غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح لامية ابن الوردي للشيخ ابراهيم رفيق الطويل. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم، احمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين.
واصلي واسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين نبينا وحبيبنا وقرة اعيننا محمد وعلى اله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا الى يوم الدين. حياكم الله احبتي في مجلس جديد في شرح هذه اللامية المباركة لامية ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه، المعروفة نصيحة الاخوان ومرشدة الخلان.
وهي منظومة ادبية رائقة وتحفة فنية من تحف الادب الاسلامي، حفظها العلماء جيلا بعد جيل لما تضمنته من الحكم الرفيعة ومن الاداب الجليلة. فينبغي لطالب العلم ان يعتني بها حفظا ودراسة وفهما وتعليما للناس.
هذه اللامية احبتي تصلح لان تدرس في المعاهد الشرعية وفي مراكز التحفيظ وفي الاماكن العامة، لان ادابها تتعلق بجميع الناس وليست مختصة بطلبة العلم. في المحاضرات السابقة عشنا مع ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه وهو يعالج اه بعض قضايا الشهوة ايضا، وهو في الحقيقة اهتم في بداية هذه اللامية بعلاج موضوع الشهوة في حياة الانسان.
تكلم عن شهوة النساء وتكلم عن شهوة المعازف وتكلم عن شهوة المردان وتكلم عن شهوة الخمر واللهو والعبث وارشدك وقال: واتق الله، فتقوى الله ما جاورت قلب امرئ الا وصل. اعطاك الحل وبعض الحلول ايضا الخاصة لبعض الشهوات، والحل العام هو ان تتقي الله، وان تصاحب التقوى في جميع تصرفاتك وفي كل احوال حياتك في كل همسة بل في كل خفقة قلب.
ننتقل الان مع ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه الى جزء اخر من هذه المنظومة النافعة. وابتداء سيبدأ ابن الوردي يعالج بعض القضايا المنتشرة بين عوام الناس، بعض القضايا المنتشرة بين عوام الناس وفيها مخالفة للشريعة المحمدية، فقال عليه رحمة الله تعالى في البيت الثاني عشر: صدق الشرع ولا تركن الى رجل يرصد بالليل زحل.
كما قلنا بدأ ابن الوردي هنا يعالج بعض القضايا التي تنتشر بين عوام المسلمين وفيها مخالفة للشريعة المحمدية. من هذه القضايا قضية الذهاب الى الكهان والى العرافين والى المنجمين وسؤالهم عن امور الغيب وسؤالهم عن المستقبل وماذا يخبئ هذا المستقبل للانسان؟ وسؤالهم اه عن الامور الغائبة الخفية كما يفعل كثير من الجهال من عوام المسلمين ومن غيرهم.
وفي الحقيقة قضية الذهاب الى الكهان وتصديق الكهان فيما يقولون امر خطير جدا على عقيدة المسلم، بل هو نوع من الشرك بالله عز وجل، لانك بتصديقك للكاهن واعتقادك ان هذا الكاهن وهذا العراف مطلع على علم الغيب انت تشرك بالله عز وجل. نعم صورة من صور الشرك بالله فانت تدعي بان هذا الرجل الذي تذهب اليه يشارك الله عز وجل في اطلاعه على الغيب، انت تدعي ان هذا الرجل يشارك الله عز وجل في اطلاعه على امور الغيب وهذا ادعاء خطير.
وفيه تكذيب صريح لقوله تعالى في سورة الجن: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ. فالله عز وجل يخبرنا انه لا يطلع على غيبه احد الا الرسل والانبياء الذين يكرمهم.
واما هؤلاء آآ الدجالون من الكهنة ومن المنجمين ومن العرافين فليس لهم اطلاع على علم الغيب. طب يا شيخ نحن نرى ان بعض هؤلاء الكهنة وبعض هؤلاء المنجمين قد يخبرون احيانا بالكلمة فتأتي حقا. النبي صلى الله عليه وسلم سئل هذا السؤال، قيل يا رسول الله ان هؤلاء الكهان يخبرون احيانا ببعض الامور المستقبلية فتقع كما يقولون، فقال عليه الصلاة والسلام: تلك الكلمة من الحق.
هذه الكلمة التي اصاب فيها من الامور المستقبلية ومن امور الغيب كيف اتى بها؟ قال عليه الصلاة والسلام: تلك الكلمة من الحق خطفها الجني فاقرها في اذن وليه فيخلطون معها مائة كذبة. اذا ما يصدق به الكهان انما هو مما يسترقه الجني او آآ يعلمه الجني من طوافه على الارض.
الجن احبتي لهم قدرات في انهم يجولون في الارض، ويصلون الى اقاصي الارض طولا وعرضا. فلربما اتوا باخبار غائبة عنك وعن هذا الكاهن يأتون بهذه الاخبار الغائبة فيقذفونها في اذن الكاهن ويخبرونه بها، فهذا الكاهن يتلقى منهم هذه الاخبار التي تخفى عليك وانت لا تعلمها، شيء يحدث في اقاصي الارض انت لا تعلم ولا الكاهن يعلم.
فتأتي الى هذا الكاهن تسأله فيخبره فانت تستعجب كيف هذا الكاهن عرف هذا الامر واصاب فيه. فالنبي صلى الله عليه وسلم عرفنا بذلك، قال هذه التي اصاب فيها انما اتى بها الجني فاقرها في اذن وليه اي في اذن الكاهن، فيخلطون معها مئة كذبة.
فالكاهن اذا صدق في شيء كذب في مائة شيء، فانت تظن او الناس عموما الناس الجهال الذين يذهبون الى هؤلاء يظنون ان هؤلاء الكهنة لما اصابوا في بعض اخبارهم انهم يعلمون الغيب ويطلعون علي ولهم قدرات آآ عجيبة في التنفذ في امر هذا الكون، وهذا كله خطير على عقيدة المسلم.
لا يحل لمسلم مهما كانت الظروف، ومهما كانت الامور ان يذهب الى هؤلاء الكهان والى هؤلاء المنجمين ليسألهم عن شيء من امور المستقبل أو من الامور الغائبة عنه، حتى ولو هازلا حتى ولو لاعبا لا يجوز. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من اتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة اربعين يوما.
يعني هذا الحديث في حالة انك مجرد ذهبت وسألته عن شيء حتى ولو لم تصدقه، مجرد ذهابك الى الكهنة والى المنجمين لتسألهم عن الامور المستقبلية وعن امور الغيب، من اتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة اربعين يوما.
واما اذا ذهبت اليه وصدقته بما يقول من امور الغيب فصدقت ان هذا الرجل مطلع على هذه الامور، فقد كفرت بما انزل على محمد صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: من اتى كاهنا او عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما انزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
اذا الموضوع خطير ويصل بصاحبه الى الكفر والعياذ بالله. وهؤلاء الكهان وهؤلاء المنجمون احبتي خطورتهم تكمن في ماذا؟ انهم اولا يتعاملون مع كفرة الجن وشياطينهم، يتعاملون مع كفرة الجن وشياطين الجن، هذا الامر الخطير اولا.
ثانيا ان هؤلاء الكهان يقومون بالكفر ويمارسونه ويهينون المصحف ويهينون شعائر الله من اجل ارضاء اوليائهم وساداتهم من كفرة الجن، فاذا هم اولا يتعاملون مع كفرة الجن وشياطين الجن ويمارسون الكفر ويتكلمون بالكفر ويهينون الشعائر الدينية ارضاء لاوليائهم من كفرة الجن.
ثم الامر الثالث انهم يدعون اطلاعهم على علم الغيب، وهذا امر اختص به ربنا سبحانه وتعالى كما اخبرنا في كتابه الحكيم ولم يطلع عليه الا من ارتضى من انبيائه ورسله لما فيه صلاح الخلق.
فإذا ينبغي علينا طلبة العلم ان يوعوا الناس بخطورة مثل هذه التصرفات، لان هذا الامر عادة ما يفشو بين عوام الناس. حينما يفشو الجهل بتعاليم هذا الدين الحنيف تظهر مثل هذه الامور، اما في الاماكن التي يحيا فيها العلم ويوجد فيها العلماء ويوجد فيها الدعاة تقل نسبة هذه الامور بين الناس.
فطلبة العلم والدعاة والمصلحون وظيفتهم ان يرشدوا الناس الى الحق في مثل هذه الامور، وان يبينوا لهم خطورة الذهاب الى هؤلاء الكذبة من الكهنة والمنجمين وان هذا نوع من انواع الشرك والعياذ بالله.
اذا ابن الوردي يقول: صدق الشرع، آمن بالشرع واياك ان تلتفت الى ما يقوله الكهنة، صدق الشرع ولا تركن الى رجل يرصد بالليل زحل. رجل يرصد بالليل زحل هؤلاء المنجمون.
وهل هناك فرق بين الكاهن وبين المنجم؟ نعم ذكر بعض اهل العلم كالقاضي عياض وغيره ان هناك فرق بين الكهنة وبين المنجمين. الكهنة هم الذين يدعون انهم يطلعون على علم الغيب من خلال اولياء لهم من الجن يزودونهم بهذه المعلومات وبهذه الامور الغيبية الغائبة، فهؤلاء هم الكهنة.
المنجمون هم الذين يدعون معرفة الغيب من خلال النظر في النجوم وفي الابراج مسيرة الكواكب.
فالكاهن إذا يدعي معرفة الغيب من خلال الجن الذين يزودونه بهذه الأخبار، والمنجم يدعي معرفة الغريب من خلال النظر في النجوم وحركة الكواكب السيارة. ولربما الذي تكلم عنه ابن الوردي هنا المنجم؛ لأنه قال: ولا تركن إلى رجل يرصد بالليل زحل، وزحل الكوكب المعروف.
وليس زحل مخصوصاً لذاته، يعني ذكره في هذا البيت ليس للتقييد وإنما للتمثيل، ولأنه هو الذي يأتي على روي اللام لذلك ذكره، ولكن ليس هناك خصوصية في كوكب زحل دون غيره من الكواكب. يعني بعض الطلبة قد يظن أن تخصيص ابن الوردي لكوكب زحل دون غيره من الكواكب بالذكر لأمر يتعلق به عند المنجمين وعند الكهنة، لا، هذا ليس مقصوداً، وإنما أتى بذكر زحل دون غيره من الكواكب لأن زحل آخرها حرف ل، فهي تصلح على روي قصيدتهم، فهذه لامية فلابد أن تكون الكلمة الأخيرة في كل بيت تنتهي بحرف اللام، فوجد ابن الوردي أن زحل تنتهي بحرف اللام فذكرها، لكن ليس لخصوصية زحل كما ذكرنا، بل هم المنجمون يعتمدون على حركة الكواكب السيارة جميعها، زحل وغير زحل.
إذاً، هذه الفكرة الأولى في محاضرة اليوم: أهمية اجتناب الكهان والسحرة، لذلك قلت لكم والمنجمين. لذلك قلت لكم إن هذه يجب أن تدرس لعوام الناس ويجب أن تكون في أماكن تثقيف الناس وتعليمهم؛ لأنها لربما لا تتعلق بشيء مباشر لطالب العلم بل تتعلق بأمر عام بين عوام المسلمين يجب أن ينبهوا إليه وأن يدركوا خطأه.
ثم بعد ذلك انتقل ابن الوردي إلى الكلام عن قدرة الله سبحانه وتعالى. يدعوك ابن الوردي في الأبيات القادمة إلى التفكير في مظاهر القدرة الإلهية لله عز وجل، وأنه المتنفذ سبحانه وتعالى في هذا الكون، وأنه المهيمن على هذا الكون، وأنه المسيطر على هذا الكون، وأنه الغالب في هذا الكون ولا يغلبه شيء سبحانه وتعالى. يقول ابن الوردي: حارت الأفكار في قدرة من قد هدانا سبلنا عز وجل. يقول لك: تفكر في عظمة هذا الإاله الكبير، تفكر في قدرة هذا الإله، تفكر في سيطرته، في هيمنته، في تدبيره لكل تفاصيل هذا العالم. نعم، حارت الأفكار، إذا تفكرت وتأملت ستندهش، ستعلم أن هذا الإله إله عظيم، إله كبير، إله مسيطر، مهيمن، مدبر، لا يفوته شيء، لا يعزب عنه شيء، فهو إذاً الإله المستحق للعبادة وللحب وللخوف وللرجا ولأن تتقيه حق التقوى.
نعم، من عرف الله عز وجل حق المعرفة خشيه، أحبه، تعلق به، وخاف عقابه، إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ. فهذه إذاً دعوة للتأمل، دعوة للتفكر، دعوة للتدبر لنا جميعاً أن نتفكر في قدرة الإله، في عظمة الإله، في ملكوت الإله، في تدبير الإله لنعلم كم هو عظيم. واعلموا أحبتي أن المعاصي والذنوب والابتعاد عن منهج الاستقامة إنما سببه ذهاب عظمة الله من قلوب الناس، نعم، وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ. والله يا أحبتي لو عرفنا الله حق المعرفة ولو قدرناه حق القدر لسرنا على الجادة التي يرضاها سبحانه وتعالى، ولما تجاسرنا على الذنوب والمعاصي وعلى انتهاك الحرمات، لكن لضعف معرفتنا بالله ولضعف تأملنا في قدرة الله وعظمته وجلاله، لضعف هذه الأمور كلها في قلوبنا ضعف إيماننا، ضعف تذكرنا، ضعفت خشيتنا لله، فذهبنا إلى طرائق الانحراف وخرجنا من الجادة المرضية لله عز وجل.
فكل إنسان يريد أن يثبت على هذه الجادة، يريد أن يبقى ممسكاً بهذا الدين، عليك أن تكثر التدبر والتأمل في ملكوت الله سبحانه وفي قدرته عز وجل. حارت الأفكار في قدرة من قد هدانا سبلنا عز وجل، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح ابن حبان يقول: ويل لمن قرأ هذه الآيات ولم يفكر فيها، أو لم يتدبر فيها، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
فالإنسان إذا أراد أن يرسخ الإيمان، أن يتعمق وأن يتجذر في قلبه معرفة الإله، عليه أن يتفكر وأن يتأمل وأن يتدبر، فهذا منهج قرآني نبوي دلت عليه الشريعة الغراء. حارت الأفكار في قدرة من قد هدانا سبلنا عز وجل. نعم، الله عز وجل هو الخالق، هو الرازق، هو المحيي، هو المميت، هو النافع، هو الضار، هو المعز، هو المذل، فكر وستجد إلهاً عظيماً. قوله: قد هدانا سبلنا، أصلها سبلنا سبل، لكنه اضطر إلى التسكين فقال: سبلنا بإسكان الباء، وهذا جائز في العربية، يعني ليست هي مجرد ضرورة شعرية، بل هو جائز، ما كان من الجموع على وزن فعل بضم الأول والثاني يجوز أن يخفف الثاني بالتسكين فتقول فعل، كل ما كان على وزنه فعل مثل سبل يجوز أن تسكن ثانيه فتقول سبل، هذا جائز في العربية أصالة، لكن العلماء يستعملون مثل هذه المآزق حينما يكون البحر الشعري لا يستقيم معهم إلا بارتكاب مثل هذه الأمور، وهي كما قلنا ليست من الضرورة الشعرية؛ لأنه أصل في اللغة، لكنهم كما قلنا يتجهون نحو هذه البضائع غالباً إذا وقعوا في مضيق في توزين البحر الشعري لهذا البيت.
ننتقل إلى البيت الذي يليه. قال: كتب الموت على الخلق فكم فل من جمع -وفي نسخة قل من جمع، وسأشرح على نسخة فل من جمع-: كتب الموت على الخلق فكم فل من جمع وأفنى من دول.
انتقل هنا إلى مشهد خاص يبين قدرة الإله، في البيت السابق كان يدعوك إلى التفكير العام في قدرة الإله وإلى التدبر في هذه العظمة، في هذا البيت انتقل إلى مشهد خاص يريد منك أن تستحضره لتعلم كم هي قدرة هذا الإله، وكم عظمة هذا الإله، وكم هي سيطرة هذا الإله على هذا الكون. يقول: كتب الموت على الخلق فكم فل من جمع وأفنى من دول. الله سبحانه وتعالى من مظاهر قدرته وهيمنته أنه سبحانه وتعالى كتب الموت على جميع الخلائق في هذا العالم، الكل يموت، الملائكة تموت، الجن يموتون، الإنسان يموت، الدواب بجميع أشكالها تموت، النباتات تموت، موت عام قدره الله عز وجل على الخلق، فسبحان من قهر عباده بالموت! أي والله، سبحان من قهر عباده بالموت!
هذا المشهد، مشهد الإماتة، إذا تدبر فيه الإنسان وتفكر فيه بعقله يدرك كم هذا الإله عظيم مسيطر، الكل سيموت، وانظروا الآن ماذا سيكمل، سيكمل في هذه الموعظة أكثر وأكثر ويتعمق فيها؛ لأنه يريد أن يرسم أمامك ملامح هذا المشهد، مشهد إماتة الخلق جميعاً لتدرك أنك تعبد إلهاً عظيماً، لتدرك أن الله سبحانه وتعالى فعلاً على كل شيء قدير، لتدرك أن كل هذه المشاهد التي تشاهدها في عالمك من انحراف، من سيطرة، من جبروت، من ظلم، من طغيان يمارسه الخلق على بعضهم في النهاية سيفنى، وسنعود مرة أخرى عند هذا الإله القدير ليحاسبنا على كل شيء.
انظروا ماذا اتبع ابن الوردي وهو يرسم ملامح القدرة الإلهية: كتب الموت على الخلق فكم فل من جمع -فل أي هزم- من جمع وأفنى من دول. هذا الموت الذي كتبه الله سبحانه وتعالى على عبيده، والذي قهر به الخلق، كم هزم هذا الموت من جموع وشتتهم وأهلكهم عن بكرة أبيهم، كم قضى على دول ودرسها وأصبحت الآن تحت الثرى! أين ذهبت دولة كسرى؟ أين ذهبت دولة الروم؟ أين ذهبت دولة الأنباط؟ أين ذهبت الدول العظمى التي حكمت الأرض عبر التاريخ؟ أين ذهبت كل هذه الدول؟ قضى الله عز وجل عليهم بالهلاك. أين نمرود وكنعان ومن ملك الأرض وولى وعزل؟ أين عاد أين فرعون ومن رفع الأهرام؟ من يسمع يخل، أين من شادوا وسادوا وبنوا؟ هلك الكل ولم تغن القلل. أين ارباب الحجا أهل النهى؟ أين أهل العلم والقوم الأول؟ سيعيد الله كلا منهم وسيجزي فاعلاً ما قد فعل.
نعم، انظروا إلى هذه الأبيات ما أجملها! وابن الوردي الآن يرسم ملامح عظمة الإله وسيطرة الإله وكيف أن الله قهر هؤلاء العباد جميعاً بالموت.
أين نمرود؟ نمرود الذي حاج إبراهيم كما تروي كتب التاريخ. وقال لإبراهيم كما جاء في سورة البقرة: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ.
ادعى الربوبية وادعى أنه إله. أنه رب، أنه يحيي ويميت وأنه يدبر هذا العالم. فإبراهيم حاجه بمحاجة ألجمته، لكن انظر أين ذهب هذا الرجل؟ هذا الرجل المتغطرس المتجبر الذي ملأ الأرض ضجيجاً وتكبراً وتجبراً على ربه. رجل إنسان إنسان إنسان خلق من نطفة وفي نهاية أمره سيصبح تحت الثرى. تجبر عتا، ما نهايته؟ قهره الله بالملك.
أين نمرود؟ ابحث عنه، أين كنعان؟ كنعان اختلف فيها، اللي هو والد النمرود، وقيل كان رجلاً متجبراً أيضاً، وقيل هو رجل من العمالقة حكم الأرض وتجبر فيها. لا يهمنا شخصه، المهم أنه من جبابرة الأرض كما تروي كتب التاريخ. أين ذهب كنعان؟ أصبح تحت الثرى، هذا الرجل الذي ادعى الربوبية وتغطرس وتجبر على الناس في نهاية أمره قهره الله عز وجل بكلمة كن فيكون.
أصبح تحت الثرى لا قيمة له، لا وجود، هوام الأرض تأكل هذا الجسد الذي في يوم من الأيام ظن أنه سيخلد. أين نمرود وكان ومن ملك الأرض وولى وعزل؟ أين هؤلاء الملوك الذين ملكوا الأرض من مشارقها إلى مغاربها؟ من كافرهم ومسلمهم أيضاً.
قيل إنه أن هناك ملكين مسلمين ملكا الأرض؛ سليمان بن داود وذو القرنين. سليمان بن داوود قيل إنه ملك مشارق الأرض ومغاربها، وذو القرنين ذكر كتاب التاريخ أنه ملك مشارق الأرض ومغاربها. فكل من ملك الأرض، سواء كان كافراً أو مسلما، أين ذهبوا؟ الكل في النهاية ذهب وطوي تحت الثرى استعداداً إلى يوم آخر.
إذاً أين نموت؟ أين كنعان؟ أين من ملك الأرض وولى وعزل؟ هؤلاء المتنفذون؛ يولي ويعزل كما يشاء، يرفع فلاناً ويذل فلاناً. هؤلاء الذين في فترة من الفترات ظنوا أن لهم الخلود وأنهم الآمرون الناهون، أين ذهبوا؟ نعم، قهرهم الله سبحانه وتعالى بالموت.
أين عاد التي كانت تقول: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟ عاد التي تغطرست وتجبرت وكانت تبني القصور الشاهقة والمصانع الضخمة، والهتهم الحياة الدنيا وآذوا أنبياءهم. ماذا فعل الله عز وجل بهم؟ عاد، حينما تسمع عاد، حتى العرب في الجاهلية كانت إذا قالت عن شيء عن قوته وبطشه قالوا: هذا عادي، نسبة إلى عاد، أنه شيء عتيد قوي متين. هؤلاء القوم بغطرستهم وتجبرهم هل بقي منهم أحد؟ الكل ذهب.
أين فرعون؟ فرعون الذي آذى موسى وآذى بني إسرائيل وقتل وسفك، وقال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى. فرعون يقول: أنا ربكم الأعلى، وقتل السحرة وتجبر وظن أن له الخلود، أين ذهب؟ الكل ذهب، نعم. أين نمرود وكنعان ومن ملك الأرض وولى وعزل؟ أين عاد؟ أين فرعون ومن رفع الأهرام؟
الذين رفعوا الأهرام، بغض النظر عن الاختلاف؛ هل هم العمالقة أم غيرهم؟ هؤلاء الذين رفعوا الأهرام لابد أنهم أصحاب قوة أصحاب بطش. يعني هذه الأهرام تحفة عجيبة من عجائب التاريخ، هؤلاء الذين رفعوا الأهرام أين ذهبوا؟ أيضاً ذهبوا، القوة لا تخلد الإنسان، الغطرسة والجبروت والمال والغنى لا يخلد الإنسان، فسبحان من قهر عباده بالموت.
أين عاد؟ أين فرعون؟ ومن رفع الأهرام؟ من يسمع يخل. من يسمع عن قوتهم وعن بطشهم وعن ملكهم يخجل أن يظن أنهم سيخلدون ولن يموتوا. لكن سيموتون نعم. من يسمع يخل، أي من يسمع قصصهم وقوتهم وعن بطشهم وجبروتهم وعن ملكهم وأموالهم يخل أن يظن أنهم سيخلدون. هنا المفاعيل محذوفة: من يسمع، اسمع ماذا؟ كما قلنا، يسمع عن أمورهم وبطشهم وجبروتهم. يخل، يخل ماذا؟ حذف المفاعيل للعلم بها من خلال السيرة، أن يخجل أن يظن أنهم سيخلدون. لكن هل خلدوا فعلاً؟ كلا.
أين من شاهدوا وسادوا وبنوا؟ هلك الكل. يعني لماذا كل هذا السؤال؟ هذا السؤال من الأساليب البلاغية لتقرير الأمر. هذا السؤال ليس سؤالاً حقيقياً، ليس استفهاماً حقيقياً، بل هو استفهام تقريري يريد أن يقرر الأمر في قلبك وفي ذهنك. نمرود، كنعان، فرعون، عاد، الذين رفعوا الأهرام، أمثلة لجبابرة الأرض، أمثلة لأناس ادعوا الربوبية، أمثلة لأناس تغطرسوا وظنوا أنهم سيخلدون، قهرهم الله بالموت.
فكيف سيكون حالي وحالك يا أخي الكريم؟ إذا كان هؤلاء الجبابرة الذين ملكوا الأرض وشادوا وبنوا انتهوا، فماذا سيكون جبابرة الأرض اليوم الذين لا يصلون إلى عشر معشار الجبابرة الاقدمين؟ نعم، اليوم هناك جبابرة يطغون ويتجبرون ويستضعفون المسلمين ويحاربونهم ويؤذونهم ويسجنونهم، يحاربون دين الله سبحانه وتعالى، أينما وجدوا نوراً لهذا الدين حاولوا أن يطفئوه، متى وجدوا إسلاماً صحيحاً حاولوا أن يشوهوه، دفعوا الأموال الكبيرة ليصدوا عن سبيل الله، ملكوا عروشهم زوراً وبهتاناً وتغطرسوا على خلق الله واتهموهم بما ليس فيهم، يمارسون الظلم والقتل والتعذيب وكأنهم سيخلدون وكأنهم لن يبعثوا وكأنهم لن يكونوا في يوم من الأيام تحت الثرى.
هذه رسالة لهؤلاء القوم الذين يتجبرون: تذكروا يا جبابرة العصر، تذكروا النمرود، وتذكروا كنعان، تذكروا عاد وفرعون: كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً كما قال تعالى، وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ. فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا. نعم فعلتم كأفعالهم وتجبرتم وتغطرستم وآذيتم عباداً، سجنتم الدعاة، سجنتم المصلحين، حاربتم هذا الدين، حاولتم أن تطمسوا معالمه وأن تغلقوا أبوابه ونوافذه، لكن هذا الدين سينتشر رغماً عن أنوفكم، وستبقى هذه الدعوة وسيبقى هذا الدين قائماً ولو كره المشركون، يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ، نعم وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.
أحبتي، هذا الدين قائم، وإياكم أن تيأسوا بسبب هذا الجبروت وهذه الغطرسة التي يمارسها جبابرة العصر اليوم، إياكم أن تفقدوا الأمل. تذكروا نمرود وكنعان وعاد وفرعون والذين شادوا وسادوا وبنوا، كيف انتهى بهم الحال؟ الله عز وجل قهرهم بالموت، أذلهم في هذه الدنيا وسيذلهم يوم القيامة حين يلقونه. فاياكم أن تيأسوا، اعلموا أن فوق كل جبابرة الأرض هناك الملك القهار سبحانه وتعالى، اعلموا أن فوق كل ظالم إلهاً يقتص منه يوم القيامة.
فنُريد دائماً أن يكون التفاؤل حاضراً في حياتنا رغم هذه الظلمات التي ادلهمت بهذه الأمة، ورغم هذه الدماء الطاهرة التي سفكت في سبيل الدعوة، رغم هذا السجن ورغم هذه المطاردة ورغم هذا الاغتراب ورغم كل هذا الأذى وهذه الأشلاء التي روت طريق الدعوة، نعم سننتصر في يوم ما، لأن الله عز وجل ناصر دينه وهؤلاء الجبابرة سينتهون كما انتهى من قبلهم.
أين عاد؟ أين فرعون؟ ومن رفع الأهرام؟ من يسمع يخل. أين من شادوا وسادوا وبنوا؟ هلك الكل ولم تغن القلل.
ثم انتقل أيضاً: كما هلك الجبابرة وهلك المفسدون، كذلك هلك الصالحون ومات الناس الأخيار. فهذا الموت لا يعرف أحداً أحبتي، لا يعرف صالحاً من طالح، لا يعرف خيراً من سيء، الكل في النهاية سيموت أيضاً. هذا معنى يريد أن يصله ابن الوردي إليك. يقول: أين ارباب الحجى اهل النهى؟ أين اهل العلم؟
القوم الأول يقول: أرباب الحجا، يعني أصحاب العقول النيرة وأصحاب الحكم والأطباء والمهندسون وطلبة العلم والعلماء الشرعيون، أيضاً هؤلاء أرباب العقول أصحاب النهى أين ذهبوا؟ الكل أيضاً سيذهب، فلا تظنن أن العلم يخلدك في هذه الأرض، حتى لو كنت طبيباً تعرف كل الأدوية، في النهاية سيأتي مرض وسيهلكك، فلو كنت من أرباب العقول لا تظن أن العقل سيخلدك.
أين أرباب الحجى؟ الحجا هو العقل، أهل النهى، النهى أيضاً هو العقل، فهذا فيه شيء من التكرار لتوكيد المعنى. لأن أرباب الحجا هم نفس أهل النهى، لأن الحجا هو العقول والنهى هي أيضاً العقول، وسميت العقول نهى جمع نهية، بأن هذه العقول تنهى صاحبها عن ارتكاب القبائح، العقل من أسمائه أنه نهية لأنه ينهى صاحبه عن ارتكاب القبائح فلذلك سمي نهية جمع على نهى. فيتساءل ابن الوردي: أين أرباب الحجى أهل النهى؟ هل بقي أحد منهم؟ هل خلدتهم علومهم؟ كلا.
أين أهل العلم والقوم الأول؟ سيعيد الله كلا منهم. نعم، سيبعث الله عز وجل يوم القيامة الجبابرة، سيبعث الظلمة، سيبعث المجرمين، سيبعث من سفكوا الدماء وجهروا في الحكم، سيبعث القاضي الجائر، سيبعث كل هؤلاء، وسيبعث الله عز وجل العلماء، وسيبعث المصلحين والأطباء والمهندسين وأرباب العقول والفكر والقلم. الكل سيبعث، والكل سيحشر بين يدي الله سبحانه وتعالى، وفي تلك اللحظات الرهيبة العصيبة وسيجزى فاعل ما قد فعل. نعم، كل إنسان سيجزى عما فعل في هذه الحياة الدنيا، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يعني مثقال ذرة من الخير ستراه، فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ. اعملوا أيها الناس، وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون. نعم، من كان موقناً بهذا الموقف العصيب عليه أن يعد العدة من الآن أحبتي. إذا كنت متيقن أن هناك موعد ينتظرك بين يدي إله عظيم، عليك أن تعد العدة وأن تزرع، عليك أن تفعل الخير وأن تجتنب الشر، عليك أن تكون إنساناً صالحاً نافعاً بادراً منجزا، نشيطاً عاملا.
وإياك أن تكون إنساناً ظالما، أن تكون إنساناً عاقا، إياك أن تكون مسرفاً على نفسك بالذنوب والمعاصي، إياك أن تكون جباراً متغطرساً، إياك أن تنتهك الحرمات، ستجزى عما فعلت عند الله سبحانه وتعالى، وسيعيد الله كلا منهم وسيجزي فاعلاً ما قد فعل. أنا قرأت قبل قليل: (وسيجزى فاعل) على المبنى لما لم يسم فاعله، لكن الصحيح أن ها هو (سيجزي فاعلاً) تقرأ على المبني للمعلوم: وسيُجزي فاعلاً ما قد فعل.
بعد أن انتهى ابن الوردي من الكلام عن هذه النصيحة الغالية يعني في الحقيقة ابن الوردي جمع حكمة عظيمة في هذه الأبيات، حكمة ورسالة بعثها ابن الوردي لهؤلاء الجبابرة ولكل إنسان، قد يكون الإنسان متجبرا في نفسه، حينما تتجبر على موظفين عندك في الشركة أنت جبار، حينما تتجبر على فقير أتى يسألك أنت جبار. إياك أن تتجبر، إياك أن تمارس الغطرسة وأن تقهر من تحتك من الناس إياك، تذكر الوقوف بين يدي الله وتذكر أن الله سبحانه وتعالى قهر من هو أعظم منك بطشاً وتجبرا بالموت.
فإياك ثم إياك أن تمارس التجبر في حياتك وأن تظن أنك ستخلد، فالكل ذهبوا، الكل انتقلوا إلى الله عز وجل لمشهد عظيم ينتظرهم. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يوفقنا لاستغلال ساعات العمر وهذه الأنفاس لنقدم شيئاً نفتخر به حينما نلقى ربنا، حينما نلقى ربنا نحب أن يسألنا، أن يسألنا الله عز وجل فيقول: يا عبادي ماذا فعلتم في هذه الدنيا؟ فنجد شيئاً نتكلم به، نقول: يا رب فعلنا كذا ابتغاء لمرضاتك، فيقول سبحانه وتعالى لنا: صدقتم.
أي والله، هذا ما يبحث عنه الإنسان العاقل، يبحث عن شيء يفتخر به أمام ربه سبحانه وتعالى، أنه أطاع الله وانه قدم لدين الله وانه خدم دين الله من أجل الله فقط، وليس من أجل حظوظ الدنيا ولا من أجل جمهور ولا من أجل الثناء ولا من أجل المطبلين، وإنما أراد حقاً مرضاة الله سبحانه وتعالى. الإنسان أحبتي يبحث عن هذا الأمر لأنه يدرك أن هذه هي القيمة الحقيقية له في هذه الحياة، وأما الغطرسة والجبروت والإسراف بالذنوب والمعاصي، كل هذه الأمور ستنتهي في يوم ما، يطوى كغيره في حفرة تحت الثرى.
دعونا ننتقل حتى لا نطيل الكلام في هذه الجزئية، دعونا ننتقل لمشهد آخر من مشاهد لامية ابن الوردي. يقول ابن الوردي: أي بنية اسمع هذا النداء اللطيف، ابن الوردي أب ينصح أبناءه ونحن أبناء هذا الإام العظيم: أي بنية اسمع وصايا جمعت حكماً خصت بها خير الملل. انظر هذا النداء اللطيف من هذا الأب الحاني ابن الوردي رحمة الله عليه تخاطبكم بالبنوة: أبنائي اسمعوا هذه الوصايا التي جمعت حكماً خصت بها خير الملل.
الآن ما هي هذه الوصايا التي يقصدها ابن الوردي؟ في الحقيقة هذا البيت يعني هناك نوع من الخلاف في فهمه. البعض قد يقول الوصايا التي يقصدها هنا ابن الوردي الأبيات التي ستأتي بعد هذا البيت في نصحه وإرشاده بطلب العلم وتحصيله، وأن يكون الإنسان عالماً ومتعلماً في هذه الحياة ولا يكون الثالث فيهلك وهو الجاهل. والبعض فهم الوصايا بأنهما سيأتي في الأبيات القادمة. والبعض يقول: لا، الوصايا هنا يقصد بها آآ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم التي خصنا بها عليه الصلاة والسلام عن سائر الأمم السابقة.
ولربما الذي يساهم في هذا المعنى الثاني أن الوصايا هي إرشادات النبي عليه الصلاة والسلام، قول ابن الوردي: اسمع وصايا جمعت حكماً خصت بها خير الملل، أن هناك وصايا تجمع الحكم، هذه الحكم اختصت بها الأمة المحمدية والملة المحمدية خير الملل. يمكن شخص يقول: إذاً هذه الوصايا التي ستأتي معنا وسيذكرها ابن الوردي بعد ذلك لا أراها مختصة بالأمة المحمدية، اه، فإذاً لابد أن نفسر الوصايا ليس الأبيات القادمة بل وصايا النبي صلى الله عليه وسلم.
يمكن شخص يقول: لا، هو يقصد بالوصايا فعلاً الأبيات التي ستأتي معنا بعد ذلك، وقصده خصت بها خير الملل أي ملة الإسلام، ملة الإسلام وهذه ملة الإسلام هذه دين الأنبياء جميعاً ليست دين محمد صلى الله عليه وسلم فقط، ملة الإسلام هي دين الأنبياء جميعاً من آدم عليه السلام حتى محمد عليه الصلاة والسلام وعلى كل الأنبياء الصلوات والسلام. فقوله: أي بني اسمع وصايا جمعت حكماً خصت بها خير الملل.
الملل إذاً هي ملة الإسلام وفسرناها بالإسلام الذي كان لجميع ليس فقط لمحمد عليه الصلاة والسلام بل لكل الأنبياء السابقين، فبالتالي نعم، الوصايا التي ستأتي بعد ذلك من ابن الوردي هي وصايا امتاز بها دين الإسلام عن غيره من الأديان، وصايا امتاز بها دين الإسلام عن غيره من الأديان. فكل ما سيذكره ابن الوردي بعد يعتبره حكماً ووصايا اختصت بدين الإسلام الذي هو دين الأنبياء جميعاً، وأما الأديان الأخرى فلا تملك هذه القيم المثلى التي سيذكرها ابن الوردي.
ويمكن كما قلنا أن تفهم الوصايا بأنها وصايا النبي صلى الله عليه وسلم التي خصنا بها أي بالامة المحمدية، فهذا فهم وهذا فهم، والله تعالى أعلم بمقصده، لكنه عموماً يرشدك يقول: اسمع وصايا جمعت حكماً خصت بها خير الملل. لو أننا فهمنا أن الوصايا هي ما سيذكره بعد ذلك من الأبيات يكون شيئاً جيدا، فدعونا نعتبر أن هذا المعنى هو المراد، أن مراده بالوصايا ما سيذكره لك من الإرشادات والنصائح بعد هذا البيت مباشرة.
هذه هي الوصايا المقصودة هنا، ويخبرك أن هذه وصايا يعني حتى يحفزك لسماع هذه الوصايا التي ستأتي معك يحفزك يقول لك: هذه الوصايا فيها حكم خصت بها ملة الإسلام عن غيرها من الأديان والملل. ما هي هذه الوصايا؟ دعونا ننتقل مع ابن الوردي لنتعرف عليها. انظروا أول وصية، وصية تخصكم يا طلبة العلم: اطلب العلم ولا تكسل فما أبعد الخير على أهل الكسل.
نصيحة وردية من الإمام ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه، يقول لك: اطلب العلم. خاطبك بالبنوة قبل قليل: يا بني اطلب العلم. اسمعوا من أبيكم، اسمعوا هذا التوجيه الأبوي الوردي من إمام عظيم يقول لكم: اطلبوا العلم ولا تكسلوا ولا تعجزوا ولا تركنوا إلى لهو الحياة الدنيا وإلى عبثها. اطلب العلم ولا تكسل، إياك أن تكسل في هذه الحياة الدنيا، نعم قد تفتر الهمم، لكن إياك أن تبتعد عن طلب العلم.
فطلب العلم هو شرف الإنسان، هو قيمة الإنسان، هو سبيل النهضة، هو سبيل التقدم، هو سبيل الإنجاز. اطلب العلم، وأشرف العلوم العلم الشرعي، لكن هنا أنا سأعمم: اطلب العلم، أن يكون إنساناً متعلما، سواء في العلم الشرعي أو في علوم العربية أو في العلوم الإنسانية عموماً أو في علوم الطبيعة أو في علوم الهندسة أو في علوم الطب. اطلب العلم، كن إنساناً نشيطاً باذلا، اكتشف، اخترع، أنجز، قدم، اصنع دواءً، حل معضلة اجتماعية، كن إنساناً طالباً للعلم، طلابة للعلم. ابن عساكر أحبتي
الإمام الكبير كان يلقب آآ بشعلة نار في بغداد، لأنه كان دائماً طلابة للعلم يقيم درساً هنا ودرساً هنا، ومن مجلس علم إلى مجلس علم، فكان دائماً يشعر الناس حماساً وتوقداً لطلب العلم. وكثير من الأئمة وصفوا بهذا الوصف أنهم كانوا طلابة للعلم، وهذه مبالغة. فرق بين طالب علم وطلابة للعلم، طلابة يعني إنسان كثير مدمن في طلب العلم، وليس مدمناً للمنكرات والذنوب، إذن اطلب العلم ولا تكسل، فما أبعد الخير عن أهل الكسل.
ما أبعد الخير، ما أبعد الفلاح، ما أبعد الإنجاز، ما أبعد الشرف عن الكسلاء. أي والله، الكسالى أحبتي بعيدون عن الشرف، لا يمكن أن ينظر الناس إليهم بنظرة الاحترام والتقدير، فضلاً أن يكون لهم بصمة في دين الله سبحانه وتعالى وبصمة في تاريخ أمتهم. الإنسان أحبتي يبحث عن شرف الدنيا والآخرة، يبحث عن البذل في الدنيا وفي الآخرة، يحب أن يقدم شيئاً للناس، يحب أن ينجز، يحب الخير للناس، يحب أن يضع شيئاً في هذه الحياة الدنيا قبل أن يطوى تحت الثرى.
وهذا الغرس وهذا البذل وهذا العطاء لا يكون إلا بطلب العلم أولاً، لا يمكن لإنسان جاهل أن يغرس، أن يضع بصمة، أن يقدم شيئاً ينهض بالأمة. اطلب العلم ولا.
ما الذي يدعوك إلى الكسل؟ ما الذي يدعوك إلى النوم واللهو والعبث؟ ما الذي يدعوك للجلوس أمام وسائل التواصل الاجتماعي ساعات وساعات؟ ما الذي يدعوك للتفرج والنزهة والضحك والعبث والأمة الآن تحتاج لكل طاقات أبنائها؟ تحتاج للعالم الشرعي أولاً، تحتاج طلاب العربية، تحتاج لطلاب الهندسة، لطلاب الطب، لكل الأطباء، لكل المتخصصين، لكل العلماء في الفيزياء والكيمياء، لكل الأيدي، أن تشترك مع بعضها البعض في إيجاد نهضة حقيقية لهذه الأمة.
نحتاج تكافلاً، نحتاج بناءً، نحتاج عمل، لا نحتاج إلى كسل، لا نحتاج إلى الإنسان الذي همه فقط أن يأخذ لقمة العيش ثم يذهب إلى دنياه ليتمتع بهذه اللقمة. نحن نبحث عن أناس أصحاب طموح، أصحاب همم، أصحاب عزائم، أصحاب قمم، يريدون الوصول بهذه الأمة إلى أعالي الجبال، يريدون النهوض بها، يريدون أن يغيروا هذا الواقع إلى واقع أفضل، إلى واقع يرضي الله سبحانه وتعالى. اطلب العلم ولا.
فما أبعد الخير عن أهل الكسل، واحتفل للفقه في الدين. بعد أن طلب منك أن تطلب العلم عموماً بمختلف مسالكه، اهتم بالشرعي لأنه أشرف العلوم ولأن الحاجة إليه ماسة، فبذهاب العلم الشرعي ذهاب الدنيا والآخرة. احتفل احتفل بمعنى اهتم، واحتفل فلان بالشيء اهتم به. احتفل للفقه في الدين ولا تشتغل عنه بمال خول، تقول لك اهتم بالتفقه في دين الله سبحانه. والتفقه في دين الله أحبتي ليس فقط لطلبة العلم، أنا أتعجب من بعض الناس يقول دورة شرعية خلاص هذا الأمر يعني يتعلق بطلبة العلم.
أحبتي، تعلم الأخلاق والآداب، وتعلم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وتعلم العقائد وفقه الحياة، هذا ينبغي لكل مسلم، لطالب الهندسة والفيزياء والكيمياء والعربية والتربوي، كل هؤلاء يحتاجون إلى تصحيح عقائدهم، إلى تعلم فقه حياتهم، إلى تصحيح مسالكهم الأخلاقية والتربوية والمنهجية في حياتهم. فمجالس التفقه ومجالس التعلم في دين الله إياك أن تظن أنها لطلبة العلم الشرعي فقط، بل هي لكل مسلم يريد أن يقدم لهذه الأمة، عليك أن تهتم بإصلاح عقيدتك، عليك أن تهتم بفقه حياتك، عليك أن تهتم بسلوكك وأخلاقك، ثم بعد ذلك انطلق في ميادين العلم والمعرفة المختلفة، لا غبار على ذلك، لكن المهم اهتم بدين الله.
اليوم للأسف ثقافة التعليم الشرعي، ثقافة نشر الوعي الشرعي اصبحت ضعيفة جداً جداً جداً، تقول لإنسان مجلس علم، يستهين بك، يقلل من هذا الأمر، يقول اذهب أنت تطلب العلم عنا وعلمنا، يعني عندهم هذا الاستهتار، وفي الحقيقة إذا بقينا نفكر هاي الطريقة أن نتعلم العقائد والسير والآداب والأخلاق هذا فقط من مسلك المتخصصين وليس من دائم الناس عموماً، فاعلموا أن النهضة ستتأخر، اعلموا أننا سنتأخر كثيراً عن ركب الحضارة، لن نعود إلى بناء أمة جديدة متينة قوية متماسكة حتى يصبح العلم الشرعي ثقافة مجتمع، حتى يصبح هناك اهتمام عام بين الناس في تعلم العلوم الشرعية.
نعم، لا يطلب منك أن تكون متخصصاً في الفقه أيها العامي، لا يطلب منك أن تكون واقفاً على دقائق الاعتقاد، هذه دعها للمتخصصين، لكن المطلوب منك أن تعرف العقيدة التي تدين بها ربك سبحانه وتعالى، أن تعرف كيف تعبد الله على بصيرة، أن تعرف الآداب ومكارم المروءات، نعم عليك أن تعرفها وأن تتعلمها وأن تجلس بين يدي العلماء وبين يدي أهل العلم لتقوم نفسك، لتقوم سلوكك حتى تعظم هذا العلم، وحتى تعظم الله عز وجل، عليك أن تدرس، عليك أن تتعلم هذا الدين.
فأحبتي أقولها مرة أخرى، لن تكون هناك نهضة حقيقية لهذه الأمة حتى يصبح العلم الشرعي ثقافة مجتمع، حتى يكون الناس عموماً عندهم واهتمام بهذا الدين، اهتمام بالتفقه في دين الله سبحانه وتعالى وبتعلم شرائعه وشعائر هذا الدين العظيم، لابد من هذا الأمر، لذلك لابد أن تنتشر المجالس العلمية الشرعية في المساجد وفي دور التحفيظ وفي المعاهد الشرعية وفي أماكننا العامة، نعم حتى في المدارس وفي أماكن العمل تكون هناك حلقات تعليم في داخل بيوتنا الأسر، كل أسرة عندها مجلس في التعرف على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، في التعرف على فقه الحياة، في سماع محاضرات دينية لعالم رباني، لابد من هذا الوعي، لابد من انتشار هذه القضية.
وإياكم من الكسل، ثم بعد ذلك نتباكى على حال أمتنا على وسائل التواصل، أي والله إن هذا الشيء ليدميني، أجد الناس يتباكون على حال هذه الأمة على وسائل التواصل، ثم إذا طلبت من أحدهم أن يحضر مجلس علمياً أو أن يسمع محاضرة فكرية أو أن يوعي نفسه ومجتمعه، كسول، لا يريد أن يتعب، يريد أن تنتصر هذه الأمة وهو نائم في بيته، يريد أن تتقدم هذه الحضارة وهو يأكل ويشرب ويلهو مع الناس ومع اللاهين ويضحك إلى ساعات من الليل.
ثم إذا قلت يا فلان هل حضرت المحاضرة؟ هل تعلمت؟ والله يا شيخ هناك ظروف تمنعني من طلب العلم، والله يا شيخ هناك بعض الالتزامات العائلية، والله ولعوا أعذار المتكررة وحب الدعة والكسل، أنا أدرك أن كثير من الأعذار أعذار واهية، لكن نحن نحب الكسل، نحن نحب العبث، نحن نحب الفرجة والتنزه، لا نعرف نجلس على كتبنا وعلى علومنا وعلى تراثنا نتفحص، نحقق، نحفظ، نسمع، نوسع، لا نريد ذلك، نريد السلامة ونريد الدعاء ثم نتباكى على حال أمتنا.
أخي الكريم، إياك أن تتباكى على حال أمتك وأنت جزء من المشكلة، الذي يبكي على حال الأمة هو الذي يقدم، هو الذي حاول أن يبذل وأن يفعل وسعه، ثم بعد ذلك استفرغ الطاقة فلم يستطع أن يحقق شيئاً، نقول نعم أبكي على حال الأمة، لا ضرر عليك في ذلك، لكن أن تكون إنساناً كسولاً نائماً عابثاً لاهياً تركن إلى الدعة والكسل، ثم إذا حضرت مجلس علم حضرت في البداية وقصرت في النهاية، ولا لا يوجد عنده قدرة على الاستمرار وعلى التواصل، فاعلم أنك أنت جزء من المشكلة، فاياك أن تلقي دائماً المشكلة على غيرك.
إذا واحتفل للفقه في الدين ولا تشتغل عنه بمال وخول، واهجر النوم وحصله فما يعرف المطلوب يحقر ما بذل. عظيم جداً من أبيات لميت ابن الوردي، هذا البيت والذي يليه من أحب أبيات هذه المنظومة إلى قلبي، أي والله. يقول لك واهجر النوم، النوم أطنعش ساعة وتلتاشر ساعة والاستجمام المستمر، يعني النوم ليس فقط أن تنام، قد يكون الاستجمام داخل في مسمى النوم عموماً، واهجر النوم واهجر الاستجمام والراحة. واهجر النوم وحصله، أي حصل العلم، فالضمير في حصنه يعود على العلم، واهجر النوم وحصله، فمن يعرف المطلوب يحقر ما بذل، أي والله، من عرف قدر العلم ولذة العلم وشرف العلم يحقر كل ما يبذله من أجل تحصيله، علماؤنا الكبار الذين سافروا في أقطار الأرض بحثاً عن حديث نبوي وعن إسناد واحد وعن كلمة واحدة، ما الذي جعلهم يحتقرون
كل هذا الجهد الذي بذلوه، عالم كبير يقطع فيافي والصحاري وينتقل على دابة واحدة لا يدري من سيلقاه في هذا الطريق من الدواب والسباع ومن قطاع الطرق، ويغامر بروحه وحياته ومهجته ومهاجه من أجل أن يصل إلى حديث، من أجل أن يصل إلى سند. ما الذي يجعلهم يحتقرون كل هذه الجهود؟ أنهم يعلمون شرف ما يحصلون، إي والله يا طالب العلم، تريد الهمة العالية، عليك أن تعرف قدر العلم قبل أن تلج فيه، اعرف قدر العلم ستبذل كل شيء من أجل تحصيله، فستسهر الليالي إي والله، وستظمئ نهارك وتتعب وتكد وتذهب إلى حلقة الشيخ وتقف، والشيخ غاب اليوم وغاب يومين في المجلس الثالث ثم غاب، تواصل، تلتزم الشيخ، أطال علينا في المحاضرة تجاوز القدر المطلوب، ما في مشكلة وواصل؛ لأنه أريد أن أتعلم، أريد أن أصل إلى هذا العلم الشريف.
نعم، الإنسان الذي يجد بنفسه تململ وكسل وعدم رغبة في العلم هو الذي لم يعرف العلم، لم يعرف هذا شرف العظيم. والله أحبتي كما قال ابن عباس: همان لا يشبعان، طالب علم وطالب مال. كما أن طالب المال لا يشبع من المال، تجده يستيقظ في الصباح نشيطا يأخذ السيارة وينطلق بها إلى سوق العمل إلى تجارته، ولا ينام الليل وهي يفكر في هذه التجارة، كما أنه طالب العلم كما كان منهوما بماله، فطالب العلم ينبغي أن يكون أيضا منهوما بالعلم، هذا طالب العلم الذي يعرف قدر العلم، تجد عنده النهم، تجد عنده الشوق، العشق، لا يعرف أن ينام ولا أن يستيقظ إلا والعلم في ذهنه يجول في خاطره.
هؤلاء هم الذين يعيشون رحلة العشاق، أنا دائما أسمي رحلة الإنسان في طلب العلم الشرعي رحلة العشاق؛ لأنها رحلة عشق بين طالب علم وكتبه ومشايخه وأصدقائه في رحلة التعلم. نعم، هي رحلة لا يخوضها عاشق، لا يحيى في ثناياها إلا محب، ومن يعرف المطلوب يحقر ما بذل، لن تتضجر من غياب الشيخ، لن تتضجر من طول المحاضرات، لن تتضجر من الوقوف على باب شيخ ساعات وساعات، كما كان يقف السلف الصالح على باب أشياخهم ساعات.
الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه، هل تظنون أنه أصبح عالما وإماما لدار الهجرة وهو نائم في بيته؟ أم كان يقف على أبواب الأئمة، على باب ابن شهاب الزهري وعلى أبواب غيره من العلماء يتعلم؟ حتى تأتي الريح عليه وتصيبه الشمس وتصيبه الحرارة وتصيبه الرمال في المدينة الرمال المحرقة. المهم أن مالك بن أنس وغيره من الأئمة الكبار تعبوا وكدوا حتى وصلوا ولم يلتفتوا إلى هذا التعب، لم يقولوا والله نحن تعبنا من أجل تحصيل هذا العلم، ما أحد امتن على هذه الأمة بالتعب! ما أحد امتن على طلبته بالتعب؛ لأنهم يعلمون أن هذا التعب كان لصالحهم هم قبل أن يكون لصالح أمتهم. نعم؛ لأنهم يعرفون قدر العلم وشرف هذه الشريعة المحمدية، فما بال بكل ما أصابهم في سبيل الله؟ وما خوفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين.
إذا واهجر النوم وحصله فما يعرف المطلوب يحقر ما بذل، إي والله. لا تقل قد ذهب أربابه، كل من سار على الدرب وصل، بيت فخم جدا فخم جدا جدا. لا تقل قد ذهبت أربابه، هذه دعوة منتشرة اليوم بين العوام وبين طلبة العلم، ذهب العلماء، ما بقي عالم في هذه الأمة، إذا لماذا نطلب العلم؟ كيف نطلب العلم؟ التحجج للكسل، إيجاد مبررات للعجز والنقص والملل والنوم فقط، نتحجج دائما بعدم وجود العلماء، لا تقل قد ذهب أربابه، يقول لك ابن الوردي إياك أن تتحجج بهذه الحجة وتقول ذهب أهل العلم وذهب العلماء وذهبت مجالس التعليم الشرعي، ماذا أتعب نفسي في هذا العلم؟ وماذا سأحصل إذا كان الناس انصرفوا عن هذا العلم؟ كل من سار على الدرب وصل.
نعم إياك أن تتحجج وأن تبرر لنفسك الكسل والنوم واللهو والعبث بذهاب العلماء، كل من سار على الدرب وصل، هذا البيت أصبح مثلا مشتهرا بين العلماء، لا تقل قد ذهب أربابه كل من سار على الدرب وصل، أي إنسان يضع قدمه على الطريق ويبذل ويتعب والله ليصَلَّنَّ بإذن الله ولو بعد حين، ستصل، كل من سار على الدرب وصل، من تعب وعض النواجذ على طريق العلم، قبض على الجمار على طريق العلم سيصل، لكن الأمر يحتاج إلى الصبر وإلى صحبة أستاذ وطول زمان كما قال الشافعي.
أي إنسان يريد أن يصل إلى الشرف عليه أن يضع قدمه على بداية الطريق وأن يصبر على لأواء الطريق، أن يصبر على الصعوبات وأن يتجاوز العوائق وسيصل في النهاية بإذن الله، حتى ولو لم يصل، وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، يكفي أن أموت على طريق، يكفي أن أموت متعلما، إي والله أنه لشرف عظيم حتى ولو لم أصل أنني مت وأنا على هذا الطريق، لكن الله عز وجل بإذن الله عباده على مدار هذا الطريق بتحصيل كثير من المعارف، وكل ما قطع الانسان شوط أكبر في طريق العلم كلما حصل معارف أكبر وأكبر.
كل من سار على الدرب وصل، هذا البيت يعجبني جدا؛ لأنه يصور الواقع الذي نحياه، كثير من الطلبة عنده تململ من قلة العلماء ومن قلة المدرسين ومن قلة الاهتمام بالعلم الشرعي ومن كثرة المحاربة له واستهزاء العوام به، فتجد عنده تضجر وقلق وخوف من الاستمرار في هذا الطريق. أحبتي طريق العلم الشرعي هو طريق الشرفاء، طريق لا يكمله ولا يسير فيه حق السير إلا إنسان أراد الله سبحانه وتعالى أن يشرفه بإذن الله، هذا طريق الشرفاء، طريق الشرف، طريق الرفعة، لكن يحتاج إلى صبر.
نعم، أن يشد بعضنا أزر بعض، أن نتواصى بالصبر على هذا الطريق، وأن نتواصى بالحق، وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ. نعم، طريق طلب العلم الشرعي طريق طويل، فيه تعب، فيه نصب، ليس طريق مفروش بالورود، نعم قد تفقد العلماء في بعض المناطق، لكن تجد الحمد لله وسائل التواصل والآن أصبحت تمكنك من الوصول إليهم، تفقد شيء تجد شيء آخر، الحلول كثيرة، لكن هناك من عنده عزيمة بحب الشرف وهناك لا يملك هذه العزيمة، وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ، لكن إياك إياك أن تكون بعيدا عن هذا الشرف، خض هذه الرحلة، رحلة العشاق بعشق ونهم وحب وتفان، وباذن الله سيكرمك الله عز وجل ولو بعد حين.
في ازدياد العلم إرغام العدى وجمال العلم إصلاح العمل، هذا البيت الأخير الذي نعلق عليه اليوم، وما زال ابن الوردي يرسم أهمية العلم في نهضة الأمم، أهمية العلم في حياة الإنسان عموما، قيمة الإنسان في التعلم، في المعرفة، في القراءة، في التدبر، في الترخيص، في الحفظ، هنا قيمتك تبرز، ليست القيمة في أن تجمع المال وأن تتأتى على شهوات الحياة الدنيا، بل قيمتك في العلم وفي المعرفة.
البيت الأخير حتى لا أطيل عليكم يقول فيه ابن الوردي: في ازدياد العلم إرغام العدى. حينما نطلب العلم وحينما نجلس في مجالس العلماء وفي مجالس المتقدمين من أهل العلم، نحن نرغم أعدائنا، نقهر أعدائنا، أعداؤنا أحبتي يرسمون لهذا العالم الإسلامي أن يبقى جاهلا، يريدون الناس أن تغرق مع شهواتها، لذلك أنظروا التلفاز، وسائل التواصل، أقبح الأفلام، المسلسلات تلو المسلسلات، خاصة في مواسم الخيرات، لم يرسم لنا الشهوات رسما، يرسم لنا الفساد رسما دقيقا؛ لأنه لا يريد منا أن نتعلم، لا يريد منا أن نقدم، لا يريد منا أن نكون علماء، أن نكون مثقفين، أن ينتشر الوعي العلمي والديني في هذه المجتمعات.
لذلك الحرب مع عدونا حرب معرفية علمية ثقافية، حرب فكر، ليست مجرد حرب أسلحة، حرب الفكر أخطر من حرب السلاح، لذلك الدعاة والعلماء وطلبة العلم حينما ينشرون هذا العلم هم يواجهون حرب شعواء يخوضها أعداء الأمة ضد هذا الدين، وأنت يا طالب العلم بقدر تمسكك بطلب العلم الشرعي وبقدر ثباتك على هذا، أنت ترغم أعداء الله وأعداء الملة المحمدية، أعداؤنا يحزنهم أن يروا طلبة العلم يلتفون حول مشايخهم ويطلبون العلم.
العلم يسهرون الليالي ويحفظون القرآن ويحفظون آآ المتون والمختصرات والألفيات، اي والله يحزنهم. يدركون أن مجالس العلم ومجالس العلماء ستخرج جيلاً جديداً يمحو ذاك العار الذي لحق بهذه الأمة، ويبني صرحاً ومستقبلاً مشرقاً. لذلك والله أنهم ليهابون من مجالس.
إن لا يهابون من الكلمات العاطفية التي تخرج هنا وهناك، لا يهابون من الشعارات البراقة التي ترفعها بعض الجماعات هنا وهناك، يخافون من مجالس العلم، من محاضن التعليم الشرعي. لذلك دائماً يسعون إلى إغلاق هذه الأبواب، إلى إغلاق النوافذ، يسعون دائماً إلى التحجيم على أي عمل شرعي يفقه الناس ويوعي الناس ويرشد الناس، يخرجهم من الظلمات إلى النور، لأن الوعي الشرعي هو أخطر شيء على مسيرة كالعادة.
نعم، مسيرتهم معنا يحكمها واقعنا، إذا بقينا في هذا الجهل وبقينا تحكمنا العواطف والشعارات البراقة والعمل الذي لا، سنبقى ضعفاء وسيبقى أعداؤنا يهزؤون بنا، لكن متى بنينا الوعي؟ متى نشرنا الفكر؟ متى صنعنا عالماً ربانياً وطالب علم، وصنعنا عامياً مثقّفاً حينئذ سيهابنا أعداؤنا، في ازدياد العلم إرغام العداء.
ثم ختم فقال أو نختم فنقول ولم يختم بعد، جمال العلم إصلاح العمل. العلم جماله ليس أن تطرز به ديباجة الدكتور فلان الفلاني، لا لا، ليس هذا جمال للعلم، ليس جمال العلم أن تبحث عن جمهور يصفق لك على وسائل التواصل الاجتماعي، لا ليس.
ليس جمال العلم أن تباهي به الأقران وتفاخر به الناس، وأن تحب أن يشير الناس إليك، فلان ما شاء الله عالم حافظ ما شاء الله يحفظ الألفيات، ليس هذا جمال العلم، ليست هذه الجماليات التي يبحث عنها الشرفاء، إنما جمال العلم أن تتبعه بالعمل، أن يكون العلم قائداً لك للعمل به.
والعلم الذي مدحه الله في كتابه فقال: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ، العلم الذي مدحه النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه، العلم الذي امتدحه الصحابة والتابعون والسلف، وذكروه وأثنوا على أصحابه.
أي علم أنه العلم الذي يورث العمل، العلم الذي يورث صاحبه عملاً، هذا هو العلم الذي يمتدح ويثنى عليه. أما العلم الذي يكون مجرد كتب تحفظ وأقلام لم تسطر ثم ننظر في واقع هذا العالم فإذا هو بعيد عن هذا الدين، فإذا هو على أبواب السلاطين، إذا هو ممن يبيع له بعرض من الدنيا بخس، هل هذا هو العلم الذي نبحث عنه؟ كلا والله.
العلم الذي نبحث عنه هو العلم الذي يتبعه العمل وجمال العلم إصلاح العمل، من جمع بين العلم والعمل هو العالم الرباني الذي يستحق الاحترام، يستحق التقدير، يستحق التبجيل وأن تثني الركب بين يديه.
ليس ذاك العالم الذي يتسول على أبواب السلاطين يقتات عليهم، كلا ليس ذاك العالم الذي آآ تغره الاضواء والجماهير ويرفعونه على أكتافهم وهو في النهاية رجل باحث عن شهرة، باحث عن صيت، وليس باحث عن زراعة وعي، عن غرس فكر، عن صناعة تاريخ، كلا، العلم النافع هو العلم الذي يورث عمله.
كان صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم إني أسألك علماً نافعاً. قال العلماء العلم النافع هو العلم الذي يورث العمل، وتذكروا لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته.
نلقاكم في مجلس آخر من مجالس غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل