غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح لامية ابن الوردي للشيخ إبراهيم رفيق الطويل. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمدُه سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح ابن الوردي نصيحة الإخوان ومُرشدة الخِلّان. نسير مع ابن الوردي في هذه المنظومة الرائقة، ننظر في حِكَمها ومقاصدها. فوالله إنها منظومة جليلة تضمنت حِكماً ومعارف متنوعة تفيدك أيها المسلم في كل جوانب حياتك، وتعالج قضايا مهمة وخطيرة وزوايا اجتماعية وحياتية قل أن تجدها مجموعة في مكان واحد، جمعها لك ابن الوردي في هذه المنظومة لتنتفع بها ولتعلمها لغيرك.
في المجلس الماضي أحبتي تكلم ابن الوردي عن مروءة النفس، وكيف أن الإنسان لا يُذِل نفسه ولا ينتقُص من قدرها بالتسول على أبواب السلاطين يطلب منهم الهدايا والعطايا، وأن الإنسان يجب أن يكون عصامياً يبني نفسه بنفسه، إلى آخر ما ذكره رحمة الله تعالى عليه، وما دَلّ من مروءته وشرف نفسه. واليوم يكمل ابن الوردي رحمة الله عليه طَرْح مثل هذه الأفكار وهذه المروءات لينتفع بها المسلم في حياته.
فيقول في البيت السادس والثلاثين: اطرح الدنيا فمن عادتها تخفض العالي وتعلي من سفل. عيشة الزاهد في تحصيلها عيشة الجاهد بل هذا أذل. كم جهول وهو مُثْرٍ مُكثِر وعليم مات منها بالعلل. كم شجاع لم ينل منها المُنى وجبان نال غايات الأمل. فاطرح الحيلة فيها والتئد إنما الحيلة في ترك الحيل.
يقدم ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه في هذه الأبيات الخمسة خلاصة تأمله في هذه الحياة وخلاصة نظره في سير الأقدار بالعباد. فيقدم لكم نصيحة، يقول لكم أيها المسلمون لا تتشبثوا بهذه الدنيا ولا تعطوا هذه الحياة حجماً أكبر من الحجم الذي تستحقه. اطرح الدنيا قال لكم: اطرح الدنيا. لا تحزن على ما فات منها. لا تعقد آمالك عليها. لا تتشبث بها. لا تخاصم من أجلها. لا تقاتل عليها.
أرح نفسك، أرح نفسك من الانشغال بها ومن التدبير لها، وإنما عليك أن تبذل الأسباب ثم تفوض أمرك إلى الله سبحانه وتعالى. دَعِ الأَيَّامَ تَفْعَلُ مَا تَشَاءُ وَطِبْ نَفْساً إِذَا حَكَمَ القَضَاءُ. وَلَا تَجْزَعْ لِحَادِثَةِ اللَّيَالِي فَمَا لِحَوَادِثِ الدُّنْيَا بَقَاءُ. ابن الوردي أحبتي لا يدعوكم إلى الكسل والى النوم في بيوتكم كما قد يفهم البعض من هذه الأبيات. كيف ذلك وهو في الأبيات السابقة يطالبكم بطلب العلم وأن تهجروا النوم؟ ألم يقل لكم: واهجروا النوم وحصله فمن يعرف المطلوب يحقر ما بذل؟
إذاً هو دعانا في الأبيات السابقة لطلب العلم وللبذل وللإنجاز والعمل. لكن هنا في هذه الأبيات يوجه ابن الوردي النصيحة لطائفة من الناس، طائفة من الناس إذا رأيتهم تجدهم دائماً مهمومين مغمومين، إذا نظرت في وجوههم كأن الهموم قد ازدحمت فيها، تجدهم دائماً في اكتئاب وحزن. إذا سألت أحدهم: لماذا كل هذا الحزن وما الدافع إليه؟ قال لك: يا شيخ أنا أسعى وأكد في هذه الحياة منذ كذا من السنوات وما زال رزقي كما هو، بينما فلان نائم في بيته وفي منزله وهو يلهو بالأموال بهذه الدنيا كما يشاء.
فهذه نصيحة وردية لهؤلاء الناس يقول لهم ابن الوردي: اطرحوا الدنيا. لا تحزنوا على هذه الحياة الدنيا، إياكم أن تتشبثوا بها وأن تحملوا هماً كبيراً عليها. فإن الأقدار في هذه الحياة الدنيا أحبتي تسير وفق قَدَر إلهي وحكمة ربانية لا نعلمها. أحبتي، ليس من شرط الحياة أن تحصل النتائج بعد بذل الأسباب. اعلموا هذه القاعدة: ليس من شرط الحياة الدنيا أن تحصل النتائج بعد أن تبذل الأسباب.
فقد تتعب وتكد وتبذل الأسباب في كسب الرزق ولا يقدر لك ذلك لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى. نعم، يتعب الإنسان ساعات وساعات ويبقى دخله محدوداً، لم يرد الله سبحانه وتعالى أن يفتح له باب الرزق لحكمة إلهية. بينما الإنسان قد تجده نائماً في بيته ولم يتعب ذاك التعب والرزق يأتيه على باب بيته، أيضاً هناك حكمة إلهية، هناك حكمة إلهية يريدها الله سبحانه وتعالى.
فالقَدَر أحبتي كما قال أهل العلم سِر الله، القَدَر هو سر الله سبحانه وتعالى في خلقه، لم يطلع عليه لا مَلَك مقرب ولا نبي مرسل. فيا عبد الله، عليك دائماً أن تحسن الظن بالله، وأن تعلم أن هذه الأقدار فيها الخير لك بإذن الله، وأن الله سبحانه وتعالى ييسر لك ما فيه الخير. فقد تبذل الأسباب وتبذل وتبذل ولا يقدر الله سبحانه وتعالى لك ما تشتهيه لخير خبأه لك.
فلربما يكون الفقر هو أصلح لك من الغنى. فلربما يكون الخمول هو أصلح لك من الشهرة. فلربما يكون الجهل هو أصلح لك من العلم. فعليك أن تكِل الأمر إلى الله سبحانه وتعالى، وأن تحسن الظن به دائماً، وأن تتيقن أن الله عز وجل يريد لك الخير. وكما جاء في الحديث القدسي: أنا عند ظن عبدي بي. فالمؤمن دائماً يحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، يبذل الأسباب في هذه الدنيا لكنه يفوض أمره إلى الله سبحانه وتعالى في حصول النتائج، ويفرغ قلبه وخاطره لعبادة مولاه، للتعلق به، للحُب له، للإنابة إليه.
الإنسان في هذه الحياة الدنيا يجعل نظره دائماً للآخرة، همه وتطلعه لتلك الدار التي قانونها واضح أحبتي. الدار الآخرة قانونها واضح نتائجها واضحة، أخبرنا الله عز وجل عنها في كتابه فقال: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ. وقال فيها: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ. فقانون الحياة الآخرة واضح، من أطاع الله سبحانه وتعالى وقام وفعل الطاعات مخلصاً لله ويسير على منهج محمد صلى الله عليه وسلم فان الله يرفعه، ومن ابتعد عن منهج الله سبحانه وتعالى وابتعد عن الطاعات وأسرف على نفسه بالمعاصي فإن الله يخفضه. قانون الدار الآخرة قانون الله سبحانه وتعالى أخبرنا بالسبب وبالنتيجة.
وأما هذه الحياة الدنيا فأقدارها تسير وفق أمر يعلمها الله سبحانه وتعالى ولا نعلمه نحن. فإذا كانت هذه الدار هكذا حالها فعلينا ألا نتعلق بها. هذه الدار أحبتي كما قلت لكم، من كان يظن أن الأسباب لابد أن تحقق النتائج فما عرف هذه الحياة الدنيا. هذه الحياة الدنيا كثيراً ما يبدو للإنسان الأسباب ويطرق الأبواب ولا تفتح له لأمر علمه الله، ولكننا لنحسن الظن بالله سبحانه وتعالى أنه لا يقدر لنا إلا الخير، لأنه عز وجل طلب منا أن نحسن الظن به، ومن أحسن الظن لله سبحانه وتعالى ارتاح قلبه وهدأ فؤاده وذهبت عنه الهموم والغموم، وجاءته السعادة والأفراح لتسكن في هذا القلب المطمئن بمولاه.
ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه ذكر مجموعة من الأمثلة، ذكر مجموعة من الأمثلة يريد من خلالها أن يوضح لك هذه القاعدة. ما هي القاعدة؟ أن هذه الحياة الدنيا كثيراً ما تأتي نتائج على خلاف الظاهر وعلى خلاف المتوقع. هذه هي القاعدة التي يريد ابن الوردي أن يمنحها لك وأن يرسخها في ذهنك، أن هذه الحياة الدنيا كثيراً ما تأتي نتائجها على خلاف المتوقع وعلى خلاف الظاهر. فماذا يقول لكم مثلاً؟
يقول في البيت السابع والثلاثين: عيشة الزاهد في تحصيلها عيشة الجاهد بل هذا أذل. أولاً يقول في هذا البيت أن الإنسان الزاهد في هذه الدنيا المعرض عنها، الذي أراح قلبه من همها وغمها وأقبل بقلبه على مولاه سبحانه وتعالى فعاش قنوعاً راضياً بما قسمه الله سبحانه وتعالى، عيشة هذا الإنسان كعيشة الإنسان الذي يكد ويتعب ويلهث خلف هذه الحياة الدنيا ويهمل ويحمل همومها وغمومها في قلبه وخاطره.
الإنسان الزاهد يأكل ويلبس وينام ويشرب ويذهب ويأتي. والانسان المهموم الشغوف بهذه الحياة الذي يتعب نفسه من أجلها، وليس المراد التعب بذل الأسباب، المراد التعب النفسي، تعب الخاطر والفكر وكثرة الهموم والأحزان والغموم على ما فات منها، فهذا الإنسان الذي يكد على هذه الحياة ويتعب من أجلها ويحزن قلبه وخاطره عليه أيضاً يأكل ويشرب.
ويحصل متاع الحياة الدنيا. فكما ان الانسان الزاهد في الحياة الدنيا يأكل ويشرب ويذهب ويأتي. كذلك هذا يذهب ويأكل ويشرب ويأتي يعني لا تظن ان همك على هذه الحياة وان زيادة حرصك عليها وان الهموم والغموم التي تحملها في قلبك ستزيدك رزقا على شخص زهد في هذه الحياة الدنيا ولم يعطها حجما اكبر من حجمها الحقيقي. اياك ان تظن ذلك فكما انك تأكل فهذا يأكل وكما انك تشرب هذا يشرب. وانت تحصل المال وهذا يحصل المال. الكل سيأخذ ما قسمه الله له من الرزق.
فالاهتمام بالحياة الدنيا والحرص الزائد عليها واشغال القلب بها لن يزيد في رزقك. صدقني والله لن يزيدك في رزقك بل هذا التعب النفسي وهذا وهذه الهموم والغموم تزيدك ذلا في هذه الحياة. فعيشتك وانت تكد على هذه الدنيا وتتعب من اجلها اذل من عيشة ذلك الزاهد فيها اذل فعلا لان الانسان الزاهد فيها اراح قلبه فيعيش مسرورا يتلذذ في طعامه يتلذذ في شرابه يتلذذ مع اسرته حتى ولو كان رزقه زهيدا. اذا جلس يحمد الله سبحانه وتعالى على هذه النعم التي هو فيها. هو قانع بما كتبه الله عز وجل له. اذا اكل طعاما حمد الله. اذا شرب شرابا حمد الله.
اشعر بالسرور والرضا عن ربه سبحانه وتعالى بما قسمه له. انسان قنوع لكن هذا الانسان المسكين الذي يشعر بالهموم والغموم والاحزان على كل نصيب يفوته من هذه الحياة الدنيا. صدقوني احبتي انه يعيش مكتئبا حتى اللقمة لا يتهنى بها. حتى الجلوس في بيته مع اسرته وزوجته لا يسر به. دائما شغله وعقله مع هذه الحياة الدنيا. ارتفع الدينار انخفض الدينار. اليوم ذهب له نصيب من الرزق وغدا ماذا سيفعل؟ وكيف سيأتي؟
دائما شغله الشاغل كيف آتي بالدنيا؟ كيف ألهث خلفها؟ فهذه ليست حياة سعيدة ليست هذه الحياة التي يريدها الله سبحانه وتعالى للمسلم. الله عز وجل يقول لك فامشوا في مناكبها. اسعى واطلب الرزق لكن فوض الامر لله سبحانه والنتائج دعها لخالقك واحسن الظن به وباذن الله ستحصل على الخير لكنك لست انت من يحدد الخير. الله عز وجل هو الذي يحدد الخير لك. فيقول لك عيشة الزاهد في تحصيلها الانسان الزاهد في.
في هذه الحياة الدنيا التي لا يتعلق قلبه بها ولا يتشبث قلبه بها. عيشته كعيشة الجاهد. بل هذا الجاهد يعني اضرب الاضراب بل قال بل هذا اذل اي هذا الجاهد الذي يكد بقلبه على الدنيا اذل في معيشته. لانه لا يشعر بالسرور لا يشعر بسعادة دائما هو في اكتئاب وحزن وهم على ما فاته منها. ثم بدأ يذكر امثلة على كما قلنا على ان هذه الدنيا كثيرا ما تأتي نتائجها على خلاف الظاهر فيقول كم جهول وهو مثر مكثر.
تلاحظون الان احبتي اناس لا يملكون اي قيمة معرفية في الحياة اناس كسالى لكنهم ورثوا اموالا من ابائهم فبنوا قصورا وحدائق غناء ويعيشون مع هذه الاموال بسعادة وفرح وترف ولهو وعبث. ومع انه انسان جاهل في المقابل تجد انسانا متعلما حصل على شهادة في الهندسة او في الطب او في علوم التربية انسان متعلم لكنه يموت هما وغما على هذه الحياة الدنيا. يقول وعليم مات منها بالعلل.
انسان متعلم وعنده علم غزير لكن هذه الدنيا لا تفتح له لم تأته الارزاق كما يهوى وكما يشاء فاذا كان هذا المتعلم متعلقا بالدنيا متشبثا بها فانه سيموت هما وغما وكمدا على هذه الحياة التي لم تأت وفق مراده. كثير من الناس يقول لك انا يا شيخ اريد ان اتعلم في الجامعة وان احصل شهادة الدكتوراة حتى اجد لنفسي مكانا مرموقا في المجتمع ووظيفة شريفة تدر علي دخلا كبيرا فيبدأ الانسان الدراسة ويحصل الشهادات العليا ثم يحاول ان يبحث عن عمل فيجد الابواب مؤصدة في وجهه.
فاذا كان هذا الانسان العليم قلبه متعلق بهذه الحياة الدنيا متشبثا بها فانه سيموت كمدا وحزنا على ما اصابه. يقول بعد كل هذا التعب. بعد كل هذه السنوات وانا درست ونصبت في الجامعة ثم بعد ذلك تغلق هذه الابواب في وجهي ولا اجد بابا ارد فيه او ادخل فيه على الرزق بينما هذا الانسان الجاهل الذي لم يتعب تعبي اذا هو مع هذه الاموال لأن هو يعبث. بعض الناس احبتي تصيبهم امراض.
من الاكتئاب والحزن والكمد يموت منها اي والله بعض الناس رأيناهم احبتي حينما يشعر انه بذل جهدا في العلم وتحصيل العلوم ثم لم تفتح له الارزاق يموت كمدا وحزنا وغما على هذه الحياة وتحل به الامراض. يصبح يقارن بينه وبين ذاك الجاهل الذي لم يتعب في تحصيل الاموال اتته الاموال بكل هدوء من دون كد وتعب. فحينما يبدأ بالمقارنة للاسف يبدأ يشعر بالغيظ والكمد. لا يرضى بما قسمه الله سبحانه وتعالى له. لا يشعر بالرضا والقناعة ويقول الامر بيد الله سبحانه وتعالى يصرفه كيف يشاء.
ففعلا احبتي هذه الحكمة الوردية حكمة الرضا بقضاء الله وبما قسمه الله سبحانه وتعالى انسان حكمة جليلة تجعلك تعيش براحة لا تتعب لا تبدأ تقارن نفسك ووضعك المادي بوضع غيرك. تشعر ان هذه الحياة الدنيا تسير وفق اقدار الله. وان ما اختاره الله عز وجل لي هو الخير فلربما لو فتح لي باب من الرزق لطغيت. لاسرفت بالذنوب والمعاصي. لانحرفت عن الجادة.
الفقر هو خير لي والخمول هو افضل لي. فدائما يا اخي الكريم اياك ان تحسم الامور في هذه الحياة الدنيا بالحساب المادي البحت. وان تظن ان الاسباب لابد ان تولد النتائج. عش مطمئنا بربك سبحانه وتعالى. راضيا بما قسمه لك مع بذلَك للأسباب. والله سبحانه وتعالى يقدر الخير. يقول لك ايضا كم شجاع لم ينل منها المنى وجبان نال غايات الامل. انظروا كم انسان شجاع مقدام.
لكنه لم يسد ولم يحقق طموحاته في السيادة والشرف والملك بينما في المقابل تجد انسانا جبانا خائفا فاذا هو يحقق المنى ويصبح سيدا في قومه والناس تأتيه وتزوره وتبجله وتقدمه في المجالس. اشياء غريبة فعلا في هذه الحياة الدنيا. لكنها الاقدار لكنها الاقدار انسان شجاع مقدام في المواقف جريء لا يحقق بغيته ولا يحقق اماله بينما انسان جبان مضطرب خائف اذا الناس تسوده. وانظروا في واقعنا احبتي. كم من انسان جبان جهول.
مفسد ساد واصبح له مكانة في المجتمع والناس تقصده مع انه انسان فاسد. انسان جبان انسان سفيه لا يملك حكمة طيب لكن هي اقدار الله سبحانه. بينما تجد انسان صاحب حكمة صاحب علم صاحب رزانة صاحب فكر. لكن الناس يهمشونه ولا يلتفتون اليه ويسفهونه. هي اقدار الله سبحانه وتعالى تسير وفق مراده عز وجل فلذلك يقول لك ابن الوردي حتى تستريح ايها الانسان اترك الحيلة. قال فاترك الحيلة فيها والتئد.
فاترك الحيلة فيها والتئد. انما الحيلة في ترك الحيل. يقول لك اياك ان تبدأ تحتال وتخطط كثيرا كثيرا لتنهب هذا ولتحصل هذا اترك كل هذه الحيل وكل هذه الالتفاتات من اجل لعاعة الحياة الدنيا. وانما تعامل معها برفق وبهدوء. والتئد اي كن رفيقا هادئا متزنا. اياك من ان تسلك المسالك الملتوية من اجل ان تحصل شيئا من المال. فوالله لن تحصل الا ما كتب لك. اترك الحيلة.
والاحتيال وكما نقول في لغتنا اللف والدوران وتكون انسانا واضحا متعدا رفيقا متزنا فوالله بذلت الحيل او لم تبذلها فان رزقك مكتوب. اترك الحيلة في ها هو التائب انما الحيلة في ترك الحيل. تريد الحيلة الحقيقية النافعة لك الحيلة الحقيقية النافعة لك هي ان تترك كل الحيل الاخرى انما الحيلة في ترك الحيل. جميل هذا البيت. الحيلة الحقيقية النافعة التي تحقق لك السعادة هو ان تترك كل صور الاحتيال واللف والنصب والدخول من هنا والخروج من هنا ان تكون انسانا واضحا.
هادئا متزنا واضح المنهج في الحياة. الناس تعرفك بالنزاهة والخير وانك تأكل فقط من المال الحلال وانك لا تسعى لا الى امجاد دنيوية ولا الى ان يلتفت الناس حولك ولا الى شهرة ولا وانما تسعى للخير. لك ولمجتمعك. بكل وضوح بكل سهولة
بعيداً كما قلنا عن القيل والقال والاحتيال والدخول فيما لا ينبغي أن تدخل فيه. إذاً، هذه الأبيات الخمس حكمتها واضحة: اطرح الدنيا فمن عادتها -أي كثيراً ما تخفض العالي- يكون الإنسان عالياً في مكانة ورفعة فإذا هو يخفض، وتعلي من سفل- يكون إنسان ذليل ما أحد ينتبه له إذا هو يرتفع-. عيشة الزاهد في تحصيلها عيشة الجاهد، بل هذا أذى؛ الإنسان الزاهد في الرزق والمطعم والمشرب واللباس كالإنسان الجاهد والكاد والذي يتعب نفسه بالدنيا، لكن الفرق بينهما أن هذا الذي يتعب نفسه من أجل الدنيا يحيا حزيناً مكتئباً وهو يأكل ويشرب ويلبس، بينما هذا الزاهد في الدنيا يحيا عيداً مسروراً وهو يلبس ويأكل ويشرب.
ثم قال: كم جهول وهو مثر مكثر، وعليم مات منها بالعلل. كم شجاع لم ينل منها المنى، جبان نال غايات الأمل. مفارقات في هذه الحياة الدنيا، إنسان بذل الأسباب لكنه لم تحصل له النتائج، هذه هي الحياة الدنيا، فالإنسان دائماً يكون مطمئناً لمولاه. ثم ختم فقال: فاترك الحيلة؛ إياك أن تحتال وأن تدخل الطرق الملتوية غير المرضية، بل ابتعد كن رفيقاً هادئاً متزناً، اسعَ إلى الأمور من أبوابها، وإياك أن تأتي البيوت من ظهورها، فإنما الحيلة الحقيقية النافعة هي أن تترك كل هذه الصور الملتوية وأن تسلك المسلك الصحيح.
ثم يقول ابن الوردي رحمة الله عليه بعد ذلك: أي كف لم تنل منها المنى، فرماها الله منه بالشلل. طبعا هذا البيت له عدة روايات؛ في رواية: أي كف لم تفد مما تفد -أي لم تعِطَ مما نالت-، وفي رواية أخرى: أي كفّ لم تنل منها المنى، فرماها الله منه بالشلل. في هذا البيت أحبتي ينتقد ابن الوردي الأناس الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله ولا يبذلونه للآخرين، سواء كان مالاً أو جاهاً أو علماً، فيرى ابن الوردي أن هؤلاء الناس الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله ولا يبذلون المعروف للآخرين يستحقون أن يسلبوا هذه النعم؛ لأنهم لم يؤدوا زكاتها، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
نعم، هذا إذاً كما قلنا انتقاد من ابن الوردي لأناس يبخلون بما آتاهم الله من فضله. عطاء الله أحبتي قد يكون مالاً، قد يكون جاهاً، قد يكون علماً، قد يكون قدرة جسدية بدنية تستطيع أن تنفع بها الآخرين. فمن الصفات القبيحة في الإنسان أن يكون شحيحاً ممسكاً يمتنع من بذل الخير للآخرين، ويحجز معروفه عن الناس، فهذه الصفات فعلاً من أقبح الصفات التي لا ينبغي أن يتصف بها الإنسان. لذلك كثيراً ما جاءت الشريعة المحمدية تحث الناس على بذل الخير للآخرين، وتحث الناس على أن يشاركوا بالخير الذي بين أيديهم الناسَ الذين سلبوا هذا الخير. الآن هناك أناس الله عز وجل رزقهم المال وهناك أناس فقراء ما عندهم مال، هناك أناس رزقهم الله عز وجل جاهاً في المجتمع وهناك أناس ضعفاء ما عندهم، هناك أناس علماء وهناك أناس جهال.
فالشريعة دائماً تحث أصحاب الفضل -من رزقهم الله عز وجل هذه النعم- أن يشاركوا بهذه النعم التي أولاهم الله إياها غيرهم ممن حرموا منها، فلذلك الشريعة كم دعت إلى الإنفاق في سبيل الله والتصدق على الفقراء والمحتاجين! كم دعت الشريعة الإنسان أن يبذل جاهه مجاناً لإخوانه من دون مقابل، بل حذرت الناس أن يأخذوا مالاً على جاههم! كم دعت الشريعة العلماء أن يبذلوا علمهم، ورفعت من قدر العلماء الذين يعلمون الناس الخير، وذكرت في فضلهم واستغفار الملائكة لهم واستغفار الحيتان والمخلوقات والكائنات لهم الآثار العظيمة الجليلة! وكل هذا يدل على أن الشريعة تريد منك يا صاحب النعمة أن تشارك بهذه النعمة غيرك وألا تحجز هذا الخير عن الناس، وأن تتذكر فضل الله سبحانه وتعالى عليك حينما منحك هذه النعمة، عليك أن تعرف حق الله سبحانه وتعالى فيها بأن تؤدي زكاتها؛ فزكاة العلم تعليمه، وزكاة الجاه بذله، وزكاة المال إنفاقه في وجوه الخير.
والقاعدة العامة في الشريعة أحبتي أن الأعمال التي نفعها متعدٍ أعظم ثواباً من الأعمال التي نفعها قاصر؛ الأعمال الخيرة التي يكون نفعها متعدياً للناس أفضل من الأعمال التي يكون نفعها قاصراً عليك. من ذكرها طائفة من أهل العلم أن الأعمال التي نفعها متعدٍ يثاب الإنسان عليها حتى ولو لم ينوي بها الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى؛ الأعمال التي يكون نفعها متعدياً للناس تنفع فلاناً في كرب أو في مصيبة حلت به، أو تساعده في فقره، أو تبذل جاهك من أجله، أو تعلمه بسبب جهله، هذا الخير الذي للناس أنت مثاب عليه حتى ولو كنت في لحظة فعله لا تحتسب الأجر عند الله سبحانه وتعالى، نسيت أن تحتسب الثواب، فعلته وأنت غافل، فإنك تثاب عليه بإذن الله بشرط طبعا ألا تفسده بنية فاسدة، يعني تنوي الرياء أو الشهرة، لا، هنا ذهب الأجر.
لكن كثير من الناس قد يساعد الآخرين، يبذل لهم جاه، يبذل لهم العلم، يبذل لهم الخير، وفي لحظة عمله لا يكون مستحضراً ابتغاء مرضاة الله، فهذا يثاب بإذن الله ما دام لم ينوي نية فاسدة. فإذاً ابن الوردي رحمة الله عليه هنا يدعو الناس إلى أن يكونوا معطاءين، أن يكونوا أصحاب خير وبذل؛ يا أيها المسلم إياك أن تكون شحيحاً بخيلاً ممسكاً تحجز الخير عن إخوانك، لابد أن تكون معطاءً باذلاً، تساعد الناس، تقف معهم في المواقف، ما رزقك الله عز وجل من خير بغض النظر ما هو كان هذا الخير للناس. هكذا نحقق التكافل الاجتماعي، يسود الخير والمحبة في المجتمع، لذلك هذه من الحكم التي ينبغي أن نتعلمها جميعاً؛ إذا اتاك الله عز وجل خيراً ومنحك نعمة فعليك أن تشارك به إخوانك، وإياك أن تحجزها عنهم وأن تقتصر بها على نفسك: أي كف لم تنل منها المنى، الأيادي التي لا تعطي ما أعطاه الله عز وجل من النعم فرماها الله منه بالشلل. يدعو عليها بالشلل وأن تسلب هذه النعم؛ لأنها لا تستحق هذه النعم، فعلاً هذه الأيادي التي لا تبذل وإنما فقط تريد أن تأخذ وتكنز، هذه لا تستحق هذه النعم التي أنعم الله عز وجل بها عليها.
ثم يقول: لا تقل أصلي وفصلي أبداً، إنما أصل الفتى ما قد حصل. قد يسود المرء من غير أب، وبحسن السبك قد ينفى الزغل. وهكذا الورد من الشوك وما يطلع النرجس إلا من بصل. في هذه الأبيات أحبتي انتقاد آخر من ابن الوردي لطائفة من الناس شغلهم الشاغل الافتخار بالأحساب والانساب؛ هناك أناس شغلهم الشاغل الافتخار بأحسابهم وأنسابهم وأصولهم وأجدادهم من دون أن يعملوا عملاً في هذه الحياة، ومن دون أن ينجزوا شيئاً، ومن دون أن يتركوا بصمة في حياتهم وفي حياة الآخرين. فيقول ابن الوردي لهؤلاء الذين ينشغلون بذكر فضائل آبائهم وأجدادهم، تجد أحدهم يقول: أنا أبي فلان بن فلان الذي فعل كذا وكذا، وأنا أصلي من العائلة الفلانية، وأنا جدي فلان صاحب هذه المفاخر، ويبدأ يعدد بمفاخر أجداده وآبائه وهو خلو من هذه المفاخر ولم يحصل شيئاً من هذه المآثر.
يقول له ابن الوردي: ما فائدة كل هذه المفاخر التي تذكرها وهذه المآثر التي تتبجح بها وأنت خلو منها ولم تشتمل بخلق منها، لم تقدم شيئاً لتاريخ أمتك؟ ما فائدة كل هذه الأمور؟ فيقول: دعك من هذا الافتخار الذي لا فائدة منه، لا تقل أصلي وفصلي، لا تقل كان أبوي وكان جدي وكان وأنسابي وأنا من العشيرة الفلانية التي فعلت، لا تقل هذا ما دمت خلواً من هذه المآثر ومن هذه المفاخر، ما دمت بطالاً لم تشتمل بهذه الأخلاق الحميدة التي تفتخر بها ولم تبذل ولم تقدم ولم تنجز شيئاً. يقول لك ابن الوردي اخي الكريم إن الأصل الحقيقي الذي يجب أن تفتخر به، إن الجذور العميقة
لك في هذه الحياة الدنيا إنما هي الأعمال التي قدمتها والمفاخر التي سطرتها بعرق جبينك، دينك، بكدك، بغرس يدك. الأصل الحقيقي، النسب الحقيقي لك في هذه الحياة، والجذور العميقة التي تفتخر بها، هي تلك الإنجازات التي قدمتها لهذه الأمة. تلك المفاخر التي سطرتها بعرق الجبين وبتعب العمر التي سهرت من أجلها، غرستها بيدك وتعبت في تحصيلها. هذا الذي يفتخر به الإنسان. وأما أن تجلس تفتخر بما فعله آباؤك وأنت لم تبذل في ذلك شيئاً، فليس هذا مما يفتخر به. الذي يبقى ذكره على ألسنة الناس هو ما قدمته أنت.
فأما ما قدمه أبؤك فسيبقى لآبائك ولن ينسب إليك. أخي الكريم، يقول لك ابن الوردي ويريد أن يوصل هذه الرسالة للناس: لا تظن أن تسطير الأمجاد وأن الإنجاز في هذه الحياة الدنيا يرتبط بأن تكون صاحب نسب عريق، فكم من أناس قادوا الأمم وسادوا وسطروا أمجاداً من دون أن يمتلكوا ذلك النسب العريق! أي والله، بعض الناس أحبتي يظن أن تسطير الأمجاد وصناعة التاريخ لا يكون إلا من إنسان له نسب عريق، وهذه فكرة خاطئة. فلو نظرتم في سير الشجعان والفرسان الذين قادوا الدول وسطروا الحضارات، هؤلاء أحبتي كثير منهم لم يخرج من أسرة عريضة النسب أو عريقة، بل ربما كان أبوه مجهولاً بعيداً عن المعرفة.
فتحصيل الأمجاد والمفاخر لا يتعلق بأن تنشأ في أسرة عريقة عريضة لها نسب وشرف بين الناس، في فكرة عليك أن تعتني بها. ثم ذكر لك مثلاً من الحياة الدنيا ليقرب لك الصورة أكثر وأكثر، فيقول لك: قد يسود المرء من غير أب وبحسن السبك قد ينفى الزغل. كم من إنسان ساد من غير أن يكون أبوه معروفاً، له نسب عريض بين الناس! فكما أن الذهب معدن، الذهب حينما يستخرج من الأرض يكون ملوثاً، ثم حينما يعرض على النار ويسبك، يظهر هذا المعدن خالصاً مضيئاً نقياً من الغش. الزغل هو الغش، ما عاد مغشوشاً بعدما تسبك الذهب بعرضه على النار يتم تنقيته مما اختلط به من تراب الأرض والحجارة، فيكون هنا ذهباً خالصاً نقياً ما فيه غش.
فكذلك الإنسان، حتى لو خرج من بيئة ومن أسرة لا تملك شرفاً عريضا في المجتمع، فانه بهمته العالية وبعزيمته الماضية وبكده وبتعبه يستطيع أن يحقق أمجاداً وتاريخاً من دون أن يتكل على آبائه وأجداده. فالقضية أحبتي هي قضية همة، هي قضية طموح، هي قضية هدف ترسمه وتسعى من أجل تحقيقه بكل جد وبكل عزيمة، فتستطيع النجاح. نعم، ثق بذلك وثق بربك أنك تستطيع النجاح وأن تحقق شيئاً لم يحققه الناس، حتى ولو لم تكن صاحب نسب عريض، حتى ولو لم تتكل على آبائك وأجدادك تستطيع أن تحقق، لكن المهم أن تملك الدافع، أن تملك الطموح، وأن تحسن التخطيط والعمل، وأن تترك الكسل والنوم.
أيضاً ابن الوردي رحمة الله عليه ما زال يذكر أمثلة تؤكد هذه الفكرة التي يريد أن يوصلها إليك، هذه فكرة انتبهوا إليها: إياك أن تعتمد على آبائك وأجدادك في تحصيل أمجادك، بل عليك أن تحصل مجدك بيديك وأن تغرس شرفك وكرامتك في المجتمع بيديك. لا تعتمد على الآباء والأجداد، كلا؛ ما فعله الآباء والأجداد هذا خير لهم بذلوه ويذكر لهم، أما أنت فمجدك وشرفك وقيمتك في هذه الحياة هي بالبصمة التي تتركها بعرق الجبين وبالنصب والتعب، هذا هو الشيء الذي تفتخر به.
انظر كيف يذكر لك الآن بعض الأمثلة التي تؤكد هذه الفكرة، فكرة أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يعتمد على آبائه وأجداده في تحصيل شرفه ورفعته في المجتمع. يقول لك: وهكذا الورد من الشوك وما، يطلع النرجس إلا من بصل. يقول لك: انظر كيف يخرج الورد الجميل البهي من الشوك القاسي! انظروا أحبتي في الورد؛ كثير من الورد الذي نجده في الطبيعة يكون أصله شوكاً، ثم بعد ذلك تخرج هذه الوردة الجميلة البهية. فكأن ابن الوردي يقول لك: حتى ولو كنت في بيئة قاسية وفي حياة صعبة وفي أسرة بعيدة عن العلم والمعرفة، تستطيع أن تخرج وأن تنجز وأن تحقق شرفاً. انظر إلى الوردة الجميلة كيف خرجت من بيئة قاسية صعبة!
وكذلك أنت قد تخرج من بيئة وعرة، بيئة فقيرة، بيئة بعيدة عن العلم والإنجازات والطموحات، لكن أنت بطموحك، بهمك، بشخصيتك القوية، بتخطيطك الجيد في هذه الحياة، تستطيع أن تنجز وأن تضع البصمة التي لن ينساها الناس لك. قال أيضاً: وهكذا الورد من الشوك وما، يطلع النرجس إلا من بصل. النرجس ذو الرائحة الطيبة الزكية، ما أصله؟ خرج من البصل ذو الرائحة الكريهة! عجيبة هذه الحياة! البصل ذو الرائحة الكريهة الخبيثة يخرج لنا نرجساً له رائحة طيبة لذيذة؟ أي والله. فكذلك أنت، حتى لو كان في أجدادك من عرف بسوء الخلق مثلاً، أو كنت من عشيرة معروفة بالغلظة والقسوة والناس تجتنبها، حتى لو خرجت من هذه البيئة الصعبة الوعرة، تستطيع أنت أن تكون نموذجاً مشرقاً يحبك الناس.
فالقضية أحبتي في صناعة الأمجاد، وفي تسطير البطولات، وفي تحقيق المعارف، وفي بناء النفس، ليس من هو والدك أو من هو جدك أو ما هو أصلك. لا، لا، ليس هذه هي القضية؛ هذا شغل البطالين! هذا شغل البطالين الذين يعتمدون على آبائهم وأجدادهم وهمهم أن يكثروا من مفاخرهم. هذا إنسان بطال، ما عنده فضائل يعملها في حياته، ما عنده شيء يقدمه للتاريخ، ما عنده بصمة يستطيع أن يقدمها قبل أن يموت، فيجد المتنفس له في أن يذكر فضائل آبائه وأجداده. أما الإنسان صاحب الهمة العالية والعزيمة الماضية، صاحب النفس الشريفة، لا يتكل على آبائه وأجداده، وإنما يصنع إنجازه، يصنع تاريخه بعرق الجبين.
إذاً، لا تقل أصلي وفصلي أبداً، إنما أصل الفتى ما قد حصل. أصلك الحقيقي وجذورك العميقة هو ما أنجزته، ما حققته، ما سطرته لأمتك. قد يسود المرء من غير أب، إياك أن تظن أن المفاخر وتسطير الأمجاد لا يكون إلا بالنسب العريض العريق، كلا؛ قد يسود المرء من غير أب، وهذه "قد" البعض يقول للتقليل ولكن أنا اقول إنها للتكثير، هذه "قد" للتكثير، كثير هم الذين سادوا من دون أن يكون لهم أمجاد، وبحسن السبك قد ينفى الزغل، حينما تسبك الذهب جيداً ينفى عنه الغش ويخرج الذهب خالصاً.
وأنت حينما تسهر نفسك في هذه الحياة عملا وكدا وتعباً، بإذن الله يصبح بريقك مضيئاً، تصبح ظاهراً للناس، تصبح نجماً لامعاً، لكن ابذل واتعب وكد وانتظر الهدايا والعطايا من الرب الكريم لك. وهكذا الورد من الشوك وما، يطلع النرجس إلا من بصل، هذا البيت رائع جداً. الورد من الشوك وما، يطلع النرجس إلا من بصل، الإنسان قد يكون مضيئاً مزهراً مع أنه خرج من بيئة قاسية متعبة. احفظوها جيداً: وهكذا الورد من الشوك وما، يطلع النرجس إلا من بصل.
فلا تستغرب أن تنبغ يا طالب العلم وأن تصبح عالماً مع أنه لا يوجد من آبائك ومن أجدادك من هو منشغل بالعلم، إياك أن تظن أن هذا مانع، كلا؛ أنت بحسن تخطيطك وببذلك وبكدك وتعبك وبتفريغ نفسك للعلوم قد تصبح عالماً بإذن الله. إذاً: وهكذا الورد من الشوك وما، يطلع النرجس إلا من بصل، مع أني أحمد الله على نسبي إذ بي أبي بكر اتصل. كأن ابن الوردي الآن أحبتي يريد أن يبرأ ساحته، حتى لا يظن الناس أن ابن الوردي إنما يقول هذا الكلام في الابيات السابقة لأن نسبه وضيع ولانه لا يملك شرفاً في آبائه وأجداده، لذلك هو يعزي نفسه.
يعني بعض الناس حينما يقرأ هذه الأبيات السابقة لابن الوردي يظن أن ابن الوردي يعزي نفسه بأنه لا يملك نسباً عريضاً عميقاً، فلذلك يعزي نفسه ويقول: كم من إنسان برع ونبغ من دون أن يكون ذا نسب. لكن ابن الوردي يقول: لا، لا، إياكم أن تظنوا أنني إنما أتكلم بهذا الكلام لضعة في نسبي وقلة في شرفي، كلا والله، فانني من نسب عريض عميق، فإن نسبي يتصل بأبي بكر الصديق، مع أني أحمد الله على نسبي إذ بأبي بكر اتصل، فنسب ابن الوردي كما ذكرنا في بداية هذه الدورة.
يتصل بأبي بكر الصديق، لكن يقول لك ابن الوردي: مع هذا النسب الشريف الذي أجله وأعظمه، لكنني لا أرضى أن أكون عالة على نسبي. لا أرضى أن يكون فخري منبعه من نسبي، بل إنما أفتخر بما أُنجزه، بما أحققه، بما أقدمه للناس من الخير، وبالبصمات التي أتركها في هذه الحياة الدنيا.
ابن الوردي يا أحبتي صاحب نفس شريفة، أي والله، صاحب همة عالية، لا يرضى أن يتكل على آبائه وأجداده. إنسان عصامي ليس عظامياً. إنسان يقول لك: أنا أبني مجدي بعرق الجبين، مع أني أفتخر بهذا النسب وأجله وأعظمه. ماذا يريد أفضل من هذا النسب الذي يتصل بأبي بكر الصديق؟ لكن في النهاية الافتخار الحقيقي ليس بمآثر الآباء والأجداد، وإنما بما قدمته الأيدي في هذه الحياة.
ثم البيت الذي يختم به محاضرة اليوم، يقول ابن الوردي: قيمة الإنسان ما يحسنه، أكثر الإنسان منه أو أقل. وهذا من الأبيات الرائقة الرفيعة جداً في هذه اللامية: قيمة الإنسان ما يحسنه أكثر الإنسان منه أو أقل. قيمتك في هذه الحياة الدنيا يا طالب العلم هو بما تحسنه. قيمة الإنسان لا تقاس بأمواله ولا بقصوره، لا تقاس بحسبه ونسبه وأصله، ليست هذه هي القيمة. القيمة الحقيقية لك بما تملكه من المعارف والقيم. القيمة الحقيقية لك بأعمالك وإنجازاتك وما تقدمه لنفسك وللآخرين.
نعم أحبتي، كلما كنت مفيداً لنفسك وللمجتمع، كلما كنت مليئاً بالمعارف والقيم والأخلاق، كلما علت قيمتك وارتفعت في هذه الحياة. وكلما قلت بضاعتك، وقلت إنجازاتك، وقلت أعمالك، كلما قلت قيمتك في هذه الحياة. وهناك أناس لا قيمة لهم أصلاً في هذه الحياة. هناك أناس يحيون في هذه الحياة الدنيا لشهواتهم، لأهوائهم، في لهو وعبث، ومن مجلس لمجلس، لا يملكون أي إنجاز، لا يملكون أي قيمة معرفية، لا يقدمون شيئاً لهذه الحياة. فهم في الحقيقة أناس زائدون على هذه الأرض، سيطوون تحت التراب، وسينساهم التاريخ كما نسي الآلاف من أمثالهم.
بينما أصحاب النفوس الشريفة لا يقبلون أن يدخلوا إلى هذه الحياة وأن يخرجوا منها بنفس النمط. يقولون: دخلنا على هذه الحياة جهالاً، خرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئاً، لكن لا يمكن ولا يحق لنا أن نخرج كما دخلنا، لابد أن نخرج بعد أن امتلأنا من المعارف والعلوم، وبعد أن تركنا البصمات الواضحة في تاريخ هذه الأمة. أنجزنا في كل الميادين؛ في العلوم الشرعية، في العلوم التجريبية، في العلوم التربوية والاجتماعية.
المهم أن تضع بصمة أخي الكريم قبل أن تغادر هذه الحياة الدنيا، مهما كان حجم هذه، اسمع، لو وضعتها في شخصين، في ثلاثة، في أسرة، في حي، في قرية، في مدينة، في وطن، في أمة، المهم أن تضع بصمة بغض النظر عن حجم هذه البصمة. هناك من يقدره الله أن يضع البصمة اه في قرية، هناك من يقدره الله أن يضع بصمة في وطن كامل، هناك من يقدره الله أن يضع بصمة في أمة كاملة. لكن المهم أن تضع هذه البصمة مهما كان حجمها، مهما كان حجمها، المهم أن تضعها وأن تسطرها.
وأما أن تدخل وتخرج من هذه الحياة الدنيا كما أنت إنسان جاهل، عابث، لاهي، يبحث ويلهث عن شهوته وعن متاع الحياة الدنيا، فهذا لا يكون لأصحاب النفوس الشريفة ولاصحاب الهمم العالية. قيمة الإنسان ما يحسنه، وهذا مروي، هذا الأثر مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: قيمة الإنسان ما يحسنه. يعني بغض النظر صح عنه أو لم يصح، لكنها حكمة جليلة محقة. قيمتك أخي الكريم في هذه الحياة في المعارف التي تسعى في تحصيلها.
لذلك دائماً أنا أحث الإنسان وإخواني من طلبة العلم أن ينهلوا من العلم. مهما بلغت في العلم لا يشترط أن تصبح عالماً كبيراً، لكن المهم أن تتعلم وأن تنهل من هذه المنابع الصافية النقية، وأن تحصل ما استطعت أن تحصله؛ تنفع به زميلك في عمل، تنفع به زوجتك، تنفع به أبناءك، ننشر الوعي والثقافة في المجتمع، يصبح العلم الشرعي والمعرفة والعمل والطموح ثقافة سائدة بيننا. أما أن يبقى الكسل والنوم اللهو والعبث هو شعار المجتمعات المسلمة، هذا يؤخرنا كثيراً كثيراً في مسيرة الحضارة، في مسيرة التقدم، في مسيرة الإنجاز.
لابد أن نترك أعمالاً نيرة مشرقة، لابد أن نحصل المعارف اه والثقافة، لابد أن نفكر وأن نتأمل. يكفينا دعة وسكوناً وخمولاً وحبا للدنيا وتعلقاً بها. حان الوقت لأن ننتفض ولأن آآ ننفض الغبار عنا، وأن ننطلق إلى هذه الحياة بالهمة، بالإنجاز، بالطموح، نرفع سقف الطموحات إلى أعلى المستويات. ما هو المانع أحبتي؟ أنا وأنتم ما هو المانع أن نرفع سقف طموحاتنا إلى أعلى المستويات ونسعى من أجل تحقيق هذه الطموحات؟ والله سبحانه وتعالى يقدر لنا الخير عز وجل. لكن المهم أن ننوي، المهم أن نسعى، أن نطلب المعالي ولا نبقى في سفاسف الأمور.
إذاً، لا أطيل أكثر من ذلك في محاضرة اليوم: نصائح ذهبية، نصائح وردية من الإمام ابن الوردي رحمة الله عليه. النصيحة الأولى: لا تتشبثوا بهذه الدنيا ولا تتعلقوا بها، عليك أن تحيى وأنت قانع بما قسمه الله زوجاً لك. النصيحة الثانية: إياك أن تكون شحيحاً بخيلاً ممسكاً تحجز الخير عن الناس، بل ينبغي أن تكون باذلاً معطاءً في هذه الحياة. النصيحة الثالثة: إياك أن تغتر بنسبك وباجدادك آآ وأن تظن أن الفضائل التي تحصلها إنما تحصلها بسببهم، بل اعلم أن الفضائل والمآثر والامجاد هي ما تغرسه بيدك وبعرق جبينك.
ثم يقول لك: قيمة الإنسان ما يحسنه أكثر الإنسان منه أو أقل. قيمتك في هذه الحياة الدنيا بقدر إنجازاتك، بقدر طموحك، بقدر أعمالك وعلمك ومعرفتك. أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا همماً تسعى على هذه الأرض، وأن نكون دائماً الوقود الذي يشعل الناس للعمل وللخير، وأن نكون معطائين أينما كنا في هذه الحياة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
غرس العلم لدراسة العلوم الشرعية، طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل