد، ولكن لك بأن تقول إن مسائل الخلفاء الأربعة مسألتان: المسألة الأولى مسألة التفضيل، والمسألة الثانية مسألة الخلافة. أما مسألة الخلافة فالإجماع منعقد ومضطرد أن الخليفة الأول أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، مسألة الخلافة لا جدل فيها، وترتيبهم في الخلافة لا جدل فيه، وإنما الذي فيه قدر من التردد هي مسألة التفضيل بين علي بن أبي طالب وبين عثمان. فكان قوم يذهبون إلى أن علي بن أبي طالب أفضل من عثمان، وكان الجمهور يذهبون إلى أن عثمان أفضل، وكان قوم يتوقفون.
والحق أن هذه المسألة في مبدئها لم تكن من المحكمات، فإن الذي كان مستفيضاً مستقراً عند الصحابة في زمن الرسول وبعده هو تفضيل أبي بكر، وتفضيل أبي بكر وعمر على سائر الصحابة، مع العلم بأن أبا بكر أفضل من عمر، هذا أمر كان مستقراً عند الخاصة والعامة من المسلمين، أي عند خاصة النبي وهم صحابته الذين كانوا معه، أو من كان من الصحابة في الأطراف من الأعراب وغيرهم، كان مستفيضاً عند سائر المسلمين أن أفضل الأمة هو أبو بكر ثم عمر. أما مسألة عثمان وعلي فما كانت من المسائل البينة المستفيضة المحكمة، ولهذا تنازع فيها طائفة من السلف، فكانت طائفة يذهبون إلى تفضيل علي بن أبي طالب، وطائفة يذهبون إلى تفضيل عثمان، وطائفة يتوقفون. وإذا قلت في النصوص فالنصوص ليس فيها صريح بتفضيل أحدهما كالنصوص المستقرة في السنة والهدي النبوي المطلب في شأن أبي بكر وعمر، وأما مسألة عثمان وعلي فليس فيها نص صريح.
وإذا قيل إن الصحابة أجمعوا، وهذا من استدلالات بعض علماء السنة الذين يفضلون عثمان، قالوا: من لم يقدم عثمان في التفضيل فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، قالوا: لأن المهاجرين والأنصار قدموه في الخلافة وما قدموه إلا لكونه الأفضل. الاستدلال فيه نظر من جهتين: الجهة الأولى أن المهاجرين والأنصار كان عندهم قدر من التردد في التقديم، والدليل على أن عمر جعل الخلافة في الستة، هؤلاء الستة ماذا صار أمرهم؟ الستة الذين جعل عمر رضي الله تعالى عنهم الشورى في الخلافة فيهم، أحدهم وضع حقه لمن؟ لعثمان، والآخر وضع حقه لمن؟ لعلي، فدل على أن من الكبار الستة من كان يرى تقديم علي بن أبي طالب، ولهذا هذه جهة.
الجهة الثانية أنه لو كان مستفيضاً عند الصحابة هذا التقديم لعثمان لكان أولى بهذا التسليم علي بن أبي طالب، وما كان له رضي الله عنه أن يكابر الحق، فلو كان مستقراً عنده من السنة وهدي رسول الله أن عثمان هو الأفضل وهو المقدم فما نازعه في مسألة الخلافة، مع أن علياً مات نازع عن الخلافة. أيضاً عبد الرحمن بن عوف لما انحصر الأمر وبدأ يستشير المسلمين في المسألة رأى أن الأكثر من المسلمين يرون تقديم عثمان، فهل هذا إطباق عند كل الأعيان؟ أم أنه أخذ الأمر بالأكثر؟ ظاهر الأمر أنه أخذ الأمر بالأكثر؛ لأننا قلنا إن من الستة من كان يقدم علياً، وقال إن حقي في هذا الأمر لعلي بن أبي طالب، وقال الآخر حقي في هذا الأمر لعثمان.
هذه مسألة أيضاً، آل البيت معروف أن آل البيت كانوا في مبدأ الأمر ينازعون في مسألة أبي بكر إلى أن يتبين لهم الحق، أليس كذلك؟ فهل تظن أن آل البيت سيقدمون عثمان على علي؟ هذا بعيد. واضح أن آل البيت كانوا يرون أن لهم الخلافة من جهة أنهم آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذاً هذا الاستدلال ليس بمحكم لأنه ليس بمستتم استتماماً تاماً، وقلنا إنه لو كان مستتماً لأخذ به علي رضي الله تعالى عنه.
هذه جهة، الجهة الثانية أنه لو سلم جدلاً أن الصحابة أطبقوا إطباقاً كلياً على تقديم عثمان في الخلافة، فإن التقديم في الخلافة لا يستلزم التقديم في الفضل؛ فإن الخلافة بالديانة والقوة، واعتبر بالديانة والقوة يعني حسن الإدارة أو الأمانة الإدارية وليست الأمانة الدينية، لعل المسلمين كانوا يرون في عثمان من هذا الوجه أميز منه في شأن علي بن أبي طالب، وهذا لا يلزم أن يكون من جهة فضيلته الشرعية ليس مثله أو ليس مقارناً له أو ما إلى ذلك. القصد ليس أن نقول إن علياً أفضل، وإنما القصد أن نقول إن هذه المسألة ليس فيها نص محكم في تقديم عثمان على علي، ومن باب أولى ليس فيها نص محكم في تقديم علي بن أبي طالب على عثمان، فهي مسألة فيها قدر من التردد. الجمهور على تقديم عثمان، لكن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: وبعد ذلك استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان، فهذا هو الذي يقال وهو المستقر، لكن الاختلاف الأول حاصل وهو اجتهاد باطل لا ينكر على من خالف فيه، أي من قال إن علياً أفضل من عثمان وعثمان مقدم في الخلافة فهذا اجتهاد عليه طائفة من السلف، وإن لم يقل إنه راجح فهذه مسألة أخرى. ولهذا الصحيح في مذهب الإمام أحمد أن من قدم علياً على عثمان في الفضل فهذه مسألة اجتهاد ولا يبدع فيها المخالف، وإن كان الإمام أحمد حكي عنه رواية أخرى بتبديع المخالف وهذا ليس بمحكم في مذهبه، بل الصواب في مذهبه وهو ما يقرره شيخ الإسلام أن من قدم علياً لا يبدع، والحوادث هي الحق، وهذا هو الحق اللازم أن المسألة مسألة اجتهاد.
وإن كان الجمهور من أهل السنة استقر عليه أمرهم هو التقديم لعثمان، وهذا هو الراجح من جهة الترجيح، لكن من خالف في ذلك لا يسمى. وصحت الرواية عن علي رضي الله عنه أنه قال: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ولو شئت لسميت الثالث». لو شئت لسميت الثالث، من هو الثالث؟ الله أعلم. وعائشة رضي الله عنها كما ثبت عنها في الصحيح أنها كانت ترى أن الثالث في الخلافة، كانت ترى لأبي عبيدة بن الجراح مقاماً، فترى أنه كان هو المستحق لثالث الخلفاء. فهذا فيما يظهر مقام من مقام التردد بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لكن المجمع عليه عند أهل السنة والجماعة أن أفضل هذه الأمة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. هؤلاء الأربعة بالإجماع أنهم هم أفضل الأمة، وأفضل من أبي عبيدة بن الجراح؛ هو ما أشارت إليه عائشة لم يكن في مسألة التفضيل، إنما كان في مسألة الخلافة.
ومسألة الخلافة كما قلت فهي مسألة تختلف عن مسألة التفضيل، ولو كان أيضاً تأمل عمر رضي الله تعالى عنه، لو كان مستقراً عنده أن ثمة تلازماً بين الفضل وبين الخلافة لجعلها في من؟ لجعلها في من سواء كان علياً أو كان غيره. فما الذي جعله يجعلها في ستة؟ إلا لأن ماذا؟ ليس هناك تلازم بين المعين من جهة ديانته وبين صلاحه أو صلاحيته أو تقديمه في مقام الخلافة، فالمقام فيه اشتراك لكن فيه امتياز.
قال وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر». وهذا لا شك فيه أنه أفضل بني آدم بعد الأنبياء والمرسلين. وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لفضله وسابقته، وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في الصلاة على جميع الصحابة رضي الله عنهم، وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة. وإجماع الصحابة على ذلك من المهاجرين والأنصار، والرسول عليه الصلاة والسلام كان يستخلف أبا بكر في حياته، وكان يرد إليه كثيراً من الأمور، وهذا صريح في أنه أهل للخلافة من بعده، وقد استخلفه في الصلاة، واستخلفه في أمور كثيرة وفي شورى الرأي وما إلى ذلك، فبين من هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام أن أخص الناس به هو أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وما جدل من جادل من الشيعة إلا من المجادلة بالباطل. وآل البيت رضي الله تعالى عن صالحهم؛ آل البيت ممن كان من الصحابة أو من بعد الصحابة، آل البيت ليس لهم حق من جهة الاختصاص بالخلافة، وما الخلافة المعتبرة فيما اعتبره النبي صلى الله عليه وسلم، واعتبره في قريش في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الأئمة من قريش».
ثم من بعد عمر رضي الله عنه لفضله، وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان رضي الله عنه بتقديم أهل الشورى له، وهذه مسألة سبق أن فيها بعض التردد وأنه السداد ليس بمحكم على التمام. ثم علي رضي الله عنه لفضله وإجماع أهل عصره عليه، وهؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ». وهؤلاء الخلفاء أي هم خلفاء الرسول في أمته، وهذا معنى أنهم خلفاء بخلاف من بعدهم، فإذا سمي خليفة بمعنى أنه مستخلف على المسلمين سلطاناً وملكاً، وليس معناه أنه خليفة عن رسول الله، وهذا هو الفرق بين الاسمين من جهة المعنى وإن كان بينهما اشتراك في اللفظ.
وقال صلى الله عليه وسلم: «الخلافة من بعدي ثلاثون سنة»، فكان آخرها خلافة علي رضي الله عنه، وإن كان بقي في هذه الثلاثين بضعة أشهر، منهم من أهل العلم من قال إنها في الحسن في إمارة الحسن بعد أبيه، والصواب أن هذا ليس بلازم؛ لأن النبي حين قال: «ثلاثون سنة»، لا يلزم بذلك في استعمال كلام العرب أن تكون على التمام بسائر أيامها، وإنما مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم أو مثل ما حلف عليه الصلاة والسلام ألا يدخل على بعض أهله شهراً، قالت أم سلمة كما في الصحيح: فلما مضى تسع وعشرون يوماً غدا عليها وراح، فقيل له يا رسول الله، قال: «إن الشهر يكون تسعاً وعشرين». مع أنه لم ير الهلال، إنما حلف شهراً في عِرض شهرين، فلما أمضى من الشهرين تسعاً وعشرين غدا عليهما وراح، فهذا مما تسببه اللغة.
تعلم أن قوله من بعده ثلاثون كما سبق أظن التنبيه إليه أنه لا يصح أن يقال إن عمر بن عبد العزيز خليفة خامس، بل هذه من كلام بعض أهل العلم من العراقيين وقد أنكرهم كبار المحققين كالإمام أحمد وأمثاله، وهو مخالف للحديث، والسياق هنا هو حديث السفينة وهو حديث احتج به أحمد من أئمة السنة على معنى صحته. المقصود أن عمر بن عبد العزيز عادل، ولكنه على هدي الخلفاء، هذه أمور لا بأس بها، لأنه خليفة خامس ليس بذاك، إنما الخلفاء خلفاء الرسول في الأمة هم هؤلاء الأربعة فقط، وإن بقي شيء من هذه الخلافة النبوية فهي إمارة الحسن بن علي بن أبي طالب، ومعاوية كما سبق أفضل من عمر بن عبد العزيز، وأتم علماً وهدى وتقوى إلى آخره، وإن كانت من جهة مسيرة الرعية تحصل في زمن عمر بن عبد العزيز من العدل والاستقرار أكثر مما تحصل مع غيره، ليس بسبب معاوية، إنما سببه الأحوال التي كانت مقارنة؛ عمر بن عبد العزيز جاء لملك مستتم مستقر إلى آخره فكان العدل فيه يسيراً وسهلاً، بخلاف معاوية جاء لقوم بينهم تنازع، وقد نازعه أكابر كابن الزبير وعبد الله بن عمر وإن كان مستتراً بالمنازعة، والحسين بن علي مجاهر بالمنازعة إلى غير ذلك، فضلاً عن المنازعة السالفة عليه من علي بن أبي طالب وكبار من الصحابة، ففرق بين الحالين، فلو كان أحد أولى بالخلافة الخامسة لكان أولى بها معاوية رضي الله تعالى عنه. ومن يقول إن عمر بن عبد العزيز أعلم هذا غلط أيضاً، معاوية أفقه وأعلم من عمر بن عبد العزيز، هذا لا إشكال فيه، ما هناك فضيلة في عمر بن عبد العزيز ليست في معاوية.
ونشهد للعشرة بالجنة كما شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة». وسعيد هو سعيد بن زيد وهو من بيت عمر رضي الله تعالى عنه، وهؤلاء هم العشرة المبشرون بالجنة، وإن كان هذا لا يعني قصر البشارة النبوية عليهم، بل كما سيذكر المصنف أن كل من شهد له النبي عليه الصلاة والسلام يقال إنه في الجنة، وهذا متفق عليه بين أهل السنة وإن حصل بين الإمام أحمد وابن المديني خلاف لفظي، فإن ابن المديني كان يقول: من قال عنه النبي إنه في الجنة أقول إنه في الجنة ولا أشهد، فقال الإمام أحمد: إذا قلت فقد شهدت، فكان هناك تردد من ابن المديني في اللفظ، هذا نوع من الخلاف اللفظي، أن من شهد له الرسول بالجنة فإن من طرق أهل السنة لزوم الشهادة له لأن هذا من تصديق رسول الله في خبره.
وكل من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة شهدنا له بها، كقوله: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»، وقوله لثابت بن قيس إنه من أهل الجنة، هذا أمر مشهور عن طائفة من الصحابة عينهم النبي صلى الله عليه وسلم. وأما من لم يعينهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو سواد الأمة من أصحابه وغيرهم، فهؤلاء يتوقف في شأنهم، فيرجى للمحسن ويخاف على المسيء، لكن ثمة مسألة حصل فيها قدر من النزاع بين أهل السنة، وهو من استفاض ذكره والثناء عليه في الأمة من الأئمة والعلماء وأمثال هؤلاء، هل يجزم لهؤلاء أو يشهد لهؤلاء بالجنة؟ أم يتوقف فيهم كما يتوقف لمن لم يستفض ذكره؟ هذا فيه قولان، الجمهور يرون التوقف، وأن الاستفاضة لا تستلزم الشهادة بالتعيين، وهذا هو الصحيح وهو الذي عليه الجمهور. والقول الثاني أن من استفاض ذكره يشهد له بالجنة، ويستدلون لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار»، وهذا الاستدلال ليس بمحكم، لأن مراده صلى الله عليه وسلم أن الثناء والشهادة من موجبات الموافقة للحقائق في نفس الأمر عند الله تعالى، وليس معناه أن من أثني عليه بخير لزم من سمع هذا الثناء أن يعينه بالجنة، هذا لم يتكلم أو ليس داخلاً في حرف الحديث أو تضمنه، هذا مقام آخر لم يتضمن الحديث ذكراً له.
ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا من جزم له الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، هذه قاعدة مطردة أن من لم يشهد له النبي عليه الصلاة والسلام لا يلزم له بشيء من ذلك، ولا سيما الجزم. وهنا يقال إنه حتى من كفر من أهل البدع اجتهاداً، كان يناضل أحد من علماء السنة مبتدعاً من أهل البدع فيذهب إلى تكفيره، فلا يلزم أنه إذا كفره يجزم بأنه من أهل النار، فهذا مقام آخر، فقد يكون هذا الاجتهاد في تكفيره ليس اجتهاداً منضبطاً أو صحيحاً في نفس الأمر.
ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعمل، هذه جملة من جمل المتأخرين يقال إن فيها إجمالاً، فإن قول: «ولا نكفر أحداً من أهل القبلة»، هذه كلمة مجملة؛ فإن الذنب يدخل فيه الشرك الأكبر كما في الصحيحين: «أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: أن تدعو لله نداً وهو خلقك»، فسماه ذنباً، وإن كان قد يُعتذر عن هذا الإيراد بأن المصنف يقول: ولا نكفر أحداً من أهل القبلة، فلما قال أهل القبلة دل على أن مراده من برئ من الشرك، فهنا كأن هذه التسمية تخصيص للذنب بالكبائر وما دونها، فإذن الذي يقال إن هذه الكلمة من المصنف فيها إجمال، أما أن يقال إنها غلط أو أنها من جمل المرجئة أو ما إلى ذلك، هذا ليس بصحيح، هذا من التكلف والزيادة وليست من جمل المرجئة ولا هي غلط، وإنما أشد ما يقال فيها أنها جملة مجملة، وقطعاً المصنف وغيره وحتى المرجئة لا أحد من المسلمين يقول إن مشركاً لا يكفر بذنب، هذا المراد يمتنع أن يكون مراداً للمصنف، ويمتنع أن يكون مراداً حتى للمرجئة؛ فإن المرجئة يذهبون إلى أن من أشرك بالله وكفر به فإنه يكون كافراً. فالقول بأن هذه من جمل المرجئة ليس بصحيح، لأن هذه الجملة إذا حملت على معنى أنه يريد الشرك الأكبر وأنه لا يكفر صاحبه قيل هذا ليس مذهباً لأحد لا للمرجئة ولا لغيرهم فضلاً أن يكون لأهل السنة. ولكن مع ذلك هي ليست من الجمل المحققة المحكمة فكان التعبير بما هو محقق ومفصل أولى.
وكذلك قوله: ولا نخرجه عن الإسلام بعمل، أيضاً هذه جملة مجملة يرد عليها التارك للصلاة؛ فإن تارك الصلاة كافر عند الجمهور من السلف، وتارك الزكاة فيه نزاع المقر بوجوبها، وتارك الصوم فيه نزاع، والتارك يرى ابن قدامة رحمه الله وهذا ليس مستغرب العلم هذا القول لم؟ لأن ابن قدامة، وهذا ربما يكون من المواضع التي تحتاج إلى بعض التقرير على المصنف رحمه الله وفي كلام المصنف، يقول ابن قدامة رحمه الله يذهب إلى أن تارك الصلاة ليس كافراً، ومن باب الأولى عنده تارك الزكاة، ثم تارك الصوم، وتارك الحج، فما دام أنه مقر بالوجوب فعنده لا يكفر أحد بترك الصلاة أو بترك الزكاة أو بترك الصوم أو بترك الحج، من الحنابلة الزائدين في هذه المسألة، يعني مسألة تارك الصلاة لدرجة أنه يحكي الإجماع أو يستدل بعبارة أدق يستدل بالإجماع على عدم كفره، وإذا قيل لهم بالإجماع كما ذكر في المغني وغيره، يقول الإجماع على عدم كفره من جهة يقول إنه لو كان كافراً يعني تارك الصلاة لم يصل عليه، ولما دفن في مقابر المسلمين إلى آخره، ولما ورث وما إلى ذلك، يقول وقد درج المسلمون في سائر عصورهم أن واحداً من المسلمين لم تترك الصلاة عليه أو لم يدفن في مقابر المسلمين أو منع من الإرث أو من التوارث أو ما إلى ذلك.
بحجة أنه تارك للصلاة. قال: فادم ذكر هذه الحالة، وهي إجراء أحكام الكفار عليه؟ قال: دليل على أن أهل العلم ما كانوا يذهبون إلى تكفيره، قال: ولو كانوا يذهبون إلى تكفيره لأخذ بهذه الأحكام، ولو أخذ بهذه الأحكام لأقيم. ومن هنا ظن -رحمه الله- أن المسألة فيها من الإجماع على عدم كفره.
وبكل حال مسألة تارك الصلاة هل فيها إجماع وليس فيها إجماع؟ إسحاق بن إبراهيم الحنظلي من الأئمة المتقدمين يحكي فيها الإجماع على أن تارك الصلاة كافر. وأيوب السختياني يقول: ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه. عبد الله بن شقيق يقول: كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئاً من العمل تركه كفر إلا الصلاة. هذا مسلك جماعة من السلف، أنهم كانوا يذهبون إلى تكفير تارك الصلاة ويرون أن كفره إجماع.
المسلك الثاني عند طائفة من السلف هو الذهاب إلى تكفيره، ولكنهم لا يعتبرون كفره بالإجماع، وإنما بظواهر الأدلة.
المسلك الثالث عند السلف هم الذين لا يعتبرون كفره، وهؤلاء بنوا عدم كفره على فرعين. ومنهم من بناه على عدم ظهور الدليل على كفره كما هو مذهب مالك والشافعي والزهري، ومنهم من بنى عدم كفره على كون الصلاة عملاً، والعمل لا يكفر؛ فمن بنى على الفرع الثاني الذي هو أنه لم يكفر تارك الصلاة لأن الصلاة عمل، والعمل لا يكفر، فهذا لا شك أنه من أصول المرجئة. وقد كان يعلل بمثل ذلك في عدم تكفير تارك الصلاة حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة وأمثاله من فقهاء الكوفة المرجئة.
فإذا قيل لك من يكفر تارك الصلاة هل قوله من أقوال المرجئة؟ الجواب فيه تفصيل: إن بنى عدم تكفيره على أن الصلاة عمل ولا تكفير بالعمل فهذا من المرجئة، وهذه من طرق المرجئة. وإن بنى ذلك على أن الدليل لم يظهر بكفره، فيقول صاحب هذا القول إن الصلاة -أي: إن العمل- أصل في الإيمان وهو داخل في مسمى الإيمان، ولكن أنه لا يكفر بترك الواحد كالصلاة، فهذا ليس من أصول المرجئة ولا من طرقهم ولا من آثارهم.
وقد كان مالك بن أنس -رحمه الله- والزهري والشافعي يذهبون إلى عدم كفر تارك الصلاة ويبنونه على عدم ظهور الأدلة، لا على أن الصلاة عمل، فإن مالكاً والزهري والشافعي من أشد الناس على المرجئة، ويرون العمل أصلاً في الإيمان. ولذلك نقول باختصار إن من لم يكفر تارك الصلاة ففيه تفصيل: هل قوله من أقوال المرجئة أم من أقوال أهل الاجتهاد؟ من بناه على مسألة العمل فهذا قول مبتدع لا يجوز الاجتهاد فيه. ومن بناه على مسألة ظهور الأدلة فيقال هذا قول اجتهاد، وإن كان اجتهاداً مرجوحاً.
فإن الصواب الذي عليه جمهور من السلف والمحققون من المتأخرين من أهل السنة كشيخ الإسلام أن تارك الصلاة كافر، فإن هذا هو ظاهر النصوص في حديث جابر بن عبد الله وبريدة وأمثالهما، وهو ظاهر مذهب الصحابة في كلام عبد الله بن شقيق. والأظهر -والله أعلم- أن حكاية الإجماع ليست منضبطة؛ فإن الزهري خالف، والزهري أعلم بأقوال الصحابة من إسحاق. ثم إن كلام إسحاق بن إبراهيم -رحمه الله- مشكل، فإنه قال في كلامه الذي رواه محمد بن نصر وغيره: "أجمع أهل العلم من زمن رسول الله إلى زماننا هذا أن من ترك صلاة واحدة حتى خرج وقتها أنه كافر"، وعامة جمهور المكفرين لتارك الصلاة ما يكفرونه بصلاة واحدة، ففي كلامه بعض الإشكال.
أساساً فهذا قد يخرج على من أبى قضاء الصلاة وامتنع، والممتنع كافر عند السلف بالإجماع؛ أي من دعي إلى الصلاة وقيل له: صلّ وإلا قتلت، فقدم القتل على الصلاة فهذا يقتل فاسقاً أو مرتداً. هذا يقتل مرتداً بإجماع السلف، لا يكون هنالك إلا عن زندقة كما قال شيخ الإسلام. فالقصد أن المسألة على كل حال محتملة، وكلام عبد الله بن شقيق الأظهر أنه إجماع سكوتي، والاجماع السكوتي حجة محتملة وليس حجة قطعية. لأنك إن قلت أن فيها إجماعاً قطعياً مثل إجماع السلف على أنهم قالوا "عمل"، نجني من ذلك أن مخالفة الزهري ومالك خروج عن الإجماع القطعي، وأن من خالف الإجماع القطعي فقوله بدعة ولا شك، ولا يجوز مخالفته ويجب الإنكار عليه.
وأما ما يقال إن مالكاً لم يثبت عنه ذلك والشافعي لم يثبت عنه ذلك، فهذا من كلام من ينسبه إلى الشافعية أو المالكية، وهذا ليس بصحيح لوجهين: الوجه الأول أن المالكية تواردوا في نسبة هذا القول إلى مالك، والشافعية تواردوا في نسبة هذا القول إلى الشافعي، وإن كان من الشافعية وغيره كالطحاوي حكى عن الشافعي قولاً آخر، فهو قول آخر له لا بأس به. المالكية والشافعية في ذكر مذهب الشافعي ومالك يمتنع أن يكون غلطاً، ويقال هذا كلام على الأصحاب، فالأصحاب قد يخطئون على الإمام إذا كانوا أفراداً، أما إذا أطبقوا فمن الممتنع أن يغلطوا على إمامهم.
الجهة الثانية أن كبار المحققين المعروفين بضبط الفقه وضبط الخلاف، بل يعد عند العلماء من أضبط الناس لفقه السلف وهو محمد بن نصر المروزي، ذكر في كتبه الخلاف عن مالك والشافعي في عدم تكفير تارك الصلاة مع أنه ذكر إجماع إسحاق. فكان يرى أن من السلف -وهذه طريقة محمد بن نصر وهي الطريقة المحققة- من كان يرى هذه المسألة إجماعاً ثم ذكر كلام إسحاق وكلام أيوب السختياني وعبد الله بن شقيق، ويقول: ومن السلف من كان يراها خلافاً، ثم ذكر رأي الزهري ومالك والشافعي. فالمسألة مترددة على هذه.
أما مسألة الزكاة فلا شك أنها مسألة خلاف، وكذلك مسألة الصوم مسألة خلاف، مسألة الحج مسألة خلاف، هذه قطعاً لأن ما فيها إجماع. وحتى عبد الله بن شقيق لم يقل "كان أصحاب محمد لا يرون شيئاً من العمل ترك كفر إلا..."، فظاهر كلام ابن شقيق ماذا؟ أن الزكاة عند الصحابة استقر أمرها على الكفر أو لم يستقر؟ لم يستقر؛ لأنه لم يقل إلا الصلاة. وهذا لا يعني أن الصحابة أجمعوا على عدم كفر تارك الزكاة كما يقول بعض أصحاب الأئمة؛ فالثابت أن مسألة الزكاة خلافية بين الصحابة. وكذلك ما بعد ذلك الصوم والحج خلافية بين السلف.
ينبه في مسألة الزكاة إلى مسألة وهي: من امتنع عن الزكاة وقاتل عليها فهذا مرتد، كمن امتنعوا عن أداء الزكاة الذين قاتلهم الصحابة في زمن أبي بكر الصديق، فالممتنعون المقاتلون على منع الزكاة كفار مرتدون كما حكاه أبو عبيد مذهب من الصحابة، وليسوا بمنزلة من ترك الزكاة وهو فرد من أفراد المسلمين في وسطهم ولم يقاتل ولم يمتنع بطائفة. وقد كان مالك بن أنس -رحمه الله- يقول إن تارك الزكاة ليس كافراً، ولما سئل عن الممتنعين في زمن أبي بكر قال إنهم مرتدون. فواضح عند السلف التفريق بين الترك المفرد وبين الامتناع أو الاجتماع على الإباء ونحوه.
قال: "والحج والجهاد ماضيان مع طاعة كل إمام، براً كان أو فاجراً". ونرى الحج وكان الجاري في كثير من المسلمين أن الإمام هو الذي يأخذ مسيرة الحج إلى آخره. فالمقصود هنا أن من كلام أهل السنة وطرقهم لزوم الحج، ومعنى لزوم الحج مع الإمام -أي مع السلطان- براً كان أو فاجراً أنه لا يختلف عليه في الحج، أي لو اختلف عليه في مواقيت الحج، فإذا ما قرر السلطان أن الوقوف بعرفة من معه من العلماء المجتهدين أن الوقوف بعرفة في يوم كذا وكذا لزم جميع الحجاج أن يلتزموا بذلك، هذا هو المقصود، هو لزوم الاتباع في مثل هذه المسائل. وكذلك الجهاد؛ فإن راية السلطان ولو كان السلطان فاجراً تجب مرافقتها ولا يجوز الخروج عنها في إقامة الجهاد.
وصلاة الجمعة خلفهم جائزة. نعم، وصلاة الجمعة خلف السلطان ولو كان فاجراً، فإنه صلى خلفه، مسألة واسعة، حتى ولو لم يكن سلطاناً، فإن الصلاة خلف الفاسق الصحيح أنها جائزة، وإن كان نهي عن تقديم الفساق؛ فإن النبي ﷺ يقول: «يؤم القوم»، كما في حديث أبي مسعود في الصحيح، لكن إذا صلى الفاسق فلا يجوز للمسلم أن يتنحى عن خلفه. ولهذا ننبه إلى أن بعض الشباب أحياناً تدركه صلاة فائتة في مسجد فيرى أن الإمام الذي أم قضاء وليس إمام الحي، أي الإمام الراتب، عليه أمارات بينات في الفسق، فتجد أن البعض قد يتعجل فيصلي وحده لعدم ثقته في صلاة هذا، وهذا لا شك أنه ليس له أصل، ليس له أصل، اللهم إلا إن كان هذا الذي أم من أهل البدع المعروفين، فإن أهل البدع لا يصلى خلفهم، وأما الفساق من المسلمين فمن تقدم في الصلاة فإنه يصلى خلفه، وإن كان تقديمه ليس هو الأصل بل منهي عنه.
قال: قال النبي ﷺ: «ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله، لا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله عز وجل حتى يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار». هذا حديث كما أشار المصنف -رحمه الله- متكلم في صحته، لكن معانيه هي من المعاني المعروفة في هدي النبي ﷺ وفي كلام الله في كتابه.
قال: "ومن السنة تولي أصحاب رسول الله ﷺ ومحبتهم وذكر محاسنهم والترحم عليهم والاستغفار لهم والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم". قال الله تعالى: هذا كله مستقر أن من السنة التولي لأصحاب رسول الله ﷺ، وإن كان المصنف عبر بالترحم عليهم، ولو عبر بالترضي لكان أجود؛ فإن الله يقول: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 18]، و﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ﴾ [التوبة: 100]، فالذي درج عليه أهل العلم وأهل السنة هو الترضي عن الصحابة، وأما من بعد الصحابة فإنه يترحم عليه. وهذا كله دعاء، فإنه إذا قيل عن صحابي رضي الله عنه فهذا دعاء، وإذا قيل عن إمام من العلم رحمه الله فهذا دعاء وليس خبراً، وهذا ليس من باب الخبر والجزم وإنما هو دعاء، ولذلك هذا هو الذي درج عليه.
ومع ذلك فترى أنه يقع قدر من التوسع في ذلك أحياناً من بعد الصحابة، هذا لا بأس به، بل حتى ما هو فوق ذلك وهي الصلاة والسلام، فإنها خاصة برسول الله ﷺ إذا ما قصد الاضطرار، وإلا إذا قيل: هل يجوز أن يصلى على غير النبي ﷺ؟ فيقال مثلاً: أبو بكر عليه الصلاة والسلام. قيل للجمهور من أهل السنة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، والصحيح في مذهب أحمد أن هذا جائز، وإذا قيل إنه جائز ليس معناه أنه مشروع؛ فهذا ليس بمشروع، إنما الجائز المأذون فيه، لا ينكر أن هذا جائز بشرط أن لا يختص هذا بمعين غير النبي، وأن لا يكون دائماً إذا ذكر الصحابة أن واحداً من الصحابة قال: عليهم الصلاة والسلام، أبو بكر عليه الصلاة والسلام، عمر عليه الصلاة والسلام؛ فمن لا يعرف الصحابة إلا عليه الصلاة والسلام فلا شك أنه بدعة، أو خصص صحابياً من الصحابة أو آل البيت بذلك فلا شك أن هذا بدعة. وأما إذا عرض أحياناً فإنه سلف، وقد قال ابن عباس لعمر: عليك الصلاة والسلام، فأقره.
ذكر مساوئهم: ما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم من الفتنة والقتال، أهل السنة والجماعة يمسكون عن ذلك. وقد كان الإمام أحمد -رحمه الله- يجيب في بعض جواباته إذا سئل عن ذلك: "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم"، وهذه قاعدة شريفة، يجب على طالب العلم وعلى المسلم بعامة أن يتقلدها، وهي من أوعى القرآن في الحكم بين الناس ومعرفة أقوالهم؛ فإن الله ما كلف العباد أن يعرف بعضهم حال بعض أو شأن بعض، لا من جهة البر ولا من جهة الإثم والشر والعدوان. وسبق الإشارة إلى ذلك أن المنافقين -وإن كان الصحابة في الجنة- على معرفة بتفاصيل أحوالهم، وحتى ظاهر القرآن أن النبي ﷺ نفسه لم يعلم جميع المنافقين من حوله وفي زمنه، في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ﴾ [التوبة: 101]، هذا صريح في القرآن.
فإذا ما يقصده البعض من التتبع لأعيان الناس في الشرق والغرب وفي اليسير والقليل من الكلام ويأخذ الكلام المجمل فيجعله مفصلاً ويقول إنه قصد كذا وكذا، وهذا أصله من كذا وكذا ويفرع تفريعات ويرمي الناس بالألقاب وبالأوصاف التي هي ذم أو طعن، وإذا آل الأمر إلى ذلك ويرى أن هذا من التحقيق ومن الضبط، فهذا لا شك فيه تكلف. لا شك.
إنما أظهر البدعة وغيرها فإنه يطعن عليه فيها، ويسمى مبتدعاً ببدعته، وهذا الذي درج عليه السلف. ولهذا من يقول إن السلف ذموا أهل البدع، نقول: نعم، هذه سنة من سنن السلف لا ينكرها إلا جاهل أو مخالف للسلف. ولكن السلف إنما ذموا من البدع الذين أظهروا البدع وفارقوا السنة والجماعة. فكل من أظهر البدعة وفارق السنة والجماعة فإنه إما أن يتكلف إخراج الناس من السنة والجماعة لتحتكر السنة والجماعة أو السلفية على أعداد يسيرة من الناس، وكل من غلط في مسألة أخرج من السنة والجماعة، فهذا ليس عدلاً ولا شرعاً ولا هدىً ولا أثراً سلفياً.
وأنت ترى حماد بن أبي سليمان أخرج العمل من مسمى الإيمان، ومع ذلك خرج السلف بأن قوله بدعة ولكنه من أهل السنة. وابن خزيمة فسر حديث الصورة بتفسير كان الإمام أحمد يقول: في هذا تفسير الجهمية، ومع ذلك ما نطق أحد بأن ابن خزيمة جهمي. والإمام أحمد بمسألة اللفظ بالقرآن في رواية أبي طالب، رواية صحيحة معتبرة ومن أنكرها فقد غلط، هي معروفة عند المحققين، يقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع. ومع ذلك جاء محمد بن يحيى من كبار المحدثين وشيخ البخاري وأمثاله، فقال: إن اللفظ بالقرآن ليس مخلوقاً، وأراد بذلك أن القرآن ليس مخلوقاً، فكان مراد الذهلي مراداً صحيحاً ولكن حرفه منكر عند الإمام أحمد، والإمام أحمد يقول: هذا حرف أهل البدع. وجاء البخاري من كبار أئمة السنة والمحدثين، فقال: اللفظ بالقرآن مخلوق لما سئلوا عن هذه المسألة، عن مسألة اللفظ، وكان مراد البخاري وأمثاله أن أفعال العباد مخلوقة، فأرادوا باللفظ ما نافع للعبد، فمراد البخاري وأمثاله مراد صحيح، وإن كان حرفه حرفاً مجملاً. فمن يقال إن البخاري يسمى جهمياً لأن الإمام أحمد يقول من قال بالقرآن مخلوق فهو جهمي؟ قد تكلم فيه بعض المتأخرين بأن هذا غلط على البخاري، ولم يصح عنه، ولا تصح هذه النسبة على البخاري وغيره، لكن القصد أن الكلمات تفهم على مقاصدها.
فالسنة الكف عما شجر بين الصحابة، وهذا لا يعني في شأن الصحابة رضي الله عنهم، لا يعني عدم العلم بما جاءت في السنة، كالقول بأن علياً أولى بالحق من غيره، هذا ليس من الطعن على معاوية، هذه سنن ثابتة، قد حدث بها الرسول عليه الصلاة والسلام، كما تقتل عماراً الطائفتان بالحق، والقول عن الطائفة المعارضة لعلي أنها طائفة باغية، هذا أيضاً لا بأس به، أن النبي عليه الصلاة والسلام كما ثبت عنه السلف قال: «تقتل عماراً الفئة الباغية»، إلى غير ذلك. فمثل هذه الأمور التي نضت سنن وآثار عن النبي عليه الصلاة والسلام تقال، وأما التفاصيل والدخول في المقاصد وأمثال ذلك فهذا ليس من الهدي، ولا ينبغي للصحابة، وإذا قاله الصحابة فمن السنة أن يطرد في أهل السنة من بعدهم، أنه لا يكون من المقاصد والخوض في مساوئ الناس.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: 10]. وقال تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفاً». فلا يأتي أحد من قدر الصحابة أيّاً كان قدره ومقامه، فإن الصحابة لهم اختصاص وهي الصحبة، قد فضلهم الله تعالى بذلك، ومن هنا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التقديم عليهم.
قال: ومن السنة الترضي عن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء، أفضلهم خديجة وعائشة الصديقة بنت الصديق التي برأها الله في كتابه زوج النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم. أصل نساء النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه هن خديجة وعائشة، وقد أجمع أهل السنة على أن أفضل نساء هذه الأمة ثلاث: عائشة وخديجة وفاطمة، ثم اختلفوا من فضل عائشة ومنهم من فضل خديجة ومنهم من فضل فاطمة ومنهم من توقف، وهذه مسألة اجتهاد وفيها سعة.
قال: ومعاوية خال المؤمنين، ذلك من قبل عائشة رضي الله تعالى عنها، بعدما تبين له في كتاب الله أن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم، فمن لم يعتبر بهذا المذكور في كلام الله سبحانه وتعالى وأصر على ذلك فلا شك أنه كافر، لأن هذا تكذيب للقرآن. ومعاوية خال المؤمنين وكاتب وحي الله أحد خلفاء المسلمين رضي الله عنهم. وكما أن الطعن عليه من سنن أهل البدع المخالفين للسنن والآثار، ومن يطعن عليهم من الشيعة فإنهم يخالفون أصول أئمتهم الذين هم أئمة الهدى، إذا صح أن لهم أئمة على هذا المقدار أو على هذا الاختصاص، وإلا فالحق أن علي بن أبي طالب وإن كان إماماً والحسن والحسين لم يختصوا بطائفة، وجعلوا أنفسهم مختصين بطائفة، وإن كانوا أئمة لسائر المسلمين من آل البيت وغيرهم، فاختصاص أحد بآل البيت لم يكن مقصوداً عند علي وأمثالهم كبار أئمتهم كجعفر بن محمد الصادق.
فالقصد أن الحسن بن علي وهو من أئمة آل البيت لما صار إليه الأمر تنازل بالأمر لمن؟ لمعاوية، فلو كان معاوية في نظر الحسن بن علي وأئمة آل البيت رجلاً فاسقاً أو منافقاً فضلاً عن كافر، ما أمكن الحسن بن علي أن يتنازل بملك المسلمين ورقابهم وسلطانهم وطاعتهم وولايتهم لرجل فضلاً عن منافق فضلاً عن كافر. وأما ما يعتبر به بعض الشيعة من أن هذا من التقية عند الحسن فهذه سفسطة، ماذا بقي من الأمر وكان يترك المسألة من باب التقية؟ وأما إذا قلنا إنه كان عاجزاً فهذا يرده الواقع التاريخي، فإنه في صحيح البخاري وغيره بحديث عبد الرحمن بن حسنة أن الحسن بن علي استقبل معاوية بكتائب أمثال الجبال، فلما بلغ معاوية وحرضه بعض أهل الشام على المواجهة قال معاوية: إذا قتل هؤلاء من لمعرفة المسلمين من بنسائهم من إلى آخره؟ فكان معاوية رفيقاً والحسن رضي الله تعالى عنه كان رفيقاً حتى حصل الصلح، فالتنازل من الحسن بن علي دليل على أنه يرى أن معاوية رجل صالح، حازم، بريء من الفسق فضلاً عن الكفر والنفاق. ومن طعن في الحسن بن علي فهذا مقام آخر.
قال: ومن السنة السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله، السنة التي درجوا عليها السمع والطاعة لأمراء المسلمين في المعروف، معروف على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]. وهي مقيدة بطاعة الله ورسوله، ولهذا ترى في كتاب الله أن طاعته لم تطلق، فإن الله قال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ فأعاد العامل الذي هو الفعل، ولما ذكر أولي الأمر لم يقل وأطيعوا ولي الأمر، فدل هذا أن عدم ذكر العامل في الثالث دل على أن طاعتهم تابعة في طاعة الله ورسوله، وهذا هو معنى أن طاعتهم بالمعروف، أي يطاعون في الطاعة دون المعصية.
وهو من ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به أو غلبهم بسيفه حتى صار الخليفة وسمي أمير المؤمنين، وجبت طاعته وحرمت مخالفته والخروج عليه وشق عصا المسلمين. نعم هذه قاعدة من القواعد الشرعية الصحيحة، أن ثبوت الملك يكون إما بالشورى وإما بالغلبة، فمن غلب واستقر ملكه وأظهر الإسلام بعد غلبته واستقراره فإن طاعته تكون واجبة، ويكون ولياً شرعياً، ولا يلزم في ذلك أن يكون جميع الأمر على مبدأ الشورى أو ما إلى ذلك، فإن من ظهر صح ظهوره وصحت طاعته، والدليل على ذلك إجماع العلماء على صحة إمارة بني العباس وأمثالها، فإنهم أخذوها بالسيف، لو أخذوها بالشورى لكانوا ظهروا على دولة بني أمية حتى، ومع ذلك لما ظهرت غلبتهم واستقر أمرهم وذهب ملك بني أمية، اعتبر الأئمة رحمهم الله أن بني العباس هم السلاطين.
القصد أن من ظهر فإن ظهوره يكون موجباً لطاعته، وإن كان ظهوره قد يكون فيه طلبه الخلافة قد يدخله من جهته هو قدر منه التعدي أو سفك الدماء، هذا مقام يختص به ويحاسبه الله عليه، لكن طاعته تكون شرعية واجبة، ولا يقال إنه خرج أو انشق على دولة بني أمية، فإن بني العباس إنما انشقوا على دولة بني أمية ولم يقل العلماء والأئمة إنهم خرجوا عن الدولة الأموية، فإن الحاكم إذا غلب بالسيف واستقر أمره وأظهر الإسلام صار ملكاً شرعياً تجب طاعته ويكون من مضى على من قد سلف.
قال: ومن السنة هجران أهل البدع ومباينتهم وترك الجدال والخصومات في الدين، نعم وهذه من السنن العامة عند أهل السنة والجماعة، والمباينة عدم موالاة أهل البدع وإظهار السنة والجماعة بالانتصار والاعتصام بها إلى غير ذلك من الطرق المعروفة. وترك النظر في كتب المبتدعة والإصغاء لكلامهم، نعم، ولا ينبغي لطالب علم المسلمين أن ينظر في كتب أهل البدع إلا من كان أهلاً قد استقر عنده العلم بالسنة والهدى فأراد الرد عليهم، فإن هذا من المقامات التي توجبها المصلحة الراجحة.
قال: وكل محدثة في الدين بدعة. وكل متسم بغير الإسلام والسنة مبتدع. نعم، إن كل محدثة بدعة كما كان عليه الصلاة والسلام يحدث بذلك، وكل بدعة ضلالة، وهذا منضبط عنه عليه الصلاة والسلام صح في صحيح مسلم وغيره وفي السنن، وكل ضلالة في النار، وهذا حرف متردد في ثبوته، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول إنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهة متنه، قال لأن الضلالة أي الضلال عن الحق لا يلزم أن صاحبها يكون معذباً، بل قد يكون مغفوراً له، هذا مما يأخذ شيخ الإسلام على هذا الحرف.
قال: وكل متسم بغير الإسلام والسنة مبتدع، نعم، من لم يلتزم السنة والجماعة ونابذ أئمتها فلا شك أنه من أهل بدعة، كالرافضة والجهمية والخوارج والقدرية والمرجئة والمعتزلة والكرامية والكلابية ومظاهراتها. الرافضة قوم معروفون وهم طائفة من الشيعة الذين يسبون الصحابة إلى آخره وهؤلاء ليسوا من السنة في شيء، وكذلك الجهمية هم نفاة الصفات، والخوارج هم الذين كفروا مرتكب الكبيرة من المسلمين وخلدوهم في النار، والقدرية هم الذين نفوا خلق أفعال العباد، ولا ينكرون العلم بها، ينكرون خلقها والإرادة لها هذا هو المقصود بالقدر، المرجئة هم من يخرج العمل عن مسمى الإيمان وهم درجات كما هو الإشارة إلى ذلك، المعتزلة هم قوم من أهل البدع جمعوا بين الاتجاه فنفوا الصفات وهم قدرية في القدر ووعيدية من وعيد إلى آخره له فصول خمسة يسمونه إلى واصل بن عطا وعمرو بن عبيد وعبد الهذيل العلاف وأمثال هؤلاء، والكرامية اتباع محمد بن كرام هذا كان من المشبهة المجسمة وإن كان ليس من الولاة في التجسيم كان هشام بن الحكم الرافضي، الكلابية اتباع عبد الله بن سعيد الكلابي ينتسب للسنة والجماعة لكنه من المتكلمين الذين اختلطت عندهم السنة بالبدعة.
إلى أن ذكر المصنف لذم الكلابية دليل على براءته من طرقهم، دليل على براءته من طرقهم فإن كثيراً من كابن الحسن التميمي وأبي الفضل التميمي وابن عقيل وأمثالهم تأثروا بطرق كلابية، إما تأثراً مباشراً وإما بواسطة علماء الأشعرية كالقاضي الباقلاني، فذكر المصنف لذم الكلابية دليل على براءته من آثارهم، وهنا كما أسلفت أن الموفق رحمه الله طريقته هي طريقة أهل الحديث المحضة كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
قال ونظرائهم فهذه فرق الضلال وطوائف البدع أعاذنا الله منها. واما النسبة إلى إمام في فروع الدين كالطوائف الأربع فليس بمذموم. نعم وهذه الجملة من فضائل هذه الرسالة، ولم يكن عند السلف رحمهم الله أن مثل هذه المعاني وإن كانت لم تظهر في زمنهم ظهوراً بيناً لكن لم تكن مثل هذه المعاني مما يحذرون عنها، الانتساب إلى إمام الفروع كالطوائف الأربع أي من ينتسب إلى الشافعي أو مالك أو أبي حنيفة، ظهر عند بعض الفضلاء أهل العلم من المعاصرين أن من السلفية ترك الانتساب للمذهب، وأن من انتسب للمذهب فهو ليس سلفياً في الحكم، هذا فيه قدر من الزيادة، لأن هذه المذاهب الأربعة لها قرون في المسلمين، يعني استقرت من القرن الرابع، السؤال درج عليه العلماء ما بين شافعي وحنفي وفيهم علماء سنة محققون كشيخ الإسلام وأبي عمر بن عبد البر وابن رجب وابن كثير وأمثال هؤلاء، ومع ذلك ما نقل عن هؤلاء الأكابر من في مذهب السلف أنهم أنكروا الانتساب، أول من أنكر الانتساب فهم متأخرون في القرن العاشر، فالقصد أن هذا الإنكار لا يعتبر، ولكن من انتسب إلى مذهب من المذاهب الأربعة على معنى التعصب أو أنه لا يخرج في فقهه عن هذا المذهب أو يرى أن الحق في هذا المذهب بل حتى من يرى أن هذا المذهب أفضل من غيره من المذاهب فلا شك.
إن هذه المعاني منكرة وليس لها أصل ومخالفة لهدي السلف. وأما من انتسب إلى واحد من المذاهب الأربعة من باب الترتيب العلمي، يقول: يا حنبلي، ما معنى أنه حنبلي؟ أي إذا لم يكن في المسألة دليل من الكتاب والسنة والإجماع قدم قول الصحابي على القياس، هذا معنى حنبليته. والآخر يقول: يا حنفي، إذا لم يكن عنده دليل من الأصول الثلاثة الكتاب والسنة والإجماع قدم القياس على قول الصحابي، وهذا المالكي يقدم عمل أهل المدينة وهذا الشافعي لا يرى عمل أهل المدينة. من بني مذهبه على الترتيب العلمي كهذا فهذا لا بأس به، لا نقول إنه مشروع لكنه لا بأس به ولا يخالف السلفية.
وأما من تعصب لمذهب من المذاهب الأربعة المخالف لهدي السلف، سواء تعصب لمذهب من المذاهب الأربعة أو حتى تعصب لمن؟ لرجل من الرجال ولو كان إمام الأئمة، فإن المؤمنون عن التعصب أو عن الانتساب للمذاهب الأربعة وانتسب من انتسب لابن حزم أو للشوكاني أو لفلان وفلان، فما الفرق بين الانتسابين؟ فقيل هؤلاء لا يتعصبوا، إلا أن تقول إن سائر المالكية متعصبون أو سائر الحنابلة متعصبون، كلا. ابن تيمية رحمه الله خرج عن المذهب خروجات، ابن عبد البر خرج عن المذهب خروجات.
فإن الله ورسوله من التعصب، وأما الانتساب فهو ترتيب علمي. قال: فإن الاختلاف في الفروع رحمة، والمختلفون فيه، هذا اختلاف في الفروع ورحمة، وقع منهما مقام من الرحمة ومنه من وجه آخر، قد يكون اختلاف شر، كغياب الدليل على العالم، فهذا ليس من الرحمة والفضل. والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم، مثابون في اجتهادهم، واختلافهم رحمة واسعة واتفاقهم حجة قاطعة، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا حكم الحاكم واجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر» وهو في الصحيحين.
قال: نسأل الله أن يعصمنا من البدع ويحيينا على الإسلام والسنة، ويجعلنا ممن يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحياة ويحشرنا في زمرته بعد الممات برحمته وفضله، آمين. وهذا آخر المعتقد والحمد لله وحده، صلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً. تم بحمد الله، وتبين لك باختصار أن هذه الرسالة ليس فيها جملة واحدة يجزم بأنها غلط من المصنف، غاية ما فيها جمل مجملة تفصل في تقريرها، ويبين الحق المحتمل فيها ويدرأ الباطل المحتمل فيها، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين، ونعتذر لكم وللإخوة المرتبين عن التأخر. اليوم قد لا يكون عندنا أسئلة إنما كما يرى الشخص، ثمة سؤال للإخوة وثمة سؤال للأخوات سبق من شرح الرسالة أو لعلنا نضع السؤال في هذا الدرس. مسألة التفضيل بين الخلفاء الأربعة، التفضيل لعلي بن أبي طالب على عثمان، هل يقال إنها من المسائل التي انضبط فيها الإجماع؟ وما الجواب عن قول من قال من الأئمة من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار؟
أحسنت، واضح أن المعنى قائم في نفسه قد يكون تعبير أخونا، ابن تيمية يقول إن الإنسان يكون في نفسه معاني لا يستطيع التعبير عنها. الظاهر أن ولدك كذلك، عسى ألا يستمر كذلك، عسى أن يفتح الله عليه بلسان مبين.
السؤال الثاني من الأخوات قيل في آخر الكلام فيما يتعلق بقول المصنف لا نكفر أحداً بذنب، أو في مسألة الصلاة، من لم يكفر تارك الصلاة، هل نقول إن قوله من أقوال أهل المرجئة؟ أم أن فيه تفصيلاً؟ هل نقول من لم يكفر تارك الصلاة هل قوله مرجئة أم أن فيه تفصيلاً بحسب الدليل الذي استدل به على عدم كفره؟ هذا الجواب والله أعلم ماذا يكون.
الشيخ يوسف الغفيص