تسجيل الدخول

الدرس 3

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم. وبعد؛ فهذه المحاضرة الثالثة من دورات استقراء تراث الأئمة.

وفيها الحديث عن تراث الإمام ابن تيمية رحمه الله في أبواب تزكية النفس والعمل الصالح والاستقامة وأعمال القلوب. وفيها كذلك الحديث عن طريقتنا في قراءة تراثه، ثم ندخل بعدها في الكتاب الأول في تلك الحقيبة العلمية وهو كتاب العبودية.

أولا: معالم منهج الإمام ابن تيمية رحمه الله فيما كتبه في أبواب التزكية والعمل الصالح والاستقامة وأعمال القلوب والأخلاق. وأقول وبالله التوفيق: تراث الإمام ابن تيمية رحمه الله في تلك الأبواب متسق تماما مع منهجه العام في كل أبواب الشريعة فهو فرع عنه.

أول ما أنبه عليه من منهجه أن الإمام ابن تيمية رحمه الله جعل الأصل في تلك الأبواب أن تطلب من الوحي وبيانه، وهو هدي النبي صلى الله عليه وسلم وما كان عليه الصحابة الكرام رضي الله عنهم. الإمام ابن تيمية رحمه الله يجعل المنطلق في بحث أي مسألة في تلك الأبواب أو غيرها يجعل الوحي هو الأصل، يجعله هو المنطلق، وكذلك يجعله هو المرد والحكم عند التنازع، وكذلك يجعله الميزان الحق الذي توزن به كل المقالات والأفعال في تلك الأبواب.

من أقواله في ذلك رحمه الله أنه قال: فالعلم المشروع والنسك المشروع مأحوذ عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما ما جاء عن من بعدهم فلا ينبغي أن يجعل أصلا وإن كان صاحبه معذورا بل مأجورا لاجتهاد أو تقليد. فمن بنى الكلام في العلم الأصول والفروع على الكتاب والسنة وآثار المأثورة عن السابقين فقد أصاب طريق النبوة.

وكذلك من بنى الإرادة والعبادة والعمل والسماع المتعلق بأصول الأعمال وفروعها من الأحوال القلبية والأعمال البدنية على الإيمان والسنة والهدي الذي كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقد أصاب طريق النبوة. وهذه طريق أئمة الهدى. ثم بين رحمه الله أن تلك طريقة الأئمة كالامام أحمد، ثم ختم هذه الفقرة بقوله: فاما غير ذلك فالكلام فيه غير محمود.

وقال رحمه الله في بيان أن هذه المسائل ينبغي أن يرجع فيها إلى الوحي وأن يكون الوحي الحكم فيها والميزان: قال رحمه الله: مسائل السلوك من جنس مسائل الاعتقاد كلها منصوصة في الكتاب والسنة. اصطلاح السلوك اصطلاح حادث، لكن كان يستعمله الإمام لانه صار علما على أبواب التزكية والعمل الصالح والقربات والأخلاق. تبين أن تلك الأبواب من جنس مسائل الاعتقاد كلها جاءت في الوحي، جاء الوحي فيها بأحسن طريق وأهدى طريق وأكمل طريق.

ثم عاب طريقة من اعتمد غير الوحي وهدي النبي صلى الله عليه وسلم في أبواب الشريعة ومنها التزكية والعبادة فقال: وكذلك من صنف في التصوف والزهد جعل الأصل ما روي عن متأخري الزهاد وأعرض عن طريق الصحابة والتابعين؛ كما فعل صاحب الرسالة أبو القاسم القشيري، وأبو بكر محمد بن إسحاق الكلباذي، وابن خميس الموصلي في مناقب الأبرار، وأبو عبدالرحمن السلمي في تاريخ الصوفية، لكن أبو عبدالرحمن صنف أيضا سير السلف من الأولياء والصالحين... كما صنف في سير الصالحين من الخلف ونحوهم من ذكرهم لأخبار أهل الزهد والأحوال من بعد القرون الثلاثة من عند إراهيم بن أدهم وفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي ومن بعدهم، وإعراضهم عن حال الصحابة والتابعين الذين نطق الكتاب والسنة بمدحهم والثناء عليهم والرضوان عليهم.

ابن تيمية رحمه الله هنا يبين أن هؤلاء الذين كتبوا كتبا في أبواب العمل الصالح والتزكية والاستقامة والأخلاق لم يجعلوا الوحي منطلقا لهم، لم يجمعوا نصوص الوحي، لم يجمعوا هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا هدي الصحابة الكرام في تلك الأبواب، وإنما اعتنوا بجمع أخبار وأعمال لعباد وزهاد لم يكونوا أبدا لا علما ولا عملا على قدر ما كان عليه الصحابة الكرام، ثم أعرض هؤلاء عن ذكر حال الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان الذين نطق الكتاب والسنة بمدحهم والثناء عليهم والرضوان.

وابن تيمية رحمه الله هنا يبين غلط أو أصل الغلط عند هؤلاء في كونهم لم يعتمدوا هدي الصحابة في بيان تلك الأبواب. ثم بين أنه تجب معرفة المحكم في تلك الأبواب ثم معرفة المقالات فيها ووزنها بالوحي، يعني يجب في أي باب تريد أن تبحثه أن تجمع ما جاء في الوحي منه، وأن تجمع هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيه، وأن تجمع أقوال الصحابة وأفعالهم في تلك الأبواب، ثم تزن كل المقالات والأفعال بعدهم بذلك الميزان.

قال رحمه الله: فإن معرفة أصول الأشياء ومبادئها ومعرفة الدين وأصله وأصل ما تولد فيه من أعظم العلوم نفعا؛ إذ المرء ما لم يحط علما بحقائق الأشياء التي يحتاج إليها يبقى في قلبه حسكة. يعني يجب في أي باب تدرسه أن تعرف المحكم ثم تزن كل ما يأتي بعد ذلك من مقالات العلماء واجتهاداتهم بهذا الميزان المحكم، فإذا لم يعرف الإنسان تلك المقالات أو لم يضبط المحكمات فانه يبقى في قلبه ريب أو شك مما هو عليه.

وهذا المنهج قد طبقه الإمام رحمه الله على نفسه، وقد ذكر الإمام رحمه الله أنه كان في بداية طلبه يجتمع مع إخوان له يطلبون الحق، وانه وكثير غيره كانوا يحسنون الظن ببعض مبتدعة، ثم لما فقه الشريعة ووزن تلك المقالات بميزان الشرع تركها واستقام على الشريعة ثم كشفها وحذر منها. قال رحمه الله: وإنما كنت قديما ممن يحسن الظن بابن عربي ويعظمه لما رأيت في كتبه من الفوائد.

ثم قال: ولم نكن بعد اطلعنا على حقيقة ما ولم نطالع الفصوص -وهو كتاب فصوص الحكم وهو كتاب به ضلالات كثيرة فيه شرك كثير- ولم نطالع الفصوص ونحوه، وكنا نجتمع مع إخواننا في الله نطلب الحق ونتتبعه ونكشف حقيقة الطريق، فلما تبين الأمر عرفنا نحن ما يجب علينا، فلما قدم من الشرق مشايخ معتبرون وسألوا عن حقيقة الطريقة الإسلامية والدين الإسلامي وحقيقة هؤلاء وجب البيان.

وقال كذلك: أنا وغيري كنا على مذهب الآباء في ذلك نقول في الأصلين -لعله يقصد مسائل الصفات والشرع والقدر- يقول فيها بقول أهل البدع، فلما تبين لنا ما جاء به الرسول دار الأمر بين أن نتبع ما أنزل الله أو نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، فكان الواجب هو اتباع الرسول وألا نكون ممن قيل فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: 170].

كذلك الإمام كتب في أول عمره كتابا ذكر فيه استحباب زيارة مساجد مكة، ثم لما تبين خطأه رجع عن ذلك وأعلن فقال: ثم تبين لنا أن هذا كله من البدع المحدثة التي لا أصل لها في الشريعة. إذا الإمام والشباب في خلاصة هذه الفكرة يريد أن يقول لك: إن المنطلق في بحث أي مسألة شرعية ينبغي أن يكون الوحي وهدي النبي صلى الله عليه وسلم وما كان عليه صحابته الكرام ثم التابعون لهم بإحسان.

كما بين ضلال من جعل طريق غير الصحابة في أي من أبواب العلم والعمل أهدى أو أكمل من طريق الصحابة، قال ابن تيمية رحمه الله: فمن جعل طريق أحد من العلماء والفقهاء أو طريق أحد من العباد والنساك افضل من طريق الصحابة فهو مخطئ ضال مبتدع.

كما ذكر حال بعض من خرجوا عن الشرع في أبواب العبادات، يعني ابن تيمية رحمه الله يحكي عن أقوام رآهم بعينه وحكي لهم قصصهم أنهم دخلوا في الرهبانية المبتدعة. وقال ابن تيمية رحمه الله: وهكذا من غلى في الزهد والورع حتى خرج به عن الحد الشرعي، عن حد العدل الشرعي، ينتهي أمره إلى الرغبة الفاسدة وانتهاك المحارم كما قد رئي وجرب.

المعلم الثاني من معالم منهج الإمام ابن تيمية رحمه الله فيما كتبه في كتب التزكية: قال الإمام -من منهج الإمام ابن تيمية رحمه الله- أنه عظم شأن العمل الصالح والعبادة والأخلاق وأعمال القلوب، وأدخلها فيما ذكره عن أهل السنة في الرسالة الواسطية. يعني ابن تيمية رحمه الله لما كتب الواسطية وكتب فيها ماذا عليه أهل السنة، أدخل ابن تيمية معاني العمل الصالح والعبادة والأخلاق وأعمال القلوب في ذلك وقال عنهم: ويأمرون بالصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء، ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا»، ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفاسفها.

ثالثا: من معالم منهجه أن الإمام يرى ضرورة اتباع الألفاظ الشرعية في بيان المعاني الشرعية وترك الألفاظ المحدثة في عامة أبواب الدين. يعني يرى الإمام أن الحق الذي جاء به الشرع ينبغي أن أعبر عنه بنفس لفظ الشرع. قال رحمه الله: الألفاظ التي جاء بها الكتاب والسنة علينا أن نتبع ما دلت عليه؛ مثل لفظ الإيمان والتقوى والاحسان والتوكل والحب لله.

بين كذلك أن الألفاظ المحدثة والمجملة لا يحصل بها الهدى بل هي سبب في اللبس والاشتباه، وبين الواجب تجاه تلك الألفاظ أنها لا تثبت ولا تنفى وإنما يستفسر عن مراد من يستعملها، فإن قصد معنى شرعيا صحيحا قبل المعنى واستعملنا في بيان ذلك المعنى اللفظ الشرعي الدال عليه.

قال رحمه الله: وأما الألفاظ التي ليست في الكتاب والسنة ولا اتفق السلف على نفيها أو إثباتها، فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده، فإن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول أقر به، وإن أراد بها معنى يخالف خبر الرسول أنكره. ثم التعبير عن تلك المعاني إن كان في ألفاظه اشتباه أو إجمال عبر بغيرها أو بين مراده بها بحيث يحصل تعريف الحق بالوجه الشرعي؛ فإن كثيرا من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة ومعان مشتبهة.

إذا ابن تيمية رحمه الله يقول في هذه الفكرة: ينبغي أن نعبر عن الحق الذي جاء به الشرع بنفس لفظ الشرع ولا نستحدث ألفاظا نعبر بها عن المعاني الصحيحة. وبين كذلك أن من يستعمل ألفاظا من عنده يعبر بها عن معاني معينة، أننا لا نقبل تلك الألفاظ ولا نردها؛ مثلا لفظ الجوهر، العرض، لفظ الجسم، لفظ التصوف، لفظ المعرفة، ألفاظ كثيرة، يجب أن نستفصل ونستفسر عن مراد المتكلم بها، فإن أراد فعلا صحيحا قبلنا المعنى، لكننا مع ذلك لم نعبر عن تلك المعاني الصحيحة إلا بالألفاظ التي جاء بها الشرع.

وذكر رحمه الله أمثلة على تلك الألفاظ المحدثة التي بها معاني صحيحة وبها معاني ليست صحيحة، قال رحمه الله: لفظ الفقر والزهد والتصوف قد أدخل فيها أمور يحبها الله ورسوله كالتوبة والصبر والشكر، وقد أدخل فيها أمور يكرهها الله ورسوله كالحلول والاتحاد والرهبانية المبتدعة.

إذا هذه الألفاظ يا شباب إذا ذكرت في أبواب الإيمان، في أبواب الأسماء، في أبواب القدر، في أبواب العبادات وأعمال القلوب، يجب أن نلتزم اللفظ الشرعي، فإذا ذكرت تلك الألفاظ فإننا لا نردها ولا نقبلها وإنما نسأل أو نستفسر عن معاني المعاني التي أرادها من أطلقها، ثم إذا كان المعنى حقا قبلنا المعنى وأيضا لم نعبر إلا بما جاء به الشرع.

رابعا: من معالم منهجه سعة تراثه في تلك الأبواب، حيث شمل الحديث المفصل عن الإيمان وأعمال القلوب والأعمال الظاهرة والفرائض والنوافل والمعاصي والكبائر وأمرض القلوب وبيان طريق الولاية والاستقامة والأخلاق وغير ذلك مما يدخل تحت تلك الأبواب، كما سيظهر ذلك في قائمة التصانيف التي جمعتها لكم والتي يظهر فيها سعة تراث هذا الإمام في تلك الأبواب.

خامسا: من معالم منهجه ربط باب العبودية والاستقامة وتزكية النفس بباب العلم بالله وأسمائه ومحامده وقدره وحكمته سبحانه، مع العناية البالغة ببيان تكامل تلك الأبواب ونفي المعارضة بينها. ما معنى هذا الكلام يا شباب؟ نحن عندنا في باب تزكية النفس عندنا أمر مهم جدا، وهو كيف نجمع بين قدر الله وشرع الله؟

يعني الله سبحانه وتعالى علم الأشياء وكتبها وشاءها وخلقها، فأفعال العباد الله سبحانه وتعالى يعلمها مسبقا قبل أن يخلق العباد، وكذلك الله سبحانه وتعالى كتبها، والله سبحانه وتعالى شاءها وأرادها وخلقها. كيف نجمع بين هذا وبين التكليف والتشريع الذي جاء بالامر والنهي؟

يعني كيف يكون العبد مكلفا والله سبحانه وتعالى علم وكتب وشاء وخلق كل أفعال العبد؟ اعتنى الإمام ابن تيمية رحمه الله ببيان هذه الأبواب وبيان التكامل بينها ونفي أي معارضة، ورد على كل من راعى بابا منها وأهمل الباب الآخر، ورد في ذلك على الصوفية ورد كذلك على المتكلمين من المعتزلة كما سيأتي معنا إن شاء الله.

سادسا: من معالم منهجه يا شباب ربط باب العبودية والاستقامة بفقه خصائص النفس ومراعاة تلك الخصائص في باب الاستقامة والعمل الصالح. وهذا سيأتي بيانه يا شباب، أن الإمام ابن تيمية رحمه الله حينما تحدث عن التقرب إلى الله وتحدث عن الأعمال الصالحة التي يتخذها العبد قربة بينه وبين الله، اعتنى جدا ببيان خصائص النفس. الله سبحانه وتعالى ذكر خصائص النفس: إن الإنسان خلق هلوعا، إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا، كذلك خلق الإنسان ضعيفا، خلق الإنسان من عجل، إنه كان ظلوما جهولا. هذه خصائص في النفس، فكل من ترك الاعتناء بهذه الخصائص التي بينها الله في الوحي

لابد أنه سيقصر في الحديث عن التزكية وأعمال القلوب، وسيأتي إن شاء الله في المعلم السابع الحديث عن ذلك.

سادساً: من معالم منهجه يا شباب؛ الشمول في بيان شعب الإيمان والعمل الصالح، وبيان منازل الأعمال. ومن ذلك قوله في مقدمة جوابه عن معنى قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ [البقرة: 21] -اللي هو كتاب العبودية الذي سنأخذه- لما سئل عن العبادة أراد ابن تيمية أن يبين شمول، أو أن يكون بيانه شاملاً لشعب الإيمان والعمل الصالح. وقال رحمه الله: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة.

وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمه والرضا بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف لعذابه وأمثال ذلك هي من العبادات لله. نلاحظ أن الإمام رحمه الله في هذه الكلمات المختصرة أراد أن يستوعب جمل شعب الإيمان مع اعتناء خاص بالموازنة بين الأعمال عند التزاحم؛ موازنة مبنية على منزلة العمل في الشريعة، وفقه خصائص النفس في اختيار ما يناسبها من شعب الإيمان والعمل الصالح.

كما سيأتي سابعاً يا شباب من معالم منهجه؛ النظر في باب العمل الصالح والتقرب إلى الله من جهة؛ الجهة الأولى: شعب الإيمان ومنزلة كل شعبة، ثانياً: فقه النفس واختلاف الناس في المواهب والقدرات، ثالثاً: سياسة النفس باختيار الأنسب لها من شعب الإيمان. فالاصل عند الإمام يا شباب في أبواب النوافل والمستحبات التي يختارها الإنسان قربة في طريقه إلى الله، أن يختار العبد من القربات والطاعات ما يناسب مواهبه وققدراته، وألا يتكلف ما لا يحسنه ولن يقوم به على وجهه. وليس ذلك يا شباب من اتباع الهوى في العمل الصالح، بل هو من الحكمة في القيام بالعمل الصالح.

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في بيان تلك المعاني: الناس يتفاضلون في هذا الباب، فمنهم من يكون العلم أيسر عليه من الزهد، ومنهم من يكون الزهد أيسر عليه، ومنهم من تكون العبادة أيسر عليه منهما، فالمشروع لكل انسان أن يفعل ما يقدر عليه من الخير، كما قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. وإذا ازدحمت شعب الإيمان قدم ما كان أرضى لله وهو عليه أقدر، وقد يكون على المفضول أقدر منه على الفاضل، ويحصل له أفضل مما يحصل من الفاضل، فالأفضل لهذا أن يطلب ما هو أنفع له وهو في حقه أفضل، ولا يطلب ما هو أفضل مطلقاً إذا كان متعذراً في حقّه أو متعسراً يفوتُه ما هو أنفع له.

كمن يقرأ القرآن فيتدبره وينتفع بتلاوته والصلاة تثقل عليه -تقصد صلاة النافلة- ولا ينتفع منها بعمل، أو ينتفع بالذكر أعظم مما ينتفع بالقراءة، فأي عمل كان له أنفع ولله أطوع أفضل في حقه من تكلف عمل لا يأتي به على وجهه بل على وجه ناقص يفوتُه ما هو أنفع له. هذا تقرير نفيس من الإمام ابن تيمية رحمه الله يا شباب يراعي فيه العبد شعب الإيمان ومَنْزِلة كل شعبة منها، وأن يسوس نفسه سياسة صحيحة في أن يختار من الأعمال الأكمل بحسب ما تناسب مواهبه وقدرته.

قريب من ذلك قول الإمام مالك رحمه الله؛ الإمام مالك كان قد اتخذ طريق العلم وبيان العلم قربته إلى الله تبارك وتعالى، وكان ليس مكثراً من النوافل المطلقة وإن كان له قدر منها. فكان بعض العباد الذين جهلوا شعب الإيمان وتنوع شعب الإيمان وجهلوا فكرة أن الله سبحانه وتعالى قسم الأعمال بين الناس، عاب ذلك على الإمام مالك رحمه الله. أرسل أحدهم إلى الإمام مالك وهو عبد الله العمري العابد يحض الإمام مالكاً على العزلة والانفراد -يعني يقول له اترك هذا الطريق اللي هو التحديث والفتية وتعليم الناس واعتزل الناس وانفرد حتى يكون لك عبادة أعظم- فأجابه الإمام مالك رحمه الله، واسمع إلى هذا الجواب العظيم.

قال الإمام مالك: إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخَر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخَر فتح له في الجهاد. فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح لي فيه، وارجو أن يكون كلانا على خير وبر. الإمام رحمه الله بين لهذا العابد سعة وتنوع شعب الإيمان، وبين أن الله سبحانه وتعالى قسم الأعمال الصالحة بين الناس كما قسم الأرزاق، وبين أن بعض الناس يفتح له في بعض شعب الإيمان ما لا يفتح له في الشعب الأخرى. ثم بين له منزلة العلم الشرعي وبث العلم بين الناس وتعليم الناس، ثم بين له أنه قد رضي بما فتح له -يعني رضي بباب تعليم الناس- ثم بعد ذلك لم ينتقص ذلك العابد حقّه، وقال: أرجو أن يكون كلانا على خير وبر.

في ذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: من الناس من يكون سيد عمله وطريقه الذي يعد سلوكه إلى الله طريق العلم والتعليم ليصل إلى الله، ومن الناس من يكون سيد عمله الذكر وقد جعله زاده لميعاده ورأس ماله لماله، ومن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الصلاة، ومنهم من يكون طريقه الإحسان والنفع المتعدي إلى قضاء الحاجات وتفريج الكربات وأنواع الصدقات، ومنهم الواصل إلى الله من كل طريق، قد ضرب مع كل فريق بسهم، فأين كانت العبودية وجدته هناك؛ إن كان علم وجدته مع أهله، أو جهاد وجدته في صف المجاهدين، أو صلاة وجدته في القانتين، أو ذكر وجدته في الذاكرين، أو إحسان ونفع وجدته في زمرة المحسنين. لو قيل له ما تريد من الأعمال لقال: أريد أن أنفذ أوامر ربي حيث كانت. وهذا قرره في كتاب طريق الهجرتين، وكذلك في كتاب مدارج السالكين. وهذا الصنف الذي ذكره أخيراً ابن القيم هو يدخل فيهم بدايةً بعد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصديق أبو بكر رضي الله عنه كما علم من سيرته رضي الله عنه وأرضاه.

من تطبيقات هذه الفكرة يا شباب أن ابن مسعود رضي الله عنه كان لا يكثر من صيام النافلة لأنه يحافظ على ورده من القرآن، وقال إن الصيام يشغلني عن وردي من القرآن. طبعا يقصد صيام النافلة. ليس معنى ذلك يا شباب أن العبد لا يضرب في كل الأبواب بسهم، لا،,لكن ابن تيمية يقصد الطريق الأعظم الذي تجعله قربتك الأولى في طريقك إلى الله.

إذاً يا شباب ابن تيمية رحمه الله لما بين هذه الأفكار رجع فيها إلى الوحي وإلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته. من فقه تلك المعاني يا شباب حصل فوائد جليلة؛ أولاً: العلم بشعب الإيمان وبتنوعها وبمعرفة رتبة كل منها، ثانياً: الحكمة في اختيار الأنسب للنفس، ثالثاً: في باب الدعوة إلى الله أن تختار الأنسب للمدعوين -يعني لا تلزم الناس الذين تدعوهم بأعمال من الخيرات والبر والنوافل وانت تعلم أنهم لا يطيقوها أو أنهم لن يقوموا بها على وجهها، ولكن اختر لهم من الأعمال ما يناسب مواهبهم-.

أحد الشباب يسأل أين تقرأ بالضبط في الكتاب؟ نحن لم نبدأ بالكتاب بعد، نحن ذكرنا نتكلم عن منهج الإمام ابن تيمية ثم ندخل في الكتاب إن شاء الله بعد ذلك. إلى الآن لم نقرأ في الكتاب، لم نبدأ في الكتاب. قلنا إن من فقه تلك المعاني يحصل فوائد جليلة؛ منها: العلم بشعب الإيمان وبتنوعها وبمعرفة رتبة كل منها، ثانياً: الحكمة في اختيار الأنسب للنفس، ثالثاً: في باب الدعوة إلى الله أن تختار الأنسب لمن يدعوهم.

كما أن النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً كان ينوع في إجاباته عندما يُسأل: أي الإسلام خير؟ أو: أي الإسلام أفضل؟ أو: أي الأعمال أفضل؟ كذلك لما نصح أبا ذر الغفاري وقال له: «إني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين»، ثم ذكر السبب فقال له: «إنك ضعيف». فمع كونه يحب له ما يحب لنفسه من الخير، لكنه اختار له ما يناسبه من الأعمال.

أيضاً من جملة الفوائد التي يحصلها من يفقه هذه المعاني؛ أن يعرف ماذا عنده من الخير وماذا ينقصه، وأن يعرف الفضل لأهله ممن يقومون بأعمال وشعب للإيمان، وألا يستطيل عليهم، وألا يبغي بما معه من خير. فبعض المجاهدين مثلاً ينتقص الناس لكونهم ضعفوا عن تلك الشعبة ويتهمونهم بالجبن مع كونهم يقومون بأعمال جليلة في الدعوة والإصلاح والتعليم والإنفاق وقضاء حوائج الناس. كذلك بعض طلبة العلم يبغون على الناس ويجلدونهم ويتيهون عليهم بما يعرفون. كذلك بعض المنفقين -الذين ينفقون في أعمال الخير- ربما يمنون على الناس بذلك ويقولون لولا أموالنا قامت مشاريعكم.

وكذلك العباد ينظرون إلى من يهتمون بالعلم ومن يهتمون بأي باب من أبواب الخير أنهم أضاعوا الغاية العظمى وهي: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. وهكذا تبغي كل أمة بما معها من خير، والحق أن الخير العام لا يحصل بصنف واحد من هؤلاء، بل يحصل بتكامل هؤلاء. فينبغي أن يُعلم شعب الإيمان، وأن تُعلم منزلتها، وأن يختار منها ما يناسبه، وأن يعرف ماذا عنده من نقص، وأن يعرف الفضل لأهله، وألا يبغي عليهم، وأن يتكامل معهم، وأن ينتفع بهم، وأن يتعاون معهم على البر والتقوى.

ثامناً: من معالم منهج الإمام رحمه الله؛ بيان أن أولياء الله يوجدون في كل صنف من صنوف الأمة، وأن ميزان الولاية والتقوى، وأن ميزان الولاية هو التقوى والإيمان. فأولياء الله يوجدون في كل مجال نافع، لا يختصون بالععلم والجهاد والقرآن؛ يوجدون في الصناع والزراع وربات البيوت والأطباء والمهندسين والتجار، وكذلك يوجدون في القراء والعلماء والمجاهدين.

قال ابن تيمية رحمه الله: وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات؛ فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحاً، ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ظفره إذا كان مباحاً. كما قيل: كم من صديق في قَبَاء، وكم من زنديق في عَبَاءَة. قول ابن تيمية رحمه الله: كم من صديق في قباء؟ القبا هو لبس الأعاجم -يعني الملابس التي يلبسها الأعاجم- فيقول ابن تيمية: كم من رجل صديق لا يلتفت الناس إليه؛ هو صديق ولي لله قد حصل الإيمان والتقوى، وإن كان في الظاهر لا يبدو عليه أنه من العلماء أو من العباد أو المجاهدين. والعكس: كم من زنديق في عباءة -يعني كم من رجل فاجر زنديق أو ربما مرتد وهو يلبس عباءة العلماء أو يفتي الناس أو يتصدر المجالس- يعني كم من رجل مدفوع بالابواب وهو ولي لله، وكم من زنديق في عباءة رجل يلبس لباس العلم وهو محسوب على العلماء لكنه فاجر أو زنديق أو مرتد. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه».

ثم قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: بل يوجدون -يعني أولياء الله يوجدون في جميع أصناف أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة والفجور- فيوجدون في أهل القرآن وأهل العلم، ويوجدون في أهل الجهاد والسيف، ويوجدون في التجار والصناع والزراع. وقد ذكر الله أصناف أمة محمد صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مَنكُم مَّرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: 20].

أيضاً من معالم؛ وهو التاسع معنا من معالم منهجه رحمه الله؛ الاعتناء ببيان الحال الأكمل في كل باب. يعني ابن تيمية رحمه الله وإن كان يبين الحد الأدنى الشرعي في كل عبادة أو في كل باب، لكنه كذلك اعتنى بأن يبين أن الناس منازل في القيام بذلك العمل. بين ذلك في مسائل كثيرة سيأتي الحديث عنها؛ كما في حديثه عن الغني الشاكر والفقير الصابر، وكما في حديثه عن طلب الدعاء -يعني إذا اردت أن تطلب من أحد أن يدعو لك فالأكمل أن تقصد من دعائه أن ينتفع هو الآخر بتأمين المَلَك عليه حينما يقول: آمين ولك بمثل-.

وذكر ذلك في معنى الحسد الذي يسميه بعض الناس الغبطة؛ هو أن ترجو أن يكون لك ما عند إخوانك ولا يزول ذلك عنهم. كما بين ذلك في حديثه في التسابق إلى الخيرات، قال: وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه نافس أبا بكر رضي الله عنه في الإنفاق كما ثبت في الصحيح، قال عمر رضي الله عنه: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً. قال: فجئت بنصف مالي، قال فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟» قلت: مثله.

وأتى أبو بكر رضي الله عنه بكل ما عنده فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله، فقلت القائل: عمر لا أسبقك إلى شيء أبدا. قال ابن تيمية معلقا على هذه القصة: فكان ما فعله عمر من المنافسة والغبطة المباحة، لكن حال الصديق رضي الله عنه أفضل منه، وهو أنه خال من المنافسة مطلقا لا ينظر إلى حال غيره.

عاشرا: من معالم منهج الإمام رحمه الله بيان القواعد الكلية التي دل عليها الوحي في باب الاستقامة، يعني بين أن باب الاستقامة مبني على قواعد، وذكر منها الإخلاص والمحبة والاتباع، كما معنا إن شاء الله في كتاب العبودية.

حادي عشر: من معالم منهجه النفس الطويل في التحرير والتصوير والاستدلال والعرض والمناقشة والنقد. ابن تيمية رحمه الله شباب إذا دخل في مسألة من مسائل الشريعة فلديه نفس طويل جدا لحسن تصوير المسألة وجمع المقالات وتحرير المقالات والتثبت من صحة المقالات وذكر حججها وأدلتها والاصول التي بنيت عليها، ثم نقض تلك المقالات، ثم تقرير ما يراه حقا بالحجة ووجه الاستدلال، والتفريق بين الصور التي تبدو متماثلة تحت الباب الواحد ودفع الاعتراضات على قوله والجمع بين الأدلة.

فمن الأدلة ما يفسر ومنها ما يتمم ومنها الذي يبدو متعارضا أو مشكلا، فيجمع الأدلة ويحل الاشكال ويكمل بين الأدلة أو يجعل الأدلة متكاملة، طبعا يعني أمثلة كثيرة جدا جدا على هذا النسق العلمي المتكامل، كما سيأتي معنا مثلا في حديثه عن مسألة زيارة القبور أو شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، أو شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة مسألة سؤال الخلق وأن الأصل فيها هو الكراهة كما سيأتي إن شاء الله في دراسة كتبه.

المعلم الثاني عشر: غزارة الأدلة من الوحي. الإمام ابن تيمية رحمه الله شباب في تقريره أي مسألة من مسائل الشريعة فانه يعتني بحشد الأدلة المتنوعة تحت كل مسألة بحيث يطمئن المتلقي إلى صحة تلك الفكرة أو صحة تلك النتيجة.

الثالث عشر: تنويع الأدلة من القرآن والحديث قولا وعملا ومن كلام الصحابة والتابعين وكلام أئمة المذاهب وحتى كلام أئمة العباد والصوفية وكذلك من العقل والمقاصد. ابن تيمية رحمه الله يحاول أن يحشد في كل فكرة أو كل نتيجة يصل إليها كل ما يمكن أن يستدل به، يذكر القرآن والحديث من قول النبي صلى الله عليه وسلم ومن عمله، ومن كلام الصحابة وأعمالهم ومن أعمال التابعين، وكذلك من أقوال أئمة المذاهب الأربعة وكلام أئمة العباد والصوفية، وكذلك الأدلة العقلية والمقاصد.

الرابع عشر: منهج الإمام ابن تيمية رحمه الله التطبيقي، وهذا شباب يعني أحد أخص ما تميز به ابن تيمية رحمه الله أن سيرتي الإمام تنطق بهذه الأبواب. وقد كان الإمام رحمه الله حريصا على طلب معالي الأمور والتنويع بين شعب الإيمان، وكان حريصا على نفع الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاصلاح.

مثلا قال الإمام الذهبي رحمه الله وهو طبعا تلميذه: ما رأيته إلا في بطن كتاب. يعني كل ما أشوفه أجده بيقرا ويتدارس. وقال: ولا أعلم أحدا من المتقدمين ولا من المتأخرين جمع مثل ما جمع، ولا صنف نحو ما صنف ولا قريبا من ذلك، مع أن تصانيفه كان يكتبها من حفظه، وكتب كثيرا في الحبس وليس عنده ما يحتاج إليه ويراجعه من الكتب، وهو الإمام المحيط بمذاهب سلف هذه الأمة وخلفها.

وقال الذهبي أيضا: وما رأيت في العالم أكرم منه، ولا أفرغ منه عن الدينار والدرهم، لا يذكره ولا أظنه يدور في ذهنه، وفيه مروءة وقيام مع أصحابه وسعي في مصالحهم. كذلك أيها الإخوة الكرام كان الإمام يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنفسه، ويزيل المنكر بيده وبلسانه، وكان يليق الخمور ويكسر الأصنام عند الاستطاعة.

كان كذلك ينصح للولاة ويحضهم على الجهاد وإقامة الشرع وكف الأذى عن المسلمين، وكان يشير عليهم بالأولى في تولي المناصب، وكان يقوم بمهمة التدريس والخطابة، وكان مجاهدا يخوض المعارك بنفسه وله دور كبير في تقوية عزائم الأمراء والمجاهدين. لذلك اتخذ العلم والعمل صاحبين، وكان معظما لحرمات الله، وكان كثير الابتهال والعبادة والاستغاثة والاستعانة، وكان قوي التوكل على الله.

وكان عند دراسة أي مسألة يا شباب مثلا كما في كلامه عن التفسير يقول: ربما أقرأ في الآية مائة تفسير ثم أقول: يا معلم إبراهيم علمني، أو يا مفهم سليمان فهمني. وكان مفتقرا إلى الله سبحانه وتعالى، وابتلي رحمه الله مرارا فصبر وجاهد في سبيل الله وسجن كثيرا في سبيل الحق الذي ينشره. وكان مع ذلك في سجنه وفي ابتلائه يظهر رضا بقضاء الله تبارك وتعالى وفرحا وسرورا.

وقال في بعض ذلك: انا منشرح الصدر وما عندي قلق وهم برة، يعني في الخارج برة الحبس قلقون. وقد أجاب رحمه الله من ذكره بابتلائه فقال: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه. وكان يقول: والله إنه نازل على قلبي من الفرح والسرور شيء لو قسم على أهل الشام ومصر لفضل عنهم.

وكان يقول: ما يصنع بي أعدائي، إن جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة وقتلي شهادة وإخراج من بلدي سياحة. وقال عنه تلميذه ابن القيم رحمه الله: وعلم الله ما رأيت أحدا أطيب عيشا منه، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والارهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشا وأشرحهم صدرا وأقواهم قلبا وأسرهم نفسا، تلوح نضرة النعيم على وجهه.

وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة. يعني نحن لو أرادنا أن نستقصي هذا الثناء الذي رأه طلبة الإمام منه، يعني هذا يأخذ منا دروسا طويلة.

لكني أحب هنا أن أنبه على جملة ذكرها أو موقفين ذكرهما الإمام ابن القيم عن الإمام ابن تيمية، أريد أن تركز معهما. قال ابن القيم رحمه الله: حضرت شيخ الاسلام ابن تيمية مرة بعد صلاة الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار ثم التفت إلي وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي.

هذا الموقف الأول يا شباب يبين أن كل من قصد طريق العلم وتعليم الناس ودعوة الناس ينبغي أن يتخذ التقوى والاستقامة والمسارعة في الخيرات طريقا إلى ذلك، يعني ليس بينهما تعارض يا شباب، بل العلم يتقوى بالعمل الصالح، والعمل الصالح يرشد بالعلم.

الموقف الأخير الذي أود أن أذكره هو مروءة الإمام ابن تيمية. الإمام ابن تيمية رحمه الله كان شريفا، كان يسعى في الخير للناس، كان يحب الخير للمسلمين، وأذكر هنا موقفا عظيما لا أذكره أبدا إلا ويأتي أمام عيني اعظم معاني المروءة والشرف والصدق وحب الخير للمسلمين، موقف عظيم يندر أن يقوم به إلا أفراد من الناس.

قال ابن القيم رحمه الله: أتيت ابن تيمية يوما فأخبرته بوفاة ألد أعدائه، يعني كان ابن تيمية رحمه الله له أعداء كثيرون وكان من أشدهم رجل قد توفي، قال ابن القيم: فأتيته مبشرا له بموته، فقال ابن تيمية رحمه الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، وفزع من مكانه فذهب إلى أهل بيت ذلك الرجل وإلى بناته فقال لهم: أنا أبوكم، بعد أبيكم لا يكون لكم حاجة إلا تأتون إلي. ابن تيمية رحمه الله في نفع عائلة ذلك الرجل بما يستطيع. هذا والله هو النبل، هذا هو الشرف، هذا هو الدين.

أين هذه الأخلاق مما يراه الانسان كثيرا بين الدعاة أو طلاب العلم، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا لأحسن الأخلاق لا يهدي إليها إلا هو.

الخامس عشر: من معالم منهجه يا شباب معرفة المقالات في هذه الأبواب ونشأتها وأصولها وحججها ووزنها بالوحي، والتأصيل التاريخي لهذه المقالات ومعرفة مراحل تطورها. الإمام ابن تيمية رحمه الله لا يعتني فقط بمعرفة الحق الذي جاءت به الشريعة في تلك الأبواب، وإنما يعتني كذلك بمعرفة المقالات التي نشأت ونسبت إلى الشريعة، فيعرف أصولها ويعرف نشأتها ومراحل تطورها حتى يرد على أصحابها، وسيأتي معنا ذلك إن شاء الله في دراسة المجلد المسمى بالتصوف من مجموع الفتاوى.

السادس عشر: نقض المقالات والأعمال في الباب ووزنها بالوحي ومعرفة أصولها ومعرفة سبب الغلط فيها ثم ذكر البديل لها من الوحي. يعني الإمام ابن تيمية رحمه الله شباب في كل هذه المقالات التي نسبت إلى الشريعة، يزن تلك المقالات بالوحي. هناك مقالات كثيرة جدا في أبواب العبادة والتزكية ذكرها العباد أو قاموا بها، وهناك عبادات مثلا كان عندهم عبادات مخترعة، كانوا يتعبدون إلى الله بالصمت والجوع من غير صيام الجوع أو الحزن، أو يتعبدون إلى الله بالشهق والصعق عند سماع القرآن، أو كانوا يغلون في بعض الأبواب الشرعية كما يصل بهم الخوف من الله إلى اليأس من رحمة الله، وكما ذكروا مثلا قاعدة الأجر على قدر المشقة. وقد اعتنى الإمام ابن تيمية بجمع أصول هذه القواعد ونقدها بالوحي، وبيان البديل الذي دل عليه الوحي في تلك الأبواب.

السابع عشر: شباب من منهجه وهو دقيق جدا ويدل على حكمته ورحمته بالمخالف، وهو أن الإمام ابن تيمية كان يقيم المقالات التي تأتي عن العباد والزهاد والعلماء من حيث المعنى والقصد واللفظ. يعني ايه يا شباب تقييمه للمقالات من حيث المعنى والقصد واللفظ؟ فربما هو لا يتعامل مع مجرد ألفاظ، لأ، يعتني بثلاثة أمور: بالمعنى الذي أراده المتكلم، وكذلك بقصده ونيته من ذلك الذي قاله، واللفظ الذي عبر به عن المعنى والقصد.

لذلك الإمام رحمه الله شباب كان كثيرا ما يصحح المقالات التي تبدو خطأ، وله قول عظيم جدا قال: من اعظم التقصير نسبة الخطأ إلى متكلم مع إمكان تصحيح كلامه. يعني إمام ابن تيمية رحمه الله يقول لك: لا تتعجل في رد كلام أو قبوله إلا أن تعرف بدقة مراد المتكلم والمعنى الذي أراده، ولا تحاكمه فقط لمجرد اللفظ.

لذلك مثلا الإمام رحمه الله لما ذكر شرح الحكيم الترمذي لمعنى قول أبي بكر: اغفر لي مغفرة من عندك، وبين أن هذا معنى غريب وإن كان يحتمل أنه أراد به معنى صحيح. وكذلك لما استدل بأقوال عبد القادر الجيلاني في مسائل القدر والشرع وغير ذلك، فالإمام لا ينظر إلى شهادات العلماء والعباد والوعاظ إلى مجرد الألفاظ التي ينطقون بها، وإنما ينظر إلى ثلاثة أمور: ينظر إلى المعنى، وإلى القصد، وينظر كذلك إلى اللفظ.

يعني ايه القصد يا شباب؟ يعني مثلا لما عدد من المعتزلة نفوا كثيرا من صفات الله ومحامده، بين الإمام رحمه الله أن كثيرا منهم لم يرد انتقاص الله بل كان يظن أن ذلك من تعظيم الله. فظن هذا الذي نفى هذا المعطل، ظن أن إثبات الأسماء والمحامد لله تبارك وتعالى كصفة الكلام وصفة المجيء يوم القيامة وصفة النزول إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر وصفة الرضا والغضب، ظنوا أن نسبة ذلك إلى الله فيه نقص فأرادوا تنزيه الله عن النقص.

فيجب أن نلاحظ هذه الإرادة يا شباب، لا يستوي عند الله من أراد الحق فأخطأه ومن أراد الباطل فأصابه، واضح يا شباب؟ وسيأتي إن شاء الله مزيد لبيان هذه الفكرة. فمثلا العلماء لما ردوا على رواة الحديث الذين أخطأوا بينوا أن منهم من تعمد الخطأ ومنهم من لم يتعمد الخطأ، فمن لم يتعمد الخطأ ردوا خطأه لكنهم لم يتهموه في عدالته وصدقه ودينه، وإنما أرجعوا ذلك إلى الغفلة. إذا هذا المعلم السابع عشر مهم جدا، وهو تقييم المقالات من حيث المعنى والقصد واللفظ.

الثامن عشر: وهو مبني على ما سبق، الإفادة من صحيح ما جاء عن العباد والزهاد ومن لهم كلام في تلك الأبواب، وإن كان الإمام يخالفهم في غير ذلك. فيقبل الإمام ما عندهم من حق ويستثمره في الاستدلال على اتباعهم. هذا شباب من خصائص هذا الإمام. الإمام ابن تيمية رحمه الله لم يتعامل مع المخالفين بما يتعامل به كثير من طلبة العلم: أنه إذا أعجبه شيء من شخص قبل كل ما جاء به، وإذا لم يعجبه شيء من شخص نقصه حقه وأنكر فضله، لأ، الكبر بطر الحق وغمط الناس، فلابد أن يكون الشخص منصفا. فالإمام ابن تيمية رحمه الله لما استقرأ أحوال العباد وكلامهم وجد أن جملا كثيرة منه وأعمالا كثيرة صحيحة، أثنى عليهم بذلك واستشهد بذلك واستدل به على اتباعهم الذين خالفوهم.

التاسع عشر: شباب وهو عظيم جدا من منهجه ويدل على فقهه ورحمته وحكمته في الإصلاح، ما هو شباب؟ محاولة تقليل البدع العظيمة والأخذ بيد المخالفين للقرب من السنة. له محاولات جليلة يا شباب في إرشاد من ضل في تلك الأبواب وفي مناقشته بما يقبل من الحجج.

وفي ذلك شعبة مما ذكره الله عن الخضر رضي الله عنه وعليه السلام، أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: 65]؛ علم بالحق ورحمة بالخلق. ومن رحمة الخلق يا شباب محاولة هدايتهم وإرشادهم بالحجج التي يقبلون.

كما أن الله سبحانه وتعالى احتج على المشركين الذين يشككون في قدرة الله على البعث، ويشككون في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وفي غير ذلك من أصول الإيمان، احتج الله عليهم بما يقبلون من الحجج العقلية؛ مثلاً الذي قال: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: 78]، قال الله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: 79]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ أُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: 62].

ولما قالوا: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: 49]، فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: 50-51]. الله سبحانه وتعالى يحتج على كل طائفة بالحق الذي يقبلونه.

الإمام ابن تيمية رحمه الله أراد أن يحتج عليهم بما يقبلون، وأراد كذلك أن يخفف بدعهم الغليظة إلى بدع خفيفة أو يسيرة؛ فإن البدع درجات. وقال الإمام ابن تيمية رحمه الله في ذلك في قاعدة تكثير الخير في الناس وتقليل الشر فيهم، ومحاولة ردهم إلى السنة قدر الإمكان؛ ركز في هذه القاعدة واجعلها قاعدة لك في دعوتك وتعليمك وإصلاحك لأهل بيتك ومن تحب من الناس.

ابن تيمية: قد يقترن بالحسنات سيئات، أما مغفورة أو غير مغفورة، وقد يتعذر أو يتعسر على السالك سلوك الطريق المشروعة المحضة إلا بنوع من المحدث؛ يعني البدعة لعدم القائم بالطريق المشروعة علماً وعملاً. فإذا لم يحصل النور الصافي، بأن لم يوجد إلا النور الذي ليس بصاف، وإلا بقي الإنسان في الظلمة؛ فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهى عن نور فيه ظلمة إلا إذا حصل نور لا ظلمة فيه. وإلا فكم ممن عدل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية إذا خرج غيره عن ذلك لما رآه في طرق الناس من الظلمة!

هذا الكلام يا شباب يمكن أن أبينه لكم. في حد بيقول انقطع البث، لا، أنا عندي البث شغال تمام، يعني ظاهر عندي أن البث يعمل. البث يعمل يا شباب؟ لو أحد من الشباب يتابع معنا، أقرأ مرة ثانية. يعمل؟ طيب، الحمد لله تمام. أقرأ مرة ثانية الفقرة ثم أعلق عليها بمثال.

قال ابن تيمية رحمه الله في دعوة الناس إلى الخير: إننا نحاول أن نكثر الخير فيهم قدر الإمكان، وأن نقلل الشر فيهم قدر الإمكان. قال رحمه الله: قد يقترن بالحسنات سيئات أما مغفورة أو غير مغفورة، وقد يتعذر أو يتعسر على السالك سلوك الطريق المشروعة المحضة إلا بنوع المحدث لعدم القائم بالطريق المشروعة علماً وعملاً.

فإذا لم يحصل النور الصافي، بأن لم يوجد إلا النور الذي ليس بصاف، وإلا بقي الإنسان في الظلمة؛ فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهى عن نور فيه ظلمة إلا إذا حصل نور لا ظلمة فيه. وإلا فكم ممن عدل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية إذا خرج غيره عن ذلك لما رآه في طرق الناس من الظلمة!

ما معنى هذا الكلام يا شباب؟ أذكره بمثال تطبيقي يوضح الفكرة. مثلاً كان في بعض جيراني في بداية الاستقامة أو المواظبة على الصلاة؛ شخص استقام أو بالمصطلح الدارج التزم مع جماعة التبليغ والدعوة، فيعني كان يحافظ على الصلاة وكثير من الأعمال الصالحة والدعوة إلى الله، وكان معهم بعض الأمور التي ليست شرعية، يعني بعض البدع الخفيفة. فقابله شخص ممن يستمعون إلى كلام الذين يبدعون الناس والعلماء، ويحكمون على طوائف بأنهم مبتدعة وأنهم خارجون عن الهدي؛ جماعة معروفة يعني تحذر من الدعاة.

هذا الشخص المسكين الذي بدأ في طلب العلم، قرأ كتاباً أن جماعة التبليغ والدعوة جماعة نارية متوعدة بالنار وأنها محظورة وهكذا. فلما قابل هذا الأخ الذي انتمى لجماعة التبليغ، صار يحذره من الجماعة ويترك هذه الجماعة، ولم يبين له الطريق الحق؛ يعني أخرجه من جماعة التبليغ وتركه في الهواء الطلق؛ لأن نفس هذا الشاب يا شباب، اللي هو المفروض أنه طالب علم، يعني هو جاهل أساساً، وإنما قرأ كتاباً أو سمع محاضرة لمن يبدعون الناس بغير حق، أو يبغون على الناس ويستطيلون عليهم، ويظنون أنهم وحدهم الفرقة الناجية وأن غيرهم هلكى وأنهم متوعدون بالنار؛ هذا الشخص جاهل، فهو أساساً لا يعلم الحق وبالتالي لا يستطيع أن يدل غيره.

فهذا الشاب ترك جماعة التبليغ، قال لا، أنا لا أُريد أن أدخل النار. هذا الشاب والشاب الآخر كلاهما على أبواب كثيرة من الحرام، وكثير منهم ترك الاستقامة بالكلية. الخطأ يا شباب والجهل من هذا الذي ادعى أنه طالب علم؛ لأنك في وعظ الناس وفي تعليمهم إذا وجدتهم على خير فيه نوع بدعة، حاول أن تقلل فيهم الشر والبدعة، وأن تكثر فيهم الخير.

وإذا أردت أن تنقله من النور الذي فيه ظلمة، فيجب أن تنقله إلى نور صاف؛ أما أن تخرجه من نور فيه ظلمة إلى ظلمات لا نور فيها، فهذا والله ظلم وجهل! فقد ظلم هذا الشاب ذلك الشاب الآخر، الذي كان على خير واستقامة وكثير من شعب الإيمان. وابن تيمية رحمه الله يقول لك: إذا وجدت شخصاً على أعمال خير أو على باب خير فيه نوع من الغلط أو بعض البدع اليسيرة، فإذا أردت أن تحذره جيد، ولكن بين له الطريق الآخر وأعنه عليه. أما أن تخرجه من خير فيه نوع شر إلى شر لا خير فيه، فأنت ظالم وجاهل بالشريعة.

العشرون، وهو آخر معلم معنا قبل أن ندخل في الأمر الآخر: أعذار المجتهدين والمخطئين في تلك الأبواب. الإمام رحمه الله، في حد بيقول: طيب، لما لا يدعو للانضمام لجماعته وتركه هكذا؟ لأ، هو أساساً هذا الشاب لا يعرف صحة المنهج، يعني هو حتى أساساً لم يكن منتمياً لهذه الجماعة.

الشاب الذي يحذر من جماعة التبليغ أو من غيرها لم يكن منتمياً لهذه الجماعة بمعنى الكلمة، إنما هو سمع كلاماً. واضح؟ لكن بعضهم كذلك يدخل غيره في الجماعة التي تحذر من الناس والتي تبدعهم بغير حق. لكن المقصود من هذه القصة أظنه واضحاً يا شباب، وهو أن الإنسان يكون فقيهاً في دعوة الناس.

المعلم الاخير معنا هو أعذار ابن تيمية رحمه الله للمجتهدين المخطئين في أبواب العبادة والاستقامة. ابن تيمية رحمه الله يا شباب ينظر إلى الذين تكلموا في أبواب تزكية النفس وفي العبادة والاستقامة وشعب الإيمان، أنهم كالفقهاء وكالمحدثين؛ يقبل منهم صوابهم ويثنى عليهم فيه، ويعذرون في اجتهادهم الخطأ، ولا يقبل منهم كل ما قالوا.

قال ابن تيمية رحمه الله: والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل الطاعة لله، ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين، وفي كل من الصنفين من قد يجتهد. وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب، ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه عاص لربه، وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة.

هنا ابن تيمية رحمه الله يا شباب يبين أموراً: أولاً، أن كل من طلب الحق وقصد التقرب إلى الله واجتهد، فهو بين أجر وأجرين، فعمله الصالح الصحيح مقبول ويجب أن يثنى عليه به، أما خطؤه فيعذر عليه ولا يتبع عليه. وثانياً، ينبغي ألا ننسب إلى أي طائفة إلا ما ثبت عنه؛ إن كثيراً من أهل البدع انتسب إلى طوائف، كما انتسب بعض المبتدعة أو كثير من المبتدعة إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وألصقت هذه البدع به، والإمام أبو حنيفة رحمه الله لم يثبت عنه مخالفة في أبواب الإيمان إلا قوله رحمه الله في باب دخول العمل في مسمى الإيمان كما سيأتي.

وقد نسب إلى الأئمة الأربعة كثير من البدع بسبب أن بعض المبتدعة انتسب إليهم في الفقه، فظن أنه ينتسب إليه كذلك في الإيمان والاستقامة وتزكية النفس وغير ذلك من الأبواب.

الفائدة يا شباب: تراث الإمام ابن تيمية رحمه الله في تزكية النفس وأعمال القلوب والاستقامة أقوى وأدق وأقرب إلى الوحي وأكثر تحقيقاً وأحسن ألفاظاً من تراث الإمام ابن القيم رحمه الله، مع عظيم نفع الإمام ابن القيم وحسن كلامه وكثرة كلامه ونفع كلامه، لكنه لا يقارن بتقريرات الإمام ابن تيمية رحمه الله ولا بتحقيقه.

لماذا نبهت على ذلك يا شباب؟ نبهت عليه لأني وجدت كثيراً من الخطباء والوعاظ بل بعض طلاب العلم الذين لم يعتنوا بتراث الإمام ابن تيمية رحمه الله في تلك الأبواب، يذكر أن ابن القيم هو فارس هذا الميدان وانه التلميذ الذي فاق شيخه، لا سيما في أبواب التزكية. وأنا أقول إن من قال ذلك لم يقرأ تراث الإمام ابن تيمية رحمه الله في تلك الأبواب، وسيتبين لنا إن شاء الله والشباب خلال قراءتنا لتراث الإمام مكانة هذا التراث الذي ضيعه كثير من طلاب العلم والوعاظ والخطباء وأهملوا الاهتداء به في حديثهم عن أبواب التزكية والاستقامة.

خطتنا في استقراء تراث الإمام يا شباب: هذه حقيبة علمية متكاملة إن شاء الله في دراسة تراث الإمام ابن تيمية رحمه الله في كل أبواب الشريعة بإذن الله، لكننا جعلنا البداية في أبواب تزكية النفس وإخلاص العبادة وبيان شعب الإيمان وأعمال القلوب، وبيان طريق الاستقامة والولاية وصفة أولياء الله، وبيان المقالات المخالفة للوحي في تلك الأبواب كيف نشأت وما مراحلها ومن هم أشهر أئمتها وأصول الخطأ عندهم، ثم نقض تلك المقالات ووزنها بالوحي.

وذكرنا قبل ذلك يا شباب حاجة طالب العلم خصوصاً والمسلم عموماً لفقه تلك الأبواب والاستقامة عليها، وبينا أن طالب العلم الذي لم يعتن بتلك الأبواب علماً أو عملاً سيجد نفسه بعد مدة كبيرة قد حصل مجموعة معلومات ومعارف لا يمكن أبدا أن يستقيم بسببها أو بها وحدها، ويجب أن يستصحب معه أبواب الاستقامة علماً وعملاً.

دراستنا لهذه الأبواب يا شباب ستكون من خلال قراءة واحد وسبعين كتاباً ورسالة للإمام ابن تيمية رحمه الله جمعتها في تلك الأبواب، ثم بعد ذلك ندخل في باب الإيمان ثم الأسماء والصفات ثم النبوات ثم القدر وغيرها، باباً باباً نجمع في كل باب كتب الإمام فيها أو عيون هذه الكتب أو أهم هذه الكتب، نجمع كتب الإمام ورسائله في الباب وما يشابهه ونرتبها للقراءة.

نراعي في الترتيب كون الكتاب جامعاً في بابه، أو بحسب سهولة الكتاب، أو كون الكتاب متشبهاً في موضوعه وأسلوبه مع الكتاب الذي قبله أو هو تمهيد لما بعده، ونحو ذلك من اعتبارات الترتيب. نقسم الكتب على أبواب بشكل عام، ثم نرتبها تحت الباب الواحد، ونحاول أن نجمع الكتب والرسائل تحت الباب الواحد ثم نقرأها قراءة سريعة ونتدرج فيها.

عند كل كتاب يا شباب، ما هي خطتنا في الدخول على كل كتاب؟ عند كل كتاب نحتاج مدخلاً لموضوع الكتاب وموضوعاته الفرعية؛ يعني ما هو موضوع الكتاب الرئيس؟ وما موضوعاته الفرعية؟ وما هي أهم مسائله؟ نتحدث كذلك عن أمور تخص سبب تأليف الكتاب، ثم ندخل إلى الكتاب فنقسمه فقرات، ونتناول كل فقرة من خلال فك عبارة المصنف وبيان المعنى العام وبيان المسائل المذكورة في الفقرة، وبعض المسائل التي اعتنى الإمام بتفصيلها. إذا اعتنى الإمام بتفصيل مسألة، فإننا ندخل عليها كذلك، نعرف صورة المسألة، ونعرف الأقوال فيها، ونعرف أشهر أدلة كل قول، ونعرف وجه الاستدلال والأصل الذي بني عليه القول.

لكننا يا شباب لا نتوسع في ذلك إلا بما يناسب الكتاب ومقصد المصنف وطريقة إيراده المسألة، وقد نذكر بعض المقدمات قبل الدخول في المسألة أو نتوسع في بعضها أو نذكر فروعاً عنها، لكن ذلك كله لا يكون إلا عند الحاجة وعلى قدر الحاجة.

إذاً يا شباب، يبقى الأصل عندنا القراءة السريعة وفك العبارة والوقوف عندما وقف عنده الإمام والإنجاز والاختصار، مع الاعتناء الخاص بطريقة الأئمة في الجمع والنظر والبيان والعرض والاستدلال والاحتجاج والنقد والمناقشة والنقض، وهذا أخص مقصد لقراءة تراث الأئمة والتعرف على منهجهم، مع ذكر الفوائد والقواعد والحكم التي تأتي في ثنايا كلامهم.

وفي نهاية الكتاب، يعني عند ختم كل كتاب يا شباب، نذكر أهم مقاصد الكتاب وأهم القواعد وأهم فوائد، مع ملاحظة منهج الإمام ابن تيمية وكيف نقيد الفوائد، وسيكون ذلك إن شاء الله -سيتبين ذلك بالتفصيل في الكتاب الأول الذي سندرسه- ونترك بعض الكتب لا نصنع فيها ذلك ليتدرب عليها الطلاب.

هنا يا شباب أنبه على فائدة قبل أن ندخل في كتاب العبودية، مهمة جداً يا شباب: المعلم الذي يقضي سنين طويلة يشرح فيها مجموعة متون حقها أن تدرس أو تشرح في شهر بالأكثر، هذا المعلم يا شباب يحرق عمر الشباب ويحرق زهرة شباب الطلاب؛ يدخل في الكتاب المختصر أو المتن اليسير، فيقحم فيه كثيراً من المسائل التي لم يردها المصنف ولم يقصدها.

ولا يتوقف عليها فهم الكلام، ولا هي فرع عن الكلام، ولا هي لطيفة مناسبة للكلام. كثير منهم يجعل درسه حفلة يذكر فيها كل معلومة يعرفها، أو قاعدة، أو فائدة في أي علم؛ في اللغة، في الفقه، في الحديث، في شعر، في الإيمان، دون أدنى داعٍ. حتى ربما ينسى الطلاب الموضوع الأصلي للدرس. نعم، بعضهم له نية خير في ذلك، يحسب ذلك نافعاً، ويحسبه من بث العلم، ويظن عدمه من كتمان العلم.

وبعضهم يستر بذلك ضعفه في بيان الكتاب الذي بين يديه، فيخرج عنه إلى ما يحسن من الأبواب والمسائل، ويتشبع بما لم يعطَ، ويحسب أن ذلك يغطي ضعفه. للاسف الشباب، كثير من الطلاب يغره هذا التوسع الكبير الذي يخرج عن موضوع الدرس، ويخرج عن مقصد المؤلف، وكل من اجتهد فيما لم يرده المصنف فلابد أن يقصر في مراد المصنف. وبعض الطلاب يا شباب ينبهرون بذلك، ويحسب أن شيخه علامة جامعاً شمولياً بمثل ذلك.

حتى رأيت من يتفاخر من الطلاب بأن شيخه شرح حديث جبريل فيما يقارب مائتي درس أو زيادة، وأنه شرح الطحاوية في خمس سنوات، وشرح لمعة الاعتقاد في ثلاث سنوات. يفتخر بذلك، حتى يقضي معه الطالب سنتين أو ثلاث في متن المفترض أن يُقرأ ويُشرح في جلسة بين العشاء والفجر، يدخل له دين الإسلام كله وفنون الشريعة كلها في الدرس، وبعد تلك الأعوام لا يرى الطالب أنه أحكم أصل الكتاب ولا حتى فُكَّت له جُمَله.

وإنما عرف مجموعة معلومات عامة لا رابطة لها ولا ضابط، ويهمل أخص ما قصده المؤلف من كتابه، بل لا يحسن فك عباراته فضلاً عن بيان مسائله والاستدلال لها. وبعضهم يا شباب يحول درسه كأنه جلسة سمر أو مجلس إفتاء أو أمسية ثقافية. أحياناً يسأله الطالب سؤالاً حقه أن يؤجل أو تختصر إجابته، فيقضي فيه معلم الدرس كاملاً. وبعض المدرسين يخشى ألا يجيب فينسب إلى الجهل، باختصار الدرس يتحول إلى ما يطلبه المستمعون.

أيها الشباب، أيها الطلاب الكرام، يا من تحرصون على أوقاتكم، لا أرى تلك طريقة صحيحة للشرع، ولا نافعة ولا ناجزة، بل هي مضيعة للعمر، بل تصد كثيراً من الطلاب عن الاستمرار حيث يحصل لهم الملل، يرى أنه يعيش سنين طويلة على مجموعة متون. وكم فشلت دروس ودورات ومحاضرات وكم فشلت معاهد ولم تحصل ثمرتها بمثل تلك العشوائية.

والحق يا شباب أن نفقه الكتاب الذي ندرسه، وأن نعرف مقاصد المؤلف، وأن نعرف المسائل التي بسط القول فيها، وأن نعرف المسائل التي أشار إليها إشارة، وأن تدخر كل معلومة وقاعدة لمكانها المناسب، وأن يوضع للدرس أهداف لا يخرج عنها إلا لها، وألا ينساق المعلم خلف ما يطرحه الطلاب فهو مدير الدرس وهو المسؤول عنه، وأن يتدرج في نيل العلوم، وأن تختار الكتب بعناية، وأن يحضر المعلم الكتاب كاملاً ليعرف أهدافه ويعرف متى يتكلم ومتى يسهب ومتى يختصر، وأن يضع خطة ومنهجية لتدريسه وطريقة لتفاعل الطلاب داخل الدرس وخارجه، وأن يذكر معايير تقييم الدرس.

والخلاصة هي أمانة، هي أمانة فأعطها حقها وطيبها، فإن الله سبحانه وتعالى يصعد إليه الكلم الطيب. معنا يا شباب في هذه المرحلة ما يقارب سبعين كتاباً ورسالة، بعضها كبير الحجم، وبعضها متوسط، وبعضها صغير. أحاول أن أقدم هذه السبعين كتاباً بالكتب أو أهم الكتب، بحيث نبدأ دائماً بالكتب المركزية الجامعة في كل باب منها. ساذكر هنا الكتب التي سنبدأ بها وهي عشرة كتب حتى يجهزها الطلاب، وسأنزل إن شاء الله من كل كتاب منها نسخة بي دي إف لتكون متوفرة معكم.

معنا الكتب بالترتيب يا شباب كالتالي: العبودية، ثم أمراض القلوب وشفاؤها، ثم تزكية النفس، ثم شرح حديث اللهم إني ظلمت نفسي كنت شرحته قبل ذلك شرحاً مفصلاً لكني سأشرحه هنا شرحاً يناسب هذه الخطة، ثم بعد ذلك كتاب تفسير الآية الكريمة، ثم كتاب التحفة العراقية، ثم كتاب قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام وعبادات أهل الشرك، ثم كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، ثم كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ثم نختم هذه العشرة بكتاب عظيم جداً وجامع أيضاً وهو كتاب الاستغاثة في الرد على البكري، ثم يتلوها باقي الكتب على ترتيب سأذكره إن شاء الله.

إذاً، نحن عرفنا الكتب الأولى التي سندرسها الترتيب حتى نجهزها. سندخل الآن يا شباب في الكتاب، طبعا الدرس اليوم مطول معنا، الناس تحتمل بقى لأننا عايزين ننجز إن شاء الله كتاب العبودية يا شباب، كتاب العبودية أو رسالة العبودية، وأيضاً طبع باسم تفسير قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21].

وهذا الكتاب يا شباب هو صحيح النسبة للإمام، نسبه إليه الأئمة كابن عبد الهادي في العقود الدرية، وقال عن الكتاب إنه جليل القدر، وكذلك نسبه إليه ابن القيم رحمه الله. للكتاب طبعات كثيرة وهو موجود ضمن مجموع الفتاوى في المجلد العاشر، وطبع مفرداً طبعات كثيرة، طبع بعناية الشيخ محمد حامد الفقي والشيخ زهير الشاويش والشيخ الألباني عليهم جميعاً رحمة الله وكتب الله أجرهم، طبع مؤخراً طبعات كثيرة.

هذا الكتاب يا شباب هو أخص كتب الباب وأجملها وأيسرها وأجمعها على صغر حجمه، يعني هذا الكتاب يا شباب برأي هو أفضل ما كتب في باب إخلاص العبادة، الذي اصطلح عليه بعد ذلك باب التوحيد. لفظ التوحيد ليس مشهوراً في القرآن والحديث، وإنما جاء في حديثين، واللفظ الأكثر شهرة هو لفظ الإخلاص، هذا هو اللفظ السائد.

فهذا الباب هو باب إخلاص العبادة الذي اصطلح عليه باب التوحيد، أنصح جداً أن يُعْتَنَى في بداية دراسته في الجامعات والمعاهد والمراكز الإسلامية والدورات بهذا الكتاب، كتاب العبودية، أو حتى من يمارسون التعلم الذاتي، هذا الكتاب بداية جليلة للولوج في تلك الأبواب، وهو عندي أفضل وأصح وأشمل من كل ما جُعِلَ كبداية.

يعني دائماً المعاهد تقرر مثلاً كتاب التوحيد، وكتاب القواعد الأربع، وكشف الشبهات، ومسائل الجاهلية، وفضل الإسلام، وكل هذه الكتب للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله، أو كتاب مثلاً تطهير الجنان لأحمد بن حجر آل بوطامي، أو نحو هذه الكتب يبدأون بها في تدريس تلك الأبواب، وفي رأيي أن هذه الكتب على ما فيها من خير ونفع وتيسير، لكنها في رأيي لا تقارن بهذا الكتاب في أي من معايير التقييم التي ذكرناها.

لذلك يا شباب هذه الكتب التي ذكرتها كتب جيدة وكتب فيها نفع وخير، لكن في رأيي أن يُبْدَأ بكتاب العبودية لما سنذكره من الميزات، ويمكن أن تصطحب هذه الكتب وأن تُقرأ، لكن لا تكون هذه الكتب هي المحكمة في الباب، وهي التي لا يُدْرَس غيرها في الباب ويهمل تراث الإمام ابن تيمية رحمه الله.

رسالة العبودية يا شباب للإمام ابن تيمية قيمة جداً من حيث الموضوعات والمسائل والمقاصد وترتيب الأفكار وطريقة العرض ومنهج الاستدلال وتنوع الأدلة وكثرة الأدلة من الوحي، ولغة الكتاب سهلة واضحة إلا في مواضع يسيرة، ربما يحتاج الطالب إلى بيان مختصر فيها، ومن يقرأ كتب الإمام يعرف سهولة هذا الكتاب بالنسبة لكتبه.

فيها أيضاً بيان محكمات الشريعة في باب العبادة وشعب الإيمان وأعمال القلوب والاستدلال لها، ثم بيان أشهر المقالات المخالفة للحق في تلك الأبواب مع بيان حججها وأصول الخطأ فيها، ثم نقدها بميزان الشرع ومن كلام أئمتهم.

موضوع الكتاب: الكتاب يا شباب جاء جواباً على سؤال سائل، السائل سأل الإمام ابن تيمية رحمه الله كما جاء في مقدمة الكتاب، قال للإمام ابن تيمية رحمه الله: قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: 21] فما العبادة وما فروعها؟ وهل مجموع الدين داخل في العبادة أم لا؟ وما حقيقة العبودية؟ وهل هي أعلى المقامات أم فوقها شيء من المقامات؟ وليبسط لنا القول في ذلك.

يعني هذا هو موضوع الكتاب، أنه جواب على هذا السؤال، لكن يمكن أن نقول إن في الكتاب موضوعين رئيسين يتفرع عنهما مسائل. الموضوع الأول الرئيس في هذا الكتاب: العبادة معناها، منزلتها، التمثيل لها ببيان شعب الإيمان وأعمال القلوب ومراتب الناس في الاستقامة عليها، مع بيان أشهر المقالات المخالفة للشريعة في ذلك، وبيان مختصر لنشأتها والأصل الذي بنيت عليه وحججها، ثم نقدها بميزان الوحي وببعض ما صح من كلام أئمتهم المعتبرين عندهم، هذا هو الموضوع الأول.

الموضوع الثاني يا شباب: الجمع بين الشرع والقدر، يعني الجمع بين قدر الله علمه وكتابته ومشيئته وخلقه لأفعال العباد، وبين الأمر والنهي، يعني كيف نجمع بين قدر الله السابق وبين تكليف الله لنا بالعمل الصالح والنهي عما لا يرضي الله.

فبين الإمام رحمه الله أن باب العبادة لا ينتظم إلا بالجمع بينهما واستدل لذلك وشرحه، ثم بين المقالات المخالفة في ذلك على النسق المذكور في الموضوع الأول، فهذان موضوعان رئيسان كبيران تكلم عنهما الإمام في كثير من كتبه واعتنى ببيانهما وبيان ما يخالفهما كثيراً.

وفي هذا الكتاب يا شباب مختصر جامع لهذه المسائل. أثناء القراءة يا شباب سنحاول أن نقسم الكتاب إلى فقرات وأن نبين معاني الكلام، وأن نعلق بما يناسب كل مسألة. ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد، ونسأله سبحانه وتعالى أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، اللهم لا حول ولا قوة إلا بك. نبدأ في الكتاب إن شاء الله.

الشباب بقى نفتح الكتاب، نشوف الصفحة التي تناسبكم تبع الطبعة التي تسيرون منها، نبدأ بإذن الله تبارك وتعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، سئل الشيخ رحمه الله عن قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: 21] فما العبادة وما فروعها؟ وهل مجموع الدين داخل في العبادة أم لا؟ وما حقيقة العبودية؟ وهل هي أعلى المقامات أم فوقها شيء من المقامات؟ وليبسط لنا القول بذلك.

نلاحظ يا شباب أن هذا السائل انتهى السؤال الآن، نحن نعلق على هذا السؤال. هذا السائل سأل الإمام ابن تيمية رحمه الله عن معنى قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: 21]، فسأل: ما العبادة؟ ما معناها؟ ما فروعها؟ يعني ما هي شعب العبادة وشعب الإيمان؟ وهل مجموع الدين يدخل في العبادة أم لا؟ وما هي حقيقة العبودية؟

سيأتي يا شباب معنا بيان أن لفظ حقيقة العبودية، حقيقة الخوف من الله، حقيقة الرجاء، حقيقة التوكل، حقيقة الحب في الله، أن ذلك اللفظ إنما نشأ عن الصوفية، وأن التعبير الذي جاء به الوحي وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يذكر الأمر دون أن يقول حقيقة كذا. فلمَّا عُرِّف لم يقل حقيقة الإسلام كذا، حقيقة الإيمان كذا، حقيقة القوي كذا الذي يملك نفسه عند الغضب، سيأتي إن شاء الله تعليق لنا على ذلك اللفظ على دلالته في الشريعة، ثم الدلالة التي نشأت عند الصوفية ثم انتشرت بعد ذلك في كلام أهل العلم.

ثم سأل السائل عن حقيقة العبودية وهل هي أعلى المقامات؟ يعني هل هي أعلى ما يصل إليه العبد أم فوقها شيء من المقامات؟ وطلب السائل أن يبسط القول في ذلك. فنحن يا شباب سنقرأ إن شاء الله الفقرة كاملة من جواب الإمام ابن تيمية رحمه الله، ثم بعد ذلك نعلق على الفقرة بما يناسب الكتاب.

فأجاب رحمه الله: الحمد لله رب العالمين، العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، والصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة.

وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمه والرضا بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف من عذابه وأمثال ذلك هي من العبادة.

وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له والمرضية له التي خلق الخلق لها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. وبها أرسل جميع الرسل، كما قال نوح لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: 32]. وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لقومهم، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]. فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة.

وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]، كما قال في الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 51-52].

وجعل ذلك لازماً لرسوله إلى الموت، كما قال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]. وبذلك وصف ملائكته وأبناءه، فقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: 19-20]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: 206]. وذم المستكبرين عنها بقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60].

ونعت صفوة خلقه بالعبودية له، وقال تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: 6]، وقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63].

ولما قال الشيطان: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: 39-40]. قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42]. وقال في وصف الملائكة بذلك: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: 26-28].

وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 88-95].

وقال تعالى عن المسيح الذي ادعيت فيه الإلهية والبنوة: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لَبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: 59]. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «لا تُطْرُوني كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ».

وقد نعته الله بالعبودية في أكمل أحواله، فقال في الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: 1]. وفي الإيحاء: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: 10]. وقال في الدعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: 19]. وقال في التحدي: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: 23].

فالدين كله داخل في العباة. وقد ثبت في الصحيح أن جبريل لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة أعرابي وسأله عن الإسلام، قال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا». قال: «فما الإيمان؟» قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره». قال: «فما الإاحسان؟» قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». ثم قال في آخر الحديث: «هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم». فجعل هذا كله من الدين.

هذه يا شباب هي الفقرة الأولى، وقلت قبل ذلك إننا سنقسم الكتاب إلى فقرات تكون الفقرة متكاملة على نسق واحد، ولا نقطعها بالبيان إلا بعد أن نذكرها كاملة، حتى تتضح الفكرة بشكل متكامل. وقلت لكم يا شباب يعني أني ساسير معكم فيما أرى أنه يحتاج إلى إيضاح وإلى بيان سابينه، وإ والا فنذخر الاستفصال أو نذخر الاستطراد والتوسع في المسائل التي تحتاج إلى بيان.

الإمام رحمه الله يا شباب عرف العبادة، وبين أنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الاقوال والاعمال الظاهرة والباطنة. فابن تيمية رحمه الله هنا يبين سعة وتنوع شعب الإيمان، وبين أن الدين كله يدخل في العبادة. ثم ذكر أمثلة بالأعمال الظاهرة، وهي بلا شك تحتاج إلى إيمان باطن وتحتاج إلى أعمال باطنة.

فذكر كامثلة الصلاة والزكاة والصيام والحج إلى آخر ذلك، ثم نبه على الخلق ونبه على الإحسان، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، والى المملوك من الآدميين والبهائم، ثم رجع في الحديث عن الدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك. هنا ابن تيمية رحمه الله ذكر هذا الفصل من الإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل في سياق حديثه عن أعظم الأعمال الصالحة، لينبه على هذا المعنى يا شباب.

كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تحدث عن شعب الإيمان قال: «أعلاها قول لا إله إلا الله، وادناها إماطة الأذى، والحياء شعبة من الإيمان». وقد يحتاج الإنسان إلى التنبيه على بعض الأمور، وليس على وجه الترتيب، وليس على أنها أفضل وأكمل مما ذكر بعدها، ولكن لحاجة الناس إلى بيان ذلك.

أيضا يا شباب ذكر أعمال القلوب، ذكر الأعمال الباطنة، وذكر حب الله وخشيته، وذكر الإنابة إليه والإخلاص، وذكر الشكر والرضا، وذكر الرجاء والخوف من عذابه، إلى غير ذلك. إذا الإمام ابن تيمية رحمه الله بين معنى العبادة، ثم مثل للعبادات ولشعب الإيمان، وبين تنوع الشعب، وبين أن الدين كله يدخل في معنى العبادة.

الإمام ابن تيمية رحمه الله أراد أن يبين معاني في العبادة؛ أولا: قيمة العبادة، تبين أن العبادة هي الغاية المحمودة لله المرضية له، والتي خلق الخلق لأجلها، هذا أول أمر.

الامر الثاني يا شباب أن الله أرسل بها جميع الرسل، فجميع الرسل جاءوا بهذا المعنى: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، جاء جميع الرسل بألا يعبد إلا الله وألا يعبد إلا بما شرع، كما قال كل نبي: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح: 3].

أيضا بين الإمام رحمه الله أن العبادة تلزم العبد إلى الموت، يعني ليس هناك وقت يسقط عن العبد فيه العبادة، والإمام في ذلك يرد على عدد من غلاة الصوفية الذين زعموا أن العبد يصل إلى مرحلة سموها اليقين، يسقط عنه فيها التكليف. تبين الإمام أن سيد ولد آدم، وسيد العباد من الخلق، وهو النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أمره الله أن يبقى عبدا لله إلى أن يأتيه اليقين. واليقين كما ثبت في أجمع عليه المفسرون أن اليقين هنا بمعنى الموت، واضح، ولا يسقط عن العبد التكليف بالعبادة إلى الموت.

أيضا بين في العبادة أن ذلك الوصف الذي وصف الله به خاصة خلقه من الأنبياء والملائكة الكرام، وبين الإمام ابن تيمية رحمه الله أن الله ذم المستكبرين المستنكفين عن عبادته. كذلك بين الإمام رحمه الله أن الله نعت صفوة خلقه بصفة العبودية، وبين كذلك الإمام أن الله سبحانه وتعالى يثني على عباده بتلك الصفة.

لكني هنا أقف على فائدة مهمة: قال الشيخ: ولما قال الشيطان: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوَيْتَنَهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ. نلاحظ يا شباب أن الإمام هنا أسند القول إلى الشيطان. وهذا صحيح يا شباب، فالأصح عند نقل الآيات مختصرة، والتي تساق كشواهد في الإيمان أو تزكية النفس أو الدعوة أو النحو أو أي باب من أبواب العلم، أن ينسب القول إلى قائله.

توقل مثلا: قالت نَمْلَةٌ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: 18]. قال الجن مثلا: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن: 3]. قال لوط عليه السلام: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [هون: 78]. قالت امرأة العزيز ومن معها: ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ [يوسف: 32]. قال فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف: 51]. قالت ملكة سبأ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: 44].

لماذا نبهت على هذا التنبيه يا شباب؟ لأني رأيت كثيرا من الكتب وسمعت دروسا في النحو والبلاغة والإيمان تسند القول إلى الله في جمل لا تليق أبدا بالله، وليس الله سبحانه وتعالى هو الذي قالها أصالة، وإنما ذكرها الله في كتابه مسندة إلى أصحابها. وجدت في بعض الكتب في الشواهد يقولون: قال الله تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾، وقال الله تعالى: ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: 27]، وقال الله: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: 36]، وقال الله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ [الزخرف: 52]، وقال الله: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ [طه: 91].

إلى غير ذلك مما لا يصح أبدا أن ينسب إلى الله، والله سبحانه وتعالى إنما ذكر الأقوال منسوبة إلى أصحابها. فإذا ذكرت قولا مختصرا فلا تنسب فيه القول إلى الله تبارك وتعالى، ولست بحاجة أن تقول قال الله على لسان فلان، أو قال الله حكاية عن فلان، بل انسب القول إلى قائله.

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما أشكل على الصحابة قول الله سبحانه وتعالى الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في قصة إراهيم، لما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 81-82]. إبراهيم عليه السلام قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ فلما أشكل ذلك على الصحابة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما هو قول العبد الصالح: إن الشرك لظلم عظيم». أسند القول إلى قائله.

كذلك قالت عائشة رضي الله عنها كما في قصة الإفك: ليس لي ولكم مثلا إلا قول أبي يوسف: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]. وكذلك ينبغي أن تقول، فلا لست بحاجة أن تقول قال الله على لسان نوح، أو قال الله على لسان النملة، أو قال الله على لسان الجن.

هذا غير لازم ولا أراه صحيحا أصلا. الله سبحانه وتعالى لم يتكلم على لسان أحد، لم يتكلم على لسان شخص أو حيوان أو جماد، وإنما الله سبحانه وتعالى ذكر تلك الأقوال منسوبة. والقرآن كله كلام الله، تكلم الله به وقصه علينا، وفي قص علينا ينسب الأقوال إلى قائلها. الله سبحانه وتعالى مثلا قال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر: 26]. إلى غير ذلك.

إذا يا شباب نلاحظ هنا أن الإمام ابن تيمية قال: قال الشيطان، ولم يقل: قال الله على لسان الشيطان، أو لم يقل: قال الله: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي. واضح يا شباب؟

أيضا مما بينه الإمام رحمه الله أن الله سبحانه وتعالى ذكر النبي محمدا صلى الله عليه وسلم في اعظم المقامات بصفة العبودية، وهذا مما يشرف. وهذه الصفة كما في الإسراء وفي الإيحاء وفي الدعوة. ثم ختم الإمام كلامه فقال: فالدين كله داخل في العبادة، وذكر حديث جبريل.

ونلاحظ هنا يا شباب أن النبي صلى الله عليه وسلم في بيانه لمعاني تلك الألفاظ، معنى الإيمان، الإسلام، معنى القولي، معنى الغيبة، معنى البهتان، في أي معنى شرعي، لا يقول حقيقة الإيمان كذا حقيقة الإسلام كذا، وإنما يذكر ذلك مباشرة، وسيأتي إن شاء الله مزيد بيان لهذه الفكرة.

ندخل في الفقرة الثانية يا شباب، قال رحمه الله: والدين يتضمن معنى الخضوع والذل. يققال: دِنْتُه فَدَانَ، أي: أذللته فذل. ويقال: يدين الله ويدين لله، أن يعبد الله ويطيعه ويخضع له. فدين الله عبادته وطاعته والخضوع له. والعبادة أصل معناها الذل أيضا، يققال: طريق معبد، إذا كان مذللا قد وطأته الأقدام، لكن العبادة المأمورة بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب.

فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له. إن آخر مراتب الحب هو التتيم، وأوله العلاقة لتعلق القلب بالمحبوب، ثم الصبابة لانصباب القلب إليه، ثم الغرام وهو الحب الملازم للقلب، ثم العشق، وآخرها التتيم. يقال: تيّم الله، أي: عبد الله. فالمتيّم العبد المعَبَّد لمحبوبه. ومن خضع لأنسان مع بغضه له لا يكون عابدا له، ولو أحب شيئا ولم يخضع له لم يكن عابدا له.

كما قد يحب الرجل ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله. وكل ما أحب لغير الله فمحبته فاسدة، وما عظم بغير أمر الله فتعظيمه باطل.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: 24].

فجنس المحبة تكون لله ولرسوله، كالطاعة؛ فإن الطاعة لله ولرسوله، والارضاء لله ولرسوله، وللإرضاء لله ولرسوله. عندي التشكيل: والارضاء لله. فان الطاعة لله ولرسوله، والارضاء لله ولرسوله، الله ورسوله أحق أن يرضوه. والإيتاء لله ولرسوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: 59].

الإيتاء لله وللرسول كقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. وأما الحَسْب -وهو الكافي- فهو الله وحده، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 64].

المعنى: حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين. لا، أنا أسف يا شباب، في سطر في الصفحة التي قبلها: وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين الله. ومن ظن أن المعنى: حسبك الله والمؤمنون معه، لقد غلط غلطا فاحشا، كما قد بسطناه في غير هذا الموضع.

هذه هي الفقرة الثانية يا شباب، نلاحظ أنه في الفقرة الثانية طبعا يا شباب الملاحظة العامة التي ينبغي أن تكون قد عرفتها من منهج الإمام: غزارة الاستدلال بالوحي. لاحظوا يا شباب، الإمام رحمه الله يتكلم بالوحي كثيرا، يعني يحاول الإمام أن يستنطق النصوص بالمعاني التي يصل إليها.

طيب، ندخل في الفقرة؛ الإمام تكلم عن الدين، قال: الدين يتضمن معنى الخضوع والذل. يقال: دِنْتُه فَدَانَ، أي: أذللته فذل. ويقال: يدين الله ويدين لله، أن يعبدوا الله ويطيعه ويخضع له. فدين الله عبادته وطاعته والخضوع له، يعني يبين الإمام رحمه الله من باب دين.

باب العبادة يحتاج إلى علم وعمل. يحتاج إلى معرفة وقصد وطلب، وهو بذلك يرد على من حصر العبادة في مجرد المعرفة، وأهمل باب الاستقامة والعمل.

كذلك الإمام أراد أن يبين أصل معنى العبادة، فبين أنها في الأصل بمعنى الذل، لكن العبادة المأمورة بها تتضمن معاني أُخرى أكثر من مجرد الذل، مثل الحب لله تبارك وتعالى. الإمام هنا يوافق كثيراً من الفقهاء الذين يقولون إن الكلمة في لسان العرب يكون لها أصل أو معنى ثم يأتي الشرع ويضيف لها معاني أُخر، واضح يا شباب؟

الإمام رحمه الله هنا يبين أن العبادة التي أمر بها الشرع ليس المراد فيها فقط الذل، وإنما لابد كذلك مع الذل من الحب، لابد من الحب فيها، فالعبادة تتضمن غاية الذل لله بغاية الحب أو غاية المحبة له.

ثم ذكر الإمام ألفاظاً -هذه الألفاظ لا يحتج بها الإمام- تستعمل في الكلام عن الحب، لكنها لا يصح أن تستعمل في حب العبد لله، إنما يستعمل في حب العبد لله لفظ الحب أو لفظ شدة الحب كما جاء في الشرع: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165].

فذكر الإمام درجات أو مراتب الحب؛ ذكر العلاقة، وذكر الصبابة، وذكر الغرام، وذكر الحب، ثم العشق، ثم التتيم. لم يذكرها الإمام ليحتج بها في المعنى الشرعي، هي ألفاظ صوفية محدثة تستعمل في تلك الأبواب، أو يمكن أن تستعمل بين رجل وحبيبته أو زوجته أو صديقه، يعني بعضها يستعمل في الحب بين الإخوة، لكنها لا يصح أن يعبر بها عن الحب من العبد لربه تبارك وتعالى أو حب الله تبارك وتعالى لعبده.

ابن القيم رحمه الله طبعا فصل في هذه الألفاظ وبينها كما في كتابه روضة المحبين، لكن الإمام هنا ابن تيمية لم يحتج بها ولم يذكرها إلا استطراداً ليبين درجات الحب بشكل عام، وليبين أن العبودية لابد أن يكون فيها الحب.

ثم قال الإمام: من خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابداً له، ولو أحب شيئاً ولم يخضع له لم يكن عابداً له. وذكر الإمام أن الحب لابد فيه من الخضوع والمحبة.

ثم ذكر الإمام أول قاعدة معنا -شباب يمكن أن نقيدها كقاعدة- قال الإمام: بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله. وهذه قاعدة يا شباب -الفرق بين القاعدة والفائدة يا شباب أن القاعدة هي معنى كلي ينتظم تحته أفراد وجزئيات، أما الفائدة فهي معنى خاص بجزئية معينة- مثلاً من ضمن الفوائد مثلاً أن العبادة فيها معنى الذل والحب، هذه فائدة، أو من ضمن الفوائد مثلاً أن العبادة تلزم العبد إلى أن يموت، مثلاً ذكر: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99].

أما ما ذكرناه هنا فهو قاعدة من قواعد العبودية: يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله. ثم بين الإمام أن كل ما أحب لغير الله فمحبته فاسدة واستدل لذلك.

ثم دخل الإمام في أحد أخص مقاصد باب العبودية في كل كتبه، وهو يا شباب يمكن أن نجعله من أخص مقاصد باب العبودية: التفريق بين حق الله الذي لا يشركه فيه غيره، وبين حق الله الذي جعل الله فيه لبعض عباده شيئاً منه. يعني إيه يا شباب؟ الله سبحانه وتعالى له حق العبادة والخوف والتوكل والرجاء، فلا يكون هذا إلا لله، وذلك من حق الله علينا الطاعة والارضاء، لكن الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نطيع النبي صلى الله عليه وسلم وأن نرضيه، وأمرنا كذلك أن نطيع آباءنا وأمهاتنا، واضح؟

فلذلك الإمام رحمه الله بين هذه الفكرة، وهو التفريق بين حق الله الذي لا يشركه فيه غيره، وبين حق الله الذي جعل الله فيه لبعض عباده شيئاً، واضح يا شباب؟ وأخص الكتب وأوسعها التي بين فيها الإمام هذا الأصل أو هذا المقصد هو كتاب الاستغاثة، ثم كتاب قاعدة جليلة، وكذلك كتاب قاعدة عظيمة.

قال الإمام رحمه الله في بيان هذه الفكرة يا شباب: فجنس المحبة تكون لله ولرسوله، يعني جنس المحبة أن نحن نحب الله ونحب الرسول صلى الله عليه وسلم ونحب المؤمنين ونحب إخواننا، نعم. الطاعة فإن الطاعة لله ولرسوله، والارضاء لله ولرسوله، والله ورسوله أحق أن يرضوه، واضح؟ أما العبادة وما يناسبها، يعني وما يدخل تحتها من التوكل والخوف -طبعا يقصد خوف العبادة ونحو ذلك- فلا تكون إلا لله وحده، واضح يا شباب؟

يبقى ضبطنا أول مقصد عندنا من مقاصد كتاب العبودية أو مقاصد باب العبودية بشكل عام، وهو التفريق بين حق الله الذي لا يشركه فيه غيره كالعبادة وما يتفرع عنها، وبين حق الله الذي جعل فيه لبعض عباده نصيباً كالمحبة وكالطاعة وكالارضاء وغير ذلك.

ثم دخل الإمام بعدما بين هذا الأصل بين ما يمكن أن يشكل على هذا الأصل، وهي آية فسرها بعض المفسرين وفسرها بعض الصوفية فأخطأوا فيها، وهي قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 64]. التفسير الصحيح يا شباب: يا أيها النبي حسبك الله، والله حسب من اتبعك من المؤمنين، يعني حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين الله، واضح يا شباب؟ وهذا تفسير الأئمة من السلف كالشعبي وابن زيد، واضح يا شباب؟ يعني الله يكفيك ويكفي من اتبعك من المؤمنين.

ولها تفسير آخر أخطأ فيه -يعني وهو غلط فاحش- بسطه الإمام رحمه الله في أكثر من موضع، وسيأتي معنا إن شاء الله بالتفصيل عند قراءة كتاب قاعدة جليلة، وهو أنهم قالوا: يا أيها النبي حسبك الله والمؤمنون معه، يعني الله يكfيك ويكفيك المؤمنون. والإمام ابن تيمية رحمه الله بين في غير موضع المعنى الصحيح، وقال خلاصة القول -يعني بين خلاصة القول فيها- وقال: ومعنى ذلك عند جماهير السلف والخلف أن الله وحده حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين. وابن القيم رحمه الله فصل المعاني الخطأ التي فهمت من هذه الآية في كتابي زاد المعاد، يمكن أن ترجع له في الجزء الأول صفحة خمسة وثلاثين، واضح يا شباب؟

إذاً، الإمام ابن تيمية رحمه الله بين في هذه الفقرة التي قرأناها بين معنى العبودية وأنها لابد فيها من أمريرين: الخضوع التام والحب، وأن الله سبحانه وتعالى وحده هو المستحق للمحبة والخضوع التام. كذلك بين الإمام رحمه الله المقصد الأول في هذا الكتاب، وهو التفريق بين حق الله الذي لا يشركه فيه غيره، وبين ما جعل فيه لبعض عباده شيئاً أو نصيباً مثل المحبة والطاعة والارضاء. ثم دفع الاشكال الذي ورد على آية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 64]، وبين أن التفسير الصحيح: حسبك وحسب من اتبع ومن اتبعك من المؤمنين الله، وبين غلط من ظن أن المعنى حسبك الله والمؤمنون معه.

ندخل يا شباب الآن في الفقرة الثالثة، قال الإمام رحمه الله: وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36]. وتحرير ذلك أن العبد يراد به المعَبَّد الذي عبده الله فذلله ودبره وصرفه. وبهذا الاعتبار فالخلوقون كلهم عباد الله، الأبرار منهم والفجار، والمؤمنون والكفار، وأهل الجنة وأهل النار، إذ هو ربهم كلهم ومليكهم، لا يخرجون عن مشيئته وقدرته وكلماته التامات التي لا يجاوزها بر ولا فاجر، كما شاء كان وإن لم يشأ وما شاءوا إن لم يشأ لم يكن، كما قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: 83].

وهو سبحانه رب العالمين وخالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم ومقلب قلوبهم ومصرف أمورهم، لا رب لهم غيره، ولا مالك لهم سواه، ولا خالق لهم إلا هو، سواء اعترفوا بذلك أو انكروه، سواء علموا ذلك أو جهلوه. لكن أهل الإيمان منهم عرفوا ذلك وآمنوا به، بخلاف من كان جاهلا بذلك أو جاحداً له مستكبراً على ربه لا يقر ولا يخضع له مع علمه بأن الله ربه وخالقه، فالمعرفة بالحق إذا كانت مع الاستكبار عن قبوله والجحد له كان عذابا على صاحبه، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: 14]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا لَهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 146]. وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33].

فإذا عرف العبد أن الله ربه وخالقه وأنه مفتقر إليه محتاج إليه عرف العبودية المتعلقة بربوبية الله، وهذا العبد يسأل ربه ويتضرع إليه ويتوكل عليه، لكن قد يطيع أمره وقد يعصيه، وقد يعبده مع ذلك وقد يعبد الشيطان، ومثل هذه العبودية لا تفرق بين أهل الجنة وأهل النار، ولا يصير بها الرجل مؤمناً، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]. فإن المشركين كانوا يقرون أن الله خالقهم ورازقهم وهم يعبدون غيره، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: 25]. وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُو يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: 84-89].

يمكن أن نقف هنا يا شباب حتى نشرح هذه الفكرة. الإمام رحمه الله يا شباب بعدما بين معنى العبادة وبين شعب الإيمان وبين تنوعها وبين أن الدين كله يدخل في العبادة، بين بعد ذلك أن العبادة تتضمن الخضوع والذل والحب، ثم فرق بين حق الله الذي لا يشرك فيه غيره وبين حق الله الذي جعل الله فيه نصيباً أو جعل الله لبعض عباده فيه شيئاً، ثم دخل الإمام ليبين معنى العبودية وأقسام العبودية. بين الإمام رحمه الله أن العبد يراد به دلالتان أو إحدى دلالتين: المعَبَّد الذي عبده الله فذلله -يعني أن الله خلقه وأن الله سبحانه وتعالى دبر أمره، وأن ذلك يدخل فيه كل خلق- وبين كذلك العبد الذي بمعنى العابد، العبد الذي استقام على أمر الله تبارك وتعالى وعمل بدينه. هذا يا شباب ما اصطلح عليه عند كثير من المتأخرين بالعبودية العامة والعبودية الخاصة، واضح يا شباب؟

وهذا يمكن أن نتكلم فيه بشيء من التوسع، لأن الإمام هنا توسع فيه لاستقراء ما جاء في الوحي يا شباب من لفظ العبودية وما يشتق عنها كلفظ عبد أو عابد أو عباد، نجد أنها جاءت عامة وخاصة. العبودية العامة اضطرارية تشمل الخلق كلهم، لا يخرج عنها مخلوق ولا يتميز فيها لمخلوق، وليست هي محل الثواب أو العقاب، وهي عبودية أهل الأرض والسماء، كل أهل الأرض والسماء عباد لله بهذا الاعتبار، يدخل فيها جميع الخلق مكلفهم وغير مكلفهم، برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم. الله سبحانه وتعالى ربهم ومالكهم ومحييهم ومميتهم ومدبر أمرهم ورازقهم وإليه مرجعهم وعليه حسابهم. هذا يا شباب هو المعنى العام، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 93-95].

وكما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. الله سبحانه وتعالى هنا يقول لجميع عباده لجميع خلقه الذين أسرفوا على أنفسهم، يدخل في ذلك المؤمن والكافر والعاصي والمطيع، كل هؤلاء يدخلون في معنى العباد في هذه الآية.

وبهذا المعنى يا شباب الإسلام العام والقنوت العام والسجود العام المذكور في الوحي، ومعناه الخضوع لله والاستسلام لله تبارك وتعالى طوعاً أو كرهاً، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: 83]. لذلك الإمام ابن تيمية رحمه الله يعلق على هذه الفكرة فيقول: فذكر إسلام الكائنات طوعاً وكرهاً لأن المخلوقات جميعاً متعبدة له التعبد العام، سواء أقر المقر بذلك أو أنكره، وهم مدينون له مدبرون، فهم مسلمون له طوعاً وكرهاً، ليس لأحد من المخلوقات خروج عما شاءه وقدره وقضاه ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهو رب العالمين ومليكهم يصرفهم كيف شاء، وهو خالقهم كلهم وبارئهم ومصورهم، كل ما سواه فهو مربوب مصنوع مفطور فقير محتاج معبد مقهور، وهو سبحانه الواحد القهار الخالق البارئ والمصور. انتهى كلامه يا شباب.

انتهى كلامه كذلك يا شباب في هذا المعنى السجود، كما يقول الله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: 15]. فالسجود هناك ذلك بهذا المعنى، بمعنى الخضوع والذل وأن الله هو المدبر أمرهم.

وكذلك قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: 116]. ابن جرير رحمه الله يا شباب يعلق على معنى القنوت في هذه الآية فيقول: كل له قانطون؛ الطاعة والإقرار لله عز وجل بالعبودية بشهادة أجسامهم بما فيها من آثار الصنعة والدلالة على وحدانية الله عز وجل، وأن الله تعالى ذكره بارئها وخالقها، وذلك أن الله جل ثناؤه أكذب الذين زعموا أن لله ولداً بقوله: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

ملكا وخلقا، ثم أخبر عن جميع ما في السماوات والأرض أنها مقرة بدلالتها على ربها وخالقها، وأن الله تعالى بارئها وصانعها، وأن جحد ذلك بعضهم فألسنتهم مذعنة له بالطاعة بشهادتها له بآثار الصنعة التي فيها بذلك، وأن المسيح أحدهم فأنّى يكون لله، فأنّى يكون لله تبارك وتعالى ولد؟ يعني كيف يكون المسيح لله ولدا وهذه صفته؟ واضح يا شباب؟

إذا الإمام رحمه الله تكلم هنا عن العبودية العامة والعبودية الخاصة، أما العبودية الخاصة والاسلام الخاص والقنوت الخاص الذي يأتي طوعا من العبد فهو عبادة الاختيار، إسلام الاختيار، قنوت الاختيار، سجود الاختيار، وهو أعظم حكمة خلق لها الخلق وبعث لها الرسل، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُو أنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: 11-16].

﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 17-18].

الله سبحانه وتعالى بين هنا العبادة الشرعية عبادة الاختيار، كما قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: 68]. فليس المقصود بالعباد هنا ما قصد من قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: 53]، لأن العباد هنا في سورة الزخرف: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ هم عباده الذين عبدوه وأطاعوه اختيارا، أما في الآية الأخرى فيدخل فيهم الكافر كذلك ويدخل فيهم الفاجر.

وقال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 64] إلى آخر الآيات ونحو ذلك من الآيات يا شباب. فالإمام ابن تيمية رحمه الله هنا قرر هذه الفكرة وهي أن العبادة والاسلام والسجود والقنوط له دلالتان؛ معنى عام يدخل فيه كل العباد، كل الخلق يعني اختيارا واضطرارا، والمعنى الآخر هو عبادة الاختيار.

وكذلك هذا التقرير قرره غيره من العلماء كالامام ابن القيم رحمه الله وغيرهما من الأئمة. في هذه الفكرة يا شباب يمكن أن نوضح، وهذا آخر ما نأخذ اليوم، حاسس أن احنا أخذنا يعني وقت طويل يعني تقريبا احنا مش عارف أخذنا تقريبا ساعتين، مش فاكر. طيب يمكن أن نكمل هذه الفكرة الأخيرة يا شباب في أو احنا الأول لازم نعرف احنا أخذنا وقت قد ايه عشان لا نشق على الشباب.

أنا تقريبا بدأنا من الساعة تقريبا ساعتين وربع. طيب استأذنكم أن نكمل هذه الفكرة ثم ننهي الدرس يا شباب حتى لا نشق على من عنده بعض المشاغل. في هذه الفكرة يا شباب أود أن أبين كذلك معنى الإرادة ومعنى القضاء. ساعتين وعشر دقائق. طيب يعني إن شاء الله نكمل هذه الفكرة يا شباب حتى نقف عند قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَئِن سَألتَهُم مّن خَلقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ يعني نشرح هذه الفكرة ثم بعد ذلك نتوقف إن شاء الله.

الشباب معنا، نحن الآن سنعلق على قول الإمام رحمه الله: فإن المشركين كانوا يقرون أن الله، أو لا يمكن أن نشرح الفقرة من أولها نقرأها. طيب ساعتين وعشر دقائق جيد. طيب يا شباب نقرأ الفقرة من أولها: وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36] وتحرير ذلك. طبعا نحن نعيد قراءة الفطرة حتى يعني نبين الألفاظ والمعاني. وتحرير ذلك أن العبد يراد به المعبد الذي عبده الله فذلله ودبره وصرفه. وبهذا الاعتبار فالمخلوقون كلهم عباد لله.

ذكرنا هذه الفكرة يا شباب، الإمام بعد ذلك يا شباب بين أن هذه العبادة لا يتميز بها المسلم من الكافر والبر من الفاجر، يعني كل المشركين وكل الكفار مستيقنون بهذا المعنى وإن جحدت به ألسنتهم، وإن جحدت به ألسنتهم كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14]. واضح يا شباب؟

نلاحظ أن كل المشركين وكل الكفار الذين جاء ذكرهم في الوحي كانوا يعلمون الحق لكنهم تكبروا عن اتباعه، أما تكبرا أو إرادة للعلو أو اتباعا لأهواء النفس. كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ وكما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33].

والمشركون لما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالسجود لله قالوا: ﴿وإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنِ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان: 60]، وكذلك مثلا لما جاءهم القرآن قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّذلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31].