تسجيل الدخول

الدرس 4

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل بيته وذريته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل بيته وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

وبعد؛ فهذه المحاضرة الرابعة من دورات استقراء تراث الأئمة المحققين، وهذه هي المحاضرة الثانية من قراءة كتاب العبودية للإمام ابن تيمية رحمه الله. قبل أن نبدأ في قراءة الكتاب والتعليق عليه، أذكر بالنية الصالحة في طلب العلم وفي مدارسة العلم، أن تتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة». وأن تتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». واستحضار هذه النيات يجعل من طلبك للعلم عبادة.

ذكرنا أن الموضوعين الرئيسين في كتاب العبودية؛ الموضوع الأول: العبادة معناها، منزلتها، التمثيل لها ببيان شعب الإيمان وأعمال القلوب ومراتب الناس، الاستقامة مع بيان أشهر المقالات المخالفة للشريعة في تلك الأبواب، معرفة تلك المقالات ومعرفة نشأتها والصول التي بنيت عليها، ثم نقض تلك المقالات ووزنها بالوحي وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وكذلك من كلام الأئمة المعتبرين عند أولئك أصحاب المقالات.

الموضوع الثاني الرئيس في كتاب العبودية هو الجمع بين الشرع والقدر؛ يعني كيف نجمع بين قدر الله السابق، علم الله وكتابة الله للأشياء وخلق الله للأشياء ومشيئة الله للأشياء، وبين أن الله كلفنا بالأمر والنهي. وهذان الموضوعان الرئيسان يتفرع عنهما موضوعات كثيرة. الأفكار التي سبقت فيما قرأناه من الكتاب يمكن أن نلخصها: تحدثنا عن معنى العبادة وعن أمثلة متنوعة لها، وذكرنا كذلك أن العبادة هي الغاية التي خلق الله الخلق لأجلها، وأن العبادة هي دين جميع الرسل.

وذكرنا كذلك أن التكليف بالعبادة لا يسقط عن العبد إلى الموت، وذكرنا أن أشرف وصف يوصف به العبد هو وصف العبودية، وذكرنا كذلك من الأفكار في الكتاب أن الله ذم المستكبرين عن العبادة، وكذك أن الدين كله داخل في العبادة، وذكرنا أن أصل معنى العبادة الذل والخضوع، والعبادة الشرعية يجتمع مع الذل والخضوع فيها المحبة. وكذلك ذكرنا مسألة العبودية وأنها قسمان: العبودية العامة والعبودية الخاصة.

ثم وقفنا عند ذلك؛ قبل أن نبدأ في التعليق على هذه الفقرات، أود أن أقرأ الفقرة كاملة، وهي فقرة طويلة. هذه الفقرة طويلة، لكن ينبغي أن تتعود أن تقرأ الفقرة كاملة حتى تتصور المقالة من أين بدأت وفي أي موضع انتهت. فإن شاء الله الآن نحن نقرأ من الكتاب؛ عشان لو أتى أخ متأخرا، نحن الآن نقرأ من الكتاب من قول الإمام وتحرير ذلك أن العبد يراد به المعَبَّد إلى أن ينتهي هذا الكلام، ثم نبدأ في شرحه والتعليق عليه بإذن الله. نقرأ الآن الكلام كاملا ثم نعلق عليه.

قال الإمام رحمه الله: وتحرير ذلك أن العبد يراد به المعَبَّد، الذي عبده الله فذلله ودبره وصرفه. وبهذا الاعتبار فالمخلوقون كلهم عباد الله، الأبرار منهم والفجار، والمؤمنون والكفار، وأهل الجنة وأهل النار؛ إذ هو ربهم كلهم ومليكهم، لا يخرجون عن مشيئته وقدرته وكلماته التامات التي لا يجاوزها بر ولا فاجر، وما شاء كان وإن لم يشاؤوا، وما شاؤوا إن لم يشأ لم يكن؛ كما قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن في السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: 83].

وهو سبحانه رب العالمين، وخالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم ومقلب قلوبهم ومصرف أمورهم، لا رب لهم غيره، ولا مالك لهم سواه، ولا خالق لهم إلا هو؛ سواء اعترفوا بذلك أو أنكروا، سواء علموا ذلك أو جهلوه. لكن أهل الإيمان منهم عرفوا ذلك وآمنوا به، بخلاف من كان جاهلا بذلك أو جاحدا له، مستكبرا على ربه لا يقر ولا يخضع له مع علمه بأن الله ربه وخالقه، فالمعرفة بالحق إذا كانت مع الاستكبار عن قبوله والجحد له، كان عذابا على صاحبه؛ كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: 14].

وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 146]. وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33].

فإذا عرف العبد أن الله ربه وخالقه وأنه مفتقر إليه محتاج إليه، عرف العبودية المتعلقة بربوبية الله. وهذا العبد يسأل ربه ويتضرع إليه ويتوكل عليه، لكن قد يطيع أمره وقد يعصيه، وقد يعبده مع ذلك، وقد يعبد الشيطان والأصنام. ومثل هذه العبودية لا تفرق بين أهل الجنة وأهل النار، ولا يصير بها الرجل مؤمنًا؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]. فإن المشركين كانوا يقرون أن الله خالقهم ورازقهم وهم يعبدون غيره.

قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: 38]. وقال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: 84-89].

وكثير ممن تكلم في الحقيقة فيشهدها؛ وهي الحقيقة الكونية التي يشترك في شهودها وفي معرفتها المؤمن والكافر والبر والفاجر، بل وإليس معترف بهذه الحقيقة وأهل النار. قال إبليس: ﴿رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: 36]. وقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 39]. وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82]. وقال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 62].

وأمثال هذا من الخطاب الذي يقر فيه بأن الله ربه وخالقه وخالق غيره. وكذلك أهل النار قالوا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون: 106]. وقال تعالى عنهم: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ [الأنعام: 30].

فمن وقف عند هذه الحقيقة وعند شهودها ولم يقم بما أمر الله به من الحقيقة الدينية التي هي عبادته المتعلقة بألوهيته وطاعة أمره وأمر رسوله، كان من جنس إبليس وأهل النار. فإن ظن مع ذلك أنه من خواص أولياء الله وأهل المعرفة والتحقيق الذين سقط عنهم الأمر والنهي الشرعيان، كان من شر أهل الكفر والإلحاد. ومن ظن أن الخضر وغيره سقط عنهم الأمر لمشاهدة الإرادة ونحو ذلك، كان قوله هذا من شر أقوال الكافرين بالله ورسوله.

حتى يدخل في النوع الثاني من معنى العبد؛ وهو العبد بمعنى العابد، فيكون عابدًا لله لا يعبد إلا إياه، فيطيع أمره وأمر رسله، ويوالي أولياءه المؤمنين المتقين، ويعادي أعداءه. وهذه العبادة متعلقة بالألوهية لله تعالى، ولهذا كان عنوان التوحيد لا إله إلا الله، بخلاف من يقر بربوبيته ولا يعبده أو يعبد معه إلها آخر. الإله هو الذي يألهه القلب بكمال الحب والتعظيم والاجلال والإكرام والخوف والرجاء ونحو ذلك.

وهذه العبادة هي التي يحبها الله ويرضاها، وبها وصف المصطفين من عباده، وبها بعث رسله. وأما العبد بمعنى المعَبَّد؛ سواء أقر بذلك أو أنكره، فهذا المعنى يشترك فيه المؤمن والكافر. وبالفرق بين هذين النوعين يعرف الفرق بين الحقائق الدينية الداخلة في عبادة الله ودينه وأمره الشرعي التي يحبها ويرضاها ويوالي أهلها ويكرمهم بجنته، وبين الحقائق الكونية التي يشترك فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر، التي من اكتفى بها ولم يتبع الحقائق الدينية كان من اتباع إبليس اللعين والكافرين برب العالمين.

ومن اكتفى بها في بعض الأمور دون بعض، أو في مقام دون مقام، أو حال دون حال، نقص من إيمانه وولايته لله بحسب ما نقص من الحقائق الدينية. وهذا مقام عظيم غلط فيه من أكابر الشيوخ المدعين للتحقيق والتوحيد والعرفان ما لا يحصيه إلا الله الذي يعلم السر والإعلان. وإلى هذا أشار الشيخ عبد القادر رحمه الله فيما ذكر عنه، فبين أن كثيرا من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، إلا أنا فإنفتحت لي فيه روزنة، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والرجل من يكون منازعا للقدر لا من يكون موافقا للقدر.

والذي ذكره الشيخ رحمه الله هو الذي أمر الله به رسوله. ولكن كثيرا من الرجال غلطوا فيه، فإنهم قد يشهدون ما على أحدهم من المعاصي والذنوب أو ما يقدر على الناس من ذلك بل من الكفر، ويشهدون أن هذا جاء بمشيئة الله وقضائه وقدره، داخل في حكم ربوبيته ومقتضى مشيئته، فيظنون أن الاستسلام لذلك وموافقته والرضا به ونحو ذلك دين وطريق وعبادة، سيضاهئون المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 148]. وقالوا: ﴿أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: 47]. وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: 20].

ولوهدوا لعلموا أن القدر أمرنا أن نرضى به ونصبر على موجبه في المصائب التي تصيبنا كالفقر والمرض والخوف؛ قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11]. قال بعض السلف: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتاكُمْ﴾ [الحديد: 22-23].

وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «احتج آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، فهل وجدت ذلك مكتوبا علي قبل أن أخلَق؟ قال: نعم. فحج آدم موسى».

وآدم عليه السلام لم يحتج على موسى بالقدر ظنا أن المذنب يحتج بالقدر، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل، ولو كان هذا عذرا لكان عذرا لإبليس وقوم نوح وقوم هود وكل كافر. ولا موسى لام آدم أيضا لأجل الذنب، فإن آدم قد تاب إلى ربه فاجتباه وهدى، ولكنه لامه لأجل المصيبة التي لحقتهم بالخطيئة، ولهذا قال: فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فأجابه آدم: أن هذا كان مكتوبا علي قبل أن أخلق. فكان العمل والمصيبة المترتبة عليه مقدرة، وما قدر من المصائب يجب الاستسلام له، فانه من تمام الرضا بالله ربا.

وأما الذنوب فليس للعبد أن يذنب، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب، فيتوب من صنوف المعايب ويصبر على المصائب؛ قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: 55]. وقال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 120]. وقال: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186]. وقال يوسف عليه السلام: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْفِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90].

وكذلك ذنوب العباد يجب على العبد فيها أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحسب قدرته، ويجاهد في سبيل الله الكفار والمنافقين، ويوالي أولياء الله ويعادي أعداء الله، ويحب في الله ويبغض في الله؛ كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بالمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بالمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ * لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: 1-4].

وقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ [المجادلة: 22]. وقال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: 35]. وقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: 28]. وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: 21].

وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: 19-22]. وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر: 29].

وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْرِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: 76]. وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: 20]. ونظائر ذلك مما يفرق الله فيه بين أهل الحق والباطل، وأهل الطاعة والمعصية، وأهل البر والفجور، وأهل الهدى والضلال.

الله سبحانه وتعالى يقول عنهم: ﴿تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذ نُسَوِّيكُم بِّرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 97-98].

نبدأ إن شاء الله يا شباب في قراءة هذه الفقرة من أولها، ثم نعلق عليها بما يناسبها إن شاء الله. وهكذا يا شباب ينبغي أن تحاول أن تقرأ الكلام إلى أن تشعر أن الفكرة انتهت وشرع في فكرة جديدة. أما أن تقرأ كل سطر وتفهمه وحده فهذا في رأي ليس صحيحاً، ويشوش عليك الفكرة.

نبدأ يا شباب في قراءة الفقرة من أولها؛ الإمام ابن تيمية رحمه الله يتكلم الآن عن لفظ العبد أو لفظ العباد الذي جاء في الوحي. تبين أن هذا اللفظ كما ذكرنا في الدرس الماضي دل على نوعين من العباد؛ العبودية العامة التي لا يخرج عنها مخلوق، وهي التي لا يتميز فيها المؤمن عن الكافر، فكل الناس مخلوقون لله، كلهم عباد لله، كلهم يتصرف الله سبحانه وتعالى في أمرهم ويدبر أمرهم. فالله سبحانه وتعالى هو خالقهم وهو رازقهم وهو مميتهم ومحييهم. كذلك يا شباب، هذا هو معنى الإسلام العام؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: 83]. واضح؟

فالله سبحانه وتعالى رب العالمين وخالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم. فهذا المعنى يا شباب لا يخرج عنه عبد، لا يخرج عنه مخلوق، حتى الكفار الذين جهروا بعداوة النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يعبدون الأصنام أو من سبقهم، كذلك كانوا يقرون أن الله خلقهم، حتى وإن جحدوا ذلك بألسنتهم. والله سبحانه وتعالى ذكر ذلك كما في قوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14]، وكما قال عن اليهود: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 146]. وكذلك بين للنبي صلى الله عليه وسلم أن كفر المشركين وجحودهم ليس لكونهم يكذبون النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه استكبار.

إذاً يا شباب، الكفار الذين ذكرهم الله في القرآن في قصص الأنبياء جميعاً كانوا يعلمون الحق، لكنهم تركوا اتباعه إما للجاه وإما لحب الدنيا وإما تكبراً؛ كما قال الله عن قوم نوح مثلاً أنهم قالوا له: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: 111]؛ يعني كيف ندخل في دين يسوي بيننا وبين هؤلاء الأراذل؛ يعني الضعفاء من القوم؟ وكذا لما النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يسجدوا لله قالوا: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان: 60]، ولما جاءهم القرآن قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31]. الله سبحانه وتعالى قال عن كفرهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ [النحل: 107]. فهؤلاء يا شباب -وفي قصة هرقل معروفة لما آمن أو اعتقد بصحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه أبى أن يلحق به ويتبعه حفاظاً على ملكه وجاهه- إذاً هذا النوع من العبودية لا يتميز به المؤمن عن الكافر. واضح؟

فالله سبحانه وتعالى ذكر أن الكفار كانوا يعرفون أن الله خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم. نقرأ الآن يا شباب؛ قال ابن تيمية: «فاذا عرف العبد أن الله ربه وخالقه وأنه مفتقر إليه محتاج إليه؛ عرف العبودية المتعلقة بربوبية الله». ما معنى ذلك يا شباب؟ يقصد الإمام أن العبد إذا عرف أن ربه على كل شيء قدير، وأن ربه هو الذي خلقه؛ فسيفتقر العبد إليه دائماً أو أحياناً. العبد المؤمن يفتقر إلى الله دوماً، أما العبد المشرك فقد يفتقر إلى ربه ويخلص الدعاء إليه، وإذا أخلص العبد الدعاء إلى الله تبارك وتعالى وافتقر إليه وكان مضطراً، فإن الله سبحانه وتعالى يستجيب وإن كان كافراً.

لذلك يا شباب هذه الجملة -التي سأقرأها الآن- استشكلها بعض الناس، أن ابن تيمية قال: «وهذا العبد يسأل ربه ويتضرع إليه ويتوكل عليه، لكن قد يطيع أمره وقد يعصيه». إن المقصود هنا العبد بكلمة العبد هو المؤمن؛ لا، المقصود بالعبد هنا الكافر والمشرك. ابن تيمية يقول: إن العبد الكافر والمشرك قد يتضرع إلى الله وقد يعتمد قلبه على الله وقد يتوكل عليه في أمر، والله سبحانه وتعالى يستجيب له بقدر اضطراره وإخلاصه. هذا المعنى يا شباب هو أول مسألة عندنا، وهي استجابة الله تبارك وتعالى دعاء الكافر المضطر.

الله سبحانه وتعالى يا شباب ذكر في مواضع من كتابه أنه يستجيب دعاء من يدعوه، سواء كان مسلمَا أو كافرًا، بوجود شرط الإخلاص، وهذا الدعاء يا شباب متعلق بمعنى الربوبية. واضح؟ من ذلك مثلاً قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 40-41].

كذلك قال الله تعالى في هذا المعنى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم برِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيط بهم ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [يونس: 22-23]؛ الله سبحانه وتعالى إنه ينجيهم، لأنهم افتقروا إليه ولأنهم دعوه مخلصين له الدين؛ يعني أخلصوا له في الدعاء. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرَّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مَّنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 53-54].

كذلك قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ الْإِنْسَانُ﴾ [الإسراء: 67]. واضح يا شباب؟ كذلك الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: 65].

ابن جرير الطبري رحمه الله علق على مثل هذه الآيات فقال -يعني في معنى الآيات-: وإذا نالتكم الشدة والجهد في البحر ضل من تدعون؛ يقول: فقدتم من تدعون من دون الله من الأنداد والآلهة. واضح؟ فجار عن طريقكم، فلم يغثكم ولم تجدوا غير الله مغيثاً يغيثكم؛ دعوتموه، فلما دعوتموه وأغاثكم وأجاب دعاءكم ونجاكم من هول ما كنتم فيه من البحر، أعرضتم عما دعاكم إليه ربكم من خلع الأنداد والبراءة من الآلهة وإفراده بالألوهية، كفراً منكم بنعمته. واضح يا شباب؟

فهذا يبين هذه الفكرة، وهي أن الله تبارك وتعالى قد يستجيب للكافر الذي أخلص له في الدعاء وافتقر إليه بقلبه وكان مضطراً إليه؛ قال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ [النمل: 62]. لكننا ننبه هنا أن الله يستجيب للكافر في أمور الدنيا، أما في الآخرة فإن الله سبحانه وتعالى بين أن دعاء الكافرين في الآخرة في ضلال.

الله سبحانه وتعالى يا شباب ذكر قوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: 14] في موضعين؛ الموضع الأول في سورة الرعد، لأنهم دعوا غير الله؛ فدعاؤهم في ضلال، هم في الدنيا دعوا غير الله، فالأصنام لن تجيبهم كما قال تعالى: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: 14]. فهؤلاء الله سبحانه وتعالى شبه دعاءهم: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ۚ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: 14].

الموضع الآخر الذي بين الله فيه أن دعاء الكافرين في الآخرة في ضلال، دعاء الكافرين الله في الآخرة أن ينجيهم مما هم فيه؛ كما قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۚ قَالُوا فَادْعُوا ۗ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: 49-50].

إذاً يا شباب هذه الآية وردت في سياقين؛ أنهم في الدنيا دعوا غير الله فلم يستجب لهم، وأنهم في الآخرة دعوا الله لكن في غير وقت الإجابة فلذلك الله سبحانه وتعالى لم يستجب لهم. إذاً ابن تيمية يا شباب هنا يقصد بالعبد الكافر أو المشرك الذي يسأل الله وقد يتوكل عليه في بعض أموره وقد يخلص إليه في بعض الدعاء.

هنا يا شباب ننبه على تنبيه لطيف جداً؛ تصوروا أن المشركين الذين ذكرهم الله سبحانه وتعالى في كل هذه الآيات السابقة كانوا إذا وقع بهم ضائقة فإنهم يتركون كل الآلهة ويتركون كل الأصنام ويعقدون قلوبهم على ربهم وحده، لكن كثيراً من المنتسبين إلى الإسلام اليوم إذا وقع في ضائقة أو وقع في أي شدة أو كانت له حاجة أو أراد دفع ضُر، فإنه يسأل الحسين، يسأل البدوي، يسأل أياً من الصالحين أو غيرهم! فيعني ربما يكون المشركون في هذه الجزئية أعقل منهم وأذكى منهم، لأنهم تعتمد قلوبهم على الله وحده في الشدائد. واضح؟

طيب، لنكمل القراءة يا شباب؛ قال ابن تيمية رحمه الله: «وهذا العبد يسأل ربه ويتضرع إليه ويتوكل عليه، لكن قد يطيع امره وقد يعصيه، وقد يعبده مع ذلك وقد يعبد الشيطان والأصنام». كما يعني مثل مثلاً مشركي قريش كانوا يلجأون إلى الله في الشدة أحياناً، لكنهم كانوا يرجعون إلى يعبدون الأصنام ويتقربون إليها. قال ابن تيمية: «ومثل هذه العبودية لا تفرق بين أهل الجنة وأهل النار، ولا يصير بها الرجل مؤمناً». كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106].

يا شباب يعني ابن تيمية رحمه الله هنا -واحد بيسأل صفحة كم؟ أنا ما أعرفش أنتم معكم طبعة إيه؛ يعني أنا الصفحة اللي معي صفحة ست عشرة- ابن تيمية رحمه الله يا شباب يريد أن يبين أن مجرد إقرار العبد بأن الله تعالى وحده هو الذي خلقه، وهو الذي يرزقه، وهو الذي يحيي، وهو الذي يميته، وهو الذي يدبر أمره؛ هذا لا يجعله مؤمناً إيماناً صحيحاً ينقله من الكفر إلى الإسلام، وإنما فقط هذا جزء مما يجب عليه الإيمان به، وهذا لا يفرق بين المؤمن والكافر. لذلك قال الله عن هؤلاء: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106].

وسيأتي الحديث عن هذه الفكرة، وهي فكرة هل المشركون كانوا يقرون لله تبارك وتعالى بمسألة الربوبية أم لا؟ بعد ما نقرأ الفقرة سنعلق عليها إن شاء الله. قال الإمام: «فإن المشركين كانوا يقرون أن الله خالقهم ورازقهم وهم يعبدون غيره». قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: 38]. وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: 86-87] إلى آخر الآيات.

هنا يا شباب الإمام ابن تيمية رحمه الله لم يقل إن المشركين كانوا يؤمنون بالربوبية، هذا خطأ وقع فيه كثير ممن تكلموا في مسائل التوحيد. قالوا: المشركون الأوائل أو مشركو قريش كانوا يقرون لله بالربوبية، هذا تعميم خطأ وهذا إطلاق خطأ. شوف ابن تيمية ماذا قال؟ قال: «فإن المشركين كانوا يقرون أن الله خالقهم ورازقهم وهم يعبدون غيره».

إذاً هنا أن نقول ما نطق به القرآن، وهو أن المشركين كانوا يقرون لله بالخلق والرزق والتدبير وبعض أفراد الربوبية، أما أن نقول: كانوا يؤمنون بالربوبية أو كانوا يقرون بالربوبية؛ فهذا خطأ وليس صحيحاً.

طيب، نحاول أن نفهم هذه الفكرة يا شباب؛ أولاً كلمة التوحيد، اللي هو توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، لفظ التوحيد كما قلت لكم يا شباب في الدرس الماضي ليس مشهوراً في نصوص الوحي. لفظ التوحيد جاء في بعض النصوص كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عباس لما قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن فقال: «إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله». وكذلك في صحيح مسلم وغيره من حديث جابر يصف حج النبي صلى الله عليه وسلم قال: فأهل بالتوحيد، اللي هو: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك».

المعنى واضح يا شباب بأن التوحيد هو أن يكون الدين كله لله، وهو ما جاء به جميع الرسل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]، وكما قال كل نبي لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 59].

لفظ التوحيد يا شباب يدل على الانفراد والاختصاص. بعض الناس يقول: التوحيد هو جعل الشيء واحداً. الأقبط يا شباب أن التوحيد هو نسبة إلى الوحدانية. فكلمة: وحدت الله، ما معنى وحدت الله؟ ليس معناها جعلت الله واحداً، وإنما معناها نسبت الله إلى الوحدانية بأنه رب واحد وإله واحد. فمن الغلط هنا أن تقول: التوحيد جعل الشيء واحداً.

والسفاريني علق على هذه الفكرة فقال: التوحيد تفعيل للنسبة كالتصديق والتكذيب لا للجعل؛ سمعنا: وحدت الله؛ نسبته إلى أو نسبت إليه الوحدانية، وليس معناها جعلته واحداً.

الألفاظ الأشهر في الوحي يا شباب لهذا المعنى: أن يكون الدين كله لله، ما هي الألفاظ التي جاءت في الوحي تدل على هذا المعنى؟ إخلاص العبادة، إخلاص الدين لله، الحنيفية لله، عدم الإشراك بالله، الإسلام له، إسلام الوجه لله، البراءة من كل ما عبد من دون الله. مثلاً قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5].

وقال كذلك: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزُّمر: 2]. نصوص كثيرة يا شباب يأتي فيها هذا المعنى، وهو معنى الإلاص، وهو المعنى الأشهر يا شباب. كذلك لفظ الحنيفية، كما قال الله عن عباده المؤمنين: حنفاء لله غير مشركين به.

وكما قال تعالى: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: 112]. فهذه الألفاظ يا شباب هي الألفاظ التي جاء بها الوحي. وأرى أنها هي التي ينبغي أن تُعمّم أكثر من مجرد لفظ التوحيد؛ لأن لفظ التوحيد هو الذي شاع، بينما هو لم يُذكر إلا في نصين أو ربما ثلاثة من نصوص السنة، واللفظ الأشهر هو لفظ الإخلاص، إخلاص العبادة لله.

المهم بشكل عام هذه المعاني يا شباب لا تتحقق إلا بنفي وإثبات؛ إثبات أن الله تعالى وحده الرب والإله الحق، ونفي ذلك عن كل ما سواه، وهذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله، يعني لا معبود حق إلا الله، كل ما عُبد سوى الله فهو باطل، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: 62]. واضح يا شباب؟

طيب، هذه الفكرة التي هي فكرة ألا يكون الدين، أو أن يكون الدين كله لله، هل هذا كان يقر به المشركون؟ لا، المشركون كانوا يقرون ببعض أفراد معنى الرب، يقرون أن الله خلقهم ورزقهم، وأن الله يدبر أمرهم، يملك السمع والأبصار، يملك الضر والنفع، لكن هل هم كانوا يعملون بمقتضى هذه المعرفة؟ لا، لذلك كان الله سبحانه وتعالى يحتج عليهم بمثل ذلك.

واضح يا شباب؟ فالله سبحانه وتعالى كان يحتج عليهم بذلك، فيقول لهم: إذا كنتم تقرون أن الله وحده هو الذي خلق ورزق وهو وحده الذي يدبر الأمر، فكيف تعبدون غيره؟ واضح.

طيب هنا يا شباب نحن نتكلم عن هذه الفكرة، وهي فكرة: هل المشركون كانوا يقرون لله تبارك وتعالى بالربوبية؟ الجواب: لا، وإنما كانوا يؤمنون أو كانوا يقرون ببعض أفرادها. لذلك هم كانوا يعلمون معنى لا إله إلا الله؛ مثلاً لما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا لا إله إلا الله. قال الله سبحانه وتعالى عنهم: ﴿وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَٰذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: 4-7].

إذاً يا شباب حتى المشركون كانوا يعلمون دلالة قول لا إله إلا الله، وأن معناها أن يكون الدين كله لله تبارك وتعالى. الله سبحانه وتعالى بين أن المشركين يقرون لله بالخلق والرزق والإحياء والآماتة، كما قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: 84-85].

كما ذكرنا في هذه الآيات، وكما قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَألتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: 25]. وإن كانوا مع إقرارهم بذلك يا شباب يشركون به، فإنهم كانوا يرجون النفع ودفع الضر من غيره، فكانوا يدعون غير الله، وهذا يقتضي اعتقادهم أن غير الله يملك لهم نفعاً أو ضراً.

لذلك شباب من الخطأ هنا القول المشهور إن المشركين كانوا يقرون بالربوبية أو يؤمنون بالربوبية، وإنما الصواب: كان عندهم بعض أفراد الربوبية، والله سبحانه وتعالى كما جاء في الوحي كان يحتج عليهم باقرارهم أن الله تعالى وحده الخالق والرازق والمدبر والملك، فينبغي أن يكون وحده المعبود؛ كما في سورة النمل، وهي يعتبر من أبين المواضع التي ذكر فيها ذلك من قول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ ۗ آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: 59] إلى آخر الآيات.

وكذلك في قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: 63-64].

وكذلك في قول الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ إلى آخره، أو في الآية الأخرى: ﴿أَمَّن يُمَلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: 31].

واضح يا شباب؟ إذاً التنبيه الذي أريد أن أؤكد عليه هنا: أنه من الغلط أن نقول إن المشركين كانوا يقرون لله بالربوبية، أو توحيد الربوبية بالإطلاق غير صحيح، وإنما يُقال كما جاء في الوحي بأنهم يقرون لله بالخلق والرزق والإحياء والإماتة والنفع والضر بالجملة، لكنهم لم يعملوا بمقتضى ذلك الإقرار لأسباب؛ منها: أنهم كانوا يدعون غير الله، وهذا الدعاء يتضمن ظنهم أن غير الله يملك الضر والنفع.

وأنهم كذلك كانوا في كثير من الأمور يظنون أن السحرة يملكون الضر والنفع، أو أنهم يذهبون كذلك إلى الدجالين، أو مثلاً الاستقسام بالأزلام أو نحو ذلك. وكل هذه الأمور يا شباب تبين أنهم ليسوا على التوحيد؛ لا توحيد الربوبية ولا توحيد الألوهية.

وأن من أقر بتوحيد الربوبية فيستلزم أن يفرد الله تبارك وتعالى بالعبادة؛ فكل من عرف أن الله خالقه ورازقه ثم عبد غيره فليس محقَّقاً لا للربوبية ولا للألوهية.

طيب يا شباب نكمل؛ قال الإمام رحمه الله -طبعا قلت لكم ساعلق على قول الله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]- اه هذه الآية يا شباب قال فيها مجاهد وغيره ما معناه: إيمانهم قولهم: الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا، فهذا إيمان مع إرْك في عبادة غيره.

هذا معنى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾، يعني لا يمكن أن يكون معنى الآية أن عندهم إيماناً صحيحاً. واضح؟ لا، المعنى أنهم عندهم إيمان بأن الله خلقهم ويرزقهم ويميتهم واضح، لكنهم يشركون في عبادة الله.

وقال قتادة: لست تلقى أحداً منهم إلا أنبأك أن الله ربه، وهو الذي خلقه ورزقه، وهو مشرك في عبادته. إذاً يا شباب، خاصة المؤمن الموحد المخلص لله تبارك وتعالى والذي تميزه عن الكافر أن المؤمن يجعل دينه كله لله خالصة.

لذلك قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: 139]. وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ من دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165].

وقال تعالى في قصة إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: 26-28]. والكلمة هنا هي كلمة لا إله إلا الله، كلمة الإخلاص.

فالدين أو الإخلاص لا يتم إلا بأن تجعل الدين كله لله، أن تعلم أنه لا إله إلا الله، لا معبود حق إلا الله. والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً، يعني يمكن أن نكتفي بهذا المعنى.

طيب يا شباب ندخل في قراءة الكلام وفك العبارات؛ قال ابن تيمية: وكثير ممن يتكلم في الحقيقة فيشهدها، وهي الحقيقة الكونية التي يشترك فيها وفي شهودها وفي معرفتها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، بل وإبليس. وإبليس معترف بهذه الحقيقة، وأهل النار.

ثم ذكر عن إبليس الإمام ابن تيمية رحمه الله هنا يا شباب يستعمل لفظ الحقيقة، هذا اللفظ يا شباب ينبغي أن نعرف دلالته في لسان العرب، ثم نعرف الدلالة التي اشتهرت عنه وهي نقلت أساساً عن الصوفية؛ أنهم مثلاً يقولون: حقيقة التوكل على الله، حقيقة الرجاء، حقيقة الخوف من الله، حقيقة الحب، حقيقة الأخوة، وحقيقة كذا.

هذه التركيبة شباب لم تكن معروفة أبداً لا عند العرب ولا في لسان النبي صلى الله عليه وسلم ولا في لسان الصحابة ولا جاءت في القرآن. لفظ الحقيقة في لسان العرب يا شباب معناه ما يجب على الإنسان أن يحميه.

يعني سأحاول أن أذكر لكم مجموعة من أبيات الشعر ثم أبين لكم هذه الدلالة؛ مثلاً شباب أبو المسلم وهو شاعر هزلي مخضرم كان يرثي صخر الغي الهذلي فكان يقول: حامي الحقيقة نَسَّال الوديقة مِعْتاق الوثيقة جَلد غير ثنيان. هو هنا كان يمدحه. واضح؟

فيقول مثلاً: يسوق الوثيقة وينسل الوديقة ويحمي الحقيقة. الوثيقة هي الطريدة من الإبل، والوديقة هي شدة الحر، والحقيقة ما يحق عليه أن يحميه.

يعني الحقيقة يا شباب في لسان العرب أو الحقائق هي الأمور التي يجب على المرء أن يحميها أو أن يحفظها، يطلق ذلك على الراية، ويطلق ذلك على الحرمة والحرمات، ويطلق ذلك على كل ما يلزم الرجل أن يدافع عنه. هذا معنى كلمة الحقيقة والحقائق.

قال كذلك عامر بن الطفيل: لقد علمت هوازن أنني الفارس الحامي حقيقة جعفر. وجعفر هو أبو جده؛ فهو عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب. وحقيقة جعفر هي نساء آل جعفر وديارهم ورايتهم وما يحق عليهم أن يحموه ويدافعوا عنه. واضح يا شباب؟

وكذلك كما قال عن طرفة في معلقته: مشكَّل ومن شكَّ سابغة هتكت فروجها بالسيف عن حامي الحقيقة معلَّم. ونصوص كثيرة جاءت عن هؤلاء الشعراء في الجاهلية ومن بعدهم تدل على أن معنى الحقيقة في لسان العرب ما يحق على المرء أن يحميه؛ يدخل في ذلك النساء، يدخل في ذلك الراية، يدخل في ذلك الدار.

فكلمة الحقائق والحقيقة في لسان العرب تدل على ذلك. واضح، طبعا هذا له شواهد كثيرة، إن شاء الله ربما اجمع لكم هذه الفوائد في ملف ثم أجعلها في التعليقات، لكن لا اريد أن أضيع الوقت هنا في هذا المعنى، فقط اردت أن أبین لكم دلالة لفظ الحقيقة.

لكن يا شباب لفظ الحقيقة عند الصوفية صار له معنى آخر؛ فمثلاً الحارث المحاسبي يقول: التقوى حقيقتها في الجوارح القيام بالحق وترك المعاصي، وحقيقتها في الضمير إرادة الديَّان في الفرض وإخلاص العمل له في النفل.

وقال: فاصل الكبر التعظيم، وحقيقته الأنف وازدرَاء العباد.

كذلك مثلاً قال معروف الكرخي، وهو من أئمة الصوفية: حقيقة الوفاء إفاقة السر عن رَقْدَة الغفلات. وقال مثلاً أحمد بن خضروي: حقيقة المعرفة المحبة له بالقلب، والذكر له باللسان، وقطع الهمة عن كل شيء سواه.

ونصوص كثيرة يا شباب عن الصوفية يقولون فيها: حقيقة الخوف كذا، وحقيقة الصدق كذا، وحقيقة الإرادة كذا، وحقيقة الرضا كذا. كل هذا المعنى وهذه الدلالة لكلمة الحقيقة شباب لم تكن موافقة لا لسان العرب ولا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

النبي الكريم يا شباب ذكر تعريفا وذكر معاني للإسلام والإيمان والإحسان، وذكر معنى الغيبة ومعنى القوي ومعنى المفلس، لم يقل: حقيقة الإيمان كذا، حقيقة الإحسان كذا، حقيقة المفلس كذا.

مثلاً في حديث جبريل قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة... إلى آخر الحديث. كذلك الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته... إلى آخر الحديث.

وكذلك في حديث وفد عبد القيس لما قال لهم: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله. لم يقل: حقيقة الإيمان شهادة أن لا إله إلا الله.

وكما عرَّف لهم الكبر؛ لما قال: الكبر بَطَر الحق وغَمْط الناس. لم يقل: حقيقة الكبر كذا. وكذلك في القوي؛ لما قال: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.

واضح يا شباب؟ لما قال عن المفلس الذي يأتي بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا. واضح يا شباب؟ في كل هذه النصوص يا شباب النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: حقيقة الإيمان كذا، حقيقة الحب كذا، حقيقة الكبر كذا.

ولذلك شباب لفظ الحقيقة هنا نبهنا فيه على أمرين: دلالة لفظ الحقيقة في لسان العرب وهو ما يجب على المرء أن يحميه من نسائه ورايته وداره وأهل بيته إلى آخر هذا المعنى، وكان يمدح الرجل يقولون: حامي الحقيقة مهدي الطريقة، إلى آخر هذا المعنى، وكلمة الحقائق نفس المعنى.

الأمر الثاني في تعريف الأشياء: لست محتاجاً أن تقول: حقيقة الإيمان، حقيقة التقوى، حقيقة التوحيد، لا؛ تذكر الكلمة ومعناها الذي دل عليه الشرع. اردت فقط أن أنبه على هذه الفكرة لأنها ستأتي معنا كثيراً لفظ الحقيقة.

طيب نشرح الكلام يا شباب؛ ابن تيمية رحمه الله شباب هنا يتكلم عن معنى مهم جداً، وهو -طبعا هو ينتقد هنا الصوفية الذين وقفوا عند هذا المعنى- ما هو هذا المعنى يا شباب؟ هو الإرادة؛ أن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، وأن الله سبحانه وتعالى كل شيء في الكون فالله سبحانه وتعالى شاءه، فالله سبحانه وتعالى علم الأشياء وكتبها في اللوح المحفوظ وشاءها وخلقها، فبهذا المعنى يجب أن نرضى بكل هذه الأمور.

فهذا المعنى فهموه هم خطأ، سنحاول أن نبين هذه الفكرة إن شاء الله من خلال الكلام، بس نحاول نفك الأول دراية الألفاظ.

قال ابن تيمية: وكثير ممن يتكلم في الحقيقة فيشهدها، وهي الحقيقة الكونية التي يشترك فيها وفي شهودها وفي معرفتها المؤمن والكافر. ما معنى الحقيقة الكونية يا شباب؟ يعني قدر الله. القدر أن الله سبحانه وتعالى علم وكتب وشاء وخلق كل شيء.

فابن تيمية يقول: من آمن فقط بهذه المعاني دون أن يعمل لله سبحانه وتعالى ويستقيم على شريعته، فهذا لا يفرق بينه وبين الكافر. إبليس كان يؤمن أن الله ربه وكذلك اهل النار.

إبليس مثلاً قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحجر: 39]. قال: ﴿رَبِّ﴾ وقال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي﴾ [الإسراء: 62].

إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلاً. يعني كمان كان يؤمن بالبعث وكذلك الكفار قالوا: ربنا غلبت علينا شقوتنا. واضح يا شباب؟

فابن تيمية يريد أن يقول إن هذه المعاني؛ وهي الإيمان بأن الله هو الذي خلق وهو الذي يدبر الأمر، من اكتفى بها فهذا لا يميزه عن الكافر. ثم قال ابن تيمية رحمه الله: فمن وقف عند هذه الحقيقة، ما المقصود بكلمة هذه الحقيقة يا شباب؟ يعني القدر. وهو أن الله سبحانه وتعالى علم أشياء وكتبها وشاءها وخلقها، فمن وقف عند هذه الحقيقة وعند شهودها ولم يقم بما أمر الله به من الحقيقة الدينية التي هي عبادته المتعلقة بألوهيته وطاعته وأمره وأمر رسوله، كان من جنس إبليس وأهل النار.

دي قاعدة يا شباب، من أول كلمة فمن وقف هذه عندنا قاعدة. يعني ابن تيمية يقول: من قال أنا أؤمن بأن الله خلقني وأن الله يدبر أمري وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولم يستقم على أمر الله وعلى شريعته، فهذا من جنس إبليس ومن جنس أهل النار لم يتميز، واضح؟

فإن ظن مع ذلك يعني هذا الشخص الذي وقف عند الإيمان بالقدر فقط ولم يقم بأمر الله ولم يقم بشرع الله، فإن كان مع ذلك يظن أنه من خواص أولياء الله وأهل المعرفة والتحقيق الذين سقط عنهم الأمر والنهي الشرعيان، كان من شر أهل الكفر والإلحاد. يعني ابن تيمية هنا ينقض أصل غلاة الصوفية الذين قسموا الناس درجات، فقالوا إن من يؤمن بالأامر والنهي والفرق بين الطاعة والمعصية ويقوم بالصلوات هؤلاء هم العوام، أما من عرف الحقيقة الكونية وشهد القدر -يعني نظر إلى أن كل هذه الأشياء من قدر الله- فحينها لا يكون مكلفاً بأمر أو نهي، وحينها يسقط عنه التكليف ويستوي عنده المؤمن والكافر والمعصية والطاعة لأنه شهد الحقيقة، شهد أن كل شيء بقدر الله.

فهؤلاء لا يظنون فقط أنهم ليسوا مكلفين، وإنما يظنون أنهم من خواص أولياء الله وأنهم الخاصة وأن غيرهم هم العامة، وهذا ضلال بل كفر أن يظن الإنسان أنه سقط عنه التكليف وليس ملتزماً بأي شيء من شريعة الله، هذا بلا شك أنه كفر واضح.

لذلك الله سبحانه وتعالى في سورة الفاتحة بين لنا هذا المعنى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، فإياك نعبد هو العبادة، وإياك نستعين هو القدر والإيمان بالقدر.

طيب يا شباب، نكمل. يبقى إذا ابن تيمية رحمه الله عن ماذا يتكلم عشان الناس ما تتوهش مننا؟ ابن تيمية يتكلم عن طائفة يتكلمون في مسألة شهود القدر. ما معنى شهود القدر يا شباب؟ شهود القدر يعني ينظرون إلى كل الأفعال على أنها من قدر الله وبمشيئة الله، إذاً فالله سبحانه وتعالى خلقها، والله سبحانه وتعالى شاءها، إذاً نحن نسوي بين كل هذه الأفعال بناء على أنها كلها بمشيئة الله وأنها كلها مخلوقة لله.

هنا يا شباب ينبغي أن نبين فكرة مهمة وهي مسألة الإرادة ومسألة المشيئة، واضح يا شباب؟ الله سبحانه وتعالى بين في القرآن دلالات الإرادة، فإرادة الله يا شباب منها الإرادة بمعنى المشيئة، فهذه الإرادة يا شباب تكون فيما يحبه الله وفيما لا يحبه الله، الإرادة اللي هي اصطلح عليها بالإرادة الكونية، هذي يا شباب تكون فيما يحبه الله وفيما لا يحبه الله. يعني الله سبحانه وتعالى يريد ما لا يحب وقد يحب ما... يعني مثلاً شباب، الله سبحانه وتعالى لما ذكر معاني الإرادة، إذا نظرنا إلى معنى الإرادة سنجد أن المعنى، أول معنى هو معنى المشيئة؛ يعني ما قدر الله كونه وحدوثه فهو كائن لا محالة، سواء كان في أمر يحبه الله ويشرعه ويرضاه أم لم يحبه، وهذه الإرادة يا شباب إرادة شاملة لا يخرج عنها شيء من الكائنات، فكل الحوادث الكونية داخلة في مراد الله تبارك وتعالى.

حد بيقول الكلام عن خلق أفعال العباد؟ لا، نحن لا نتكلم عن خلق أفعال العباد، نحن نتكلم عن مسألة المشيئة ليس فقط في أفعال العباد، نتكلم بشكل عام عن كل الحوادث، عن كل الكائنات. واضح أن هؤلاء الصوفية أو غلاة الصوفية قالوا: إذا كانت كل هذه الحوادث من خلق الله وبمشيئة الله فيجب أن نسوي أنها بهذا الاعتبار، فهنا سووا بين إبليس والأنبياء، وسووا بين الجنة والنار، وسووا بين الزنا والعفة وبين الصدق والكذب، ما هو الجامع بينها؟ أن كلها ما حدثت بمشيئة الله وبارادة الله وبخلق الله، وهذا شباب ضلال، لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى كما أنه شاء ذلك وخلقه، فإن الله سبحانه وتعالى فرق بين هذه الأمور، فرق بين المؤمن والكافر، فرق بين البر والفاجر، فرق بين المعروف والمنكر، بين الصدق والكذب، سيأتي معنا، لكن اريد فقط هنا أن تدخل اليكم الفكرة شيئاً فشيئاً.

نحن الآن يا شباب نتكلم عن الإرادة، عن إرادة الله. هنا عندنا إرادتان مذكورتان في الوحي: الإرادة الأولى بمعنى المشيئة، واضح؟ المشيئة يعني ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، هذه المشيئة يا شباب شاملة لا يخرج عنها شيء، واضح، وكل حدث في كون يدخل في هذه المشيئة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [النחל: 40]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نَّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16].

الله سبحانه وتعالى هنا أراد إهلاك القرية، واضح؟ كذلك الله سبحانه وتعالى لما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ۛ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ۖ يَقُولُونَ إِن أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ۚ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: 41]. شف الله سبحانه وتعالى أراد الفتنة لهم، مع أن الله يريد أن يتوب على الناس، واضح يا شباب؟ كما قال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ...﴾ [الأنعام: 125].

إذاً الله سبحانه وتعالى قد يريد بعبد الإضلال، قد يريد أن يفتنه، كما قال نوح لقومه: ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: 34]، واضح يا شباب؟

إذاً الله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء، والله قد يريد شيئاً ولا يحبه. هل الله سبحانه وتعالى يحب أن يضل الناس؟ لا، لكنه قد يريد ذلك لحكمة، واضح يا شباب؟ إذاً النوع الأول من معاني الإرادة هو المشيئة، فهذا يكون فيما يحبه الله وفيما لا يحبه، والله سبحانه وتعالى أراد من قوم الكفر والفسوق والعصيان مع أن الله لا يحب لا الكفر ولا الفسوق ولا العصيان، واضح يا شباب؟ هذا هو المعنى الأول للإرادة.

لكن الله سبحانه وتعالى شباب لا يريد شيئاً إلا بعلم ولحكمة. المعنى الثاني للإرادة يا شباب هو الذي اصطلح عليه بكلمة الإرادة الشرعية، وهي المتضمنة لمعنى المحبة والتشريع، فلا تكون إلا فيما يحبه الله ويرضاه ويشرعُه، والله سبحانه وتعالى قد يقدر كون هذا الشيء وقد لا يقدر كونه، مثلاً يا شباب قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 26-27]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 33].

إذاً يا شباب، المعنى الثاني للإرادة بمعنى التشريع والمحبة، لكن هذا قد يحصل وقد لا يحصل. هل كل الناس تاب الله عليه؟ لا، الله قال: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾، لكن الله لم يتب على كل الناس. إذاً المعنى الثاني هذا يا شباب بمعنى التشريع وبمعنى المحبة قد يقع وقد لا يقع، قد يقدر الله كونه وقد لا يقدر الله كونه.

كذلك الشباب يدخل في ذلك القضاء والأمر والأذن والكتابة والارسال والبعث والتحريم، كل ذلك شباب منه ما هو بمعنى الإرادة الكونية ومنه ما هو بمعنى الإرادة الشرعية. شوفوا يا شباب، مثلاً قال الله: ﴿إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 47]، فهذا قضاء كوني يجب أن يقع. لكن مثلاً لما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23]، قضى هنا بمعنى شرع، واضح يا شباب؟

فالقضاء كما قلت لكم كالإرادة له دلالتان؛ إما أن يكون بمعنى المشيئة وإما أن يكون بمعنى التشريع والمحبة، واضح يا شباب؟ هذا الذي بمعنى التشريع قد يحصل وقد لا يحصل، واضح، كما قال الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36].

كذلك شباب الأذن، الأذن منه أذن شرعي ومنه أذن كوني، مثلاً قال الله تعالى عن السحر: ﴿وَمَا هُم بضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 102]، الإذن هنا بمعنى المشيئة، واضح يا شباب؟ وقال كذلك المسيح عيسى ابن مريم، مثلاً: ﴿فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 49] يعني بمشيئة الله، واضح يا شباب؟ وقال كذلك الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 145]، فالإذن هنا يا شباب بمعنى إيه؟ بمعنى المشيئة، بمعنى القضاء الذي يجب أن يحصل، واضح يا شباب؟

لكن هناك معنى آخر للإذن وهو الإذن الشرعي؛ يعني بمعنى التشريع، واضح؟ مثلاً في قول الله: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: 59]، أو مثلاً: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِه اللَّهُ﴾ [الشورى: 21]، فالإذن هنا يا شباب بمعنى التشريع، واضح؟

كذلك شباب الكتابة، مثلاً: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: 216] يعني بمعنى شرع. لكن: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54] يعني بمعنى جاء ذلك وقدره. مثلاً: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: 21]، هذه كتابة كونية يجب أن تقع، وهكذا يا شباب.

إذاً كل هذه المعاني: الإرادة، والأمر، والقضاء، والأذن، والتحريم، والبعث، والارسال، والكلام، والجعل، كل هذا شباب منه ما هو كوني يجب أن يحصل، قد يكون فيما يحبه الله وفيما لا يحبه الله، ومنه ما هو شرعي لا يكون إلا فيما يحبه الله، وقد يقدر الله وقوعه وقد لا يقدر وقوعه، واضح يا شباب؟

طيب، نرجع إلى الفكرة؛ إذاً يا شباب، هل كل ما شاءه الله يحبه؟ لا، الله سبحانه وتعالى شاء الكفر، يعني الكفر يحصل باذن الله وبمشيئته، والله لا يحب لا الكفر ولا الفسوق ولا العصيان. الله سبحانه وتعالى شاء من بعض الناس أن يقع منه المعاصي، والله لا يحبها. إذاً يا شباب لا تلازم بين المشيئة والمحبة، فإن الله قد يحب شيئاً ولا يشاؤه، وإن الله سبحانه وتعالى قد يشاء ولا يحبه. لكن الله سبحانه وتعالى عليم حكيم. هؤلاء الغلاة من الصوفية يا شباب ماذا قالوا؟ جعلوا كل ما شاءه الله فهو يحبه، كل ما خلقه الله فهو يحبه، وهذا هو أصل ضلالهم. فهم بذلك يا شباب لم يجمعوا بين القدر والشرع، لأن الجمع بين القدر والشرع أن تؤمن بأن الله علم وكتب وشاء وخلق، ومع ذلك تستقيم على أمره. أما أن تسوي بين الأمور، تسوي بين الطاعة والمعصية، وبين الكفار والمؤمنين، وبين الأبرار والفجار، وبين الأنبياء والمشركين، وبين الأنبياء وإبليس وتقول لأن الجميع بمشيئة الله وخلقه، فهذا هو أصل ضلال هؤلاء.

إذاً يا شباب، معنا شهود القدر مرة ثانية. طبعا أنا أطلت في هذه الفكرة شباب، لأن هذه هي فكرة مركزية في الكتاب، من أخص مقاصد الكتاب نقض مسألة شهود القدر عند غلاة الصوفية. نشرح الفكرة ببساطة جداً يا شباب في سطر واحد: الجمع بين الشرع والقدر أن تؤمن أن الله تبارك وتعالى علم كل شيء والله سبحانه وتعالى بكل شيء عليم وأن الله تعالى حكيم، وأن الله سبحانه وتعالى كتب في الذكر كل شيء، وأن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أمراً يقول له كن فيكون، وأن الله خالق كل شيء. ومع ذلك تؤمن بأن العبد له قدرة وله استطاعة وله اختيار بهما صار مكلفاً، وأن الله سبحانه وتعالى أمر العبد ونهاه، فتمام الإيمان بالقدر أن يستقيم العبد على شريعة الله، هذا هو المعنى الكامل.

عندنا طائفتان ضلتا في هذا الباب: طائفة غلاة الصوفية الذين راعوا القدر فأضاعوا الأمر والنهي، وطائفة المعتزلة الذين عظموا الأمر والنهي فنفوا خلق الله ومشيئته لأفعال العباد. لن نتكلم عن هذا إلى الآن، نحن الآن نتكلم عن الصوفية، غلاة الصوفية الذين قالوا بما أن الله خلق كل شيء وشاء كل شيء، فمن هنا يستوي عندنا كل شيء من هذا الباب.

إذاً الشباب، معنا شهود القدر، يعني أرجو أن الكلام ما يكونش صعب، أنا باحاول أسهله جداً، لكن هو ده تقريباً الموضع اللي محتاج شرح. شهود القدر يا شباب عندهم معناها النظر إلى كل حادثة ونازلة ومصيبة على أنها من عند الله، فيسوون بينها ويظنون أن ذلك هو التسليم لها، وهذا خطأ سيأتي بيان هذا الخطأ يا شباب.

طيب، قال ابن تيمية رحمه الله: ومن ظن أن الخضر وغيره سقط عنهم الأمر لمشاهدة الإرادة ونحو ذلك، كان قوله هذا من شر أقوال الكافرين بالله ورسوله، حتى يدخل في النوع الثاني من العبد. النوع الثاني يا شباب -نحن- هو ذكر النوع الأول اللي هو العبد بمعنى الإيه؟ بمعنى المعبد، اللي هو المذلل لله.

والمعنى الثاني للعبد هو العبد بمعنى العابد، يعني الذي يعبد الله اختيارا. طبعا هؤلاء الصوفية يقولون إن الخضر سقط عنه الأمر، الأمر اللي هو الأمر يعني التكليف. واضح يا شباب؟ لمشاهدة الإرادة. يعني إيه يا شباب؟ يعني هو نظر أن الله هو الذي شاء كل شيء، فاستوت عنده الأمور؛ استوت عنده الأمور، استوى عنده الطيب بالخبيث، المعروف بالمنكر، الطاعة بالمعصية، ولذلك سقط عنه التكليف.

هم يقولون إن العبد مراتب؛ المرتبة الأولى: الإنسان يرى أنه مكلف بأمر ونهي، ويرى فرقا بين المؤمن والكافر والطاعة والمعصية. لما بيترقى شوية في العبادة يشهد القدر، فيرى أن الكل من عند الله، فيستوي عنده المؤمن بالفاجر، الموحد بالمشرك، يستوي عنده الطاعة معصية، ثم بعد ذلك يفنى عن كل ذلك فيتحد بالله، اللي هم بيسموها بقى وحدة الوجود والحلول والاتحاد، وهذه الأمور الشركية الكفرية.

المهم يا شباب؛ هم قالوا إن الخضر سقط عنه التكليف فيفعل ما يشاء، لماذا؟ لأنه شهد القدر أو شهد الإرادة، وهذا قول كفر وقول باطل. ابن تيمية رحمه الله قال: كان قوله هذا من شر أقوال الكافرين بالله ورسوله؛ حتى يدخل في النوع الثاني. يعني لا يستقيم إيمان عبد بمجرد إيمانه بأن الله كتب وعلم وشاء وخلق كل شيء، حتى يستقيم على أمر الله ونهيه. واضح؟

طيب، قال في النوع الثاني من معنى العبد، وهو العبد بمعنى العابد، فيكون عابدا لله لا يعبد إلا إياه، فيطيع أمره وأمر رسله، ويوالي أولياءه ويعادي أعداءه. يعني إيه يا شباب؟ يعني ابن تيمية رحمه الله يريد أن يقول إن الإيمان بالقدر لا يتم للعبد حتى يستقيم على أمر الله، وفي هذه الاستقامة سيفرق بين الطاعة والمعصية، ويرى أنه يجب عليه طاعة الله وطاعة رسوله، ويجب عليه أن يوالي أولياء الله وأن يعادي أعداء الله، بعكس هؤلاء الغلاة الذين قالوا لا، سيستوي عندنا الكافر والمؤمن والطاعة والمعصية، لأن الجميع من عند الله. واضح يا شباب؟

وهذا طبعا ضلال. قال ابن تيمية: وهذه العبادة متعلقة بالإلهية لله تعالى، ولهذا كان عنوان التوحيد لا إله إلا الله، بخلاف من يقر بربوبيته لا يعبده أو يعبد معه إلها آخر. الإله هو الذي يألهه القلب بكمال الحب والتعظيم والإجلال والإكرام والخوف والرجاء. ابن تيمية يريد أن يقول كلمة الإله يا شباب هي على وزن فعال، يعني بمعنى المفعول، فإلهنا بمعنى المألوه، والألوهة هي العبودية.

الألوهية هي العبودية، فمعنى لا إله إلا الله يعني لا معبود حق إلا الله. توجد معبودات، توجد آلهة، لكنها عبدت بالباطل. مثلا قال الله سبحانه وتعالى في قصة موسى عليه السلام أن موسى قال للسامري: ﴿وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: 97]، وقال تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [هود: 101]. واضح؟ فالله سماها آلهة لكنها عبدت بالباطل. واضح يا شباب؟

لذلك قال عيسى عليه السلام: ﴿مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: 116]، لما قال الله له: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: 116]. لا إله إلا الله شباب معناها لا معبود حق إلا الله.

قال ابن تيمية: وهذه العبادة هي التي يحبها الله ويرضاها، وبها وصف المصطفين من عباده، وبها بعث رسله. وأما العبد بمعنى المعبد، يعني المذلل المسخر، سواء أقر بذلك -كلمة أقر يعني إيه؟ يعني أقر بمقتضى العبادة لله- أو أنكره، فهذا المعنى يشترك فيه المؤمن والكافر، يعني كل الكفار هم عباد لله بهذا المعنى؛ الملحد المنكر والكافر والمشرك والمؤمن، كل هؤلاء عباد لله بهذا المعنى.

قال ابن تيمية رحمه الله: وبالفرق بين هذين النوعين يعرف الفرق بين الحقائق الدينية الداخلة في عبادة الله ودينه وأمره الشرعي التي يحبها ويرضاها، ويوالي أهلها ويكرمها بجنته، وبين الحقائق الكونية التي فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر، التي من اكتفى بها ولم يتبع الحقائق الدينية كان من اتباع اللعين والكافرين برب العالمين، ومن اكتفى بها في بعض الأمور دون بعض أو في مقام دون مقام أو حال دون حال، نقص من إيمانه وولايته لله بحسب ما نقص من الحقائق الدينية.

طبعا يا شباب، من أخص مقاصد الكتاب أن ابن تيمية رحمه الله يجمع بين الشرع والقدر، يجمع بين أن الله سبحانه وتعالى عالم بكل شيء، وكتب كل شيء في الذكر، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وانه خالق كل شيء، وبين وجوب الاستقامة على شريعة الله، وأنهما يتكاملان ولا يتعارضان إلا عند الجاهل. فقال: وبالفرق بين هذين النوعين -يعني بين النوعين الذي هو العبد بمعنى الذي يقر لله بأن الله خلقه ورزقه، وبين العبد بمعنى العابد الذي يستقيم على أمره- يعرف الفرق بين الحقائق الدينية، اللي هو العمل والشرع، الأمور التي يحبها الله؛ الله سبحانه وتعالى يحب يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي. واضح؟

وبين الحقائق الكونية، يعني الأمور الكونية التي ترجع إلى المشيئة والخلق، فهذه الأمور يستوي فيها البر والفاجر. هذا شباب من أول كلمة وبالفرق بين هذين النوعين إلى كلمة بحسب ما نقص من الحقائق الدينية هذا من أخص مقاصد الكتاب. قال الإام ابن تيمية: وهذا مقام عظيم غلط فيه الغالطون، وكثر فيه الاشتباه على السالكين، حتى زلق فيه من أكابر الشيوخ المدعين للتحقيق والتوحيد والعرفان ما لا يحصيه إلا الله الذي يعلم السر والعلان.

يعني ابن تيمية رحمه الله ماذا يقول هنا يا شباب؟ يقول: هذا مقام عظيم هو مقام أن تجمع بين قدر الله السابق وبين التكليف والتشريع، لأن بعض الناس يقول: إذا كان الله علم وكتب وشاء وخلق أفعالنا، فكيف نحاسب؟ الله سبحانه وتعالى لن يحاسبك إلا على شيء أنت قادر عليه ومختار فيه وعالم به، والله سبحانه وتعالى لن يحاسبك أين ولدت، من أمك، من أبوك، وإنما يحاسبك على فعلك الذي كلفت به، والذي تستطيع، فكل ما خرج عن علمك أو قدرتك أو اختيارك فلست محاسبا عليه. واضح؟

لذلك يسقط التكليف عن الإنسان بالجهل وبالإكراه وبالخطأ. واضح يا شباب؟ فهذا مقام عظيم. قال ابن تيمية: غلط فيه كثير من الشيوخ والسالكين وأكابر المدعين للتحقيق والتوحيد والعرفان. طبعا لفظ العرفان والتحقيق والتوحيد، كل هذه الألفاظ ألفاظ محدثة، يعني لم تأتي في الوحي، يعني لا يلزم أن نستعملها، يمكن أن نستعمل عندنا ألفاظ شرعية مثل لفظ العابد والمسلم والمؤمن والمخلص والقانت والشاكر، هذه ألفاظ، أما لفظ العارف بالله فهذه الألفاظ إنما جاءت عند الصوفية، ثم انتشرت بعد ذلك في كلام الناس حتى تكلم بها كثير من أهل السنة.

ابن تيمية رحمه الله يقول: هذا مقام عظيم غلط فيه الغالطون، وكثر فيه الاشتباه على السالكين، حتى زلق فيه الغالطون من أكابر الشيوخ المدعين، يعني ادعوا أنهم من المحققين مع كونهم أخطأوا في ضبط هذا الباب. ابن تيمية رحمه الله شباب هنا يتكلم عن سيذكر قولا للشيخ عبد القادر الجيلاني. الشيخ عبد القادر الجيلاني هو من أكابر الصوفية، وابن تيمية كان أحيانا يحتج بأقوال الصوفية على أمور.

يعني ابن تيمية رحمه الله يا شباب كان من حكمته ومن رحمته بالمخالف كان أحيانا يأتي بصحيح كلام أئمتهم ليكون سببا في هدايتهم، ويكون سببا في بيان أنهم حتى خالفوا أئمتهم ولم يخالفوا فقط الصحابة وما عليه النبي صلى الله عليه وسلم. واضح يا شباب؟ ولذلك هذا من فوائد الاستدلال أن الإمام ابن تيمية رحمه الله قد يحتج على المخالفين بكلام أئمتهم ليكون أقوى في الحجة، لكن ابن تيمية ينتقي من كلام أئمتهم ما صح عنهم.

الصوفية يا شباب درجات، وابن تيمية كان عادلا منصفا في الحديث عنهم، وبين أن أكابر الصوفية الذين انتسبوا لتصوفهم لم يسموا أنفسهم بالصوفية، لكن الأتباع هم الذين أطلقوا عليهم هذا الاسم، هم كانوا مشهورين بالعباد أو الزهاد أو العلماء، لكن أتباعهم هم الذين نسبوهم إلى هذا المعنى. فهؤلاء يا شباب كان الإمام ابن تيمية رحمه الله كثيرا ما يثني عليهم وكثيرا ما يبين فضلهم، ويبين اتباعهم للوحي وللسنة ولهدي الصحابة.

وكثيرا ما كان الإمام ابن تيمية يحتج به وبأفعالهم وبأقوالهم على حسب المسألة التي يتكلم فيها، في مسألة الإيمان، في مسألة الأسماء والصفات، أو غير ذلك من المسائل. إذا يا شباب من عظيم الخطأ هنا التعميم؛ نحن هنا نتكلم عن الغلاة منهم، نتكلم عن صوفية اجتمع معهم علم الكلام واجتمع معهم الفلسفة، لكن الصوفية الأوائل فابن تيمية أتَى كثيرا بهم فيما أصابوا فيه.

هنا أذكر قولا للامام ابن تيمية مهم جدا يا شباب، لأن ابن تيمية سيشرح قولا لعبد القادر الجيلاني. فهنا ينبغي أن نبين فكرة مهمة، وهي كيف ننظر إلى أقوال المخالفين؟ لا يصح يا شباب هنا أن ننظر إلى اللفظ فقط، ينبغي أن ننظر إلى القصد والمعنى. نقرأ القول أولا يا شباب، ثم نبين كيف سيشرحه ابن تيمية وكيف سيذكره.

قال ابن تيمية رحمه الله: والى هذا أشار الشيخ عبد القادر رحمه الله فيما ذكر عنه، فبين أن كثيرا من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوه، قال عبد القادر: إلا أنا فإني انفتحت لي فيه روزنة، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والرجل من يكون منازعا للقدر لا من يكون موافقا للقدر.

هنا يا شباب قبل أن ندخل في شرح هذا القول، طبعا عبد القادر الجيلاني هو من أئمة الصوفية المتأخرين، له ترجمة كثيرة جدا منها ترجمة في سير أعلام النبلاء، وسنتكلم عنه إن شاء الله بالتفصيل لأن ابن تيمية سيذكر في مجلد التصوف كل هؤلاء ويتكلم عنهم، ولا أُريد أن أضيع الوقت فيما لم يخصص له. المهم ابن تيمية هنا يتكلم عن ماذا؟ دايما يا شباب وأنت تقرأ أي فقرة حاول تستحضر عن ماذا يتكلم هذا الإمام؟ ولماذا جاء بكلام هذا الرجل؟

ابن تيمية كان يتكلم عن طائفة ضلت في باب الجمع بين الشرع والقدر، فأضاعوا الأمر والنهي مراعاة للقدر، يعني قالوا الله علم وكتب وشاء وخلق كل هذه الأعمال، إذا يستوي عند الله الطاعة والمعصية لأنه خلقها، فإذا كان خلقها فهو يحبها، واضح؟ فلذلك قالوا من شهد هذا القدر سقط عنه التكليف، وسقط عنه الأمر والنهي، واستوى عنده كل شيء لأن كل شيء بقدر.

ابن تيمية هنا بعدما ذكر سيذكر أدلة الوحي في بيان ضلال هؤلاء، لكن من ذكاء ابن تيمية شباب أن يحتج على هؤلاء بالمُرضيين عندهم، فهذا فيه فوائد؛ أولا: الإنصاف، أن ابن تيمية ينصف من أصاب الحق، الأمر الثاني: أن هذا يمهد الطريق ويسهل على أتباعهم الصوفية أن يرجعوا إلى الحق أو حتى يقللوا بدعتهم. واضح يا شباب؟ وفيه كذلك الرحمة بهم، لأن الإنسان يا شباب لا ينبغي أن يكون همه أن يقيم الحجة على المخالف، وإنما ليكن همه الحرص عليه؛ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].

أذكر هنا نصا عن ابن تيمية مهم جدا يا شباب، يبين أنك ينبغي أن تفهم المقالة وأن تفهم دلالات الألفاظ، فربما كان الإنسان يريد معنى صحيحا لكنه أخطأ في اللفظ، فلابد هنا أن تستفصل عن معاني الألفاظ حتى لا ترد الحق. قال ابن تيمية رحمه الله -ركزوا يا شباب في النقل ده-: لفظ الفقر والتصوف قد أدخل فيها أمور يحبها الله ورسوله، فتلك يؤمر بها وإن سميت فقرا أو تصوفا، لأن الكتاب والسنة إذا دلا على استحبابها لم يخرج عن ذلك بأن تسمى باسم آخر. واضح يا شباب؟ ركزوا في الفكرة دي مهمة جدا؛ ابن تيمية بيقول كثير من الصوفية يستعمل ألفاظا غير شرعية في معان شرعية، مثلا يقصد بلفظ التصوف العبادة والاستقامة، فلا يصح أن نرد هذه المعاني لأنها سميت تصوفا، لأ نقبل هذه المعاني ومع ذلك نستعمل اللفظ الشرعي.

ثم قال كذلك ابن تيمية بين أن هذه الألفاظ أدخل فيها معاني منكرة، فقال: وقد أدخل فيها أمور يكرهها الله ورسوله، كما يدخل فيها بعضهم نوعا من الحلول والاتحاد، وآخرون نوعا من الرهبانية المبتدعة فيسلام، وآخرون نوعا من المخالفة للشريعة إلى أمور ابتدعوها إلى أشياء أخر، فهذه الأمور ينهى عنها بأي اسم سميت. شفت بقى ابن تيمية هنا يتعامل مع المعاني وليس مجرد الألفاظ.

يعني إيه يا شباب؟ ركزوا كده في الطرد وفي العكس، المعتزلة يستعملون لفظ التوحيد والعدل، وهذه ألفاظ جميلة، لكن ماذا يريدون بها؟ يريدون بالتوحيد نفي كل الصفات، لأن التوحيد عندهم هو إفراد الله بالقدم، يبقى هو لفظ حسن لكن المعنى باطل. وكذلك يقصدون بالعدل أن الله لم يخلق أفعال العباد ولم يشأها، وأن العبد يخلق فعل نفسه.

إذا الشباب استعملوا ألفاظاً حسنة في معاني باطلة، فغيرهم كذلك قد يستعمل ألفاظاً ليست شرعية في معاني جليلة. إذاً يا شباب، ينبغي أن يُنظر إلى أي مقالة. ابن تيمية ماذا قال يا شباب في آخر هذه الجملة؟

قال: والمؤمن الكيس يوافق كل قوم فيما وافقوا فيه الكتاب والسنة، وأطاعوا الله ورسوله، ولا يوافقهم فيما خالفوا فيه الكتاب والسنة، أو عصوا فيه الله ورسوله، ويقبل من كل طائفة ما جاء به الرسول، ومتى تحرى الإنسان الحق والعدل بعلم ومعرفة، كان من أولياء المفلحين وحزب الله الغالبين. شوفوا يا شباب، هذا هو العدل، هذا هو الإنصاف، هذا هو الحكمة، أن يُقبل الحق من كل من جاء به، ويثني عليه بما فيه، ويستثمره ويستدل به.

طيب نشرح يا شباب الفقرة حتى لا نطيل عليكم. طبعا هذه الفقرة شرحها الإام ابن تيمية، يعني ابن تيمية رحمه الله سئل عن قول الشيخ عبد القادر الجيلاني، ما معنى قوله: «نزعت أقدار الحق بالحق للحق»؟ واضح؟

طبعا هذا الشرح طويل جدا لكني سأذكر لكم مختصر الفكرة. ببساطة يا شباب عبد القادر الجيلاني يقول إن كثير من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوه، إلا أنا، يعني إلا أنا فهمت هذا الباب، انفتحت لي فيه روزنة. الروزنة يا شباب هي الفتحة في السقف خاصة، هكذا يستعملها العامة في مصر واضح، وهي قريبة من استعمال الشيخ هنا. يعني كأنما هكذا انفتحت له طاقة، أو في نافذة انفتحت له، أو فكرة خفيت عليه.

فهؤلاء الذين يمسكون إذا ذكر القدر، فقال ماذا؟ شوفوا شو بيقول: «فنازعت أقدار الحق، الحق يعني الله، بالحق يعني بما أمر الله به من الاستقامة على الشريعة والأخذ بالأسباب والعمل والدعاء، للحق يعني لوجه الله واتباعا لأمره». فهو ماذا يقول يا شباب؟ يقول: «أنا لست كهؤلاء الذين يظنون أن الاستسلام إلى المصائب، وأن عدم الأخذ بالأسباب، وأن ترك الاستقامة والطاعة، يظنون ذلك تسليماً لامر الله وقضائه». قال: هذا خطأ.

وإنما أنا نازعت أقدار الحق، يعني عارضت. كلمة نازعت يعني عارضت، يعني أخذت بالأسباب التي تزال بها المصائب. بالحق، يعني أنا بذلك اتبعت الحق الذي أمر الله به في كتابه. للحق، يعني لوجه الله ولإرادة وجه الله. ثم قال: «والرجل من يكون منازعا للقدر، لا من يكون موافقا للقدر». طبعا هي الألفاظ هنا يا شباب ألفاظ فيها غموض وفيها إجمال، لكن ذكاء ابن تيمية رحمه الله أنه لا يقف مع مجرد اللفظ وإنما يقف مع المعنى، ثم لا يعبر إلا باللفظ الشرعي.

طبعا ابن تيمية شرح هذا الكلام يا شباب بما هو أوسع من ذلك في المجلد الثامن صفحة خمسمائة وسبعة وأربعين، طرح هذه الفقرة شرحا كبيرا جدا، لكني ذكرت لكم خلاصتها: أن عبد القادر الجيلاني رحمه الله ماذا يقول؟ يقول إن كثيرا من الناس يظن أن الإيمان بالقدر هو ألا يستقيم على أمر الله، وأن تستوي عنده كل الأشياء، وألا يأخذ بالأسباب، وظن أن هذا هو تسليم. قال: لا، وإنما الصواب أن تأخذ بالأسباب لإزالة المصائب، وتستقيم على شرع الله تبارك وتعالى.

فهذا يا شباب هو مقام الجمع بين الشرع والقدر، وهذا من أخص مقاصد كتاب، بل كل كتب الإمام ابن تيمية رحمه الله. أرجو أن تكون الجملة وضحت أمامكم يا شباب. قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: والذي ذكره الشيخ، يعني يقصد عبد القادر الشيخ عبد القادر، والذي ذكره الشيخ رحمه الله، وهو الذي أمر الله به ورسوله، ولكن كثيرا من الرجال غلطوا فيه، فانهم قد يشهدون ما يقدر على أحدهم من المعاصي والذنوب، أو ما يقدر على الناس من ذلك، بل من الكفر، ويشهدون أن هذا جاء بمشيئة الله وقضائه وقدره، داخل في حكم ربوبيته ومقتضى مشيئته، فيظنون أن الاستسلام لذلك وموافقته والرضا به ونحو ذلك دين وطريق وعبادة، فيضاهئون المشركين الذين قالوا... إلى آخر الكلام.

ابن تيمية يا شباب ماذا يقول؟ يقول إن كثيرا غلطوا في هذا الباب، فظنوا أن من ابتلي بالمعاصي أو بالكفر قالوا: يسلم لذلك بناء على أن الله شاء ذلك وخلقه ويحبه. هذا ضلال! فإن الله لا يرضى لعباده الكفر، وأن الله كره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، وأن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى. فابن تيمية رحمه الله يقول: إن هؤلاء الذين يظنون أن الاستسلام لذلك وموافقته دين وعبادة، هؤلاء يشبهون المشركين الذين قالوا... ابن تيمية سيذكر آيات هنا فيها أن المشركين عملوا بنفس هذه الحجة الباطلة، قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 148]. يقولون: الله سبحانه وتعالى شاء لنا الشرك، شاء ذلك لآبائنا، ولو أن الله أراد بنا الإيمان لآمنا.

طبعا يا شباب هذا القول فيه حق وباطل، يعني الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس: 100] تمام؟ ففعلا الله سبحانه وتعالى لو شاء لامن من في الأرض كلهم جميعا، لكن هؤلاء جعلوا ذلك حجة على شركهم وشرك آبائهم، فهذا هو الضلال. واضح يا شباب؟

لذلك الله سبحانه وتعالى لم يرد عليهم هذه الشبهات، الله سبحانه وتعالى لم يرد عليهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى في القرآن كثيرا أو أحيانا يذكر الشبهة ولا يرد عليها لكونها أساسا باطلة في نفسها، ولكون من يحتج بها يعلم أنها باطلة. مثلا شوفوا يا شباب، الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: 28]، يعني ذكروا حجتين، فماذا قال الله؟ قال: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: 28]. لم يرد على أنهم وجدوا آباءهم؛ لأن هذه حجة داحضة أن يجد الإنسان آباؤه على شيء فيتبعهم، هذا ليس حجة.

فهؤلاء المشركون قالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء، هذا حق، لذلك قال الله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَُّه لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: 35]، لو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا نعم، لكنهم احتجوا بذلك على الكفر والشرك وتحريم ما لم يحرمه الله، فلذلك كان حجة داحضة. وقالوا كذلك: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: 47]، يعني الناس يأمرونهم بالصدقة وإطعام المساكين يقولون: لو شاء الله أطعمهم، أو: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: 20].

قال ابن تيمية: ولو هدوا... يعني لا يقصد المشركين هنا ابن تيمية، يقول: لو هدوا، هذا الضمير يعود على الذين ضلوا في هذا الباب من الصوفية وغيرهم. مهم جدا يا شباب وأنت تقرأ لأي إمام أن تعرف الضمائر على ماذا ترجع. قال: ولو هدوا لعلموا أن القدر أمرنا أن نرضى به ونصبر على موجبه. عندي الراجل اللي مشكل مشكل خطأ، قال: أن نصبر على موجبه، غلط. الموجب يا شباب هو السبب، والموجب هو النتيجة، الموجب هو السبب، والموجب هو النتيجة التي نتجت. وقال: نصبر على موجبه، يعني على المصيبة التي أصابتنا.

قال: ولو هدوا لعلموا أن القدر أمرنا أن نرضى به ونصبر على موجبه في المصائب التي تصيبنا الفقر والمرض والخوف. قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّه يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11]. قال بعض السلف: هو الرجل... طبعا بعض السلف هنا يا شباب هو علقمة بن قيس النخعي، مشهور عنه هذا التفسير، قال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.

نقْرأ كده تاني الفقرة يا شباب، ابن تيمية يا شباب يتكلم هنا عن المصائب. المصائب يا شباب هي السيئات التي تصيب الإنسان، كما قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: 168]. السيئة قد تأتي بمعنى المعصية أو بمعنى الإثم، وقد تأتي بمعنى المصيبة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا»، وكما قال تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ﴾ [النساء: 78]. فالسيئة هنا بمعنى المصيبة، والحسنة بمعنى النعمة.

المصائب يا شباب التي تصيب الإنسان قد تكون بسبب منه، يعني الإنسان قد يذنب فيصاب، صح كده مثلا؟ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، أو مثلا فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، أو مثلا التي هي: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: 79]. واضح كده؟

فالمصيبة قد تكون بسبب من العبد فرط في شيء أو تعدى شيئا، وقد تكون هذه المصيبة ليست من العبد. واضح يا شباب؟ يعني مصيبة مثلا زلزال أو بركان، أو أمر خارج عن قدرته أساسا وليس بسبب مباشر منه، نحن أمرنا تجاه كل هذه المصائب أن نرضى ونسلم. واضح يا شباب؟

قال، ثم ذكر ابن تيمية قول السلف: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: 22-23]. إذاً ابن تيمية يا شباب هنا يريد أن يفرق بين أمرين، بين الرضا والتسليم لقدر الله، وبين الاحتجاج بقدر الله على ما نفعل من المعاصي. واضح يا شباب؟ هذا سيذكره الآن حينما يذكر حديث احتجاج آدم وموسى عليهما السلام.

قال ابن تيمية رحمه الله: وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: احتج آدم وموسى... إلى آخر الحديث. هذا الحديث يا شباب ابن تيمية له شرح خاص لهذا الحديث، لذلك نحن سنذكر من هذا الحديث فقط موضع الشاهد؛ لأن هذا الحديث يا شباب بناء على فهمه الخطأ رده جماعة، وفهم منه جماعة فهما خطأ ولذلك جعلوه حجة على ما يقومون به من المعاصي، فكل ما واحد منهم يقال له: لماذا تعصي الله؟ يقول: الله قدر علي ذلك، أنا هاعمل إيه يعني؟

فنشرع الحديث يا شباب ببساطة: الحديث فيه أن آدم وموسى حصل بينهم يعني مناظرة كده أو احتجاج، فموسى قال لآدم: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ أنت ليه خرجتِنا من الجنة وخرجت نفسك؟

فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، فهل وجدت ذلك مكتوباً علي قبل أن أخلق؟ قال: نعم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فحج آدم موسى»، يعني آدم غلب موسى في هذه الحجة.

ما هو الفهم الخطأ يا شباب الذي بسببه رد قوم هذا الحديث وغيرهم، يعني آثر عليهم هذا الفهم الخطأ فضلوا في باب القدر والشرع؟ ظنوا يا شباب أن آدم احتج بمعصيته، يعني أنه أكل من الشجرة بقدر الله، فيقول لموسى: أنا أكلت من الشجرة بقدر الله فلماذا يعني تلومني أو تعاتبني؟ وهذا الفهم باطل خطأ تماما.

موسى أساسا يا شباب لم يعاتب آدم ولم يلمه على الأكل من الشجرة أبدا، الأكل من الشجرة لا ذكر له في الحديث أساسا، إنما لامه على المصيبة التي نتجت عن الأكل من الشجرة. إذاً يا شباب، آدم عليه السلام ما الذي صدر منه؟ أكل من الشجرة، ﴿وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّه فَغَوَىٰ﴾ [طه: 121]، أصابه بسبب ذلك أنه أخرج من الجنة. إذاً الإخراج من الجنة هو المعصية أم المصيبة؟ هو المصيبة.

موسى لامه على المصيبة وليس على الذنب، فآدم قال له: الله قدر علي الإخراج. فآدم يا شباب هنا لم يحتج بالقدر السابق على المعصية، وإنما ذكر ذلك حجة له في المصيبة التي أصابته بسبب ذنبه.

شوفوا يا شباب، بسبب هذا الفهم الخطأ رد عدد من المعتزلة هذا الحديث، قالوا: هذا الحديث باطل لأنه يسوغ للناس أن يعصوا ربهم ويحتجون بالقدر. ثم بسبب هذا الفهم الخطأ احتج جماعة به على معنى باطل وهو أن الإنسان إذا فعل أي معصية، أي كبيرة، يقول: هي من قدر الله. واضح يا شباب؟

ابن تيمية هنا سيعلق على هذا الحديث. قال ابن تيمية رحمه الله: وآدم عليه السلام لم يحتج على موسى بالقدر ظنا أن المذنب يحتج بالقدر، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل. العاقل يا شباب أساسا لا يمكن أن يحتج بالقدر، يعني لو أي إنسان مثلا يا شباب قلنا له: اجلس في البيت كده، وأكل هيجي لك من غير ما تشتغل، وهياجي لك أولاد من غير ما تتزوج، سيحصل لك، ستسافر إلى مكان دون أن تنتقل من مقامك... كل هذا لا يمكن أن يصدقه العاقل؛ لأن العاقل يا شباب لا يمكن أبدا أن يحتج بالقدر على أفعاله الاختيارية. حتى الناس لو أنت مثلا ضربت شخص وقلت له: هذا بقدر الله، هو كمان هيضربك ويقول لك: هذا من قدر الله.

لذلك شوفوا ابن تيمية من ذكائه يا شباب يبين أن القول الباطل باطل بالوحي وبالعقل، وأن القول الحق حق في الوحي والعقل. قال ابن تيمية: ولو كان هذا عذرا لكان عذرا لإبليس وقوم نوح وقوم هود وكل كافر. لو كان ده بقى حجة، يبقى إذن كل كافر يقف عند الله ويقول: يا رب، فأنت شئت علي ذلك، وأنا احتج بالقدر السابق. لذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: 149]. نعم، لو شاء لهداكم، لكنه أعطاكم قدرة واختيارا.

بهما تحاسبون؟ قال الإمام ابن تيمية: ولا موسى لا م... أيضاً لا ولا موسى لام آدم أيضاً لاجل الذنب، فإن آدم قد تاب إلى رَبِّه فاجتباه وهدى، ولكن لامَهُ لأجل المصيبة التي لحقتهم بالخطيئة، يعني بسبب الخطيئة. الباء هنا يا شباب باء السببية، ولهذا قال: فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ وهذه هي المصيبة التي يعني جاءته بسبب الذنب الذي هو الأكل من الشجرة، فأجابه آدم أن هذا كان مكتوباً عليّ قبل أن أخلق.

هنا يا شباب سيذكر ابن تيمية رحمه الله قاعدة مهمة، قال ابن تيمية: فكان العمل والمصيبة المترتبة عليه مقدراً، وما قدر من المصائب يجب الاستسلام له؛ فإنه من تمام الرضا بالله رباً. أما الذنوب فليس للعبد أن يذنب، يعني شرعاً ليس للعبد شرعاً أن يذنب، لا يؤذن له شرعاً، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب، فيتوب من صنوف المعايب ويصبر على المصائب. هذه يا شباب خلاصة الفكرة، أن العبد تجاه كل المصائب، سواء أصابته بسبب من نفسه أو بغير سبب من نفسه، يجب أن يصبر عليها وأن يسلم لها ويرضى، لكن مع ذلك يجب أن يستغفر من ذنوبه.

وسيذكر ابن تيمية آية جامعة لكل هذه الأصول لتعلموا أن الوحي أعظم ما يفقه به كل باب، قال ابن تيمية رحمه الله: قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: 55]. إذاً الصبر على المصائب والاستغفار من المعايب، وقال كذلك: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 120]، وقال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186] إلى آخر الآيات.

قال ابن تيمية: وكذلك ذنوب العباد. شف ابن تيمية انتقل من فكرة استقامة العبد على الشريعة وعدم احتجاج العبد بالقدر على ذنوبه، انتقل من ذلك إلى أمر آخر وهو كيف تنظر إلى أعمال الناس وإلى أعمال العباد؟ لماذا يا شباب؟ لأن غلاة الصوفية الذين قالوا بمسألة شهود القدر، قالوا نحن سقط عنا التكليف لأننا شهدنا القدر، شهدنا أن كل ما هو كائن بقدر الله، فبالتالي لسنا مكلفين لا بصلاة ولا زكاة، ويحل لنا كل المعاصي. طبعا الغلاة شباب، العقلاء منهم والأئمة أبداً لا يقولون بذلك، بل يبدعون ويفسقون ويكفرون من يقول ذلك، نحن نتكلم عن الغلاة، واضح يا شباب؟ حتى لا ينسب ذلك إليهم.

طيب يا شباب، هؤلاء لم يكتفوا بذلك، وإنما قالوا يستوي عندنا الطاعة والمعصية والمؤمن والكافر، فكل ما يشوفه واحد مثلاً يرتكب أي فاحشة أو يغش في الميزان أو يسرق أو يسب الله أو يفعل أي كبيرة، يقولون: هذا من قدر الله. يعني هذا الرجل إن كان عصى الأمر والنهي فقد أطاع القدر، فابن تيمية قال: أنت ليس فقط مأموراً بأن تستقيم في نفسك، بل كذلك يجب أن تزن أفعال الناس بميزان الشرع، فإذا فعلوا ذنباً تأمرهم وتهاهم، لأن يا شباب أحد منتجات القول بشهود القدر القعود عن الإصلاح وترك شعبة الأمر والنهي بل ترك الأخذ بالاسباب.

كان الواحد منهم تأتي المرأة من التتار تشقه نصفين، لما التتار دخلوا بغداد وغيرها وجدوا عباداً جهلة، يعني المرأة تشق نصفين وهو يقول: أنا أسلم لأمر الله، هذا جاهل، واضح؟ لذلك قال بعض المفكرين غير المسلمين: كان الإيمان بالقدر أثراً مناقضاً بين الصحابة وبين جهلة العباد؛ فكان الصحابة آمنوا بقدر الله وآمنوا بوجوب الأخذ بالأسباب فنصرهم الله، أما هؤلاء الجهلة فإنهم ظنوا أن الإيمان بالقدر يقتضي ترك الأخذ بالأسباب فهزموا وقتلوا، واضح يا شباب؟

قال ابن تيمية: وكذلك ذنوب العباد يجب على العبد فيها أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحسب قدرته، ويجاهد في سبيل الله الكفار والمنافقين، ويوالي أولياء الله ويعادي أعداء الله، إلى آخر الكلام. إذاً يا شباب من مقتضى الجمع بين الشرع والقدر أن يؤمن الإنسان بأن ربه تبارك وتعالى بكل شيء عليم، وأن الله حكيم، وأن الله سبحانه وتعالى كتب كل شيء في الذكر، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن الله خالق كل شيء، ومع ذلك فإن للعبد قدرة واختياراً وعلمهما صار مكلفاً محاسباً؛ فيجب عليه أن يستقيم على أمر الله، ويجب عليه أن يفرق بين ما فرق الله بينه؛ بين الطاعة والمعصية، وبين أولياء الله وأعداء الله، ويجب كذلك أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بمقتضى الشريعة.

ذكر الإمام ابن تيمية رحمه الله نصوصاً عظيمة في هذه المعاني، وهذا من حسن استدلال ابن تيمية شباب أنه لا يتكلم بفكرة إلا ويستدل لها. طيب ابن تيمية في كل الأدلة التي ستأتي، يريد أن يستدل لأمرين؛ الأمر الأول يا شباب وهو وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، تمام؟ الأمر الثاني التفريق بين ما فرق الله بينه. واضح كده بينه وبين غيره، يعني هؤلاء قالوا يستوي عندنا المؤمن والكافر والفاسق والمطيع، قال لهم هذا ضلال؛ لأن الله تبارك وتعالى الذي خلق كل شيء فرق بين الأشياء: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: 35-36]، ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: 28]، ﴿أَمْ حَسَبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: 21]، ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: 19-22] إلى آخر الآيات.

واضح يا شباب؟ إذاً الفكرة المركزية هنا في كل هذه الأدلة اتباع الوحي في التفريق بين ما فرق الله بينه وبين غيره، واضح؟ فلا يصح هنا أن نقول إن الله خلق المؤمن والكافر إذا فهما سواء، نقول: لا، هما سواء في خلق الله ومشيئته، لكنهما أبداً ليسا سواء عند الله، الله سبحانه وتعالى قال: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: 20]، واضح يا شباب؟

قال ابن تيمية رحمه الله: ونظائر ذلك مما يفرق الله فيه بين أهل الحق والباطل، وأهل الطاعة والمعصية، وأهل البر والفجور، وأهل الهدى والضلال، وأهل الغي والرشاد، وأهل الصدق والكذب، واضح يا شباب؟ فمن شهد الحقيقة الكونية دون الحقيقة الشرعية سوى بين هذه الأصناف المختلفة التي فرق الله بينها غاية التفريق، حتى تؤول به هذه التسوية إلى أن يسوي بين الله وبين الأصنام، كما قال تعالى عنهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 97-98].

يا شباب، نحن سنقف إن شاء الله عند هذه الفقرة، لكن أري أن أشرح هذه الفطرة ثم أجمل القول فيما ذكرناه حتى لا يتشتت الشباب معنا. ابن تيمية يا شباب يناقش من؟ وما هي المسألة التي يتكلم عنها؟ وما هو البديل الشرعي الصحيح لها؟ وكيف احتج الإمام ابن تيمية لهذه المسألة من الوحي؟ وبماذا احتج من كلام أئمتهم؟ واضح يا شباب؟ هذه هي الأفكار حتى نرتب الأفكار.

ابن تيمية رحمه الله يا شباب في بداية الكتاب تكلم عن معنى العبادة، وأن العبادة هي الاسم الجامع لكل ما يحبه الله، يدخل في ذلك كل الأعمال التي يحبها الله، وأن العبادة هي الغاية التي بعث الله رسلها، وهي أعظم مقام للعبد، وهي التي وصف الله بها خاصة عباده.

ثم تكلم ابن تيمية في الفكرة الثانية -نحن نرتب الأفكار يا شباب- ثم تكلم ابن تيمية رحمه الله في الفكرة الثانية عن معنى العبادة، وهي تتضمن غاية الذل مع غاية الحب، واضح؟ لا يكون العبد عبداً لله بمجرد الذل ولا بمجرد الحب، حتى يكون ذليلاً لله خاضعاً محباً.

ثم انتقل ابن تيمية إلى معنى العبودية شباب، وأن العبودية لها دلالتان؛ عبودية عامة لا يخرج عنها مخلوق، يدخل فيها البر والفاجر، يدخل فيها حتى الكائنات، هذا هو الإسلام العام، هذا هو القنوت العام، هذا هو السجود العام، هذه هي العبودية العامة، واضح؟ حتى المشركون كانوا يقرون لله بشيء من ذلك، يقولون إن الله خلقهم وإن الله يرزقهم ويدبر أمرهم، وأن ذلك لا يتميز به المؤمن عن البر والفاجر.

ثم بين أن خاصة المؤمن أن يكون دينه كله لله، يعني أن المشرك قد يخلص لله في وقت ما في وقت اضطراره أو في الشدة، والله سبحانه وتعالى قد يستجيب له، واضح؟ لكن دينه لا يكون كله لله، أما المؤمن فخاصته أن دينه كله لله تبارك وتعالى وحده، وبين أن معنى لا إله إلا الله ألا يعبد إلا الله، وألا يعبد إلا بما شرع، لا معبود بحق إلا الله.

ثم انتقل ابن تيمية إلى فكرة مركزية هي التي أكثرنا الكلام عنها هذا اليوم لأهميتها ولأنها أعظم أصول الضلال عند الصوفية، ولأنها أهم أمر إذا فقهته عرفت سبب ضلال الصوفية الغلاة، ما هو هذا الأمر يا شباب؟ هو الجمع بين الشرع والقدر، يعني أن تؤمن بأن ربك تبارك وتعالى قدر عليك قدراً سابقاً، أن الله سبحانه وتعالى بكل شيء عليم، لا يحصل شيء ولا يكون شيء إلا بعلمه، وأن ربك تبارك وتعالى حكيم، لا يقضي قضاء ولا يشرع شرعاً ولا يفعل فعلاً إلا بعلم ولحكمة، وأن تؤمن بأن ربك تبارك وتعالى كتب كل شيء في الذكر قبل أن يحصل، قبل أن يخلق الخلق، وأن تؤمن كذلك أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن تؤمن كذلك أنه ما تشاؤون إلا أن يشاء الله، وأن تؤمن بأن الله خالق كل شيء، وأن تؤمن كذلك بأن الله لا يكلف عبداً إلا ما يدخل تحت علم العبد وقدرته واختياره، فإذا فقد العبد شيئاً من ذلك كان معذوراً عند الله، سيأتي الحديث عن تفاصيل الإيمان بالقضاء والقدر لكني فقط أردت أن ألتقط منها ما يناسب الموضوع.

فإذا أمنت بذلك وجب عليك أن تستقيم على شرع الله، ولا تعارض أبداً بين قدر الله السابق وبين شرع الله، لا تعارض بين أن الله كتب وعلم وشاء وخلق كل ما سيقوم به العبد وبين تكليف الله للعبد، لا يتعارضان البتة، هما متكاملان، كل عاقل يعلم ذلك، يعلم أن لديه اختياره وقدرة بهما يفعل، ويعرف أنه يجب عليه أن يأخذ بالأسباب.

هؤلاء الصوفية ما مشكلتهم يا شباب؟ أنهم ظنوا -طبعاً الغلاة، الغلاة منهم- ظنوا أن كل هذه الحوادث إذا كانت مكتوبة ومعلومة لله وهي بمشيئة الله وبقدره والله خلقها، إذاً هو يحبها، فأصل ضلالهم ظنهم التلازم بين الخلق والمشيئة والمحبة، والصواب أن الله قد يشاء ويخلق ما لا يحب، الله خلق المعاصي وخلق الكفر وخلق الفسوق والعصيان وهو لا يحبه، والله سبحانه وتعالى كره إلينا ذلك ولا يرضى لعباده الكفر، فلا تلازم بين المشيئة والمحبة، الله قد يحب ما لم يشأه، وقد يشاء ما لم يحبه، واضح؟ الله شاء خلق إبليس وهو لا يحب إبليس، واضح؟ وشاء الكفر من بعض الناس وهو لا يحبه، ويريد الهداية للناس لكنه أراد الإضلال لبعضهم، كما قال نوح: إن كان الله يريد أن يغويكم، لا تلازم بين الإرادة والمشيئة والمحبة، واضح يا شباب؟

طيب، فهؤلاء قالوا: الناس درجات، الدرجة السفلى هم الذين يرون الفرق بين الطاعة والمعصية والمؤمن والكافر، ويرون أنهم يجب عليهم تكليف، هؤلاء الدرجات التي تحت تعبانين خالص، الأهل منهم شوية هم الذين شهدوا القدر، يعني شهدوا أن كل ما هو كائن بمشيئة الله، إذاً يستوي كل هذه الأشياء، ويقولون: إن كنت عصيت الأمر والنهي فقد أطعت القدر! ونتج عن ذلك ضلالات، منها أنهم تركوا الاستقامة على شرع الله، واستوى عندهم الأنبياء بالفجار، والمؤمنين بالكفار، والجنة بالنار، واستوى عندهم الطيبات بالفواحش، والمعروف بالمنكر، وكذلك نظروا إلى أفعال العباد التي لا ترضي الله فلم يأمروا ولم ينهوا الناس عنها.

الإمام ابن تيمية رحمه الله لما أراد أن يحتج على هؤلاء احتج عليهم بكلام إمام من الأئمة المرضيين عندهم، بين لهم هذا الإمام بصحيح كلامه أن ليس هذا هو الإيمان بالقدر، وإنما هذا ضعف وجهل بالشريعة، والإيمان بالقدر أن تسلم لقدر الله وتأخذ بالأسباب التي شرعها الله، تقاوم المصيبة بالأسباب المناسبة، وتستغفر من الذنب، وتجاهد نفسك على الاستقامة على أمر الله.

ثم بينا فقه ابن تيمية في الاستدلال بأقوال هؤلاء، وأنه ينظر إلى القصد وإلى المعنى أكثر من مجرد اللفظ لا سيما في مقام الاحتجاج على هؤلاء من كلام أئمتهم، ثم بعد ذلك قرر الإمام ابن تيمية رحمه الله من أدلة الشرع ما يبين هذا المعنى، ثم دفع الإشكال المشهور وهو حديث احتجاج آدم وموسى، ظنوا أن آدم احتج بالقدر السابق على المعصية، فقال لهم ابن تيمية: أبداً هذا المعنى باطل، فإن موسى لم يلم آدم على المعصية أبداً ولا جاء للمعصية ذكر، إنما موسى لام آدم على الإخراج من الجنة، فقال له آدم: الله كتب عليّ ذلك! فبين ابن تيمية أن هذا هو معنى الحديث، وليس أن آدم احتج بالقدر السابق على المعصية.

ثم بين ابن تيمية رحمه الله أن العبد تجاه كل المصائب، سواء كانت بسبب ذنبه أو بغير ذلك، يسلم ويرضى قضاء الله، يعني يقاومها بالأسباب، وتجاه المعايب التي هي الذنوب يستغفر، ولا يحل له أن يقول: كتب الله عليّ ذلك! ويحتج بذلك، ثم انتقل إلى فكرة أخرى وهي فكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فقه باب القدر والشرع علم أن من شعب الإيمان

إيماني أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويوالي المؤمنين ويعادي غير المؤمنين. ثم انتقل ابن تيمية إلى التفريق، بينما فرق الله بينه ليبطل قول هؤلاء الذين زعموا أن الكل مخلوق لله وبمشية الله فيستوي الجميع. قال: لا، الله سبحانه وتعالى فرق بين هذه الأشياء؛ فرق بين المسلمين والمجرمين، فرق بين الذين عملوا الصالحات وبين الكفار، وفرق بين المتقين والفجار، وفرق بين الأعمى والبصير، إلى غير ذلك من الأمور.

آخر فقرة يا شباب هي التي تحتاج شرحاً؛ ابن تيمية في آخر فقرة قرأتها عليكم، اللي هي: فمن شهد الحقيقة الكونية دون الحقيقة الدينية سوى بين هذه الأصناف المختلفة التي فرق الله غاية التفريق، حتى تؤول به هذه التسوية إلى أن يسوي بين الله وبين الأصنام. يعني ابن تيمية يقول يا شباب: إن هؤلاء الذين سووا بين هذه الأشياء التي فرق الله بينها، سووا بين الأنبياء والكفار، وسووا بين الجنة والنار، وسووا بين المؤمنين والمشركين، آل بهم الأمر بهذه الفكرة أو بهذا الأصل الخطأ أنهم سووا بين الله وبين الأصنام. قالوا أصلاً هم عندهم درجات؛ الدرجة الأولى من يرى فرقا بين الطاعة والمعصية، ده اللي هو المسلم التعبان اللي هو الدرجة التعبانة. طب الدرجة اللي أعلى منه هو الذي لا يفرق بين طاعة ومعصية، طب الدرجة الأعلى بقى الأخيرة خالص اللي هي بيسموها الفناء عن شهود السوى، يعني لا يرى في الكون إلا الله، اللي هي مسألة وحدة الوجود.

يقولون: كل ما في الكون هو الله، إذا لو توجه إلى صنم فهو متوجه إلى الله. واضح يا شباب؟ وابن تيمية سبيين هذه الفكرة إن شاء الله، فأشعر أن أنا أطلت عليكم كثيراً جداً، لكن أرجو إن شاء الله أن يكون الكلام مفهوماً. لقد حاولت أن أشرحه وأن أعيده وأن أكرره وأن أضبط لكم الألفاظ حتى تقيدوا هذه الفوائد. نقف عند هذا إن شاء الله، وبإذن الله نحاول غداً أن نكمل أيضاً في هذا الكتاب حتى ننهيه، لأني إن شاء الله بعد أسبوع تقريباً أسا فر بلداً بعيدة، وربما لا يتوفر لي وقت للدروس، وإن كنت ساحاول إن شاء الله.

فأرجو أن ننهي هذا الكتاب، وكتاب شرح منظومة لغة المحدث، وأعقد لكم في الكتابين امتحاناً، وأنا متأكد إن شاء الله أنكم على قدر المسؤولية، وطبعا كثير منكم يبعث لي أجوبة سواء في هذا الكتاب أو في الكتاب الآخر، وأنا سعيد جداً بهذا، وهذا يشجعني أن أكمل معكم، وإن شاء الله موعدنا غداً يا شباب في نفس الموعد؛ يعني بعد العشاء، نصف ساعة بعد أذان عشاء توقيت مكة، وبالتوقيت البلدي الذي أسكن فيها الساعة السابعة والنصف، ما أعرفش أنتم توقيتكم كم بقى، لا مش صباحاً، إن شاء الله غداً يكونوا مساء.

اجتهدوا يا شباب، يعني هذا الطريق طريق خير، وفي نهاية هذه الكتب يا شباب، بل يعني في نهاية حتى هذا الكتاب ستشعر بفرق كبير جداً في مهاراتك وفي قراءتك وفي نظرك، أنا متأكد من ذلك إن شاء الله، وعلى ثقة باذن الله أننا سنتمم هذه الخطة كاملة؛ لأننا بعد تراث ابن تيمية سندخل في تفسير الإام الطبري كاملاً، نقرأه حرفاً حرفاً لنكون ختمنا أعظم تفسير وهو أقوى تفسير، وإن شاء الله نمشي هكذا، ثم تراث الإمام الشافعي، وهكذا إن شاء الله.

فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل ذلك كله خالصاً لوجهه، وأن يرزقنا العمل بهذه المعاني التي نتعلمها، وأن يجعلنا مهديين، وأن يجعلنا رحماء بالخلق، وأن نبين لهم وأن نبصرهم، وأن يصلح أعمالنا، وأن يصلح بيوتنا، وأن يصلح زوجاتنا، وبالنسبة للنساء أن يصلح أزواجهن وأن يصلح أبناءنا.

أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً، وبارك الله فيكم، بارك الله فيكم، يعني أنتم ترسلون دعاء، جزاكم الله خيراً وبارك الله فيكم، أنا اريد أن ارد عليكم واحداً واحداً، لكن ما في القلب يعلمه الله سبحانه وتعالى. جزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.