تسجيل الدخول

شرح لامية ابن الوردي (6)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح لامية ابن الوردي للشيخ إبراهيم رفيق الطويل.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، نحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح آآ لامية ابن الوردي، نصيحة الإخوان ومسردة الخلان، هذه المنظومة الأدبية الرائقة التي حفظها التاريخ، وبقي العلماء وطلبة العلم يتلونها جيلاً بعد جيل؛ لما تضمنته من الأخلاق الرفيعة ومن الآداب الجليلة.

عالج فيها ابن الوردي رحمة الله عليه مجموعة من القضايا المهمة في حياة الإنسان، سواء مشاكل أخلاقية، مسائل اجتماعية، مسائل آآ سلوكية، فكانت جامعة فذة نفيسة، وأرشاداتها فعلاً فيها الصدق وفيها النصح، وفيها خلاصة تجربة عاشها هذا الإمام العظيم وأراد أن يقدمها للمجتمع المسلم، فرحمة الله تعالى عليه.

آآ اليوم أحبتي نكمل في المكان الذي انتهينا إليه أو في البيت الذي انتهينا إليه في المحاضرة السابقة، كنا وصلنا إلى البيت السابع والأربعين الذي يقول فيه ابن الوردي رحمة الله عليه: اكتم الأمرين فقراً وغنى، واكسب الفلس وحاسب من بطل.

ابن الوردي رحمة الله عليه أحبتي في هذا البيت يقدم نصيحة للمسلمين، يقول لكم: اكتموا أحوالكم عن عامة الناس، سواء كان حال غنى أو كان حال فقر، إذاً يقول لك: اكتم الأمرين فقراً وغنى، أي سواء كنت غنياً أو كنت فقيراً، اكتم الأمرين عن الناس.

طب نبدأ بالحالة الأولى في الحقيقة ودعونا نتفكر فيها، نبدأ في حالة الغنى. يقول ابن الوردي: إذا كنت غنياً ورزقك الله سبحانه وتعالى أموالاً طائلة، فلا تحدث بتفاصيل هذه الأموال أمام عامة الناس، فإن كل ذي نعمة محسود، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فإذاً هو يوجهك إن كنت ثرياً وصاحب مال وثروة أن لا تبين للناس تفاصيل هذه الثروة، لا تحدث بالعقارات التي تملكها والأرصدة البنكية وما عندك في البيت وخارج البيت، لا تحدث بهذه الأمور أمام عامة الناس.

لكن القضية التي يمكن أن تشكل عليك يعني ابن الوردي يقول لي: لا أتحدث بهذه القضايا والتفاصيل أمام الناس، لكن الله سبحانه وتعالى يقول لنا: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ، فما وجه الجمع بين هذه النصيحة الوردية وبين قوله تعالى، وبين الإرشاد الإلهي في هذه الآية المباركة؟ ظاهر هذه الآية أنه يأمرنا بالتحدث بنعمة الله علينا، ومن نعمة الله على العبد الغنى، كيف نجمع؟

في الحقيقة أحبتي لا تعارض، لأن الآية القرآنية حينما تطالبك بالتحدث بنعمة الله عليك، المراد بالتحدث بنعمة الله هو أن تعترف بقلبك وبلسانك وبجوارحك بعظيم نعمة الله سبحانه وتعالى عليك مثنياً شاكراً لله عز وجل، المراد بالتحدث أيضاً أحبتي هو أنك إذا سئلت عن حالك وسألك الناس عن أمورك، فتحمد الله سبحانه وتعالى وتشكره وتقول: الحمد لله الذي أنعم علي بالنعم الوافرة الجزيلة، هذا الحمد الشامل الجملي يؤدي الغرض بالتحدث بنعمة الله.

لا يكن حالك حال كثير من الناس الذين أنعم الله عز وجل عليهم بكثير بكثير من الخيرات، وإذا سئلوا عن أحوالهم تضجروا وشكوا الحياة، وهناك مشاكل في العمل، وهناك مشكلة في التجارة، هناك أناس أحبتي أنعم الله عليهم بنعم كثيرة، لكنهم لا يعرفون الحمد والشكر، ودائماً يتضجرون وعندهم الشكوى هي الديدن هي الحالة الدائمة في حياتهم، وهذا فعلاً من عدم التحدث بنعمة الله.

بل إذا كنت غنياً ورزقك الله عز وجل في الرزق، فمن التحدث بنعمة الله أن تقول: الحمد لله الذي أنعم علي بالنعم الوافرة الجزيلة، من الله عز وجل يأمرنا أن نحمده على الطعام الذي نأكله وعلى الشراب الذي نشربه، إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها، فالله سبحانه وتعالى يحب من عبيده أن يحمدوه وأن يثنوا عليه وأن يشكروه سبحانه وتعالى على هذه النعم الوافرة الجزيلة التي أنعم الله عز وجل بها عليهم.

التحدث بنعمة الله إذاً كما قلنا أن تعترف بقلبك وبلسانك وبجوارحك بالنعم العظيمة التي بالنعم العظيمة التي أنعم الله عز وجل بها عليك، ومتى سئلت عن حالك فتحمد الله وتشكر الله ودائماً لا تتضجر ولا تشكو، فلتقل: الحمد لله على هذا الغنى، الحمد لله على النعم، في خير وفي سعة وفي بسطة من الرزق، هكذا حالك هذا هو التحدث بنعمة الله.

من التحدث بنعمة الله عليك أن يرى الله سبحانه وتعالى أثر نعمته عليك، فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن يرى أثر نعمته عليه، فإذا كنت ثرياً صاحب مال فليس من الدين أن تخرج مقطوعاً بثياب مهترئة تظهر للناس أنك فقير، هذا فعلاً من الإعراض عن شكر نعمة الله، بل من التحدث بنعمة الله أن تظهر بالثياب اللائقة الجميلة آآ التي تدل على أن الله عز وجل قد أنعم عليك بالخير.

آآ من التحدث بنعمة الله سبحانه وتعالى أيضاً أن هذا الشيء الذي أنعم الله عز وجل به عليك من المال تبذل في وجوه الخير، تبذله للفقراء مساكين للمشاريع الخيرية للأعمال الاستثمارية التي تحيي المجتمع، هذا أيضاً من التحدث بنعمة الله، فإذاً ينبغي علينا أن نفهم معنى هذه الآية بالشكل الصحيح.

وأما بنعمة ربك فحدث هذه الآية لا تدعونا أحبتي آآ إلى أن نجلس أمام الناس ونبدأ نقول بالتفاصيل كم عندنا من الأموال وكم عندنا من العقارات وهذه الفلل كم كلفتنا وهذه المسابح أو الفنادق أو ما شابه ذلك من متاع الحياة الدنيا الذي يملكه الأثرياء، كم نملك من الآية لا تطالبك بهذا المفهوم، بل الآية تطالبك بالتحدث بنعمة الله بالمعنى العام الجملي، أنك دائماً في شكر وثناء على ربك سبحانه وتعالى، وإذا سئلت عن حالك فإنك وتحمد الله وتنسب الفضل إليه ولا تشكو الدنيا.

ما دام الله عز وجل قد أنعم عليك بالغنى فلا تشكو، ولا تظهر التضجر، بل بل أظهر دائماً الخضوع والشكر أذكر والثناء لربك، فهذا من التحدث بنعمة الله، أن يرى الله عز وجل أثر هذه النعمة عليك في بيتك وفي نفسك وفي حالك وفي صورتك، أن يرى الله عز وجل أثر هذه النعمة وألا تكون مقطراً، آآ أن يرى الله عز وجل هذه النعمة عليك في بذلك وفي صدقتك وفي إعمارك للمشاريع الخيرية والإسلامية والدعوية، هذه كلها جوانب وأما بنعمة ربك فحدث.

أما الجانب الذي آآ يأمرك ابن الوردي رحمة الله عليه أو ينصحك نقول ابن الوردي أن تجتنبه هو جانب التفصيل في بذكر الثراء والغنى أمام عامة الناس، التفصيل تقول: عندي كذا وكذا وكذا وكذا وكذا، فهذا التفصيل الأصل أن تكتمه، لماذا؟ كما قلنا لأن كل ذي نعمة محسود، وخاصة إذا كان أمام عامة الناس، فإن هناك الفقير وهناك الضعيف، فحينما يسمع بكل هذه الأموال الطائلة بتفاصيلها لربما يصيبك شيء من الحسد أو يصيبك شيء من العين، وهذه نصيحة نبوية، فإن كل ذي نعمة محسود أحبتي، فينبغي ألا نعارض بين النص القرآني وبين مفهوم الكتمان.

فالكتمان أن تكتم التفاصيل وألا تعرضها أمام عامة الناس، يمكن أن يكون عندك بعض الخاصة من إخوانك أو من أحبائك مثلاً فتقول في مجلسهم الخاص تقول: والله الحمد لله الله عز وجل رزقني في هذا الشهر كذا وكذا على سبيل العرض، وعلى سبيل التحدث بنعمة الله أيضاً، ما في مشكلة، لكن أن يكون ديدن إنسان التحدث بتفاصيل ما عنده من الثروات فهذا لا يكون جيدا في الحقيقة.

وهذا سبب كما قلنا لزرع الكبر في النفس رويداً أن يبقى الإنسان ديدن أن يتحدث عندي كذا وعندي وعندي سبب في زرع الكبر في نفسه رويداً رويداً، ثانياً آآ كما قلنا سبيل لتعرضه للحسد والعين، والحسد والعين حق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، فالإنسان يجتنب كل هذه الآفات بالحمد الجملي أمام الناس، يعني أمام الناس يحمد الله بالجملة على النعم الوافرة ويظهر هذه النعم في ثيابه.

وفي صورته، ويظهر هذه النعم في بذله وفي عطائه. هذا هو التحديث المطلوب منك بنعمة الله. وأما الدخول في التفاصيل فليس هذا هو التحديث المطلوب منك، والله تعالى أعلم. اكتم الغنى بهذا المفهوم الذي أصّلناه.

اكتم الغنى بهذا المفهوم الذي أرسلناه، عدم الخوض في التفاصيل أمام العامة. قال: واكتم الفقر أيضاً إذا كنت فقيراً ولم يرزقك الله سبحانه وتعالى مالاً، فلا تظهر افتقارك وحاجتك إلى المخلوقين، بل أظهر هذا الافتقار وهذه الحاجة للخالق سبحانه وتعالى؛ فإن الشكوى للمخلوق في الحقيقة هي قلة في المروءة، وتذهب ماء الوجه. الإنسان الذي يشكو افتقاره دائماً للمخلوقين ويشكو من حال الدنيا ومن قلة ذات اليد، هذا في الحقيقة يفقد مروءته مع الأيام، ويفقد ماء وجهه.

والمسلم، أحبتي، لا يكون ذليلاً. المسلم يحيا بعزة النفس، دائماً جبينه مرفوع، حتى ولو كان فقيراً معدماً، حتى لو كان فقيراً معدماً، يسأل الله سبحانه وتعالى من فضله وأن يغنيه. أنظروا، أحبتي، إلى حال النبي صلى الله عليه وسلم! النبي عليه الصلاة والسلام كانت تمر عليه أيام تلو الأيام ولا يوقد في بيته نار. كان يحيا حياة صعبة، ومع ذلك كان صابراً محتسباً راضياً عن ربه سبحانه وتعالى، يحيي بطمأنينة، لا يشكو إلى أصحابه ضيق الحال، بل دائماً هو الذي يزرع الأمل، هو الذي يزرع الطموح، هو الذي يرشد الناس إلى الخير ويأمرهم بالانفاق في سبيل الله ويحثهم.

فانظر في النبي صلى الله عليه وسلم تجد فيه أسوة حسنة. طبعاً هذه الدعوة، دعوة كتم الفقر، لا يعني أن يبقى الإنسان نائماً في بيته؛ يعني اكتم فقرك وابقى نائماً في بيتك. هذه القضية يريد ابن الوردي أن يطردها من ذهنك؛ فهو يقول لك: اكتم الفقر، لكن في نفس الوقت عليك أن تسعى للعمل، عليك أن تسعى للعمل حتى تحصل قوتك وقوت عيالك. لذلك ماذا قال بعد ذلك؟ قال: واكسب الفلس وحاسب من بطل. الله سبحانه وتعالى، أحبتي، يقول: وَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا. الله عز وجل يأمرنا أن نسير في مناكب الأرض؛ يعني إذا كنت فقيراً فلا تجلس تنتظر من الناس أن يعطوك المال. إذا كنت فقيراَ عليك أن تسعى وأن تعمل وأن تكف وجهك وبوجه عائلتك عن الناس، وَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ. فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ.

وهذا الكلام لابن الوردي عندما يقول لك: واكسب الفلس، في الحقيقة يبين لنا أن ما ذكره ابن الوردي في الأبيات السابقة حينما قال لك: واطرح الدنيا، فمن عادتها تخفض العالي وتعلي من سفل، لم يقصد به ابن الوردي دعوة للكسل والنوم، كما قلنا في المحاضرة السابقة، بل هو يطلب منك ألا تتعلق بهذه الدنيا ولا تتشبث بها، لكن في نفس الوقت لابد وأن تعمل وأن تنجز وأن تقدم، وبعد أن تبذل الأسباب المطلوبة منك، حينئذ توكل الأمر إلى الله سبحانه وتعالى ولا تبقى حزيناً على ما فاتك من الدنيا.

إذاً، واضح ابن الوردي، رحمة الله عليه، يدعوك دعوة صريحة للعمل. قال: واكسب الفلس وحاسب من بطل. يقول لك: كن انساناً عاملاً تحسن الرزق بيدك، ولا تكن عالة على المجتمع. والدين الإسلامي، أحبتي، عموماً يدعو المسلمين إلى العمل وإلى السعي في بناء الحضارة وفي بناء المجتمع. لذلك لو نظرنا في الآثار، تدعو الإنسان إلى أن يكون عاملاً؛ مثلاً النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي حسن بطرقه: من سعى على عياله فهو في سبيل الله. أنظروا عمق هذا!

من سعى على عياله؛ لأن الذي يسعى في كسب قوت عياله فهو يسير في سبيل الله سبحانه وتعالى، وهو وجه من أوجه الجهاد في سبيل الله. انظر عمق المعنى وبُعْده! الإنسان اليوم، أحبتي، حينما يعمل من الصباح إلى المساء يصيبه تضجر وملل: وإلى متى هذه الحياة؟ بينما النص القرآني والشريعة تعطيك دافعاً إيجابياً لان تعمل، تبث فيك روح العمل، تقول لك: لا، لا تتضجر من العمل، حتى لو كانت ساعات الدوام طويلة لا تتضجر، فسعيك لقوت عياله هو من الجهاد في سبيل الله. إذاً: من سعى على عياله فهو في سبيل الله.

أنظروا أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها. انظر دلالتها على العمل! يعني تصور أنك الآن ستقوم القيامة، ستقوم القيامة وفي يدك فسيلة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تقم حتى تضع هذه الفسيلة. هذه تدلنا على أن الشريعة الغراء، الشريعة تدعو إلى عمارة الأرض، تدعو إلى بناء الحضارة، تدعو إلى الإنجاز، إلى التقدم الحضاري والفكري. شريعة عظيمة لم تدع الإنسان إلى أن ينشغل بنفسه، لم تدع الإنسان إلى الكسل، لم تدع الإنسان إلى رهبانية وأن يجلس في صومعة، دعت الإنسان إلى أن يعمر هذه الأرض، دين منتج، دين عامل، دين معطاء في كل جوانب الحياة.

فإذاً بالاسلام كما قلنا: دين ندعوك إلى بناء الحضارة، إلى العمل، إلى الإنجاز. ولابد طبعاً من إتقان هذا العمل وأن يخرج بالصورة الكاملة. لذلك لو نظرنا في عمق نظرة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو يحارب البطالة؛ عمر بن الخطاب، أحبتي، كما ذكر ابن الجوزي في سيرته، يقول عمر بن الخطاب: إني لأرى الرجل فيعجبني، إني لأرى الرجل فيعجبني، فأسأل: هل له حرفة؟ فإذا قيل: لا، سقط من عيني. انظروا كيف عمر يحارب البطالة! يقول: أنا أنظر الرجل، أجد رجلاً قوياً جلداً، فأسأل: ما حرفته؟ فإذا قيل: ليس له حرفة، فيسقط من عيني. إيش قيمتك في الحياة الدنيا إذا كنت لا تتقن شيئاً، إذا كنت غير مقدم، غير منتج لأمتك ولحضارتك ولتاريخك؟

فهذه إذاً من الحِكَم العظيمة التي ينبغي أن ترسخ في ذهن المسلمين؛ لا يصلح أيها المسلم أن تكون بطالاً. لا يصلح إذا كنت فقيراً أن تجلس تنتظر من الناس أن يرموا عليك أو يلقوا عليك فتات الحياة الدنيا. إذا كنت فقيراً، اكتم فقرك واكتم حاجتك واذهب إلى سوق العمل وابدأ العمل، والله سبحانه وتعالى يسخر لك باذنه عز وجل من يكفيك ويكفي عيالك، لكن ابذل الأسباب. النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الجليل يقول: اسمعوا هذا الحديث، يقول عليه الصلاة والسلام: لئن يأخذ أحدكم حبلاً فيأتي بحزمة من الحطب على ظهره فيبيعها، خير له من أن يسأل الناس: أعطوه أو منعوه.

أنظروا هذا الحديث الفخم في دلالته! يقول النبي عليه الصلاة والسلام: لو وصل باحدكم الفقر والحاجة إلى أن يأتي بحبل ويذهب يحتطب، ثم يجمع هذا الحطب بهذا الحبل ويأتي على ظهره، فيبيع هذا الخشب في السوق فيحصل على شيء يكف به وجهه عن الناس ويأتي بقوت عياله، خير له من أن يجلس يتسول على الناس يطلب منهم الأموال. انظروا الدعوة للعمل؛ اعمل أي شيء تستطيع أن تبذله، لا إشكال، المهم أن تعمل وألا تكون عالة على مجتمعك على الناس.

فإذاً، هذه الأحاديث وغيرها، لو استقرأت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم للعمل وتحذيره من البطالة وأن يبقى الإنسان يأخذ الفتات من الناس، ستجد أن هذه الشريعة شريعة عظيمة، أحبتي، فعلاً شريعة تدعوك للعمل، للانجاز، للتقديم، لا تدعو إلى الكسل والنوم وأن يبقى الإنسان كما قلنا عالة على غيره.

طيب، ابن الوردي، رحمة الله عليه، ما زال يؤكد هذا المعنى في البيت الذي يليه. يقول في البيت الثامن والأربعين: وادرع جداً وكدا واجتنب صحبة الحمقى وأرباب الخلل. ابن الوردي، رحمة الله عليه، يقول لك، طبعا باستخدام الاستعارة المكنية، انظروا ماذا قال: وادرع جداً وكدا. الجد هنا بمعنى الاجتهاد، والكد يعني العمل الدؤوب. قل: وادرع جداً وكدا، أي اجعل الجد أي الاجتهاد والكد العمل الدؤوب درعاً لك تلبسه، اجعل الجد والكد درعاً تلبسه على صدرك. وهذا نوع من أنواع الاستعارة المكنية التي تعلمنا في البلاغة، والمراد منها إثبات.

النسبة القوية بينك وبين الجد والكد كأنه ابن الوردي رحمة الله عليه يريد أن يقول لك: كون علاقة وثيقة وطيبة بينك وبين الجد والكد. كون علاقة وثيقة وثيقة بينك وبين هذه المفاهيم. اجعل هذه المفاهيم هي الشعار الذي تسيره في ضوئه في هذه الحياة، إني إنسان جاد، إنسان أعمل عمل دؤوب، إنسان مجتهد، إنسان لا أعرف طعم الراحة إلى آخر لحظة وإلى آخر نفس من أنفاس الحياة.

آه يقول لك ابن الوردي في هذا البيت: كافح حتى تصل إلى طموحاتك وحتى تحققها. يقول لك ابن الوردي أيضا: دع عنك صحبة الحمقى وصحبة المغفلين. حينما قال صحبة الحمقى وأرباب الخلل. أرباب الخلل: أن الذين في عقولهم خبل وضعف وحمق وسذاجة. دع عنك صحبة هذا الصنف من الناس الذي لا يعرف إلا اللهو والعبث والقيل والقال والبطالة، ما عنده شيء يقدمه في هذه الحياة، لا يملك قيمة معرفية، لا يملك تصورا هدفا، ما عنده أي شيء. هذا النوع أحبتي، اياكم ثم اياكم أن تصحبوه. ما أكثرهم اليوم في مجتمعاتنا الحمقى وأرباب الخلل الذين لا يعرفون إلا النوم والبطالة والعيش على فتات الناس والقيل والقال، اياكم ثم اياكم أن تصاحبوا هذا النوع فإنه يمنعكم عن كثير من الإنجاز، عن كثير من البذل، عن كثير من العطاء.

إذاً والداء جداً وكداً واجتنب صحبة الحمقى وأرباب الخلل. من الأبيات التي تعجبني لأبي القاسم الشابي يقول: ومن يتهيب الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر. آه ثم يقول: أبارك في الناس أهل الطموح ومن يستلذ ركوب الخطر. أبارك في الناس أهل الطموح ومن يستلذ ركوب الخطأ. يعني ابن أبو القاسم الشابي رحمة الله عليه يثني على هذا الصنف من الناس. الصنف الذي يحمل طموحا وهدفا وغاية ويركب مخاطر ويكد ويتعب من أجل الوصول إلى هذا الطموح. ومن يتهيب أحبتي صعود الجبال، الإنسان الذي لا يحب أن يتعب ولا يريد آآ أن يكد ولا يريد أن يواجه عوائق ويسعى إلى حلها وهنا مشكلة ثم يحل هذه المشكلة وينتقل فيما خطواته في الحياة لتحقيق مشروعه وهدفه، الذي لا يريد أن يمر في كل هذه الصعاب والمتاعب، ويريد دائما السلامة وأن يبقى نائماً في بيته، هذا دائما يعيش بين الحفر في أسفل الأرض، يعيش دائما أحبتي إنساناً ذليلاً مهيناً، لا أحد ينظر إليه، لا أحد يعطيه قيمة معرفية لأنه لا يملك إنجاز يستطيع أن يقدمه في الحياة. فأنرى ابن الوردي في الحقيقة إنسان شريف فعلا، صاحب مروءة، إنسان يدعو الناس إلى العمل، إلى البذل، إلى العطاء. اياكم في هذا العمر القصير الذي أعطيتموه أن تذهب هذه الساعات هدر، إياكم ثم أن تذهب هذه الساعات للقيل والقال، إياكم أن تكونوا عالة على المجتمع وزيادة في الحياة الدنيا. كونوا عاملين مقدمين باذلين أصحاب بصمات، هكذا فعلا تستطيع أن تقول أنك عشت الحياة الدنيا كإنسان مثالي، أو عشت الحياة الدنيا حقا كما ينبغي أن يحياها المسلم وفق التصور الإسلامي. أما كما قلنا الذين لا يقدمون شيئا للحياة آآ فإن الحياة ترفضهم. إذاً والدرع جداً وكداً، أي اجعل الجد والكد درعاً تلبسه لا تفارقه، واجتنب صحبة الحمقى وأرباب الخلل، صحبة الحمقى وأرباب الخلل.

ثم يقول بعد ذلك: بين تبذير وبخل رتبة وكلا هذين إن دام قتل. هنا انتقل ابن الوردي رحمة الله عليه لتوجيه آخر. يقول لك: بين تبذير وبخل رتبة. أي هناك درجة ومسافة بين التبذير وهو الإسراف وبين البخل. حاول أن تكون في هذه المرتبة الوسط، في هذه النقطة الوسط بين التبذير وبين البخل. فلا تكن لا يعني لا إفراط ولا تفريط، لا تكن مع جانب المبذرين فإن المبذرين كانوا إخوان الشياطين، ولا تكن أيضا في جانب البخلاء فإن البخلاء قد ضموا شرعاً في كثير من النصوص. فهو باختصار يقول لك: لا تكن إنساناً مقْتراً على نفسك وعلى عيالك مضيقاً عليهم مع وجود السعة في اليد، ولا تكن في نفس الوقت إنسان مبذر تبذل المال هدراً من دون أي نافع ومن دون تحقيق أي مصلحة.

وإنما عليك بالتوجيه القرآني: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ، اللي هي كناية عن البخل، وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا. فالآية القرآنية سبحان الله، هذا القرآن أحبتي والله من نظر فيه كتاب عظيم، كتاب يغطي جميع جوانب حياة الإنسان، يغطي الجانب العقدي والجانب التصوري للكون، الجانب الفقهي، الجانب الأخلاقي السلوكي الاجتماعي، فعلا كتاب عظيم في كل تفاصيله. وهذه التغطية لكل جوانب حياة الإنسان العقدية والفكرية والتصورية والاجتماعية والأخلاقية والسلوكية إلى تأتي في القرآن بشكل متناسق على وجه معجز فعلا، لا تشعر أن هناك نفورة، أن هناك غرابة أو ما هناك انتقال نافر بين النصوص، انتقال عجيب لذيذ سهل تستطيب النفس. فسبحان الله القادر على كل شيء. القرآن يقول لك: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا. إرشاد من الله سبحانه وتعالى لكم أيها المسلمون في طريقة التعامل مع المال. إذا رزقك الله عز وجل مالاً فلا تكن مقْتراً على عيالك، بل عش هذه الحياة الدنيا بتفاصيلها الجميلة، ولكن في نفس الوقت إياك أن تكون مبذراً تبذل المال هدراً من دون أي نفع أو مصلحة.

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن شعيب عند أبي داود وغيره: كل واشرب والبس وتصدق من غير سرف ولا مخيلة. إذن بين تبذير وبخل رتبة، أي كن في المنزل الوسط، في النقطة الوسط بين التبذير وبين البخل. كن في النقطة الوسط، تكون في نقطة الاعتدال والتوسط التي يدعو إليها الإسلام. ثم قال: وكلا هذين إن دام قتل. يعني من داوم على التقتير أو داوم على نهج التبذير في النهاية ربما ينتهي به الحال إلى الهلاك. كيف ذلك؟ الإنسان أحبتي من شدة بخله، وهذا حدث في التاريخ، من شدة بخله يصل أنه إذا مرض لا يشتري الدواء، لا يشتري الدواء لشدة بخله، وهذا أحبتي قد يكون سبب في هلاكه، أليس كذلك؟ يعني انظر، هذا طبعا هذا مثال فقط أنا أعطيكم مثال أنه كيف البخل هل يؤدي البخل فعلا بالانسان إلى الموت؟ يعني ابن الوردي يقول: وكلا هذين إن دام قتل. فعلا في بعض الصور إنسان من شدة بخله لا يشتري الماء، طبعا هذه درجة عليا في البخل، لا يشتري الدواء ليعالج نفسه أو يعالج ابنه، لا يذهب بابنائه أو زوجته إلى المشفى لشدة بخله، فيكون هذا أمر مؤدي مفضيا للهلاك. نسأل الله العفو والعافية من أحوال هؤلاء الناس.

أيضا التبذير قد يؤدي بك إلى الهلاك، لأن الإنسان إذا أكثر بذل المال والهدر منه في لحظة من اللحظات وإذا أفلس لربما لن يجد من يمنحه مالاً أشتري به طعاماً له ولعياله. وإذا لم تجد من يعطيك مال في يوم من الأيام، سواء في حال مجاعة أو في حال وباء حل بالناس أو نكبة من النكبات، نسأل الله السلامة والعافية، قد تجوع وتجوع وتجوع ثم يصل بك الأمر إلى الهلاك. طبعا ابن ورد رحمة الله عليه هو في الحقيقة يعني ربما تقول أنت الوصول إلى هذه الحالة ربما ليس كثيراً كثيراً، لكن هو يريد أن يشنع لك صورة البخل وصورة التبذير، هذا مراده الأساسي، أن يشنع لك هذا الأمر حتى تنفر منه، أن البخل يمكن أن يقودك إلى القتل. نعم هذا سيعطيك صورة سيئة عن البخل وتنفر منه، وكذلك التبذير يمكن أن يصل بك إلى القتل وإلى الموت، فهذا أيضا أعطيك صورة سيئة.

وإن كان هذا الأمر يمكن أن يحدث، يمكن وإن لم بتلك الكثرة لكن يمكن أن يحدث ووقع عند بعض الناس، فهذان الخلقان سيئان وليس من أخلاق المسلمين ومن أخلاق أصحاب النفوس الشريفة الهمم العالية. الإنسان يكون معتدلاً ينفق على أبنائه باعتدال وهدوء ويفرحهم في هذه الحياة الدنيا ويبهجهم، ما دام أن عنده شيء يستطيع أن يقدمه ولأبنائه لعائلته لأبناء المسلمين، أبذل المال لكن أبذل باعتدال وبنظر وبمصلحة، ولا تكون إنساناً غوائياً في إنفاقك. طيب، إذاً هذه أيضا نصيحة جميلة: بين تبذير وبخل رتبة وكلا هذين إن دام قتل. ثم في البيت الذي يليه يقول

لا تخض في سب سادات مضوا، إنهم ليسوا بأهل للزلل. هذا البيت حقيقة من أجمل ومن أعظم الأبيات التي ذكرها ابن الوردي في لاميته. يقول لك: لا تخض في سب سادات مضوا، هذه نصيحة لكل مسلم ولكل طالب علم.

إياكم أن تخوضوا في سب سادات المسلمين، من هم سادات المسلمين؟ لا تخوضوا في سب الصحابة ولا تخوضوا في شتمهم أو التنقص منهم، لا تخوضوا في سب التابعين وفي سب السلف الصالح وفي سب أو شتم أو بالتنقص من الأئمة الأعلام والعلماء الذين شهدت لهم الأمة بالخير والبذل والعطاء.

للأسف بعض الناس أحبتي من العوام بل حتى من بعض طلبة العلم يتجاسرون على الخوض في الصحابة الكرام وفي الأئمة الأوائل أئمة الهدى والأعلام الذين بذلوا لهذه الأمة المعرفة وصنفوا المصنفات وتعبوا من أجل تحصيل العلم. بعض طلبة العلم وبعض الناس يتجاسرون على هؤلاء الأئمة ويخوضون فيهم، وإذا وقع مثلا خطأ من أحد الأئمة الأعلام أو زلل أو شيء من ذلك تجدهم يتنقصون ويخوضون ويشتمون، وهذا والله سبحانه يعني والله آآ أمارة الخذلان ودليل حرمان.

هذا أمارة خذلان ودليل حرمان، والله تعالى أن يشغلك الله سبحانه وتعالى يا طالب العلم بالتنقص من الأئمة الأعلام وأن تخوض في السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، أو أن تخوض في بعض الصحابة كعلي بن أبي طالب ومعاوية بن سفيان وغيرهم من كبار الصحابة، أن تخوض في هؤلاء أو أن تقلل من شأنهم هذا والله أمارة خذلان ودليل حرمان. فسل الله سبحانه وتعالى أن يعصمك من هذا الزلل.

احبتي، كل من كان له قدم صدق في الإسلام وكان له بذل وعطاء فعلينا وواجبنا أن نثني عليه وأن نترحم وأن نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء على كل ما بذله وقدمه لهذا الدين. هذا موقفنا من السادات من الصحابة والتابعين ومن أئمة الهدى.

الخطأ لابد أن يقع حتى من الصحابة حتى من التابعين حتى من العلماء، لأنه لا أحد معصوم إلا النبي صلى الله عليه وسلم. لكننا أحبتي نحسن الظن بالصحابة والتابعين وبالأوائل أن هذا الخطأ الذي صدر منه أن ما صدر على وجه السهو أو آآ ظنوا أنه صواب وإن لم يكن صواب في نفس الأمر، وأما أنهم تعمدوا الخطأ وتعمدوا الانحراف وتعمدوا الأذى فهذا نبرئهم منه ونحسن الظن بهم إلى أعلى درجات.

هذا أمر ومنهج ينبغي عليك أيها المسلم أن تسلكه في حياتك، أنك لا تخض في الأخطاء التي وقعت، نعم هناك بعض الأخطاء ربما وقعت من بعض الصحابة، أخطاء وقعت من بعض التابعين، من بعض العلماء، ربما مثلا انحراف عن الجادة جادة أهل السنة والجماعة عند بعض العلماء عندما ظهرت الفرقة في الأمة، لكن هذا لا يحملنا أن نخوض في أعراضهم ولا أن نقلل من شأنهم، فإن للصحابة الكرام خصوصا من المواقف العظيمة التي تذوب وتنصهر في عظمتها كل الأخطاء التي وقعت منهم بعد ذلك.

احبتي الذين ضحوا بالغالي والنفيس ووقفوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في المواقف العظمى، كل ما صدر منهم بعد ذلك من مواقف جزئية ربما فيها شيء من الخطأ، هذه المواقف الجزئية تذوب وتغرق في ذاك البحر الخضم العظيم الذي بذلوه في الدفاع عن هذا الدين. ونظرت في كل صحابي من الصحابة الكرام لوجدت العطاء والتضحية والحب والنصرة والحماس من أجل نصرة هذا الدين، فإياك أن تقف عند مواقف جزئية وتبدأ تعلق عليها كأنك أنت المعصوم، وهؤلاء لماذا أخطأوا؟ ولماذا تقاتلوا؟ وإلى غير ذلك مما يقوله السفهاء والجهال الذين يريدون أن يتوصلوا إلى الطعن في الجيل الفريد جيل الصحابة الكرام.

دائما تذكروا أن مواقف الصحابة المحدودة التي آآ قد أخطأ فيها بعضهم تغرق في بحر عطائهم لهذا الدين، في بحر تضحيتهم وتقديمهم وبذلهم ومع مواقفهم العظيمة مع النبي صلى الله عليه وسلم.

كذلك العلماء أحبتي، أي عالم من العلماء شهدت له الأمة بالبذل والعلم والمعرفة وسطر المصنفات النافعة، هذا ليس لنا إلا أن نثني عليه نترحم عليه، نسأل الله أن يجزيه عن الأمة خير الجزاء، وما وقع من الأخطاء نحن نبينها ونقول والله فلان من العلماء ربما أخطأ أهل السنة والجماعة في هذه المسألة العقائدية، ما عندنا مشكلة في بيان الخطأ، لكن حينما نبين الخطأ أولا نبينه للوصول إلى الحق وليس للتنقص من العالم، وحينما نبين الخطأ نصاحبه بالثناء على هذا العالم فنقول: فلان وإن أخطأ لكنه عالم جليل، لا نسقط علميته ولا نخوض فيه ولا نشتمه بل نجله، ونسأل الله العظيم أن يجمعنا بكل العلماء الصادقين الذين كان مقصدهم الوصول إلى الحق.

لذلك من العساكر يقول: اعلم أن لحوم العلماء مسمومة، وأن عادة الله في هتك أعراض منتقصيهم معلومة. يعني الذي يكون ديدنه الانتقاص من العلماء الله عز وجل يهتك ستره، فاياك أن تخض في العلماء الكبار أصحاب البذل وقدم الصدق في هذا الدين.

وطبعا هنا يا أحبتي عندي مفارقة معينة، وهي أن كلمة العلماء هي تطلق على العالم العامل بعلمه، واما هذه الطبقة التي تخرج في كل زمان ممن يتسولون على أبواب السلاطين ومعاونون السلاطين على إجرامهم، ويفتون لهم بالفتاوى التي تبدل دين الله سبحانه وتعالى وتغير معالم هذه الشريعة، الذين يفتفون يفتون للسلاطين ويبررون للسلاطين إجرامهم وسفكهم للدماء البريئة، هؤلاء ليسوا بعلماء، لا هؤلاء أناس عندهم معلومات لكنهم ليسوا بعلماء فلا كرامة لهم.

فلو أن الانسان بين عوارهم وأسقطهم وبين أن هؤلاء ليسوا بأهل للعلم، وإنما هؤلاء أحفاد بلعام بن باعوراء الذي قصى الله عز وجل علينا قصته في قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ. وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمَلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ.

نعم ما أكثرهم أمثال بلعام بن باعوراء أزماننا هذه، أصحاب لحى وأصحاب طيالس وأصحاب قلنسوة، لكنهم يبررون للمجرمين إجرامهم، ويقفون في صف الظلمة ويقفون آآ حاجزا دون وصول الإسلام الحق إلى إسماع هؤلاء لهم موقف عند الله سبحانه وتعالى، وكما قلنا ليسوا بالعلماء الذين نحذر من الخوض فيهم، فهؤلاء هذا الصنف لا كرامة لهم.

وإنما نتكلم عن العالم العامل بعلمه الذي يتقي الله سبحانه في دماء المسلمين، الذي يقف في وجه الظالمين، الذي لا يبرر للمجرم إجرامه، الذي لا يتسول على أبواب السلاطين ليأخذ منهم لعاعة الحياة الدنيا. نعم هذا الصنف من العلماء هم الذين يقول فيه ابن الوردي: لا تخض في سب سادات مضوا إنهم ليسوا بأهل للزلل.

طبعا قول ابن الوردي إنه ليسوا بأهل الزلل هو لا يثق في أن هؤلاء آآ معصومون، قد يفهم البعض أنهم يريد أن هؤلاء معصومون لا يخطئون، لا لا يقصد ذلك، لا معصوم إلا من عصم الله سبحانه وتعالى من الأنبياء، يعني من البشر المعصومون هم الأنبياء، أما الصحابة العلماء كل يخطئ ويذنب، لكنهم بحسن ظننا فيهم أنهم لا يتعمدون الخطأ وليسوا محلا للخطأ.

هكذا يريد يقول لك ابن الوردي: ليسوا محلا للخطأ، ليسوا محلا للزلل، ليسوا محلا للانحراف والأذى، وإن وقع منهم خطأ فهذا على سبيل السهو والعرض ولا يداومون عليه، وسرعان ما يعودون ويستغفرون وينتبهون لما وقعوا فيه، فهذا معنى قولي أنهم ليسوا بأهل للزلل، يعني ليسوا هم مكان للانحراف، ليسوا مكان للأخطاء آآ الخوض فيهم، بل هم وإن وقع منهم السهو عفوا المعصية أو الذنب أو الانحراف فهذا يكون كما قلنا أن بعد جهدهم واجتهادهم ظنوا أنه الصواب وإن لم يكن هو الصواب في نفس الأمر وأما وقع منهم على سبيل سهو وسرعان ما يعودون إلى ربهم سبحانه وتعالى.

وهذا حسن ظننا فيهم، وهذا حسن ظننا فيهم. وربما يفسر هذا المقطع بشكل آخر يعني أقول أنهم ليسوا بأهل للزلل، يعني يمكن أن تفهموه بطريقة أخرى أي هؤلاء ليسوا بأهل لأن تقع فيهم الزلل، ربما نفسره هنا بطريقة أخرى، يعني يريك أن ابن الوردي لو فسرنا هذا البيت بمعنى آخر يقول: إنه ليسوا بأهل للزلل، أي ليسوا بأهل أو بمحل لأن

وقع فيهم، ولأن يزل لسانك فيهم، ليسوا بأهل لأن يزل لسانك فيهم، فهؤلاء أئمة أعلام وسادة كبار بذلوا وقدموا فليسوا محلاً وأهلاً لأن يزل لسانك فيهم. فلربما يكون هذا هو معنى قول ابن الوردي آآ إنهم ليسوا بأهل للزلل. فإما أن تفهموا بهذه الطريقة أو تفهموا بهذه الطريقة. الطريقة الأولى أن تقول إنه ليس للزلل، أي هؤلاء وإن صدرت منهم الأخطاء فهم لا يتعمدون الوقوع فيها، بل تصدر منهم سهواً أو ظنوا أن هذا هو الصواب وإن لم يكن هو في نفس الأمر. فليسوا بمحل للانحراف والضلال والبعد عن دين الله سبحانه وتعالى، بل هم أهل خير وصلاح في الجملة.

أو نقول إنه ليسوا بأهل للزلل، أي ليسوا بمحل، هذا الفهم الثاني أن نقول ليسوا بمحل لأن يزل لسانك فيهم وأن تقع فيهم. فهم سادة أشراف، لا ينبغي لألسنتنا أن تقع وأن تخوض فيهم لما بذلوه وقدموه لهذه الأمة. إذاً، لا تخض في سب سادات المضي. أحبتي، للأسف اليوم يعني بعض المناهج المنحرفة عن طريقة أهل السنة، تجد آه أشياء الأشياخ وتلاميذ الأشياخ همهم ودأبهم أن يخوضوا في العلماء وأن يخوضوا في أعراضهم، وفلان فيه كذا، وفلان مبتدع، وفلان حزبي، وفلان من كذا. شغلهم ودأبهم الدائب أن يخوضوا في أعراض العلماء وأن يصنفوا الناس على معايير يضعها أشياخهم. يضعون لهم معايير ثم يبدؤون يخوضوا في الناس وفي المشايخ وفي أهل العلم بناء على المعية التي يضعها شيوخهم. والله بئس المنهج هذا.

لم يكن من دأب العلم أن يخوضوا في الناس وأن يبدؤوا بتجريءهم الخوض في آآ أديانهم وتبديعهم وتفسيقهم. وإنما كان هذا شأن علماء الحديث لأمر مقصود، وهو صيانة الأحاديث النبوية آآ عن أن يدخل فيها من هو مطعون في عدالته وفي دينه، وهذا كانوا علماء الجرح والتعديل قديماً لهم مقصد معين في الجرح والتعديل، وهذا المقصد يكون مع تنزه النفس عن الخوض. يعني من تكلم العلماء الجرح والتعديل في هذا الباب، يتكلم تنزهاً لغرض معين، يبين وينتهي الأمر. وليس دائماً المجالس تعمر غيبة العلماء والطعن في الدعاة. ثم نبرر هذا لأن هذا هو الدين، الدين يطلب منا أن نخوض في العلماء وأن نخوض في الدعاة وأن نخوض في المصلحين وأن نبين من هو المبتدع ومن هو الحزبي ومن ومن ومن إلى آخر تلك الدعايات الفارغة التي يطلقها البعض. هذا أبداً ليس من دين الله سبحانه وتعالى.

علم الجرح والتعديل علم له مقاصده، له أهدافه، آآ العلماء كانوا يتورعون في الخوض فيه، ويتكلمون فيه بقدر الحاجة لمصلحة معينة وينتهي الأمر مع شدة الورع والتحفظ. أما اليوم أطفال صغار في العلم يخوضون في علماء كبار وفي دعاة في مصلحين بمجرد الوهم وبمعايير وهمية يضعها أشياخهم، فهذا المنهج عليكم أن تحذروا منه. فوالله لا خير فيه لهذه الأمة، وهذا المنهج لم يصنع إلا لغرض معين دخيل على الفكر الإسلامي، دخيل على الفكر الإسلامي يجب أن يهدم وأن نبين ما هي معالم نحو التعديل الصحيحة التي كانت سائدة عند العلماء الأكابر، تلك المعالم القائمة على التنزه عن الخوض في العلماء، وإنما تبين الخطأ أو البدعة أو الزلل بحجمه في مكانه في وقت معين وينتهي الأمر ولا تعمر به المجالس. فهذا الأمر انتبهوا إليه رعاكم الله.

إذاً، لا تخض في سب سادات مضوا، إنهم ليسوا بأهل للزلل. ثم قال: وتغافل عن امور أنه لم يفز بالحمد إلا من غفل. الآن ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه يدلنا على خلق جميل ورفيع جداً، يقول لك ابن الوردي: وتغافل عن امور، خلق التغافل. ما هو خلق التغافل؟ خلق التغافل أحبتي ألا يقف المسلم عند أخطاء الآخرين. هذا معنى خلق التغافل باختصار، ألا يقف المسلم عند أخطاء الآخرين تجاهه، وأن يعرض عنها وأن يغض الطرف عنها وكأنها لم تحدث، حتى تسير عجلة الحياة وحتى تبقى المودة والألفة بين المسلمين. أي إنسان يمكن أن يخطئ معك وأن يفعل تصرفاً آآ أنت ترى أو تنظر إليه بعين عدم الرضا، فما موقفك حينئذ إذا إنسان تصرف معك تصرفاً خاطئاً ولم ترضه؟

هل أشغل عقلي وذهني في تحليل هذا الموقف وفي آآ علي ولماذا فعل معي هكذا؟ ولماذا قال لي هكذا؟ وهل هو يزدريني؟ وهل يقصد؟ بعض الناس أحبتي عنده هذه المشكلة، المشكلة أنه لا يستطيع أن يتغافل عن أخطاء الآخرين، فيبقى دائماً في حساسية النفس كما يقولون، وسوسة نفسية، أنه فلان قال لي هكذا، ماذا قصدت؟ وهل يريد هذا الامر؟ ولعله أراد أن ينتقص مني، وكيف أرد عليه؟ وكيف أنتقص منه وأرد له هو الصاع بصاعين؟ هذا دأب بعض الناس، والناس الذين يحيون في هذه الحياة الدنيا هذه النفسية أحبتي يتعبون هم أيضاً، يعني قبل أن يتعبوا غيرهم يتعبون، ثم يتعبون الناس معهم، هو يتعب في الفكر والاجتهاد في هذه المسألة، لماذا فلان تصرف معي هكذا؟ ولماذا قال لي هكذا؟ بدل أن يصرف العقل والطاقة الفكرية الذهنية في العمل والإنجاز وطلب العلم وتحصيل العلوم والمعرفة مساعدة الآخرين، يبذل طاقته الذهنية، لماذا فلان فعل كذا؟ ولماذا فلان قال كذا؟ لا يعرف التغافل.

ثم يبدأ محاسبة الآخرين على أخطائهم، وهذا يبث روح الشحناء والبغض في المجتمع. إذا كل إنسان يريد أن يقف على أخطاء الآخرين ويدقق ويحاسب ولا يريد أن يتغافل وأن يتجاوز، بالله عليكم ما هي الروح التي ستكون سائدة في المجتمع؟ أليست هي روح الخلاف والنزاع والشقاق؟ لذلك ابن الوردي رحمة الله عليه بنصيحة وردية عميقة جداً يعطيك منهج حياتي عليك أن تسلكه، وهو منهج التغافل. والله أحبتي من تعامل مع هذا المنهج سيستريح كثيراً كثيراً، فإن الناس كثيرة الخطأ وسيخطئون معك ولا بد. إذا رزقك الله عز وجل هذا الخلق، خلق التغافل والاعراض عن أخطاء الناس والتجاوز عنها وأنك تمشي الأمور ولا تقف عند كل مأزق وكل كلمة وكل موقف وتحسب له حسابه، صدقني الناس ستحبك وستألفك وتعلم أنك إنسان شريف، صاحب مروءة، صاحب نفس عالية، إنسان لا تنظر إلى سفاسف الأمور ولا تعلق عقلك وفكرك في كل شيء وفي كل موقف وفي تلك الكلمة، لا تحسب حساباً إلا للأمور المهمة الأمور العالية.

وأما الإنسان الذي دأبه أن يقف عند كل شاردة وواردة فهذا الناس تكرهه تبتعد عنه لا تتحمله لا تطيقه، لأنه لا يمكن أن تتكلم بأي كلمة، لأنه أي كلمة سيحسبها إما له وإما عليه، وستدخل ضمن دائرة هذا التصنيف، سيبدأ هذا الإنسان يحاسبك على هذه الكلمات التي تصدر منك، ما في أريحية يعني باختصار في التعامل معه. فلذلك فعلا منهج حياتي جداً جداً عالي يوجهه ابن الوردي لكم يا طلبة العلم ويا أيها المسلمون، هو منهج التغافل عن أخطاء الآخرين وألا تقفوا عندها كثيراً. إذاً وتغافل عن امور أنه لم يفز بالحمد إلا من غفل. لا يحمد الناس ولا يحب الناس ولا يثني الناس إلا الشخص الذي اتسم بخلق التغافل والتجاوز والصفح والإعراض عن الأخطاء. إذاً مقولة أيضاً جميلة وهادفة من ابن الوردي.

البيت الذي يليه يقول: ليس يخلو المرء من ضد وإن حاول العزلة في رأس الجبل. أيضاً هذه نصيحة مهمة دخول ابن الوردي رحمة الله عليه، من سنن الحياة أن الإنسان لابد أن يكون له خصوم وأعداء ومخالفون، لابد أن يكون له خصوم وأعداء ومخالفون، هذه من طبيعة الحياة الدنيا، أنه أي إنسان لابد أن يكون له خصوم يخالفونه في المنهج في الطريق في المسلك حتى مسلك عقدي مسلك فقهي مسلك حياتي، أي إنسان لابد أن يكون له خصومة مخالفون، على هذا جبنت الحياة الدنيا. فينبغي أن تؤمن أيها المسلم بهذه السنة وأن تتعامل معها وأن تتأقلم معها حتى لا تتشنج في معالجتك آآ لقضايا في الحياة، لأن بعض الناس أحبتي يظن أنه يمكن أن يجمع جميع الناس على قلبه. أحبتي إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم هو أكمل الخلق وأحسن الخلق وأحب الخلق إلى الله سبحانه وتعالى وكان له خصوم وأعداء، فمن أنا وانت حتى لا يكون لنا خصوم؟

في هذه الحياة الدنيا، فعليك أن تعرف أيها الداعية، وأيها المصلح، ويا طالب العلم، يا من ستتصدر غدا لدعوة الناس، عليك أن تعرف أنه لابد وأن يكون لك خصوم، مهما بلغت من طيب القلب، وحسن الكلام، وحسن المقصد، وأنك انسان تحب التجميع ولا تحب التفريق، مهما بلغت، سيبقى لك خصوم على جبلت الحياة الدنيا. فعليك أن تتقبل هذا الأمر وأن تتعامل معه وأن تصبر على مخاصمة الناس لك وعلى مخالفتهم.

بعض الدعاة أحبتي آه يظن، يظن ويتوهم، أنه يمكن أن يكون الناس كلهم على قلبه، وأن الناس آه كلهم سيحبونه. ومن أجل الوصول إلى هذا المقصد لأسف ماذا يفعل؟ يتنازل عن بعض الثوابت الدينية، بحجة أننا نريد يا شيخ أن نجمع الناس ولا نريد أن نفرقهم. هو يريد أن يصل إلى أن يجتمع الناس عليه بمختلف أديانهم ومعتقداتهم، فيقوم بالتنازل عن بعض الثوابت الدينية والعقائد الراسخة، بحجة أنه يريد أن يوسع الدائرة حتى يتقبل الناس جميعا دعوته ونهجه. وهذا والعياذ بالله والحرمان والانحراف عن المسلك.

النبي صلى الله عليه وسلم ليس من أجل أن يتقبل كفار أخرج دعوته تنازل عن ثوابته، كلا. قال أن أدعو إلى الله بالثوابت الواضحة، ومن شاء فؤمن ومن شاء فليكفر. نعم لكم الأخلاق الحسنة مني، لكم الدعوة بالجدال بالتي هي أحسن، ما في مشكلة في أدبيات الجدال والنقاش، لكن أن نتنازل عن ثوابت الدين، وأن نميع الدين آه وأن نظهر هذا الدين في مظهر أنه يتقبل جميع الأديان والفرق والطواائف، هذا لا يكون أبدا، ووالله إن هؤلاء الذين يسلكون هذا المسلك يغضبون الله سبحانه ويتنازلون عن معتقداتهم وعن ثوابت دينهم من أجل إرضاء الناس، والله إن الله عز وجل يسخط عليهم الناس.

فإياك أن تسخط الله برضاك الناس، بل اجعل الله عز وجل أو اجعل رضا الله عز وجل نصب عينيك، واسع في طلب رضاه سيرضى الله عز وجل عنك، ويرضي عنك الناس عموما، لكن بالتأكيد سيبقى طائفة من الناس تبقى لك أعداء، لأن هذا الأمر لم يتحصل للانبياء الذين كرمهم الله وشرفهم، فبالتأكيد لن يتحسر لك. فالمهم أن تسعى لرضا الله سبحانه وتعالى. كم حجم من وافقك؟ كم حجم من عاداك؟ لا يهم.

لذلك ما جاء في الحديث أن يوم القيامة يأتي النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه آه الرجلان، والنبي وليس معه أحد. تصور أن هناك أنبياء ارسلهم الله لم يقبل دعوتهم أحد من الناس، فيأتون يوم القيامة ليس معهم أحد ممن آمن بهم. هل يأتي شخص يقول هؤلاء الأنبياء كان عليهم أن يخففوا على المجتمع الذي عاشوا فيه حتى يتقبلوا دعوتهم؟ هل هذا يقول عاقل؟ هذا طاعن في الدين. هؤلاء الأنبياء قطعا قاموا بما فرض الله عليهم وأوصلوا الرسالة التي يريدها الله عز وجل بالوجه وبالطريقة التي يريدها الله، لكن حجم المتابعين لهم وعدم المتابعين هذا أمر يقدره الله سبحانه وتعالى.

فإياك أن تظن أنك يمكن أن تصل إلى نقطة جميع الناس ستودك فيها وتحبك وتصبح معك، إياك أن تضر. هذا من آه جنون العظمة. لذلك ابن الورد رحمة الله عليه يعطينا نصيحة، ليس يخلو المرء من ضد، لا يوجد انسان يخلو من أضداد من مخالفين له، وإن حاول العزلة في رأس الجبل. يعني حتى لو صعدت على رأس جبل وتركت الناس طلبا للسلامة من المعارضين لن تسلم من المعارضين. تصور الصورة التي يريد ابن الورد أن يوصلها إليك.

يعني حتى لو صعدت على رأس جبل، وسلم الناس من كلامك ومن شرك ومن أفعالك، ليسوا معك في أي نقاش ولا في أي جدال لأنك على رأس جبل اعتزلت الناس. تظن أنك إذا اعتزلت الناس وصعدت على رأس جبل لن تخلو من ضد، بل والله سيأتي من آه يخالفك في المنهج وفي الطريق. سيأتي شخص ويقول: لماذا فلان صعد على رأس الجبل؟ لماذا ما ينزل ويخالطنا في مجتمعنا؟ فلان شخصية انطوائية، شخصية سيئة أخلاقيا، ليس مرتفع القيمة لأنه اعتزلنا.

انظر، جاءك من يخالفك ويعترض على انعزاله. فمهما حاولت أن تسلك من مسالك ومن طرقات تحاول من هنا ومن هناك أن ترضي الناس جميعا، لن ترضي الناس جميعا. وهذا أمر في الحقيقة أمر مريح للنبي صلى الله عليه وسلم وللدعاة وللمصلحين جميعا. لذلك الله عز وجل آه كان يسلي نبيه في أكثر من آية في كتابه: أعرض عن الجاهلين. دعك من هؤلاء. اصدع بما تؤمر وأعرض عن الجاهلين. إنا كفيناك المستهزئين.

كثير من الآيات تأتي تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم، أن يا محمد عليه الصلاة والسلام لا تظن يعني أن الناس جميعا كلهم عربهم وعجمهم سيأتون إليك. لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين. ستهلك نفسك حتى يؤمن الناس جميعا برسالتك. هذا أمر يتعلق بإرادة الله سبحانه وتعالى. جبلت الحياة الدنيا على سنة الاختلاف، وأن كل انسان لابد وأن يأتي من يضاده ومن يواجهه. فأعرض يا محمد عن هؤلاء الجاهلين وعن المخاصمين والمخالفين، اسعى في رضاي، انشر الحق الذي أريده، اثبت على هذا الحق، والله سبحانه وتعالى بعد ذلك يقدر ما يشاء.

هذه كما قلنا حقيقة مريحة يطمئن إليها الإنسان، أنك مهما عملت، مهما قدمت، مهما كنت في عطائك المعرفي والعلمي مبدع وبارع، سيأتي من يعلق عليك، سيأتي من ينتقص ويقول: لماذا تكلم بهذه الكلمة؟ لماذا هو على عقيدة فلان؟ لماذا يسير على هذا النهج؟ لماذا قال كذا؟ مهما كنت دعوي علمي معرفي، سيأتي من ينتقد ويبين أن هذا لم يعجبك، وهذا لا التصرف غير لائق. انتقدك، فأنت أخي الكريم استرح في داخلك وفي قلبك وفي ضميرك.

اجعل رضا الله سبحانه وتعالى نصب عينيك، واسعى في تحقيق هذا الرضا الإلهي، والله سبحانه وتعالى يبارك في كلماتك، ويبارك في همساتك بإذنه سبحانه، حتى ولو لم يعني أنظر، حتى ولو لم يتقبل أحد من الناس دعوتك في هذه الحياة الدنيا، أنت أديت ما عليك، والله سبحانه وتعالى والله سبحانه وتعالى يجزيك خير الجزاء على ما فعلت. طبعا، هذه ليست دعوة أن الإنسان لا يراجع نفسه. يعني البعض يقول: طب يا شيخ، ممكن الإنسان أصلا هو يكون عنده خطأ في طريقته في الدعوة؟ انسان فظ انسان غليظ.

فهل مثلا هذا الشخص نقول له أيضا هذا الخطاب أنه لا تلتفت إلى الناس؟ لأ، هي في الحقيقة اريد نظرة اتزانية، نحن نقول: لا تجعل الناس أو رضا الناس هو الهدف هو الغاية، لكن هذا لا يعني أنك لا تراجع التصرفات. لربما فعلا الناس غضبت منك للتصرف، أنت أخطأت فيه، كلمة قلتها كلمة خاطئة غير لائقة غير صحيحة، عليك أن تراجع المواقف وأن تحاسب نفسك، لكن بعد أن تحاسب نفسك وأن تكون شخصية متقبلة للنصيحة والمشورة والتوجيه والإرشاد، بعد ذلك لا تبقى قلقا. لماذا الناس لم تأتي عندي؟ لماذا الناس لم تسمع كلامي؟ لماذا الناس؟

أنت فعلت ما عليك، حاولت أن تبذل قصارى جهدك في التصحيح والتعديل وقبلت النصيحة والإرشاد، أنت بذلت الأسباب وانتظر الخير من رب العباد. لا أطيل في هذه القضية، نذهب إلى النقطة التي تليها.

إذا ليس يأخذ المرء من ضد، وإن عاود العزلة في رأس الجبل. ثم يقول: مل عن النمام واهجره فما بلغ المكروه إلا من نقل. يقول لك ابن الورد رحمة الله عليه في هذا البيت نصيحة مهمة: يقول لك احذر من مصاحبة النمامين. احذر من مصاحبة النمامين. طب من هو النمام؟ النمام هو الذي ينقل الكلام بين الناس من أجل التحريش بينهم. الشخص الذي ينقل الكلام بين الناس من أجل التحريش بينهم، وكما جاء في الحديث: لا يدخل الجنة قتات.

لا يدخل الجنة قتات أي نمام. وهذا فيه تقرير شديد لهؤلاء الناس الذين يحملون هذه الصفة، لا يدخل الجنة قتات، الأناس الذين يدخلون للتحريش وينقلون الكلام من هنا وهناك، هؤلاء يؤدون مهمة شيطانية.

خطيرة جدا في إفساد المجتمعات، وفي تنفير القلوب، وفي زرع الفتنة بين المسلمين. وهذه الصفة هي من أشهر صفات اليهود، صفة التحريش، كما فعلوا بين المهاجرين والأنصار في أكثر من واقعة. حاولوا أن يحرشوا، ينقلوا كلاما من هنا إلى هنا وينثروا الضغينة، قضى بينهم، لكن الله سبحانه وتعالى -الحمد لله- عصم منهم.

قضية النميمة قضية خطيرة ينبغي أن نكافحها في مجتمعاتنا. وإياك يا أخي الكريم أن تصاحب شخصا فيه هذه الخصلة. يعني بعض الناس -أحبتي- هذا كثير يتعرض له الأشياخ وطلبة العلم، يجد مثلا هذا الشيخ أو طالب العلم يأتيه بما يقوله الأشياخ الآخرون عنه، طالب العلم يأتي لشيخه بما يقوله الأشياخ الآخرون عنه، فيقول لشيخه مثلا: والله يا شيخ، كنت اليوم جالس عند فلان الفلاني وطعن فيك ولمزك ودخل فيك وفي عرضك وانتقص من كلامك كذا، وعاب عليك ظهورك في هذا الموقف.

طبعا هذا الشيخ -للأسف- قد ينظر إلى هذا الطالب بعين الاحترام، أنه والله هذا الطالب يقف في صفي ومعي، فسأقربه. لا لا لا، احذر من هذا الطالب. والله إن هذا الطالب سيكون ضرر عليك من خيره ومن نفعه.

الحسن البصري يقول هنا مقولة جميلة نقلتها، يقول: من نقل إليك حديثا فاعلم أنه ينقل إلى غيرك حديثك. يعني أيها الشيخ، أيها الداعية، إذا كان عندك بعض الطلبة أو بعض الأتباع ينقلون إليك ما يقوله المخالفون عنك، فإياك أن تستروح إلى هذا النوع من الطلبة. لماذا؟ لأن نعلم أن هذا الطالب الذي من خصاله أنه يحب أن ينقل المخالفين إلى بعضهم البعض، كما أنه نقل كلام مخالفيك إليك حتى تزداد حقد عليهم، في يوم من الأيام سينقل كلامك إلى مخالفيك، إن هذه نفسية مريضة، إذا تجاسرت على أن ترتكب النميمة بصورة من الصور، سترتكبها متى أتيح لها أن ترتكبها. فلا تنظر أن هذا الطالب مخلص لك، أو أن هذا الطالب هو الطالب الوفي لي، كل لا، والله إن هذا الطالب هو الذي يجب أن تهجره، وأن تهجره وأن تبعده عن مجلسك، أخطر طالب عليك، في يوم من الأيام نعم نقل لك كلام الآخرين عنك حتى يوغر صدرك عليهم، لكنه في يوم آخر سينقل كلامك إليهم؛ لأن هذا الطالب نفسية مريضة، هذا الطالب شخص ابتلي بهذه الأمراض الخطيرة، عليك أن تعالجه، أن تربيه، أن تجبره، تقول له: يا فلان، اتق الله، إياك أن تنقل قول المخالفين إلي، علم هذا الطالب كيف يكون مربى بالطريقة الصحيحة، وجهه، أرشده، وإياك أن تتعاطى معه وأن تستمر وأنت تفتخر به، فوالله إن هذا خسران لك وله.

إذا، اللعن النمام، يعني ابتعد عن النمام واهجره فما بلغ المكروه إلا من نقل. هناك قصة يعني أود أن أقولها لكم، قصة رواها الذهبي -رحمه الله عليه- في كتابه الكبائر عن خطورة النميمة، انظروا هذه القصة ماذا يقول فيها؟ ينقل الذهبي بسنده عن حماد بن سلمة، وهو أحد أئمة الحديث، أنه قال: حماد بن سلمة يروي هذه القصة، يقول: باع رجل من رجل غلاما -يعني عبدا- وهذا كان، كما قلنا، مظاهر العبودية كانت موجودة في الأزمنة الأولى، جاء رجل على رجل فاشترى منه غلاما، فقال البائع للمشتري: هذا الغلام الذي أبيعك إياه ليس فيه عيب إلا عيب واحد. ما هو؟ قال: هو نمام. فالمشتري استخف بهذا العيب، قال يعني: أنا إيش علاقتي بنميمته؟ أنا أريد أن يعمل وأن يشتغل، نميمته عليه. فالمشتري استخف بهذه الخصلة واشتراه على ذلك العيب.

قال: فمكث الغلام عنده أياما، ثم قال لزوجة مولاه في يوم من الأيام، هذا الغلام جاءته هذه الآفة، ما بيعرف يجلس حتى يفسد، هذا الغلام، هذا العبد، يقول لزوجة سيده، يقول لها: إن زوجك لا يحبك، وهو يريد أن يتسرع عليك -يعني يريد أن يشتري أمة يتسرع بها- أنصحك نصيحة، قال: أفتريدين أن يعطف عليك زوجك؟ قالت هذه المرأة المسكينة الضعيفة: قالت نعم، ماذا أفعل؟ فقال لها هذا الغلام الخبيث، قال لها: خذي هذا الموس -أعطاها موسى- قال: واحلقي شعرات من باطن لحيته إذا نام، يعني إذا نام خذي هذا الموس واحلقي شعرات من باطن لحيتك، سيحبك زوجك ويلتفت إليك مرة أخرى.

وأنا استغرب أن هذه المرأة اقتنعت بهذه الفكرة. ثم انظروا النميمة، ثم جاء الغلام إلى الزوج إلى سيده، فقال: يا سيدي، إن امرأتك -تخادنت- ما معنى تخادنت؟ أي اتخذت خبيثا، اتخذت صاحبا، تخونك معه، ترتكب الخيانة والعياذ بالله، وهي تريد أن تقتلك، أتريد أن يتبين لك ذلك؟ طبعا الزوج الآن بيستغرب، معقول زوجتي؟ أنا ما رأيت منها شيئا من ذلك. فالغلام يريد أن يثبت كلامه بالدليل، قال: أتريد أن يتبين لك ذلك؟ قال: نعم، كيف سيتبين لي ذلك؟ قال: فتناوم لها. الغلام انظروا! يقول لسيده: اصنع نفسك انك تريد النوم. ففعل الرجل ذلك، السيد صنع نفسه أنه يريد أن ينام، فجاءت المرأة المسكينة بالموس لتقطع هذه الشعرات -يعني هي نيتها أن تفعل ما نصحه الغلام به، أن تقطع هذه الشعرات حتى يحبها زوجها- ففعلا الزوج رأى امرأة تحمل الموس، ووضعت هذا الموس على عنقه، فظن الزوج أنها فعلا تريد قتله وأن الغلام صدق. فأخذ منها الموس فقتلها به، جريمة قتل! الزوج أخذ الموس فقتل به الزوجة، فجاء أولياء الزوجة فقتلوا الرجل، وجاء أولياء الرجل فبدأ الاقتتال بينهم وبين أولياء الزوجة، معضلة كاملة إذا دارت في حي بسبب غلام فاسد يحمل هذه الخصلة، هذا الخلق الرديء.

انظروا -أحبتي- يعني خطر النمام والله في المجتمعات خطر شديد جدا، كم من فتنة -يعني اليوم والله الكثير من الأحداث ننظر إليها ونعيد النظر فيها في بلدان المسلمين التي وقعت فيها ما وقع- كثير من الأمور والشحناء التي وقعت بين الطوائف والفرق والجماعات إنما كانت بسبب النمامين، هل تدركون ذلك؟ إنما وقعت بسبب النمامين، بل حتى المعارك التي وقعت في التاريخ الإسلامي بين الصحابة -مثلا- في قصة الجمل وصفين وما شابهها من الوقائع، كانت بسبب النمامين؛ هؤلاء ينقلون كلاما لهذه الطائفة، وهؤلاء ينقلون كلاما لهذه الطائفة، وتبدأ معارك تذهب فيها دماء وأرواح لأئمة كبار ولناس أفاضل، والسبب نمام، إنسان خبيث صنع هذا الفعل.

لذلك فعلا لا يدخل الجنة قتات، لا يستحق أن يدخل الجنة إنسان بهذه الصفة، بهذه الخصيصة، لابد أن يتشوه شيء في نار جهنم حتى يطهره الله عز وجل من هذه الخصيصة والدائر الذي كان ساكنا فيه، ثم بعد ذلك إذا شاء الله عز وجل يخرجهم؛ لأنه كما هو معلوم عند أهل السنة أن الإنسان مهما فعل من المعاصي والذنوب ما دام أنه مات على الإسلام فإنه لو دخل النار فإنه يعذب ويتشوه فيها حتى يخلص من هذه المعاصي والذنوب والآفات، ثم يخرجه الله سبحانه وتعالى إلى الجنة بعد ذلك، فلا خلود لأهل المعاصي من الموحدين، لكن الدخول إلى النار لحظة واحدة هل تظنون أنه أمر سهل هين؟ والله إنه لأمر صعب جدا أحبتي، يعني إياك أن تجازف بنفسك في غمسة في نار جهنم، فإنك لا تطيق أن تقترب من نار الدنيا، فلا تتصور أنك تستطيع أن تقترب مجرد اقتراب من نار جهنم، فما بالك أن تدخل فيها؟! نسأل الله السلامة والعافية.

إذا هذا تحذير من القتاتين ومن النمامين. الخصلة الأخيرة، أو البيت الأخير الذي سنتكلم عنه في هذا المجلس وهو قبل الأخير في الحقيقة، البيت قبل الأخير يقول: داري جار الدار إن جار، وإن لم تجد صبرا فما أحلى النقل. داري جار داري، جميل هذا البيت: داري جار الدار إن جار، وإن لم تجد صبرا فما أحلى النقل.

هنا ابن الوردي -رحمه الله عليه- أيضا يعطيك توجيها في تصرف حياتي، يقول لك: إذا رزقك الله جارا سيء الأخلاق، فماذا تفعل معه؟ يعطيك علاجا، انظر، ابن الوردي يعطينا علاج لكثير من الأمور، يعطيك علاج التغافل، قضية ليس يأخذ المرء من ضد. احذر النمام، احذر التبذير والبخل، كلياتها مشاكل أخلاقية سلوكية، ابن الوردي يوصفها.

ويعطيك الإرشاد الصحيح فيها. فلذلك كما قلت لكم هذه منظومة؛ منظومة جدا رائعة وجدا جميلة في تركيزها على قضايا مهمة الإنسان قد لا تطلب لها حلا، ويظن أنه لم يتكلم فيه أحد من العلماء وفي توجيهها. فإذا أنت تجد أن العلماء كثيرا ما تطرقوا إلى حلولها وإرشاد المسلم إلى الموقف الصحيح منها.

فهنا مثلا هذا الموقف، كيف تتصرف فيه؟ رزقك الله جار سيء الأخلاق، يشتم، يسب، يتصرف تصرفات غير لائقة، يضع القمامة على باب بيتك، يضع السيارة أمام... المهم، تصرفات كثيرة غير أخلاقية قد يتصرف بها بعض الجيران. إذا رزقك الله جارا سيئا، ابن الوردي يقول لك أنت بين حلين؛ أما أن تعتمد المداراة، والمداراة أحبتي هي الملاطفة في الكلام، يعني ليس لك إلا أن تتلاطف معه في الكلام، وإياك أن تخاصمه أنت بالجهة المقابلة. يعني إذا هو أساء لك، إياك أن تسيء إليه، لأن هذا الأمر لن يحل لك المشكلة بل ستتفاقم هذه، يمكن مع مرور الوقت وستزداد الشحناء، وهو يفعل وأنت تفعل، هو يؤذي وأنت تؤذي، وهذا قد يسبب يعني لا سمح الله أن يقع بينكما اقتتال ومضاربة، إلى غير ذلك من المشاكل المعلومة لديكم.

فابن الوردي يقول لك: إذا رزقت بهذا الجار السيء فأنت بين أمرين؛ أما أن تداري هذا الجار وتصبر، وأما أن تنتقم من هذا البيت إلى بيت آخر. قال لك: فما أحوى النقل؟ النقل يعني أن تغادر هذا البيت إلى بيت آخر. فالداري جار الدارين جاره، يعني إن جار عليك جارك وآذاك فداره، إن لم تستطع فما أجمل النقل وأن تغير هذا البيت وتنتقل إلى بيت آخر. طبعا الإسلام أحبتي كما هو معلوم لديكم أوصى بالجار، وما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها ودعها جيرانك. وصية بالجار عظيمة جدا، والاسلام العظيم يحث على توطيد العلاقة بين الجيران وأن تكون علاقة ألفة ومحبة، لكن ليس يخلو الإنسان أن يرزق بجار سيء، بعض الناس طبائعهم سيئة، جبلوا على السوء، فكيف تتعامل معهم، ما هو الحل في هذه الحال؟

إياك كما يقول لك ابن الوردي أن تتعامل بطريقة رد الفعل، بل تعامل أما بالمداراة والصبر وهذا حل جيد خاصة لمن كان فقيرا لا يستطيع أن ينتقم من هذا البيت إلى بيت آخر. تجمل واصبر وقابل السيئة بالمعروف: وَادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، بالابتسامة، بالخير، بالاطمئنان على حاله، هو يؤذيك وأنت تطمئن على حاله، نعم لا اشكال، في يوم من الأيام الله عز وجل يلين هذا القلب القاسي، ويجعل هذا الانسان يستحي. كم من انسان فعلا يعني كثير من القصص تأتينا، انسان سيء مع جيرانه يأتي الجار يتعامل معه بلطف، يثني عليه: كيف أخبارك؟ كيف صحتك؟ ما هي أمورك؟ يزور في العيد، فهذا الجار يستحي من أذيته لجيرانه وينصرف عن هذا، ويكف الله عز وجل الشر. فهذه نصيحة فعلا في الحياة، أن الإنسان يكون عاقلا، يكون هادئا، لا يشغل نفسه في ردة الفعل على من أساء إليه، بل يشتغل فيما أهتم له، وأما أن يداري هؤلاء وأما أن يتركهم وأن يهجرهم وشأنهم.

البيت الأخير: جانب السلطان واحذر بطشه، لا تخاصم من إذا قال فعل. بيت فيه حكمة عظيمة جدا، وما أحوج الدعاء وما أحوج طلبة العلم وما أحوج كثير من المتحمسين ليأخذوا بهذه الحكمة الوردية. جانب السلطان واحذر بطشه، لا تخاصم من إذا قال فعل. بعض المتحمسين أحبتي من الشباب، حينما يجد المنكرات تعم المجتمعات، تجده يخرج بنفس عالي في الإنكار، هذا النفس العالي يعرضه من البلاء ما لا يطيق، فإذا تعرض للبلاء فتن هذا الشاب المتحمس وعاد أدراجه وانقلب على عقبيه، وهذا كثير ما رأيناه أحبتي، يعني هذا شيء أنا شاهدته بعيني، كثير من طلبة العلم أو من المتحمسين يكون عنده حماس وغيرة على هذا الدين ابتداء، جزاه الله خيرا، لكنه لا يحسن معالجة هذا المنكر بحجمه.

الآن عليك أن تدرك ما هو حجمك في هذا البلد أو في هذا الموطن الذي أنت تتوطن فيه؟ هل أنت مسؤول كبير تستطيع أن تنكر بصوت عالي؟ أم أنت مواطن صغير بحجمك -وإن شاء الله كبير بهمتك- لكن بحجمك في الدولة؟ أنا أتكلم الآن عن حجمك في الدولة. في النهاية أنت مجرد مواطن، حجمك في الدولة أو في المكان الذي تحيا فيه هو الذي سيوجهك في اختيار طريقة تغيير المنكر الصائبة، هو الذي سيوجهك في تحديد الطريقة الصحيحة في تغيير المنكرات القائمة في الدول والبلدان. لأنه بعض الناس كما قلت لك هو مجرد مواطن مسكين لا أحد يلتفت إليه، فتأخذ الحمية، ينكر المنكر بصورة عالية جدا عنيفة، أكبر مما يستحمل، ويظن أنها ستمشي وتسير ويخاصم السلطان والهيئة الحاكمة، فإذا هذه الهيئة الحاكمة تنزل به أشد العقوبات، بعضهم قد يجلس سنوات عشر وخشمتعشر سنة في السجن لحماس زائد فعله، فيكون هذا سببا في فتنته في دينه.

وكما جاء في الحديث: لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه. قالوا: وكيف يذل نفسه يا رسول الله؟ قال: يعرضها من البلاء ما لا يطيق. يعرضها من البلاء ما لا يطيق، هذا نوع من إذلال النفس. فالإنسان يكون عاقلا أحبتي في طريق تغيير المنكرات وفي مخاصمة الظلمة، ينظر في الحجم الذي يستطيع أن يسده، في الموقف الذي يستطيع أن يفعله من دون أن يعرض نفسه للبلاء الشديد الشديد الذي هو فوق الطاقة في الاستحمال، نعم حتى لا تفتن في دينك.

جانب السلطان واحذر بطشه، لا تخاصم يعني لا تدخل في أتون مواجهات مع من إذا قال فعل، يعني لا تمزح مع هؤلاء، لأن هؤلاء إذا قالوا قالوا، لأنهم هم السلطة، هم السلاطين، هم الحكام، هم من بايديهم زمام الأمور في الدولة. يعني أنت ربما يأتيك شخص تختصم معه، يعني أثناء مثلا المشكلة يقول: والله لأفعلن بك ولأفعلن بك، فانت لا تلتفت إليه وتقول له: افعل ما بدا لك، لأنك تعتقد أنه لا يخرج بيده شيئا يفعله، يعني بعض الناس يهدد كثيرا كثيرا وليس في يده شيء يفعله أصلا، هذا النوع من الناس ما في مشكلة يعني لو أنك خاصمته لأمر مقصد شرعي. لكن السلاطين والهيئات الحاكمة والدول هذه بيدها أن تفعل، يعني إذا قالت تستطيع أن تفعل، لا تظن أنها لا تستطيع أن تفعل، هي تستطيع أن تفعل، قال: لأن بيدها الحكم وزمامه في هذه الدولة.

عليك أن تكون فقيها في اختيار الطريقة الصحيحة في النصح والإرشاد وتغيير المنكرات، وأن تحدد المرحلة التي تمر بها الأمة، وألا تقفز قفزة أكبر من حجمها حتى لا تقع على رأسك، وكما قلنا في النهاية تعود أدراجك إلى الخلف، يا فلان لماذا عدت؟ فتقول: والله إني لا أطيق هذا البلاء ولا أريد أن يتكرر معي مرة أخرى. وكثير من الطاقات ومن الجهود كان يمكن أن تصرف في أمور نافعة للأمة، لكن لحماس زائد وتصرف خاطئ كان بإمكانه أن تؤخره إلى وقت آخر، ذهب العمر إما خلف القضبان وإما استعجال في اتخاذ رأي فتعرض لبلاء شديد كسر نفسه وهمته.

فالإنسان أحبتي دائما يكون عاقلا في تصرفاته، هذه الفكرة التي يريد ابن الوردي أن يوصلها، يكون عاقلا في اختياراته، لا يواجه الناس الظلمة بأسلوب أو بمنهج هو لا يستطيع أن يطبقه فعلا في واقعه، خاصة أن الناس لن تقف معك، والناس لن تؤذرك في مجتمع كمجتمعاتنا، مهما أنكرت حجما سيقف معك حجم محدود جدا، وإذا ابتليت الناس ستتركك. أحبتي، إذا كان أحمد بن حنبل وهو إمام أهل السنة والجماعة حينما حمل بالسلاسل والقيود إلى الخليفة أهل بغداد والناس الذين كانوا يعظمونه ما أحد وقف معه، ما أحد جاء لأجناد السلاطين وقالوا لهم: دعوا أحمد لا تأخذوه، وبدأوا.

أحمد، أحمد ذهب من بين نصفين يعني من نص المجتمع، حمله أعوان السلاطين أعوان الخلافة العباسية. حملوه مكبلاً بالسلاسل والأغلال إلى مقر الخلافة، وما أحد وقف معه، فلا تظن يعني أنك إذا أنكرت المنكر الناس كلها ستقف معك وتنصرك. أحبتي، قل من يقف آه مع الإنسان في هذه المواقف الشريفة، مواقف إنكار المنكر.

طبعا هذه ليست دعوة يعني دائما أنا أخاف أن بعض الناس تفهم الأمر بالجهة المعاكسة، أنه الشيخ إذا يدعونا لأن لا ننكر المنكرات. كلا، بل لابد أن يبقى من ينكر المنكرات، والإنسان بحسب موطنه يعني العالم الرباني الذي سود نفسه للناس والناس تأخذ منه، هذا لا ينبغي أن يكون موقفه كموقف طالب العلم المبتدئ في إنكار المنكرات. المطلوب أن العالم الرباني صوت أعلى وطريقة أشد في إنكار المنكرات مما هو مطلوب من طالب علم مبتدئ أو إنسان على طريق الطلب أو من العوام.

لأنك أيها العالم إذا أنت سكت وهذا سكت وهذا سكت، من الذي سينصر هذا الدين؟ ومن الذي سيقف في وجهه الطغاة والمجرمين؟ فلابد إذا من وجود طائفة وثلة من العلماء الربانيين الذين يصدعون بالحق بحكمة وبتؤدة، ولكنهم يبينون معالم هذا الحق وينصرونه ويوضحونه لئلا تخفى هذه المعالم مع مرور الوقت، وهذه وظيفة العلماء.

لكن هل هذه الوظيفة التي تسند إلى العلماء يفعلها أي إنسان من طلبة العلم من العوام؟ كلا، فالعلماء موقفهم والواجب عليهم أكبر مما هو مطلوب من طلبة العلم. طالب العلم مطلوب منه أن يشتغل بالطلب والتحصيل حتى يصبح عالماً، ثم هو يتولى هذا المنصب. وهذا العالم طبعا يكون أسس تحته مجموعة من طلبة العلم، وهؤلاء طلبة العلم يتصدرون ويصبحون علماء، وتبقى هذه الدوامة قائمة، الصراع بين الحق والباطل لابد أن يبقى قائماً إلى أن يحكم الله سبحانه وتعالى.

لكن أن يستعجل في اتخاذ القرارات، وأن تقفز القفزات من دون علم شرعي ومن دون فهم ودراية بالواقع، هذا بالعكس وبأله وفساده على المجتمع أكثر من خيره، وطرق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأحكامها وارشاداتها وضوابطها. هذا إلى محاضرة كاملة لكن هي إشارة سريعة من ابن الوردي جانب السلطانة وحضر بطشه، لا تخاصم من إذا قال فعل.

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يعيننا على امتثال هذه الخصال الطيبة، وأن يعيننا على الانتفاع بهذه النصائح الرائعة التي يبثها ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه في ثنايا حديثه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وبإذن الله نلقاكم في محاضرة أخرى في شرحنا على لامية ابن الوردي، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.