تسجيل الدخول

شرح لامية ابن الوردي (2)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح لامية ابن الوردي للشيخ إبراهيم رفيق الطويل. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمد سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده بشرح نصيحة الإخوان ومرشدة الخلان، للإامام ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه. وما زلنا نسير مع هذا الإامام في بداية ومطلع هذه القصيدة، وهو يعالج قضية الشهوة في حياة الإنسان، ويطالبه بكبح جماحها وتوجيهها إلى ما هو أنفع في دينه ودنياه؛ لأن الإنسان إذا أطلق العنان لشهواته فشل وخسر في مشاريعه الدنيوية والأخروية على حد سواء.

في المجلس السابق بدأ ابن الوردي يعالج موضوع شهوة النساء، وطالبك بترك ذكرهن والتغزل بهن وذكر مفاتنهن ومحاسنهن، وألا تحفل بمصاحبتهن والخروج معهن؛ بأن هذا ليس من سيم الرجال أصحاب المروءات والهمم العالية.

اعتزل ذكر الأغاني والغزل وقل الفصل وجانب من هزل، ودع الذكري لأيام الصبا فلايام الصبا نجم أفل، إن أهنى عيشة قضيتها ذهبت لذاتها والإثم حل، واترك الغادة لا تحفل بها تمسي في عز وترفع وتجل.

وهنا تعليق مختصر على كلمة تمسي. تمسي هنا بمعنى تصبح وتصير؛ لأن كان وأمسى وأصبح يعني بعض أخوات كان تأتي في اللغة العربية أحبتي بمعنى صار، فتنفك عن دلالتها على الزمن المخصوص، فكلمة تمسي هنا لا تدل على المساء، وإنما تدل على معنى الصيرورة ولا تدل على وقت المساء بخصوصه. فمعنى تمسي في عز أي تصبح وتصير في عز وترفع وتجل.

إذا، ابن الوردي عليه رحمة الله عالج ابتداءً هذه الشهوة، وطالبك بالانكفاف والانعزال عن شأن النساء عموماً، ثم انطلق بعد ذلك رحمه الله تعالى ليعالج مجموعة أخرى من الشهوات التي قد تعترض الإنسان في حياته، فقال: أيها الملهو عن آلة لهو أطربت، وعن الأمرض مرتج الكفل.

يحذر ابن الوردي عليه رحمة الله في هذا البيت من شهوتين؛ الشهوة الأولى هي شهوة سماع المعازف والتلذذ بأصواتها. وابن الوردي لم يتعرض في قصيدته لحكم سماع المعازف؛ لأنه ليس موطناً لذكره في هذا المكان، وليس الغرض في هذه القصيدة أن يذكر حكم المعازف، وليس هذا الغرض منه.

لكن ماذا يريد ابن الوردي عليه رحمة الله؟ يريد أن ينبه أن الاشتغال بسماع المعازف من سيما البطالين الفارغين، وليس من شيم العاملين أصحاب المروءات والهمم. ونحن أحبتي سنحذو حذو ابن الوردي عليه رحمة الله، لن نتطرق إلى ذكر حكم سماع المعازف، وإن كان تحريمها واضحاً جلياً في المذاهب الفقهية جميعها، وأدلتها واضحة في مواطنها، وإنما الخلاف في بعض الآلات بخصوصها وليس في أصل المسألة.

فأصل المسألة متفق عليه عند عموم المذاهب المعتبرة والحمد لله، ولكن ما نريد أن نبينه هنا أن من استقرأ نصوص الشريعة وعقل عن الشارع مراده وفهم مقاصده، يدرك بما لا شك فيه أن هذه الشريعة الغراء لا يمكن أن تبيح المعازف وتحلها لما لها من المفاسد والاضرار على قلب الإنسان وفكره وعقله، وهذا لا يشك فيه عاقل.

أحبتي، ليست القضية في حديث البخاري في تحريم المعازف هل هو صحيح أم ليس بصحيح؟ ليست القضية في رأي ابن حزم أو غيره من العلماء في حكم المعازف. القضية أن ضرر المعازف ومفاسد المعازف على دين الإنسان وعقله وفكره أصبح واضحاً جلياً لا يشك فيه ذو لب.

فلذلك لو رأيتم في التاريخ الإسلامي لوجدتم أن العلماء والفقهاء والعاملين لم يكونوا ينشغلوا بسماع المعازف، لم ينشغلوا بسماع المعازف ولم ينصتوا إليها، وكانوا يحرمونها على أنفسهم، وأما من كان يسمع المعازف فهم البطالون الفارغون أصحاب الفسق والمعاصي العابثون الذين لا يجدون شيئاً يصنعونه لأمتهم، هم من عرف في التاريخ بالاستماع للمعازف والملاهي.

وفي الحقيقة أن سماع المعازف والملاهي يصد عن ذكر الله سبحانه وتعالى، ويشغل صاحبها عن مولاه عز وجل، والقلب إذا اعتاد سماع المعازف أصبح يميل ويطرب معها لكنه لا يكاد يخشع حينما يذكر الله سبحانه وتعالى، ولو لم يكن للمعازف إلا هذا الضرر لكان حرياً أن ينهى عنها وأن تجتنبها.

لو لم يكن لها ضرر إلا أنها تصدك عن ذكر الله سبحانه وتعالى وتصرف هذا القلب عن مولاه لكان ذلك حرياً بأن ينهى عنها، فكيف ولها مفاسد عديدة؟ فهي تقلل المروءة وتهيج الشهوة وتضيع الزمان.

ومن هنا أرسل رسالة لأولئك الذين يتصدرون لإباحة المعازف وتحليلها، ويسفهون رأي جماهير علماء الأمة سلفاً وخلفاً في تحريمها، بل يصورونه على أنه تخلف عن ركب الحضارة ورجعية في الفكر. أقول لهؤلاء: اتقوا الله عز وجل في هذه الأمة، وراقبوا ما تتكلم به الشفاه؛ فإنكم حين تحللون المعازف توقّعون عن الله سبحانه وتعالى، والله إنها فتوى توقيع عن الرب عز وجل.

فحينما تقولون بحل المعازف وتستعملونها أيها الدعاة، أنتم مسؤولون أمام الله، وأنتم موقعون عن الله عز وجل في هذا الكلام، وستمثلون بين يديه وسيسألكم عن هذه الفتوى، فأعدوا له جواباً أيها المتصدرون لتحليل المعازف.

لن أناقشكم الآن كما قلنا في تحريمها وفي أدلة ذلك؛ إذا لم تقتنعوا بتحريمها ولم تقنعكم الآثار المنقولة عن محمد صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة الأبرار وعن التابعين الأخيار في تحريمها، لو لم يقنعكم كل ذلك واقتنعتم بأنها حلال، ورأيتم جماهير العلماء يقولون بتحريمها، ألا يولد ذلك شبهة تجعلكم تتوقفون وتتورعون وتكفون عن الإفتاء باباحتها للناس؟ أليس حرياً بكم أن تسدوا الذرائع في هذا الباب، وتكونوا بمعزل أنتم والناس عن سماع هذه الفتن والشهوات حتى لو رأيتم أنه لا يوجد نص قاطع في تحريمها؟ أليس العاقل من الدعاة؟ أليس العاقل من العلماء هو الذي يتورع في مواطن الشبهات؟ اعتبروها شبهة وتورعوا.

أما أن تتايعوا على سماع المعازف، وأن تجلسوا مع أصحابها، وأن تظهروا للناس أنكم تباشرونها، فهذا نقص في المروءة وابتعاد عن المنهج الصحيح الذي سار عليه العلماء.

فقديماً أحبتي العلماء الكبار كانوا يختلفون في حل بعض الأشياء وتحريمها، فتجد العالم إذا رأى جمهور الفقهاء يقولون بتحريم شيء وهو يرى إباحته، كان يتورع هذا العالم ويبتعد ويعزل نفسه عن هذا الأمر الذي يرى إباحته. لماذا؟ مراعاة للخلاف، مراعاة لقول جمهور الفقهاء بالتحريم؛ فهو يرى في نفسه الإباحة لكنه لا يباشر هذا الشيء ويبتعد عنه ويبعد الناس عنه مراعاة لقول الجماهير، فكيف بمسألة أطبقت عليها المذاهب؟ وكما قلنا إنما وقع الخلاف في بعض الآلات بخصوصها وليس في أصل باب المعازف.

فإذاً أحبتي علينا أن نتقي الله سبحانه وتعالى فيما نقول وفيما نتحدث به وفيما نفتي به أمام الناس. ولأسف بعضهم يقول: يا شيخ استعمال المعازف في البرامج الدعوية وفي الحفلات والجلسات له مصالح ومكاسب دعوية، وهل تريد من الغرب أن يضحك علينا حينما نقول بتحريم المعازف؟

في الحقيقة أحبتي هذا التعليل أقبح من الذنب؛ فإنني فتشت في المكاسب الدعوية لاستعمال المعازف فلم أجد مكسباً دعوياً حقيقياً، وإنما هو من استهواء الشيطان، الشيطان يوهمنا أن هناك مصالح لاستعمال المعازف، ولم أجد هناك مصلحة مرعية للشارع في استعمال هذه الأدوات هذا أولاً.

ثانياً، إذا كنتم تستحيون من الغرب أن تقولوا بتحريم المعازف، لن أناقش أن الإنسان الأصل فيه أن يستحي من الله سبحانه وتعالى وليس من أعداء الأمة، لكن سأسلم لكم تنزلاً؛ أنتم تستحيون من الغرب فتقولون لا نريد أن نحرم المعازف بأدلة ظنية حتى لا يضحك علينا أعداؤنا ويسموننا بالتخلف والرجعية.

أقول: إذا كنتم تستحيون من تحريم المعازف لهذه العلة، ألا تستحيون من تخلفكم الحضاري والفكري أمام الغرب؟ يعني هذا الشخص الذي أباح المعازف هل انتقل بالأمة نقلة نوعية نحو الحضارة؟ هل ولد لهذه الأمة إنجازاً عظيماً وحقق لها تقدماً أصبحنا ننافس به أعداءنا؟ أم المسكين لا يعلم أن شباب الأمة وأن فتيات الأمة يتراقصون على أنغام هذه المعازف التي أباحها لهم؟

نعم، أحبتي، علينا أن نكون عقلاء يستحون من تحريم المعازف حتى لا يصفهم الغرب بالرجعية، لكنهم لا يستحون من تخلفهم الفكري والحضاري. فالعلوم الدنيوية التجريبية والاجتماعية، إذا كنتم تستحون من الغرب فاستحوا من تخلفكم الحضاري والفكري.

لا يوجد داعٍ لأن تستحوا من تحريم المعازف، فليس هذا مما يستحى منه، وإنما يستحي الإنسان من كسله ومن عجزه عن الإنجاز والعمل. هنا موضع الاستحياء، وإن كان أصلاً على الإنسان أن يستحي من الله سبحانه وتعالى، ولا ينظر إلى أعدائه ولا يقارن نفسه بهم، بل ينظر في المصالح الشرعية المرغوبة المرادة لله سبحانه وتعالى فيسرع إليها، وينظر في المفاسد التي منعت الشريعة منها فيبتعد عنها.

هذا حال المسلم في علاقته مع ربه سبحانه وتعالى وفي تمسكه بدينه. لذلك نسأل الله العظيم أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه. نعم، هنا قضية أن ترى الحق حقاً وأن يرزقك الله الاتباع لهذا الحق، وأن ترى الباطل باطلاً وأن يرزقك الله اجتنابه؛ لأن كثيراً من الناس للأسف انعكست عندهم الرؤية، فأصبحوا يرون الحق باطلاً والباطل حقاً، وهذا من الزيغ، فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم ألا يفتننا في ديننا، وأن يثبتنا على الحق الذي يرضيه إلى يوم نلقاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

إذاً، كما قال لكم ابن الوردي: ولهى عن آلة لهو أطربت. ليس هذا من شيم أصحاب الهمم والمروءات، ليس من شيمهم الاشتغال بالمعازف، لن نناقش أدلة التحريم كما قلنا، لكننا نناقش العمل والإنجاز والهمم. هل من دأب أصحاب الهمم والمروءات والإنجاز والبذل والعطاء لهذه الأمة أن يجلسوا في مجالس الفسقة ليستمعوا إلى المعازف والغناء؟ أما كان هؤلاء في أسواق العمل والإنجاز والطموح والبذل لهذه الأمة في مختلف الميادين في الطب والهندسة والفيزياء والكيمياء وفي طلب العلوم الشرعية وصناعة العلماء؟

إذا أردت أن تكون إنساناً منجزاً مقدماً باذلاً، فلا يتوقع منك أن تكون ممن يلهو بهذا العبث، ولهى عن آلة لهب أطربت. ثم انتقل ابن الوردي للشهوة الثانية في هذا البيت، قال: ولهى عن آلة لهو أطربت، وعن الأَمارد مرتج الكفل. وعن الأَمارد مرتج الكفل.

هنا ابن الوردي انتقل إلى الشهوة الثانية، شهوة المردان. ولربما تستغرب من تعمق ابن الوردي رحمة الله عليه في تفاصيل هذه الشهوة والتدقيق في وصفها، وهذا إن دل أحبتي، فإنما يدل على أن هذه المشكلة الأخلاقية كانت قائمة في عصر ابن الوردي حاضرة، مما دفع بالوردي إلى أن يعالجها، كما هي حاضرة في عصرنا بقوة.

ما هي شهوة المردان ابتداءً؟ شهوة المردان هو أن يتعلق القلب بالمردان وأن يلازمهم وأن يشتهيهم عموماً. طب، السؤال: من هم المردان صح؟ أنت قلت يا شيخ شهوة المردان أن يتعلق القلب بالمردان وأن يلازمهم وأن يشتهيهم عموماً. من هم المردان؟

المردان أحبتي هم الفتيان الصغار الذين لم تخرج لحاهم وشعورهم بعد على وجوههم، فهؤلاء يسمون في العربية المردان. طب يا شيخ، هل المردان هم محل للشهوة؟ هنا سيتولد السؤال ابتداءً. أنت قلت المردان هم الفتيان والشبان الصغار الذين لم تخرج لحاهم ولم يخرجوا الشعر على وجوههم بعد، فكيف يكونون محل الشهوة؟ هل هم محل الشهوة؟

في الحقيقة أحبتي، بعض الناس ابتلاهم الله سبحانه وتعالى بالتعلق بالمردان وباشتئائهم، وهذا مرض خطير وشذوذ في الفطرة نسأل الله منه العافية. والشيطان قد يدخل على الإنسان -انتبهوا على هذه القضية أحبتي- الشيطان قد يدخل على الإنسان من باب شهوة المردان بدلاً من باب شهوة النساء وهو لا يشعر. بعض المسلمين بل حتى بعض طلبة العلم يتورع عن اشتهاء النساء والتغزل بهن وذكر مفاتنهن، ويعتبر ذلك جرماً، لكنه يتساهل بملازمة المردان والخروج معهم بل وفي اشتهايئهم أيضاً، فيغره الشيطان رويداً رويداً ويسول له ارتكاب هذه الرزية واقتراف هذه الشهوة، فيقع في مستنقع الرذيلة والعياذ بالله ويفعل فعل اللوطيين، نسأل الله السلامة والعافية.

نعم، أنت تستقبح هذا الأمر، لكن أحبتي بعض القضايا الأخلاقية يجب أن تعالج بوضوح. بعض القضايا الأخلاقية، لاحظوا جرأة ابن الوردي في معالجة هذه المشكلة الأخلاقية في قصيدته أمام الناس، قصيدة طارت الآفاق وابن الوردي نص فيها على هذه المشكلة الأخلاقية وعالجها، لأنها مشكلة لا يقع فيها فقط العوام بل حتى بعض طلبة العلم يقعون في هذا الإشكال الأخلاقي.

ملازمة المردان الشباب الصغار وكثرة الخروج معهم وملابستهم قد يسول فيها الشيطان للإنسان اشتهاءهم فيقع في فعل اللوطيين ويقع في هذه الرذيلة القذرة، فعلى طالب العلم أن يغلق هذا الباب على نفسه ابتداءً، ليس لك أن تلازم المردان وأن تكثر من الخروج والحديث معهم، بل حتى الإمام النووي رحمة الله عليه حرم النظر إلى المردان بشهوة أو بدون شهوة، تصوروا! الإمام النووي، وإن لم يكن هذا معتمداً يُذهب عند الشافعية، لكن الإمام النووي يحرم النظر إلى المردان مطلقاً بشهوة وبدون شهوة.

لاحظوا إذاً، الأئمة الكبار تكلموا في هذه المسألة، مسألة أخلاقية خطيرة، بل حتى علماء السلف كسفيان الثوري ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل كانوا يمنعون المردان من حضور المجالس، كانوا يمنعون المردان من حضور المجالس ومن القرب منهم، وهذا يدل كما قلنا على خطورة هذه الشهوة وأنها ليست بالامر الهين.

وبالتالي أحبتي، هنا أقدم نصيحة: علينا أن نراقب أبناءنا وبناتنا في المعاهد وفي المدارس، لأن كثيراً منهم خاصة بعد البلوغ قد يقترف هذه المعاصي وهذه الذنوب وهذه الشهوات وهذه الرذائل بسبب رفقاء السوء، يتلقونها من رفقاء السوء. فإذا لم تكن هناك مراقبة واعية من البيت والأسرة، فقد ينحرف هذا الشاب أو هذه الفتاة في مستنقع الرذيلة، فينبغي أن تكون هناك مراقبة رشيدة من الأهل لرفقاء الابن ولرفيقات البنت مع من يخرج ومع من يعود، وأن ينتبه إلى تصرفاته، وإذا وقع في شيء من هذه التصرفات عليه أن ينبهه على الخطأ وأن يزجره حتى لا يعتاد على هذه المعاصي.

وللاحظوا كيف غاص ابن الوردي أكثر وأكثر في وصف المردان وسأبين سبب ذلك. ماذا يقول ابن الوردي؟ ولهى عن آلة لهو أطربت، وعن الأَمارد مرتج الكفل، وعن الأَمارد مرتج الكفل، إن تبد تنكسف شمس الضحى وإذا ما ماس يزري بالأصل، زاد إن قسناه بالشمس ضحى وعدلناه بغصن فاعتدل. هذه الابيات طبعا موجودة في بعض النسخ مفقودة في بعض النسخ، لكنني أنا أشرحها على النسخة التي بين يدي.

السؤال: لماذا بالغ ابن الوردي في وصف المردان وذكر محاسنهم ومفاتنهم؟ سأشرح الآن هذه الأبيات بإذن الله، لكن قبل أن أشرحها هناك سؤال قد يرد على ذهن الطالب: لماذا بالغ ابن الوردي في وصف المردان وفي ذكر محاسنهم ومفاتنهم؟ ألا يكتفي أو ألا يكفي أن يقول: ولهى عن آلة لهو أطربت وعن الأَمارد وينتقل موضوع آخر؟ لماذا هذا التعمق في وصف المردان وذكر محاسنهم ومفاتنهم؟

لانه يريد أن ينبهك على خطر الشهوة بهم، لانه يريد أن ينبهك على خطر الشهوة بهم حتى لا تستهين بهذه الشهوة ولا تقلل من شأنها، شهوة خطيرة قد تقع فيها يا طالب العلم وأنت لا تدري وأحياناً وأنت تدري، فسل الله العافية منها. فبالغ ابن الوردي في وصف المردان وفي بيان أن لهم حظاً من الشهوة حتى لا يستهين أحد بهذه الشهوة ولا يقلل من شأنها ومن خطرها.

طيب شيخ، علق لنا على هذه الأبيات ووفقنا هذه المعاني. يعلق سريعاً على هذه الأبيات قال: ولهى عن آلة لهب أطربت وعن الأَمارد مرتج الكفل. الكفل هو الدبر، الكفل هو الدبر، ومرتج الكفل أي عظيم الدبر، وإنما نص ابن الوردي على هذه الصفة في الأَمارد لأن الدبر هو محل الشهوة فيه كما قلنا، نسأل الله دائماً السلامة والعافية. لكن عليكم أن تفهموا هذه الأبيات، يعني لماذا نص ابن الوردي على هذا الوصف دون غيره؟ لأن محل الشهوة في المردان في الدبر، فيقول: احذروا من المردان الذين وصفهم بهذه الصفة وعن الأمرد مرتج الكفل، صاحب الدبر العظيم، لأن هذا كما قلنا هو محل الشهوة. ننتقل إلى البيت الذي يليه، قال: إن تبد تنكسف شمس الضحى.

انظروا المبالغة في الوصف أيضا، يقول: الأمرد من جمال وجهه ومن ضيائه إذا بدا وظهر لك يذهب نور الشمس ويزول، إذا تبدى وظهر ضياء وجهه وحسن وجهه يغطي على ضياء الشمس ونورها. فتنكشف الشمس أي ينطمس نورها.

هذا معنى قوله: أن تبدى، أي إذا ظهر الأمرد بنور وجهه، تنكسف شمس الضحى أي ينطمس نورها. لماذا ينطمس نورها؟ لأن نور هذا الأمرد وضياؤه لأن نور هذا الأمرد وضياء وجهه يغطي على نور الشمس وضيائها. وهذا مبالغة في الوصف. طيب، لماذا ابن الوردي يبالغ في هذا الوصف الدقيق؟ أن البعض ربما يستهجن هذا من ابن الوردي، فأنا أريد أن أبين ما هي ما هو السبب في ذلك، حتى يتيقظ الإنسان وتنتبه لهذه الشهوة حتى لا يقع فيها وهو لا يدري، أحبتي.

طيب، قال: أن تبدى تنكسف شمس الضحى، وإذا ما ماسا يزري بالأسل. وانتبهوا لهذا الشطر: وإذا ما ماس، ما هذه التي بعد إذا؟ هذه ما زائدة، يا طالبا خذ فائدة. ما بعد إذا زائدة. هذه كما علمنا أشياخنا، ما إذا وقعت بعدها إذا تكون زائدة.

يعني إذا ماسك، إنه قال إذا ماس، لكن حتى يصلح البيت قال: وإذا ما ماس. ما معنى ماسا؟ ماسا يعني حلق رأسه بالموس، حلق رأسه بالموس، يعني أزال شعره بالموس.

والأمرد إذا أزال شعر رأسه بالموس ظهر نور وجهه أكثر وأكثر، ظهر نور وجهه وظهرت مفاتن وجهه أكثر وأكثر. فيقول: هؤلاء المردان إذا ماسوا رؤوسهم فإنهم يزرون بالأسل. ما هي ما هو الأسل؟

الأسل هي الرماح، وفي الأصل هي شجرة صلبة كانوا يأخذون أغصانها ويصنعون منها الرماح، ثم أصبح الأسل يطلق على الرماح القوية المتينة. فيقول: هؤلاء المردان إذا حلقوا رؤوسهم فظهرت وجوههم منيرة، يكون أثر النظر إلى وجوههم على قلب الناظر أشد وقعا أو أشد وقعا من أثر الرماح الصلبة. يكون أثر النظر إليهم على قلب الناظر، كيف أثر الناظر إليهم على قلب الناظر؟ يكون أثر النظر إليهم على قلب الناظر أشد من وقع الرماح الصلبة على قلبه. انظر هذه المقارنة الشديدة، يعني كأنه يريد أن يقول: لا مقارنة، لا مقارنة بين أثر النظر إلى المردان بعد أن يحلقوا رؤوسهم على قلب الناظر إليهم، مع أثر الرماح على قلب الإنسان، ما في مقارنة! النظر إلى المردان أشد وقعا وأشد أثرا على قلب الناظر من أثر الرماح عليه. تخيل إنسان تضع الرمح في قلبه، ألم فظيع، صح؟

ألم فظيع! يقول ابن الوردي: النظر إلى المردان بعد أن يحلقوا رؤوسهم أشد من هذا الألم. النظر إلى المردان وأثره على القلب أشد من ألم هذه الرماح لو دخلت القلب.

لذلك قال: وإذا ما ماسا يعني إذا حلقوا رؤوسهم يزري بالأسل، يصبح تصبح الرماح لا قيمة لوجعها في القلب مقارنة مع الوجع ومع الألم ومع الفتنة التي تحدثها أو يحدثها النظر إلى هؤلاء المردان.

وأنت أظنك الآن انبهرت من هذا الوصف الدقيق من ابن الوردي رحمة الله عليه لجمال ومفاتن لعظمت والمردان عموما. صحيح أنا متأكد أنك الآن تتساءل: ما هذا؟ أو ما سر هذا التوصيف الدقيق من ابن الوردي لهؤلاء المردان؟ كما قلت لك وأعيد: أراد أن ينبه على أن الشهوة بهم ليست بتلك الشهوة السهلة التي يمكن أن تتخلص منها، خصوصا أنت يا طالب العلم، لأنك قد تتورى عن أمر النساء لأنه لا يصلح أن تظهر أمام العامة مع النساء وتتحدث معهن، لكن قد تتساهل وتتهاون في أمر المردان ويغيب عنك خطر هؤلاء على قلبك وعلى دينك ودنياك.

فانتبه لهذا. وما زال يكمل ابن الوردي في وصف محاسن المردان، قال: زاد إن قسناه بالشمس سنا، أي أنقصناه بالشمس، أنقصنا ضياء وجهه بضياء الشمس؛ فإن ضياء وجهه وإن نور وجهه يزيد على ضياء الشمس ونور الشمس. ما زال يمدح ويذكر المحاسن ثم قال: وعدلناه بغصن فاعتدل، أي إذا وضعنا هذا الأمرد مكان غصن فانه يقوم مقامه. وهذا فيه دليل على ماذا؟ على حسن قده وخصره.

هذا مدح للخصر والقد. فيقول: وعدلناه أي إذا وضعناه مكان الغصن فانه يقوم مقام الغصن في الشجر، دلالة على اعتدال خصره وقده وجماله. يعني أنظروا الوصف الدقيق، وصف وجهه ووصف نوره وضياء هذا الوجه وأنه أجمل من ضياء الشمس، وكيف أنه إذا رآه الإنسان فإن أثر النظر إليه بعد أن يحلق شعره أشد من أثر الرماح على قلبه. إلى آخر هذه الأوصاف العميقة، وما مراد ابن الوردي بذلك؟ أن يحذرك من هذه الفتنة.

طيب، الآن ما هو العلاج إذا؟ ما هو العلاج حتى نخلص من هذه الشهوة؟ قدم لك ابن الوردي العلاج، قال: وافتكر في منتهى حسن الذي أنت تهواه تجد أمرا جلل. بيت جميل ورائع! قال: وافتكر في منتهى حسن الذي أنت تهواه تجد أمرا جلل. يقدم لك الآن العلاج حتى تخلص من شهوة المردان ومن شهوة النساء. يقول لك: إذا اشتهيت امرأة أو اشتهيت هؤلاء المردان فعليك أن تفكر في منتهى هذا الحسن الذي اشتهيته، إلى ما سينتهي؟

فينتهي إلى حفرة تحت التراب، وستأتي هوام الأرض ودواب الأرض لتأكله حتى يصبح هيكلا عظميا، فلا تفرقوا بين حسن وقبيح أليست هذه هي النهاية؟ وهكذا كان دأب السلف رحمة الله عليهم. يوصينا الإنسان إذا افتتن بفتاة أو افتتن بأمرد أن يتذكر مساوئه ومناتنه، كما قال ابن مسعود: تذكر المناتن، ما يخرج منه من الأذى من القذر. تفكر في نهايته، أنه سيصبح في حفرة تحت التراب، وستأتي الدواب والهوام لتأكل هذا الجسد.

هذا الحسن ليصبح هيكلا عظميا. وإذا أصبح هيكلا عظميا فهل هناك هيكل عظمي حسن وهيكل عظمي قبيح؟ الكل سيكون في النهاية على حد سواء. فحينئذ إذا أدركت هذه الحقيقة فإن الشهوة سينكبح جماحها وسيقل أثرها على قلبك بإذن الله. فهذه طريقة من ابن الوردي لمعالجة أثر الشهوة، وهي طريقة مجربة ونافعة بإذن الله.

ثم قال: واهجر الخمرة إن كنت فتى، كيف يرضى بجنون من عقل؟ ماذا يعني بذلك؟ انطلق ابن الوردي ليعالج قضية أخرى وشهوة أخرى، ألا وهي شهوة شرب الخمر. فيقول لك: واهجر الخمرة إن كنت فتى. ما معنى إن كنت فتى؟ يقصد بالفتى هنا الشاب العاقل الرشيد، من امتلك صفات الكمال، أي إن كنت شابا رشيدا عاقلا مكتملا في صفات الكمال فعليك أن تهجر الخمر ولا يمكن أن تتعاطاها ولا أن تعاقرها.

ثم يظهر ابن الوردي رحمة الله عليه تعجبه من هؤلاء الذين يشربون الخمر. فيقول: كيف يرضى بجنون من عقل؟ كيف يرضى الإنسان بأن يكون مجنونا بعد أن منحه الله نعمة العقل؟ وهو هنا يعرض بحالة السكر التي تصيب من يشرب الخمر، فإن حالة السكر هي حالة جنون أليس كذلك؟ يصبح الإنسان يتصرف تصرفات المجانين ويفعل أفعال المجانين. فيتعجب ابن الوردي كيف يمكن لإنسان عاقل أن يرضى لنفسه بالجنون بعد أن منحه الله الرشد والعقل.

فعلا ابن الوردي شخصية شريفة، أحبتي، شخصية شريفة صاحبة مروءة وصاحبة همة عالية، لا يقبل لنفسه ما يخل بمروءته. فلذلك يتعجب، يعني هو يريد أن يقول: لن أناقشك الآن في تحريم الخمر، أنا أناقش في قضية كيف يرضى الإنسان لنفسه أن يظهر في مظهر المجانين بعد أن رزقه الله العقل! هذا ما أناقشه فيه، فهو يتكلم عن مروءة وعن أخلاق وعن قيم قبل أن يتكلم عن تحريم وتحليل.

إذا ابن الوردي يقول لك: واهجر الخمرة، أيضا شهوة الخمر عليك أن تدعها إن كنت إنسانا عاقلا، فالعاقل لا يرضى لنفسه الجنون بعد العقل.

ثم قال بيت جميل جدا، قال: واتق الله فتقوى الله ما جاورت قلب امرئ إلا وصل. ما أجمل وما أروع هذا البيت! هذا البيت أصبح حكمة على لسان الأئمة: واتق الله فتقوى الله ما جاورت قلب امرئ إلا وصل. تقوى الله هي العلاج الحقيقي لكل هذه الشهوات التي ذكرها.

أن تلازم تقوى الله في السر والعلن، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ. التقوى كلمة جامعة لكل الفضائل والخيرات، من لازم التقوى وكانت التقوى مجاورة لقلبه لا تنفك عنه بإذن الله يستطيع أن يكبح جماح الشهوات ولا تسيطر عليه ولا تقهره.

وهذه الشهوات عن الجادة الصحيحة، لكن عليك أن تلازم التقوى. وقد اختلفت عبارات العلماء في تعريف التقوى وتنوعت، وكلها تصب في اتجاه واحد، وهو أن التقوى أن تقف عند حدود الله سبحانه وتعالى؛ فتلتزم بالأوامر وتجتنب النواهي. هذه خلاصة التقوى: أن تقف عند حدود الله، فتلتزم بالأوامر الإلهية وتجتنب النواهي.

من جعل تقوى الله بين عينيه استطاع أن يكبح جماح الشهوات كلها بإذن الله. واتق الله، فتقوى الله ما جاورت قلب امرئ إلا وصل لبغيته ولهدفه ولطموحه في الدنيا وفي الأخرى. نعم، تقوى الله هي سبيل الإنجاز، هي سبيل تحقيق الطموحات، هي السبيل الذي يسلكه أصحاب الهمم أن يضعوا تقوى الله بين أعينهم.

والله ييمن الله سبحانه وتعالى عليكم، وسيفتح عليكم من العلوم والمعارف، لكن اصبروا على تحقيق التقوى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. ولماذا؟ لعلكم مفلحون.

والبيت الأخير الذي يعلق عليه في محاضرة اليوم قال: ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما من يتق الله البطل. نعم، ليس الأبطال هم الذين يعيشون في الشوارع وعلى قوارع الطرقات يهتكون الأعراض ويلعبون بالسيارات والدواب وغيرها، ليس الذين يتسكعون في الشوارع مع الفتيات هؤلاء هم الابطال.

ليس من يقطع طرقاً بطلاً، ليس من يؤذي الناس في مجالسهم العامة والخاصة هم الأبطال، كلا، بعض الناس للأسف وبعض الشباب يظن الرجولة والبطولة في أن يخرج مع فتاة، أو أن يسير بسيارة فارهة، أو أن يقطع على الناس طرقهم، وأن يؤذيهم، وأن يظهر في مظاهر البهرجة.

يظن هذه البطولة، لكن ابن دريد بحكمته يقول: إياك أن تكون سفيهاً، ليس من يقطع طرقاً بطلاً. طيب، من هو البطل؟ قال: إنما من يتق الله البطل. البطولة أن تقهر هذه النفس، أن تقهر هذه الشهوات، أن ترد هذه الشهوات إلى مكانها الصحيح وأن توجهها إلى ما هو أنفع لك في دينك ودنياك.

أن تسيطر على هذه النفس، أن تسيطر على أوقاتك، أن تنجز، أن تعمل، أن تقدم، أن تكون إنساناً نافعاً، أن تضع بصمة في تاريخ الأمة. هذه هي البطولة، أن تغير من نفسك ومن أسرتك من واقعك ومن مجتمعك هذه هي البطولة. نعم، ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما من يتق الله البطل.

من يحافظ على تقوى الله في السر والعلن، ويلازم محراب العبودية لله، ويلازم العمل والانتاج والفكر وطلب العلم، طلب العلم بعمومه سواء في العلوم الدنيوية والعلوم الدينية، ولا يكون إنساناً تافهاً على هامش الحياة. هؤلاء هم الأبطال الذين ترفع لهم القبعات كما يقولون.

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقنا التقوى وأن يجعلها مجاورة لقلوبنا دائماً ودوماً، إنه ولي ذلك والقادر عليه. انتظرونا في مجلس آخر بإذن الله في شرح هذه اللامية الرائعة.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، طريقك نحو علم شرعي راسخ.