غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح لامية ابن الوردي للشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله الذي علم بالقلم، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح لامية ابن الوردي؛ نصيحة الإخوان ومُرشدة الخِلان. هذه المنظومة الأدبية الرائقة التي توقفك يا طالب العلم على معاقد الآداب ومفاصلها لتلتزمها في حياتك العلمية والسلوكية، وفيها الإرشادات الكبيرة والكثيرة والتي تعم جميع جوانب حياة طالب العلم والمسلم عموماً. فهي تحثك على أن تكون إنسانًا عزيز النفس، راقي الأخلاق. تحثك على أن تكون إنسانًا جادًّا، عاملًا، منجزًا، هاجرًا للنوم والكسل. تحثك على أن تكون إنسانًا عصاميًّا تبني نفسك وفكرك وروحك وعقلك على مدار هذه الحياة.
كثير من النصائح بثها ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه في ثنايا هذه المنظومة الرائقة، لذا ينبغي علينا أن نهتم وأن نحرص على أن نتعلمها وأن نعلمها لأبنائنا منذ الصغر. هذا كان دأب العلماء والناس عموماً في التاريخ الإسلامي؛ من كانوا يهتمون بتعليم أبنائهم الآداب والأخلاق والسلوك منذ نعومة الأظفار. أما ما يفعله بعض الناس اليوم فإنهم يتركون الصبيان على حالهم حتى يكبروا، ويقول: يا شيخ ما زالوا صغاراً، دعهم يلعبون، دعهم يتصرفون على الطرائق التي يرضونها، ثم في المستقبل يعرفون خطأ هذه الأمور! كلا والله، ينبغي على الأب وعلى الأم وعلى الأسرة أن توجّه الأبناء منذ نعومة الأظفار على الطرائق الصحيحة في التصرف، وعلى المناهج القيمة في الحياة. وإلا إذا كبر الابن وهو ضعيف في هذه الآداب، وخرج عن سيطرة أبيه وأمه، يصعب عليك أن تلقنهم بعد ذلك كل هذه الأخلاق والسلوكيات الصائبة.
لذلك، كما قلنا، علينا أن نحرص على أن نغرس الآداب والأخلاق والسلوكيات الرشيدة في أبنائنا منذ صغرهم. علينا أن نبنيهم فكراً وعقلاً، وألا ندعهم أمام وسائل التواصل الاجتماعي، ألا ندعهم أمام الألعاب وأمام ما يحدثه هذا العصر من التكنولوجيا في أمور اللهو والعبث. بل علينا أن نضبط الأمر، وأن نكون منتبهين لما يحيكه أعداء الأمة لهذه الأمة في أجيالها وأبنائها وحاضريها ومستقبلها. على الأب والأم أن يكونوا في أعلى درجات الانتباه والتيقظ لكل ما يفعله الابن، ولكل الأمور المستجدة التي يدخل عليها أبناؤنا في العالم الافتراضي واللكترونيات وغير ذلك، حتى لا نفقد أبناءنا ثم نعد أصابع الندم على ذلك.
المهم، دعونا نعود إلى ابن الوردي ونكمل معه هذه الرحلة في ثنايا هذه المنظومة الرائقة. بعض الإخوة الذين ربما يسألون بالنسبة للمجلس السابق عن بعض الكلمات ربما قفزنا عنها ولم نشرحها، بعض المفردات؛ يقولون في البيت السابع عشر قول ابن الوردي: أين من شادوا وسادوا وبنوا؟ هلك الكل ولم تغنِ القلل. ما معنى القلل؟ القلل هنا جمع قلة، والمراد منها القصور هنا، القلة جمع قلة والمراد منها القصور الكبيرة الفخمة، فلم تغنِ عن هؤلاء قصورهم، بل ذهبوا وداسهم الموت كما داس غيرهم.
كذلك في البيت الثاني والعشرين حين قال ابن الوردي: واحتفل للفقه في الدين ولا تشتغل عنه بماذا وخول. ما المراد بالخول؟ الخول أحبتي هم الخدم الذين يخدمونكم في بيوتكم. والنبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث أبي ذر حينما تكلم عن وجوب الإحسان إلى العبيد وإلى الإماء وألا يحملهم الإنسان ما لا يطيقون -وكانت هذه الظاهرة منتشرة في المجتمع النبوي وفيما بعدها من المجتمعات، قضية وجود العبيد والإماء في بيوت الناس- النبي صلى الله عليه وسلم وجه الصحابة فقال: هم إخوانكم وخولكم، أي خدامكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم، وليلبسه مما يلبس، إلى آخر الحديث. فالخول إذاً معناها الحشم والخدم الذين يخدمون الإنسان ويقومون على أمور حياته.
في ختام الأبيات، أو في ختام المجلس السابق، كانت الأبيات تدور حول أهمية طلب العلم، ونبهنا على هذه النصيحة الوردية العالية جداً التي وجهها الإام ابن الوردي إليكم؛ أهمية أن يكون الإنسان متعلماً في هذه الحياة، يبحث عن المعرفة، عن الإنجاز، عن العلم، عن التقديم، أن يترك بصمة في تاريخ أمته، ألا يكون إنسانًا كسولاً عابثاً لا يبحث فقط عن شهوة بطنه وفرجه، وأن يلهو مع اللاهين، ثم بعد ذلك بعد مرور الأيام والاعوام يطوى بحفرة تحت التراب، ماذا قدم؟ إذاً ولا شيء! هذا لا يصلح بالمسلم، صاحب المروءة، صاحب النفس العالية والهمة والعزيمة الماضية. قال لكم ابن الوردي: اطلب العلم ولا تكسل فما أبعد الخير على أهل الكسل، واحتفل للفقه في الدين ولا تشتغل عنه بمال وخول، واهجر النوم وحصله فمن يعرف المطلوب يحقر ما بذل، لا تقل قد ذهبت أربابه، لا تقل ذهب أهل العلم ولم يبقَ منهم معالم ولا مراسم، كلا، كل من سار على الدرب وصل، في ازدياد العلم إرغام العدا وجمال العلم يا صاح العمل.
مما خطر في ذِهني وسَنَحَ في خاطري قصة إمام عظيم كان صاحب همة عالية جداً في طلب العلم؛ هذا الإمام هو الإمام بقية بن مخلد. هذا الإمام أحبتي خرج من ديار الأندلس، خرج بحثاً عن العلم وعن المعرفة، سمع أنه في بغداد هناك حبر كبير يرحل إليه الناس لطلب الحديث، وهو أحمد بن حنبل. فبقية بن مخلد أراد أن يحصل العلم والمعرفة، خاصة أن الأندلس لم يكن قد اشتهر فيها علم الحديث بعد.
فخرج بقية بن مخلد على قدميه، على قدميه خرج من الأندلس باتجاه المغرب الإسلامي، ثم يعني طبعا قطع ربما بسفينة أو ما شابه ذلك باتجاه المغرب، ثم من المغرب سار على قدميه باتجاه بغداد. رحلة شاقة، متعبة، مخيفة؛ كان ينزل في تونس، ثم في ليبيا، ثم في مصر، ثم تجاوز من خلال فلسطين، مر بالأنردن، ثم مر إلى حتى وصل إلى العراق. رحلة طويلة شاقة استمرت معه أشهر وأشهر؛ ينام في البراري، يستيقظ، لا يعرف ما الذي ينتظره في قابل الأيام، ينزل في بعض القرى والمدن يسمع من أسيّاخها، لكن همه مرتبط ببغداد، ما خرج من أندلسي على قدميه إلا ليلقى الإمام أحمد بن حنبل ليعود من عنده ببضاعة علمية غزيرة يذهب بها إلى بلد الأندلس مرة أخرى لينشرها.
بقية بن مخلد أحبتي يقول عن نفسه: إني خضت رحلة طويلة شاقة على قدمي، لا يوجد دابة، لا يوجد شيء يحمله، كان فقيرًا معدمًا. وبعد أشهر وأشهر من السفر ليل ونهار وصل إلى بغداد، لكن ما المشكلة الكبرى التي واجهته في بغداد؟ حينما وصل بغداد كان الإمام أحمد بن حنبل تحت الإقامة الجبرية بسبب فتنة خلق القرآن، قبل أن يأتي المتوكل ويفض غبار هذه الفتنة، كان أحمد بن حنبل تحت الإقامة الجبرية، ممنوع يقابل الناس، ممنوع من التدريس، وأي إنسان يذهب إلى بيت أحمد بن حنبل يتعرض لأشد أنواع العقاب.
بقية بن مخلد وصل إلى بغداد، دخل إلى مسجد بغداد وجلس فيه؛ إنسان غريب لا يعرف أحدا في تلك الديار، فجلس يوما في المسجد وكانت المساجد في أيامه مفتوحة للمغتربين، أي إنسان ينام في المسجد يحيا فيه حتى يقضي حاجته ويعود. فبقية بن مخلد أحبتي نزل في مساجد بغداد وبقي يوماً ثم يومين ثم ثلاثة أيام، فرآه رجل من أهل بغداد، رجل الظاهر أنه الرجل كان يراقبه أو كان متيقظاً لحال بقية بن مخلد، فحينما رآه يوماً ثم يوماً ثم يوماً أحب أن يسأل وأن يطمئن إلى حال هذا الغريب، قال: ومن أنت؟ قال: أنا رجل من أهل الأندلس، اسمي كذا وكذا، اسمي بقية بن مخلد. فقال له هذا الرجل البغدادي: ما الذي أتى بك إلى هذه الديار؟ فقال: أتى بي طلب العلم، وسمعت أن هناك عالماً كبيراً يرحل إليه الناس هو أحمد بن حنبل، فقال له هذا الرجل: إياك أن تخبر أحداً من الناس أنك أتيت لتقابل أحمد بن حنبل.
فبقي بن مخلد سأل هذا الرجل: لماذا لا أقول ذلك؟ ليس عالماً كبيراً من علماء بغداد. فأخبره هذا الرجل بالخبر، وقال له: إن أحمد بن حنبل الآن موضوع تحت الإقامة الجبرية، ولا يسمح له أن يقابل الناس.
بقي بن مخلد تأسف وحزن بعد كل هذه الرحلة، تجشّم مع عناء التعب على قدميه من الأندلس غرباً حتى وصل إلى بغداد شرقاً، ثم بعد ذلك لا يقابل أحمد بن حنبل! فقال: والله لأقابلنه مهما كان الثمن. بقي بن مخلد في الليل أخذ أغراضه ولف على وجهه شيئاً، ثم ذهب إلى بيت أحمد بن حنبل. الظاهر أنه سأل الناس: أين بيت أحمد بن حنبل؟ الناس تدله، لا يعرفه من هذا الرجل الغريب.
فذهب إلى بيت أحمد بن حنبل وطرق عليه الباب ليلًا. الإمام أحمد بن حنبل فتح الباب، قال: من أنت؟ فقال له: رجل من أهل الأندلس أتى طالباً للحديث، وقد سمعت عنك وأحب أن أطلب العلم على يديك. فأحمد بن حنبل أشفق على حال هذا الشاب الذي قطع هذه الرحلة الشاقة الطويلة على قدميه من الأندلس ليلقى أحمد بن حنبل. فقال له أحمد بن حنبل ابتداءً: أيها الشاب، إنني تحت إقامة جبرية، وإنني أمنع –يعني بكلام بمعنى هذا الكلام– إنني تحت إقامة جبرية في منزلي، وإني منعت من أن أقابل الناس، وأي شخص يقابلني يؤذى من قبل السلاطين، وهناك شرطة منتشرة في بغداد تراقب بيتي. ألا أريد لك المضرة، وأريد أن تبقى سالماً وتعود إلى أهلك سالماً.
فبقي بن مخلد لم يعجبه هذا الحل من أحمد بن حنبل، مع أن أحمد بن حنبل كان يريد صالحه، فقال له: يا إمام، أتلبى لي هذا الطلب؟ فقال له الإمام: ماذا تريد؟ قال: آتيك الآن –انظر الحل الذي اقترحه بقي بن مخلد– وقال له: آتيك في كل يوم في لباس السائلين الذين يسألون الناس المال، كما يفعل بعض الناس اليوم للأسف من الفقراء الذين يتعرضون للناس في بيوتهم، يطرقون أبوابهم، يمدون أيديهم، يطلبون منهم الأموال. فقال بقي بن مخلد: آتي كل يوم في هيئة سائل فقير، أطرق عليك الباب فتفتح لي، فأقول لك: الأجر يرحمكم الله، الأجر يرحمكم الله، أمد يدي وأقول: الأجر يرحمكم الله، فأنت تدخلني إلى بيتك، تعطيني بعض الأحاديث بأسانيدها، وأكون أنا قد خبأت صحيفة في كمي، أخرج هذه الصحيفة وأسجل هذه الأحاديث ثم أخرج، أفعل هذا إلى أن يأتي الله سبحانه وتعالى بالفرج.
فأحمد بن حنبل أعجب بهذا الحال وقال: أنا موافق. فأصبح بقية ابن مخلد في كل يوم من الأيام يأتي في ثياب السائلين، ويطرق باب أحمد بن حنبل ويقول: الأجر يرحمكم الله، الأجر يرحمكم الله، فيخرج أحمد بن حنبل من منزله فيقول: تفضل أيها السائل، فيدخله أحمد إلى منزله فيعطيه مجموعة من الأحاديث من ثلاثة إلى أربعة، يخرج بقية بن مخلد الصحيفة من كمه يكتبها سريعا ثم يعود إلى مكانه.
استمر بقي بن مخلد على هذا الحال فترة من الزمن يفعل كل يوم مثل هذا الفعل، إلى أن أذن الله سبحانه وتعالى أن تفرج الأزمة عن الإمام أحمد بن حنبل، ويأتي المتوكل ويسمح لأحمد بن حنبل أن يقيم دروسه، وينفض غبار فتنة خلق القرآن، ويعيد لأحمد المكانة الكبرى التي كانت له في بغداد. فحينما عاد أحمد بن حنبل للتدريس في جامع بغداد، وكان في حلقة كبرى من طلابه، إذ ببقي بن مخلد يأتي إلى هذه الحلقة، فرآه أحمد بن حنبل قادما من بعيد فقال له: تعال يا بقي. فبقي يسير ويسير حتى أجلسه أحمد بن حنبل إلى مجلسه وقريبا منه، وأخبر الناس بخبره.
تعلموا كيف تكون الهمم، كيف تكون العزائم. حفظ له أحمد بن حنبل تلك الجدية في طلب العلم، خاطر بنفسه، خاطر بعمره، بوقته، بحياته من أجل أن يحصل العلم الشريف، ولم يعبأ بكل الأخطار وبكل المآزق وبكل العوائق التي وقفت أمام تحصيل العلوم الشرعية. انظروا يا أحبتي كيف كان بقي ابن مخلد يحمل همة عالية، لم يعبأ بأي شيء، دفع كل الثمن من أجل أن يحصل هذا العلم.
وعندما عاد إلى الأندلس، عاد بقي بن مخلد عاد إماماً عظيماً من أئمة المسلمين، يعود إليه الناس في علم الحديث، وينشر العلم في ربوع بلاده بلاد الأندلس. لو كان عندنا طلبة علم بهمة بقي بن مخلد، ما رأيكم كيف سيكون حال أمتنا؟ لو كان عندنا طلبة علم يعضون على صعوبات الحياة ويتجاوزون العوائق، أصحاب همم عالية، يحفظون المتون والالفية والمنظومات، ويسهرون في قراءة المصنفات والمطولات، ويلازمون أشياخهم ويتابعونهم، ويسيرون في هذه المدارس إلى أن يصبحوا علماء يرشدون الناس إلى درب السلامة والخير من دون أن يكونوا مأجورين إلى فلان وفلان، بالله عليكم كيف سيكون حال أمتنا؟
نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يهيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، ويحكم فيه بكتابه ويرفع فيه لواءه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. لن أطيل أحبتي، هذه قصة خطرت في بالي على قضية هجران النوم، وأن يبقى الإنسان نشيطاً عاملاً مهما كان الثمن، يبقى منجزا يقدم ما استطاع أن يقدمه لهذه الأمة، لننتقل مع ابن الوردي إلى مجموعة جديدة من الأبيات فيها آداب وحكم وتوجيهات ونصائح.
يقول ابن الوردي في البيت السادس والعشرين: جمل المنطق بالنحو فمن يحرم الإعراب بالنطق اختبل. ابتداءً أحبتي هناك إشارة: بعض الطلبة يقولون أنت يا شيخ أحيانا تقرأ الأبيات على طريقة مخالفة للنسخة التي بين أيدينا. في الحقيقة أبيات ابن الوردي لها نسخ عديدة، وفي ضبطها أقوال عديدة لأهل العلم، لذلك أنا ربما أقرأ من النسخة التي أعرفها وعهدتها وحفظتها في الطلب، فأنتم اقرأوا من النسخ التي بين أيديكم ما دامت نسخة محققة جيدة تابعها أهل العلم فاقرأوا من النسخ التي بين أيديكم، ولا أشكال في الاختلاف في إعراب بعض الكلمات ما دام المعنى صحيحاً، فهذا تنبيه لبعض الإخوة الذين يسألون عن سبب اختلاف الألفاظ بين روايتك يا شيخ وبين الرواية التي بين أيدينا.
المهم يقول ابن الوردي: جمل المنطق بالنحو فمن يحرم الإعراب بالنطق اختبل. ابن وردي هنا أحبتي ينبهكم ويرشدكم إلى أهمية اللغة العربية عموماً، وإلى أهمية علم النحو خصوصاً، وأن من المروءات أن يتعلم الإنسان العربية، وأن من المروءات أن يضبط الإنسان لسانه، فإن العربية أحبتي هي دين وهي هوية وثقافة وتاريخ وانتماء للماضي وللحاضر. نعم، العربية تعني لنا ديننا، تعني لنا هويتنا، تاريخنا ثقافتنا.
فتعلم العربية دين نتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى، وإقامة اللسان والابتعاد عن اللحن من مروءات الإنسان ومن كماله، ومن يستهين بلغته أحبتي فانه يفقد مروءته وانتماءه، بل هو في الحقيقة ينتقص من دينه وشرعته. لذلك كان المسلمون في فجر الحضارة الإسلامية يهتمون بتعليم أبنائهم النحو وبتقويم ألسنتهم، وكانوا يضربونهم على اللحن، حتى الطبقات العليا من الأمراء والملوك كانوا يأتون بمؤدبين لأبنائهم حتى يعلموهم التلفظ الصحيح والكلام الصحيح، حتى إذا خطب الأبناء في المستقبل وظهروا أمام الناس لا يكون لسانهم ثقيلًا لا يعرفون الفاعل من المفعول والمنصوب من المجرور والمرفوع من المجزوم.
كانوا يحرصون على أن يتكلم أبناء الملوك والأمراء بأحسن الكلام وأطيبه، وألا تحسب عليهم لكنة ولا لحن في الكلام، وهذا كان دأب ليس فقط كما قلنا الطبقة العليا، بل جميع طبقات المجتمع كانت تهتم بتقويم اللسان لأنهم كما قلنا يعتبرون ذلك ديناً وحضارة وانتماءً لإسلامهم ولعروبتهم. فالعرب كانوا يأنفون من اللحن أشد الأنف، لكن للأسف أحبتي اليوم الثقافة الغالبة والأمم الغالبة تفرض هيمنتها على الأمم المغلوبة. لما قهرنا أعداؤنا في جميع ميادين الحياة في الثقافة والاقتصاد والاجتماع حتى في الناحية العسكرية، معلوم من سنن التاريخ أن الأمم الغالبة تفرض لغتها وثقافة أمتها على الأمم المغلوبة، لذلك نجد الناس من أبناء المسلمين وأبناء العرب يتتابعون ويتدافعون على التكلم بلسان العدو.
على التكلم باللغات الأجنبية ولا يجدون أي حرج من اللحن في لسان العرب. لو طلبت من أحدهم أن يتكلم بجملة عربية صحيحة خالية من اللحن، يستهزئ بك ويقول: أنا لا أعرف أصلاً أكلم باللغة العربية، أنا تعودت على اللغة الإنجليزية وعلى لغات الأعاجم ورضاناتهم. لا يجد أي حرج في هذا.
التبجح بهذا التظاهر أنه اه سفيه في العربية ومتفنن في اللغات الأجنبية. برأيكم ما الذي سبب هذا الاعتزاز بلغة العدو؟ لماذا تجد يحرصون على أن يكون أبناؤهم متقنين للغة العدو ويزهدون بتعلمهم للعربية؟ هي ثقافة الأمم الغالبة. لذلك لما كان المسلمون أئمة الدنيا وأصحاب الحضارة، كانت الكلمة العليا لهم. فكان الأعداء هم الذين يتايعون على تعلم لساننا وعلى تعلم ثقافتنا وحضارتنا، لكن لما انقلبت الأمور انعكست الحكاية، أصبحنا نحن من نتدافع على أبوابهم لنتعلم لسانهم. لا إشكال أن يتعلم الإنسان اللغة الإنجليزية أو لغة الأجانب، الإشكال أن يفقد اهتمامه وانتماءه للغة العربية، أن يستهين بهذه اللغة، أن يقبل ما يقوله الأعداء عن هذه اللغة أنها لغة ضعيفة ولا تقبل التطور والتعايش مع الواقع. لأن طالب العلم للاسف أو المسلمون عموماً للأسف اليوم لا يدرك عظمة وفخامة وجلالة اللسان العربي، وعظمة هذه اللغة التي اختارها الله سبحانه وتعالى لتكون اللغة الخاتمة للشرائع.
نعم، هذه اللغة أنزل الله عز وجل بها كتابه الذي ختم به الشرائع، وبعث بها نبيه صلى الله عليه وسلم، لأنها لغة فخمة راقية عالية تستطيع أن تتوسع وأن تتضخم وأن تعايش كل المجتمعات وكل التولدات وكل اه التطورات في حياة الناس. هذا لا يوجد في أي لغة أخرى، لكن لا يدرك ذلك إلا من عاش مع هذه اللغة، عاش في أفيائها وفي ظلالها ونهل من معينها. ومن بان اللغة العربية ليست لغة العصر، وأننا يجب أن نهتم بلغة العصر آآ وأن نظهر للناس أننا نتكلم بألسنة الغرب، من يتعذر بهذه الأعذار الواهية وهو في حقيقة أحبتي يفقد انتماءه ومروءته وولاءه لهذا الدين وذا العروبة عموماً.
لذلك آآ يقول ابن الوردي هنا ويوجه نصيحة للناس جميعاً ولطلبة العلم خصوصاً، يقول: جملي المنطقة بالنحو. إياك أن تتكلم بكلام لا تفرقوا فيه بين الفاعل والمفعول وبين المنصوب والمجرور. لأن الكلام أحبتي متى فقد رونق النحو خرج ممجوجاً ترده القلوب والعقول. تخيل أنك تسمع خطيب جمعة، وهذا الخطيب لا يفرق بين منصوب ومرفوع ومجرور، كيف يكون وقع كلامه على قلبك وعلى عقلك اه وأنت تسمعه، ألا تشعر بالامتعاض؟ ألا تشعر كأنك تريد أن تقوم من هذه الخطبة ولا تريد أن تكملها، مهما كان كلامه بالغ القدر في الأهمية، يبكي على أحوال المسلمين وعلى المقدسات؟ لكنه حينما يتكلم يتكلم بلغة ركيكة ضعيفة، فإن النفس تمج هذه الخطب. والله أحبتي لا يقوى الإنسان على أن يججلس فيها ولا أن يسمعها.
هذا إذا كان الإنسان صاحب لسان عالي رفيع يدرك أن هذا الخطيب للأسف يخفض ويرفع كما يشاء. لا يمكن أن يجلس، لا يمكن أن تؤثر هذه الكلمات ويكون لها وقع في القلب. ولذلك أحبتي ابن الوردي يوجه نصيحة عامة لكم: جملوا منطقكم بالنحو. تعلموا النحو واحذروا من اللحن حتى يكون لكلامكم رونقاً في قلوب السامعين. جمل المنطقة بالنحو فمن يحرم الإعراب بالنطق اختبل. الذي يحرمه الله سبحانه وتعالى تعلم الإعراب وتعلم النحو، فيتكلم بكلام ساقط هذا لابد وأن يختبل في نطقه. الاختبال الخلل، يعني لابد وأن يكون في نطقه خلل خطأ اختبال، نحن لا يسير كلامه على الجادة. إذا أردت أن تتكلم بكلام على جادة العرب بكلام سليم فصيح، فعليك أن تهتم بدراسة علم النحو. هذه هي الرسالة التي يريد ابن الوردي أن يوجهها في هذا البيت.
وهنا تعجبني بعض التي نقلها الشريف مسعود الغناوي رحمه الله عليه في مدح علم النحو. يقول اه الشريف مسعود: ولله در القائل إذ يقول: النحو قنطرة الآداب، هل أحد يجاوز البحر إلا بالقناطير؟ إذا أردت أن تذهب إلى علم الأدب وأن تتعلمه وأن تقف على آداب العرب، لابد وأن يكون عندك النحو حتى تحسن قراءة هذه الآداب. فيقول: النحو قنطرة هي كالجسر تعبر من خلالها إلى علم الأدب. النحو قنطرة الآداب، هل أحد يجاوز البحر إلا في القناطر؟ هل يستطيع أحد أن يجتاز البحر إلا من خلال الجسور؟ فكذلك الأدب إذا أردت أن تحصله، فعليك أن تحصل النحو قبل ذلك.
قال: لو تعلموا الطير ما في النحو من أدب حنت وأتت إليه بالمناقيل. لو كانت طيور تعلم ما في النحو وما يتضمنه من الآداب الجليلة الرفيعة، لحنت إليه ولأتت إليه بالمناقير. إن الكلام بلا نحو يماثله نبح الكلاب أصوات الزنابير. الكلام الذي يخرج من الإنسان من دون أن يستقيم على جادة النحو، قال هو كلبح الكلاب وأصوات الزنابير والدبابير وما شابه ذلك مما لا يألف مما لا يألفه السمع ومما تمجه القلوب. لو أنت سمعت أصوات الكلاب التي تنبح وأصوات الزنابير فإن القلوب تنفر من هذه الأصوات، فكذلك الكلام الذي يخرج من دون إعراب فإن النفوس تمجه ولا تقبله.
وقال بعضهم: قدم النحو على الفقه فقط يبلغ النحوي بالنحو الشرف. ما ترى النحوي في مجلسه كهلال بان من تحت الشقف؟ يخرج الألفاظ من فيه كما يخرج الجوهر من بطن الصدف. فهذا أيضاً فيه حث على تعلم النحو وتقديمه على تعلم علوم الشريعة. فالاصل في الإنسان ألا يقتحم علوم الشريعة فقهاً واعتقاداً وتفسيراً، خاصة التفسير والله أحبتي لا أعقل كيف يمكن للإنسان أن يتخصص في علم تفسير لكتاب الله وهو لا يعرف الإعراب. والله لا أعلم ذلك.
بعض الطلبة اليوم في تخصصات أكاديمية عليا، دكتور في التفسير لكنه يلحن ولا يستطيع أن يعرب آية قرآنية، ما أدري كيف هو يفهم تفسير كلام الله سبحانه وتعالى. وهؤلاء الذين يدرسون فقه الحديث، لا يدري كيف يدرسون فقه الحديث النبوي وهم ضعاف في العربية نحواً وصرفاً وبلاغة. لا أدري كيف يأخذون علومهم وكيف يبنون عقولهم، لكن أعاجيب الزمان كثيرة.
نعود إلى اه البيت الذي يليه. يقول ابن الوردي بعد ذلك: وامض بالشعر ولازم مذهبي في اطراح الرفد أقل. وهذا البيت له روايات عديدة لكني سأقتصر على هذه الرواية: وامض بالشعر ولازم مذهبي في اضطرار الرفد في الدنيا أقل. قول الشعر اه في الزمن القديم أحبتي كان يعتبر من المروءات ومن الشرف للإنسان ودلالة على نبوغه. قول الشعر كانوا يعتبرونه في العصور الإسلامية دلالة على مروءة الإنسان وعلى شرفه وعلى نبوغه ومكنته، فلذلك ابن الوردي يوجه الناس في زمنه وفي كل الأزمان أن تعلموا الشعر وحاولوا أن تتكلموا به. وهذا أمر كما قلنا جيد للإنسان أن يححسن كلام الشيء، يحسن الاتيان به على أسلوبه من رائق مفيد مليء بالحكمة والفقه والمواعظ. هذا شيء جيد في الإنسان أن يكون متقناً لهذا الباب ومهارة يمدح بها.
فيقول لك الشعر، لكن الزم مذهبي مع توجيهه لك بأن تمضي من الشعر وأن تعتاد عليه، هو يطالبك بأن تلتزم مذهبه، مذهبه في ماذا؟ قال: في اضطراح الرفد فالدنيا أقل. الرفد هي الأعطيات والهدايا والجوائز التي كان يأخذها الشعراء مقابل مدحهم للخلافة والسلاطين والملوك والقضاة وغير ذلك. وهذا في الزمن القديم كان منتشراً في الخلافة الإسلامية على مختلف مراحلها، الأموية والعباسية والمماليك وحتى العثمانية، كان الشعراء يأتون إلى أبواب السلاطين يتسولون على هذه الأبواب، يأتون بقصيدة فيها مدح وثناء وتبجيل وتعظيم لهذا الحاكم ولهذا السلطان.
فالسلطان مقابل هذه القصيدة العالية يعطيهم جوائز وهدايا لتنتشر هذه القصيدة على ألسنة الناس، كما يفعل الإعلام اليوم. ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم والشعراء يتبعهم الغاوون؟ كذلك اليوم الإعلام يتبعه الغاوون. الإعلام اليوم في كل بلد من البلدان يصور السلطان على أنه الإنسان العظيم الذي لا نخسى فيه، وأن كل ما يفعله في مصلحة المواطن وفي مصلحة الدولة إلى غير ذلك مما تعلمونه ولا داعي لأن أعلق عليه. فكل سلطان وكل أمير وكل حاكم يحاول أن يكون عنده بطانة من الشعراء ومن الإعلاميين ومن ومن الذين يروجون اه
صفاته الحميدة فيما يظن هو. ويمدحونه على ألسنة الناس لينتشر هذا الأمر ويصبح هذا الحاكم جاء المعظم لا أحد ينتقصه ولا أحد يتهجم عليه. فيقول لك ابن الوردي: ينظر ابن الوردي إنسان عزيز النفس، يقول: قل الشعر، لكن إياك أيها الشاعر إذا تعلمت الشعر أن تتسول به على أبواب السلاطين، إياك أن تستخدمه وأن توظفه لتأخذ الهدايا والعطيات من جنابهم ومن حضرتهم. بل كن إنساناً شريفاً عزيزاً صاحب مروءة صاحب غنى، ولا تكن إنساناً متسولاً على تلك الابواب.
فتخفض من نفسك وتقلل من مروءتك وتذهب ماء وجهك. إذاً، أنظم الشعر لكن لا زم مذهبي منظيم الشعرة ولازم مذهبي أي طريقة في اقتراح الرفد، أي اطرح الرفد، الرفد للجوائز والهدايا وأعطيات الصلاة بنطرحها، لا تلتفت إليها، لا تطلبها، لا تتسول بشيء على أبوابهم. لماذا؟ قال في الدنيا أقل، الدنيا قصيرة، إياك أن تصبح أسيراً لهم، إياك أن يستعبدوك وأن يشتروا ذمتك ومروءتك وقيمتك وأخلاقك. إياك أن تشترى هذه القيم والأخلاق والفضائل الشريفة بلعاعة الحياة الدنيا. الدنيا لا تستحق شيئاً، لعاعة الحياة الدنيا لا تستحق أن أدفع بها ماء الوجه.
يقول: هو عنوانه ما زال يكمل مدحه للشعر وفي نفس الوقت يحذر من أن تتاجر به. يقول: فهو عنوان على الفضل، وما أحسن الشعر إذا لم يبتذل. تقول الشعر كما قلنا عنوان وعنوان يجوز بكسر العين ويجوز بضمها، يجوز أن تقول عنوان وعنوان. فالشعر كما قلنا كان عند العرب وفي العصور الإسلامية كان أمارة الشرف المروءة النبوغ الرقيني المتكلم به. فالشعراء كانت لهم منزلة عالية في مجتمعه.
يقول: فهو عنوان على الفضل، وما أحسن الشعر واحسن الشعر الذي لم يبتذل. كيف تبتذل الشعر؟ كما قلنا تبتذل شعره وتهينه حينما تتسول به على أبواب السلاطين، حينما تجعله غرضاً تصيب به دنياك، حينما تجعله وسيلة لجذب الأنظار إليك ولجذب الجوائز والهدايا والعطيات إلى جيبك. نعم، هذا الشعر فقد هيبته، فقد رونقته لأننا علمنا أن صاحبه مأجور. والله أحبتي أننا لنسمع القصيدة قبل أن نعرف قصتها، ونجدها فخمة رائقة في المدح والثناء.
لكن إذا علمنا أن صاحبها امتدح بها سلطاناً جائراً عبر العصور الإسلامية والله أنها لتفقد هيبتها ومكانتها من القلوب يعني أنت تسمع القصيدة تشعر أنها فخمة لكن متى عرفت أن صاحب هذه القصيدة اشترى بها الجوائز والهدايا والعطيات من الأمراء والسلاطين صدقني أنها لتخرج من نفسي ولا يبقى لها مكان في القلب. لأنني أشعر أنها قصيدة مصطنعة، قصيدة مأجورة وليست قصيدة عفيفة طاهرة نقية. لذلك يقول لك ابن الشعر: عنوان على الفضل، وأحسن الشعر هو الذي لم يتسول به صاحبه على أبواب السلاطين، ولم يبتذله من أجل لعاعة الحياة الدنيا.
ثم يكمل ابن الوردي ويقول: مات أهل الفضل لم يبق سوى مقرف أو من على الأصل اتكل. كأن ابن الوردي أحبتي في هذه في هذا البيت وفي الذي يليه يشتكي ويتأسف على ذهاب أهل الفضل أصحاب المروءات وأصحاب الشرف وأصحاب الفضل. كما قلنا من زمنه ومن عصره يشتكي من ذهاب هذه الطبقة ومن قلتها ومن ندرتها. ويقول: لم يبق سوى مقرف، والمقرف هو دنيء الأصل سيء الأخلاق. هذا هو المقرف، لم يبق سوى مقرف أو من على الأصل اتكل.
من عدا الأصل اتكل يعني إنسان كسول يبني مجده وصيته على أكتاف أجداده وآبائه، إنسان كسول مهمل لا يملك أي قيمة معرفية أو قيمة حياتية يبني مجده على أكتاف آبائه وأجداده، وهؤلاء هم أصوله. فكأن ابن الوردي أحبتي بعد أن تسلم منصب القضاء كما قلنا وأصبح يتعامل مع الطبقة العليا في المجتمع ودخل فيها وعرف ما يدور داخل أجواء هذه الطبقات نظر فيها فلم يجد في هذه الطبقات إلا شخص مقرف.
يعني إنسان دنيء الأصل دنيء النفس سيء الأخلاق أو إنسان كسول لا يملك أي قيمة معرفية يبني صيته ومجده وأمواله على أكتاف آبائه وأجداده الذين بذلوا وضحوا، وهذا أحبتي منتشر في كل زمان ومكان حينما تنظرون في الذين يمسكُّون المفاصل في الدول المعاصرة أغلبهم أحبتي لا يستحقون هذه الأماكن التي هم فيها وإنما اخذوها بواسطة أو برشوة أو بتماسيح أمام السلاطين، وبعضهم اخذ هذه المناصب من آبائه وأجداده. لربما كان أبوه إنسان له مكانة في المجتمع رأس من رؤوس العشائر أو إنسان صاحب قيمة علمية، وهذا الابن أو هذا الحفيد اتكل على صيت جده، وأن هذا الحفيد كسول ما عنده أي قيمة معرفية ولا عمل ولا إنجاز لا يملك معرفة يستحق من أجلها هذا المنصب. لكن كما قلنا اتكل على ما ورثه من أبيه ومن أجداده من الصيت فنال هذا المنصب.
إذا قلت له: ماذا تحسن؟ قال: لا أحسن شيء. طيب، لماذا هذا الصيت لك؟ قال: من آبائي وأجدادي. هذه فعلاً من رعونات النفوس، هذه النفوس نفوس رعناء التي تبني مجدها على عظام آبائها وأجدادها ولا تبذل من أجل تحصيل المجد بأيديها. لذلك من الحكم المعروفة عند العرب عند الأمم يقولون للإنسان: كن عصامياً ولا تكن عظامياً، أي ابن مجدك بيدك، اغرس مروءتك وشرفك في المجتمع بعرق الجبين. وإياك أن تكون عظامياً تعتمد على عظام آبائك وأجدادك في صناعة مجدك ومروءتك بين الناس.
إياك أن تكون ذلك الرجل، فكما قلنا ابن الوردي لأنه أصبح يتعامل مع الطبقة العليا في المجتمع في ذاك الوقت نظر في هذه الطبقة فتأسف من ذهاب أهل الفضل والمروءات والشرف منها ولم يبق إلا أصحاب الدناءات والذين يبنون مجدهم على عظام غيرهم. فيتأسف على هذا الواقع وعلى هذا المجتمع الذي يحيا فيه، فكيف لو جاء ابن الوردي إلى وراء الفساد والرشوة وأكل أموال الناس والاعتداء على الحقوق وأن الإنسان يأخذ المنصب وهو ليس أهلاً له ويوَسَّد الأمر إلى غير أهله لبكى ابن الوردي دما على واقعنا المرير أي والله.
المهم قال: مات أهل الفضل لم يبق سوى مقرف أو من على الأصل اتكل. أنا لا أختار تقبيل يد قطعها أفضل من تلك القبل. يقول ابن الوردي: أنا لا أختار تقبيل يد، هذه اليد تستحق القطع وليس التقبيل في الواقع. كأنه في زمن ابن الوردي أحبتي كان من المشهور بين الناس أن تقبل أيدي القضاة والسلاطين والأمراء وأصحاب المنازل العليا في المجتمع.
كانت هذه عادة دارجة في مجتمعه وواقعه، فيقول ابن الوردي عن نفسه ويبين لنا عزة النفس عنده والمروءة. فعلاً ابن الوردي من يقرأ شعره أحبتي إلى النهاية يدرك كم كان عزيز النفس صاحب مروءة صاحب شرف لا يبتذل نفسه، لا يحقر نفسه، لا يتسول على أبواب الأمراء والقضاة والسلاطين. صحيح ابن الوردي يتولى منصب مهم في لكنه مع ذلك بقي عزيزاً لا يبيع ذمته لا يبيع ضميره لهؤلاء القوم.
فيقول ابن الوردي: أنا لا أقبل هذه الأيادي، هي حقيقة بأن تقطع لا أن تقبل. لماذا تقطع؟ لأنها أيادي فاسدة سرقت أموال الناس، نهبت خيرات المجتمع وخيرات الوطن، هذه الأيادي ليس محلها التقبيل وإنما محلها القطع لأنها أيدي سارقة عابثة لا تستحق الاحترام ولا التقدير ولا أن يوجبها الناس ويوجهوها ويجعلوا لها منصب أبداً. فيقول ابن الوردي: أنا لا أختار تقبيل يدي، لا يمكن أن أرضى لنفسي الشريفة العزيزة أن تقبل أيدي هؤلاء الفاسدين الذين ينهبون خيرات المجتمع ويأكلون من ثرواته ولا يعطون الناس إلا اللعاعة يتقاتلون عليها. هذه الأيادي يجب أن تقطع لا أن تعظم وتبجل.
ثم يبين استمر في تبيين السبب الذي يدفعه إلى عدم تقبيل هذه الأيادي. يقول: أجزتني عن مديحي صرت فيه رقها أو لا فيكفيني الخجل. يقول: هذه الأيادي التي أرفض تقبيلها وأن أنحني لها إذا مدحتها بشعر فمنحتني هدايا وأعطيات أصبحت أسيراً لها، فإن الأيادي تأسر الإنسان، هذا الواقع إذا كان لشخص يد على شخص آخر فإنها تأسره، يصبح أسيراً له، فيقول: أجزتني هذه الأيادي عن مديحي لها بالشعر والقصائد التي تنتشر بين الناس، فمنحتني الهدايا والعطيات والمناصب.
أصبحت أسيرا لأصحابها، أصبحت عبدا لهم، لا أملك الخروج عن همساتهم وكلماتهم. علي أن أنفذ كل ما يطلبونه مني، ما نقوله دائما لطلبة العلم: احذروا أحبتي أن تتسولوا بعلمكم على أبواب السلاطين.
ووالله إن العلم الذي يبتذل على أبوابهم وتأخذون مالا منهم مقابل ابتذال هذا العلم وبيعه، والله إن العلم أولا لا يبارك فيه، وهذا المال لا يبارك فيه. ثم إنكم أصبحتم أسارى، أصبحتم خدما على أبواب هؤلاء القوم، وكم من عالم كان عنده من الكثير الكثير يستطيع أن يقدمه لهذه الأمة، لكنه أصبح أجيرا لهؤلاء يعطونه الأموال ويغدقون عليه بالمناصب والكنوز والقصور والرفاهية وهو قبل بهذا العرض، وباع دينه بعرض من الدنيا.
باع دينه لهؤلاء فأصبح أسيرا لهم، خادما لهم، لا يستطيع أن يخرج عن رفقتهم. وهؤلاء السلاطين يعلمون من هو العالم الذي اشتري بالمال، ومن هو العالم صاحب العزة صاحب الأنفَة الذي لا يقبل أن يشترى وأن يبيع دينه بعرض من الدنيا بخس. نعم، انظروا في واقعكم، انظروا في من يصدره الإعلام، انظروا في من اشتريت ذممهم بأموال ومناصب وجنسيات منحوها مقابل أن يتكلموا بالباطل والزور والبهتان وما يغضب الرب سبحانه وتعالى، فنالوا حظا من الدنيا.
لكن والله لهم موقف عظيم بين يدي جبار السماوات والأرض يوم القيامة، لهم موقف مهيب عند الله حينما يسألهم عن علمهم أين وضعوه وماذا عملوا به. سيقولون: وضعناه على أبواب السلاطين وأخذنا به عرضا من الدنيا بخسا. فتأتي الملائكة لتجرهم على وجوههم لتلقيهم في نار جهنم. نعم، هذا مكانهم الذي يستحقونه لما ابتذلوا العلم وأهانوا هذه الشريعة عند أبواب السلاطين وعند أقدمهم، قبل دعاة من حياة الدنيا، فأسيرهم هؤلاء، آه الصلاة، فأسيرهم هؤلاء السلاطين، وعبدوهُم لهم، وأصبح هؤلاء العلماء خدما وحشما لجنابهم. نعم، هنا ابتذل هؤلاء العلم وقللوا من شأنه، والله سبحانه وتعالى لا يرضى هذا، والله إن لهم موقفا بين يدي الله فلينتظروه.
إذا، ابن الوردي يقدم نصيحة يقول: هذه الأيادي أنجزتني عن ومنحتني الجوائز والهدايا والأعطيات أصبحت أسيرا لها، خادما لها، رقا رقيقا لها. كما قال آه أنجزتني عن مديحي صرت في رقها، أولى يعني، وحتى ولو لم تجزني، ما معنى أولى؟ يعني حتى ولو لم تجزني عن مديحي لها بالهدايا والأعطيات، مجرد أن أقبل هذه اليد وأن أنحني لها وهي أياد فاسدة، مجرد ذلك يجعلني أحيا خجلا من نفسي ومن ربي سبحانه وتعالى ومن المجتمع الذي أحيا فيه. نعم، أحيا خجل لأنني قبلت يد إنسان لا يستحق إلا القطع والطرد، إنسان مفسد ينهب الخيرات ويحارب الله ويفسد عقائد الناس وينهب خيرات الناس.
فكيف أقبل هذه الأيادي؟ كيف أنحني لها؟ كيف أرضى لنفسي الشريفة العالية صاحبة الخلق والمروءة، كيف أرضى لها أن تنحني؟ والله حتى ولو لم آخذ الهدايا والمعطيات من هؤلاء السلاطين، مجرد تقبيل هذه يجعلني أستحي من نفسي، أحيا خجولا من هذا التصرف. أين أمثال ابن الوردي في زمننا؟ أي والله أين أمثال هذا الرجل الشريف؟ صاحب الهمة، صاحب المروءة، إنسان لا يقبل أن ينحني وأن يطأطأ رأسه للظلمة والمفسدين.
على صلاح الزمان في وقته عن أيامنا، يعني في زمانه مهما بلغ أمراء زمانه من الفساد ومن الظلم فإنهم لا يصلون إلى ما وصلنا إليه نحن الآن للأسف من درجات الفساد والظلم والصد عن دين الله سبحانه وتعالى والمحاربة هذه الشرعة الإلهية. فيقول عن أمراء زمانه وعن الشياطين والقضاة أنه لا ينحني لهم ولا يقبل أيديهم، فكيف يصنع لو جاء إلى زماننا فرأى حالنا وواقعنا، نسأل الله السلامة والعافية.
بسم الله، يكمل ابن الوردي في بيان شرف نفسه يقول: أعذب الأقوال قولي لك خذ، وامر اللفظ نطقي بلعل. يقول ابن الوردي: أعذب الألفاظ على لساني وأحبها إلى قلبي أن أقول للناس خذوا، أن أكون أنا المعطي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: يد المعطي العليا. فيقول ابن الوردي مبين لشرف نفسه أنه يحب كلمة العطاء، لكنه يبغض كلمة آه أعطني وامنحني، يحب كلمة العطاء أن يكون هو الباذل من الناس، لكنه يبغض أن يقول للناس أعطوني وامنحوني ولعلكم تغدقون علي بالجوائز والهدايا والأعطيات. هذه لا تدخل في ذهن ابن الوردي وفي عقله وفي مروءته وشرفه.
يقول: أعذب الألفاظ قولي لك خذ، قولي لك خذ هذا المال، أكون أنا المانح، وامر اللفظ، ما هي امر الألفاظ على قلب ابن الوردي؟ وامر اللفظ نطقي بلعل. ما معنى نطقي بلعل؟ أي نقول للأمراء وللسلاطين لعلكم تعطوني، لعلكم تكرموني، لعلكم تعينونني في هذا المنصب، كما يفعل كثير من أهل زماننا. لعلكم لعلكم، يقول: هذه ألفاظ مريرة جدا لا يمكن لنفس الشريفة أن تتقبلها.
ملك كسرى، انظروا إلى فلسفة ابن الوردي في حياته، يقول: ملك كسرى عنه تغني كسرة، وعن البحر إرتشاف بالوشل. هذه فلسفة ابن الوردي اختصرها لكم في هذا البيت، يقول: ملك كسرى عنه تغني كسرة، كسرة خبز تغنيك أيها الإنسان القنوع المتعفف صاحب المروءة، هذه الكسرة من الخبز تغنيك عن كل ملك كسرى. شايفين ملك كسرى كم كان عظيما بقصوره ومساحته ونعيمه، كل هذا الملك تغنيك عنه أيها الإنسان الشريف كسرة خبز. وعن البحر إرتشاف بالوشل، ويغنيك عن كل هذا البحر الخضم أن تشرب قطرات من الماء. الوشل هي قطرات الماء التي ترشح من الأرض وتسير على الجبال كالندى، تكون كالندى.
يقول: لو اخذت هذا الوشل الذي رجع على سطح الأرض من مياه جوفية أو تقاطر من الجبل شربته، فإن هذا يكفيك عن كل البحر الخضم، أليس كذلك؟ فهذه دعوة من ابن الوردي للناس جميعا أن يكونوا قانعين، أن يكونوا أعفاء يملكون غنى النفس، وألا يبذلوا ماء وجههم وألا يبذلوا مروءتهم من أجل التتابع على الدنيا وعلى أموالها وقصورها وشهواتها.
فيقول لك: أتنظرون إلى كل ملك كسرى، في النهاية تغني عنه كسرة خبز لو أنك أكلت كسرة خبز وشبعت منها، وكسرى في قصوره ونعيمه هو في النهاية سيأكل ويشبع، أنت شبعت وقنعت وهو في النهاية أيضا سيشبع وينتهي أمره. وفي النهاية ستطوى هذه الدنيا وننتقل إلى الله سبحانه وتعالى، هذا يأكل وهذا يأكل، وهذا يشرب وهذا يشرب. هذا نعم ربما يأكل شيء لذيذ جدا جدا، وهذا ربما يأكل شيء أقل جودة، لكن في النهاية هذا شبع وهذا شبع، وهذا شرب وهذا شرب، والكل في النهاية سيذهب إلى لقاء الله سبحانه وتعالى.
فما الداعي لأن أذل نفسي ولأن أبتذلها ولأن أتتملق لهؤلاء المنافقين وهؤلاء الظلمة والسلاطين؟ كل هذه الملوك وكل هذه الأملاك يغني عنها وجبة طعام تقيم بها صلبك وتقوم بها لربك وانتهى الأمر، وكل هذه البحار تستطيع أن تشرب شربة من الماء رشح عن أرض أو نزل من جبل فيغنيك عن كل هذه البحار لا تحتاجها.
فهي دعوة كما قلنا لأن يحيا الإنسان قنوعا، ولأن لا يكون دائما فضوليا ينظر إلى ما في أيدي الآخرين ويتمنى أن يصل إلى ما وصلوا، فيبقى يتسول هنا وهناك ويقفز ويرشو حتى يصل إلى الملك ويصل إلى الغنى. هذا ليس صاحب نفس شريف، هذا ليس إنسان عزيز النفس صاحب مروءة. أحبتي، والله إن عزة النفس لتشترى بالدنيا بأسرها، أن يحيا الإنسان حرا طليقا لا يقع تحت أسر أحد، لا يبقى تحت رفقة أحد، لا يذله أحد، لا ينظر إليه بعين الازدراء بأنه كان مأجورا له، أن تحيا بنفس الإنسان العزيز صاحب المروءة، وأن تكون قنوعا غني النفس والله إنه خير من الدنيا وما فيها.
رسالة عالية جدا لكل إنسان ينظر إلى ما في أيدي الناس. اسمعوا قول الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ. أي والله، بعض الناس أحبتي ربما يمر في ضائقة مالية أو في فقر أو قلة ذات يد، وينظر إلى أناس يلهون بالأموال ويعبثون بها فيأسف ويحزن ويصيبه الكمد والغم والهم، لماذا أنا فقير وهؤلاء الأغنياء يلعبون بهذه الثروات ويتمتعون بها؟ يصيبه هم وحزن وغم. فابن الوردي يقول لك: لماذا كل هذا الغم والهم والحزن؟ هي في النهاية هذه الشربة من الماء.
وهذه الوجبة من الفطور، أو من العشاء، أو الغداء: أنت تشبع، وكسرى يشبع. أنت ترتوي من الماء، وذاك الرجل الغني أثري يرتوي من الماء، ثم الكل في النهاية زائل ولو بعد حين. والملك الذي يجب أن تبحث عنه هو الملك في جنات النعيم، أن تحجز لك مقعد صدق عند الله سبحانه وتعالى، فإن تلك المقاعد خير من الدنيا وما فيها.
ملك كسرى عنه تغني كسرة وعن البحر ارتشاف بالوشل. الوشل كما قلنا الماء الذي يرشح من الأرض أو ينزل من الجبال. فيقول: يغنيك عن كل البحار ارتشاف بالوشل؛ أن تشرب شيئاً من هذا الوشل فيذهب عنك الظمأ وتنتهي الحكاية.
يكمل في رسم، كما قلت، فلسفة الحياة التي يؤمن بها. اعتبر نحن قسمنا بينهم. تلقَهُ حقاً وبالحق نزل. تقول لك ابن الوردي: ضع هذه الآية دائماً نصب عينيك، وهي قوله تعالى: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ.
يقول لك ابن الوردي: ضع هذه الآية نصب عينيك وتأمل فيها تجدها حقاً وبالحق نزلت. نعم، هذه الآية أحبتي تخبركم أن الرزق قد قسمه الله سبحانه وتعالى وقدره بين العباد. ففلان كتب له الغنى، وفلان كتب له الفقر، فلان كتب له أن يكون غنيا ثم يفتقر، وفلان كتب له أن يكون فقيرا ثم، فهذه أمور قدرت وفرغ منها. فإن الملك يأتي إليك وأنت في بطن أمك فينفخ فيك الروح ويؤمر بكتابة أربع كلمات: بكتابة رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد. فالرزق قد فرغ منه أحبتي.
فإياك أن تظن هذه الرسالة التي يريد ابن الوردي أن يوصلها، إياك أن تظن أن بتزللك وتملقك للمنافقين وللسلاطين والفتوى لهم، وأن تسول لهم باطلهم وأن تصفق لهم، إياك أن تظن أنك ستأخذ رزقا لم يكتب، وإياك أن تظن انك أن ابتعدت عن أبوابهم وجانبتهم وواجهتهم ووقفت سدا منيعا في ظلمهم، إياك أن تظن أن هذا سيحرمك من رزق كتب لك. كل شيء مكتوب، وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ.
فيقول لك ابن الوردي: ضع هذه الآية أمام عينيك سيطمئن قلبك وفؤادك، سترتاح. نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ. في هكذا الحياة قسمت درجات بأقدار الله سبحانه وتعالى، لكن الآخرة تقسيماتها واضحة، العمل هو الذي يرفعك، هو الذي ينزلك. المعادلة واضحة في اليوم الآخر.
أما في الحياة الدنيا فالأمور هي أرزاق أحبتي. قد يبدو للإنسان ويكد ويتعب ويتعب ويكون جاد، لكن سبحان الله لم يفتح له في باب الرزق، لأن الله يدرك أن فلان يصلحه الفقر، أي والله، وفلان من دون تعب أخذ ورثه من والديه وفتح شركة كبيرة وإذا هو ثري تغدق عليه الدنيا مع أنه لم يتعب فيها. الله عز وجل قد يعلم أن فلان يصلحه الغنى، وقد يكون ليس لصلاح حاله بل فتنة له.
الله سبحانه وتعالى له أقدار يعلمها وله مصالح يقصدها في عبيده وفي خلقه سبحانه وتعالى جلت حكمته. فاياك أن تدخل في أقدار الله وأن تبدأ تفتش وتفكر: لماذا أنا ولماذا هو؟ حتى لا تسخط على شيء من أقداره وحكمته. كن عالما واثقا بأن الله سبحانه وتعالى له في كل شيء مقصد، له في كل شيء حكمة، له في كل تدبير خير يأتي به، لكن عليك أن تنظر وأن تتأمل وأن تحسن الظن بربك سبحانه وتعالى.
إذاً، اعتبر نحن قسمنا بينهم. اجعل هذه الآية بين عينيك. هذه الآية إذا فهمتها وآمنت بها ودخلت إلى قلبك لن تتسول على أبواب السلاطين، صدقني لن تبيع دينك لهؤلاء، لن تتاجر بالفتاوى ولن تكون مصفقاً أمام هؤلاء، لأنك تدرك أن الرزق وأن السعادة ليست بأيديهم بل في يد الخالق سبحانه وتعالى يمنحها لمن يشاء ويخرجها من يد من شاء.
إذا اعتبر نحن قسمنا بينهم تلقَهُ حقاً وبالحق نزل ليس ما يحوي الفتى من عزمه لا ولا ما فات يوماً بالكسل. إياك أن تظن أن ما تحصله من الأموال أو الرزق مهما كثر أنه بسبب ذكائك وبسبب فتنتك وعزيمتك، بل اعلم أن هذا الرزق هو مما كتبه الله سبحانه وتعالى لك. نعم العمل هو سبب في التحصيل، لكن في النهاية لا يمكن أن تعمل وتبذل ولا تحصل الرزق ولا يفتح عليك، يمكن. في النهاية الرزق هو شيء كتبه الله، وأنت عليك أن تبذل السبب واما النتائج فتنتظرها من الخالق.
ويقول ابن الوردي: ليس ما يحوي الفتى من الأموال ومن الكنوز هو نتيجة العزيمة الماضية والعمل، وإن كان العمل مطلوبا، وهذا المال هو في الحقيقة من تقدير الله لك، وأنت بذلت السبب والله سبحانه وتعالى خلق السبب والمسبب. فعليك دائما أن تستحضر في مسألة الرزق أن كل شيء بيد المولى، وأن هذه الأموال التي تدخل إلى جيبك بيد المولى، وأنه كان يمكن أن تبذل أنت السبب والله عز وجل يحرمك من الرزق، يمكن، لا شيء يعجزه سبحانه وتعالى.
فيقول ابن الوردي: ليس ما يحوي الفتى من عزمه لا ولا ما فات يوما بالكسل. حتى الكسل، لو هناك لقمة كتبت لك وأنت كنت نائم في بيتك من دون أن تعمل هل ستأتيك؟ ما دام أنها كتبت لك ستأتيك؟ طبعا لا نريد من بعض الطلبة أن يفهم أن والله ابن الوردي يدعو الناس إلى الكسل وإلى النوم في بيوتهم، فما دام أن كل شيء مكتوب وأن كل شيء قدر فلماذا نعمل؟ ولماذا نبذل السبب؟ هو لا يريد هذه الفكرة، هو ابن الوردي يريد أن يقول لهؤلاء الذين يتسولون على أبواب السلاطين ويبيعون دينهم بعرض من الدنيا من أجل أن يحصلوا اللعاع، يقولون لهم أن الرزق قد كتب وفرغ منه، فاياكم أن تظنوا أن دهاءكم وأن تزلفكم وتملقكم سبب في الرزق، وأن ابتعادكم عن هذه الطرق سيحرمكم من الرزق. كلا والله، فان كل شيء بأقدار الله سبحانه وتعالى قد فرغ منه، وكل لقمة تدخل إلى فيك أو زوجتك وأبنائك قد فرغ منها كتبت.
فعليك أن تبذل الأسباب الشرعية المرضية لله وأن تنتظر النتائج، وأما أن تظن أن النفاق والتملق يزيد في الرزق والله لا يزيد ديناراً، وأن ترك هؤلاء وأن تعتكف على نفسك تعمل بكدك وتعبك سيقلل من رزقك والله لن يقلل، وفي السماء رزقكم وما توعدون.
فهي القضية قضية أن تؤمن بهذا المبدأ في حياتك وأن تحيا قنوعاً، وأن تحيا غني النفس شريفا لا تضع رغبتك تحت رحمة أحد. إياك أن تكون مأجورا لهؤلاء الظلمة، إياك أن يستخدموك ثم يلقوك كما فعلوا بغيرك. كن شريفا، كن عفيفا، كن إنسانا عزيزا في هذه الحياة يسير رافع الرأس، لا يعبأ بأي شيء، وإنما يبذل الأسباب وينتظر من الله الفرج.
هذه هي فلسفة الحياة التي يراها ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه، إنسان غني شريف، إنسان يطلب العلم. لا ينام، يقول لك في الأبيات السابقة: مهجور نومه وأحصله فمه، فمن يعرف المطلوب يحقر ما بذله. إذاً هو يدعوك للعمل والكسب وللسعي في مناكبها، لكنه في الوقت نفسه يدعوك لأن لا تكون أو ألا تكون وسيلتك في طلب الرزق هي التزلف على أبواب الظلمة والمفسدين. إياك أن تكون من هذا النوع.
في الحقيقة رسالة عالية جدا ونصحية ذهبية يقدمها ابن الوردي لطلبة العلم الذين يؤمل منهم أن يكونوا قادة في المستقبل لهذه الأمة. إياكم أن تبيعوا دينكم، إياكم أن تكونوا مأجورين في حياتكم، عيشوا أعزاء، عيشوا أعزاء بفكركم وعقولكم وأنفسكم حتى لو غيبتكم السجون، حتى لو حاربكم أعداؤكم، في النهاية أنتم الأعزاء وهم الأذلاء.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما ينفعنا إنك ولي ذلك والقادر عليه، وهذا ختام مجلسنا لهذا اليوم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل