الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا هو المجلس الثامن من مجالس التعليق على كتاب «لمعة الاعتقاد» للموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى، والمنعقد في اليوم السابع من الشهر الخامس من العام العشرين بعد الأربعمئة والألف للهجرة النبوية.
قال المصنف رحمه الله ونفعني الله بعلمه وبعلم شيخنا في الدارين آمين: «ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وصح به النقل عنه فيما شاهدناه، أو غاب عنا، ونعلم أنه صدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه، ولم نطلع على حقيقة معناه؛ مثل حديث الإسراء والمعراج، وكان يقظة لا مناماً؛ فإن قريشاً أنكرته وأكبرته، ولم تنكر المنامات. قال: ومن ذلك أن ملك الموت لما جاء إلى موسى عليه السلام ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فرد عليه عينه».
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين. بعدما ذكر المصنف رحمه الله في الفصل الثالث مسألة الإيمان، وبين فيها ما ذهب إليه أئمة السلف من القول في مسمى الإيمان وأنه قول وعمل، يزيد وينقص، وذكر جملة من الدلائل من الكتاب والسنة على هذا التقرير، تبين مما سبق أن هذا الأصل هو أول أصل حصل فيه نزاع بين أهل القبلة.
الأقوال في هذا ترجع بالجملة إلى نوعين من البدعة: إما بدعة الوعيدية من الخوارج والمعتزلة، وإما بدعة المرجئة. وإن كان المرجئة ليسوا وجهاً واحداً، بل هم طوائف شتى؛ فمنهم الغالية الذين اشتدوا في هذه المكانة على قدر من التغليظ في كلام السلف في شأنهم، ومنهم دون ذلك وهم من يسمون مرجئة الفقهاء الذين أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، وهؤلاء سبق ما يتعلق بمقالتهم، وأن مقالتهم مخالفة لإجماع المتقدمين عليهم.
بعد ذلك ذكر المصنف رحمه الله هذا الفصل، وترى أن جمل هذا تتعلق بالجملة بما يسمى عند المتأخرين بالسمعيات؛ فإنهم إذا ذكروا مسائل اليوم الآخر وما يتعلق بالمغيبات، سموا هذا القسم بالمسائل السمعية. وهذه التسمية مستعملة في كلام متكلمة أهل الإثبات، متكلمة الصفاتية المنتسبين للسنة كالأشاعرة وأمثالهم، وهذه تسمية مستعملة في كلام بعض أهل السنة المتأخرين. وأما إذا اعتبرت استعمال المتقدمين من السلف فإنهم ما كانوا يخصون هذا الباب بهذه التسمية، فيسمونه باب أو فصل السمعيات.
فإن هذه التسمية أحسن ما قالوا فيها أنها مما يتوسع في شأنه إذا بين المراد به على وجه صحيح، وإلا فإن هذه التسمية ليست مقصودة لذاتها، ولا ينبغي القصد إليها، وليس القصد إليها من التحقيق لذكر أصول السلف أو فصولهم في مسائل أصول الدين. وهذا كما سبق فيما يتعلق بالتقاسيم المقولة في باب الأسماء والصفات؛ فإنك ترى في كلام المتأخرين أن الصفات تنقسم إلى صفات ذاتية وصفات فعلية، أو إلى صفات اختيارية وصفات خبرية، إلى ذلك، فهذه التقاسيم أحسن ما يقال فيها أنها مما يوسع في شأنه إذا صح ما يراد به، وإلا فهي على كل تقدير ليست من التقاسيم المقصودة لذاتها، وليس من تحقيق السنة وتقرير مذهب السلف القصد إليها.
بل التحقيق لمذهب السلف إنما يكون بذكر حقائق أقوالهم المقولة في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وما أجمعوا عليه، وإن لم ينطق بمثل هذه التقاسيم التي قد تتضمن مفهوماً وإن لم يكن مراداً، إلا أنه قد يكون مشكلاً على كثير من الخاصة والعامة. فعلى كل حال، تسمية هذا الباب -أي ما يتعلق بالمغيبات واليوم الآخر- بالسمعيات هي تسمية متأخرة هذا أحسن ما فيها، وإلا فجميع أصول الدين هي من السمعيات، أي أنها معلومة بالسمع، ويراد بالسمع هنا الكتاب والسنة. ومن قيل إن جملة الرسول يعلم قدرها الكلي وبعض مقاماتها التفصيلية بالعقل، وأن هذا الباب باب خبري محض، فهذا ليس على إطراده؛ فإن دلائل العقل قد تدل على ما هو من هذا المقام.
فإن الله سبحانه وتعالى لما ذكر البعث، ذكر له جملة من دليل العقل في مثل قول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: 78-79]. فتخصيص هذا الباب بهذا الاسم فيه قدر من التحكم، ولهذا لم يستعمل عند السلف، إنما هو استعمال متأخر، وكثير من هذا الاستعمال هو من كلام المتكلمين، ولا متكلمة أهل الإثبات كالأشاعرة وأمثالهم.
قال المصنف: يجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وصح نقله عنه، مراده بذلك جميع ما جاء ذكره في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وإنما قال بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل بما جاء في كلام الله ورسوله، هذا من باب التجوز في العبارات، وإلا فإذا قيل يجب الإيمان بما في كتاب الله، يجب من ذلك وجوب الإيمان بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومثله إذا قيل يجب الإيمان بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذا التعبير إذاً من باب اللزوم، على أنه يجب الإيمان بما أخبر به في كتاب الله سبحانه وتعالى فيما يتعلق بمقام اليوم الآخر.
وهذا هو الجملة التي أراد المصنف التقرير تحتها، وإن كان رحمه الله قد ذكر بعض المسائل المغيبة في مسألة الإسراء والمعراج، إنما يتعلق باليوم الآخر وهو ما يكون بعد الموت؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الإيمان بالبعث من أصول الإيمان، كما ذكر الإيمان كما في حديث جبريل قال: «وتؤمن بالبعث الآخر»، وفي الرواية: «وتؤمن بلقائه» بلقاء الله، وهذا كثير في كلام الله سبحانه وتعالى في القرآن التقرير للإيمان باليوم الآخر، وكذلك في كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
وماذا يراد بمبدأ اليوم الآخر؟ هو ما بعد الموت؛ ولماذا ما يقع في القبر من الفتنة والسؤال والعذاب والنعيم فإنه داخل في عموم هذا المقام. ما يقع في القبر داخل في هذا العموم، أي فيما يتعلق بعموم هذا الإيمان. هنا مقام في هذا الأصل، وهو الإيمان باليوم الآخر، ومثله يقال في سائر المقامات في أصول الدين؛ أنه ينبغي أن يعتبر القول فيها بحسب قدر السياق وطريقته، ومعنى هذا أن هذا الباب وأمثاله ليس من الأبواب التي يدخلها التفكر ويقال فيه بالاجتهاد.
فإنك إذا نظرت إلى دلائل الإسلام وجدت أن منها ما هو للأصول العملية، أو لكليات من الأصول العلمية، فهذا لا يقال فيه بالتفقه الذي يراد بالتفقه هنا الاجتهاد والظن واختلاف أقوال المجتهدين وما إلى ذلك، وإنما يوقف فيه على الصريح من الخبر. فمن ضبط خبراً عن الله أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم من جهة الثبوت في السنة، ومن جهة الدلالة أيضاً في السنة والكتاب، من ضبط يقال به، ويكون الإيمان به واجباً ولازماً.
أما ما كان من المعاني محتملاً فإن هذا المعنى المحتمل لا ينبغي القصد إلى الجزم به إثباتاً أو نفياً، وإن كان من يثبته يمكنه أن يستدل على إثباته نوعاً من الاستدلال، وكذلك من يمكنه أن يستدل على نفيه بنوع من الاستدلال؛ فإن الإثبات والنفي في هذه المقامات لا يكون إلا بدليل صريح. وأما إذا تعذر الدليل الصريح فإنه لا يشار إلى الإثبات ولا يشار إلى النفي، وإن كان الناظر يمكنه أن يستدل على الإثبات أو أن يستدل على النفي، فإن المقام هنا ليس من جنس مقام الأفعال التكليفية.
أنت إذا جئت إلى مسائل الصلاة والزكاة والحج ونحو ذلك، أو إلى مسائل المعاملات والقراءات والشهادات ونحوها، وجدت هذا النوع من المسائل أحياناً أو حيناً كثيراً مستدل على مسائلها بوجه من الاستدلال ليس لازماً، وإنما هو وجه ممكن محتمل، ومع ذلك هذا النوع من الاستدلال إذا لم يمكن إلا هو يكون صحيحاً؛ لِمَ؟ لأن المسألة لا بد فيها من علم، أو بعبارة أفصح لا بد فيها من الاجتهاد، لأنها مسألة تكليفية.
مثلاً: لحم الإبل هل ينقض الوضوء أو لا ينقض الوضوء؟ قد تكون أهم في المسألة نص صريح قاطع؟ كلا، ليس فيها ما هو من النص الصريح القاطع، إنما فيها نصوص محتملة؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر بن سمرة لما قيل له: يا رسول الله، أنَتوضأ من لحم الغنم؟ قال: «لا». قيل: أنَتوضأ من لحم الإبل؟ قال: «نعم». وكان في الغنم في الرواية الأخرى «إن شئت»، وقال في الإبل: «نعم».
فهل قوله صلى الله عليه وسلم «نعم» أراد به الوجوب أم أراد الاستحباب؟ هذا محل نزاع بين الفقهاء، فمنهم من يقول إن النبي أراد الاستحباب وأن اللحم لم يكن ناقضاً على مقتضى طرد قواعد الشريعة، وعن هذا ذهب الشافعي ومالك وأبو حنيفة إلى عدم النقض بلحم الإبل، ومنهم كالإمام أحمد رحمه الله في أصح الروايتين عنه، ومنهم من يرى أن لحم الإبل ناقض للوضوء. القصد أن الاستدلال هنا استدلال هل هو قطعي؟ كلا، ولذلك لا بد من الترجيح، لا يمكن لقولنا أن نقول: وهذه المسألة لا نقول فيها بشيء لأنه ليس عندنا قاطع، مسائل التكليف يعتبر فيها التفقه والاجتهاد أخذاً بالعمومات، أو أخذاً بالأحرف المجملة، أو ترجيحاً، أو جمعاً، أو غير ذلك من طرق الاستدلال والترجيح.
لكن في باب الأصول وباب الخبريات المحضة، كالإيمان باليوم الآخر ومسائله، مما يكون من أحاديث القبر ونعيمه، أو ما بين يدي هذا اليوم كحديث الساعة، هذا لا يقال فيه بالتفقه، بل يوقف فيه على صريح النص. فإذا ثبت صريح النص قيل به، وإذا لم يثبت أو لم يكن صريحاً فالمآل السكوت.
وبين يدي هذا التقرير الذي لا بد لطالب العلم أن يفقهه، ترى فيما يتعلق بما يكون بين يدي قيام الساعة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم حدث حديثاً كثيراً أن بين يدي الساعة فتناً، أليس كذلك؟ وذكر جملة من هذه الفتن على التفصيل، وذكر جملة منها على الإجمال، وهذه الفتن المذكورة تنقسم إلى قسمين باعتبار الإجمال والتفصيل، هذا تقسيم، وتنقسم إلى قسمين باعتبار الثبوت والتردد في الثبوت.
فمنها ما هو ثابت بالسنة الصحيحة المتفق عليها، أو المستفيضة الصحة عند الأئمة كأحاديث اتفق عليها الشيخان، أو لم يتفق عليها أنها أحاديث ضبطت صحتها عند أئمة الحديث، فهذا قدر، وثمة أحاديث في الفتن التي تكون بين يدي الساعة فيها أوصاف لبعض الأمصار أو لبعض الأعيان من الناس أو لبعض الأفعال أو لبعض الأحوال، وتجد أن هذه الأحاديث ليست من الأحاديث البينة الصحة، بل هي إلى الضعف أقرب، وإن كانت قد تقبل التحسين بوجه ما.
فهنا الإشكال أن بعض السالكين من طلبة العلم أو الباحثين في مثل هذه المسائل يتعاملون مع نصوص الفتن الخبرية المحضة، التي أحسن ما يقال فيها أنها تقبل الانجبار، وإلا فإن ظاهرها وميلها إلى الضعف من جهة الثبوت، يعنون بمسألة تقويتها كأنهم يتحدثونها ويبحثون في مسألة فكرية تكليفية، احتيج إلى تقرير هذا الدليل وإلى جبره فيها مع مجموع أدلة أخرى؛ فيصير تحت هذا التحصيل الجزم بثبوت مثل هذه الفتن.
وأشد من ذلك حين يشار إلى تفصيل تحقيقها؛ فربما سميت بعض الحوادث القائمة، أو استُقبلت بعض الحوادث القائمة، أو صفة القيام على أنها هي التي حدث بها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث كذا وحديث كذا. هذا الاستشراف كاستشراف كثير من الناس لأحاديث المهدي وما يتبعها وما يقارن خروج المهدي من الأحوال والفتن إلى ذلك، يسمون أحياناً بأنها كذلك، هذا لا شك أنه من التكلف، ولا شك أنه ليس من الانضباط السليم.
نعم، نقول هذا ليس من الانضباط السليم في المنهج الشرعي العلمي، بل هذا ليس منهجاً شرعياً ولا منهجاً علمياً. وأشد من ذلك حينما تُستقرأ الفتن التي بين يدي الساعة من كتب بني إسرائيل، التي أحسن ما يقال فيها أنها كتب بني إسرائيل التي قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم»، فهذا نهي عن تكذيبهم، ولكنه أيضاً نهي عن تصديقهم؛ وعليه اعتبار ما في كتبهم لا يجوز من جهة التصديق له؛ فإن الشارع قد بين أن ما في كتبهم لا يصدق ولا يكذب.
ومن قال عليه الصلاة والسلام: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»، لكن التحديث ليس هو التصديق، وبناء الأحوال أو الأقوال أو الأفعال على مثل هذه النصوص، هذا فضلاً عن أن مراده صلى الله عليه وسلم بما في كتبهم أو أنبيائهم، أو المنسوبة إلى أنبيائهم التي دخلها التحريف، وليس مراده صلى الله عليه وسلم بذلك ما كتبه بعض أحبارهم أو بعض رهبانهم ورجال عندهم من متأخريهم؛ فإن كثيراً من هذا الكلام اخترعه وابتداعه بعض متأخري رجال النصرانية أو رجال اليهود، وكذبوا على أنبيائهم وعلى أصحابهم المتقدمين في ديانتهم.
فإذاً هذا الباب لا بد من ضبطه على هذا الاعتبار، وإذا كان كذلك فجميع ما ذكر المصنف في هذا الفصل تستعمل فيه هذه القاعدة، ولهذا لا ينبغي لطالب العلم أن ينتظر تفصيلاً في غير ما صرح النص بتفصيله، ولهذا يوقف في هذه الأحاديث على قدرها التي ذكرت من التعبير، وأن ما فوق ذلك فإنه لا يقال فيه لا بإثبات ولا بنفي. نعم، قال: ومن ذلك أن ملك الموت لما جاء إلى موسى...
قال مثل حديث قبل يسير؛ قال: ولم نطلع على حقيقة معناه، مثل حديث الإسراء والمعراج، وكان يقظة لا منامًا. الإسراء ذكره الله في كتابه؛ قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: 1]. فالإسراء ذكر صريحًا في القرآن، وأما المعراج فإنه متضمن الذكر في كلام الله سبحانه، ولكن جاء تفصيله في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين وغيرهما من رواية جماعة من الصحابة، كأبي ذر وأبي هريرة ومالك بن صعصعة وغيرهم؛ فهذا ذكر معراج النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أُسري به من مكة من المسجد الحرام كما هو صريح في كلام الله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. فيقال إن النبي صلى الله عليه وسلم أُسري به من المسجد الحرام فهذا إلى بيت المقدس، وهذا صريح في القرآن، ثم عرج به عليه الصلاة والسلام إلى السماء، وكان مسراه إلى بيت المقدس ومعراجه إلى السماء يقظة لا منامًا، وهذا هو الذي درج عليه أئمة السلف رحمهم الله، وهو الذي حدث به الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه؛ فإنما كان حديثه صلى الله عليه وسلم عن وقوع هذا على سبيل الرؤية.
وأما أن هذا كما يزعم بعض من ينكر يخالف العقل فليس بصحيح، هذا ليس مخالفًا للعقل، بل هذه قدرة الله، والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. وأنت ترى في كلام الله سبحانه وتعالى في قصة سليمان لما قال عفريت من الجن: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾، فكان يأتيه بعرش بلقيس، فكان هذا من قدرات الجن. فإذاً مثل هذه النقلات أو مثل هذه السرعة ليست مخالفة للعقل، وإنما يمكن أن نقول إنها مخالفة لأيش؟ مخالفة للحس الآن المحدود، وهذه قاعدة لا بد لطالب العلم وللشاب عمومًا وللمسلم أياً كان مقامه أن يتفطن لها؛ أنت تقول إن العقل لا يعارض النقل. الشبهات التي أُرسلت على الإسلام عند الماديين وعند بعض المنتسبين إلى الإسلام ممن أبطلوا بعض الحقائق الشرعية باسم العقل أو ما إلى ذلك، ليس هناك تعارض في مسألة واحدة بين العقل وبين النقل، ولكن يفرق بين ما يسمى بالضرورة العقلية والضرورة الحسية المعينة. الضرورة العقلية لا تخالف النقل، لكن الحس المعين قد يقع، ولكن هل هو محكم ومعتبر أم ليس محكمًا؟ الحس ليس محكمًا. إذا قال قائل هذا الخبر في كلام الله يخالف الحس، نقول: نعم، الحس هذا حس يسير وليس محكمًا حتى يعارض به النقل.
أضرب لذلك مثلًا من أمثلة مادية بسيطة؛ من يقول إن هذا الكتاب مثلًا لو تركته لسقط إلى الأرض، لو جاء شخص وقال إن هذا الكتاب لو تركته لبقي أو ذهب إلى أعلى، قد يأتي قائل ويقول هذا مخالف للعقل، هل هو مخالف للعقل؟ الصواب أنه مخالف لحس مشاهد ومن ما بين يدي الناس، وإلا فترى في حس آخر أن هذا الكتاب أو أي من الأجرام الممكنة في التحرك لا يسقط. فإذاً هذه معاني حسية وليست معاني عقلية، ففرق بين المسألة الحسية هذه لا عبرة بها أصلًا وبين المعاني العقلية. ولهذا لو قيل لشخص أو لو قال قائل كما زعم كثير من الزاعمين: كيف يعذب الإنسان أو ينعم في قبره مع أنه مطمور في هذا التراب؟ الصحيح أنه ما يخالف العقل لكنه يخالف الإدراك الحسي، والإدراك الحسي ليس معتبرًا، ولا تقاس النصوص بالادراك الحسي، وإلا لما أمكن الإيمان بحقائق الأسماء والصفات وغير ذلك، لأن الكيف مجهول كما قال السلف، فإذاً الإدراك الحسي لا عبرة به.
وأنت ترى النائم، وهذا مثل عقلي صادق، أنت ترى النائم يرى في منامه نعيمًا ويتنعم بذلك مع أنه من يشاهده لا يشاهد أنه تأثر بشيء، ويرى النائم الآخر، أو هو نفسه في ليلة أخرى، يرى أنه يعذب ويتألم، وربما قال مكتوم النفس متأثر النفس بما مسه من العذاب وما إلى ذلك في منامه، هذه أمور مشاهدة عند جملة بني آدم، هذا دليل عقلي على ما يقع في القبر من النعيم والعذاب. فإذاً مسألة الفرق بين الضرورة الحسية وبين الضرورة العقلية، أحيانًا الحس يتبادر لك تبادرًا تظن أن هذا قطعي والحق أنه ليس قطعيًا في العقل. هناك أمثلة بسيطة في عالم يحسه الناس اليوم، لو قيل لشخص إن إنسانًا غمره في الماء ساعة يموت، فلا يموت، أو يموت؛ قال لأنه لم يستطع التنفس، هذا التعبير المبسط عند العامة من الناس، لكن التعبيرات العلمية، طيب أنت ترى حيوان البحر مما خلق الله في البحر من الأسماك وغيرها إذا أخرجت من الماء ماتت لأنها لم تستطع التنفس، ترى هذا التعاكس، إذاً ما هناك ضرورات حسية مضطربة، هي دوائر في عالم الحس؛ إذا أنت قلت لعالم تغيرت عندك هذه القضية، أما الضرورة العقلية فهي ثابتة. ولهذا لا تخالف النقل.
إذاً النتيجة أن كل من زعم عن شيء من الحقائق المادية أنه ضرورة عقلية تخالف النقل، فإذا تحققت المعارضة، فهي ضرورة حسية ليست محكمة. قال: وكان يقظة لا منامًا، فإن قريشًا أنكرته وأكبرته ولم تنكر المنامات، وهذا من فقه الاستدلال. قال: إن قريشًا أنكرت معراج النبي ولو كان منامًا لما أنكرته على التخصيص. قال: ومن ذلك أن ملك الموت لما جاء إلى موسى عليه السلام ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه فرجع إلى ربه فرد عليه عينه، وهذا حديث ثابت في الصحيح، وهو مجيء ملك الموت إلى موسى إلى آخره، فهذا أراد المصنف أنه يؤمن به على ظاهره، ولا يجوز أن يتكلف فيه تأويل، أن يقال إن هذا كان منامًا كما فسره بعض المتأخرين من أهل البدعة، قالوا إن هذا كان منامًا حصل لموسى، والصواب أنه كان على حقيقته.
قال رحمه الله تعالى: ومن ذلك أشراط الساعة مثل خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم. أشراط الساعة تسميتها بهذا الاسم ثابت في كلام الله سبحانه وتعالى، ولكن ذكر في كلام أهل العلم أن أشراط الساعة تنقسم إلى صغرى وكبرى، وهذا التقسيم كما سلف أنه من التقسيم الواسع، ولكنه ليس بالضرورة أن يكون تقسيمًا مقصودًا لذاته، فإنه قد يتعذر على كثيرين التعيين للصغرى أو التمييز للعلامات الصغرى من العلامات الكبرى، فإذا اعتبروا ذلك بالزمان أشكل، وإذا اعتبروا ذلك بالماهية أشكل ضبطه. فإذا قلت إن هذه الآيات منها ما هو آيات كبرى، وآيات دون ذلك، فهذا لا بأس به، وأما التزام التعيين بأن المتقدم هو الصغرى والمتأخر هي الكبرى، فهذا ليس بصحيح، فإنها لا تقاس بالزمان. والنبي صلى الله عليه وسلم بُعث بين يدي الساعة كما ثبت عنه ذلك في الصحيح، قال: «بُعثت أنا والساعة كهاتين»، وهي لفظ الترمذي: «بُعثت أنا والساعة نستبق، كادت أن تسبقني فسبقتها».
قال مثل خروج الدجال، وهو كافر من الكفار من ولد آدم، وليس كما زعم بعض أهل البدع أنه مخلوق مختص، بل هو من ولد آدم، أي من ذرية آدم، فهو رجل آدمي، هذا هو المقصود، أنه رجل آدمي كافر جعل الله له هذا الذي يشير إليه من فتنة الناس، وقد أشكل في مبدأ الأمر على جملة من الصحابة واضطرد هذا الإشكال على كثير من أهل العلم ما بشأن ابن صياد، وابن صياد كان رجلًا أو فتى من اليهود، كان فتى من اليهود تردد الأمر عند كثير من الصحابة في مبدأ الأمر كعمر أنه هو الدجال، وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم كذابًا، ولكن الذي عليه الجمهور وهو الذي تجتمع به النصوص، من هو الصواب؟ أن ابن صياد لم يكن هو الدجال المراد بآخر الزمان، وإنما كان منافقًا كذابًا وقد أظهر الإسلام كما في حديث أبي سعيد الخدري في الصحيح، ولكن لم يكن صادق الديانة، بل كان من المنافقين وعلى دين أهل الكتاب.
قال ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام فيقتله، ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام وهو من أولي العزم من الرسل رفعه الله إليه، ولم يمت عليه الصلاة والسلام بل رفع إلى السماء الثانية؛ ولهذا لما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم رأى عيسى في السماء الثانية ومعه يحيى ابن زكريا، ولهذا قال: «فرأيت في السماء الثانية عيسى ابن مريم ويحيى ابن زكريا». فعيسى عليه الصلاة والسلام رفع ولم يمت، وهذه عقيدة المسلمين خلافًا لعقيدة اليهود والنصارى، فهذا النبي الكريم ينزل آخر الزمان بعد خروج الدجال فيقتل الدجال ويحكم في المسلمين ويحكم بسنة محمد صلى الله عليه وسلم، هو الذي يقتل الدجال، ولقد جاءت قصة نزول عيسى في الصحاح، ففي صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان في سياق طويل فيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الدجال وأنه يخرج ويمكث في الأرض أربعين يوما، كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم إلى آخر ما ذكر النبي في شأنه، وأنه أعور عين اليمنى كأن عينه عنبة طافية، إلى آخر ما ذكره النبي في سورة الدجال. فينزل عيسى عليه الصلاة والسلام فيتبع الدجال فيقتله في فلسطين، وكان نزول عيسى عليه الصلاة والسلام في دمشق، قال: فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين، واضعًا يديه على أجنحة ملكين، كان رأسه يقطر ماء، إذا رفعه تحدر منه جمان، إذا طأطأ رأسه تحدر منه جمان كاللؤلؤ. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم صفة موسى وصفة عيسى فيما جاء عنه في الصحيحين وغيرهما، فالقصد أن عيسى عليه الصلاة والسلام ينزل فيقتل الدجال ثم يحكم بالشريعة المحمدية.
قال وخروج يأجوج ومأجوج، هؤلاء قوم من بني آدم، وهم قوم كثر، وقد قيل إنهم ليسوا من بني آدم هذا قول ضعيف، والذي عليه الجمهور أنه من بني آدم، وهم قوم كفار من الأمم الكثر، كثير النسل؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين عن أبي سعيد يقول الله يوم القيامة: «يا آدم، أخرج بعث النار، قال: لا، وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحد إلى الجنة»، واشتد ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا ذلك الرجل؟ قال: «أبشروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفًا ومنكم رجل»، فهؤلاء قوم كثر من الكفار وهم سواد من الكفار. ولا شك أنهم كما أخبر الله عنهم: ﴿إِذَا جَاءَ مَوْعِدُهُمْ هُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾. اشتغل كثير أو بعض المتأخرين في تعيينهم ومن هم، هل هم أهل الصين؟ أم أنهم قوم لم نعرفهم الآن أم ماذا؟ هذا أيضًا من التكلف، وإذا خرجوا فإن من يدرك سوف يشاهدهم، وليس من المقصود أن يعينوا بمقام أو بزمان معين، إنما الذي يعرف أنهم قوم من بني آدم من الكفار، وأنهم موجودون على وجودهم ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من بيانه صلى الله عليه وسلم لوجودهم، كقوله: «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه»، وأشار بالسبابة وحلقها.
لكن إذا قيل هؤلاء قوم كثر، فعينهم الآن؟ قيل لا يلزم أنهم قبل ميعاد خروجهم على هذا الحد من الكثرة، فإن خروجهم في آخر الزمان، ولربما مع أنه في آخر الزمان يهلك كثير من الناس، ويكثر هؤلاء القوم ويكثر نسلهم، ثم يكون خروجهم. فهذا لا يلزم أن يكونوا في هذه الحال هم الأكثر من الناس، لكنهم وقت خروجهم سيكونون الأكثر، وإذا قال قائل: الآن نحن في آخر الزمان وليسوا هم الأكثر؟ إلا إن فسرناهم بأجناس الكفار كما ذهب إليه بعض العلماء الذين قاربوا هذا العصر، وإن كان توفي رحمه الله أنه قال هم أجناس الكفار من النصارى في أوروبا وفي أمريكا وفي البلاد، هذا أيضًا ليس بصحيح، هذا قول بلا علم، فإن هؤلاء من النصارى ومن اليهود ليس يظهر من النصوص أنهم هم الذين يرادون بذلك، وإذا قيل لنا في آخر الزمان فأين هم؟ وأين كثرتهم؟ قال: وما يدريك أنك في آخر الزمان الذي معناه أي أنك بين يدي سنوات على قيام الساعة أو على خروجهم، أما إذا بآخر الزمان أن هذه الأمة في آخر الزمان فنبيها يقول: «بُعثت والساعة نستبق»، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان في آخر الزمان، أي في آخر الزمان أو في أيام الله التي قضاها لعباده في هذه الأرض قبل اليوم الآخر الذي يجمع فيه الناس. ولذلك أحيانًا يقوله البعض أما تصريحًا أو تلميحًا -إن صح التعبير- أن الفتن بين يدينا، وانتظروا خروج الدجال وانتظروا خروج يأجوج ومأجوج، هذا غلط، وليس المقصود أن نقول إنها بعيدة، وإنما المقصود أن يقال الله أعلم، ولا يجوز أن يظن أن الأمور بين يديك كما لا يجوز أن يظن عكسه، إنما الذي يجب أن يقال ماذا؟
الله أعلم؛ فقد يكون بقي لهذه الأمة مئة سنة، وقد يكون بقي لها خمسمئة سنة، وقد يكون بقي لها أكثر من ذلك، هذا أمر مرده إلى علم الله. ولذلك أحياناً يقع هذا حتى من بعض أهل العلم؛ في القرن التاسع قال بعض أهل العلم الفضلاء الشرفاء إن بين أيديهم المهدي، وظنوا أن المهدي هو الذي يختم القرن العاشر، وأن الأمة لم تتجاوز القرن العاشر، ثم سلفت الأمة بعدهم ما يقارب الخمسة قرون. فإذاً هذا التكلف أحياناً يصنف بعضهم كتاباً، مثل من يستدل بحديث ابن عمر الثابت في البخاري وغيره لما قال النبي ﷺ: «أوتي أهل التوراة التوراة إلى نصف النهار، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا إلى صلاة العصر، ثم أوتينا القرآن إلى غروب الشمس». فقالوا إن مكان هذه الأمة وبدأوا يقارنون مدة اليهود كم؟ ومدة النصارى؟ وما بين العصر وغروب الشمس يتحصل من هذا أن هذه الأمة بقي عليها من السنوات كذا، هذا كله سفسطة، هذا كله من السفسطة وليس من العلم، بل هذا من الجهل والتعدي على أحكام الله، والساعة لا يدري عن مرساها وموعدها إلا الله سبحانه وتعالى. فإذاً هذه الأمور لا ينبغي أن يتقدم فيها بين يدي رسوله، هذه جهة.
الجهة الثانية أنه ما الفائدة من هذه الفروقات؟ أو حتى من يسأل عن المهدي، المهدي حتى إذا جاء ما الذي سيأتي به؟ هل سيأتي بجديد؟ ليس عنده أو حتى عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام ليس عندهم إلا قال الله وقال رسول الله ﷺ، وهذا الكتاب محفوظ بحفظ الله له، وكذلك سنة النبي ﷺ من جهة أصلها لابد أنها محفوظة؛ فإذاً ليسوا محتاجين إلى أن ينتظروا أحداً قادماً. وهذه الأمة لم يرد لها الله ولا حتى غيرها من الأمم أنها تنتظر موعوداً بالانتظار، من البدع التي أدخلت على المسلمين عند بعض طوائفها فجاءوا بعقيدة الانتظار لبعض أوليائهم أو أئمتهم.
قال: وخروج الدابة. الدابة هذه دابة خلقها الله سبحانه وتعالى، وهي من أمارات الساعة الكبرى، وهي تكتب في جبين ما أدركته إما مسلماً أو مؤمناً، وإما كافراً، والناس يهربون منها فيصيرون إليها، وهي أمارة من أماراتها لم يذكرها النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذا الاختصاص.
وطلوع الشمس من مغربها: إن الشمس كما هي تطلع من مشرقها، فإنها إذا جاء ميعادها وإذا جاء يومها خرجت من مغربها، فإذا خرجت من مغربها فهنا لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل.
قال: وأشباه ذلك مما صح به النقل.
وعذاب القبر ونعيمه حق: عذاب القبر ونعيمه حق بإجماع أهل السنة وبصريح الكتاب والسنة، وهو على الجسد والروح. ومن قال إن العذاب يكون على الروح فقط، وأن الجسد بعد الموت لا يمسه شيء من العذاب، فهذا من أقوال أهل البدع وأصله من أقوال المعتزلة، وإن زعمه بعض أصحابنا قولاً لطائفة من أهل السنة فهذا غلط عليه؛ بل الصواب المجمع عليه بين الصحابة والتابعين والأئمة أن عذاب القبر ونعيمه على الروح والجسد، وإن كانت ماهية اتصال الروح بالجسد ليست كاتصال الروح بالجسد قبل الموت.
ماهية اتصال الروح بالجسد؟ الروح الآن متصلة بالجسد وقت الحياة أليس كذلك؟ والإنسان يتنعم في حياته بنعيم الدنيا، أو يتعذب في حياته بعذاب الدنيا الذي يقع له عرضاً أو قسطاً إلى آخره. اتصال الروح بجسده حال الدنيا بالقطع أنها ليست كاتصالها بعد الموت، فهناك لها ماهية ما، وهنا لها ماهية ما. وإذا كان الإنسان في حال حياته أو بعبارة أقرب إلى التقريب إذا قال قائل: وكيف تتصل الروح بالجسد بعد الموت؟ قيل له: وهل أنت أدركت كيف تتصل الروح قبل الموت؟ لا أحد يستطيع أن يصور ماهية الروح وعلاقة الروح بالجسد الآن، الذي يدركه أن الروح موجودة وأنها محركة للجسد، هذا علم ضروري حسي؛ أما ماهية هذه الروح وكيف تتصل وكيف تفارق إلى آخره، فكما قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]. فإذاً من قال كيف تتصل الروح بالجسد قيل: إن فقهت وتصورت كيف تتصل الروح بالجسد حال الحياة، ودرجة فوق ذلك حال النوم، هنا ترى أن الآيات الشاهدة تدل على صدق الآيات الغيبية، الآيات الشاهدة في يقظة الإنسان وفي منامه تدل على صدق الآيات الغيبية مما قضى به الله سبحانه وتعالى مما يكون في القبر من العذاب على الروح والجسد.
وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منه وأمر به في كل صلاة، قال: وفتنة القبر حق. أمر به من كل صلاة أي أمر بالاستعاذة من عذاب القبر، ولذلك على سبيل الوجوب أم على سبيل الاستحباب؟ الجمهور أنه سنة، وهو الصحيح، وذهب طائفة وقول في مذهب الإمام أو هو رواية عن الإمام أحمد هي المرجحة عند متأخر أصحابه أن ذلك على الوجوب.
قال: وفتنة القبر حق وسؤال منكر ونكير. مراده بفتنة القبر هي ابتلاء الإنسان في قبره؛ فإن كل أحد يبتلى في قبره بالسؤال، يسأل عن ربه وعن دينه وعن نبيه صلى الله عليه وسلم، فهذا هو المراد بفتنة القبر أي الناس يفتنون في قبورهم فيسألون هذا السؤال، فالمؤمن يجيب جواباً حقاً، والمنافق والكافر يتعذر عليه الجواب.
وسؤال منكر ونكير حق: هذان أعني منكر ونكير هما الملكان، وقد سميا في حديث جاء في المسند وغيره بهذا الاسم، وقد ذكر الإمام أحمد ذلك واحتج به، فهذه التسمية ولما سموا بذلك؟ أولاً يقال هذا مبني على ثبوت النص؛ فإن بعض أهل العلم لا يصحح هذه التسمية ثبوتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان ثبوت أمر الملكين هذا ثبوت بين صريح، لكن هل يسمى منكر ونكير؟ هذه مسألة أخرى، وإذا كان كذلك فلما سميا بذلك؟ يمكن من الجواب أن الله أعلم بذلك، ويمكن أن يقال إن هذا من باب ما يقع في مقامهما من الشدة والفتنة وما ذلك.
والبعث بعد الموت حق: أي بعث الناس من قبورهم، فإن جميع الناس يبعثون من قبورهم أو من مكان موتهم ولو تفرقت أجزاؤهم وأجسادهم، أما في البر أو في البحر أو فيما شاء الله من الخلق، فإنهم يجمعون في يومهم الموعود، يحشرون إلى ربهم سبحانه وتعالى كما هو صريح في كلام الله ورسوله؛ وذلك حين ينفخ إسرافيل عليه السلام في الصور، فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون، من الأجداث أي من القبور، أو من مكان موتهم ورفاتهم.
قال: ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً بهماً. هذا متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في الصحيحين وغيرهما متفق على ثبوته بين أئمة الحديث، إن الناس يحشرون يوم القيامة على هذه الحال، وقوله غرلاً أي ليسوا مختونين. فيقفون في موقف القيامة، حتى أين هو موقف القيامة؟ هل هو في الشام أم ماذا؟ أولاً يقال قبل هذا التعيين: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: 48]؛ فالعين ستبدل، وهنا ليس هناك شأن كثير أن يقال وغيرها لأن الأرض ستبدل، وإن كانت هناك دلائل على أن أرض الشام لها اختصاص من جهة جمع الناس ليوم الحساب.
حتى يشفع فيهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: وهذا مقام الشفاعة العظمى، وهذه الشفاعة العظمى أجمع المسلمون على ثبوتها من أهل السنة وأهل البدعة، لم يخالف فيها أحد، وهي شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الموقف أن يقضي بينهم وأن يفصل الحساب بينهم، وقد ذكرها الرسول عليه الصلاة والسلام كما تواتر عنه ذلك. وحديثها في الصحيحين وغيرهما من رواية جماعة من الصحابة كأبي هريرة: أن النبي ﷺ أتي بلحم فرفع إليه الذراع فكانت تعجبه فنهس منها نهسة، ثم قال: «أنا سيد الناس يوم القيامة»، يجمع الله الناس يوم القيامة، ثم ذكر جمع الناس فيأتون آدم، قال: فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقونه وما لا يحتملونه، فيعتذر عن الشفاعة، ويأتون نوحاً فيعتذر، ويأتون إبراهيم فيعتذر، ويأتون موسى فيعتذر، ويأتون عيسى فيعتذر، ثم يأتون محمداً ﷺ، قال: «فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربي، ثم يفتح الله عليه ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه لأحد قبلي، ثم قال: يا محمد ارفع رأسك، فيقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: ادخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهي من سواها من أبواب الجنة»، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، كما بين مكة وبصرى. هذا الحديث له طرق في الصحيحين وغيرهما وهو حديث الشفاعة العظمى، والشفاعة العظمى كما قلت إنها مجمع عليها بين المسلمين، وهي صريحة في السنة ودل عليها ظاهر القرآن، وهي مذكورة في ظاهر كلام الله في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]؛ فإن المقام المحمود في تفسير السلف هو شفاعته صلى الله عليه وسلم.
قال: ويحاسبهم الله تبارك وتعالى وتنصب الموازين وتنشر الدواوين. هذا كله حق على ظاهره كما ذكر في الكتاب والسنة، إن الله يحاسب العباد وإن الموازين تنشر، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون. وفي قول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: 47]، فلا تظلم نفس شيئاً. هذه الموازنة مذكورة في كتاب الله على قسمين، تراها تارة في القرآن مبنية على المقارنة، في مثل قوله تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [سورة القارعة: 6-9]، والمؤمنين نحو ذلك. إذا ذكرت الموازنة على صيغة المقارنة فيراد بها الموازنة بين التوحيد والكفر.
أحسنت، بين التوحيد والكفر، فقوله: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي بالإيمان، ومن خفت موازينه أي بالشرك. وعليه ما ذهب إليه ابن حزم رحمه الله وتبعه عليه ابن القيم في أهل الكبائر من المسلمين، حين فسروا فيهم فقالوا إن هذه تباين من المسلمين ثلاثة أقسام، يقولون هذا كلام ابن حزم وتبعوا عليه ابن القيم، قالوا إن الكبائر من المسلمين ثلاثة أقسام: قوم ثقلت أي زادت حسناتهم على كبائرهم، قالوا لا يعذبون ولا يمسهم شيء من الوعيد مع ما عندهم من متظاهر، بل يصيرون إلى الجنة ابتداء. قالوا: تساوت حسناتهم مع كبائرهم وسيئاتهم، قالوا فهؤلاء لا يعذبون، ولكنهم لا يدخلون الجنة ابتداء بل يحبسون عن الجنة زمناً ثم يدخلون إياها. قالوا: والطائفة الثالثة من زادت كبائرهم وسيئاتهم على حسناتهم، قالوا فهؤلاء هم الذين يعذبون في النار قدراً ثم يدخلون الجنة. هذا التفصيل فصله ابن حزم وهو أول من فصل هذا التفصيل ونسبه لأهل السنة. ابن حزم يقول إن هذا هو مذهب أهل السنة، ثم جاء ابن القيم رحمه الله فزاد على ذلك ما هو أشد من التفصيل، فقال فهذه المسألة قال ومسألة الموازنة لا يعرف الحق فيها كثير من الناس، قال بل كثير من المنتسبين للسنة لا يعرفون إلا قول المرجئة، قال وأما قول الصحابة والتابعين فإنهم لا يعرفون وهو أن هذه الكبائر على ثلاثة أقسام، ثم ذكر هذا التقسيم فجعله ابن القيم رحمه الله قولاً لمن قبل التابعين، وجعل خلافه قول المرجئة، وهذا كله لا أصل له وإن كان تكلم به ابن القيم رحمه الله.
فهذا ليس بصحيح، ولم يعرف في كلام أئمة السنة المتقدمين هذا التفصيل، وابن القيم رحمه الله إنما نقل هذا عن أبي محمد ابن حزم في كتاب "الفصل"، مع أن ابن حزم أخص في التعبير والجزم، مما يقلد ابن القيم في "طريق الهجرتين" زاد في التعبير وجزم أنه مذهب جميع الصحابة إلى آخره. ولما جاء يستدل ابن القيم يستدل بعموم قوله تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾، وهذا ليس وجهاً في القياس صحيحاً، فإن المقصود بهذه الآيات الإيمان والكفر، وهذا صريح في سياقها، ولهذا قال: ﴿فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ إلى آخره، فالسياق صريح أنها في المؤمنين والكفار، استدلاله رحمه الله ليس في مقامه. ثم استدل بأن طائفة من الصحابة جابر بن عبد الله وابن مسعود قالوا في أهل الأعراف الذين ذكرهم الله في سورة الأعراف وبينهم الحجاب على الأعراف إلى آخره، قال إن أهل الأعراف هم من استوت حسناتهم مع سيئاتهم، وأنهم يحرصون على الجنة.
أولاً هذا ليس إجماعاً للصحابة، هذا إن صح فهو تفسير لمن أو لعدد من الصحابة لعشرة أو أقل أو أكثر، ولا يصلون إلى عشرة، وروي عن ابن عباس قول ابن عباس في ذلك وابن مسعود، هذه جهة. الجهة الثانية أن هذا لم تنضبط صحته عن الصحابة، ولهذا ابن جرير رحمه الله وهو إذا فسر الآيات من الصحابة ما يعارضه، لكنه هنا لما ذكر قول ابن عباس ابن مسعود جابر بن عبد الله، وذكر أقوالاً ثمانية في أهل الأعراف، وهذا مما يدلك على أن أهل أنهم من تساوت حسناتهم مع سيئاتهم، بل السلف مختلفون فيهم. ابن جرير قال: الصواب أن الله أعلم بشأنهم، ولم يجزم بجزم أنه من تساوت حسنته وسيئته. فإذاً هذا التفصيل من ابن القيم وابن حزم ليس بصحيح، هذا ليس بصحيح، وابن القيم رحمه الله على فضله وسلفيته وسنيته دخل عليه كلام من كلام ابن حزم في بعض المسائل، وهذه من أخصها.
ينبغي أن ننبه إلى أنه ليس بصحيح ولا مناسب له من جهة السنة، ومن الذي يستطيع أن يجزم بأن من زادت سيئاته ولو بواحدة أنه يعذب في النار؟ هذا لا يمكن لأحد أن يجزم به، وليس في الكتاب ما يقر ذلك. وإنما الذي في الكتاب وأجمع عليه السلف هو الإيمان بالموازنة، ولكن هل الإيمان بالشيء المجمل يستلزم العلم به مفصلاً؟ لا يلزم، فالإيمان بالموازنة هذا مجمع عليه عند السلف.
ولكن إذا قيل: ما مرد الموازنة؟ مردها إلى عدل الله ورحمته وحكمته. فهذا القول ليس بصحيح، هو قول لطائفة من المنتسبين للسنة، ولذلك ابن تيمية رحمه الله الإمام المحقق لما ذكر هذا القول قال: هذا قول طائفة من المنتسبين للسنة. ووصف القول الذي انتصر له ابن حزم وابن القيم، ووصفه الإمام ابن تيمية بأن هذا قول من المنتسبين للسنة من أصحابنا وغيرهم. وهذا واضح من شيخ الإسلام أنه تغيير لهذا القول وأنه ليس من الأصول عند الصحابة كما يقول ابن القيم رحمه الله، فالقصد أن هذا قول غلط والصواب التوقف. وقال: الإيمان بالموازنة حاصل، ولكن هذا مرده إلى عدل الله وحكمته ورحمته، والله سبحانه وتعالى هو الذي يحكم بين العباد، ولا ينصف بهذا الوصف المفصل، بل يقال على قول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء: 47]. والقسط هنا صفة لهذه الموازين.
نعم، ومن نتيجة اللغة أن نستعمل هذا، وأن القسط هنا وقعت صفة مع أن الموصوف جمع. وما سوى ذلك، فليس القاعدة أن الصفة تطابق الموصوف؟ ومع ذلك هنا قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾، وهذا الأسلوب هو السليم؛ فاللغة تقول هذه المقالات غلط، واضح؟ ما الجواب عن هذا؟ لأن صفة غنى عن مئة مصدر، ولهذا قال ابن مالك: ونعتوا بمصدر كثيراً فالتزموا الإفراد والتذكير.
قال رحمه الله تعالى: وتتطاير صحف الأعمال إلى الأيمان والشمائل، فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً وينقلب إلى أهله مسروراً، وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبوراً ويصلى سعيراً.
قال والميزان له كفتان ولسان توزن به الأعمال، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون. نعم هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، ونأخذ إن كان هناك شيء من الأسئلة على قدر من الاختصار.
الحمد لله رب العالمين، أحسن الله إليكم. هذا سائل يقول: ما صحة ما ذكر عن الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي بأنه قال إن يأجوج ومأجوج هم أهل الصين؟ هذا مشهور عن الشيخ عبد الرحمن، ويشهر عنه قول آخر، الله أعلم، لم أقف على كلام صريح له، لكن إن انضبط عن الشيخ رحمه الله فهو اجتهاد لم يكن مناسباً، وكان من المناسب أن يقال: إنه قوم لهم وجود، ولا يلزم أن نعرف عن وجودهم، ولا يلزم أن حالتهم التي يخرجون عليها تكون كحالتهم التي هم عليها الآن، إلى آخره.
أحسن الله إليكم، هذا سائل يقول: ما رأيك في أن الأرض الآن عُرِفت شهادة إذا أراد الله سبحانه وتعالى فيه إخفاء الناس عن هؤلاء... إسرائيل جلسوا في سيناء، سيناء صغيرة أليس كذلك؟ كبيرة؟ لا سيناء بشكل عام ما تأخذ شيئاً، وجلسوا أربعين سنة، إذا وصلوا الطرف هذا قالوا لا الدرب عكس، فذهب عليهم أربعين سنة وهي في سماء مصر، أربعين سنة يعيشون يتيهون في الأرض، هم يريدون بيت المقدس، في الجنب قريب منهم بيت المقدس، ومع ذلك عجزوا أن يدخلوها تيهاً. فإذاً الأمور ليست على هذه القياسات، هذا حكم الله وهذه مراداته، إذا كان الله سبحانه وتعالى أراد إخفاء الناس عن هؤلاء القوم يأجوج ومأجوج لا يمكن أن يقال هذا.
نعم، هذه نظريات الغربيين يزعمون أنهم اكتشفوا جميع الأرض وسيطروا على كل الأرض، ويعرفون الدقيق والجليل، ومخابراتهم تعرف كل ما يتحرك في العالم، هذه سلسلة الغربيين روجوها في الإعلام الغربي وغيره حتى أصبحت من الحقائق المسلمة عندنا، أن الغرب الآن عرف كل شيء في الأرض، وما هذه إلا مبالغات الغرب، والغرب؛ وإلا فإن الله يقول: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ [يونس: 24]. فهل هم قادرون؟ أم هذا ظن ظنوه؟ ظن ظنوه، إذاً لا يمكن أن أهل الأرض ولو اجتمعوا أن يقدروا على هذه الأرض ضبطاً وإحكاماً؛ لأن هذه الأرض لله سبحانه وتعالى، لا يستطيع أحد أن يسيطر السيطرة التامة ويدرك معالمها وحقائقها من كل وجه، ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾. فإذاً لا يمكن أن أحداً يقدر على الأرض.
أحسن الله إليكم، هذا سائل يقول: ما رأيك في من يحمل أحاديث الفتن وأشراط الساعة على الأحداث المعاصرة ويقولون بتنبؤات للأحداث القادمة بناءً على ذلك، ويقولون بقرب نهاية العالم، حيث إن بعض هؤلاء من أهل السنة؟ جزاكم الله خيراً.
هذا نعم يقع فيه البعض، وهو أحياناً يقع عن حسن نية وعن قصد إلى البحث وتحقيق مجموعة النوايا، منهج غلط، هذا منهج فيه تكلف وفيه افتئات في العلم، ولربما قد يقع فيه شيء من القول على الله بغير علم، قد يكون قائل المهدي حديث صحيح، ونحن نستشرف مسألة المهدي، أولاً المهدي إذا خرج فإن الله سيهدي الناس له، هل يخشى أحد أن المهدي يخرج ومع ذلك إذا لم يتفطن الآن يبحثون مسألة المهدي يخافون أن المهدي يخرج ويموت وما أحد عرف المهدي؟ هذا لا يمكن، المهدي إذا خرج فإن الله يهدي المؤمنين له، وتظهر آية هدايته وآية صدقه وآية عدله إلى غير ذلك، فإذاً لا يخاف أن أحداً يخرج ولم يدرك، فهذه التنبؤات والتكلفات لا تصح، ولا سيما كما قلت سابقاً إذا اعتمدت على أحاديث يغلب عليها الضعف والإنكار، أو اعتمدت على روايات عن بني إسرائيل، بل أحياناً ليست عن بني إسرائيل، هي عن بعض شياطين اليهود والنصارى من المتأخرين الذين لا يعدون في أخبار الأنبياء.
هذا سائل يقول مسألة معركة هرمجدون مثلاً وأنها قريبة، الآن أمريكا تخطط والآن خمسة من أمريكان يتكلموا ويتكلموا، هكذا معهم تكلموا، وإذا تكلموا هل هم أنبياء، هل هم رسل؟ نعم هي معركة موجودة في كتب النصارى، وموجودة في كتب اليهود والنصارى، ولها أصل في كتب المسلمين، وستقع المعركة مع بني إسرائيل ومع اليهود، هذا أمر ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ما يجدوا حوله، لكن أين المعركة بين يدينا أم أنها باقية؟ الله أعلم بهذه الأمور، قد تتدارك الأمور، قد تتأخر، هذه أمور إذا وقعت فإن الناس سيشاهدونها، ليسوا بحاجة إلى التوقعات أو إلى الاختلاف أو استشرافها، وما من زمن يأتي إلا والذي قبله خير منه.
أحسن الله إليكم، هذا سائل يقول ذكرتم أن المسائل السمعية ليس فيها تفقه، وكيف يكون في بعض المسائل قول الجمهور وقول مخالف له، وهل يعتبر قول مخالفهم إجماعاً على من خالفهم؟ قول كلمة ليس فيها تفقه هذه تُفهم بوجهها، قد تقول أنت من أصول الدين فيها تفقه، أليس كذلك؟ يقول عن الكفار: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: 179]، مشروع في سائر المسائل السمعية وغير السمعية، لكن المقصود بكلمة أو بالقول الذي قيل إنه ليس بتفقه بمعنى أنه ليس فيه اجتهاد، واحتمالات، إنما يؤخذ ظاهرها وصريحها ويقال به، وما زاد على ذلك من المحتمل فلا يقصد إليه إثباتاً ولا نفياً.
سؤال أخير أحسن الله إليكم، الأنبياء كعيسى وإبراهيم عليهم السلام في السماء، كما في الأحاديث، هل هو كوجود عيسى حيث رفعه الله؟ أم المراد أنهم موجودة أرواحهم في السماء دون أجسادهم حيث دفنت في الأرض؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.
نعم، لا شك أن عيسى عليه الصلاة والسلام له اختصاص فهو موجود حياً لم يمت ولم يدفن ولم يقبر إلى آخره، وأما بقية الرسل والأنبياء الذين ذكر النبي أنه رآهم فلا شك أنهم قد ماتوا ودفنوا عليهم الصلاة والسلام، والنبي ذكر موسى في السماء السادسة ومع ذلك قال وهو في مسراه من مكة إلى بيت المقدس إنه مر بموسى عند الكثيب الأحمر وهو يصلي في قبره، قال: وإن كنت عنده لرأيتكم مقامه. شيخ الإسلام ابن تيمية أجاب عن هذا الحديث بجواب، يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم في معراجه إلى السماء رأى أرواحهم في صور أجسادهم، يقول: فإن أرواحهم في الجنة، وهذا أمر بين في القرآن والسنة من جهة النعيم للأولياء ومن جهة العذاب للكفار، قال: أرواحهم في الجنة، فالنبي في معراجه رأى أرواحهم في صور أجسادهم، والحقائق لأجسادهم هي في قبورهم، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ يوسف الغفيص