غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح لامية ابن الوردي للشيخ ابراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلسنا الأخير الذي نعقده في شرح لامية ابن الوردي؛ نصيحة الإخوان ومسردة الخلان. هذه المنظومة التي أتت رائقة في معانيها، جزلة في ألفاظها، سهلة في مبانيها، صادقة في نصائحها، جامعة لمكارم الأخلاق ومحاسن السلوك، فرحمة الله على ناظمها، وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
موعدنا اليوم أحبتي مع الأبيات الأخيرة التي يقدم فيها ابن الوردي ما بقي عنده من نصائح لهذه الأمة، ثم يختمها بخطاب إلى حاسديه وإلى منتقديه، ثم يصلي ويسلم على خير البرية محمد وعلى آله وصحبه وسلم. فدعونا إذا ننظر في هذه النصائح الأخيرة التي يبثها لنا ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه في ثنايا هذه المنظومة المباركة.
هذه المنظومة التي عشنا معها في مجالس متعددة، وكانت تعالج لنا في كل مجلس من المجالس موضوعاً من مواضيع الحياة؛ عالجنا فيها موضوع الشهوة، وعالجنا فيها موضوع طلب العلم والهمة في كسبه، عالجنا فيها كيف يكون عزيزاً شريفاً لا يتسول على أبواب السلاطين ويقدم علمه ومعرفته لله سبحانه وتعالى.
تعلمنا فيها كيف يطرح الإنسان التعلق بالدنيا وأنه يبذل للأسباب ثم يفوض أمره إلى الله سبحانه وتعالى. تعلمنا كيف يكون الإنسان عصامياً يبني مجده ويغرسه بيديه، ولا يتكل على عظام آبائه وأجداده وعلى أمجادهم. تعلمنا فيها كثيراً من الأمور التي تتعلق بسياسة النفس وتوجيهها وقيادتها. تكلمنا في المحاضرة السابقة عن منصب القضاء وخطورته، وكيف نصح ابن الوردي للإنسان أن يجتنبه ما وجد لذلك مخرجا. إذاً هي منظومة في الحقيقة رائعة جميلة، خل أن تقف على منظومة من كلام أهل العلم جامعة لكل هذه الأخلاق بجزالة الألفاظ وسهولة المباني، فجزى الله عنا إذاً ابن الوردي خير الجزاء.
دعونا إذاً نختم بالبيات التي معنا اليوم. يقول ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه في البيت الثاني والستين: خذ بحد السيف واترك غمده، واعتبر فضل الفتى دون الحلل.
في المقطع الأول أحبتي من هذا البيت يقول ابن الوردي: خذ بحد السيف واترك غمده. بهذا المقطع ابن الوردي رحمة الله عليه يقدم نصيحة لك أيها المسلم بأن تكون جاداً في حياتك، وإذا عزمت على فعل شيء أن تفعله بكل قوة وبأقصى ما لديك من طاقة، ليس بتراخ وتململ وكسل وتضجر، فليس هذا من دأب أصحاب الهمم والعزائم العالية.
في هذا المقطع أحبتي دعوة لكل إنسان وضع هدفا؛ يقول لك ابن الوردي: امض خلف هدفك واسع وراءه، وابذل كل ما تستطيع لتحقق هذا الهدف، فإن النجاح والفلاح مرهون بصدق العزائم وجدية العمل بعد توفيق الله أولاً وآخراً. أحبتي في الحقيقة هذه نصيحة ثمينة من ابن الوردي؛ كثير من طلبة العلم يضع لنفسه برنامجاً أو خطة في تحصيل العلم، أو يضع له شيوخه هذا البرنامج، ثم إذا سار فيه الخطوات وشرع في تحصيل العلم إذا هو يشعر بالتململ والضجر والكسل، ويبدأ مسلسل الاعتذارات: أنني مشغول بالجامعة، ومشغول بالتزامات أسرية، وعندي ظرف، وإلى آخر مسلسل الأعذار الذي تعرفونه.
وإذا شرع في دورة من الدورات العلمية يبدأ في أول محاضرة وثاني محاضرة، ثم بعد ذلك يشعر بالكسل وينقطع، ثم يعود معنا في دورة أخرى ويسمع المجلس الأول والثاني، وللاسف ينقضي هذا العمر وهذا الطالب لم يحصل شيئاً من العلم إلا الفتات، والسبب في ذلك أنه لم يأخذ بنصيحة ابن الوردي: خذ بحد السيف.
خذ بحد السيف أي كن ماضياً في عزيمتك، جاداً في سعيك، ولا تأخذ بالغمد. الغمد هي الحمالة التي يوضع فيها السيف. هذا الغمد الذي إذا ضرب لم يوجع، ولا يصنع شيئاً ولا يترك خلفه أثراً. فيقول لك ابن الوردي: إياك أن تكون من هؤلاء الذين يضربون بالغمد فإنك لن تفعل شيئاً، وكن ممن تأخذ بحد السيف، ممن يضرب بسيفه أن يكون جاداً في سعيه، طموحاً في همته.
إذا وضع هدفاً فانه يبذل أقصى ما يمكنه ويستنفر استنفاراً عاماً في كل ساعات يومه ونهاره من أجل أن يحقق هذا الهدف. وهكذا أحبتي تصنع الإنجازات إذا وضع الإنسان هدفا فانه يسعى لتحقيقه بكل طاقته. الله عز وجل يقول: يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ. خذ الكتاب بقوة أي بجد وعزيمة وهمة في أخذه ولا تتوانى ولا تضعف، ولا تكن إنساناً متراخياً متكاسلاً تسير مشياً بطيئاً ثم سرعان ما تفتر وتنقطع، فهذا ليس من دأب الأشراف الذين يريدون أن يحققوا شيئاً في هذه الحياة.
أي خطة وأي هدف ترسمه لكنك لا تستفرغ وسعك في تحقيقه، اعلم أن هذا الهدف سينتهي ويؤد في مكانه. إذا اردت أن تحقق هذه الطموحات، إذا اردت أن تصل إليها، فلا بد أن تأخذ بنصيحة ابن الوردي: خذ بحد السيف واترك غمده. يريد أن تكون إنساناً جاداً، منجزاً، عاملاً، دؤوباً، ولا تكن إنساناً ملولاً، كسولاً، ضجراً، سرعان ما تفتر وتترك إنجاز الأهداف وتحقيق الطموحات.
ما أحوجنا حقيقة لهذه النصيحة، وما أثمنها من نصيحة في زمن ضعف الهمم وضعف الإنجازات والانكباب على الحياة الدنيا. إذاً، خذ بحد السيف واترك غمده، واعتبر فضل الفتى دون الحلل.
في هذا المقطع الثاني أحبتي، ابن الوردي يقدم نصيحة أخرى: تقييمك للناس ينبغي أن يكون بناءً على فضلهم ومعارفهم وعقولهم، وما يمتلكونه من القيم والمعارف والإنجازات والأهداف، هكذا تقيم الأشخاص، لا بأشكالهم ومظاهرهم ودوابهم ومناصبهم وشهاداتهم.
هذا أمر مهم جداً، وابن الوردي رحمة الله عليه يدرك قيمة هذه النصيحة، لأن كثيراً من الناس بل حتى من طلبة العلم يغترون بمناصب الناس وبأشكالهم وبمظاهرهم، فيلهثون خلف أصحابها ويضيعون أعمارهم وهم يثقون بهم ويلهثون خلفهم وهم يظنون أنهم سيحص لون شيئاً، فاذا بهم بعد أعوام يلهثون خلف السراب، ظنوا أن هؤلاء أصحاب المناصب والشهادات والأماكن العليا الذين يصدرهم الإعلام هم عليا القوم وأصحاب العقول.
والخطأ الكبير الذي وقع فيه هؤلاء الناس وهؤلاء طلبة العلم أنهم أخطأوا في تقييمهم للناس وفي المعيار الذي يعتمدونه في الحكم على الآخرين. فابن الوردي يقدم لك المعيار؛ يقول لك: إياك أن يضحك عليك يا طالب العلم بالمناصب والشهادات والفخامات والمظاهر والكاميرات ووسائل الإعلام والجمهور في تقييمك للناس.
انظر إلى الفضل، إلى العلم، إلى العقل، إلى الشرف، إلى التقوى، إلى الأخلاق؛ هنا يكون التقييم الصحيح. أنظر إلى المضمون والحقائق ولا تلتفت إلى الأشكال والمظاهر. والله يا أحبتي يعني هنا عادت بي الذاكرة: لقد طلبنا العلم على علماء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو نظرت إليهم من بعيد دون أن تعرفهم لازدريتهم وقللت من شأنهم لرثاثة ثيابهم ومظهرهم الزاهد، لكنهم والله كانوا جبالاً في العلم، أئمة، خامات كبيرة في المعرفة، وكانوا أئمة في التقوى والسلوك والخشية لله سبحانه وتعالى.
هؤلاء الذين تزدريهم لم يبرزهم لك الإعلام، ولم يجملوا ظواهرهم ولا أنفسهم بالعناوين والشهادات والمناصب، لكنهم جملوا بواطنهم وضمائرهم بتقوى الله سبحانه وتعالى، اهتموا بإصلاح قلوبهم وعقولهم وأفكارهم، انكبوا على الكتب تحليلاً ونظراً وفهماً وتعمقاً، فنفع الله سبحانه وتعالى بهم أي والله. والله انتفعنا بهؤلاء القوم أكثر بكثير من أناس كانت لهم ديباجات ومناصب وشهرة، لكنهم كانوا فارغين من المحتوى العلمي، وما أكثرهم أحبتي في هذا الزمن، ما أكثرهم في هذا الزمن الذين يحملون الشهادات والمناصب والإعلام يبرزهم، لكنهم ضعاف، ومستواهم العلمي بائس كاسد، وتجد إنساناً لربما تزدريه في منظره وهيئته ورثة حاله، لكنه والله خامة علمية رائعة جداً. فابن الوردي يقول لك: إياك أن تفوت على نفسك صحبة هؤلاء الأفاضل لأنك تنظر فقط إلى الأشكال والمظاهر. واعتبر فضل الفتى دون الحلل.
اجعل تقييمك للناس لفضلهم ولعلمهم ولعقولهم وليس لمظاهرهم وأشكالهم. وما أكثر كما قلنا هؤلاء الذين يلبسون الحلل ويظهرون في المناصب ولكنهم خلوا من المعارف والعلوم. يعني كما قال فيهم الشاعر: ألقاب مملكة في غير موضعها، كهر يحكي انتفاخا صولة الأسد.
لذلك ابن الوردي رحمة الله عليه أدرك كما قلنا قيمة هذا الأمر، وخطأ كثير من الناس في تقييمهم في المعيار الذي يضعونه في الحكم على الآخرين، فقال لك: اعتبر فضل الفتى دون الحلل. ثم أكمل رحمة الله عليه هذه النصيحة فيقول في البيت الذي يليه: لا يضر الفضل إقلال، كما لا يضر الشمس أطباق الطفل. يقول ابن الوردي: لا يضر الإنسان الشريف الفاضل، ولا يضر العالم النحرير أن يكون قليل المال، رث الهيئة، فقيرا معدما، لا يضره ذلك، كما لا يضر الشمس أطباق الطفل وتغيبه لها عن أعين الناس.
الطفل أحبتي هو آخر النهار الذي يأتي ليغيب الشمس عن أعيننا، فتغيب الشمس وراءه. هل يضر الشمس أن يغيبها الطفل وأن تختفي عن أعيننا؟ هل يقلل ذلك من شأنها ومن قيمتها؟ كلا لا، كلا والله. فكذلك أصحاب العلم، والخمات المعرفية، وأصحاب العقول والقيم، لا يضرهم أن يطبق الفقر عليهم وأن تكون أحوالهم رثة، فإن الأمر والحقيقة في مضمون الإنسان، فيما يحمله في عقله، فيما يحمله في قلبه، وليس فيما يتزين به بظاهره وشكله.
وهذا في الحقيقة من الأبيات الجميلة لابن الوردي رحمة الله عليه: لا يضر الفضل إقلال، كما لا يضر الشمس أطباق الطفل. فكما أن الشمس لا يقلل من شأنها إطفاؤها بالطفل، فكذلك العلماء الأفاضل النحارير لا يقلل من شأنهم ومن قيمتهم أن يكسوهم في الظاهر لباس الفقر وقلة ذات اليد.
إذا انتهى ابن الوردي رحمة الله عليه من هاتين النصيحتين: خذ بحد السيف واترك غمده. عرفنا ماذا يقصد بهذا المقطع، ثم قال: واعتبر الفتى دون الحلل، لا يضر الفضل إقلال، كما لا يضر الشمس أطباق الطفل. انتقل بعد ذلك ليقدم لك خبرة من خبرات الحياة وتجربة عاشها رحمة الله عليه ونصيحة ذهبية.
يقول لك: حبك الأوطان عجز ظاهر، فاغترب تلقى عن الأهل بدلا، فبمكث الماء يبقى آجنا، وبدور البدر به البدر اكتمل. يقول ابن الوردي رحمة الله عليه في هذين البيتين: لا تبقى متعلقا بأرضك متشبثا بها، فيعوقك ذلك عن الرحلة في طلب العلم والسعي في مناكب الأرض، فإن هذا ليس من الحب الصادق، بل هو من العجز الظاهر.
إذا، لا تتعلق بأرضك وتتشبث بها فيمنعك ذلك عن الرحلة والانتشار منها، ويمنعك ذلك من السعي في مناكب الأرض والذهاب لطلب العلم والانتقال لتحصيل المعارف. فإن هذا التشبث وهذا التعلق ليس حبا بل هو عجز ظاهر. ابن الوردي لا يريد أن يقول أحبتي في هذين البيتين: لا تحبوا أوطانكم، ولا تنتموا إلى بلدانكم، ولا تحنوا إليها. لا، لا، هو لا يريد هذا. بل هو يتكلم مع طبقة من الناس يغلبهم حبهم لأوطانهم فيمنعهم من الرحلة في طلب العلم وتحصيل المعارف.
ورحلة الإنسان أحبتي في طلب العلم، وانتقاله من بلده إلى بلد آخر، وإلى كثير من البلدان، والجلوس مع عدد من الأشياخ وأصحاب العقول النيرة، في الحقيقة يجعل هناك أفقا واسعا في التفكير، يوسع مداركه، يوسع أنظاره، يوسع فكره وتحليله للأُمور ونظرته لحقائق الحياة. بينما إذا بقي الإنسان في بلده ووطنه، فانه يقل علمه ويضعف اطلاعه ويضيق أفقُه.
هذا في الحقيقة من واقع الحياة أو من تجربة الإنسان. الإنسان إذا بقي في مكان واحد ويتلقى من شيخ واحد، هذا أحبتي كما قلنا يكون ضيق الأفق، ضعيف الاطلاع، ضعيف العلم والمعرفة. لكن الإنسان الذي يرتحل وينتقل من بلد إلى آخر، ويجلس مع شيخ ومع خامة علمية هنا وهناك، هذا في الحقيقة يحصل حقائق، يحصل معارف، يستطيع أن يوازن بين الأقوال، وتتوسع نظرته للحياة. وهذا ما يريده ابن الوردي رحمة الله عليه.
إذاً، هي دعوة من ابن الوردي رحمة الله عليه لكل إنسان شريف، ولكل طالب علم، أن يرتحل في طلب العلم وتحصيله، وأن يلقح فهومه وأفكاره بفهوم الآخرين وأفكارهم، ولا يحملنه حبه لوطنه أن يبقى فيه ولا يغادره. فهذا أحبتي كما قلنا ليس حبا بل هو عجز، والعلوم لم تجتمع في بلد واحد ولا في عقل واحد، بل وزعها الله سبحانه وتعالى على البلدان والعقول. فالإنسان إذا أراد أن يكتمل في العلم، وأن يتوسع في الأفق، وأن يعرف ويتعرف على معارف متعددة، فعليه أن يرتحل وأن يسعى للقاء كثير من العلماء وأصحاب العقول والمعارف.
اغترب عن وطنك. يقول لك ابن الوردي: تلقى أهلا لك في كل وطن، تجد شيخا ناصحا وأبا موجها وأخا مرشدا. نعم، ابن الوردي رحمة الله عليه يريد أن يوسع مفهوم الأهل فيقول: أهلك ليس فقط الذين معك في وطنك وأرضك، بل كل من يشاركك في الأهداف، وفي الطموحات، وفي الرؤى، وكل من يشاركك في رحلة المعرفة وتحصيل العلم، هم أهل لك وإن باعدت بينكم البلدان والأوطان.
فهذه إذاً نصيحة مهمة أحبتي، قضية الاغتراب. والاغتراب ليس فقط حتى لطلب العلم، بل حتى للسعي في كسب الرزق ومعرفة الآداب وصحبة الرجال. ابن وكيع التنيسي رحمة الله عليه يذكر فوائد الاغتراب للإنسان فيقول -يعني في أبيات ذكرتها لكم-: تغرب عن الأوطان في طلب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد. ما هي فوائد السفر والغربة؟ وسافر ففي الأسفار خمس فوائد: إزالة هم واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحبة ماجد.
الإنسان إذا سافر -ربما في بلده يضيق عليه الحال وتكثر عليه الهموم وتجتمع عليه الهموم- فيقول لك: سافر تزول هذه الهموم بإذن الله. وإذا أصابك ضيق في العيش فسافر، تجد في مناكب الأرض بإذن الله الرزق. الله عز وجل يقول: وامشوا في مناكبها وكلوا من رزقها. الله سبحانه وتعالى أرشدنا إلى السعي، وأن ينتقل الإنسان وأن يسعى لتحصيل رزقه وألا يبقى جامدا في مكان واحد.
إذاً، إزالة هم واكتساب معيشة. العلم أيضا في الرحلة تكتسب معارف وعلوم جديدة. والآداب والأخلاق الحميدة: وعلم وآداب وصحبة ماجد. تتعرف على أناس رائعين جدا، وتتعرف على علماء وعلى أصحاب عقول، وهذا كما قلنا بإذن الله سبب في ازدياد معارفك وفي توسيعها.
ثم ابن الوردي رحمة الله عليه شرع في عقد مثل جميل ومقارنة بهية بين الإنسان الذي يغلبه حبه لوطنه على أن يبقى فيه ويمتنع عن الرحلة، وبين الإنسان الذي ترتفع عزيمته وهمته ليرتحل وينتقل في طلب العلم وتحصيل العلا. فيقول ابن الوردي رحمة الله عليه: من يبقى في وطنه ويرفض الانتقال منه والسعي لطلب العلم في غيره، كحال ماء بقي مجتمعا في مكان واحد لسنوات طويلة. فماذا يحدث له أحبتي مع مضي السنوات وهو مستقر في مكان واحد ولا يتحرك وتجتمع فيه الأوساخ؟
مع الوقت يصبح ماء نتنا، متغير الرائحة والطعم، ماء آجنا كما عبر ابن الوردي. الماء الآجن هو الماء المتغير الذي يعافه الناس ولا يرغبون في شربه ويعرضون عنه. فيقول: حال الإنسان الذي يمتنع عن الرحلة في طلب العلم ويتشبث بأرضه ويرفض الهجرة منها، كحال هذا الماء. هذا الإنسان مع الوقت لأنه لم يطلع على معارف الآخرين ولم يصل ليلقح فهومه بأفكار الآخرين، يصبح علمه ضعيفا، اطلاعه محدودا جدا، ضيق الأفق درجة عالية، فيعرض الناس عنه ولا ينتفعون بمعارفه، فيعافونه كما يعافون الماء الآجن.
وأما الشخص الآخر الذي ارتفعت همته كما قلنا، فانتقل في طلب العلم وسمع من الأشياخ، فهذا أحبتي يشبهه ابن الوردي بالقمر. القمر كلما انتقل من منزل إلى منزل، يكون في بداية الشهر هلالا صغيرا، ثم مع انتقاله من منزل إلى منزل آخر من منازله، يبدأ يكتمل يكتمل رويدا رويدا حتى يصبح بدرا. وكذلك الإنسان، انظروا ما أجمل هذا التشبيه! ذلك الإنسان الذي ينتقل من بلد إلى بلد في طلب العلم وتحصيله، كلما انتقل كلما ازداد علمه حتى يرتقي في درجة.
الكمال أكثر وأكثر، فهذا يشبه ابن الوردي الإنسان الذي ينتقل من منزله إلى منازل أخرى ليكتمل علمه وينضج عقله، كأنه كالقمر الذي ينتقل من منزل إلى منزل حتى يكتمل أو يصبح بدراً. وما أروع وما أجمل هذا التشابه. تخيلوا أحبتي لو أن القمر لم ينتقل وبقي في منزل واحد، لن يكتمل ولن يصبح هلال بدراً، سيبقى هلالاً سيبقى ناقصاً، وكذلك الإنسان الذي يبقى في ساحة الاغتراب، ولا يريد الانتقال سيبقى ناقصاً في معارفه وعقله وعلومه. إذا هذه، كما قلنا، نصيحة أخرى جميلة من ابن الوردي.
أن ينتقل الإنسان وأن يوسع مدى تحصيله ومساحة تلقيه من الأشياخ ومساحة قراءته في الكتب. يعني حتى قضية قراءة الكتب؛ بعض طلبة العلم يقول: أنا لا أقرأ إلا لشيخ واحد، أو لاتجاه واحد، ولا أريد أن أقرأ أبداً في الاتجاهات الأخرى. وهذا في الحقيقة ليس بصحيح. نعم، طالب العلم في البداية يقوي نفسه معرفياً ويحصل العقائد الحقة، لكنه بعد ذلك عليه أن يتوسع في قراءته، ويقرأ من هنا ومن هنا، ويقرأ الأفكار المتعددة؛ لأنه مع كثرة القراءة تنضج عنده كثير من الأمور والرؤى، ولربما تنبه إلى خطأ كان قد أقام عليه. وهو مع قراءته وسعة اطلاعه.
ينتقل إلى شيء آخر، ويعرف كيف يفكر الناس ومن أين تأتي الشبهات؟ فعلاً التنوع في القراءة، التنوع في الشيوخ، التنوع في البلدان أمر مهم جداً لط طالب العلم. ثم بعد ذلك، يعني ابن الوردي رحمه الله عليه في ختام هذه القصيدة يقول لكل من سيعيب هذه المنظومة في المستقبل وينتقصها عبثاً وحسداً وضعف بصيرة منه بقيمتها وفوائدها. يقول ابن الوردي لهؤلاء الناس.
أيها العائب قولي عابثاً إن طيب الورد مؤذن بالجعل. هذا البيت عالي جداً في حدته: أيها العائب قولي عابثاً إن طيب الورد مؤذن بالجعل. يقول ابن الوردي لخصومه الذين سيحسدونه ويعيبون عليه هذه المنظومة: يقول لهم موتوا بغيظكم، فانكم ما عابتم هذه الابيات إلا لأنها أبيات رائحتها طيبة ذكية، وأنتم كالجعل أي كالحرباء. الجعل هو الحرباء، وأنتم كالجعل أي كالحرباء تؤذيكم الرائحة الطيبة ولا تستطيعون التعايش معها إلا بالابتعاد عنها. ولاحظ إذا هذا.
يعني حدية من ابن الوردي رحمه الله عليه يواجه بها خصومه الذين يحسدونه. وهل هذه الحدية في مكانها؟ في الحقيقة أرى هذه الحدة في مكانها فعلاً، لماذا؟ أحبتي، هناك طبقة من الناس شغلهم الشاغل التقليل من إنجازات الآخرين وانتقاصهم والغض من إنجازاتهم ومن أعمالهم الرائعة، دائماً همهم أن يبحثوا عن العيوب، عن الزلل، عن السلبيات يظهرونها، ويغضون الطرف عن الإيجابيات التي تكون في أعمال الآخرين.
وهذه في الحقيقة نفسية مريضة جداً يجب أن يتعامل معها بكل حدة، وألا يتلطف معها حتى ترتدع وتنزجر عن مثل هذه التصرفات. الإنسان أحبتي لو نظر في نفسه وفتش في عيوبه لوجد في نفسه من العيوب أكثر بكثير مما يعيب به الآخرين. وكما يقول الغزالي رحمه الله عليه ونقلها عنه ابن القيم وغيره: ينظر إلى القذاة في عين أخيه وينسى الجذع في عينه، يعني ينظر إلى قذاة صغيرة في عين أخيه يعظمها ويبرزها، وينسى أن هناك جذعاً في عينه كبيراً من العيوب. وهذا من أجمل الكلمات.
قالها الغزالي رحمه الله عليه، ففعلاً التعامل مع هذا النوع وهذا الشكل من بني آدم لابد أن يكون بهذه الحدية التي يتعامل بها ابن الوردي؛ لأن هؤلاء إذا تلطفت معهم يتسلقون عليك أكثر وأكثر. فابن الوردي يريد أن يغلق عليهم الباب، يقول لهم: أيها العائب وقوله عبثاً من سيحسدني ويعيب علي. هذه الكلمات وينظر فقط إلى جوانب سلبية فيها ولا يهتم بإبراز محاسنها، أقول لكم إن طيب الورد مؤذن بالجعل. ثم يكمل ابن الوردي عدته مع هؤلاء فيقول لهم.
عدّ عن أسهم لفظي واستتر، لا يصيبنك سهم من ثعل. يقول: حاول ألا تستفزني، حاول ألا تخوض في خشية من أن يصيبك سهم من سهام، ويقصد بالسهام هنا سهام اللسان والألفاظ؛ فإنني من قبيلة ثعل، وليس في الحقيقة من هذه القبيلة لكنه يشبه نفسه بأنه من هذه القبيلة، فإنني من قبيلة ثعل، وثعل أحبتي هذه قبيلة عربية من أفخاذ.
القبيل الطيب، وهي قبيلة مشهورة باصابتها في الرمي، فإذا قيل فلان رميه كثعل أي كقبيلة ثعل يعني رميه مسدد، هذا معروف عند العرب. فيقول ابن الوردي لخصومه: ابتعدوا عني، اجتنبوني، إياكم أن تتسلقوا علي، إياكم أن توجهوا سهام. نقضي إليه، فإنني أخشى عليكم من سهامي، فإن سهامي كسهام قبيلة ثعل، لا تكاد تخطئ هدفاً. إذا لاحظ بهجة ابن الوردي الحادة مع خصومه، وكأنه والله أعلم يرسل رسالة معينة لناس محددين نحن لا نعرفهم؛ لأننا سنلاحظ.
أنه ما زال يرسم معالم شخصيته أكثر وأكثر، انظروا ماذا يقول بعد ذلك: لا يغرنك، ما زال يسول لنا شخصية ابن الوردي رحمه الله عليه. لا يغرنك لين من فتى، إن للحيات ليناً يجتنب. يقول ابن الوردي لخصومه: لا يغرنكم أني إنسان سهل لين سمح في تعامله فيجرئكم هذا على أن تطلقوا علي، أحذروا فانني في نفس الوقت استطيع أن أكون إنساناً حاداً شرساً أصيبكم في مقتل.
أنا إنسان لين سهل هين، لكن لا تتسلقوا علي بسبب سهولتي وليني معكم، فإنني أستطيع أن انقلب وأن أكون إنساناً حاداً شرساً. ثم يشبه نفسه بالحية فيقول: انظروا في الحية، أليست الحية جلدها وملمسها الخارجي لين؟ لكن في نفس الوقت الناس تجتنبها خشية من. من أن تصاب بسمها، خشية من أن تصاب بسمها. فيقول لهم: اعتبروني كالحية، ملمسي والتعامل معي الخارجي سهل، لكنني متى يعني تم استفزازي والتعدي علي والتسلق علي فإنني أكون كالحية أستطيع أن ألغكم.
وأن أصيبكم بسم ناقع. فإذا ابن الوردي يرسل رسائل واضحة ويخاطب ناس محددين: أحذروا مني واياكم أن تتجرأوا علي بكلمة وأن تتفوهوا. ظاهر يعني ابن الوردي رحمه الله عليه كان حزيناً مليئاً على هؤلاء الناس الذين اشتغلوا بانتقاده وبيان عيونه. وبه رحمه الله عليه. ثم يكمل في رسم معالم شخصيته أكثر وأكثر، يقول: أنا مثل الماء سهل سائغ، ومتى سخن وقتل أراه كالماء. أنا كالماء، الماء يستسيغه الإنسان ويسهل عليه أن يتعامل معه، الحمد لله مادة سهلة متوفرة.
يستسيغها الشارب، لكن الماء يمكن أن يتحول لصفة أخرى؟ نعم، يقول: هذا الماء يمكن أن يتحول من خلال غليه يصبح حاراً جداً فيقتل ويؤذي، يعني لو أنني شربت عليك ماء حاراً جداً ماذا سيصبح؟ ماذا سيحدث بك؟ سينحرق جلدك بل ربما تموت من شدة الحرارة. فيقول لهم: أنا كالماء إذا كانت درجة حرارته معتدلة، ما أحد استفزه يكون الماء سهل لين يستسيغه الشارب، لكن ما ترتفع درجة حرارة الماء.
وغلا وارتفعت وسخن، فإنه يصبح مؤذياً، أليس كذلك؟ فأنا كذلك في حالة اعتفالي أكون سهلاً ليناً، لكن متى ارتفعت حرارتي وغليت من استفزازات من انتقاصكم من كشفكم لعيوبي وتتبعكم لعثراتي، فإنني في هذه الحال أصبح مثل الماء الساخن قد يؤذي. قد يقتل. ثم التشبيه الأخير لنفسه يقول: أنا كالخيزرون، أنا كالخيزرون صعب كسره وهو لين كيف ما شئت انفتل. يشبه نفسه في هذا البيت بتشبيه آخر. يقول: أنا عصا الخيزران. الخيزر.
أحبتي شجرة، انظروا فتشوا عنها في اليوتيوب ووسائل التواصل، انظروا كيف أنها شجرة تمتاز بميزتين: أولاً الميزة الأولى أن خشبها لين يستطيع الإنسان أن يحركه وأن يكيفه كيفما شاء، لكنه في نفس الوقت قاسي جداً، لا تستطيع أن تكسره. خشب الخيزران، شجرة الخيزران خشبها يعني فيه لين، تستطيع أن تطعجه وتذهب به وتأتي به، لكنه في نفس الوقت قاسي جداً لا أن تكسره. فابن الوردي أيضاً يرسل رسالة لخصومه.
يقول لهم: أنا إنسان هين سهل، آخذ وأعطي، يستطيع الشخص منكم أن يتعامل معي ويذهب بي ويأتي، أتتعامل معه بكل أخلاقية وبآداب، لكنني في نفس الوقت قاس جداً، لا تستطيعون كسري، لا تستطيعون كسر والحط من عزيمة والتقليل من شأني أمام الناس. إذاً كما قلنا رسائل واضحة حادة يبعثها ابن.
لهذا الصنف من الناس الذي همه وشغله الشاغل الانتقاص والتقليل والتفتيش عن العيوب والعورات وإظهارها، ولا ينظر إلى محاسن الإنسان وإلى الخير الذي فيه، ثم كأنه كأنه في الأبيات التي ستأتي الآن يعلل سبب هذه الحدية وما هو السر الكامن وراءها؟
فيقول: غير أني في زمان من يكن فيه ذا مال هو المولى الأجل واجب عند الورى إكرامه، وقليل المال فيهم يستقل. يقول المشكلة أنني في زمان انعكست فيه المفاهيم. هذا الزمن وهذا العصر الذي أعيش فيه الناس تعظم أصحاب المال وأصحاب المناصب وأصحاب الشهادات، يخرجون عن الإعلام، يعظمونهم، يكرمونهم، يقدمونهم في المجالس، ويستقلون ويزهدون بمن قل ماله ورث حاله، ولم يستضف على وسائل التواصل وعلى الإعلام، ولم ترفع له الرايات وتطلق له الأعيرة النارية.
زمن مفاهيمه معكوسة، المعيار في تقديم الناس وفي تشريفهم وإجلالهم ليس العلم، ليس الفضل، ليس التقوى، ليس الشرف، وإنما تقييم الناس يعتمد على: كم معك من المال؟ ما هو المنصب الذي تشغله؟ ما هي الشهادة التي تحملها؟ ما هي الديباجة التي تضعها أمامك؟ يجعلك سبب في الإكرام أو سبب في التراجع.
إن كنت ذا مال مرتفع، كنت منصب عالي، كانت لك ديباجة عريضة تظهر على وسائل الإعلام، يحترمك الناس ويفرشونك الورود. وإن كنت هينا منطويا على نفسك، مبتعدا عن البهرجة وطلب الجماهير، لا تظهر على وسائل التواصل والإعلام آآ ولا تهتم بالمناصب والمراكز وجمع الأموال، قليل رث الحال؛ فإن الناس تزهد بك ولا تلتفت إليك.
يقول: هذه المفاهيم منعكسة، وهذا كما قلنا يعني ينعكس على أبياته السابقة لما قال: واعتبر فضل الفتى دون الحلل، لا يضر الفضل إقلال كما لا يضر الشمس أطباق الطفل. يعني هذا تستطيع أن تبنيه على الأبيات السابقة، أن ابن الوردي رحمة الله عليه يشكو أن الناس معاييرهم مغلوطة في التقييم. لا تقيموا الناس بأشكالهم ومظاهرهم وأموالهم، قيموا الناس بمضمونهم وحقائقهم ونقاء سريرتهم وصفائهم، هذا هو التقييم الصحيح.
لكن يقول ابن الوردي: ماذا ماذا أفعال هذا حال الناس، كل أهل العصر؟ ثم يقول: كل أهل العصر غمر، وأنا منهم، فاترك تفاصيل الجمل. يقول: أهل عصري هم غمر. والغمر أحبتي هو الشخص الذي ما عنده خبرة وما عنده تجربة في الحياة. لكن الذي يقصده والله أعلم بقوله كل أهل العصر غمر، يقصد بالغم ومن هنا الأناس الذين لا يدرون معايبهم لأنهم لا يفتشون عنها، ولا يدرون فسادهم لأنهم لا ينظرون إليه، وإنما اشتغلوا بالآخرين عن عيوبهم، واشتغلوا بفساد الآخرين عن فسادهم.
هذا حال عصره، هذا لسان ابن الورد رحمة الله عليه. أهل عصره غمر، لا يعرفون لا يعرفون ماذا؟ لا يعرفون عيوبهم لأنهم يشتغلون بعيوب الآخرين، لا يعرفون فسادهم لأنهم لا ينظرون إلى آآ بواطنهم بل ينظرون إلى الآخرين وإلى فساد الآخرين، فيعظمون ويهولون ويكبرون مما يفعله الآخرون من الأخطاء، لكنه لو عادوا إلى أنفسهم لوجدوا وأنهم غارقون في وحل من الذنوب والمعاصي والفساد، نسأل الله السلامة والعافية.
فلذلك يقول لك: كل أهل العصر غمر، يقول: وأنا منهم، كأن واحد من هذا العصر فهو كأنه يعني ينقد نفسه. يعني وأنا شخص منهم لربما أحيانا أخطئ، فأنظر إلى عيوب الآخرين وانسى عيوبي، فاترك تفاصيل الجمل. هذه نصيحة، اترك تفاصيل الجمل.
يعني يقول لك ابن الوردي: دعك من عيوب الناس، لا تفتش عن العثرات، اترك التفاصيل وانكب على نفسك. طبعا ليست هي دعوة لترك نصح الناس وإرشادهم، وإذا رأيت شخص يفعل المنكر أنك لا ترشده ولا تأمر بالمعروف ولا تنهى عن المنكر. لا، هو لا يريد ذلك، هو يقول لك: لا تفتش عن عورات الآخرين وعن عيوبهم، لا تبرزها، يكن همك أن تلحق خلف هذه العثرات.
إذا وجدت إنسان يفعل خطأ، انصحه وأمره بالمعروف انهه عن المنكر، وجه وانصح وادل بدلوك، لكن في النهاية اشتغل بعيوبك واترك تفاصيل الجمل، اترك ما عند الناس ولا تلحق خلف عثراتهم وعوراتهم. ما أجمل هذه النصيحة! اترك تفاصيل الجمل.
ثم يختم بالصلاة والسلام على خير الورى، صلوات ربي وسلامه عليه، فيقول: وصلاة وسلام أبدى للنبي المصطفى خير الدول. جمع بين الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم كما جمع الله بينهما في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. فصلى وسلم على حبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ووصفه بأنه المصطفى وأنه خير الدول. المصطفى أي اصطفاه الله سبحانه وتعالى على الخلق أجمعين. وخير الدول قال: أي خير قائد وخير سائس وخير من يقود الدول ويسوسها، هذا الذي يريده بخير الدول، أي خير قائد وخير سائس وخير من قاد وأرشدهم إلى الخير.
ثم أتبع بالصلاة على الآل، قال: وعلى الآل الكرام السعداء. آل النبي صلى الله عليه وسلم متى وردوا في مقام الدعاء فالمراد بالآل كل من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم على دينه إلى يوم القيامة. كل من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم على دينه إلى يوم القيامة، هؤلاء هم الآن بالمفهوم العام في باب الدعاء، وأما بالمفهوم الشرعي الخاص في باب السير فهذا مفهومه الآخر.
إذاً، وعلى الآل الكرام السعداء، وعلى الأصحاب والقوم الأول. وصلى، إذاً صلى على النبي صلى الله عليه وسلم أولاً، ثم صلى على الآل، قال: وصلى على الصحابة. طبعا الصلاة على الصحابة من باب عطف الخاص على العام، لأن الصحابة يدخلون تحت كلمة الآل.
الصحابة يدخلون تحت الآل بل هم أول الآل بهذا المفهوم العام، لأنهم أول من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم وسار معه ونصره، الصحابة رضوان الله تعالى عليهم فهم يدخلون في عموم كلمة الآل، لكنه ابن الورد خصهم بصلاة خاصة لأنهم يستحقون الخصوص لرفعة شانهم وما قدموه وبذلوه في سبيل هذا الدين، فخصهم ابن الورد بصلاة خاصة.
قال: وعلى الأصحاب والقوم الأول. القوم الأول هم السلف الصالح عموماً، رضوان الله تعالى عليهم، الجيل الأول والثاني والثالث الذين امتدحهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. قال: ما نوى الركب بعشاق إلى أيمن الحي ما رمل.
عادة أحبتي الشعراء خاصة في القصائد الأدبية، يعلقون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على أمر متكرر دائم الوقوع، ليخبروا بذلك أن صلاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم صلاة مستدامة ما استديم هذا الفعل وتكرر. فيعلقون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وآله بفعل مستدام الوقوع كثير الوقوع عادة، ليخبروا بهذا التعليق أن صلاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم مستدامة متكررة ما تكرر هذا الفعل.
وهنا كل ناظم يذكر فعلا يراه متكررا فيعلق عليه صلاته على النبي صلى الله عليه وسلم. يعني هناك من يعلق الصلاة يعلق الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام ما طاف الناس بالكعبة، أصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة مستدامة ما طاف الناس بالكعبة أي مدة دوام الناس يطوفون بالكعبة، وهذا معناه أن الصلاة التي يريد صلاة مؤبدة؛ لأن الناس ستبقى تطوف إلى الكعبة إلى ما شاء الله إلى ما شاء الله.
وكذلك هنا ابن الوردي سلك هذا المسلك، فعلق صلاته على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ما نوى الركب بعشاق إلى أيمن الحي ما نوى. نوى بمعنى سار وابتعد، يقول: أصلي على النبي صلى الله عليه وسلم صلاة مستدامة ما دامت الركبان تبتعد بالعشاق وتأخذ بهم إلى أيمن الحي منطلقة بهم إلى أماكن بعيدة.
وهوهنا على طريقة الشعراء الذين يتغزلون. الآن الشعراء أحبتي من المشاهد المتكررة، خاصة في الشعر الجاهلي، مشهد آآ الإنسان وهو يفارق محبوبته ومعشوقته وهي تغادر مع الركبان وتنطلق بعيدا، هذا مشهد كثير الورود. اقرؤوا في امرئ القيس واقرؤوا في معلقة طرفة بن العبد وغيرها، هذا المشهد متكرر؛ مشهد الإنسان العاشق وهو يبكي وهو يراقب الركبان تأخذ معشوقه بعيدا عنه وترتحل إلى أماكن أخرى فتفرق بينه وبين حبيبه، فيقول
ابن الوردي رحمة الله عليه: أصلي على النبي صلى الله عليه وسلم صلاة ما نوى الركبان ما نوى، يعني ما ابتعد وسار الركبان بالعشاق آخذين بهم، أي من الحي يريدون أن يهاجروا وينطلقوا ومشهد مغادرة الحبيب لحبيبه ومشهد الافتراق بين الأحبة والمغادرة.
عموماً هذا مشهد متكرر في كل زمن، كثير من العشاق حتى في يومنا هذا كثيراً ما تنتهي قصص العشق والحب بينهم بسبب الابتعاد. يكون فلان يحب فلان، التقاه في وما شابه ذلك، يعني طبعاً هناك عشق محرم وهناك يعني علاقة صدق ومحبة ومودة خيرة، نحن نريد أن نعمم مفهوم العشق ليشمل العلاقات الخاطئة والعلاقات النافعة، فكثيراً ما تنتهي علاقات العشق وعلاقات المحبة والصداقة والمودة بارتحال أحد الصديقين عن صاحبه، أو بارتحال أحد المعشوقين عن أخيه عن معشوقه، وهذا أمر متكرر وهي سنة الحياة الافتراق والابتعاد، حتى ولو كان الافتراق بأن أحدهما يموت هو شكل من أشكاله.
فرق، فيقول: أصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ما نوى الركب، أي ما ابتعد الركب بالعشاق إلى أيمن الحي، أي أخذ أطراف الحي وأيمانه ويريد أن يغادر وينتقل، وأيضاً علقها بأمر آخر، قال: وما غنى رمل، أي وأصلي على النبي صلى الله عليه وسلم صلاة ما دام الناس يتغنون وينظمون قصائدهم على بحر الرمل، على بحر الرمل، وهو هنا في الكلمة الأخيرة أراد أن يشير إلى البحر وإلى البحر الشعري، نعم، الذي بنى عليه رحمة الله عليه قصيدته.
ابن الوردي كما قلنا هذه اللامية جاءت على بحر الرمل، أليس كذلك؟ هذا في أول مجلس قلنا، فهو في البيت الأخير أراد أن يخبرك أن قصيدتي هذه اللامية نصيحة الإخوان جاءت على بحر الرمل، فعلق الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ما ابتعد الركب بالعشاق، وما أنشد الناس قصائدهم على بحر الرمل، وعلقه على بحر الرمل بحد ذاته ليخبرك أن هذه القصيدة جاءت على هذا البحر.
إذا سعينا أحبتي في هذه المجالس المباركة التي انتهت بإذن الله الآن، يعني سعينا إلى أن نقرب هذه المنظومة من طلبة العلم وأن نحببهم بها وأن نزين لهم ألفاظها ومعانيها؛ لأنها فعلاً منظومة لطيفة رائقة هادئة، ما فيها تكلف، لا يوجد فيها تقعر، الألفاظ جزلة، الألفاظ سهلة، المعاني آه معانيها فخمة جداً، مقاصدها عالية آه ترسم لنا منهجاً ومسلكاً نسلكه وفي حياتنا في كثير من الأمور كيف نعالج كثير من القضايا.
فجزى الله ابن الوردي عن أمة الإسلام خير الجزاء على هذا المجهود الرائع النافع، ولن نكون من حساده، ولن نقف على عثراته، وإنما سنبرز دائماً الإيجابيات والجماليات والروعة في كلامه رحمة الله تعالى عليه، وفي نهاية هذا المجلس أسأل الله العظيم أن نكون وفقنا في شرحنا لهذه المنظومة، وأن نكون أبرزنا ما استطعنا أن نبرزه من معانيها ولطائفها وحكمها.
اللهم انفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً ينفعنا، واجعلنا من طلبة العلم الجادين الصادقين في تحصيله والانتفاع به إلى حين نلقاك، آمين آمين. ونلقاكم في مجلس آخر أحبتي من مجالس غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل