بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي في مجلس جديد من مجالس غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، نتطرق فيه إلى علم جميل، جليل، رائق، لطيف، ألا وهو علم الأخلاق والسلوك والآداب. وهذا العلم أحبتي علم جليل ينبغي لطالب العلم أن يكون له منه حظ وافر، لأنه يقوم السلوك ويرشده وينبهه إلى مواضع الخلل ومواطن الزلل في حياة الإنسان وعلاقاته وتجارب واختياراته لنفسه ولغيره ممن له به عناية.
وهذا العلم أحبتي مكمل لشخصية طالب العلم ومؤثر في تكوينه النفسي والمنهجي والأخلاق والقيم والسلوك. لذلك نجد بعض طلبة العلم يتعمقون في مسائل أصول الفقه والنحو والصرف والاعتقاد والفقه وبضاعتهم هزيلة في علم الآداب والأخلاق والسلوك، فيصبحون وبالاً على أمتهم في المستقبل ونماذج منفرة لطلبة العلم.
بينما في المقابل بعض طلبة العلم لم ينالوا ذاك الحظ الوافر من التدقيق في المسائل العلمية الأصولية وغيرها، لكن رزقهم الله سبحانه وتعالى الحكمة وحسن المسلك، رزقهم الله حكمة في تصرفاتهم وحسناً في مسالكهم ورقياً في أخلاقهم، فقبلهم الناس وسودوهم، ووصلت دعوتهم إلى نفوسهم ودخلت ولمست كلماتهم قلوبهم. لذلك أحبتي لا يقبل لطالب العلم أن يكون خلواً من الآداب والأخلاق والسلوك.
هذه العلوم يجب أن يتعلمها الطالب وأن يقف عليها وأن يتربى عليها منذ بداية الطلب، ليرزقه الله سبحانه وتعالى الاتزان والهدوء والتوفيق في حياته العلمية والدعوية، ليكون له بصمة في تاريخ أمته، وليكون له الأثر الدعوي الكبير في قابل الأيام.
ومن هنا أحبتي تتابع الفقهاء والعلماء على التصنيف في علم الآداب والأخلاق والسلوك، فسطرت المصنفات النثرية ونظمت القصائد والأشعار التي ضمنها علماؤنا حكم السابقين وتجاربهم وادابهم وسلوكياتهم، لتبقى هذه الآثار وهذه الحكم وهذه التجارب منقولة للأجيال اللاحقة يأخذها الخلف من السلف، وننقلها بإذن الله للأجيال اللاحقة من هذه الأمة.
ولذا نرى أن تدريس علوم الأدب والأخلاق والسلوك من الأمور المهمة جداً، وينبغي أن يعتنى بها في المعاهد الشرعية وفي الدراسات الأكاديمية لنكون طلبة علم متزنين وحتى تكون الصورة متكاملة عند طالب العلم. إن طالب العلم ليس هو الذي يحفظ المصنفات ويقيم المجالس ويذهب هنا وهناك على أيدي العلماء فقط من دون أن ينال حظاً وافراً من الأخلاق والتربية والتوجيه والنصح والإرشاد.
ولأجل هذا المقصد قررنا في غراس العلم أن نقيم هذه المجالس الأدبية، نتدارس فيها معاً منظومة من منظومات هذا العلم، منظومة طارت شهرتها في الآفاق، وحفظها الكبار والصغار من طلبة العلم عبر قرون متطاولة، وأثنى العلماء عليها وعلى ناظمها.
هذه المنظومة ضمنها ناظمها خلاصة العمر وصدق النصيحة وجزالة الألفاظ، منظومة صادقة في همساتها وكلماتها وحكمها، كتبها ناظمها بمداد العمر وتجارب الحياة ليقدمها لهذه الأمة لتكون خلاصة أدبية رفيعة رائقة يستطيع طالب العلم أن ينتهجها وأن يسير على منوالها وأن يقتبس من حكمها ليكون راشداً بإذن الله.
هذه المنظومة هي منظومة نصيحة الإخوان ومرشدة الخلان للإمام ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه. وقد اشتهرت هذه القصيدة بين الناس بلامية ابن الوردي، اشتهرت بهذا الاسم بلامية ابن الوردي، وسميت لامية لأنها جاءت في رويها على حرف اللام.
وابن الوردي هو صاحب هذا النظم، وهو الإمام أبو حفص عمر بن المظفر البكري نسبة إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، المولود عام إحدى وتسعين وستمائة من هجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام في مدينة معرة النعمان من بلاد الشام، وهي مدينة مشهورة.
ودعونا قبل أن نتكلم عن هذه المنظومة أن نقف سريعا على شخصية هذا الإمام وعلى أبرز معالم حياته وما قال العلماء فيه. هو الإمام الحبر المفسر الأديب عمر بن المظفر بن عمر البكري، ولد في معرة النعمان عام إحدى وتسعين وستمائة من هجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام. وتفنن ابن الوردي في العلوم وأجاد في المنثور والمنظوم فتلقى علومه عن جملة من العلماء في أماكن متعددة.
فأخذ عن الشيخ الزاهد عبسي السرحاوي بقرية قرب المعرة يقال لها صرحة، وعن الشيخ شرف الدين البارزي بحماة، واجتمع بشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمة الله عليه بدمشق وبحث معه في التفسير والفقه والنحو فأعجبه كلامه، يعني أعجب ابن تيمية بكلام ابن الوردي وبشخصيته وقبل وجهه، فقال ابن الوردي: واني لأرجو بركة ذلك، يعني أرجو بركة قبول ابن تيمية لي وإعجاب ابن تيمية بكلامي، أرجو هذه البركة في قابل الأيام.
وأما عن حياته العملية، ماذا كان يعمل؟ ما هي وظيفته؟ ووظيفته أحبتي أثرت الحقيقة على شعره، وكان لها دور بارز في نظم هذه المنظومة. انظروا ماذا كان؟ قد كان ينوب في الحكم في كثير من معاملات حلب، إذا كان قاضياً في حلب، لكن في حلب لم يكن قاضي في المرتبة الأولى، كان قاضياً في الدرجة الثانية ينوب عن القضاة في كثير من المعاملات. ثم ولي قضاء منبج، وهي مدينة أيضاً مشهورة في بلاد الشام.
لكن الذي يقرأ شعره يجده دائم الشكوى من زمانه، دائماً يعني كما سنلاحظ في قصيدته أنه دائماً يشكو من الناس ومن صعوبة التعارك معهم ومن صعوبة معاملتهم. قال كثير التعب على قضائه، له مع ابن الزملكاني معاتبة في قصيدة مشهورة، ثم رام العودة إلى حلب، يعني بعد أن أصبح قاضياً في منبج وتعب منها أراد أن يعود إلى حلب لكن تعذر عليه ذلك.
فلما مات ابن الزملكاني تعين مكانه أو تعين مكانه فخر الدين البارزي، وكان هذا الرجل فخر الدين البارزي كما مر معنا، وكان هذا شيخ ابن الوردي، فعينه قاضياً في شيزر إحدى المدن، ولم يزل قاضياً عليه حتى توفي البارزي، ثم عاد بعد ذلك ابن الوردي إلى سكنى مدينة حلب مرة أخرى.
له العديد من الشيوخ والتلاميذ ذكرهم صاحب الترجمة له وأثنى العلماء عليه كثيراً. قال الإمام الصفدي رحمة الله عليه في ثنائه على ابن الوردي: قال هو أحد فضلاء العصر وفقهائه وشعرائه، تفنن في علومه وأجاد في منثوره ومنظومه، شعره أسحر من عيون الغيد. وانظروا كيف العلماء علقوا على جودة شعري ابن الوردي، بلغ في الشعر ذروة عليا.
فانظر ماذا يقول الصفدي؟ قال شعره أسحر من عيون الغيد، يعني شعره فيه من الجمال ومن السحر ما هو أجمل من عيون النساء الجميلات، الغيد هم النساء الحصناوات، وأبهى من الوجنات ذات التوريد، قام بفن التورية فجاءت معه قاعدة وخطها في التروس وهي فوق النجوم صاعدة.
يقول أيضاً تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية عن شعره: يقول شعره أحلى من السكر المكرر وأغلى قيمة من الجوهر. انظروا مدح العالي للسبكي رحمة الله عليه على شعر ابن الوردي.
كذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة يقول: ونظم البهجة الوردية في خمسة آلاف بيت وثلاث وستين بيتاً أتى فيها على كتاب الحافظ الصغير في الفقه بغالب ألفاظه، وأقسم بالله لم ينظم أحد بعده الفقه إلا وقصر دونه. قسماً بالله ابن حجر العسقلاني أنه لا يوجد أحد بعد ابن الوردي نظم في الفقه إلا وقصر.
ابن الوردي إذا بلغ الغاية المنتهى في نظمه، وهذا مشجع لنا أن نقرأ هذه المنظومة النفيسة التي دونها. ابن العماد في شذرات الذهب يقول: كان إماماً في اللغة والفقه والنحو والأدب، ونظمه في الذروة العليا والطبقة القصوى. إذاً هذه أيضاً شهادة من ابن العماد.
إذاً علماء العصر ومن بعدها هم شهدوا لابن الوردي رحمة الله عليه بححسن النظم وجزالة الألفاظ والبراعة في علوم الأدب وفي فنون شتى. وهناك العديد من المؤلفات لإمامنا ابن الوردي رحمة الله عليه، لكتاب أبكار الأفكار في مشاكل الأخبار وكتاب بهجة الحاوي المعروف البهجة الوردية، وهي منظومة عالية في الفقه في خمسة آلاف بيت وتزيد نيفاً، منظومة ضخمة جداً في الفقه لهذا الإمام العظيم. وأيضاً هناك دواوين شعرية ورسائل كثيرة في الفرائض والأدب والأخلاق والعلم ومن هذا المنظومة.
التي بين أيدينا نصيحة الإخوان ومرشدة الخلان، وتوفاه الله سبحانه وتعالى في أه كما قال المصنف أه توفاه الله سبحانه وتعالى في أه تسع وأربعين وسبعمئة للهجرة في طاعون حلب. توفاه الله إذاً في طاعون حلب في سنة تسعة وأربعين وسبعمائة من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. إذاً هذا استعراض سريع مختصر أحببت أن أوقفكم عليه لسيرة هذا الإمام العظيم.
ودعونا الآن أحبتي نعود إلى هذا النظم بين أيدينا. هذه المنظومة المباركة منظومة نصيحة الإخوان ومرشدة الخلان، للإمام ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه. وبالمناسبة لم أقف على من بين سبب أه شهرته بابن الوردي، لماذا اشتهر بهذه أه النسبة ابن الوردي؟ ولعل هذا النسب الوردي كان مشتهرا أو لقبا لأحد آبائه أو أجداده، والله تعالى أعلم.
المهم نعود إلى هذه المنظومة التي بين أيدينا. هذه المنظومة اختلف في عدد أبياتها؛ منهم من أوصلها إلى الثمانين، ومنهم من قصر على خمسة وسبعين بيتاً، ومنهم من زاد إلى سبعة وسبعين بيتاً. المهم هي تتراوح أه بين هذه الأعداد، وهي منظومة على بحر الرمل: فاعلاتن فاعلاتن فاعلن. منظومة على بحر الرمل.
هذه المنظومة كما فقلنا أحبتي فيها العديد من الأخلاق الرفيعة والآداب الجميلة، أه وخلاصة الحياة. هذا الجميل فيها أنها خلاصة حياة تجربة عاشها ابن الوردي رحمة الله عليه وأراد أن يقدمها لكم. ضمنها ابن الوردي أيضاً مجموعة من المشاكل الأخلاقية والسلوكية التي كانت سائدة في عصره وحاول أن يقدم لها حلولاً.
أيضاً سنجد ابن الوردي يشكو في هذه المنظومة من أهل عصره ومن صعوبة تعاملاتهم كما ذكرنا. فجاءت منظومة متفننة، متنوعة العلوم، متنوعة الأفكار، متنوعة الأخلاق والآداب، حتى أصبحت أبياتها أمثالاً تقرأ على المنابر وفي الدروس وفي المواعظ وفي المواقف المتعددة.
أبيات هذه المنظومة كما سترون أصبحت أمثالاً يكررها الناس على المنابر والمواقف والدروس والمواعظ عموماً. وهذا يدل على عظم المنزلة التي وصلها هذا النظم المبارك، لذلك أنا في الحقيقة أنصح طلبة العلم بأن يعتنوا بهذا النظم، وأن يجعلوه في بادئ دراستهم لعلوم الأدب والأخلاق التي صنفها ودونها علماؤنا الكبار.
هذه المنظومة أه حظيت بعديد من الشروح وأه أهتمام بشكل عام من علماء قديماً وحديثاً. ومن أشهر الشروح على هذه المنظومة المباركة أه شرح الإمام مسعود القناوي الحصني الشافعي رحمة الله تعالى عليه، المسمى بفتح الرحيم الرحمن في شرح أو عفواً في شرح نصيحة الإخوان ومرشدة الخلان. وهذا من أشهر الشروح الموجودة والمطبوعة، وتجدونه في دار المنهاج فتح الرحيم الرحمن في شرح نصيحة الإخوان ومرشدة الخلان.
إذاً هذه لمحات سريعة حول أهمية علم الأدب والأخلاق والسلوك، أيضاً عن هذه أه المنظومة وعن صاحبها. أحب أن يكون هذا الدرس درساً لطيفاً خفيفاً رائقاً، لا نريد أن نطيل فيه كما هي عادتنا في شرح المنظومات والمصنفات العلمية، ولكنه شرح تربوي أخلاقي سلوكي، لذلك هذا أوان الشروع مني بإذن الله في حل أبيات هذه المنظومة المباركة وفي التعليق على أبياتها تعليقاً مختصراً أخلص منه الحكم والعبر التي أراد ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه أن يوصلها الينا من خلال هذه الابيات.
ابتداءً أحبتي قبل أن نشرع في الأبيات ننبه على أن ابن الوردي لم يبدأ هذه المنظومة بالحمدلة وبالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كما هو الحال في المنظومات العلمية. والسبب في هذا هو أن هذه المنظومة هي قصيدة شعرية وليست من قبيل المنظومات العلمية. قصيدة أدبية شعرية وليست من قبيل المنظومات العلمية.
والقصائد الشعرية هيكلتها وبناؤها يختلف عن هيكلة وبناء المنظومات العلمية. هذا أمر ينبغي أن أه أن يتفتح عليه الطالب وأن ينتبه إليه، أن القصائد الأدبية والشعرية والمدائح لا يبتديها العلماء عادة بالحمدلة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كما هو العادة في المنظومات العلمية، فكل فن له هيكلته وبناؤه الخاص حتى لا يلام ابن الوردي رحمة الله عليه على ما لا لوم فيه في الحقيقة، لأن هذه كما قلنا قصيدة أدبية وليست منظومة علمية.
ولكنه ابتدأها ببسم الله الرحمن الرحيم كما يظهر في النسخ التي بين أيدينا لهذه المنظومة، أنه ابتدأها بالبسملة حتى ينال شرف حديث النبي صلى الله عليه وسلم: كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر، وفي رواية فهو أجزم. وهذا الحديث اختلف أهل العلم فيه ما بين محسن له ومضعف، ولكنه في فضائل الأعمال فالباب فيه واسع بإذن الله.
إذاً بسم الله الرحمن الرحيم، بهذا ابتدأ ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه نظمه. بسم الله.
في الأبيات الأولى من هذه القصيدة يعالج ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه موضوعاً مهمّاً شائكاً في حياة الإنسان، ألا وهو موضوع الشهوة، ألا وهو موضوع الشهوة بجميع أنواعها. فتكلم عن شهوة النساء وعن الافتتان بهن، وأطال الكلام في هذه القصيدة عن هذا الموضوع، طبعا إطالة نوعية أو نسبية مقارنة مع حجم القصيدة.
تكلم أيضاً عن شهوة المردان، وهذا أمر غريب يعني، قد يستغرب طالب العلم إطالة ابن الوردي رحمة الله عليه في التحذير من شهوة المردان، وهذا يدل على أنها مشكلة أخلاقية رآها ابن الوردي في عصره فأراد أن يحذر طلبة العلم منها، لأن بعض طلبة العلم أه إذا لم يستطع الشيطان أن يدخل عليه من باب شهوة النساء ربما يدخل عليه من باب شهوة المردان، ومن باب شهوة المردان سيتضح معنا بإذن الله.
أيضاً شهوة الخمر، شهوة الخمر، فإن كثيراً أو فإن بعض المسلمين بقي يعاقر الخمر ويشربها حتى في العصور الإسلامية، لا تظن أن العصور الإسلامية أه كانت بريئة من ارتكاب هذا الجرم، الكثير من الناس للأسف في تلك العصور، وكما هو الحال في عصرنا، كانوا يشربون هذه أه المشروبات المحرمة التي حرمها الله سبحانه وتعالى ويتعاطونها في مجالسهم، فأراد ابن الوردي أن يحذر الناس من تعاطيها أيضاً ومن أه تعاهدها في الحوانيت وغيرها من الأماكن التي يجتمع فيها الفساق.
أيضاً تكلم عن أه قطع الطريق والبطالة واللغو والعبث، وكل هذه شهوات؛ شهوة النساء، شهوة المردان، تعاطي الخمر، قطع الطريق والعبث واللهو ومضيعة الأوقات. فأراد ابن الوردي أن يعالج هذه القضية، حيث طالب الناس بكبح جماح شهواتهم، طالب الناس بكبح جماح شهواتهم وألا يتركوا لها العنان حتى تقود الإنسان في هذه الحياة.
لأن الشهوات إذا تركت للإنسان في حياته أوردته المهالك ولا بد. انظروا كم من انسان كان يطمح أن يكون له بصمة في تاريخ الأمة، أن يكون له إنجاز، والسبب في تدميره هي شهوته؛ لم يستطع أن يكبح جماح الشهوات فقادته الشهوات بدلاً من أن يقودها، فأوردته إلى المهالك إلى الفشل.
كثير من الناس رأيناهم وعايشناهم، كان بإمكانهم أن يحققوا كثيراً من الإنجازات وأن يصلوا إلى كثير من المعارف، لكن غلبة الشهوة على عقولهم فأفسدت عليهم دينهم ودنياهم. دعونا ننظر كيف عالج ابن الوردي رحمة الله عليه هذه المشكلة في بداية نظمه. يقول ابن الوردي في بداية النظم:
اعتزل ذكر الأغاني والغزل وقل الفضل وجانب من هزل
بدأ رحمة الله عليه بقوله: اعتزل ذكر الأغاني والغزل. هذه نسخة، وفي نسخة أخرى -وأنا أرجح هذه النسخة الثانية، وإن كان كلا المعنيين صحيحاً- في نسخة أخرى يقول ابن الوردي: اعتزل ذكر الغواني والغزل. النسخة الأولى: اعتزل ذكر الأغاني، والنسخة الثانية: اعتزل ذكر الغواني.
والأغاني هي جمع أغنية، والأغنية أيضاً من الأمور التي ينبغي على الإنسان أن يعتزلها. لكن الغواني جمع غانية، والغانية هي المرأة الجميلة التي تستغني بجمالها عن التزين، المرأة الجميلة الفاتنة التي تستغني بجمالها عن التزين، فهذه تسمى غانية وتجمع على غوان. فابن الوردي ماذا يقول لكم؟ يقول: اعتزل -نصيحة لك يا طالب العلم ويا أيها المسلم عموماً- اعتزل ذكر الغواني والغزل، أي دع عنك التحدث عن النساء الفاتنات الجميلات، ودع عنك التغزل بهن وذكر مفاتنهن، فإن هذا سبب في فسادك في الدين والدنيا، فإن هذا سبب في فسادك في الدين والدنيا. وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم حينما وجه هذه الأمة.
هو قال: اتقوا الدنيا واتقوا النساء. انظر كيف جعل النبي صلى الله عليه وسلم الدنيا بأكملها في جهة، وجعل فتنة النساء وحدها فتنة مستقلة قائمة في جهة أخرى. اتقوا الدنيا، اتقوا النساء. وقال في حديث آخر بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه: ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء، ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء.
وهذا أحبتي يدل على شدة فتنة النساء، يدل على شدة فتنة النساء. هذه الأحاديث لا تذم النساء، إياكم أن تفهموا هذا، لكنها تبين طبيعة الفطرة الإنسانية التي خلق عليها هذا الكائن الحي. فالرجل مهما بلغ عقله يدهش أمام المرأة الجميلة الفاتنة، وتستطيع المرأة بأعابيرها آآ أن تقوده وأن تلعب بعقله بجمالها بحسن كلامها بححسن مظهرها ومطلعها، تستطيع أن تلعب وأن تذهب بلب الرجل العاقل.
فلذلك علينا أن نحتاط شديد الاحتياط من هذه الفتنة، بما أن النبي صلى الله عليه وسلم حرص عليها ونبه الأمة عليها خصوصا فهذا يدل على أنها ستكون فتنة شرسة خاصة في آخر الزمان، والواقع تشاهدونه أمامكم. لذلك أحبتي جاءت الشريعة الغراء تحث على غض البصر، وتحرم الاختلاط بين الجنسين، الاختلاط الذي لا حاجة إليه، لأنها تريد أن تكبح جماح هذه الشهوة بقدر المستطاع، شريعة تريد منا أن نكبح جماح هذه الشهوة.
بقدر المستطاع وأن نقلل من أثرها في حياتنا حتى لا تطغى على عقولنا، فيكون ذلك سببا في فشلِنا وفي آآ دمارنا وفي ابتعادنا عن الإنجاز المعرفي والعلمي والفكري. أحبتي يعني لو من نظر في الإحصائيات الغربية التي تتكلم عن آآ المقارنة ما بين المدارس المختلطة والمدارس غير المختلطة في الغرب، تجدون أمرا عجابا، يعني كيف أن المدارس غير المختلطة التي تمنع الاختلاط في الغرب انجازها العلمي والمعرفي عند الطلبة يفوق بكثرة.
إنجاز الطلبة الذين يكونون ويدرسون في المدارس المختلطة التي يلتقي فيها الشباب والفتيات، وهذه إحصائيات القوم الذين ما عندهم أي حاجز ديني يمنعهم من الاختلاط وفعل الفواحش، نسأل الله العافية، هم أنفسهم وصلوا إلى هذه القرارة. وصلوا إلى أن المدارس غير المختلطة هي سبب في زيادة الإنتاج المعرفي والفكري والعلمي، وأن الاختلاط في المدارس سبب في الفشل العلمي والمعرفي. لماذا أحبتي؟ لان الشاب حينما يكون في مدرسة فيها اختلاط.
ويلتقي بالفتيات، شاب في بعيد بلوغه في شدة شهوته، شهوة عارمة قوية، وأنت تسهل عليه سوء الإشباع هذه في شهوة بالحرام، هذا الشاب لن يجد وقتا للتفكير في العلوم والمعارف والفكر، بل سيكون ذهنه محصورا في شهوة فرجه. سيكون ذهنه محصورا في شهوة فرجه، لا يملك أي استعداد عقلي للتفكير والانجاز، ذهنه مشتت، تركيزه ضائع، لان ما يراه أمامه يدهشه، يذهب بعقله، يفتنه، يضيع عليه علمه ومعارفه. فهذه أحبتي سنة في الحياة.
على أصحاب القرار أن ينتبهوا إليها، يعني من نظر في جامعاتنا الأكاديمية في هذا البلد وفي غيرها، يجد ضعفا علميا في مختلف العلوم، سواء في العلوم التجريبية الطبيعية وعلوم الحياة الاجتماعية الإنسانية. ضعف كبير جدا، لماذا؟ لأن هذه الجامعات لأسف أصبحت مرتعا للاختلاط الفاحش وللهو والعبث، مرتعا يلتقي فيه آآ الشبان بالفتيات ليتمازحوا ويتضاحكوا ويسيروا ويذهبوا ويعودوا، ما عادت أماكن لصناعة الفكر وبناء العقل.
والوعي، الإنسان يخرج منها بالشهادة ويخرج منها لأسف بضياع الأخلاق والقيم، إلا من عصمه الله سبحانه وتعالى. فعلى صناع القرار في هذه الدول أن ينتبهوا إلى هذا الأمر إذا أرادوا نهضة حقيقية، إذا أرادوا إنجازا معرفيا وتقدما حضاريا، عليهم أن يأخذوا أن يأخذوا بشروط النهضة الأخلاقية والسلوكية وليست شروط النهضة هي فقط شروط علمية. هناك شروط أخلاقية قيمية سلوكية في المجتمع تندمج مع الشروط العلمية الفكرية لنصنع بها واقعا جديدا لهذه الأمة. إذا ابن جماعة رحمة الله عليه باختصار.
يدعو الشباب يدعو المجتمع إلى الجدية، إلى العمل، إلى الإنتاج، إلى الابتعاد عن سفاسف الأمور، من خلال اه التغزل بالنساء اه والتفنن في التحبب إليهن وذكر محاسنهن تزن ذكر الأغاني والغزل. وعلى النسخة الأخرى: اعتزل ذكر الغواني والغزل، اعتزل هذه الأمور، هذه الأمور لا تليق بصاحب النفس الشريفة، لا تليق بصاحب الهمة العالية الذي يبحث عن بصمة يتركها في تاريخ أمته.
الذي يبحث عن إنجاز يقدمه في هذه الحياة قبل أن يغادرها، هؤلاء الناس لا يصلح لهم أن يشتغلوا بذكر الغواني والغزل، ماذا يفعلون؟ قال في الشطر الثاني: وقل الفصل وجانب من هزل. وقل الفصل، الفصل هو الكلام الحق الذي يفصل بين آآ الجد والهزل، فكلام الحق الذي يجب أن يهتم به الإنسان وأن يبحث عنه اه وأن يسخر حياته من أجل الوصول إليه.
وقل الفصل وجانب من هزل، ابتعد عن أصحاب الهزل والعبث والضحك واللهو، فهؤلاء عوائق في سبيل الإنجاز، عوائق في طريق النجاح، وقل الفصل وجانب من هزل. حكمة عظيمة من إمام عظيم يقدمها لطلبة العلم وللمسلمين عموما، في أهمية الجدية في الحياة والعلو والسمو في الأهداف والطموحات. إياك أن يكون همك أن تبقى تدور على مفاتن النساء والتغزل بهن، إياك أن يبقى همك مصاحبة النساء والذهاب والعودة معهن، ليكن همك وفكرك وطموحك متعلقا بالأمور الشريفة العالية إذا أردت أن تكون إنسانا شريفا عاليا.
صاحب بصمة في هذه الحياة، إذا: وقل الفصل وجانب من هزل. قل الكلام الحق النافع للناس، اشتغل بهذا ولا تشتغل ولا تشغل الناس بذكر الغواني والغزل. ولاحظوا الاقتباس هنا، يوجد اقتباس أحبتي، الذين درس معنا أن البلاغة، لاحظوا كيف اقتبس. آآ ابن الوردي كلمة: وقل الفصل، من قوله تعالى في سورة الطارق: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ . وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ . إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ . وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ. اقتبس ابن الوردي هذه الكلمات القول الفاصل والهزل وضمنها في الشطر الثاني: وقل الفصل وجانب من هزل.
ثم في البيت الثاني من هذه القصيدة انطلق ابن الوردي رحمة الله عليه ليؤكد هذه الفكرة مرة أخرى، لكن باسلوب آخر يقول: ودع الذكرى لأيام الصبا، أيام الصبا نجم أفل. إن أحلى، وفي رواية إن أهنأ عيشة قضيتها ذهبت لذاتها والإثم حل، إن أهنأ وفي نسخة أحلى عيشة قضيتها أي عشتها ذهبت لذاتها والإثم حل. يقول ابن جماعة في هذين البيتين.
ودع الذكرى لأيام الصبا، يدعوك ابن جماعة إلى أن تترك التحدث عن أيام الصبا وما كان فيها من اللهو والعبث والفجور والمعاصي مع النساء والخلان، هذا الذي يقصده: ودع الذكرى لأيام الصبا. يقصد ما كان في الصبا من اللهو والعبث والذنوب والمعاصي، من خلال آآ مصاحبة للنساء والفتيات كما يفعل كثير من الناس أو اه ما فعلته في أيام صباك من اللهو والمجون اه ومصاحبة رفقاء سوء، يقول لك ابن الوردي: اترك كل هذه الأمور.
اترك التحدث بها، ودع الذكرى لا تتذكرها، امحها من ذاكرتك، انسها. ودع الذكرى لأيام الصبا، فلأيام الصبا نجم أفل، أيام الصبا التي كنت فيها مشغولا بالذنوب والمعاصي ذهب وقفل نجمها، فلأيام الصبا نجم أفل أي غاب وذهب، إن أحلى عيشة قضيتها. فهذه العيشة التي قضيتها في الصبا في المجون والفجور ومصاحبة النساء والتغزل بهن، ماذا بقي منها؟ هل بقيت اللذات؟ كلا، ذهبت لذاتها، ذهبت اللذات وبقيت الآثام مسجلة عليك، إلا أن يشاء الله سبحانه وتعالى أن يتوب وأن يغفر.
فإياك أن تستمر في الحديث عن تلك الأيام وما كان فيها من المغامرات وما كان فيها من البطولات، بل اعلم أن الله سبحانه وتعالى ستر عليك فاستر على نفسك في الدنيا، استر على نفسك في الدنيا لعل الله سبحانه وتعالى أن يسدل عليك ستره يوم تلقاه. إذا ابن جماعة رحمة الله عليه، ابن جماعة أنا ما زلت أكرر ابن جماعة لقرب عهدي بشرح تذكرة السامع، ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه يقول لك: ودع الذكرى.
أيام الصبا، فلأيام الصبا نجم أفل، إن أهنأ عيشة قضيتها ذهبت لذاتها والإثم حل. نعم، هذه الحقيقة أحبتي، الحقيقة أن الشهوات سواء شهوة النساء أو غيرها من الشهوات مهما كان فيها من اللذات
فإنها لذات آنية مؤقتة تذهب في لحظات، وتبقى الحسرات والآثام والذنوب مسجلة في صحائفنا إذا لم نتب وإذا لم نعد إلى الله سبحانه وتعالى من جديد نلقى هذه الآثام وهذه الذنوب عند الله عز وجل ليسألنا عنها. فنسأل الله عز وجل أن يرزقنا صدق التوبة قبل الممات وأن يرزقنا الرجوع إليه وأن يغفر لنا ماضينا وما كان في صبانا من اللهو والعبث أحبتي.
ولكن هنا أنبه أن هذه اللذة التي تكون مصاحبة للشهوة هي لذة ليست نقية صافية كما يظن البعض يقول ابن القيم رحمة الله تعالى عليه في من يأخذ لذته بالحرام إن هذه اللذات ممزوجة بالقبح أثناء تناولها ممزوجة ماذا؟ بالقبح أثناء تناولها مورثة للالم بعد تناولها أي هذه اللذات مهما هولها الشيطان في عقلك واراك في قلبك أنها شيء عظيم وشعور جميل فاعلم أنك حين تمارسها تكون تشعر بالقبح لأنك تعصي الخالق سبحانه وتعالى.
لأنك تعديت الحدود الحمر التي وضعها الله عز وجل لك فتكون وأنت تمارس هذه الرذائل قبيح النفس ذليل النفس إياك أن تظن أنك ستكون عزيزا سعيدا مبتهجا شريفا ستكون ذليلا مهينا لأن الله سبحانه وتعالى لا يرفع الإنسان وهو يعصيه.
إذا هذه اللذات التي تكون ممزوجة بالقبح في أثناء تناولها وتكون مورثة للألم بعد تناولها عليك أن تنساها إن وقعت فيها في أيام الصبا، فإن ابتليت بها في أيام الصبا وتقدم بك العمر فحاول أن تمحو هذه الأيام من ذاكرتك من ذاكرتك تذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم كل أمتي معافى إلا المجاهرون إياك أن تجاهر.
فعلا أحبتي بعض الناس خاصة من كبار السن إذا جلست معهم تجد حديثه في مجلسه يدور حول مغامراته الغرامية وقصه البطولية في الحب والتغزل وكيف فعل مع هذه وهذه وكيف تعاطى الخمر وكيف شرب الدخان وكيف أول مرة فعلت فيها هذا الفجور يتبجح ويتفاخر أمام الناس وتستغرب من حاله بماذا تتفاخر وبماذا تتبجح ما هو الشرف العظيم الذي أنجزته في حياتك حينما أوقعت فتاة بالحرام ما هو الشرف العظيم والمنزلة الكبيرة التي تبوأتها في حياتك حينما تعاطيت خمرا أو شربت مسكرا أو فعلت أو فعلت.
هل قدمت شيئا يشرفك أمام الله سبحانه وتعالى هل قدمت إنجازا حقيقيا لهذه الأمة هل تركت أثرا تذكر فيه بالخير بعد وفاتك إذا أحبتي فعلا الإنسان عليه أن ينسى المعاصي والذنوب والمراد بنسيانها أن ينسى ذكرها على لسانه إياك أن تتفوه أمام أحد بذنوبك ومعاصيك لعل فإن الله سبحانه وتعالى يهتك سترك إذا هتكت سترك وتبجحت بالذنوب والمعاصي فإن الله سبحانه وتعالى يهتك سترك يوم تلقاه فالحذار الحذار من هذا الأمر.
وفي الحقيقة يعني من كان شغله الشاغل الحديث عن لهوه وعبثه ومعاصيه وذنوبه والتبجح بها فهذه أمارة البطالة هذه أمارة البطالة والفشل وأمارة ضياع العقل فالإنسان نعم قد يكون شابا في بداية عمره أصاب شيئا من الشهوات المحرمة ووقع في شيء من حبائل إبليس لكن مع مضي العمر الإنسان تتوسع مداركه ويدرك قبح ما كان يفعله في فترة صباه ورعونة تلك التصرفات التي كانت تصدر منه.
أما إذا بقي الإنسان يحيا هذه الرعونات مع خروج الشيب في رأسه وفي لحيته وتقدم العمر به فهذا يدل على أن الإنسان لم يستفد من تجارب الحياة وأنه انسان لا يمتلك نضوجا فكريا لا يمتلك نضوجا عقليا حياتيا نفسيا لا يملك أي شيء من عوامل النجاح ومقومات النجاح في حياته لأن الإنسان وإن كان يخطئ في فترة من فترات العمر فإنه يجب عليه أن يدرك الخطأ وأن يعود إلى الصواب وأن يستيقظ من الغفلة.
أما إصرار الإنسان على هذا النهج نهج الفواحش والمعاصي والذنوب والتبجح بها والتفنن بذكرها فهذه أمارة الفشل نسأل الله سبحانه وتعالى ألا نكون ممن خف عقله وكثر طيشه.
إذن مازال ابن الوردي رحمة الله تعالى عليه يستمر بتقديم النصيحة للمجتمع اعتزل ذكر الأغاني والغزل وقل الفصل أي اتبع الحق وقل الحق وجانب من هزل ودع الذكرى لأيام الصبا دع الحديث عن أيام الصبا أيام اللهو والعبث فلايام الصبا نجم أفل أن أحلى عيشة قضيتها ذهبت لذاتها اللذات ذهبت وما بقيت إلا الآثام فلماذا تتفاخر.
ثم عاد ابن الوردي رحمة الله عليه ليتحدث عن موضوع النساء مرة أخرى وليحذر من كيدهن فقال لك واترك الغادة لا تحفل بها تمسي في عز وترفع وتجل.
قال لك واترك الغادة من هي الغادة الغادة هي أيضا الفتاة الجميلة الحسناء فهي قريبة من الغواني وإن كانت الغواني جمع غانية يعني تدل على معنى معين في النساء وهو الاستغناء عن التزين بسبب الجمال لكن المعنى في الغواني والمعنى في الغادة قارب وهو الجمال والحسن فيقول لك ابن الوردي رحمة الله عليه واترك الغادة لا تحفل بها.
ربما يقول قائل طب لماذا التكرار يا شيخ مرة أخرى ألم يقل في بداية القصيدة اعتزل ذكر الأغاني والغزل لماذا يقول في البيت الرابع واترك الغادة لا تحفل بها لماذا يكرر في الحقيقة هو لم يكرر أنت لو تأملت البيت الأول والبيت الرابع تجده في البيت الأول طلب منك أن تعتزل ذكر النساء والتغزل بهن هذا الذي نصحك به ابتداء أن تجتنب ذكر النساء وأحوال النساء على لسانك وأن تترك التغزل بهن في القصائد والاشعار وغير ذلك من الحديث وفي مجالسك.
لكن هنا يوجهك ابن الوردي إلى ترك مصاحبة النساء وألا تحفل برفقتهن كما يفعل بعض من قلت مروءته وضعفت رجولته في هذه الأزمان نسأل الله السلامة والعافية هناك بعض الرجال ضعفت رجولته وقلت مروءته ولا يملك غيرة فتجده يصاحب النساء ويخرج معهن ويجلس معهن ويضحك في المجالس وفي المقاهي وفي الأماكن العامة ولا يرعوي ولا يتقي الله سبحانه وتعالى فابن الوردي يقول لك لا تكن من هذا الصنف من الناس.
اترك الغادة لا تحفل بها يا طالب الهمم يا من تريد بلوغ القمم إياك أن تكن من هذا الصنف من الناس إياك أن تشتغل بالنساء ذهابا وعودة وبالحديث معهن وبالسمر معهن فليس هذا من باب أصحاب الهمم والنفوس الشريفة من يريد أن يقدم من يريد أن ينجز من يريد أن يحقق لا يمكن أن يكون من هذا الصنف من الناس واترك الغادة لا تحفل بها أي لا تهتم بأمرها خذ نصيبك بالحلال وتزوج المرأة العفيفة الطاهرة وامض في العمل والإنجاز في هذه الحياة.
فأنت لم تخلق لشهوة فرج أنت لم تخلق من أجل أن تبقى مع النساء تضحك وتبتسم وتذهب وتأتي أنت خلقت لأمر عظيم خلقت لتعمر هذه الأرض وفق منهج الله سبحانه ومن يريد أن يعمر هذه الأرض وفق منهج الله لا يمكن أن يجد وقتا لهذه الرعونات لا يمكن أن نجد وقتا لسفاسف الأمور والتصرفات واترك الغادة لا تحفل بها تمسي في عز وترفع وتجل.
صدق ابن الوردي رحمة الله عليه في كلامه من ترك النساء واستطاع أن يخرج من حبائلهن ومن تعليق القلب بهن أصبح حر النفس يحيى عزيزا مبجلا شريفا واما الإنسان الذي يعلق قلبه بفتاة فإن هذه الفتاة تأسره فيصبح طوع أمرها هي الآمر والناهي له تقول له افعل يفعل ادفع المال يدفع المال إذا يذهبون يصبح إنسانا ذليلا عبدا أسيرا عند فتاة وعند امرأة وهل يرضى الإنسان العاقل الشريف لنفسه أن يكون أسيرا للنساء هل يرضى أن يكون عبدا ذليلا لهن أصحاب النفوس الشريفة أبدا لا يقפים في هذه المواقف أحبتي.
أعطيكم هذه القصة ولعلي أختم بها قصة شاب كان من حفظة القرآن ومن المجاهدين في سبيل الله انظروا فتنة النساء إذا دخلت قلب الإنسان فإنها تفتنه تماما شاب من حفظة كتاب الله ومن المجاهدين في سبيل الله خرج مع جيش من جيوش المسلمين وحاصروا حصنا من حصون الروم جلسوا يحاصرون هذا الحصن شهورا يعني فترات طويلة وفي إحدى الأيام طلعت فتاة جميلة فاتنة من أعلى الحصن فنظرت إلى جيش المسلمين فتاة رومية أطلعت من أعلى الحصن إلى جيش المسلمين فمن الذي نظر إليها وأصابها ذاك الشاب الذي كان حافظا لكتاب الله مجاهدا في سبيل الله نظر إليها
فوقعت في قلبه، نظر إليها فوقعت في قلبه، فذهب إلى باب الحصن ونادى: يا فلانة كيف السبيل إليك؟ فقالت له هذه النصرانية الماكرة، وقد علمت أن هذا الشاب قد فتن بها، قالت له: أن تتنصر وتترك دينك، أفتح لك باب الحصن.
انظروا كيف استهوى الشيطان هذا الشاب القارئ للقرآن المجاهد في سبيل الله، حتى لا يظن إنسان أنه معصوم من فتنة النساء، لا معصوم أحبتي من هذا الأمر إلا من وفقه الله سبحانه وتعالى واعتصم بحبل الله.
فهذا الشاب من شدة تعلقه وعشقه لهذه الفتاة قرر أن يترك دين الإسلام وينتقل إلى النصرانية والعياذ بالله، فقال لها: أفعل ما تريدين، تتنصر، ففتحت له باب الحصن ودخل إليها ودخل إليها واصابها ونال منها اللذات.
واستبقى الحصارات، المسلمون فقدوا هذا الشاب بحثوا عنه، وفي يوم من الأيام رأوه في أعلى الحصن بالقرب من هذه الفتاة، فنادوه: يا فلان ابن فلان، ماذا فعلت وأين ذهبت؟ فقال: لقد تركت دين الإسلام واعتنقت النصرانية ووصلت إلى هذه الفتاة لأصيبها.
فقالوا له: ألم تكن حافظا لكتاب الله؟ هل ما زال معك هذا القرآن الذي كنت تقوم به في الليل وتقرأه في أطراف النهار؟ فماذا قال؟ قال: لم تبق معي من هذا الكتاب إلا آية واحدة. ما هي أحبتي؟ هل تعلمون ما هي؟ قال: لا أتذكر إلا آية واحدة بقيت في ذاكرته لتبقى حسرة في حياته، الآية قال: رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ.
قال: لا أتذكر من هذا الكتاب إلا آية واحدة: رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ. نعم، سيتمنى الكفار في يوم من الأيام أنهم كانوا مع أهل الإسلام، مع أولياء الرحمن حينما يرون عقاب الله سبحانه وتعالى، وحينما يرون النار وهولها، حينما يرون لهيبها وشهيقها وزفيرها، حينئذ رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ.
غريب هذا الشاب والله غريب، كيف بقيت هذه الآية في عقله وذاكرته لتبقى حسرة عليه؟ ترك الإسلام كله، وترك القرآن الذي كان يملأ قلبه، وترك الجهاد في سبيل الله بسبب شهوة امرأة. انظروا كيف أسرت هذه المرأة عقل هذا الشاب!
فاحذر يا طالب العلم، إياك أن تظن أن هذه الأمور التي يذكرها ابن الوردي من فضول المسائل، والله أنها من أصول المسائل الأخلاقية والتربوية في حياتك. يقول ابن الجوزي: وكم ذهب إطلاق البصر بدين كثير من العباد، وكم ذهب إطلاق البصر بدين كثير من العباد عباد زهاد يقومون الليل وفي المساجد وعلى في المحاريب وفي الصف الأول، ذهب دينهم بسبب ماذا؟ بسبب نظرة.
والنظرة أحبتي إلى النساء سهم مسموم من سهام إبليس، إذا وقع هذا السهم المسموم في مقتل فإنه يهلك، إذا وقع في مقتل فإنه يهلك. الله سبحانه وتعالى يعطيك فرصة وثانية وثالثة، وربما هناك كثير من الصور في الذاكرة الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه يصرفها عنك.
لكن إياك أن تستمر على هذا الدرب، إياك أن تستمر باطلاق البصر، فإن القلب إذا تعلق بفتاة خسر آخرته ودنياه، أي والله. يعني الخسران ليس فقط خسران أخروي، بل حتى فشل في هذه في الحياة الدنيا، تصبح إنسان مريض هزيل.
انظروا في قصص العشاق وكيف آل حالهم؟ انظروا كيف ماتوا بسبب عشقهم، كيف مرضوا وذهبت أعمارهم وحياتهم جنونا وافتنانا بنساء يبحثون عن الوصول إليهن وإصابة اللذة منهن، ووالله ما هذه اللذات إلا دقائق معدودة ثم تتبعها بعد ذلك الندامات والحسرات.
فنسأل الله سبحانه وتعالى السلامة والعافية، ولا أريد أن أطيل عليكم، كما وعدناكم نسعى أن تكون هذه المدارس مدارس لطيفة نتدارس فيها أبيات ابن الوردي بهدوء ونقف على أهمية من الحكم والعبر منها.
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يرزقنا العمل والتطبيق والتمسك بهذه الأخلاق والحكم التي يرشدنا إليها ابن الوردي وغيره من علماء أمتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل