الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فهذا هو المجلس السابع من مجالس شرح لمعة الاعتقاد لابن قدامة عليه رحمة الله، في السادس من الشهر الخامس لعام ألف وأربعمئة وأربعة وعشرين.
قال المؤلف عليه رحمة الله تبارك وتعالى، لعن الله بعلمه وبعلم شيخنا في الدارين آمين: والايمان قول باللسان وعمل بالاركان وعقد بالجنان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين.
بعد ما ذكر المصنف القول في باب الأسماء والصفات والقول في القدر، وبنى القول في القدر من جهة أصله على القول في باب الصفات والربوبية من جهة أنه مقام في أفعال الله سبحانه وتعالى وصفاته، بعد ذلك ثنى بمسألة الإيمان ومقام الإيمان ومسماه عند أهل السنة والجماعة، فقال: فصل، والإيمان قول باللسان إلى آخره. هذا الأصل وهو القول في مسمى الإيمان ما هو؟ هو أول أصل حصل فيه نزاع بين أهل القبلة، هذا الأصل هو أول أصل اختلف المسلمون فيه. وإذا قيل أهل القبلة أريد بهم السواد من المسلمين من أهل السنة أو غيرهم. وهذا الخلاف ظهر في آخر خلافة الخلفاء الأربعة الراشدين، في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لما أظهر الخوارج القول بأن مرتكب الكبيرة كافر وأنه مخلد في النار.
وهذا مبني على قولهم في مسمى الإيمان، ومن هنا عني السلف بذكر هذه المسألة، وأئمة السلف رحمهم الله أجمعوا على أن الإيمان قول وعمل، وإنما اختلفت ألفاظهم وحروفهم. فالجمهور من أئمة السلف قالوا الإيمان قول وعمل، هذا تعبير جمهورهم. ومنهم من عبر عن هذه المسألة فقال الإيمان قول وفعل، كما عبر بذلك البخاري في صحيحه على رواية المشهورة في صحيح البخاري الآن. ومنهم من عبر بأن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان، كما هو التعبير الذي ذكره المصنف، وهو عن الشافعي وجماعة من السلف، وهذا التعبير الثالث كما ترى هو المشهور في كلام المتأخرين من أهل السنة. والغالب على الذكر عند متأخري أهل السنة أنهم يقولون الإيمان قول باللسان وعمل، اعتقاد بالجنان.
ومن التعابير السلفية أيضاً ما ذكره بعض عباد السلف كالساكن كسهل بن عبد الله التستري أنه قال: الإيمان قول وعمل ونية واتباع للسنة. ففي هذا التعريف أو في هذه التسمية إضافة واتباع للسنة. هذه الجمل السلفية وغيرها مما عبر به السلف عن مسمى الإيمان، الخلاف بينها هل نقول إنه خلاف لفظي؟ أم خلاف تنوع؟ أم خلاف تضاد؟ أيها الأول؟ أحسنت، إنه خلاف لفظي؛ لأن الخلاف اللفظي هو اتفاق المعاني على التمام، تكون المعاني من جهة مراد أصحاب الألفاظ معاني واحدة لا فرق بينهم. هذا هو الخلاف اللفظي، أما خلاف التنوع فلا، لتكون المعاني يصدق بعضها بعضاً ولا بينها اختصاص، كأسماء الله سبحانه وتعالى فهي متعددة، أليس كذلك؟ السميع البصير العزيز، هل التعدد هذا تعدد لفظي محض؟ أم أنه تنوع؟ تنوع، لأن كل اسم يختص بمعنى لم يذكر في الآخر بنفس الدرجة وإن كان قد يكون لازماً بالاسم الآخر، واعلم ما جرى.
فإذاً جمل السلف هذه نقول إن خلافها أو الاختلاف بينها اختلاف لفظي محض. فإذا قيل: أي هذه الجمل أجمع وأحكم من جهة التعبير؟ قيل: أحكمها ما عبر به جمهورهم وهو قولهم الإيمان قول وعمل. هذه الجملة أحكم من التعبير الذي ذكره جماعة وذكره المصنف هنا وهو الشائع عند متأخري أهل السنة أنه قول باللسان وعمل واعتقاد بالجنان. لماذا نقول إن الجملة الأولى أحكم؟ لأن هذه الجملة فيها عبارة لتضمن العمل للظاهر والباطن، والقول للظاهر والباطن، كما أن فيها إشارة إلى التلازم بين الظاهر والباطن. فإن الجملة التي ذكرها المصنف فيها صحيحة، لكن قد يتبادر حين يقال قول باللسان وعمل بالأركان؛ الأركان يراد بها الجوارح. أليس هذا يشعر بأن الأعمال الإيمانية هي أعمال الجوارح؟ حين يقال قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان، هذا كأنه يفهم منه أن الجنان ليس فيه إلا الذي هو القلب ليس فيه إلا الاعتقاد، وأن الأعمال هي أعمال الجوارح وهي أعمال الأركان. مع أنك تعلم أن الأعمال القلبية في الجملة أجل وأعظم من الأعمال الجوارحية الظاهرة.
هل هذا المراد مقصود في كلام المتكلمين به من السلف أنهم لا يقصدون دخول أعمال القلب في الإيمان؟ لا، لم يقصدوا ذلك. هم قصدوا أن أعمال القلب داخلة في الإيمان، لكن التعبير فيه اختصار. ولذلك نقول إن التعبير الذي يقول الإيمان قول وعمل هذا أتم وأحكم، وهو الذي عبر به الجمهور من السلف. قد يقول قائل: إن هذا التعبير ليس فيه ذكر للاعتقاد، نقول: لما قال السلف الإيمان قول وعمل، أرادوا بالقول قول القلب وقول اللسان، وأرادوا بالعمل عمل القلب وعمل الجوارح. ما هو قول القلب؟ تصديقه، وكل تصديق شرعي أخبر الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم به فهو قول القلب. إذاً القول هو التصديقات، وقول اللسان بين وهو النطق بالشهادتين وغيرهما مما يكون باللسان. وعمل القلب هو حركة بهذا التصديق بأعماله المناسبة له مثل المحبة والخوف والرجاء والإنابة والتوكل وغير ذلك، وعمل الجوارح بين كالصلاة والطواف بالبيت والحج إلى غير ذلك.
وعلى هذا يكون مبنى الإيمان على أربع موارد: المورد الأول قول القلب الذي هو تصديقه. الثاني قول اللسان. الثالث عمل القلب وهو حركته بهذا التصديق بأعماله المناسبة له. الرابع عمل الجوارح وهي ظاهرة. إذاً ما الفرق بين قول القلب وبين عمله؟ قول القلب تصديقه، وأما عمل القلب فهو حركته بهذا التصديق، أن يتحرك هذا التصديق إلى أعمال قلبية. والأعمال القلبية ثبوتها في النفس من جنس ثبوت الأعمال الظاهرة، أليس كذلك؟ فإن كل عاقل يدرك ما فيه من المحبة أو من الخوف ومن الرجاء أو من التعظيم أو من الإنابة أو الاستعانة وغير ذلك من أعمال القلوب، بل إن ثبوت أعمال القلوب أخص من ثبوت أعمال الجوارح، ولذلك ليس هناك في الشريعة عمل واحد من أعمال الجوارح إلا وهو مبني على عمل قلب.
ولذلك إذا تجرد عمل الجوارح أو عمل ما من أعمال الجوارح الشرعية إذا تجرد عن قلب وعن الاتصال بمقام القلب تصديقاً وعملاً لا يصير عملاً شرعياً، أما أنه يكون نفاقاً كالمنافق إذا أظهر الصلاة وليس في قلبه التصديق وقصد العمل القلبي إلى الصلاة، وأما أنه قد يكون صورته صورة العمل الشرعي وهو ليس شرعياً، كشخص أراد التبرد ففعل ما يفعله للوضوء، الآن غسل يده ثم وجهه وتمضمض إلى آخره، نقول فعل بعض الوضوء أليس كذلك؟ هل من شرع بذلك بنية التبرد نقول فعل بعض العبادة؟ حتى ولو تم ذلك المغتسل إذا اغتسل عن الجنابة أو لغسل الجمعة أو نحو ذلك مما شرع الغسل له كدخول مكة إذا اغتسل على قصد غسله عبادة مشروعة، وإذا اغتسل تبرداً أو تنظفاً فهذا ليس من العبادات المقصودة ذاتها أو المنصوصة بذاتها. فإذاً ترى أن عمل القلب أثبت من أعمال الجوارح، توجد أعمال قلبية تختص عن عمل الجوارح، ولكن لا يمكن أن يوجد عمل من أعمال الجوارح إلا وهو مبني على عمل القلب وتصديقه، فهذا هو التعبير الذي عليه جمهور من السلف وهو الصواب من هذا الوجه أو الصواب من جهة إحكام الألفاظ، وإلا فمعاني السلف كلها متفقة.
يقولون الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، أيضاً هذا التعبير يزيد وينقص، تنوع كلام السلف أو تقول اختلف كلام السلف فيه اختلافاً لفظياً، منهم من يقول يزيد وينقص، وهذا هو الذي عبر به جمهورهم، ومنهم من يقول إنه يتفاضل عبروا بلفظ التفاضل، وهذا تعبير عبد الله بن المبارك وجماعة من السلف، ومنهم من يقول إنه يزيد ويسكت عن لفظ النقصان، وهذا جواب مروي عن مالك، أو تكون بعبارة أتم هو أحد أجوبة مالك. والنقل عن مالك جواب بالتصريح بزيادة الزيادة والنقصان في جواب مالك، هذا تنبه له طائفة من المالكية وبعض من تكلم عن مذهب مالك في الإيمان من المرجئة وبعض أهل السنة المتأخرين ولا سيما الشراح قالوا إن في إحدى الروايتين عنه يذهب إلى زيادة الإيمان ولكنه لا يقول بنقصانه، ثم منهم من يقول إنه يتوقف في نقص الإيمان، ومنهم من يقول إنه يتوقف في نقص الإيمان، وكلا الفهمين لقول مالك هذا غلط، فإن مالكاً رحمه الله إنما توقف في حرف النقصان في اللفظ، والتوقف في اللفظ هل يستلزم التوقف في المعنى فضلاً عن نفي المعنى؟ التوقف في لفظ لا يستلزم التوقف في معناه فضلاً عن نفي معناه، واضح؟ فإذاً مالك توقف في اللفظ لم توقف في أحد أجوبته؟ لأن لفظ النقصان ما نطق به القرآن، هل ترون في كتاب الله ذكراً لنقص الإيمان بهذا اللفظ؟ لا، إنما في القرآن زيادة الإيمان وليس بالقرآن ذكر نقصه، فمن هنا مالك رحمه الله في بعض جواباته قطعاً لشبهة المرجئة وغيرهم قال يزيد، ومن أقر بالزيادة يلزمه أن يقر بالنقصان.
ولهذا إذا قيل ما دليل السلف على نقص الإيمان؟ قيل الأدلة على زيادته، ولهذا لما قيل للإمام أحمد الإيمان يزيد وينقص؟ قال: نعم، قيل: أين هو في كتاب الله؟ فذكر الآيات التي فيها ذكر زيادة، قيل: ونقصه؟ قال: كما يزيد ينقص، أي إذا سلم بزيادته لزم ضرورة عقلية أنه ينقص. فهذا من فقه مالك رحمه الله وهذا من فقه المقامات، أنه أجاب في مقام بما استدعى إليه المسألة، القصد أن من زعم أن مالكاً يتوقف في نقص الإيمان أو ينفي نقص الإيمان في رواية من رواياته فهذا غلط عليه بل الصواب أنه حرف في رواية مالك، إذاً هذا تعبير من التعبيرات وهي المشهورة عند المتأخرين يقولون يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، هذا التعبير في الغالب أنه يرتبط بالتعبير الذي يقول الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان إلى آخره.
أي هذه التعبيرات أتم؟ من يقول يزيد وينقص أو من يقول يتفاضل أو من يقول يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية؟ أتمها من يقول يزيد وينقص، لأنك إذا قلت يزيد وينقص أعدت الزيادة على جميع موارد الإيمان وأعدت النقص على جميع موارده، بخلاف ما إذا عبر بكلمة يتفاضل فإنها أقل في التحصيل والتفصيل من كلمة يزيد وينقص، وإن كانت صحيحة لكنها فيها إجمالاً. وكلمة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية هذه صحيحة لكن أحياناً يتبادر منها أن زيادة الإيمان ونقصه متعلق بأعمال الجوارح، وهذا ليس بصحيح بل يزيد في سائر موارده، وإن كانت الطاعة يقصد بها الطاعة الظاهرة والطاعة الباطنة لكن الناس في الغالب يتبادر عندهم، وعلي بن أبي طالب يقول: حدثوا الناس بما يعرفون، فالناس يتبادر عندهم إذا ذكرت الطاعة والمعصية تبادر إلى الطاعات الظاهرة والمعاصي الظاهرة، ولذلك يقال يزيد وينقص ليبين أن هذا شمول وعموم، وإلا فلا شك أنه يمكن أن نقول يزيد بالطاعة ونقول الطاعة هي الطاعة الظاهرة والباطنة، هذا لا يحتاج أدلة حولها، هذا صحيح.
إذاً هذا هو قول السلف رحمهم الله، ودليل هذا القول كسائر الأصول السلفية السنية أن يكون الكتاب والسنة والاجماع، وهذه قاعدة، ليس هناك أصل واحد من أصول السلف إلا ودليله الكتاب والسنة والإجماع. أما الأقوال المخالفة لقول السلف فهي تنقسم إلى قسمين: القول الأول هو قول الوعيدية من الخوارج والمعتزلة ومن يشاركهم في هذا القول من بعض طوائف الشيعة الذين تأثروا بقول المعتزلة وذهبوا إلى طريقتهم من الزيدية، هؤلاء يقولون إن الإيمان قول وعمل ولكنه عندهم لا يزيد ولا ينقص، فمن ترك واجباً من واجبات الإيمان فقد عدم الإيمان، وإذا عدم الإيمان يسمونه إما كافراً كما تقول الخوارج، وإما فاسقاً قد عدم الإيمان وأخذ منزلة الفسق المطلق كما هي طريقة المعتزلة.
إذاً هذا القول وهو قول الوعيدية من أهل البدع الذين قالوا إن الإيمان قول وعمل لكنهم يقولون لا يزيد ولا ينقص، بل من ترك واجباً أو فعل كبيرة فقد عدم الإيمان، وهذا لا شك أنه قول ولاة المسلمين، وهم الخوارج الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بشأنهم، وقولهم بدعة وضلالة ورجوع عن السنة والهدي. قابل هذا القول ما يسمى بقول المرجئة، إذا كان المرجئة هل هم قول واحد أم طائفة واحدة؟ كلا، إنما الإرجاء هو مسلك في الإيمان، ولهذا من سلك هذا المسلك سمي من المرجئة، وأبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين يقول إن المرجئة اثنتا عشرة طائفة، منهم الغلاة ومنهم دون ذلك. غلاة المرجئة هم الجهمية كجهم بن صفوان وغيرهم الذين يقولون إن الإيمان هو العلم والمعرفة، وأخف المرجئة إرجاء هم من يسمون بمرجئة الفقهاء. ما يتعلق بقول المعتزلة والخوارج وهو كونهم الوعيدية هذا بدعة بالإجماع، وضلال الخروج عن السنة بالإجماع. جمهور أقوال المرجئة أيضاً هي من أهل البدع والضلالة، وليست معروفة عن أحد من أهل السنة والجماعة أو ممن عرف بالسنة والجماعة، إنما القول الذي أشكل هو ما يسمى بقول مرجئة الفقهاء. إذاً بقية الأقوال في الإيمان كلها بدع وضلال وأصحابها.
ليسوا من العارفين بالسنة ولا من أهلها، وإنما هم من أئمة البدعة والضلالة. باستثناء القول الذي يوصف بأنه قول مرجئة الفقهاء، هذا هو القول الذي نحتاج أن نقف معه. أما ما عداه فهو من أقوال أهل البدع وأئمة الضلال، لا ينبغي أن يلتفت إلى شأنه ولا إلى شأن أصحابه.
ما هو قول مرجئة الفقهاء؟ ومن يراد بمرجئة الفقهاء؟ مرجئة الفقهاء هم قوم من علماء السنة والجماعة من أهل الكوفة، كانوا على عناية بالفقه أكثر من عنايتهم بالحديث والأثر؛ لما صاحب حال الكوفة في ذلك الزمان من اشتهار الفقه ليس بقدر اشتهار الرواية. فكانت الرواية في بعض العراقية والشامية والحجازية أكثر مما وقع لأهل الكوفة، ولهذا غلب على أئمة الكوفة القياس والفقه والرأي.
المقصود أن جمعاً أو طائفة من علماء الكوفة السلفيين، أي من علماء السنة والجماعة، لم يكونوا من أئمة البدعة والضلالة، غلطوا في هذه المسألة، وقالوا: الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب، وأعمال الجوارح لا تسمى إيماناً. إذاً غلطهم تحصل في أنهم لا يدخلون أعمال الجوارح في مسمى الإيمان، ومنهم نتائج أخرى في قولهم، لكن هذا هو أخص ما ذهبوا إليه وأضبط ما ذهبوا إليه.
من الذي بدأ هذا القول؟ ابتدأ هذا القول حماد بن أبي سليمان. حماد بن أبي سليمان هذا من كبار فقهاء الكوفة ومن علماء السنة والجماعة، ولكنه غلط في هذه المسألة وقال هذا القول، وخالف سلفه من السلف، بل وخالف شيوخ الكوفة من قبله، خالف شيخه شيخ الكوفة إبراهيم النخعي. إبراهيم النخعي هذا هو شيخ حماد بن أبي سليمان، وكان النخعي رحمه الله شديد الرد على المرجئة.
فلما جاء حماد بن أبي سليمان خالف شيخه، وتبع حماد جماعة من الكوفيين، ولكن أشهر من تقدم هذا المذهب بعد حماد بن أبي سليمان هو الفقيه الكوفي الإمام أبو حنيفة النعمان، صاحب المذهب الفقهي المعروف، فبتقلد أبي حنيفة لقول حماد اشتهر هذا القول لكثرة أصحاب أبي حنيفة وشيوعهم فيما بعد. فهذا هو القول الذي يراد به أنه قول مرجئة الفقهاء، وهو إخراج الأعمال الظاهرة عن مسمى الإيمان، ويجعلونها براً وتقوى وطاعة إلى غير ذلك، ولكن يسمونها إسلاماً، لكنه لا يجعلونها داخلة في مسمى الإيمان، ويحتجون ببعض الآيات كقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. قالوا: إن الله فرق بين الإيمان وبين العمل؛ كذلك من استدلالاتهم.
هؤلاء هل كانوا يبنون قولهم على طريقة أهل البدع واستدلالات أهل البدع، كاستدلالات المتكلمين بعلم الكلام، أو استدلالات الخوارج بمجمل القرآن وإعراضهم عن السنة والطعن في رواية الصحابة؟ هل كان منهج الاستدلال عندهم منهجاً بدعياً؟ الجواب: لا. ما كانوا يطعنون في أحاديث الصحابة كما تطعن الخوارج، ما كانوا يستدلون بعلم الكلام كما يستدل به مرجئة الجهمية وجهم بن صفوان وأمثاله، كان استدلالهم من جنس استدلال السلف.
هل عرفوا ببدعة أخرى؟ هل حماد بن أبي سليمان عرف ببدعة أخرى؟ الجواب: لا. هل كان أئمة السنة والجماعة في زمنه يعدونه من علماء السنة أو من علماء البدعة؟ يعدونه من علماء السنة. كل هذا لابد من إدراكه. ثم هل قوله هذا يسمى اجتهاداً غلطاً مما يسوغ فيه الاجتهاد، أم أنه بدعة مخالفة للإجماع؟ أيهما؟ الثاني، بدعة مخالفة للإجماع. ولهذا إذا نظرت في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ترى له سياقين؛ مرة يقول: والجمهور من السلف يقولون الإيمان قول وعمل، وخالف في ذلك حماد بن أبي سليمان ومن وافقه من فقهاء الكوفة. ماذا تفهم من هذا التعبير؟ يقول لك: والجمهور من السلف يقولون الإيمان قول وعمل، وخالف في ذلك حماد بن أبي سليمان ومن وافقه من فقهاء الكوفة.
قد يتبادر إلى الذهن أن الكلمة التي سبقت في مذهب أهل السنة أن الإيمان قول وعمل إجماع أو في قول الجمهور، وبهذا السياق عند ابن تيمية قد يفهم البعض أنها قول الجمهور، لأنه يقول والجمهور من السلف يقولون الإيمان قول وعمل. وتجد لشيخ الإسلام ابن تيمية سياقاً آخر يقول فيه: وقد أجمع السلف على أن الإيمان قول وعمل، وحكى هذا الإجماع غير واحد كوكيع وعبد الرحمن بن مهدي والإمام أحمد والشافعي إلى آخره. هل بين سياق كلام شيخ الإسلام شيء من التعارض؟ الجواب: لا.
إذا أردنا تقرير دليل السلف على قولهم ما هو؟ قولهم: الإيمان قول وعمل وأعمال الجوارح داخلة في مسمى الإيمان. إذا أردنا تقرير الدليل على قول السلف قيل دليلهم الكتاب والسنة والإجماع. قد يقول قائل: كيف نقول الإجماع مع أن حماداً خالف؟ ما الجواب؟ يقال: حماد بن أبي سليمان ومن وافقه محجوجون بالإجماع قبلهم، لأنه من هم السلف؟ أولهم طبقة الصحابة ثم التابعين إلى آخره. فحماد بن أبي سليمان أليس هو أول من بدأ هذا القول من دائرة أهل السنة؟ الجواب: بلى. قبل حماد هل هناك اختلاف بين أهل السنة؟ إذاً إذا أردت تقرير الدليل، قل: إن الإيمان قول وعمل وأعمال الجوارح أصل وداخلة في الإيمان بإجماع السلف. هل يلزمك إذا حكيت الإجماع أن تجعل حماد بن أبي سليمان من أهل البدع وهي أئمة الضلال؟ لا يلزم، لأنك تريد بالإجماع الإجماع المنضبط قبل حماد بن أبي سليمان. ولهذا نقول إن ابن أبي سليمان خالف الإجماع، إجماع من؟ إجماع السلف قبله، لأنه هو أول من اخترع هذا القول من أهل السنة. ولكن هل حكاية إجماع السلف تستلزم أن حماداً ليس من أهل السنة؟ الجواب: لا. فإذاً إذا أردت وصف حماد هل هم من السلف وليسوا من السلف؟ تقول: إنهم من السلف، وإذا أردت التدليل على قول السلف الأول تقول: إنه إجماع، ولا تعارض بين المقامين.
ولهذا شيخ الإسلام إذا أراد تقرير الدليل على قول السلف قال: وهو إجماع عند السلف. وإذا أراد بيان حقيقة حماد ومن معه ومقامهم عند أهل السنة قال: إنه قول الجمهور. فليس بين كلام الشيخ شيخ الإسلام رحمه الله شيء من التعارض. النتيجة من هذا أن حماداً من أهل السنة والجماعة. طيب هل قوله بدعة أم ليس بدعة؟ يقال: قوله بدعة مخالف لإجماع السلف. ولكن هل هي من بدع العقائد المغلظة أم أنها من بدع الأقوال؟ قال شيخ الإسلام رحمه الله: وبدعة حماد ومن وافقه ليست من العقائد المغلظة، وإنما هي من بدع الأقوال والأفعال. السلف عدوا قوله بدعة وذموه ذماً شديداً على قوله وذموا مقالته، لكنهم لم يخرجوا حماداً ومن وافقه من دائرة السنة والجماعة بهذا القول.
وهذا من فقه السلف، وبه تعرف أن من زل في بدعة ما -وأحياناً قد تكون بدعة يسيرة، مقارنة البدعة ليس فيها يسير، ولكن كالمعصية، معصية الله ما فيها يسير، ومع ذلك قال الله تعالى: ﴿مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾، الذنوب منها ما هو صغير ومنها ما هو كبير- أحياناً تكون بدعة فعلية أو بدعة قولية بمعنى أنها لا تقارن أبداً ببدعة من أخرج العمل عن مسمى الإيمان، ومع ذلك تجد من يتعجل ويصف من خالف في هذه البدعة المعينة -التي ليست بقدر بدعة حماد- مباشرة بإخراجه من دائرة أهل السنة، ويصفه بأنه من أرباب البدعة والضلالة ومن دعاة الضلال ويشن عليه بالشناعات المتوالية. والسلف رحمهم الله -نعم- ذموا حماداً ومقالته، لكن بقي لهم بقية أنهم يجعلونه من أئمة السنة والجماعة وإن كان قوله بدعة، هذا هو الذي يراد بقول مرجئة الفقهاء إذا استعمل وذكر هذا الاستعمال.
قال المصنف: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]، فجعل عبادة الله وإخلاص القلب وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة كله من الدين.
قد يقول قائل: إن الآية ليس فيها ذكر لاسم الإيمان، وإنما فيها ذكر باسم الدين. قيل: هذه الآية كثر استدلال السلف بها على مسمى الإيمان؛ وذلك من جهة أن الدين إذا أطلق يراد به الإيمان، ومن الممتنع أن يكون الدين تمامه ليس بتمام الإيمان. وهذه الآية إنما ذكروها لأن فيها ذكراً لإخلاص القلب، وفيها ذكراً للأعمال الظاهرة والباطنة. من هنا يقال إن استدلال السلف رحمهم الله في سائر مسائل أصول الدين وفي هذا الأصل بوجه متبين هو من باب التنوع في الاستدلال.
ولهذا ذكر الإيمان في الكتاب والسنة، هل هي ذكر واحد أم متعدد؟ من جهة السياقات ومرادات المعاني ذكر متعدد. قال شيخ الإسلام رحمه الله: الاسم الواحد يثبت وينفى بحسب السياق المقارن له، قال: استعمل مطلقاً واستعمل مقيداً. مثلاً قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1]، ما الذي بعد هذه الآية؟ بعدها أوصاف ظاهرة وباطنة، أليس كذلك؟ هذا هو وصف المؤمنين في القرآن. ووصف المؤمنين في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: 2] هذا عمل القلب، ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: 2] أي تصديقاً، وهذا تصديق القلب، وزادتهم إيماناً في أعمالهم أيضاً، قال: ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2] وهذا في القلب، ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [الأنفال: 3] وهذه أعمال الجوارح.
إذاً ترى سياقات في كتاب الله يذكر الله فيها الإيمان ويدخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة والأقوال الظاهرة والباطنة، هذا الإيمان المطلق في كتاب الله، وهو الإيمان الواجب وهو الإيمان التام. وأحياناً يذكر اسم الإيمان في كتاب الله على ما هو دون ذلك، على التصديق اللازم للدخول في الدين، وإن كان صاحبه مقصراً في الزكاة أو مقصراً في الصلاة أو مقصراً في كثير من الواجبات، ومع ذلك يذكر هذا الاسم، كقول الله تعالى في كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92]. هل يراد بالرقبة المؤمنة هنا الإيمان الذي ذكره الله في أول سورة المؤمنون، أنه لابد أن يكون خاشعاً معرضاً عن اللغو إلى آخره؟ الجواب: لا. أرأيتم لو كان المعتق فاسقاً، أصح العتق؟ بلى يصح بالإجماع، بإجماع السلف أن عتق الفاسق صحيح، مع أن الله يقول: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾، لا يراد بمؤمنة هنا أي محققة لأصل الإيمان، وإن كانت قد تكون مقصرة في واجباته التي لا تخالف أصله أو لا تسقط أصل الإيمان.
هذه قاعدة مهمة كما أسلفت في معرفة الأسماء، لأن هذا هو باب غلط الغالطين حتى من أهل السنة والمتأخرين والمعاصرين في مسائل التكفير وغيره، أنهم يجدون استعمالاً في كتاب الله فيجعلونه مطرداً عاماً، مع أن ثمة استعمالات في القرآن قد تعارض هذا الاستعمال في الظاهر، الصواب أنه ليس بين القرآن تعارض أبداً، ولا يمكن أن يكون ذلك لأن الله يقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]، فيمتنع أن يكون فيه اختلاف وكلامه سبحانه وتعالى.
القصد أنك تجد في كلام الله مثل ذلك، وتجد ذلك في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم. أترون النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص قال سعد: قسم النبي قسماً أي مالاً، فقلت: يا رسول الله، أعط فلاناً فإنه مؤمن. ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: «أو مسلم»، أقولها ثلاثاً ويرددها علي ثلاثاً: «أو مسلم»، ثم قال: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار». هنا النبي منع سعداً أن يسمي هذا الرجل مؤمناً، مع أن الرجل عنده أصل الإيمان وليس عنده شك، قطعاً عنده؛ وإلا لما زكاه سعد.
النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه معاوية بن الحكم كما في الصحيح في قصته، وأظنها سبقت الإشارة إليه، سأل الجارية، قال النبي للجارية: «أين الله؟»، قالت: في السماء، قال: «من أنا؟»، قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». النبي سمى الجارية مؤمنة مع أن الجارية إنما أجابت جوابين: أن الله في السماء وأن محمداً رسول الله. أليس الرجل الذي زكاه سعد رضي الله عنه يؤمن بأن الله في السماء وأن محمداً رسول الله؟ بديهة أنه يؤمن، ضرورة عقلية أنه يؤمن، ولا يمتنع أن النبي حتى عن تسميته مسلماً لو كان لا يؤمن برسول الله ولا أن الله في السماء لا يجوز حتى أن يسمى مسلماً.
إذاً هنا السؤال: ما الذي جعل عليه الصلاة والسلام يمنع سعداً عن اسم الإيمان لهذا الرجل وهو عليه الصلاة والسلام أعطاه؟ الجارية قد يقال عند التحقيق إن إيمانها أقل من إيمان الرجل الذي ذكره سعد، فإن ظاهر الحال أن الرجل هذا كان من القاصدين إلى الخير والمعروفين به حتى زكاه سعد ولم يزك غيره. قيل: هذا لأن المقام مختلف. المقام في قصة سعد مقام ثناء ومدح، وإذا ذكر الثناء والمدح فلا يثنى ولا يمدح إلا من بان استتمامه لواجبات الإيمان. وإذا ذكر مقام الأحكام الدنيوية كالعتق والميراث والولاية ونحو ذلك، يسمى الشخص مؤمناً أو لا يسمى؟ يسمى مؤمناً. فإذاً قصة الجارية قصة عتق، فإن معاوية كان يقصد عتقها ولا يقصد الثناء عليها في دينها. إذاً المقام يختلف.
ولهذا تعلم أن كل من كان مسلماً حقاً فإنه لابد أن يكون مؤمناً، فإن الناس ثلاثة: إما مؤمن ظاهراً وباطناً، وإما كافر ظاهراً وباطناً، وإما المنافق المؤمن في الظاهر والمسلم في الظاهر، الكافر في الباطن. الله يقول: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14]، أليس إذا أسلم حقاً لابد أن يكون معه أصل الإيمان؟ لابد، وليس لابد.
لابد أن يكون معهم إيمان؛ لأنهم إن عُدموا الإيمان كفروا، أو لم يكفروا؟ كفروا. إذاً قول الله تعالى: ﴿وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، وقوله: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا﴾، قول الأعراب هذا من باب ماذا؟ من باب التزكية، ومن باب الثناء والتحقيق، والإيمان كتحقيق ليس سهلاً، ليس كل من قال الإسلام وصدق بالإسلام يكون محققاً للإيمان، فإن الدين طبقات ودرجات. ولذلك كل واحد من المسلمين مهما كثرت جرائره وكبائره وعظائمه ما دام أن معه أصل التوحيد والإسلام يسمى ماذا؟ يسمى مسلماً، ويسمى فاسقاً لما معه من الفسق.
وهل يسمى مؤمناً أو لا يسمى؟ قيل في تفصيل في مقام الدعوة والمخاطبة بالحق وفي مقام أحكام الدنيا والمواريث والعتاق ونحوها يسمى مؤمناً، ولا غضاضة بذلك؛ لأن معه أصل الإيمان. ومن منع أن يسمى مؤمناً في جميع الأحوال وهذا يكرره بعض متأخري أهل السنة، يقولون: الفاسق صاحب الكبيرة لا يسمى مؤمناً بحال، هذا غلط؛ يجوز مؤمناً في المقامات. ألا ترون أن الله يقول في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كثيراً، هذا الخطاب يخاطب به من؟ المحققون أم سائر المسلمين؟ يخاطب به سائر المسلمين من بر وفاجر. والله لما ذكر الاصطفاء العام قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: 32].
وعليه إذا قيل أصحاب الكبائر أي الأسماء هي الأصل فيهم؟ تحقق لنا أنه يجوز أن يسمى ماذا؟ مؤمناً في مقامات كالعتاق، ونحوه كما سمى النبي الجارية مؤمنة، وإن كنا لا نقول إن الجارية كانت واسعة، لكن لم يشترط الشارع لها أكثر من أصل الإيمان. ولما قال الله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] وجاز العتق للفاسق بالإجماع، دل على أن الإيمان هنا يراد به الأصل. إذاً الفاسق من المسلمين يجوز أن يسمى مؤمناً في مقامات، ويسمى مسلماً، ويسمى ماذا؟ فاسقاً.
إذا قيل أي هذه الأسماء الثلاثة الممكنة في حقه بحسب المقامات أيها الأصل فيه؟ اسم الفسق أو اسم الإيمان أو اسم الإسلام؟ اسم الإسلام، ويغلط من يقول اسم الفسق. هؤلاء من أهل الكبائر الأصل فيهم أنهم يسمون مسلمين، وهذا هو الغالب على المسلمين، وإلا يلزم على هذا أن يفسق جماهير المسلمين؛ لأنه من الذي يسلم من كبيرة من المسلمين؟ ولذلك إنما سمى الله عباده وهم الذين يتبعون أنبياءه سماهم ماذا؟ مسلمين، ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: 78]، فالإسلام هذا هو اسمه اتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أهل الكبائر وغير أهل الكبائر.
ولكن إذا أريد ذكر كبيرته أو إسقاط ما أوجب في الشريعة إسقاطه كإسقاط ولاية بعض العصاة قيل: هذا سقطت ولايته لكونه فاسقاً؛ لأنه لا يتناسب أن تقول سقطت ولايته لكونه مسلماً، هذا تضاد في الترتيب. فإذاً إذا أريد الذم لما عنده من المعصية أو بيان ما عنده من المعصية؛ بمعنى اقتضت المصلحة والسياق، سمي فاسقاً، وإذا اقتضت المصلحة والسياق في مقام آخر سمي ماذا؟ مؤمناً، وإذا أريد الأصل العام في التسمية، فالاصل العام في التسمية هو الإسلام. ولذلك ما يتداوله البعض كثيراً: الفساق الفساق، هذا من الفساق، وهذا هو الفاسق، لا، هذا ليس عدلاً، وليس انضباطاً على السنن والآثار المذكورة في كتاب الله. وأنت لا ترى في كتاب الله ذكر الفسق في الغالب مما يراد به ماذا؟ أي الذي يغلب في كتاب الله إذا ذكر الفسق أريد به الكفر، وإن كان أحياناً يستعمل فيما دون ذلك، ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: 6]، فإنما سمي فاسقاً لأن المقام يستدعيه.
ولهذا لو أن شخصاً كذب على شخص فأراد الآخر تنزيه نفسه أو تنزيه غيره عن هذا الكذب يقول لمن حدث بهذا الكلام الذي جاءك بهذا الكلام رجل فاسق؛ هذا مناسب، أما أنه لا يعرف إلا بهذا الاسم فهذا ليس بصحيح، بل العدل والسنة أنه يسمى مسلماً لأن هذا هو الأصل فيه، ولأن ما عنده من الحسنات أعظم مما عنده من السيئات قطعا، ما يحتاج إلى بحث وجدل؛ لأن حسنة التوحيد أجل من سائر ما عنده من السيئات والمعاصي. وعليه يكون اسم الإيمان يستعمل في مقام، والفسق في مقام، والإسلام في مقام هو الأصل فيه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»، جعل القول والعمل من الإيمان. وهذا الحديث من أشرف الدلائل عند السلف على مسألة الإيمان في الصحيحين، وهو في هذا السياق رواه مسلم في صحيحه، وقد رواه البخاري مجملاً: الإيمان بضع وسبعون وبضع وستون شعبة. ومن رواه مسلم في هذا قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».
من خصائص هذا الحديث مسألتان: المسألة الأولى أن فيه بياناً لكون الإيمان متعلقاً بالقلب واللسان وماذا؟ والجوارح، فإنه قال: «فأعلاها قول لا إله إلا الله»، وهذا دليل على أن الإيمان يكون بالقلب خلافاً لجمهور المرجئة. وفي قوله: «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»، هذا فيه بيان لكون الإيمان يتعلق بأعمال الجوارح، شعبة من الإيمان؛ هذا دليل على أن أعمال القلوب تدخل في مسمى الإيمان. هذه مسألة. المسألة الثانية أن فيه بياناً لدخول سائر الأعمال المشروعة في مسمى الإيمان، سواء كانت واجبة أو ركناً أو كانت مستحبة؛ فإن إماطة الأذى عن الطريق ليست من الواجبات من سائر المقامات، ومع ذلك جعلها الشارع من شعب الإيمان. أيضاً من خصائص هذا الحديث أنه يمنع أن حرفه أو تعبيره يمنع التأويل فيه، لماذا؟ لأن النبي قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة»، فدل على أن كل ما سماه به في هذا فهو إيمان على الحقيقة ليس من باب المجاز؛ لأنه يقول: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة» على اختلاف الرواية. فدل على أن هذه الشعب كل واحد منها يسمى إيماناً، ولا بد. وإذا دخلت الأعمال المستحبة باسم الإيمان، فمن باب أولى دخول الواجبات والفرائض الكبرى.
فقال تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: 124]، وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح: 4]. هذا دليل زيادة الإيمان، أن الله سبحانه ذكر زيادة الإيمان في كتابه ذكراً محكماً، والإيمان يزيد من جهة التصديق، ويزيد من جهة القلوب، ويزيد من جهة أقوال اللسان، ويزيد من جهة أعمال الجوارح؛ الإيمان في سائر هذه الموارد يزيد وينقص. وهذا يدلك على أن الإيمان له أصل وله ماذا؟ وله كمال؛ له أصل وله كمال، أصله ما يقع به الدخول في الدين؛ مسلم فإنه مؤمن، ولا بد، وإن لم تمنع أن يكون مسلماً.
فإذا قيل ما معنى نفي الشارع للإيمان؟ قيل: نفي الإيمان من شخص مسلم يكون سببه أنه ليس له واجبات الإيمان المطلق. فإن من لم يحقق واجبات الإيمان المطلق المذكورة في قول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2] إلى آخره، من لم يحقق الإيمان الواجب الإيمان المطلق فإن اسم الإيمان ينفى عنه حال فعله للكبيرة أو حال ذكر التزكية له. ولهذا هنا سؤال: متى ترون الله سبحانه وتعالى في كتابه نفى اسم الإيمان عمن معه أصل الإيمان وهو من المسلمين؟ هذا لا ينفى في كلام الله ورسوله إلا في أحد مقامين: إما أن يكون المقام نفي للتزكية، كقول الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات: 14]؛ أو قالوا، هذا تزكية وأنهم حققوا الإيمان كتحقيق السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وأرادوا أن يسووا بالمهاجرين والأنصار في التعامل وغير ذلك، والقوم في الغالب أنهم على أقل من هذا. فقال الله: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا﴾، لن تؤمنوا الإيمان المطلق الواجب أم أصل الإيمان؟ الإيمان المطلق، ولكن قولوا أسلمنا ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، أي لم يتحقق؛ لأن الإيمان إذا تحقق بالقلب تحقق في أعمال الجوارح الظاهرة.
إذاً ينفي الله أو رسوله عليه الصلاة والسلام اسم الإيمان عن قوم ذكروا التزكية وهم ليسوا من أهل تحقيقه كهذه الآية، أو ينفى الإيمان عن صاحب كبيرة حال كبيرته قبل توبته منها، مثل ماذا؟ مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن أبي هريرة: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن». إذاً متى ينفى الإيمان؟ في مقام رفع تزكية من ادعى التزكية، وأما في مقام فعل الكبيرة لا يجوز أن يقال أراد النبي أنه عدم الإيمان، نعم لم يرد عليه الصلاة والسلام أنه تجرد من الإيمان كله.
حتى من قال من بعض المتأخرين: لا يجوز حين يزني، عموماً أنه عند الزنا يعدم الإيمان، ثم إذا انتهى من الزنا ومن كبيرته ومن سرقته رجع إليه، هذا قول فهموه غلط من كلام أبي هريرة وابن عباس، وأبو هريرة وابن عباس ما أرادوا ذلك؛ ما أرادوا أنه حال الزنا يعدم الإيمان ثم يرجع الإيمان له، كجدل عقلي غير ممتنع، ويلزم عليه أنه لو مات حال شرب الخمر وحال السرقة يكون مات كافراً، ويلزمه أن يكون خرج من الكفر أو من الإسلام إلى الكفر ثم رجع، هذا لم يرده أحد من الصحابة، وتفسير كلامه غلط متين. الشاهد من ذلك أن النبي لم يرد نفياً للإيمان، ما الدليل على ذلك من السنة؟ حديث أبي ذر في الصحيحين قال: أتيت النبي وهو نائم عليه ثوب أبيض، ثم أتيته فإذا هو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فقال: «ما من عبد شهد أن لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة». وفي وجه: «إلا حرم الله عليه النار». ماذا قال أبو ذر؟ قال: يا رسول الله، وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق». قال: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق». قال في الرابعة: «على رغم أنف أبي ذر». وهذا هو الذي قلت لكم سابقاً أن الصحابة يسمعون كلام الرسول ولا يشعرون بشيء من التعارض، نقول لهم ذلك عن الزنا وإن زنى وإن سرق ومع ذلك فليدخلوا الجنة، وفي الحديث الآخر يقول: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، ولا يفهمون بين حرفه وكلامه عليه الصلاة والسلام شيئاً من التعارض.
مسألة حكم الأسماء في القرآن؛ هذا من أجل الحكم، الأسماء الشرعية في القرآن يجب أن يفقه سائر المقامات، لا يؤخذ مقام واحد من مقام واحد، فهذه طريقة أهل البدع. كما قلت سابقاً؛ من يقول الجهل ليس عذراً في التكفير، يستدل بقول الله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾؛ يقول إن الله وصف ماذا؟ كل من كفر لرسوله بأنه من الجاهلين، إذاً دليل أن الجاهل ليس عذراً، المشكلة هنا أن عقل طالب العلم ولا سيما المبتدئ يجد أن هذا الكلام كلام ماذا؟ كلام صريح. وقال مثلاً: ومن السنة عند السلف وهو في كتاب الله أن الجهل ليس عذراً، قال الله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، فسمى سائر من كفر لرسوله جاهلاً؛ هذا غلط تماماً، هذا الفهم غلط في القرآن؛ لأن الله قال في الموضع الآخر: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ [البقرة: 146] مع أنهم جاهلون، ودخلوا باسم الجاهلية في الآية الأخرى، وجاهلوا بها واستيقنت أنفسهم إلى آخره، فإذاً لا بد من جمع مقامات القرآن، وجمع سياقاته حتى لا يقع تعارض في الفهم بين كلام الله، أو يؤخذ بعضه ويترك بعضه، كما فعل الخوارج والمرجئة؛ هؤلاء أخذوا أحاديث الوعيد وآيات الوعيد، وهؤلاء على العكس.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال برة أو خردلة أو ذرة من إيمان»، فجعله متفاضلاً. فهذا الحديث وهو حديث الشفاعة متواتر من رواية جماعة من الصحابة، أنه يخرج من الإيمان ويخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة، عفواً: يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان. هذا دليل على أن الإيمان له تمام وله أصل، وأنه يزيد وينقص، وهو دليل على أن سائر أهل الكبائر لا يخلدون في النار، ودليل على أن سائر أهل الكبائر معهم ماذا؟ معهم أصل الإيمان، معهم أصل الإيمان ولا بد.
في مسألة الإيمان تعليقان يسيران: مسألة الاستثناء في الإيمان، ماذا يراد بالاستثناء في الإيمان؟ هو قول الرجل هو مؤمن إن شاء الله. هل هذه المسألة أولاً من مسائل الأصول عند السلف أم ليست من مسائل الأصول؟ قيل: هي في كلام السلف ليست من مسائل الأصول، ولكن بعض أهل البدع جعلها مبنى أقوالهم البدعية، فهنا يقال إن قولهم بدعة تبعاً لذلك. هل السنة الاستثناء في الإيمان بمعنى أن يقول الرجل هو مؤمن إن شاء الله، أم السنة أن يقول هو مؤمن ولا يستثني؟ قيل: هذا بحسب ماذا؟ بحسب المراد والمقام، من قصد أنه مؤمن أن يحقق الإيمان فلابد أن يقول إن شاء الله؛ لأن تحقيق الإيمان لا يجوز لأحد أن يجزم به، أليس كذلك؟ ولا أحد يزكي نفسه أن يحقق الإيمان تحقيقاً على التمام. وكذلك إذا أريد الخاتمة فإنه يستثنى في الإيمان؛ لأن الإنسان لا يدري بماذا يختم له. فإذا أريدت هذه المرادات فيكون السنة دون استثناء أو تركه، يكون السنة ذكره. وأما إذا أريد أصل الإيمان فإن ذكر الأسماء يكون.
ثم كان أو لا يلزم، لا يلزم. ولهذا إذا قال الشخص عن فلان: هذا الرجل مؤمن، ما يلزمك أن تقول: قل إن شاء الله؛ لأنك إنما تتكلم عن أصل الإيمان، أصل الإيمان يُجزم به أو لا يُجزم به؟ يُجزم به. طيب، إذا أُريد أصل الإيمان، هل يجوز تقييده بالمشيئة أم لا يجوز؟ الصواب أنه يجوز. وهل مشيئة الله تعني التردد؟ أي تعليق له بمشيئة الله يعني التردد في الأمر؟ لا، قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: 27]، مع أن دخولهم كان متحققاً. فإذاً تعليق الأمر بمشيئة الله لا يُفهم منه التردد. وعليه، فإن مسألة الاستثناء هل فيها قول واحد أم أنها بحسب المقام والمراد؟ بحسب المقام والمراد. فتجوز في مقام، وتجب في مقام، وتمنع في مقام، هي مسألة واسعة لهذه المرادات. ومن هنا تنوع جواب الأئمة رحمهم الله في الفرق بين مسألة الإيمان والإسلام، أو بين اسم الإيمان والإسلام؛ هذه مسألة فيها طول، لكن المحصل أن الإيمان أشرف وأعظم وأجل من اسم الإسلام، والدليل عليه: ﴿وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، وقول النبي ﷺ، أو ما أشبه ذلك؛ تدل على أن الإيمان أعلى وأتم. ومع ذلك فإن كل مؤمن يكون مسلماً، وهل كل مسلم يكون مؤمناً؟ يقول: هذا فيه تفصيل؛ إن أُريد أصل الإيمان فنعم، وإن أُريد تمامه فلا يجوز.
الإسلام المطلق هو الإيمان المطلق، أليس كذلك؟ بلى، الإسلام المطلق هو الإيمان المطلق؛ ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، هو سماكم المسلمين، وفي قول الله تعالى عن إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾. ولهذا من غلط من المتأخرين وقال: اسم الإسلام أشرف أو مساوٍ للإيمان لقول الله عن إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ ولم يقل مؤمنين؛ إن كان هذا غلط في الفهم، فإن قوله: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾، الإسلام هنا هو الإسلام المطلق، وإذا ذُكر الإسلام المطلق فليس هو الإسلام المذكور في قول الله تعالى: ﴿وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾.
فإذا تبين لك أن اسم الإيمان يكون مطلقاً ويكون مختصاً أو مقيداً، وكذلك اسم الإسلام؛ فيكون مطلقاً في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، ويكون مختصاً أو مقيداً في مثل قول الله تعالى: ﴿وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. فهذا هو المحصل في هذه المسألة، فهو أن هذين الاسمين هما اسمان من أسماء الديانة، ولكن اسم الإيمان أتم. من قال بعض المتأخرين: إذا اجتمع افترق وإذا افترق اجتمع، هذا ليس بمنطرد، هذا ليس بمطرد وليس بلازم. نعم. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
ثم نناقش مع يسير من الأسئلة. نعم.
أحسن الله إليكم، هذا سائل يقول: ذكرتم بالأمس في حديث أبي وأباك في النار أن هذا الحديث خرج على أناس معينين في مسألة أهل الفترة، فهل يلحق بهذا بعض الأحاديث حول عبد الله بن جدعان، وعدم استغفار النبي ﷺ لأمه، والرجلين الذين رآهما النبي ﷺ يعذبان من أهل الجاهلية؟ نعم، كل من ذكر النبي ﷺ من أهل الفترة أنهم في النار، ذكر عذابه وما إلى ذلك، فهذا قدر معين في أشخاص، ولا يكون حكماً عاماً لسائر أهل الفترة. وهذه المسألة ليست من مسائل البحث كما يقول النووي رحمه الله أنها من مسائل اختلاف الفقهاء، قال: إن الصحيح فيها... ولما جاء قول النبي ﷺ: «إن أبي وأباك في النار»، دل على أن الصحيح فيها أن أهل الفترة في النار. المسألة أصلاً متجاوزة مسألة النظر الفقهي أو حرف من أحرف الأحاديث النبوية، يحكمها حكماً مطرداً حتى لو لم يرد هذا الحديث، حتى لو لم يرد هذا الحديث، المسألة معتبرة بأصول الشرائع الكلية، وهي أن الله تعالى لا يعذب إلا من قامت عليه الحجة، وهذا هو العدل، وهذا صريح في القرآن تماماً: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، هل هناك صراحة أكثر من هذا؟ أهل الفترة ما قامت عليهم حجة الرسالة، أو كثير منهم على أقل تقدير ما قامت عليهم حجة الإسلام؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. وإلا لو كانت الحجة تقوم على المكلفين قبل، وما كان لبعث الرسل معنى في تقرير التوحيد. ومعنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى لم يعاقب أحداً حتى العقاب الدنيوي، قصص الأنبياء المذكورة في القرآن هل ترون أن الله عاقب أمة كاملة كموسى أو قوم موسى أو عاد أو ثمود قبل استتمام حجتهم؟ ما تحصل هذا في القرآن أبداً.
نعم، أحسن الله إليكم. هذا سائل يقول: رجل يؤمن بالله ورسوله ولكنه لم يعمل أعمال الجوارح، فهل هذا عنده أصل الإيمان؟ هو إذا تحقق إيمانه بالله ورسوله هذا محل الجدل، يعني هي مسألة الآن ما يسمى بجنس العمل، هي مسألة أحياناً قد تكون فيها قدر من المجادلة من هذا الوجه؛ أن يقال: إنه مؤمن بالله ورسوله الإيمان الشرعي في قلبه، ومع ذلك لم يعمل شيئاً من أعمال الجوارح، هل هذا يسمى مؤمناً؟ هي المجادلة في هل يمكن أن يتحقق الإيمان بالله ورسوله باطناً مع عدم أعمال الجوارح؟ والمقرر في ظاهر مذهب السلف أنه إذا عُدمت أعمال الجوارح، بمعنى أنه لم يصلِ ولم يزكِ ولم يصم رمضان ولم يحج البيت إلى غير ذلك من الأصول، هجر أصول الشرائع الظاهرة وأركان الإسلام والواجبات، فهذا لا يمكن أن يكون في قلبه مؤمناً. هذا هو الذي يميل إلى تقريره الإمام ابن تيمية رحمه الله، أن هناك تمانع، وإلا ما قال أحد من السلف إنه يكفر مع أنه مؤمن في قلبه؛ لأنه إذا ثبت إيمان قلبه إيماناً شرعياً الذي ذكره الله ورسوله، وذكره النبي في قوله: «مثقال ذرة من إيمان»، ومن يخرج من النار، امتنع أن يكون كافراً. فإذاً السؤال ليس على هذا؛ يعني السؤال في أصله فيه نظر حين يقال: من كان مؤمناً بالله ورسوله في الباطن ولكنه كافر في الظاهر، هذا ممتنع. هذا ممتنع، من كفر ظاهراً كفر باطناً ولا بد. إنما الذي يقع في التردد هو مسألة أنه يكفر في الباطن وفي الظاهر يُظهر الإسلام، وهذه حال المنافق، أما العكس فلا تقع. كل من كفر ظاهراً كفر باطناً، اللهم إلا من يُعلم كالمكره الذي قد يقول قول كفر في الظاهر وهو في قلبه مطمئن بالإيمان. لكن أن يوجد إيمان في القلب مع كفر محقق في الظاهر، هذا ليس له أصل.
نعم، أحسن الله إليكم. هذا سائل يقول: ما هو سبب ذهاب مرجئة الفقهاء لمقولتهم في الإيمان، ولماذا كرر مقولتهم بعض أهل العلم في هذا العصر؟ نعم، ما السبب؟ السبب كما أسلفت أن فقه أسماء القرآن فقه عزيز، وهذه تنبيه لطلبة العلم وللشباب، ولا سيما السالك في طلب العلم، إلى مسألة الفقه في الأسماء؛ إذا تأملت أصول التوحيد والواجب على المكلف بما يتعلق بالأسماء والصفات والقدر، لا ترى أن أصلاً دخل الغلط في أئمة في السنة إلا هذا الأصل، وهو مسألة الإيمان. وهذا يدلك على أن أسماءها قد تشكل على بعض الكبار فضلاً عن الصغار من طلبة العلم أو من الشباب المبتدئ. هم وجدوا آيات من كتاب الله أشكلت عليهم كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فوجدوا أن الله فرق بين الإيمان وبين العمل، هذا من أشكل ما أشكل عليهم، وهذا له جواب. ما جوابه؟ أحد أمرين: إما أن يقال العمل هنا من باب العطف الخاص على العام، وإما أن يقال، وهو الأتم الذي اختاره شيخ الإسلام، أن الإيمان المذكور في هذه الآيات ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يُراد بالإيمان الأصل؛ فإنك تقول الإيمان له أصل وله كمال، فيراد بالإيمان هنا ويراد بالعمل الكمال، ويكون الوعد على من حقق الأصل والكمال: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: 107]، حتى لا يتبادر أن هذا الوعد الفاضل ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ أو ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ لا يتبادر أن هذا الوعد الفاضل لكل من معه أصل الإيمان؛ فإن من معه أصل الإيمان معرض للوعيد. فإذاً العمل هنا يعتبر لازماً لأصل الإيمان ولم يدخل في أصله، ولم يدخل في أصله.
وأما قول الأخ إن بعض دخل عليه ماذا يقول، وما أعرف أحداً من المعاصرين يقول بقول مرجئة الفقهاء. إن كان الأخ يقصد الشيخ الألباني، فالشيخ الألباني ما يقول بهذا القول، الشيخ الألباني يقول إن العمل داخل في مسمى الإيمان، ومرجئة الفقهاء يقولون إن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان، فرق بين المذهبين. قد تكون هناك مسائل أخرى عند الشيخ الألباني، هذه مسألة أخرى. نعم. نقف على هذا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين.
المهم هل هو شرط كمال أو شرط صحة؟ هذه مسألة تفصيل، هذه مسألة تفصيل لأن الألفاظ هذه أحياناً فيها إجمال، لكن السلف يجعلون الأعمال من أصول الإيمان. نعم.
الشيخ يوسف الغفيص