غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح لامية ابن الوردي للشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح لامية ابن الوردي نصيحة الإخوان ومرشدة الخلان، هذه اللامية التي عشنا في ظلالها مجالس ومجالس، ونحن نتفيأ ظلالها نستقي من معانيها ومن حكمها وفوائدها ونصائحها، فهي كما قلنا خلاصة حياة عاشها الإمام ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه، خلاصة تجارب متعددة في جوانب متعددة ومجالات في حياة الإنسان، وأراد أن يقدمها لهذه الأمة على شكل أرجوزة لطيفة رائقة يحفظها الكبار والصغار، ليهتدوا بهذه الإرشادات والنصائح وليستلهموا منها طرق التصرف الصحيح في الكثير من قضايا الحياة، ويحسنوا معالجتها وفق المنهج الشرعي الذي يرضي الله سبحانه وتعالى.
اليوم أحبتي ابن الوردي رحمة الله عليه سينتقل بنا للحديث عن شيء من صلب تجربة حياته، سينتقل بنا للحديث عن أمر من صلب تجربة الحياة. ما معنى هذا؟ تكلمنا أن ابن الوردي رحمة الله عليه أحبتي كان قاضياً، وحاول أن يتملص مرات عديدة من تولي هذا المنصب وأن يعتذر عنه. فيا ترى ما هو السبب الذي كان يدفع ابن الوردي وغيره من أهل العلم لمحاولة التملص من منصب القضاء والتورع عن قبوله؟ فإن هذا المنهج لم يكن منهج ابن الوردي فقط، بل العلماء الثقات العدول قديماً وحديثاً ما زالوا يتملصون من هذا المنصب ويحاولون الهروب منه وألا يتولوه، فما هو السبب الدافع لهم يا ترى إلى سلوك هذا المنهج في الحياة؟
ابن الوردي رحمة الله عليه سيتكلم الآن عن هذه القضية بإسهاب وتفصيل وسيعلل لنا ما هو السبب الذي جعله ينتهج هذا المنهج، فقال رحمة الله عليه في البيت السادس والخمسين: لا تلي الحكم وإن هم سألوا رغبة فيك وخالف من عدل
لا تلي الحكم وإن هم سألوا رغبة فيك وخالف من عدل، يقول لك ابن الوردي رحمة الله عليه: إياك أن تتولى منصب القضاء والفصل بين الناس في الخصومات، وإن سألك الناس ذلك وألحوا عليك رغبة فيك، فحاول أن تتملص من قبول هذا العرض. الآن هذه القاعدة التي يذكرها ابن الوردي، وهي أن تحذر من تولي منصب القضاء حتى ولو طمع الناس فيك وألحوا عليك، فحاول أن تهرب وتتملص، هذه القاعدة في الحقيقة ينبغي أن تقيد بقيد حتى تفهم بالشكل الصحيح.
ما هو هذا القيد؟ هو في حالة أنه يوجد أكثر من شخص يصلح لتولي منصب القضاء، فحاول أن تتملص أنت ويقع الاختيار على غيرك. لكن إذا لم يكن في البلدة أو في القرية إلا شخص واحد يصلح لتولي منصب القضاء، وإذا لم يتولى هذا الشخص هذا المنصب فإن أموراً ستسير على فساد وهرج، فهذا يكون توليه لمنصب القضاء فرضا عينياً عليه، لا يجوز له الهروب منه. لكن ابن الوردي يتكلم هنا في حالة وجود خيارات عديدة وأكثر من شخص مؤهل لأن يتولى هذا المنصب، فهو ينصحك ألا يقع الاختيار عليك، وأن تحاول أن تتملص وأن تعتذر ما وجدت لذلك سبيلاً. هذه هي النصيحة التي يريد أن يقدمها ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه حتى لا يفهم كلامه بالشكل الخاطئ وتكتمل الصورة لدينا.
إذاً، هو يتكلم في حالة وجود خيارات عديدة، يقول لك: حاول ألا تكون أنت الشخص الذي يقع عليه الاختيار. إذاً، لا تلي الحكم وإن هم سألوا، طبعا المفعول به محذوف، المراد وإنهم سألوك، لكن حذف المفعول به وقدره تقديراً حتى يستقيم معه الوزن، إذاً لا تلي الحكم وإن هم سألوا رغبة فيك. هم لماذا سيسألونك؟ رغبة فيك أن تتولى هذا المنصب لخير رأوه فيك.
ثم يقول لك: وخالف من عدل، وخالف من عدل. يعني إذا جاءك شخص يعدلك أي يلومك. ما هو العدل؟ اللوم. إذا جاء شخص يلومك يقول لك: يا فلان، لماذا لم تتولى منصب القضاء، وأمثالك يستحقون مثل هذا المنصب، وبتوليك لهذا المنصب ستحظى على امتيازات في الدولة ويكون لك كذا وكذا؟ ويبدأ يعني يلومك لماذا رفضت هذا المنصب ويرغبك في العودة إليه مرة أخرى. إذا جاءك هذا النوع من الناس، فقل لهم: جزاكم الله خيراً، فإنني لا أريد أن أورط نفسي في حقوق الناس، فانظروا غيري واذهبوا إلى من هو خير مني بإذن الله.
يقول لك: تعامل مع هؤلاء بهذا النهج، لأن الإنسان أحبتي إذا اعتذر عن المناصب الشريفة ورفض أن يقبلها يأتيه أصدقاؤه وأحبابه ويرغبونه ويطمعونه ويلومونه: يا فلان، لماذا لم تقبل وأنت شخص مؤهل ورجل فيك خير وكذا وكذا؟ الآن هنا الإنسان قد يتراجع ويبدأ يراجع نفسه، لا، ابن الوردي يقول لك: احسم الأمر من البداية، إذا جاءك هذا الصنف فخالفه، وقل لهم: جزاكم الله خيراً، فإني لا أريد أن أورط نفسي في حقوق الناس، وغيري موجود، لأنه هذه الفرضية الفرضية أن هناك أكثر من شخص يمكن أن يلي هذا المنصب، فيقول لهم: اذهبوا إلى غيري ففيه بإذن الله غنية وكفاية. إذاً، لا تلي الحكم وإن هم سألوا رغبة فيك، وخالف من عدلك ولامك، وخالف من عدل.
ثم بدأ ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه يشرح لنا لماذا اختار هذه الفلسفة في الحياة وهذا النهج، نهج الاعتذار عن تولي القضاء ومحاولة الهروب منه ولماذا ينصحك به، فيقول في البيت الذي يليه: إن نصف الناس أعداء لمن ولي الأحكام هذا إن عدل
إن نصف الناس أعداء لمن ولي الأحكام هذا إن عدل. يقول لك ابن الوردي رحمة الله عليه في هذا البيت: هذا أول تفسير وتعليل لماذا ينبغي عليك أن تزهد في القضاء؟ هذا أول تعليل يقدمه وتفسير. أولاً يقول لك ابن الوردي: إذا وليت القضاء والفصل بين الناس فستصبح مكروهاً مبغوضاً على الأقل من نصف المجتمع. كيف ذلك أحبتي؟ إذا بدأ الإنسان يفصل بين الخصومات والمنازعات الواقعة بين الناس، فجاءك اثنان لتفصل بينهم، أحدهما ستقضي له والآخر ستقضي عليه وتلزمه بالحق، فمن قضيت عليه وأزمته بالحق في العادة سيبغضك وسيحقد عليك ويمتلئ قلبه غيظاً منك، لأن الناس أحبتي دائماً يرون أنفسهم على حق وأن الطرف الآخر هو الظالم له، هذا حال أكثر الناس، يرون أنفسهم أنهم أبرياء وأنهم أصحاب الحق وأن غيرهم هو الظالم.
فإذا جاءك اثنان لتقضي بينهما، أحدهما كما قلنا ستقضي له والآخر ستقضي عليه، ومن ستقضي عليه وتلزمه بالحق فلا بد في العادة أن يبغضك وأن يمتلئ غيظاً منك وأن يحقد عليك، وهذا مع كل خصومة، وهذه الحالة ستكون لك مع كل خصومة، ومع كثرة الخصومات والمنازعات في المجتمع سيزداد خصومك في هذا المجتمع، كل يوم عندك خصومة، هناك من تقضي له وهناك من تقضي عليه، من تقضي عليه يمتلئ قلبه غيظاً لك، ومع مرور الأيام بالتالي سيكثر خصومك.
وهذا كله إذا كنت قاضياً عادلاً تتحرى العدل، وأما إذا كنت قاضياً ظالماً جائراً فان المجتمع كله سيبغضك ويحقد عليك، حتى هؤلاء الناس الذين حابيتهم في مرة من المرات وجعلت الحكم لهم من أجل أن تشتري ودهم، هؤلاء الناس أيضاً سيشعرون بالريبة منك، لأنهم يدركون أنك إنما قضيت لهم بالظلم والجور ولم تقض لهم بالعدل والحق، فهم الآن نعم أنت قضيت لهم سيجاملونك يبتسمون في وجهك، لكنهم سيبقون في ريبة منك، أنت اليوم قضيت لهم وحابيتهم وغدا ستقضي عليهم فإن منهجك هو منهج الجور والظلم، وأيضاً أنت أصلاً تتساقط في أعينهم وإن قضيت لهم، أنت ساقط في أعينهم لعلمهم أنك رجل تفقد المروءة والشهامة والعدل والإنصاف، فلا توجد لك رفعة في أنفسهم أو مكانة أو حظوة، إياك أن تظن ذلك أيها القاضي الجائر.
والقاعدة العامة أحبتي: من أسخط الله بظلمه وجوره ليرضي بعض الناس، فإن الله سبحانه يسخط عليه ويسخط عليه كل الناس. هذه القاعدة علينا أن نعيها جيداً، الإنسان يسعى لمرضاة الله سبحانه.
وتعالى ولو غضب منه طائفة من الناس، المهم أنه يسعى في مرضاة الله ويسير في تحقيق هذا الأمل. وأما من كان سعيه في حياته ودأبه أن يرضي الناس على حساب رضا الله سبحانه وتعالى، فهذا والله لن يرضى الله عنه ولن يرضى عنه الناس.
إذاً، يقول لك ابن الوردي: فإن نصف الناس أعداء لمن؟ ولي الأحكام هذا إن عدل. طبعا النبي يضرب بما فيه شيء من المبالغة، أن نصف الناس هذه النصفية ربما فيها شيء من المبالغة، لكن هو يريد أن يصور لك الأمر بهذه الصورة التي ذكرتها لك؛ أنك ستقضي بين الناس حتى ولو كنت عادلاً، فكل شخص ستقضي عليه هو سيشعر أنه مظلوم وسيحقد عليك، يمتلئ قلبه غيظاً منك.
بالتالي مع مرور الأيام ومع كل قضية تحلها، سيصبح خصومك في المجتمع كثر، فستجد مع الوقت كأن نصف المجتمع أصبح ضدك ولا يقف معك. والإنسان أحبتي في هذه الحياة يريد راحة باله ويشتريه كما يقول راحة البال، ويزهد في كل هذه المواقف ويعرض عنها. أمل يعني ما الذي يدعوك لأن تقف في هذا الموقف ولأن تكون بينك وبين الناس خصومات ومنازعات؟ استرح من كل هذه الأمور.
هذا منهج ابن الوردي في حياته، أن نصف الناس أعداء لمن ولي الأحكام هذا إن عدل، وإن لم يعدل فإن كل المجتمع سيكون خصماً له على التفصيل الذي ذكرناه. إذاً، هذا التعليل الأول الذي يقدمه ابن الوردي لمنهجه في الحياة. ننظر الآن في التعليل الثاني، قال: فهو كالمحبوس عن لذاته وكلا كفيه في الحشر تغل.
هذا تعليل آخر، لماذا يزهدك ابن الوردي في منصب القضاء؟ يقول: صاحب القضاء في هذه الحياة الدنيا محبوس عن كثير من لذاته، فهو لا يستطيع أن يذهب وأن يأتي في الطرقات والأسواق والمتنزهات كما يفعل الناس عموماً، لا يستطيع أن يفعل هذه الأمور بالأريحية التي يفعلها بها الناس، فهو مضطر لأن يراقب تحركاته وأقواله وأفعاله حتى يبقى محافظاً على هيبته أمام الناس ويحافظ أيضاً على هيبة القضاء.
لذلك أحبتي لو نظرتم القضاة الذين في المراتب العليا في الدولة لا يسيرون إلا في مواكب وحراسات مشددة، وكثير منهم يخشى أن يبوح بمكان إقامته وعن منزله، لأنه يخشى أن يتردد الناس إلى منزله كثيراً، هذا يأتي له بمن يشفع له وهذا يحاول أن يسترضيه وهذا يزوره ليقدم له رشوة. وبعض الناس أو بعض القضاة يخشى أن يبوح بمكان منزله خشية من أن يأتي الناس ليؤذوه في منزله أو يؤذوا أهله لأنه قضى عليهم، فتجد أن حياة القاضي حياة لا يوجد فيها ذاك الأمان العالي.
هو يشعر في هذه الحياة الدنيا أنه مراقب، أنه يجب أن يكون حذر، فلا توجد أريحية وهدوء وسلاسة في حياته في تحركاته، في مشيه، في ذهابه، في عودته. يخشى من الخصوم، يخشى أن الناس تغضب عليه، يخشى أن يظفر به بعض الخصوم، يخشى أن يكثر الناس من زيارته وتقديم الهدايا والرشاوى، فلا أريحية في حياته في هذه الحياة الدنيا.
لذلك يعبر ابن الوردي عن هذه الحالة التي عاشها هو، يعني ابن الوردي يجسد الآن الحياة التي عاشها هو ويخبرك يقول لك: فهو كالمحبوس عن لذاته، لا تستطيع أن تاخذ أريحيتك في هذه الحياة إذا كنت قاضياً. فالإنسان كما قلنا يشتري راحة البال، لماذا تعرض نفسك لكل هذه المواقف؟ ولماذا تحجر على نفسك بدل من أن تحيا مطمئناً هادئاً كما يسير الناس وتذهب وتأتي من دون أن يراقبك الناس؟ فهذا شيء يبحث عنه الإنسان في الدنيا.
والورطة الكبرى ليست في هذه الدنيا، بل الورطة الكبرى يوم القيامة، فيقول لك ابن الوردي: وكلا كفيه في الحشر تغل. فإن القاضي أحبتي كما جاء في الأحاديث، وكأن ابن الوردي رحمة الله عليه يشير إلى الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إلا أتى الله يوم القيامة ويده إلى عنقه فكه بره أو أوبقه إثمه.
انظروا الحديث ماذا يقول: ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إلا أتى الله يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه، فكه بره أو أوبقه إثمه. ثم يقول صلى الله عليه وسلم ويكمل الحديث: أولها ملامة، وأوسطها ندامة، وآخرها خزي يوم القيامة. أمر شديد في القضاء، وكذلك جاء هذا الحديث من طريق عبادة بن الصامت قال صلى الله عليه وسلم: ما من أمير عشرة إلا جيء به يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه حتى يطلقه الحق أو يوبقه.
فهذا المفهوم، مفهوم أن القاضي يأتي يوم القيامة ويده مغلولة إلى عنقه، جاءت به مجموعة من الآثار، وهذا ما أشار إليه ابن الوردي في قوله: وكلا كفيه في الحشر تغل. أن القاضي كما جاء في الأحاديث النبوية يأتي يوم القيامة يده مغلولة، حتى ينظر في أمره؛ إن كان قضى بالعدل الله سبحانه وتعالى يفك عنه غله، وإن كان قضى بالجور فانه يوبق يوم القيامة بسبب ظلمه وجوره.
طبعا الأحاديث التي تحذر من منصب القضاء وتحذر الناس من التساهل في أمره أحاديث كثيرة يعني. حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليأتين على القاضي العدل يوم القيامة، هذا على القاضي العدل، ليأتين على القاضي العدل يوم القيامة ساعة يتمنى فيها أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط. يعني على مستوى تمرة يتمنى أنه لم يتول منصب القضاء لا من قريب ولا من بعيد لشدة حساب القضاة.
لكن كما أن الشريعة جاءت بالتخويف والترهيب في هذا الباب، جاءت أيضا في مدح قضاة العدل، لأن هذه الدنيا في النهاية لابد فيها من قضاة عدل يقيمون أمر الناس ويصلحون حياتهم حتى تسير هذه الحياة على صلاح وخير، ويبتعد الهرج والفساد عن حياة الناس، لابد من وجود قضاة العدل. لذلك كما أن الشريعة خوفت وحذرت، كذلك رغبت.
في الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، أولهم إمام عادل، والقاضي هو من الأئمة، إمام عادل. كذلك جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي رواه الإمام أحمد ومسلم قال صلى الله عليه وسلم: إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
فهذا الحديث أيضا يدل على عظم مرتبة القاضي العادل عند الله، أن المقسطين يعني الذين يعدلون ويقسطون في حكمهم عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا. وهذا فيه تشريف للذين يتحرون العدل وتقوى الله سبحانه وتعالى.
فهذه الشريعة كما قلنا الشريعة متزنة دائماً في خطابها، تأتي بالترهيب حتى لا يتجاسر الناس على منصب القضاء وهم ليسوا بأهل له، ويحذر الإنسان ويحسب ألف حساب قبل أن يلي هذا المنصب، وفي المقابل تعد القاضي الذي يتحرى العدل ويبذل جهده لأن يوصل الحق إلى أصحابه أن الله عز وجل يجلسك على منابر من نور عن يمينه يوم القيامة.
وهذا أيضا فيه ترغيب للذين يحرصون على العدل، ولا يكون مقصدهم من تولي منصب القضاء أخذ الامتيازات والشرفيات التي هي مشهورة في الدول وفي الأنظمة المعاصرة. إذاً، فهو كالمحبوس عن لذاته وكلا كفيه في الحشر تغل.
ثم انتقل ابن الوردي يا أحبتي رحمة الله عليه ليبين لكم ثقل منصب القضاء وثقل القاضي بطريقة لطيفة جميلة مستعيناً بقواعد الصرف والنحو. ابن ورد الآن سيبين لكم ثقل لفظة القاضي وثقل منصب القضاء بطريقة لطيفة مستعيناً بقواعد النحو والصرف، فماذا يقول؟ يقول: إن للنقص والاستثقال في لفظة القاضي لوعظاً ومثلاً.
إن للنقص والاستثقال في لفظة القاضي لوعظاً ومثلاً، يقول لكم ابن الوردي: لفظة القاضي لو أخذناها وتعاملنا معها من ناحية نحوية صرفية، نبدأ وننظر فيها، لفظة القاضي الآن القاضي من الناحية الصرفية اسم منقوص.
لانها ختمت بياء لازمة مكسور ما قبلها، والاسم المنقوص في علم الصرف هو كل اسم انتهى بياء لازمة مكسور ما قبلها. فلفظة القاضي إذاً فيها نقص من الناحية الصرفية، أما الناحية النحوية أحبتي، فإن حركة الرفع وهي الضمة وحركة الجر وهي الكسرة لا تظهر على لفظة القاضي.
لماذا؟ لاننا تعلمنا في النحو عندما نقول جاء القاضي، القاضي فاعل مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها الثقل. ففيها ثقل. كذلك مررت بالقاضي، القاضي اسم مجرور وعلامة جره الكسرة المقدرة منع من ظهورها الثقل. فحركة الرفع وحركة اه وهي وهي الضمة، الحركة الأصلية للرفع وهي الضمة، الحركة الأصلية للجر وهي الكسرة لا تظهر على كلمة القاضي وعلى لفظة القاضي بسبب وجود الثقل في آخرها الناجم عن الياء؛ لأن الياء ثقيلة فلا تجتمع عليها أيضاً الثقل الآخر بالضمة والكسرة.
فباختصار القاضي اجتمع فيها في علم الصرف والنحو النقص والثقل. ولفظة فيها نقص وفيها ثقل حري ألا تتصف بها أنت بالطريقة اللطيفة هذه التي يوصلها ابن الوردي إليك. لفظة فيها نقص وفيها ثقل حري ألا تتلقب بها وألا تتصف بها وأن تنفر منها نفوراً. لا تحتاج أن بالقاضي أنت لا تحتاج إلى هذا الأمر، لذلك يعني كان ابن وردي رحمة الله عليه ماذا يريد أن يقول لك؟
يقول لك لفظة فيها نقص وثقل -أنا الآن أشرح البيت بالألفاظ التي ذكرها- لفظة فيها نقص وثقل فيها عظة كافية، لأنه ماذا قال؟ يقول: إن للنقص والاستثقال في لفظة القاضي لوعظاً ومثلاً. فهو يريد أن يقول لك لفظة فيها نقص وثقل فيها عظة كافية ومثل شافية تزجرك أن تتلقب بها وأن تحرص عليها، تزجرك أن تتلقب بها وأن تحرص عليها.
لذلك هذا معنى إن للنقص والاستثقال في لفظة القاضي لوعظاً ومثلاً، هذا النقص والاستثقال يعظك موعظة شافية ويعطيك مثلاً كافياً شافياً يزجرك أن تتصف بهذا اللقب ويجعلك زهيداً فيه لا تحرص على التلقب به. طبعا قوله لوعظاً ومثلاً، الآن كلمة مثل الأصل أن تكون أيضا منصوبة لوعظاً ومثلاً، وتنوين النصب في حالة الوقف عليه كما هو معلوم في قواعد الوقف في اللغة أن تنوين النصب إذا وقفت عليه تبدله ألفاً ولا تحذفه بالكلية بخلاف تنوين الضم وتنوين الكسر.
تنوين الضم والكسر في حالة الوقف يحذف ولا يعوض عنه شيء، لكن تنوين الفتح في العربية إذا وقفت على الكلمة المنونة بتنوين فتح فإنك تقلب تنوين الفتح ألفاً. لكن ابن الوردي نلاحظ أنه لم يفعل هذا هنا، بل حذف تنوين الفتح ولم يقلبه إلى ألف، فقال لوعظاً ومثل وقف على اللام. الآن أحبتي اه هذه الطريقة التي اتبعها ابن الوردي أنه حذف تنوين الفتح ولم يعوض عنه بشيء، هذه لغة لقبيلة من العرب تسمى قبيلة ربيعة. قبيلة ربيعة تقف على تنوين الفتح بحذفه بالكلية من دون أن تعوض عنه شيئاً.
والشعراء قديماً وحديثاً يستخدمون لغة -وإن لم تكن هي اللغة المشتهرة عند العرب- يستخدمون لغة ربيعة ما تحتاج إليها في الشعر حتى يحافظوا على الروي. الآن هذه لامية لابن الوردي، فينبغي أن يكون البيت كل بيت منتهياً بحرف اللام. حتى يحافظ ابن الوردي على انتهاء هذا البيت بحرف اللام بدلاً من الألف، ماذا فعل؟ استخدم لغة ربيعة، أنه قال أنا أقف على تنوين الفتح على لغة ربيعة من خلال حذفه من دون أن نعوض عنه ألفاً.
فهذه اللغة لغة ربيعة كثير ما يستخدمها الشعراء في آآ المنظومات الشعرية إذا أرادوا أن يحافظوا على الروي في آخر البيت على استقامة الوزن الشعري عموماً يعني. فهذا تعليق استطرادي سريع. الآن هذا التعليل الذي قدمه ابن الوردي حينما قال لك إن للنقص والاستثقال في لفظة القاضي لوعظاً ومثلاً، ليس طبعا تعليلاً حقيقياً علمياً حتى لا تتولى منصب القضاء، وإنما أسميه أنا تعليلاً استئناسياً استلطافياً، هو مجرد استئناس واستلطاف.
يعني كلمة فيها نقص وثقل إيش بدك بها؟ خلها بعيدة عنك، كأنه يريد أن يقول بهذه الطريقة. أما هذا ليس تعليلاً علمياً أن الإنسان لا يصلح أن يقول والله أنا لا أريد إلى منصب القضاء، لماذا؟ قال لأن لفظة القاضي فيها نقص في علم الصرف واستثقال في علم النحو، فبالتالي أنا غني عنها. يعني لا يصلح هذا تعليلاً علمياً، لكن كما قلت لك هو من أجل أن يعيش في الأجواء ابن الوردي في خلال هذه المنظومة أتى بهذا التعليل الاستئناسي.
ثم انطلق ابن الوردي ليكمل رحلته في بيان فلسفته في منصب القضاء قل لي لماذا؟ ينبغي عليك أن تزهد فيه. فيقول لك لا تساوي لذة الحكم بما ذاقه الشخص إذا الشخص انعزل. يقول لك ابن الوردي رحمة الله عليه في هذا البيت كل اللذات التي تسعى لتحصيلها من خلال تولي منصب القضاء لذة يعني فخامة المنصب ونظر الناس إليك بنظر عالي ومدح الناس لك والإشارة إليك بالبنان.
يعني الناس لماذا يحبون تولي منصب القضاء؟ لأنهم يشعرون بالفخامة، بالهيبة، أن الناس تنظر إليهم بوقار وإجلال. هذه لذات ترغبها بعض النفوس، فيقول لك ابن الوردي هذه اللذات التي تلهث خلفها وتسعى لتحصيلها من خلال توليك لمنصب القضاء، لذة البهرجة وأبهة المنصب وفخامة نظر الناس إليك واحترام الناس وتبجيلهم سيدنا واجلسوا وأفسحوا له، كل هذه اللذات ستذهب في لحظة واحدة.
هذه رسالة ابن الوردي، يقول لك كل هذه اللذات التي تبحث عليها وتنافس في طلبها ستذهب في لحظة واحدة وهي لحظة العزل حينما تأتي نهاية الخدمة يقولون لك جزاك الله خيراً على خدمتك في منصب القضاء وأنت الآن معزول حتى نترك مجال للشباب بمجرد أن تعزل ستذهب كل هذه الألقاب وستكتشف أن كل ما كنت تنهث خلفه هو سراب، انتهى في لحظة واحدة.
ذهبت الألقاب والفخامات والتوقير، وانظروا أحبتي في واقعنا المعاصر، وماذا بقي؟ بقيت عليك الحسرة والخشية من سؤال الله لك يوم القيامة عما فعلته طوال المدة التي توليتها في هذا المنصب. في لحظة واحدة ستذهب كل الألقاب وستجلس وحدك في البيت، خصومك كثر في المجتمع وعند الله سبحانه وتعالى الأمر أعظم وأشد؛ لأنك ستسأل عن كل قضية لم تتحرى فيها العدل.
ستسأل عن كل اه تصرف وكل نظرة خاطئة ارتكبتها في خلال هذا المنصب لم ترضي بها وجه الله سبحانه وتعالى، فأنت في ورطة في الدنيا وفي الآخرة، وكل هذه اللذات التي قاتلت من أجلها ذهبت في لحظة واحدة وانتهت، فإياك أن تلهث خلف السراب. هذه نصيحة ابن الوردي رحمة الله عليه، ويتبع كلامه في هذه الفكرة يقول فالولايات وإن طابت لمن ذاقها فالسم في ذاك العسل.
ثم نعتذر أحبتي لشيء من التعب أعاني به في هذه الأيام، أسأل الله أن يصرف عني وعنكم كل شر وسوء. فيقول ابن الوردي رحمة الله عليه فالولايات وإن طابت لمن ذاقها فالسم في ذاك العسل. يقول هذه الولايات وهذه المناصب وهذه البهرجة وهذه اللذات التي تذوقونها أيها القضاة وإن طابت لكم، لكن احذروا فإن هذه اللذة لذة مسمومة قد يكون فيها الهلاك في الدنيا وفي الآخرة.
فالولايات وإن طابت لمن ذاقها، الولاية والقضاء فيه لذة في طعمه، لذلك تجد ناس تقاتل عليه، فيه لذة لكن ابن الوردي يقول لكم هذه اللذة احذروها، هذه اللذة التي تتذوقونها هذه النشوة التي تبحثون عنها لذات مسمومة. السم في ذاك العسل، هذا العسل الظاهر أمامكم هذا عسل مغشوش عسل مغشوش عسل مشوب بالسم فاحذروا منه أيها القضاة ويا أصحاب الولايات يا من تقاتلون من أجل هذه المناصب.
احذروا فإن هذا الطعم وهذا البهرجة وهذا الزخرف مشوب ليس خالصاً ليس نقياً بل فيه سم قد يكون سبباً في هلاك في الدنيا وفي الآخرة. إن كثير من القضاة بعد أن يتركوا منصب القضاء الناس الذين ظلموا يكونون يتحينون لهم ويتربصون بهم حتى يظفروا بهم ليأخذوا حقهم من جلودهم، وهناك كثير من الجرائم وقعت في حق القضاة بعد أن تركوا هذا المنصب ظنوا أنهم سيعيشون في هدوء وطمأنينة بعد أن أخذوا لذة القضاء فإذا هم يحيون في هذا المجتمع في اضطراب وقلق وخوف، وهذا خاصة في قضاة الجور.
قضاة الظلم الذين يظلمون الناس لا تسامحهم أبداً، وهناك ناس لا تسامحك أبداً أيها القاضي الجائر؛ بل تريد أن تأخذ حقها منك في الدنيا قبل الآخرة. فاحذر، فاحذر من موضوع القضاء، وحاول أن تزهد فيه، وأن تلقي تبعة هذه المناصب على غيرك؛ فأنت والله لست حريصاً على كل هذه المتاعب في الدنيا وفي الآخرة.
ثم انتقل ابن الوردي رحمة الله عليه ليشكو لنا حاله مع القضاء فقال: نصبوا المنصب أهى جسدي، وعنائي من مداراة السفلي. يقول ابن الوردي رحمة الله عليه: نصب المنصب أهى جسدي؛ أي منصب القضاء لقد أتعب جسدي في هذه الحياة، والسبب في ذلك أني كنت أعاني كثيراً وانا أعالج واداري سفلة الناس وسقط الناس.
لأن القاضي في العادة أحبتي إنما يتعامل في الخصومات والمنازعات مع سقطة الناس وسفلتهم، وأما أصحاب النفوس والهمم العالية أصحاب العمل والإنجاز في هذه الحياة لا يجدون وقتاً للذهاب إلى القضاء، ولا يجدون وقتاً للخصومات والمنازعات بين الناس، وإنما يذهبون إلى القضاء في حالة الاضطرار، يعني لا يوجد لديهم مخرج إلا الذهاب للقضاء، حينئذ يذهبون إليه، وإلا فشرف نفوسهم ومروءتهم تأبى أن يذهبوا إلى النزاع والخصومات بين يدي القضاة.
وأما الذين عادتهم الذهاب المشاكل والخصومات والمنازعات في هذه الحياة، هؤلاء هم الناس الذين لا يحسنون شيئاً ولا يتقنون شيئاً يفعلونه في الحياة إلا النزاع والشقاق. لذلك القاضي في العادة أكثر من يزوره ويأتي إلى مجلسه ويتخاصم عنده هم هذه الطبقة من الناس؛ طبقة سفلة الناس المغفلون الذين لا يجدون شيئاً يفعلونه في هذه الحياة إلا كما قلنا النزاع.
فمعاملة هذه الطبقة كثرة معالجتها ومحاولة مداراتها وتهدئة نفوسها؛ ويا فلان لا تمشي الموضوع، وأنت لا تخاصم، وأنت لا تضرب، وأنت لا تمد يدك عليه. معالجة هذه الطبقة أمر متعب جداً، يقول لكم ابن الوردي: معالجة هذه الطبقة ومداراتها مع الوقت تصبح أمراً مملاً ومتعباً، وهذا الأمر لا يعرفه إلا القضاة فعلاً الذين يرون المشاكل التي تأتي على أتفه الأسباب.
هذا ألقى عليه شيئاً وهذا نظر إليه بنظرة وهذا تكلم معي بطريقة، وهذا آذاني بسيف وهذا ضربني بسيف، كل هذه المشاكل إنما تصدر من سفلة الناس، وأن تتعامل مع هذه الطبقة سنوات طويلة أمر متعب فعلاً للإنسان، ويشعره مع الوقت بالملل والضجر. إذاً: نصب المنصب أهى جسدي وعنائي من مداراة السفلي.
انتهى هنا كلام ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه عن موضوع القضاء وتزهيده لك فيه، وذكر لك الأسباب فعلاً المقنعة لأن تزهد في هذا المنصب مادام هناك شخص يستطيع أن يحل محلك في هذا الميدان. ثم عاد ابن الوردي رحمة الله عليه بعد ذلك ليتكلم عن النصائح العامة في الحياة حتى تتبعها وتنتهجها، عاد للكلام عن نصائح عامة في شتى جوانب الحياة.
فيقول لك: قصر الآمال في الدنيا تفز، فدليل العقل تقصير الأمل، إن من يطلبه الموت على غرة منه جدير بالوجل. يطلب منك ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه ألا تطيل أملك في هذه الحياة الدنيا، لا تشعر ولا تحيا في هذه الحياة وأنت تظن أنك ستعيش كثيراً طويلاً إلى أبد الأبد؛ بل قصر الأمل.
لماذا؟ لأن طول الأمل أحبتي يجعل الإنسان المسلم بطيئاً عن الطاعة، سريعا إلى المعصية، ينغمس في أوحال الذنوب والمعاصي لأنه يشعر أن معه فسحة من العمر فيسوف التوبة، ويبقى غارقا في ذنوبه وفي معاصيه حتى يأتيه الموت على غرة منه في لحظة لم يحسب لها حساب، وهو غارق في الذنوب والمعاصي ولم يستعد للقاء الله بالتوبة. في لحظة غرة يأتي الموت لينهي كل شيء.
كم من إنسان مات أحبتي وهو في صورة وفي هيئة لا ترضي الله سبحانه وتعالى؛ أحدهم يموت وهو يتعاطى المخدرات، وذاك يموت وهو في حضن عاهراته، وذاك يموت وهو يسمع الغناء والفجور، وذاك يموت في مرقص، وذاك قصص كثيرة في التاريخ قديماً وحديثاً في أناس من أهل الإسلام لكنهم أسرفوا على أنفسهم بالذنوب والمعاصي وظنوا أن هناك مجالاً كثيراً للحياة وأننا نتوب في المستقبل حينما نكبر، فإذا الموت يأتيهم بغتة وهم لا يشعرون.
طول الأمل أحبتي من أضراره أيضاً على الإنسان أنه يقسي القلب، كما ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه: أَمَا ن لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ. أي طولوا الأمل. فهذه من صفة اليهود والنصارى، يظن أحدهم أنه سيحيا في هذه الحياة ولن يموت وأنه من الخالدين.
عنده طول الأمل في هذه الحياة هو لا يعتقد قطعاً الخلود الأبدي، ولكنما أقصده أنه يظن ظناً في تعاملاته في ممارساته في الحياة أنه لن يموت، وإن كان هو يعني في باطنه الداخلي يعلم أن الموت حاصل، لكن يحاول أن يطرد عن ذهنه هذه الفكرة من خلال التسويف وطول الأمل؛ لا لا لا معليش عيشة الثمانين للتسعين معي فرصة طويلة، يبقى يسوف يطول الأمل، هذه صفة أهل الكتاب.
لكن ما يهمنا انظروا ماذا ترتب على طول الأمل، قال سبحانه: فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ. انظروا هذا الارتباط؛ فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم. إذاً: طول الأمل الإنسان الذي يحيا بهذا القلب وبهذه النفسية؛ نفسية إطالة الأمل واني ساعيش وساعيش، هذا مع الوقت يقسو قلبه؛ لأنه كما قلنا سيغرق في أوحال الذنوب والمعاصي؛ لأنه يشعر ويشعر نفسه أن معه فسحة من الوقت بعد، فيغرق في الذنوب في المعاصي في اللذات في الشهوات حتى يصبح الران على كل قلبه قد غشاه، فيقسو هذا القلب؛ فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم.
إذاً: طول الأمل له مفاسد كبيرة على الإنسان المسلم في إبعاده عن واحة الطاعة وطلب العلم والخير والمسارعة فيه، وفي دفعه للمعاصي والذنوب والإغراق فيها، وفي تسويفه للتوبة، وفي تجرؤه على الله سبحانه وتعالى، وفي قسوة قلبه. لذلك ابن الوردي يقول لك هذه النصيحة الوردية: قصر الأمل في هذه الحياة، هذه الحياة ينبغي أن تحياها وأنت على خوف ووجل من أن يفجأك الموت.
من وطن قلبه أحبتي على قصر الأمل، يعني ممكن شخص يقول لي ما فائدة قصر الأمل؟ قصر الأمل أحبتي في الحياة هو سبب في اجتماع القلب على الله سبحانه وتعالى، تقصير الأمل سبب في اجتماع القلب على الله سبحانه وتعالى، ويقلل من الهموم والأسحار والغموم التي تصيبك. فإن الإنسان وطن قلبه على قصر الأمل وأدرك واستشعر دائماً أن هذه الحياة قصيرة، فإنه لا يحزن على ما فاته من ملذات الحياة الدنيا، لا يحزن أن فلان أصاب مالاً وهو لم يصب، لا يحزن على البلاء الذي نزل به، لا يحزن إلا حزن العابرين؛ يعني حزناً سريعاً تغشيه دائماً حلاوة اجتماع القلب على ربه سبحانه وتعالى.
فهذا القلب الذي يحيا بقصر الأمل مجتمع على ربه، يسعى في رضاه، قليل الهموم والأثقال والأحزان، جعل الدنيا في يده وسار بقلبه إلى الله، هي هذه الخلاصة؛ جعل الدنيا في يده وسار بقلبه إلى الله سبحانه وتعالى. لذلك ابن الوردي يحثك على تقصير الأمل، وأفضل طريقة حتى تبقى مستشعراً لهذه القضية قضية قصر الأمل أن تبقى متذكراً للموت.
يعني لو سألتني يا شيخ ما هي أفضل طريقة أبقى من خلالها مقصراً لأملي مستشعراً أن هذه الحياة الدنيا قصيرة؟ أن تبقى دائماً متذكراً للموت. لذلك ابن الوردي ماذا قال؟ وبين لك هذه الوسيلة قال: إن من يطلبه الموت على غرة منه جدير بالوجل.
يعني لو أنك تصور هذه الصورة؛ أنت إنسان يوجد شخص يريد أن يقتلك ويتربص بك الدوائر، ويحاول أن يأتيك على غرة، بالله عليك كيف ستحيا في هذه الحياة؟ يعني لو قيل لك يا فلان ترى هناك شخص يلاحقك في كل مكان تذهب إليه وهو يريد أن يقتلك، وينتظر غرة ولحظة مناسبة لينقض عليك، بالله عليك كيف ستحيا في هذه الحياة الدنيا؟ ألن تكون خائفا وجلا مترقبا متربصا تنظر دائما حولك؟ لأنه خلاص وصلتك رسالة أكيدة أن هناك شخص يتبعك وترصد لك ويحاول أن يقتلك.
هناك وستبقى خائفا وجلا لا تخرج من بيتك، وإذا خرجت تنظر يمينا وشمالا تلتفت. لا تشعر بالراحة في هذه الحياة الدنيا، تشعر أن الموت سيأتيك في أي لحظة. وهذا الشخص هو الموت، هذا الشخص الذي يطاردك ويتربص بك ويرتقبك في لحظة معينة سيأتي لينقض على هذا الجسد وليأخذ هذه الروح، هذا الشيء هو الموت.
أخي الكريم، إياك أن تظن أنك تستطيع أن تهرب منه، أنا وانت هناك من يتبعنا ويلاحقنا ويتربص بنا، وحينما تأتي اللحظة المناسبة سينقض علينا. فجدير بنا أن نحيا بوجل وخوف واشفاق، وأن نبقى دائما على استعداد لتلك اللحظة التي سينقض علينا فيها هذا الموت ليأخذ هذه الروح، فنكون مستعدين ببضاعة نلقى بها ربنا سبحانه وتعالى.
استعداد بالطاعة، بالتوبة، بالإقبال على الله سبحانه وتعالى، بالإنجاز، بالعمل، بالتقديم لهذه الأمة، أن يكون شيء نضعه في هذه الحياة الدنيا بصمة نفتخر بها إذا لقينا الله سبحانه وتعالى. تقول: يا رب، أنا كنت خادما لدينك في مجال معرفي. وذاك يقول: وأنا كنت في مجال آخر. وأنا جاهدت في سبيلك، وأنا دعوت إليك.
وأنا يعني صنعت دواء أختم به عبادك، وأنا كتبت شيئا في العربية نفعت به الخلق. اكتب شيئا، اصنع شيئا، أفعل أمرا تفتخر به أمام الله سبحانه وتعالى، فإن الموت والله يا أخي سيأتيك في لحظة. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الحديث وإن كان ضعفه البعض، حديث رواه النسائي والترمذي قال صلى الله عليه وسلم: أكثروا ذكر هادم اللذات الموت. أكثروا ذكر هادم اللذات الموت.
فالنبي صلى الله عليه وسلم وجهنا هذه النصيحة أن نكثر من ذكر هادم اللذات الموت الذي يهدم كل لذة ويجعلنا دائما نحتقر الذنوب والمعاصي وننظر إليها بعين الازدراء. هذا الموت يجب دائما أن نجعله حيا في حياتنا في عقولنا في قلوبنا، لنبقى دائما على استعداد للقاء الله سبحانه وتعالى، ولا نغوص نغرق في أوحال الذنوب والمعاصي، إن من يطلبه الموت على غرة منه جدير بالوجل.
يقولون إن الإمام مالك بن دينار رحمة الله تعالى عليه خرج مرة إلى القبور ليتذكر الموت، وليلين هذا القلب، وليتذكر الرحلة إلى الدار الآخرة، وليقصر أمله في هذه الحياة الدنيا، ويبقى دائما شاهدا مستحضرا لهذه الحقيقة. فيقول مالك بن دينار: أتيت المقبرة في يوم من الأيام فرضمت شعرا وقلت فيه: أتيت القبور فناديتها، فأين المعظم والمحتقر؟ وأين المذل بسلطانه؟ وأين العزيز إذا ما افتخر؟ يبحث عن كل هؤلاء الناس.
أتيت القبور فناديتها، فأين المعظم؟ أين كان الذي يتعاظم في هذه الحياة الدنيا على الناس؟ وأين المحتقر الشخص الحقير المسكين الذليل؟ أين هم؟ الكل في قبور متساوية. فأين المعظم والمحتقر؟ وأين المذل بسلطانه؟ أين جبابرة الأرض الذين طغوا وأذلوا الناس بسلطانهم؟ وأين العزيز إذا ما افتخر؟ أين الناس الذين كانوا أعزاء ويفتخرون؟ لما نظم هذين البيتين قال: فسمعت صوتا من بين القبور ينادي ويقول: تفانوا جميعا فما مخبر، وماتوا جميعا وأضحوا عبر، وساروا إلى ملك عادل، عزيز مطاع إذا ما أمر.
فيا سائلي عن أناس مضوا، أما لك فيمن مضى معتبر؟ هذا صوت من بين القبور والله أعلم بحاله، ونحن نأخذ العبرة من القصة، هذا الصوت أجاب على مالك بن دينار حينما سأل. أجابه قائلا له: تفانوا جميعا، كل هؤلاء العظيم والحقير الجبار الذي أذل الناس بسلطانه والعزيز الذي كان يفتخر بنفسه، الكل الآن في حفر تحت الأرض.
تفانوا جميعا فما مخبر، وماتوا جميعا وأضحوا عبر، وساروا إلى ملك عادل، عزيز مطاع إذا ما أمر. فيا سائلي عن أناس مضوا، أما لك فيمن مضى معتبر؟ فيا أيها السائل يا مالك بن دينار ويا كأن سائل عن هؤلاء الذين ذهبوا، أليس لك عبرة في هؤلاء القوم الذين أضحوا تحت الثرى؟ اعتبر قبل أن تلحقهم وتصبح واحدا منهم في يوم من الأيام.
البيت الاخير الذي نشرحه اليوم هو بيت تربوي توجيهي يوجهك فيه ابن الوردي رحمة الله عليه للأسلوب الأمثل الذي يجب أن تعامل الناس به حتى تحافظ على ودك لهم ولا تشعرهم بالسآمة. نصيحة تتعلق بجانب سلوكي، هذه النصيحة تتعلق بجانب سلوكي وهو كيف تحافظ على ود الناس وحب الناس لك من دون أن تشعرهم بالسآم والضجر منك.
يقول ابن الوردي رحمة الله عليه: غب وزر غبا تزد حبا، فمن أكثر الترداد أضناه الملل. غب وزر غبا تزد حبا، فمن أكثر الترداد أضناه الملل. يقول ابن الوردي رحمة الله عليه: إذا صادقت شخصا في هذه الحياة فإياك أن تمله منك، بل عليك أن تكون خفيف الظل، خفيف الزيارة، تغيب عن أصدقائك حتى يشتاقوا إليك.
وإذا زرتهم فإنك تزورهم غبا. ما معنى غبا؟ أي تزورهم يوما بعد يوم، هذا معنى غبا، أي تزورهم يوم وتترك يوم، ثم تزور يوم وتترك. طبعا ليس هذا والفرد يعني بالعكس، قد يكون الأفضل أحيانا أن تزورهم كل أربعة أيام مرة، لكن المراد أصل الفكرة أنك لا تكن دائما عندهم كثير الزيارة لهم، بل زرهم غبا وغب حتى يشتاقوا إليك، نوع عليهم حتى لا تشعرهم بالسئم والضجر.
فإن الناس أحبتي إنما تحب الشخص الخفيف اللطيف، وتضجر من الشخص الثقيل المزوار، هذا حال الناس. إذا كان شخص يزورك يوميا وجالس عندك يوميا، مع الوقت تشعر بالملل والسئام، لكن إذا كان هناك شخص يتعاهدك بالزيارة والسؤال كل فترة بهاتف أو زيارة منزلية، ودائما يوصيك وتتناصح أنت وإياه ثم يغيب عنك فترة ثم تعود، هذا يساعد على الحفاظ على الود.
وأن تبقى محبتك قائمة، وأن يبقى الود بينك وبين أصدقائك قائما إلى أطول فترة ممكنة، فهذه نصيحة من تجربة الحياة. يقول لك ابن الوردي: إياك أن تكون شخصا ثقيلا على الناس، دائما جالس عندهم، دائما أمامهم في وجههم، ملك كن خفيفا لطيفا في زيارتك، في كلامك، في حديثك، تحافظ على تلك العلاقة متينة لأطول فترة ممكنة، بل تحافظ عليها إن شاء الله في هذه الحياة الدنيا وإلى أن تلقى الله سبحانه وتعالى تجتمع معهم منابر من نور.
إذا غب وزر غبا تزد حبا، فمن أكثر الترداد أضناه الملل. هناك أناس فعلا ثقيلون جدا، دائما يتحدثون، دائما يثرثرون، دائما يزورونك، يريدون الجلوس معك. وهذا الثقل أحبتي في الحقيقة سبب في انقطاع العلاقة، ولا يفعله إنسان عاقل أولا يحترم نفسه وقيمة نفسه ويحترم قيمة وقته وشرف زمانه، ثم يريد كما قلنا أن يذكر بين الناس بالخير وأن أثني عليه بأنه إنسان راقي إنسان صاحب مروءة يحسن التصرف.
وليس إنسانا ثقيلا لا يحسن الكلام والحديث ولا يحسن التصرف، بل هو دائما مبغوض ينفر الناس عنه. إذا هذه الفكرة الأخيرة التي نختم بها شرحنا لهذا اليوم، وإن شاء الله باذن الله في المحاضرات القادمة تكون مسك الختام مع ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه في الأبيات الأخيرة من هذه اللامية المباركة. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علما نافعا يا ارحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل