في الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد، وهذه الرسالة، وهي الجمعة في الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد، فهي رسالة فاضلة جامعة لجملة من مسائل أصول الدين التي تنازع فيها أهل القبلة. وإذا ذكر أهل القبلة فإنما يُعنى بهم جماعة المسلمين من أهل السنة وغيرهم. فهذه رسالة نشر فيها المؤلف رحمه الله جملة من مسائل أصول الدين على طريقة مقاربة لطريقة الأئمة السالفين، حيث ذكر جملاً من أقوال السلف والأئمة، فضلاً عما يذكره من الدلائل الشرعية من كلام الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
هذه الرسالة إذا تأملتها وجدت أن الإمام ابن تيمية رحمه الله لما وضع أو كتب الرسالة الواسطية، فإنه درج على هذه الرسالة للإمام الموفق. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله معظماً لأبي محمد الموفق، وقال عنه كلمة: «إنه لن يدخل في الشام بعد الأوزاعي أفقه من أبي محمد». المقصود أن هذه الرسالة رسالة لها اختصار، والرسالة الواسطية المعروفة لشيخ الإسلام ابن تيمية قد وضعها الإمام ابن تيمية على محاكاة هذه الرسالة للموفق، فإنه كان شديد التعظيم له. وأنت إذا قرأت الرسالتين وجدت أن الإمام ابن تيمية قد حاكى الموفق في رسالته ورتبها على نمط ترتيبه، وإن كان شيخ الإسلام قد استظهر بها أكثر في باب الاستدلال بالنصوص، وأعطاها جملاً موصولة كما سلك في العلو، فإنه أطال فيها مما لم يقع في كلام الموفق من التفصيل، وكذلك مسألة القدر فإنه فصلها.
فالمحصل أن الفرق بين الرسالتين ربما يتحقق في أن كلام الإمام ابن تيمية أكثر تفصيلاً، بخلاف الموفق فإن في كلامه إجمالاً، وإن كان إجمالاً لا يمنع البيان في موضع آخر. هذه الرسالة تُعد من الرسائل الفاضلة في تحقيق عقيدة السلف أهل السنة والجماعة، وإن كان بعض المعاصرين وممن تكلم على هذه الرسالة قد بالغوا في بعض التثريب على صاحبها في بعض المسائل، وذكروا أنه ليس محققاً لمذهب السلف وطريقتهم. نظروا في شيء من كلامه في مسألة التفويض كما سيأتي إن شاء الله للتعليق عليه، وبعض الأحرف الأخرى، والتحقيق أن هذه الرسالة ليس فيها غلط صريح. هذه نتيجة نصل إليها، أن هذه الرسالة الموفقة للموفق رحمه الله ليس فيها غلط صريح، وإنما فيها بعض المواضع التي فيها قدر من الإجمال والتردد.
إذا حصل قدر من المقارنة بين هذه الرسالة وبين رسالة جعفر الطحاوي المعروفة برسالة الطحاوية، فإن رسالة الموفق أشرف منها وأبعد عن الغلط في بعض المسائل؛ فإن أبا جعفر رحمه الله قد غلط في مسائل غلطاً صريحاً، لأنه حاكى مذهب أبي حنيفة في مسألة الإيمان محاكاة تامة، ونقل عن بعض أصحابه من الأشعرية بعض الجمل المجملة في مسألة العلو، وإن كان لم يلتزم نتائجها، إلى غير ذلك. على أن رسالة أبي جعفر الطحاوي أيضاً هي رسالة فاضلة في مذهب أهل السنة والجماعة، لكن رسالة الموفق أقرب إلى طريقة أهل الحديث منها، فالمقصود من هذا أن هذه الرسالة ليس فيها غلط.
الحق المصنف بذلك ذكر ما يتعلق بالمحكم والمتشابه. أنت الآن نسأل الله سبحانه وتعالى فيه أنه محكم وذكر فيه أنه متشابه؛ فذكر أن منه آيات. أما إحكامه العام فهو ضبطه واستقامة معناه، وأنه حق ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إلى آخره. وأما كونه كتاباً متشابهاً، فالمراد بتشابهه العام أن بعضه يصدق بعضاً ويشبه بعضاً، كما تقول هذه مسائل أشباه، وهؤلاء رجال أشباه لما بينهم من التوافق والاشتراك. وأن المحكم الخاص والمتشابه الخاص المذكور فيه قوله تعالى في سورة آل عمران، هذه عنوان الآيات التي ذكر المصنف هذا محل خلاف بين المفسرين.
جملة من المتأخرين درجوا على أنهم يجعلون آيات الصفات هي المتشابه، ومنهم وهم أقل من يجعل آيات الصفات من المتشابه، فرق بين الطريقتين. أما من قصر الكتاب على آيات الصفات، فهذا لم يفصلها على آيات الصفات إلا المتكلمون من أهل البدع، ومنهم من قال إن آيات الصفات من المتشابه، وهذا أيضاً لا أصل لها. النتيجة أن آيات الصفات ليست من المتشابه، وابن قدامة هنا وهم رحمه الله، لكن هذا الوهم ليس عقديًا، هذا وهم تفسيري؛ لأنه لم يجعله مطرداً في سائر الصفات، إنما يقول إن المشكل يكون متشابهاً والمتشابه يجب تفويضه على هذه الآية، فإذاً هذا وهم تفسيري وليس وهماً عقدياً. الصحيح كما أسلفت أن آيات الصفات من المحكم، وأنها ليست من المتشابه، وإنما المتشابه ما أشكل أو تردد معناه.
وعليه بقوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]، إذا كان الوقف على ذلك، صار المتشابه هو ما أشكل على طائفة من أهل العلم، ويكون من جنس قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان: «الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس». وأما إذا كان الوقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، فيكون الراسخون في العلم، فإن التشابه هنا يراد به الحقائق الغيبية التي تختص الله سبحانه وتعالى بها، كتحقق الذات والنعيم، وكحقائق صفاته سبحانه وتعالى، فهذه لا يعلمها إلا ما هو شيء مجهول للمخاطب.
نعم، وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7]، فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أملوه وقطع أطماعهم عما قصدوه بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. ولم يرد المصنف بذلك أن سائر آيات الصفات هي من المتشابه الذي يوقف عليه، والدليل على أنه لم يرد ذلك أنه فصل الرسالة هذه وفي غيرها فصل ذكر الأسماء والصفات ومعانيها إلى غير ذلك. ولهذا الإمام ابن تيمية كما أشرت لما ذكر الحنابلة قال إنهم ثلاثة: قسم يميل إلى شيء من طرق المتكلمين كبعض التميميين وكابن عقيل وأمثال هؤلاء، قال: وقسم يبالغون في الإخلاص يزيدون فيه كعبد الله بن حنبل، قال: وقسم من أصحابنا محققون لطريقة الأئمة أحمد وغيره وطريقتهم هي طريقة أهل الحديث المحضة، كشيخ أبي محمد، ويقصد الشيخ أبا محمد الموفق صاحب الرسالة.
فحكم شيخ الإسلام عليه حكم عدل، ولهذا لو كان الموفق مفوضاً لما فات على ذلك، خاصة أن هذه الرسالة قد وضعها الإمام ابن تيمية على نسقها وعلى نفسها، ومن يتأمل هذه الرسالة ورسالته كما أسلفت يجد أنهما متطابقتان في سلفهما، حتى لو كرر بعض الأحرف ورتب بعض المسائل على نفس الترتيب إلى غير ذلك. نعم، قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله ينزل إلى الدنيا»، «وإن الله يرى في القيامة»، وما أشبه هذه الأحاديث: نؤمن بها ونصدق بها، لا كيف ولا معنى، ولا نرد شيئاً منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نعم، هذا الكلام الذي نسبه الموفق للإمام أحمد رحمه الله يقال فيه إن ما نسبه الحنابلة أو غيرهم ممن ينسبون إلى أئمتنا من الكلام يكون على وجهين: تارة يكون الكلام أفصل، وتارة يكون الكلام مجملاً. فهما في مذهب الإمام أحمد خاصة في نقل أصحابه عنه في العقيدة، هذا الإشكال محصله أن جملة من الحنابلة فهموا مذهب الإمام أحمد في الصفات فهماً، وجملة فهموه فهماً آخر، فصار بعضهم يلخص فهمه وينقله عن الإمام أحمد، ولهذا مثل ذكره الإمام ابن تيمية وهو على الجلالة يفقه مثل هذا التقرير في نقل أقوال الأئمة، أبو الحسن التميمي من الحنابلة خلط في عقيدة الإمام أحمد، وجعل هذا الكتاب على لسان الإمام أحمد، فجعل يقول مثلاً: وكان أبو عبد الله يقول، سمعت بجمل، وكان أبو عبد الله يقول، كان أبو عبد الله يذهب إلى كذا، وهكذا كان أبو عبد الله وكان أبو عبد الله. هذا النقل لم ينقله برواية عن كبار أصحاب أحمد كحنبل أو عبد الله أو كصالح أو أمثاله، إنما هو فقه التميمي فنقله على لسان الإمام أحمد.
التميميون من الحنابلة في الجملة متأثرون بالكلابية بمعنى أنهم يؤولون صفات الأفعال، ولهذا لما جاء لقول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: 22]، قال: وكان أبو عبد الله يقول جاء ربك جاء أمره، يقول وكان أبو عبد الله يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ جاء أمره، هذه الرواية فقه ظنه التميمي في كلام الإمام أحمد، ولهذا لما جاء البيهقي وهو شافعي يميل إلى طريقة الأشاعرة وصنف في مناقب الإمام أحمد وجاء لذكر عقيدته، نقل هذا الكلام. وجاء حتى من هو أدرى بهذه الأمور كابن كثير في البداية والنهاية لما ترجم للإمام أحمد، روى عن البيهقي أن الإمام أحمد كان يقول في ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ جاء أمره.
وهناك أغلاط عند أبي الحسن التميمي أكثر من هذا في نقله لعقيدة الإمام أحمد، وإن كانت مسألة المجيء قد يكون لها استثناء لأن حنبل بن إسحاق روى عن الإمام أحمد: «وجاء ربك جاء أمره»، ولكن جمهور أصحاب الإمام أحمد غلطوا حنبل في هذا، وتواصوا عن أحد في إثبات الصفات. المقصود من هذا أن هذا النقل الذي نقله الموفق ليس نصاً على العبادة، إنما هو فهم فهمه بعض الحنابلة لمعاني الإمام أحمد، ولهذا الإشكال في هذا النقل هو في قول «لا كيف»، هذا لا إشكال فيها، قوله «ولا معنى»، هذا أحسن ما يُجاب عنها أن هذا فهم، فهمته طائفة من الحنابلة عن الإمام أحمد.
فقال: ما هو هذا الفهم في حسب قائله؟ إن كان قائله محققاً عارفاً، فقد يكون تأخر في العبارة وأراد بالمعنى المعنى الذي اخترعه المتكلمون عن مآل الصفات، أي لا معنى مخالف الظاهر. وإن كان القائل بذلك مفوضاً أو ناطقاً بالتفويض فهو أراد بذلك المعاني الظاهرة وهذا غلط على الإمام أحمد. المحصل أن طالب العلم دائماً ينبغي ألا يقف عند الأشياء التي لا تحتاج إلى وقوف، الإمام أحمد قد انضبط مذهبه أنه يثبت الصفات، وهو من أشهر الأئمة في هذا، وأنه بريء من مادة التفويض جملة وتفصيلاً. التفويض هذا الذي نقل عنه هو أولاً ليس نصاً له بإسناد منضبط، إنما هو فهم فهمه بعض أصحابه. هل الموفق نقله منه؟ غيره أم أنه هو فهمه هكذا؟ هذه مسألة مترددة بين احتمالين، وعليه لا يُلتفت إلى هذا، كما أن هذا التقرير لا يدل على أن الموفق عام يفوض تفويضاً عاماً. ولهذا مع أنه ذكر رسالة النزول إلا أنه ذكر أن مما يؤمن به من الصفات مسألة النفس.
نعم، قال: ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه، بلا حد ولا غاية، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، فنقول كما قال، فنصفه بما وصف به نفسه، لا نتعدى ذلك، ولا يبلغه وصف الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شناعة، نعم. هذا براءة من التفويض، هذا براءة واضحة أنها تزيد، ولا نزيد، لو كان الرجل مفوضاً لما أمكنه أن يقول هذا. نعم، ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كل ذلك، ولا نعلم كيف كل ذلك، هذا براءة من التفويض أو ليس كذلك؟ لأنه علق التفويض العام في المشكل والتفويض العام، هذا ذكر المشكل وغير المشكل، التفويض العام جعله مطلقاً ليس خاصاً بشيء، لكن أين موضعه؟ الكيف.
هنا المصنف لما ذكر التفويض العام التزموا فيه في الكيف، ولا نعلم ونفوض ولا نعلم، لكن ماذا في المعاني؟ كلا، إنما قال ولا نعلم كيف كل ذلك، فإذاً التزم التفويض الآن للكيفية، وهذا مذهب السلف كما قال مالك: «والكيف مجهول». نعم، قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله. نعم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين.
من شرف هذه الرسالة أن مؤلفها نقل فيها عن جملة من أئمة السلف الإمام أحمد فيما سلف، وإن كان سبق الإشارة إلى أن النقلة الثالثة عن أحمد رحمه الله ليس بالضرورة أن يكون من موصوفه، والحمد لله أنه فهم فهمه أصحابه فعبروا به عنه. وهذا النقل عن الإمام الشافعي أيضاً نقل فاضل على ما فيه من الإجماع، فإن الجملة التي قالها الشافعي رحمه الله هي جملة متحققة ابتداء، وليس فيها مادة من الاختصاص، ليس فيها مادة من الاختصاص، فإنه قال: آمنت بالله لما جاء في كتاب الله وبما جاء عنه سبحانه وتعالى، أي ما أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم على مراد الله، وآمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله.
وترى أن هذه الجملة تُعد من الجمل ابتداءً عند الكائن، وإنما يذكر الشافعي ونقلها من نقل عنه من أصحاب السنة والجماعة من الفقهاء والمصنفين بأصول الدين لما فيها من الإشارة إلى ترك التأويل، فإن جملة الشافعي هذه فيها إشارة بينة إلى مخالفة طريقة أهل التأويل من المتكلمين الذين تأولوا نصوص الصفات، هذا هو وجه نقلها، ينبهوا في هذه الجملة التي رواها أو ذكرها عن الشافعي أن الشافعي رحمه الله.
نكرر بهذا وجها من أوجه التفويض لمعاني الصفات، وهذه الجملة قد زعم بعض الفقهاء من أصحاب الشافعي وبعض أصحاب أحمد أن الشافعي بهذه الجملة يذهب إلى شيء من التفويض. وكما أسلفت إن مسألة التفويض لمعاني الصفات مسألة أشكلت على كثير من الفقهاء، وما من إمام من الأئمة الأربعة إلا ونسب إليه أصحابه، أو بعبارة أدق إلا ونسب إليه بعض أصحابه غير جملة من التصحيح، فأحمد نسب إليه في التوحيد، والشافعي نسب إليه لمثل هذا القول الذي قال، ومالك رحمه الله لما قال جملته المعروفة: «معلوم وكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة»، نسب إليه شيء من التفويض.
وكذلك الفتن المأثورة عن بعض المتقدمين من السلف في كونهم أمروها كما جاءت بلا كيف، وهذه جملة منسوبة أو مروية عن مكحول والزهري وسفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي إلى غير ذلك، فهذه الجمل إذا تأملتها لا ترى أن فيها مادة من التخطيط، بل قول الشافعي هذا ليس كذلك، إنما فيه تقرير لكونه رحمه الله يذهب إلى إثبات الإيمان بمراد الله، ومن لك أن تقول إن هذه الجملة مخالفة لقول المفوضة؟ مخالفة لمكان مفوضة؛ لأن الشافعي رحمه الله بين أنه آمن بها على مراد الله وعلى مراد رسوله، فظهر أن لله ولرسوله مرادا من جهة المعنى في هذه النصوص، وإذا كان له سبحانه وتعالى مراد ومن رسوله مراد في خطابه، نجد أن هذا المراد مما يمكن فقهه وفهمه وهو عليه.
هذا قول معروف لجملة من أئمة السلف، هذا أيضا فيه براءة من التفسير؛ لأن قولهم «أمروها كما جاءت» دليل على أنها تؤخذ على ظاهرها في المعاني، وقولهم «بلا كيف» إنما هو نفي للكيفية، وكونه يخصص كيفية النفي بنفي العلم دليل على أن المعنى من جهة أصله يكون معلوما. نعم، قال رحمه الله: على هذا درج السلف وأئمة الخلف رضي الله عنهم، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار وإثبات ما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله، أي غير تعرض لتأويله، وأراد هنا التأويل الذي يحدثه المتكلمون، وهو صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز، وصرف اللفظ عن الظاهر إلى غيره؛ فهذا هو التأويل البدعي الذي يحدثه المتكلمون من المعتزلة وغيرهم في باب الأسماء والصفات كما في بعض المواضع المجملة المحتملة.
فهذا فيما يتعلق بمقدمة يحتاج إليها في ذكر هذه الرسالة، إذا ابتدأت بقراءة هذه الرسالة أن مؤلفها ذكر في مطلعها جملة من مقامات الربوبية، ولهذا يصح أن نقول إن من فضائل هذه الرسالة أن فيها تقريرا للمعتقد على التحقيق، فإنها ليست من الأحرف التي تقرر جملة من النظر أو التصورات، فيها ذكر لشيء من الحقائق الإيمانية التي يترتب على قراءتها فضلا عن التأمل فيها تحقيق للإيمان ظاهرا وباطنا، ولهذا ذكر فيها جمل من التعظيم لمقام الربوبية ومقام الألوهية وجملة من التعظيم لمقام النبوة والرسالة، مما يتحقق به قدر من التأصيل بين الظاهر والباطن، ومن هذه الجمل التي المصنف بذكرها هي جمل عامة في تقرير مقام الربوبية.
والذي درج عليه أكثر المتأخرين إذا صنفوا في مسائل الاعتقاد أنهم يذكرون الجمل التي كثر النزاع فيها بين أهل القبلة، كما أسلفت، فنأخذ في تقرير رسائل هذه الرسالة تقريرا موضوعيا بعد هذه المقدمة، ويكون الموضوع الأول المبتدأ بذكره في هذا المجلس متعلقا بأشرف المسائل في الكلام في مسائل أصول الدين التي تنازع بها أهل القبلة، وهي مسألة أسماء الرب سبحانه وتعالى وصفاته، فإن هذه المسألة هي أشرف مسألة حصل فيها نزاع بين المسلمين، قال المؤلف عليه رحمة الله تبارك وتعالى ونفعنا الله بعلمه وبعلم شيخنا في الدارين آمين:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله المحمود بكل لسان، المعبود في كل زمان، الذي لا يخلو من علمه مكان، ولا يشغله شأن عن شأن، جل عن الأشباه والأنداد، وتنزه عن الصاحبة والأولاد، ونفذ حكمه في جميع العباد، لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، الرحمن على العرش استوى، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى، أحاط بكل شيء علما، وقهر كل مخلوق عزة وحكما، ووسع كل شيء رحمة وعلما، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما.
نعم، هذه الجمل مجملة كما في تقرير مقام الربوبية، وهذه الجمل وأمثالها مما يذكر في مسائل أو كتب أصول الدين ليس فيها شيء من النزاع بين المسلمين، بل جميعهم يقرون بهذه الجمل من حيث معناها الكلي، وهم كانوا بحسب قربهم من السنة وهدي صاحبها يقومون على درجات في تحقيق هذه الجمل في الإقرار من مقام الربوبية والتوحيد وغيرها، ولكن يقال إن هذه الجمل ليس فيها شيء من النزاع، وإنما مبتدأ التقرير المقصود في كلامه رحمه الله في قوله «موصوف بما وصف به نفسه»، بدأ المصنف بذكر مسألة الصفات، وهي فرع عن مسألة الربوبية.
ولهذا إذا ذكر المقسمون للتوحيد قالوا إن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، وترى أن الأسماء والصفات هي جملة من جمل الربوبية، ولهذا فإن الذي درج عليه خلق من أهل العلم قبل مثل هذا التقسيم، أنهم يجعلون التوحيد على قسمين: توحيد المعرفة وتوحيد الطلب، ويجعلون توحيد المعرفة فهو توحيد الربوبية وباب الأسماء والصفات منهم، وهذا التقسيم إذا قيل إن التوحيد إلى قسمين أو قيل إن التوحيد إلى ثلاثة أقسام، هذا كله اصطلاح، ولهذا لا أن تقول إن التوحيد واحد، ولك أن تقول إن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام أو تقول إن التوحيد ينقسم إلى قسمين، فمثل هذه المصطلحات ليست هي من السنة اللازمة التي يجب على جميع المسلمين أن يلتزموا بها، وإنما الذي يجب على المسلمين أن يلتزموا به هو تحقيق التوحيد.
وأما أن يقال إنه ينقسم إلى قسمين أو ينقسم إلى ثلاثة، إذا صحت المعاني اتفقت، فإن هذا يكون من الاصطلاح الواسع الذي لا مشاحة فيه، فيما يتعلق بسنة توحيد الربوبية هذه الجملة ليس فيها نزاع بين المسلمين، وإن كان المسلمون يختلفون في تحقيقها بحسب قربهم من السنة والجماعة. وكذلك جملة توحيد الألوهية، وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، فهذا التوحيد ليس فيه خلاف بين خلق المسلمين، أعني أن الدين بمعنى أنه ليس هناك طائفة من طوائف المسلمين تعارض في مناط هذا التوحيد وتقرر حقائقه، وهذا التوحيد الذي مقصوده لزوم إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، وأن من صرف عبادة لغير الله فقد كفر وأشرك، هذا القدر وهو مناط حجر الألوهية هذا قدر مجمع عليه بين مسائل طوائف المسلمين من أهل السنة والمتكلمين، معتزلتهم وأشعريتهم وعامة الصوفية إلى غير ذلك.
وإن كان هذا الكلام لا يلزم منه أن الطوائف الخارجة عن السنة والجماعة تكون محققة لهذا المناط، بل يعلم أن ثمة صورا من الشرك تقع عند جملة من الطوائف، فغالية الشيعة وغالية الصوفية فإنهم يقعون في مادة من الشرك الأكبر وهذا عند بعض ولاة طوائفهم، ولكن من حيث المسلمين نزاع في تصحيح الألوهية، وإن كان يقال كما يكرره كثير من أهل العلم أن المتكلمين ولا سيما المعتزلة والأشاعرة الغلاة في علم الكلام الأشعرية، لا يعنون بذكر مسألة توحيد الألوهية ومنهم من يقول إنهم لا يعرفونه، وهذا فيه زيادة، بل توحيد العبادة توحيد الألوهية معروف عند المعتزلة، معروفا عند الأشاعرة، لكنهم لا يعنون بذكره، هذا عندهم تقصير في تقريره وفي بيانه وفي تحقيقه وفي بيان أنه أول الواجبات، هذا كله فالقوم مقصرون في تحقيقه.
وإن كانوا موافقين في أصله، فإن عدم ذكر هذا التوحيد في كتب المعتزلة أو الغلاة من الأشعرية ليس مبناه على أنهم لا يقولون به وليس مبناه على أنهم لا يعرفونه، فإن إفراد الله بالعبادة مستقر عند عامة طوائف المسلمين، وإن كان كما أسلفت أن هذا الاستقرار يدخل عليه فواتن إلى حد الشرك الأكبر عند قوم من غالية الشيعة أو غالية الصوفية، وجماهير الصوفية وعامتهم يثبتون أصل التوحيد ويحققونه، وكذلك أكثر من طوائف الشيعة يفردون أصل التوحيد ويحققونه من جهة كونه أصلا، وإن كانت هذه الطائفة وهذه الطائفة يقع عندها مادة من هذا الشرك الأكبر أو شركا أصغر.
فالمقصود من هذا أن توحيد الألوهية من حيث الأصل مسلم عند عامة المسلمين، ولا أحد من المسلمين يقول إن صرف عبادة لغير الله صحيح أو مما يؤذن فيه أو مما يشاء، وإن كان باب التأويل نقع فيه سعة ولا سيما عند الطائفتين اللتين سبق ذكرهما، وأما ما يتعلق بباب الأسماء والصفات فإن المسلمين اختلفوا في مناطها اختلافا معروفا، وإن كان أصل بابه مجمعا عليه بين المسلمين. الفرق بين أصل بابه وبين مناطقه، قيل المراد بأصل باب الأسماء والصفات هو أن الله سبحانه وتعالى مستحق لكل كمال منزه عن النقص، هذا القدر أن الله تعالى مستحق للكمال منزه عن النقص هذا مجمع عليه بين سائر طوائف المسلمين، ولا أحد من المسلمين يقول إن الله موصوف بشيء من النقص، لا معتزلة ولا أشاعرة ولا غيرهم، بل هذا قدر مجمع عليه.
ولا يقول بمعارضة هذا الأصل إلا زنديق كافر، فإنه لو قال أحد إن الله يوصف بما هو له أو قال إن الله ليس مستحقا للكمال والتمام، فإن هذا لا يمكن أن يكون مسلما ينتسب لطائفة من طوائف المسلمين حتى ولو كانت طائفة، وبهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وقد اتفق المسلمون على أن الله سبحانه مستحق للكمال منزه عن النقص، وإنما اختلفوا في تحقيق المناط، ومعنى هذا الكلام أن المسلمين اختلفت طوائفهم فيما هو الكمال وما هو النقص الذي عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم والأئمة من بعدهم، وهو طريق أهل السنة والجماعة والسلف، أن تحقيق الكمال هو بإثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات، وأن يرفع عنه سبحانه وتعالى كل نقص مما صرح بذكره في كتاب الله أو لم يصرح به الشأن.
وسيأتي إن شاء الله الفرق بين باب الإثبات في الصفات وباب النفي، فهذا هو الكمال عند أهل السنة والجماعة، وذهبت المعتزلة إلى أن الكمال هو في نفي الصفات، وذهب الأشاعرة إلى أن الكمال في نفي صفات الأفعال التي يسمونها حلول الحوادث، إلى غير ذلك من الطرق التي ابتدعت وحصل بها كل فتنة وبلاء وغلط في مسائل أصول الدين عند المسلمين، ولكن مع ما يقرر من هنا في هذه الطوائف وبدعتها وخروجها عن السنة والجماعة إلى أقوال محدثة منكرة، كثير منها يقع أو يصل إلى حد الكفر من حيث هو قول، وإن كان القائل به لا يلزم أن يكون كافرا، فإن أصل هذا الباب كان على اتفاق بين المسلمين وإنما دخلت مادة التأويل.
هذا الأصل وهو باب الأسماء والصفات هو أول أصل هو أشرف أصل تنازع فيه المسلمون، وإذا أردت أن تستعرض على جملة من الإجمال ما حصل من النزاع في مسائل أصول الدين بين المسلمين، فإنه يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بتقرير مسائل أصول الدين وبذكر مسائل الفروع وأحكام الشريعة عليه الصلاة والسلام، وذهب وتوفي على هذا التمام والكمال الذي قال الله فيه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3]، ومضى على هذا الدرب الصديق، ثم جاءت خلافة عمر وفيها مادة من مقدمات الفتنة، وأشدها مقتله رضي الله تعالى عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الفتن في حديث حذيفة في الصحيح قال: «وإن بينك وبينها بابا يوشك أن يكسر»، وكان كسره هو مقتل أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه.
ثم لما جاء زمن وخلافة عثمان كثرت الفتنة من مسلمة الفتوح من أهل العراق وغيرهم، ثم لما جاءت خلافة أمير المؤمنين علي زادت الفتنة وحصل ما حصل لله، وما أعظمه، فحصل أول نزاع بين المسلمين في مسائل أصول الدين في مسألة الإيمان، ما هو الإيمان؟ ومتى يكون الرجل مؤمنا؟ ومتى يكون مسلما؟ ومتى يكون كافرا؟ وأول من أظهر المخالفة والخروج عن السنة والجماعة وهم قوم حدث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشأنهم وهم الخوارج، قال الإمام أحمد: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه، وحديثهم متواتر رواه مسلم في صحيحه من عشرة أوجه من حديث الخوارج، وأخرج البخاري طرفا منها وهو حديث متفق عليه بين أهل العلم بالحديث.
من حديث علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وجماعة من الصحابة، وذلك في قصة قسم النبي صلى الله عليه وسلم بذهب من اليمن، فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق الرأس، يشمر الجلباب، فقال: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل، فقال خالد بن الوليد وفي وجهه في الصحيح عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لعله أن يكون يصلي»، قال: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، قال عليه الصلاة والسلام: «إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم»، ثم نظر إليه وهو مقف، فقال: «إنه يخرج من بعدي هذا قوم تقرؤون مع صلاتهم صلاتكم، وصيامكم مع صيامهم، وقراءتكم مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد»، وفي وجه «قتلى ثمود»، وفي وجه «قاتلوهم، إن لمن قاتلهم أجرا عند الله»، وفي وجه «لو يعلم المقاتل لهم ما أعد لهم من الأجر لنكل عن العمل».
وحصل أن خرج هؤلاء في خلافة علي بن أبي طالب، وقالوا إن مرتكب الكبيرة من المسلمين كافر وأنه مخلد في النار. فصار النزاع في مسألة الإيمان ومسألة الكبائر، وهي شرعاً عن مسألة الإيمان، هو أول نزاع حصل في مسائل أصول الدين، وذلك في آخر الخلفاء الأربعة الراشدين بآخر خلافة علي بن أبي طالب. فصار أول نزاع هو مسألة الإيمان خالفت الخوارج، ثم قاربتها المعتزلة بعد، ثم ظهر ما يقابلهم وهم طوائف المرجئة الذين ساروا على النقيض من مذهب الخوارج والمعتزلة.
والمرجئة طوائف، ذكر الأشعري في مقالاته أنهم اثنتا عشرة طائفة، أشدهم إرجاءً جهم بن صفوان وأبو الحسين الصالحي، وأخفهم إرجاءً مرجئة الفقهاء أتباع حماد بن أبي سليمان الإمام السلفي الفقيه المعروف؛ لكنه زل رحمه الله وغلط في مسألة الإيمان، وإلا فهو من أئمة السنة والجماعة، لكنه غلط في مسألة الإيمان، وإن كان غلطه هو كما قال شيخ الإسلام من بدع الأقوال وليس من بدع العقائد، وتابعه على ذلك أبو حنيفة، وعلى هذا اشتهر قول مرجئة الفقهاء بلقب أبي حنيفة له، فشاع في أتباعه من الحنفية. هذا الأصل هو أول أصل، وهو مسألة الإيمان والكبائر، وظهر قول الخوارج وقابله فيما بعد قول المرجئة بطوائفهم، وأهل السنة مذهبهم في هذا الوسط المعروف يأتي شرحه إن شاء الله في هذه الرسالة.
ولما مضت ثلاثة الخلفاء الأربعة الراشدين وجاءت إمارة بني أمية وفي الفتنة التي كانت بين ابن الزبير وبني أمية بعد إمارة معاوية خلافة يزيد بن معاوية، خرج القدرية في العراق، وخرج قوم يقولون لا قدر وإنما الأمر أنف، وجملة مذهب هؤلاء أنهم ينكرون خلق أفعال العباد، وغلاتهم ينكرون علم الرب بها قبل كونها، وسيأتي إن شاء الله ذكر الفرق بين الطائفتين، وأن القدرية الغلاة المنكرة لعلم الرب هم قوم من الزنادقة من أهل فارس، وإنما أظهروا الإسلام نفاقاً، وهذا هو التحقيق في شأنهم وأنهم ليسوا للمسلمين في شيء. وقد أجمعت لا نقول أهل السنة بل أجمع المعتزلة القدرية على تفسير هؤلاء الغلاة، فضلاً عن إجماع جملة طوائف المسلمين. وأما غير الغلاة من القدرية فإنهم أهل بدعة وقولهم كفر وإن كانوا ليسوا كفاراً، قال شيخ الإسلام رحمه الله: وهذا النوع من القدرية ما علمت من السلف نطق بتكفيرهم. فالمقصود أن الأصل الثاني الذي حصل فيه نزاع هو القدر، ظهر القدرية وقابلهم الجبرية الذين يقولون بجبر العباد، وكان هذا قبل انقراض عصر الصحابة، في آخر عصر الصحابة وبعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين.
وأما المسائل الإلهية فإن عصر الصحابة انقرض ولم يحصل فيها نزاع بين أهل القبلة، وفي المئة الثانية وبعد عصر الصحابة ظهر قوم ينتحلون علم الكلام، وهو علم مولد من الفلسفة من فلسفة اليونان وغيرها، وأظهروا تعطيل الصفات كالجعد بن درهم والجهم بن صفوان وأمثال هؤلاء، فهؤلاء هم القوم الذين ضلوا في هذا الباب ضلالاً مبيناً. ولهذا كان السلف رحمهم الله يرون أن قول الجهمية قول كفر، فأجمع السلف على جملة من أقوال الجهمية على أنها كفر، وإن كانوا لم يلتزموا تكفير أعيانهم؛ فلكون هذه المسألة هي أشرف المسائل التي حصل فيها النزاع قصد المؤلف رحمه الله إلى تعظيم شأنها وذكرها على التفصيل في مبدأ رسالته. نعم.
الشيخ يوسف الغفيص