فمن شهد الحقيقة الكونية دون الحقيقة الدينية، سوى بين هذه الأصناف المختلفة التي فرق الله بينها غاية التفريق، حتى تؤول به هذه التسوية إلى أن يسوي بين الله وبين الأصنام، كما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 97-98]. بل قد آل الأمر بهؤلاء إلى أن سووا الله بكل موجود، وجعلوا ما يستحقه من العبادة والطاعة حقا لكل موجود، إذ جعلوه هو وجود المخلوقات، وهذا من أعظم الكفر والإلحاد برب العباد. هؤلاء يصل بهم الكفر إلى أنهم لا يشهدون أنهم عباد الله، لا بمعنى أنهم معبدون، ولا بمعنى أنهم عابدون، إذ يشهدون أنفسهم هي الحق، كما صرح بذلك طواغيتهم كابن عربي صاحب الفصوص وأمثاله الملحدين المفترين كابن سبعين وأمثاله، ويشهدون أنهم هم العابدون والمعبودون، وهذا ليس بشهود للحقيقة لا الكونية ولا الدينية، بل هو ضلال وعمى عن شهود الحقيقة الكونية، حيث جعلوا وجود الخالق هو وجود المخلوق، وجعلوا كل وصف مذموم وممدوح نعتا للخالق والمخلوق، إذ وجود هذا هو وجود هذا عندهم.
أما المؤمنون بالله ورسوله عوامهم وخواصهم الذين هم أهل القرآن، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لله أهلين من الناس»، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته». هؤلاء يعلمون أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، وأن الخالق سبحانه مباين للمخلوق، ليس هو حالا فيه ولا متحدا به ولا وجوده وجوده. والنصارى إنما كفرهم الله إذ قالوا بالحلول واتحاد الرب بالمسيح خاصة، فكيف من جعل ذلك عاما في كل مخلوق؟ ويعلمون مع ذلك أن الله أمر بطاعته وطاعة رسوله، ونهى عن معصيته ومعصية رسوله، وأنه لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر، وأن على الخلق أن يعبدوه فيطيعوا أمره ويستعينوا به على كل ذلك، كما قال في فاتحة الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5].
ومن عبادته وطاعته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب الإمكان، والجهاد في سبيل لأهل الكفر والنفاق، فيجتهدون في إقامة دينه، مستعينين به رافعين مزيلين بذلك ما قدر من السيئات، دافعين بذلك ما قد يخاف من آثار ذلك، كما يزيل الإنسان الجوع الحاضر بالأكل ويدفع به الجوع المستقبل، وكذلك إذا آن أوان البرد دفعه باللباس، وكذلك كل مطلوب يدفع به مكروه. كما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي بها، ووقى نتقي بها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال: «هي من قدر الله». وفي الحديث أن الدعاء والبلاء ليلتقيان فيعتلجان بين السماء والأارض، فهذا حال المؤمنين بالله ورسوله العابدين لله، وكل ذلك من العبادة.
فمن شهد الحقيقة الكونية دون الحقيقة الدينية سوى بين هذه الأصناف نحن يا شباب في الدرس السابق تحدثنا عن مسألة الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وتحدثنا عن مسألة الجمع بين الشرع والقدر، وأن المؤمن يؤمن بأن ربه تبارك وتعالى بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، وأن ربه عليم حكيم وله الحكمة البالغة، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن الله كتب كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض، وكذلك أن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، ومع ذلك نؤمن بأن العباد لهم قدرة واختيار بهما يعني صاروا مكلفين، وأن الشرع والقدر بينهما تكامل. ثم تحدثنا عن غلاة الصوفية الذين يزعمون أن من شهد القدر، يعني من نظر إلى أن كل امر وفعل إنما هو بقدر الله، يستوي عنده المؤمن والكافر، ويستوي عنده الحسنة والسيئة، إلى آخر هذا الكلام لا اريد أن أعيده مرة ثانية. الآن الإمام ابن تيمية رحمه الله يتكلم عن مسألة شهود القدر وأن الصوفية فيها درجات.
قبل أن ندخل في بيان هذا المعنى يا شباب اريد أن أبین أن الإمام ابن تيمية رحمه الله حينما تكلم عن الصوفية، سواء الصوفية الذين تسموا بالصوفية أو من نسبوا إلى الصوفية من العباد، ابن تيمية رحمه الله ذكر أن طائفة كبيرة ممن نسبوا إلى التصوف كانوا على إيمان أهل السنة والجماعة. ابن تيمية رحمه الله بين أن المنتسبين إلى التصوف درجات، وأن هذه الدرجات بناء على قربهم أو بعدهم من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو هنا يقصد الذين تسموا باسم الصوفية أو الذين نسبوا إلى التصوف.
ابن تيمية رحمه الله يجعل أعلى هؤلاء عملا وقربا من السنة أمثال الفضيل بن عياض، والجنيد بن محمد، وسهل بن عبدالله التستري، وعمرو بن عثمان المكي، وأبي عبدالله محمد بن خفيف الشيرازي. ثم بين أنه حينما ظهر أو حينما اختلط بالتصوف علم الكلام نشأ طائفة أخرى من هؤلاء الذين جمعوا بين التصوف كمذهب في السلوك وبين الأشعرية أو علم الكلام كمذهب عقدي، ومن هؤلاء مثلا الغزالي، القشيري صاحب الرسالة القشيرية التي رد عليها ابن تيمية في كتاب الاستقامة.
لكن المتأخرين من الصوفية وهم الذين سماهم ابن تيمية فلاسفة الصوفية، أو أطلق عليهم أحيانا ملاحدة، فهؤلاء كابن عربي، وابن سبعين، والقونوي، وابن الفارض، والعفيف التلمساني، فهؤلاء الذين قال عنهم ابن تيمية رحمه الله إنهم أخذوا مخ الفلسفة فكسوه لحاء الشريعة. وابن تيمية كثيرا ما يعبر عن هؤلاء بملاحدة الصوفية، فهؤلاء يا شباب هم الطائفة الأخيرة التي ذكرناها، خلطوا مع التصوف وعلم الكلام الفلسفة، وقالوا مقالات كفرية، منها مقالة الحلول والاتحاد. ومعنى الحلول أن الله حل في شخص، لكنهم قالوا إن الله حل في العالم، يعني ما ثم موجود إلا الله، ربما إن شاء الله في وقت لاحق نتعرض لهذه المقالات من أصلها وكيف نشأت شبهتهم فيها.
لكن الآن فقط أريد أن أبين هذا لأني قلت لكم قبل ذلك إن طريقتنا في الشرح هي أن نجعل كل معلومة في موضعها اللائق بها، لكن أحيانا لا يفهم الكلام إلا إذا تصور الطالب سبب هذا الكلام أو إذا فكت له عبارات الكتاب. وابن تيمية رحمه الله هنا يتكلم عن أسوأ الصوفية الغلاة في مسألة شهود القدر، تبين أن هؤلاء بهم الأمر إلى أن سووا الله بكل موجود، وجعلوا ما يستحقه من العبادة والطاعة حقا لكل موجود. واضح يا شباب؟
احنا إن شاء الله نحاول أن نقرأ كل فقرة ثم بعد ذلك نعلق عليها ونبين دلالات الألفاظ، وقلنا يا شباب في مختصر هذه المقدمة إن الإمام ابن تيمية رحمه الله كأنه يجعل مراحل للتصوف: المرحلة الأولى صوفية أهل الحديث، وهؤلاء الصوفية الأوائل كالجنيد والفضيل ومن ذكرناهم وابن خفيف وغير هؤلاء. وصوفية أهل الكلام كالغزالي والقشيري، وصوفية الفلاسفة كالحلاج وابن سينا والتلمساني وابن الفارض والقونوي وابن سبعين ونحو هؤلاء.
نبدأ في القراءة يا شباب، قال رحمه الله: بل قد آل الأمر بهؤلاء إلى أن سووا الله بكل موجود، وجعلوا ما يستحقه من العبادة والطاعة حقا لكل موجود، إذ جعلوه، الهاء هنا تعود على الله، إذ جعلوه هو وجود المخلوقات، وهذا من أعظم الكفر والالحاد برب العباد. وهؤلاء يصل بهم الكفر إلى أنهم لا يشهدون أنهم عباد الله، لا بمعنى أنهم معبدون ولا بمعنى أنهم عابدون، إذ يشهدون أنفسهم هي الحق، كما صرح بذلك طواغيتهم كابن عربي صاحب الفصوص وأمثاله من الملحدين المفترين كابن سبعين وأمثاله، ويشهدون أنهم هم العابدون والمعبودون.
ابن تيمية رحمه الله هنا يبين أن مسألة شهود القدر التي بدأت مع هؤلاء بكونهم سووا بين الأشياء بجامع أن كل هذه الأشياء هي بمشية الله وبخلق الله، تسووا بين الطاعة والمعصية وبين أولياء الله وأعدائه وبين الكافرين والمؤمنين إلى غير ذلك، آل الأمر بهؤلاء أنهم سووا الله بكل موجود، وهذه يا شباب ما تسمى بوحدة الوجود، هي مقالة فلسفية فكرتها أن الله والخلق حقيقة واحدة، يعني ابن عربي يرى أن الله سبحانه وتعالى هو وحده الموجود، ليس هناك وجود غير الله سبحانه وتعالى، فالله هو عين الوجود.
فالحلول يا شباب أن الله يحل في بعض المخلوقات ويتحد معها، كما قالت النصارى في المسيح عيسى ابن مريم يزعمون أن الله حل فيه، واضح؟ أما الاتحاد يعني أن الله هو المخلوقات، تعالى الله تبارك وتعالى عما يقولون علوا كبيرا، ونحن لولا أننا نبين هذه المذاهب ما كان يصح أن نقول ذلك، لكن الله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه هذه المقالات كما قال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: 30]، وكذلك قالت اليهود يد الله مغلولة، لقد كفر الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء، فالله تعالى ذكر تلك المقالات وحكم عليها، فنحن من هذا الباب نذكر تلك المقالات، والله سبحانه وتعالى يتعالى عما يقوله الكافرون الظالمون علوا كبيرا.
إذا يا شباب ابن تيمية رحمه الله يريد أن يبين أن هذا هو ممن أشد ما وقع لهؤلاء من الضلال، أنهم جعلوا وجود الله هو وجود المخلوقات، واضح؟ ثم قال ابن تيمية: وهؤلاء يصل بهم الكفر إلى أنهم لا يشهدون أنهم عباد الله، لا بمعنى أنهم معبدون ولا بمعنى أنهم عابدون. المعنى الأول الذي بمعنى أنهم يشهدون أن الله خلقهم ويرزقهم ويحييهم ويميتهم، ولا بمعنى العابد الذي عبد الله اختيارا وجعل دينه كله لله، ثم قال: إذ يشهدون أنفسهم هي الحق، يعني هم يشهدون أنهم هم الله سبحانه وتعالى، قال: كما صرح بذلك طواغيتهم كابن عربي. طبعا ابن عربي هو صاحب هذه المقالة وهو أساسها في الفلاسفة الصوفية، وتبعه على ذلك ابن الفارض وابن سبعين والعفيف التلمساني وغير هؤلاء.
وقال صاحب الفصوص، كتاب فصوص الكتب طبعا هو من الكتب ابن عربي له مجموعة من الكتب، منها الفتوحات المكية وكتاب الفصوص، وهذا كتاب مليء بالمقالات الشركية والمقالات الفلسفية، وهذا هو الذي يحذر منه ابن تيمية رحمه الله كثيرا، وإن شاء الله سيكون عندنا كتب خاصة في نقد هذه المقالات وشرح هذه المقالات.
طيب يا شباب، احنا قبل أن نستمر في القراءة، أود أن أبين فكرة مهمة تشرح للشباب ما معنى المقالة. يعني احنا يا شباب لما نتكلم عن مسائل الوجود، أو خلق الإنسان، أو الحكمة من خلق الإنسان، أو المعرفة والتكليف ووسائل المعرفة، وعلاقة وسائل المعرفة، البعض يعني علاقة العقل بالوحي مثلا، مسألة النبوة، مسألة البعث، مسألة الحساب، مسألة الجزاء، هذه المسائل يا شباب هي المسائل الكبار، مسألة الوجود وخلق الإنسان والحكمة من خلق الإنسان والتكليف الذي هو الابتلاء، ووسائل المعرفة مثل الفطرة والعقل والحس والوحي والعلاقة بينها، هل تتكامل أم تتعارض؟ الحديث عن النبوة، الحديث عن البعث، الحديث عن الحساب، الحديث عن الجزاء، هذه يا شباب هي القضية الكبرى أو القضايا الكبرى التي تتحدث عنها الفلسفات والفكر والأديان، واضح يا شباب؟
طيب، هذه المسائل يا شباب قبل أن نبينها، نبين أن الله سبحانه وتعالى كما قلت لكم في الدرس الثاني لما أنزل آدم إلى الأرض وكان معه الشيطان، الله سبحانه وتعالى أخبر آدم أن الشيطان عدوه، لكنه كذلك أخبر آدم عن المنهج الذي يسير به في طريقه، أو المنهاج الذي ينبغي في أن يسير عليه. الله سبحانه وتعالى لما قال: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه: 123-126].
إذا الله سبحانه وتعالى يا شباب من وقت نزول آدم عليه السلام ومعه الشيطان بين له أمرين، الأمر الأول بين له عداوة الشيطان له، وبين له كذلك كيف يحيى، كيف يعيش، بين له أن الوحي هو طريق الهداية، وبين له عاقبة من يستقيم على الوحي ومن يعرض عنه. أبواب العلوم يا شباب أبواب العلوم عندنا مثلا الوجود والأخلاق، هذه تبحث عن الكون وعن وجوده وعن الخالق وعن أفعال الخالق، وعن الإنسان وعلاقته بالخالق وعلاقة الخالق بالكون وما هو الكون وما هي وسائل المعرفة؟ ماشي يا شباب، دي مسائل الوجود والأخلاق، عندنا مسائل أخرى اسمها العلوم البحتة مثل الصناعة والفيزياء والكيمياء والأحياء والهندسة، التي هي مساء.
مسائل نادرا ما تتقاطع مع الأديان بيسموها العلوم البحتة. الناس يا شباب في مسائل الوجود والأخلاق اللي هي مسائل الدين يعني، ممكن أن نسميها بالدين، منهم مثلا الفيلسوف، ومنهم النبي، ومنهم الفقيه، ومنهم المتدين.
الفيلسوف يا شباب عنده فكرة وهي أن الإنسان يجب أن يصل إلى المعرفة بنظره واستدلاله ولا يقلد أحدا، فبالتالي الفيلسوف يرى أن العقل وحده كاف في تفسير العالم، وأن العقل وحده كاف في وضع على ماذا ينبغي أن يسير العالم. يعني الفيلسوف لا يرجع إلى الوحي ولا يلتزم بكلام نبي ولا غيره، هو لا يرى إلا ما يقوله نفسه.
أما النبي فهو شخص أوحي إليه وأمر بالبلاغ، والله سبحانه وتعالى أمره أن يبلغ ذلك بقوله وعمله، فهو لا يؤسس ديناً: ﴿قُل ما يَكونُ لي أَن أُبَدِلَهُ مِن تِلقاءِ نَفسي﴾ [يونس: 15]. فالنبي مبلغ عن الله، واضح؟
الفقيه ما معنى الفقيه؟ الفقيه هو شخص يطلب الهدى من الوحي في مسائل الدين. طيب، من هو المتدين؟ هو شخص مصدق ومقر وملتزم بأي دين، ربما يقع منه مخالفة جهلا أو هوى، لكنه باق في الالتزام به في الجملة، وهؤلاء المتدينون درجات. واضح يا شباب؟
طيب في هذا الباب يا شباب لا، في حد كاتب أن الفيلسوف يعني ملحد؟ لأ، مش دي الفكرة؛ ما هو ممكن واحد يكون ملحد ومش فيلسوف. نحن الآن نتكلم عن مصادر المعرفة، يعني من أين يأخذ هؤلاء دينهم؟ فقلنا إن النبي -أي نبي- هو شخص اختاره الله يوحى إليه، وهو مبلغ عن الله. وظيفته أنه يبلغ ويبين، وهو نموذج لما يرضاه الله من الأقوال والأعمال، واضح؟
أما الفيلسوف فهو لا يرجع إلى وحي، وإنما يتكلم في باب الوجود والأخلاق وتفسير العالم ونحو ذلك باجتهاده هو؛ يتكلم باجتهاده هو بنظره بعقله بحسه، لا يرجع إلى الوحي. إذا هنا الفيلسوف لا شك أنه ملحد، لكن إذا قلنا إن الملاحدة ينبغي أن يكونوا كلهم فلاسفة، لا؛ فوصف الفيلسوف هنا بالالحاد ليس هو الذي نتحدث عنه، وإنما نقول إن الفيلسوف لا يعتمد على وحي.
طيب يا شباب، عندنا هنا في هذا الباب اللي هو علم المقالات؛ لأننا هنا مثلا نتكلم عن مقالة شهود القدر، نتكلم عن الإرجاء، نتكلم عن التعطيل، نتكلم عن الجبر، نتكلم عن مثلا الفناء، نتكلم عن وحدة الوجود، كل هذا يا شباب اسمها مقالات، اسمها مقالات. فأنا الآن أريد أن أبين لكم ألفاظا ستستعمل معنا كثيرا وينبغي أن تفرقوا بينها؛ لأني وجدت كثير من الطلاب لا يحسنون التفريق بين هذه الألفاظ.
عندنا يا شباب لفظ المقالة، ولفظ الدين، ولفظ الملة، ولفظ الفرقة، ولفظ المذهب الفقهي، ولفظ الجماعة، ولفظ الحزب، ولفظ النحلة أو المذهب الوضعي. هذه يا شباب هي التي تستعمل فيما يسمى بعلم المقالات. واضح يا شباب؟ علم المقالات يا شباب هو دراسة معتقدات الناس وأقوالهم الخاصة بمسائل الإيمان والوجود والأخلاق، سواء عند الفرق الإسلامية أو غيرها من الملل والنحل.
علم المقالات يدرس المسائل المتعلقة بالإيمان والوجود والأخلاق. المقالة يا شباب هي اعتقاد، المقالة هي اعتقاد أو فكرة؛ مثلا الإرجاء مقالة، التعطيل مقالة، الجبر مقالة، التشبيه مقالة، الرفض مقالة، النصب مقالة، شهود القدر مقالة، واضح؟ كذلك وحدة الوجود مقالة.
مثلا يا شباب الإرجاء هو مقالة، ما معناها؟ أن العمل يخرج عن مسمى الإيمان، ده معنى الإرجاء. طيب التعطيل؟ أن الله سبحانه وتعالى ينفى عنه ما أثبت له من المحامد ومعاني الأسماء اللي هي بيسموها الصفات. طيب الجبر؟ معناها أن الإنسان ليس له قدرة ولا اختيار على فعله، مقالة. التشبيه؟ أن الله يشبه خلقه، مقالة. الرفض؟ هو رفض خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، مقالة. النصب؟ هو نصب العداء إلى آل البيت، مقالة. وحدة الوجود؟ يعني وجود الله ووجود المخلوقات، فهذه يا شباب اسمها مقالات.
ركزوا بقى معي، هذه المقالات يا شباب قد يقول بها فرق وأشخاص. مثلا مقالة الإرجاء تقول بها مرجئة الفقهاء والكرامية والأشعرية والكلابية والجهمية، هذه فرق متنوعة ومختلفة في أشياء، لكن أنهم في باب الإيمان مرجئة.
كذلك التعطيل يا شباب، مقالة التعطيل مقالة معناها نفي معاني الأسماء والصفات أو بعضها، هذا التعطيل (يعني يقول به الجهمية والمعتزلة، ويقول ببعضه الأشعرية وهكذا). الجبر كذلك يقول به الجهمية ويقول به الأشعرية على اختلاف في الدرجة، وهكذا يا شباب.
إذا يا شباب المقالة هي فكرة أو عقيدة واضح مرتبطة بمسائل الإيمان والوجود والأخلاق، هذه المقالة قد يقول بها شخص وقد يقول بها فرقة.
أما علم الملل يا شباب فهو العلم الذي يدرس عقائد الأديان. الملل هي الأديان يا شباب، يعني دين اليهود، دين النصارى، دين المجوس، دين المسلمين، هذا دين، واضح؟ فالأديان مثل الإسلام واليهودية والنصرانية، هذه أديان يا شباب واضح؟
لكن ما هو علم الفرق؟ علم الفرق يدرس اختلاف الناس تحت الدين الواحد في مسائل اصول الدين. يعني مثلا يا شباب النصارى بينهم خلافات عقدية، فمثلا هم فرق: الكاثوليك، الأرثوذكس، البروتستانت، دول اسمهم يا شباب فرق النصارى. طب ليه سميناهم فرق وما سميناهمش مذاهب؟ لأن هم اختلفوا تحت دين واحد وفي مسائل من اصول الدين اللي هي مسائل كبار. واضح يا شباب؟ لكنهم تحت دين واحد.
طيب في الإسلام مثل من؟ مثل الخوارج، المعتزلة، الشيعة، الكرامية، الأشاعرة، أهل السنة، فهؤلاء شباب فرق. طب لماذا لم نقل إن الخوارج والمعتزلة والشيعة اديان؟ لأ، لأنهم جميعا تحت دين واحد وهو الإسلام. طب هل الكاثوليك دين؟ لا، هم فرقة تحت دين وهو دين النصارى.
أما المذهب الفقهي يا شباب فهو العلم الذي يدرس أو المذاهب الفقهية هو العلم الذي يدرس اختلاف العلماء في الدين الواحد في مسائل فروع الدين وأحكامه، في مسائل الفروع، يعني مسائل الفقه، واضح يا شباب؟ سيأتي لنا تعقيب بعد ذلك على مسألة تقسيم الدين إلى أصول وفروع، وعلى مناط القسمة، لكننا الآن فقط نبين هذا في رسم مسألة المذاهب.
مثلا يا شباب الأحناف، المالكية، الشافعية، الحنابلة، الظاهرية، هذه يا شباب فرق؟ لا، ليست فرقاً، وليست مللاً، وإنما هي مذاهب فقهية؛ لأنهم اختلفوا في مسائل أحكام دين واحد.
طيب ما هو علم المذاهب يا شباب؟ المذاهب الوضعية أو علم النحل هو العلم الذي يدرس المذاهب التي هي بمثابة دين بديل، مثل الليبرالية، المدنية، الشيوعية، القومية، الماركسية، المدنية، واضح يا شباب؟ فهذا اسمه علم المذاهب الوضعية أو النحل، يعني أنه ليس دينا يعني يزعم أهله أنه نزل من السماء، فهذا اللي هو علم المذاهب الوضعية أو النحل، يدخل فيه الليبرالية، المدنية، الشيوعية، القومية.
طب يا شباب الأحزاب السياسية؟ عشان بعض الناس بيخلص الأحزاب بالجماعات؛ هي كيانات تشارك في حراك سياسي بشكل رسمي، أيا كان دينها أو منهجها، ما دام لها مشاركة سياسية بشكل رسمي فهذا يسمى حزبا.
طيب إيه الجماعات؟ هي كيانات تحت دين واحد تختلف باعتبار منهجها في الدعوة والاصلاح والتغيير؛ يدخل في هؤلاء جماعة التبليغ والدعوة، الجماعة الإسلامية، الإخوان، أنصار السنة، السلفية الجهادية، الدعوة السلفية، المدخلية، الجامية، كل هؤلاء يا شباب يسمون جماعة. لماذا ذكرت هذا يا شباب؟ لأن كثيرا من الشباب لا يفرق، فمثلا يجعل جماعة الإخوان دي فرقة، يجعل مثلا جماعة التبليغ مقالة، لا، يعني لا نفرق بين العلمانية والليبرالية، لا نفرق بين النحلة وبين الملة. واضح يا شباب؟ وإن شاء الله يمكن أن -يعني أنا كتبت لكم مختصرا يشرح هذه المعاني- يمكن إن شاء الله أن أكتبها لكم في التعليقات كما كتبت لكم في الدرس السابق إن شاء الله.
إذا يا شباب وحدة الوجود هي مقالة قال بها من؟ قال بها -يعني- فرق وجماعات كثيرة، يعني كان يقول بها بعض الفلاسفة قبل الإسلام وققبل الأديان (يعني قبل بعض الأديان)، وكذلك قال بها في الصوفية ابن عربي وتبعه جماعة، فهي مقالة، كل من قال بها فقد ارتضى بها. مثل يا شباب العلمانية مقالة، وهي ألا يكون للدولة مرجعية مقدسة في مسائل الحكم أو السياسة أو الاقتصاد أو الأخلاق، هذه المقالة تقول بها المدنية والليبرالية والشيوعية والماركسية، كل هذا -يعني- كلهم يتفقون في هذا المعنى، وإن كان بينهم خلافات كثيرة.
كذلك شباب مثلا مقالة التعطيل، هذه مقالة قال بها من؟ قال بها الجهمية والمعتزلة، وقال ببعضها الأشعرية والكلابية والماتريدية، وهكذا يا شباب.
طيب نكمل حتى لو كان الكلام صعب شوية يا شباب، إن شاء الله في المرات القادمة يكون أسهل؛ لأننا سنحاول أن نبينه بشكل أوسع، فقط أردت أن -يعني حتى لا- حتى إذا تكلمت بكلمة ملة أو كلمة مقالة أو كلمة فرقة أو كلمة مذهب، تفهمون الفروق الدقيقة بين هذه الدلالات أو هذه الألفاظ.
قال ابن تيمية رحمه الله: «وهذا ليس بشهود للحقيقة لا الكونية ولا الدينية، بل هو ضلال وعمى عن شهود الحقيقة الكونية». ابن تيمية يحكم على هؤلاء كابن عربي وابن سبعين والقونوي والتلمساني وابن الفارض وغير هؤلاء الذين قالوا زعموا أنهم حققوا التوحيد. لو تفتكروا يا شباب ابن تيمية من حوالي ثلاث صفحات أو أربع صفحات ما أعرفش اتطبع عندكم إيه، قال: «وهذا مقام عظيم غلط فيه الغالطون وكثر فيه الاشتباه على السالكين حتى زلق فيه الغالطون من أكابر شيوخ المدعين للتحقيق»، هم ادعوا التحقيق وادعوا العرفان أنهم عارفون بالله، فابن تيمية كذبهم فقال: «وهذا ليس بشهود للحقيقة».
ابن تيمية هنا كذب ادعاءهم وبين أنهم بذلك لم يشهدوا لا الحقيقة الكونية حتى التي يشهد بها الكافر؛ الكافر يشهد بأن الله ربه وأن الله مليكه وأن الله يرزقه ويحييه ويميته ويحتاج إلى ربه في أشياء، العبد حتى الكافر يحتاج ويضطر إلى ربه في أشياء، فهؤلاء حتى لم يحققوا هذا المعنى الكوني الذي قال به أكابر المشركين، ولا بالتالي قالوا بالمعنى الديني الذي هو أن يكونوا عبادا لله تبارك وتعالى مطيعين له مستقيمين على أمره. ثم قال ابن تيمية دون مجاملة: «بل هو ضلال وعمى عن شهود الحقيقة الكونية»، ابن تيمية تبين أنهم ضلال، وحكم عليهم في كثير من المواضع الأخرى بأنهم من ملاحدة الصوفية. قال ابن تيمية: «حيث جعلوا وجود الخالق هو وجود المخلوق، وجعلوا كل وصف مذموم وممدوح نعتا للخالق والمخلوق، إذ وجود هذا وجود هذا عندهم»، يعني هم قالوا: ما ثم موجود إلا الله، فليس هناك موجود إلا الله، العبد رب والرب عبد عندهم، فبالتالي وصفوا الله بكل وصف محمود أو مذموم، واضح يا شباب؟ وهذا من الضلال والكفر.
ابن تيمية رحمه الله يا شباب -بعدما بين هذه الفكرة، طبعا هو بينها هنا اختصارا يا شباب؛ لأنها ليست موضوع الكتاب، لذلك يا شباب نسير بهذه الفكرة أو بهذه الطريقة، الأمر الذي يكون من أخص مقاصد الكتاب هو الذي نعطيه شرحا وإسهابا وتفصيلا واستدلالا، أما الأمر الذي يشير إليه ابن تيمية فإننا لا نتكلم عنه إلا بقدر ما يبين كلامه، واضح يا شباب؟- سيأتي إن شاء الله مزيد بيان في كتب أخرى.
احنا معنا يا شباب واحد وسبعين كتاب، إن شاء الله نستوعب بها كل أبواب هذه المعاني، اللي هي التزكية وأعمال القلوب والعبادة والفرق المخالفة إن شاء الله. فلذلك إذا مرت مسألة شعرت أنني لم -يعني- لم أطل فيها أو لم أعطها حقها، ذلك لأني أرجعها لأول موضع مناسب لها بإذن الله.
بعدما بين ابن تيمية رحمه الله ضلال هؤلاء أراد أن يرد هذا التنازع إلى الوحي، فابن تيمية رحمه الله الآن سيسوق من أدلة الوحي ما يبين ضلال هؤلاء ويبين معنى الجمع بين الشرع والقدر. قال ابن تيمية رحمه الله: «وأما المؤمنون بالله ورسوله عوامهم وخواصهم»، ركزوا يا شباب، هل ابن تيمية هنا -طبعا الصوفية يقسمون الناس إلى عامة وخاصة- ابن تيمية رحمه الله أيضا يقسم الناس إلى عامة وخاصة؟ نعم، لكن لا يقصد نفس التقسيم المبتدع عند الصوفية.
الصوفية -نشرح أولا معنى العامة والخاصة عند الصوفية ثم نبين مراد ابن تيمية ونبين لماذا استعمل ابن تيمية هذا اللفظ- أولا العامة الصوفية؛ الصوفية يقسمون الناس إلى عامة وخاصة. العامة عندهم هم المكلفون، يعني من أمثالنا اللي هم الناس المساكين اللي لسه بيحاولوا على الصلوات والصدقات وبيصوموا رمضان، يعني الناس الذين يرون فرقا بين الطاعة والمعصية، ويرون أنهم دول بالنسبة لهم عامة. بعد ذلك الخاصة الذين يشهدون القدر، يعني يشهدون أن كل الأعمال وكل الأقوال والأفعال وكل المخلوقات هم بمشيئة الله وخلقه، إذا فهم سواء -يعني- يسوون بين كل المخلوقات، دول الدرجة التانية بقى. الدرجة الأولى اللي هم أعلى الناس هم الذين يجعلون ما ثم موجود إلا الله، ده اللي هو الفناء عن شهود السوى، يعني ليس هناك موجود إلا الله، فتصوروا يا شباب أنهم قالوا إن من وصل إلى هذه الحقيقة فانه يسقط عنه التكليف، ويسمون ذلك اليقين: ﴿واعبُد رَبَّكَ حَتّى يَأتيَكَ اليَقينُ﴾ [الحجر: 99]. طبعا هذا كما قلنا سابقا ونكرر لا يقوله إلا غولاتهم الضلال، واضح يا شباب؟ لا يرتضي به المحققون من أئمة الصوفية.
فابن تيمية رحمه الله بقى ماذا يقول ابن تيمية؟ ابن تيمية يقول: المؤمنون درجات. نلاحظ الأول يا شباب، ابن تيمية يريد أن يعطي المعنى الشرعي لألفاظ هؤلاء، يعني ابن تيمية رحمه الله يا شباب رحيم بهؤلاء يريد أن يلتقط منهم اللفظ ثم يعبئ هذا اللفظ المعاني الشرعية ويستدل لهذه المعاني الشرعية.
فهم قد استعملوا العامة والخاصة، قال: ماشي، هم المؤمنون درجات. واضح؟ فابن تيمية يخالفهم في عدة أمور؛ أولا: أن المؤمنين درجات ولكن بحسب اتباعهم للقرآن والسنة وعملهم بالقرآن والسنة. ابن تيمية يخالفهم في مناط التقسيم، فهؤلاء يرون أن مناط التقسيم هو شهود القدر، وأن من شهد القدر فقد حقق التوحيد، وأكثر منه من لم ير فرقا بين العبد والخالق سبحانه وتعالى. ثم هؤلاء يرون أن العبد قد يصل إلى منزلة يسقط عنه فيها التكليف، وابن تيمية أنكر عليهم ذلك وبين أن العبد مكلف حتى يموت، واضح؟ حتى في القبر كذلك على العبد تكليف، ويوم القيامة على العبد تكليف؛ في القبر مكلف أن يجيب: من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ وهذا تكليف، وكذلك يوم القيامة لما يسجد المؤمنون لله هذا تكليف ولا يستطيع أن يسجد الكفار والمنافقون، فهذا نوع من التكليف.
المهم يا شباب أن ابن تيمية رحمه الله كان فقيها في هذا، بحيث حاول أن يأخذ ألفاظهم وأن يعبئها بالمعاني الشرعية ثم يستدل لها. قال: وأما المؤمنون بالله ورسوله عوامهم وخواصهم، يعني أن المؤمنين درجات بحسب اتباعهم للوحي. طبعا هم درجات عند الله، شوفوا يا شباب؛ المؤمنون درجات، الكفار درجات، المنافقون درجات، ليس هناك أفراد يجتمعون على معنى واحد ويتساوون فيه، لابد أن يكون بينهم فروق، واضح؟ هم درجات عند الله.
الذين هم أهل القرآن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لله أهلينا من الناس»، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته»، فهؤلاء يعملون يعلمون أن الله رب كل شيء ومليكه. شف ابن تيمية لما بيتكلم عن أهل القرآن لا يقصد حفظة القرآن، واضح يا شباب؟ لا، المقصود من احتكموا إلى القرآن وعملوا بما في القرآن، فهذا هو المناط الأصلي، إذا حفظوه مع ذلك فبها ونعمت، إذا لم يحفظوه فهم داخلون في معنى أهل القرآن.
كذلك أهل الحديث يا شباب، حينما نقرأ عبارات للأئمة يثنون على أهل الحديث يقصدون في مجمل كلامهم من اعتمدوا الحديث كحجة شرعية يرجع إليها، لا يقصدون بذلك رواة الحديث فقط، لا، لا يحصرون ذلك في رواية الحديث، وإنما يقصدون من ارتضى بالحديث كحجة وقبله عند التنازع ورد إليه التنازع وعمل به. ابن تيمية هنا لا يقصد بأهل القرآن حفظة القرآن، واضح يا شباب؟ وإنما يقصد من يعمل بهذا القرآن، ومن يرتضي القرآن حكما وفصلا بينه وبين غيره.
قال: فهؤلاء يعلمون أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، وأن الخالق سبحانه مباين للمخلوق. مباين يعني متميز، لأن ابن عربي وأمثاله يقولون: إن وجود الله ووجود المخلوق واحد، لا، أهل السنة أو أي مسلم يؤمن بأن الله مباين للمخلوق، يعني متميز عنه. آآ قال: ليس هو حالا فيه، ولا متحدا به، ولا وجوده وجوده. والنصارى إنما كفرهم الله إذ قالوا بالحلول واتحاد الرب بالمسيح، يعني قالوا إن الله اتحد بالمسيح أو حل في المسيح، ده اسمه الحلول والاتحاد يا شباب، واضح؟ فكيف من جعل ذلك عاما في كل مخلوق؟ يعني إذا كان الله كفر النصارى لكونهم جعلوا الله هو المسيح، لو أن الله اتحد بالمسيح، فكيف بمن جعل الله عاما في كل مخلوق؟ يعني متحدا بكل مخلوق، طبعا هذا أشد كفرا من هذا الوجه.
قال: ويعلمون ابن تيمية الآن شباب بعدما ذكر ضلال غلاة الصوفية في مسألة شهود القدر ووحدة الوجود، يبين أن أهل السنة جمعوا بين الشرع والقدر، آمنوا بقدر الله بأن الله بكل شيء عليم، وآمنوا بأن الله على كل شيء قدير وأن له الحكمة البالغة، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه خالق كل شيء، ومع ذلك يبطلون مسألة أن يكون الله حل في بل يكفرون من قال ذلك، ومع ذلك يستقيمون على أمر الله، فهو هذا شباب من أخص مقاصد الكتاب: الجمع بين الشرع والقدر. قال: ويعلمون مع ذلك أن الله أمر بطاعته وطاعة رسوله ونهى عن معصيته ومعصية رسوله إلى آخر الكلام، يعني يبين أن إيمانهم بالقدر السابق لم يتعارض مع علمهم بتشريع الله الذي هو الأمر والنهي، لذلك يقولون: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الففاتحة: 5]، إياك نعبد يعني نعبدك وهذا هو الشرع، وإياك نستعين هو القدر، أن الإنسان يستعين الله تبارك وتعالى.
ثم بين ابن تيمية هنا أمرا سيتميز به أهل الإسلام الذين فقهوه حق الفقه عن أولئك الغلاة، تبين أنهم من جملة طاعة الله التي يقومون بها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله لأهل الكفر والنفاق، وإقامة الدين، واضح؟ وإزالة ما قدر من السيئات، السيئات هنا معناها المصائب يا شباب، مثل: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: 168]، ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: 79]. كثيرة ما تأتي السيئة في القرآن بمعنى المصيبة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا»، السيئات هي المصائب التي تصيب الإنسان بسبب، يعني المقصودة في هذا الحديث واضح؟ لكنها بشكل عام تطلق على المصائب.
المهم أن ابن تيمية هنا يريد أن يقول: إن أهل السنة أو أهل القرآن الذين فقهوا القرآن وعملوا به مع علمهم بأن بالقدر السابق وبععلمهم بأن الله على كل شيء قدير وانه خالق كل شيء، لكنهم كذلك مستقيمون على أمره، من جملة أمره: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ودفع المصائب. إذا ابن تيمية هنا شباب يبين هذا المعنى العظيم، وهو أن علم الإنسان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن الله على كل شيء قدير، وأن الله كتب كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض وأن الله خالق كل شيء، لا يتعارض مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله ومحاولة الأخذ بالاسباب لإزالة المصائب، واضح يا شباب؟ كما أن الإنسان يدفع جوعه بالأكل، ويدفع كذلك البرد باللباس، واضح كده؟ وكذلك كل مطلوب يدفع به مكروه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الأدوية، قال: «هي من قدر الله»، يعني أن الأخذ بالأسباب من قدر الله، واضح يا شباب؟
إذا عندنا هنا أربع أفكار مركزية قرأناها في نقض ابن تيمية لكلام أصحاب وحدة الوجود أو شهود القدر بينها، أو وصل إليها ابن تيمية من الوحي أو من الشريعة، وهي: أن أهل الإيمان أو أهل القرآن يؤمنون بأسمائه تعالى ومحامده، وأن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وله الحكمة البالغة، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق كل شيء، وأن الله سبحانه وتعالى تعالى عن أن يحل بمخلوق أو يتحد به.
الأمر الثاني: يعلمون أمر الله ونهيه ويجتهدون في الاستقامة عليه، كذلك من فروع ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ومقاومة المصائب. ورقم أربعة: الأخذ بالأسباب، يمكن أن نجعلها في فقرة لوحدها لأن ابن تيمية اعتنى بها خاصة؛ لأن هؤلاء ظنوا أن من تحقيق التوحيد ترك الأخذ بالأسباب، وأن ترك الأخذ بالأسباب من تحقيق التوحيد، واضح؟
طيب، كذلك ابن تيمية لما قال: إن الدعاء والبلاء يلتقيان ونحو ذلك، يبين أن الإنسان وإن كان يعلم أن الله كتب كل شيء قبل أن يخلقه، لكنه ينبغي أن يأخذ بالأسباب. سيأتي إن شاء الله يا شباب كلام واسع لنا حينما ندرس باب القدر نشرح فيه هذه المسائل بدقة؛ مسألة علم الله السابق تبارك وتعالى، ومسألة كتابة الله كل شيء في الذكر، ومسألة حكمة الله تبارك وتعالى في خلقه وشرعه، كذلك مسألة المشيئة والإرادة، ومسألة الخلق وخلق أفعال العباد، ومسألة قدرة الإنسان واختياره إلى غير ذلك من المسائل، لا نريد أن نجعلها في وقتها، نحن يا شباب لما أننا سنرتب تراث الإامام أبوابا؛ الباب الأول هو باب التزكية والعبادة وأعمال القلوب، قد يأتي مسألة يعني فكرة عن الصفات تأتي فكرة عن القدر تأتي فكرة عن النبوة، فلا نريد أن نتوسع بها إلا بالقدر، لا نريد أن نتوسع فيها إلا بالقدر الذي نفهم به كلام الإمام في ذلك الموضع.
قال ابن تيمية: فهذا حال المؤمنين بالله ورسوله العابدين لله، وكل ذلك من العبادة. حط خط تحت ده يا شباب، من مقاصد هذا الكتاب أو من أخص مقاصده أن ابن تيمية يرد على كل من يحصر العبادة في بعض أجزائها، فيريد أن يقول لهؤلاء الذين جعلوا العبادة هي ورد القرآن والصيام والزكاة والحج فقط؟ قال: لا، كل ما يحبه الله ورسوله وشرعه الله ورسوله من الدين. لأنه لا شباب تفرع عن أقوالهم بدع كثيرة، منها أنهم تعبدوا إلى الله بما لم يشرعه الله ظنا منهم أن الله يحب المشقة، فتعبدوا بالصمت وتعبدوا بأن يججلس أحدهم في الحر وألا يتكلم وأجاع نفسه من غير صيام، ومسألة الغلو فيما شرعه الله، مثل مسألة الخوف من الله يصل ببعضهم إلى اليأس، ومسألة الشهق والصعق عند تلاوة القرآن أو الاستماع إليه، واضح يا شباب؟
وكذلك لما حصروا العبادة جعلوا أولياء الله فقط هم الذين قاموا بتلك العبادات، وتركوا شرائع مدحها الله سبحانه وتعالى وأثنى على فاعليها بل أوجبها في بعض المواطن، كالامر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصلاح ودفع المظالم ونصرة المستضعفين والجهاد في سبيل الله. فابن تيمية رد على هؤلاء فقال: ابن تيمية يعني رد على هؤلاء فقال: كل ذلك من العبادة، الأخذ بالأسباب من العبادة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من العبادة، بل هو من أعظم ما تميز به أهل الإسلام: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 110]. وكذلك أثنى الله عن المجاهدين: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: 95]. هؤلاء هيعطلوا تلك الشعب، وهؤلاء يا شباب كانوا سببا رئيسا في دخول الكفار بلاد المسلمين، فهؤلاء ليسوا فقط يقعدون عن الجهاد والاصلاح والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل هم كذلك ينومون الناس ويخدرونهم ويقولون لهم: لا تقاوموا مصائب الله إلا بالاستغفار والتوبة، لا تقاوموا هذه المصائب بالسيف ولكن عليكم بالتوبة والاستكانة. هذه المعاني يا شباب باطلة، إنما يقاوم البلاء بأمرين؛ الأمر الأول: بالتوبة والاستغفار والعمل الصالح وإصلاح النفس، ومن ذلك بالأسباب المباشرة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ به عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: 60]. واضح؟
فالله سبحانه وتعالى أمرنا بالأخذ بالأسباب وأمر أخص عباده وهم الأنبياء بالأخذ بالأسباب، وهذا سيأتي إن شاء الله تفصيل الكلام فيه. هل يمكن أن نعيد الأصول الأربعة لشيخ الاسلام في نقطة؟ نعم، طيب، أعدها إن شاء الله سريعا. ابن تيمية رحمه الله الشباب هي ما اسمهاش أصول، هو ابن تيمية تكلم هنا عن نقاط رد بها على مسألة شهود القدر ومسألة وحدة الوجود، فبين أن أهل السنة أو أهل القرآن -أهل القرآن يعني الذين فقهوا القرآن وعملوا به-: أولا يؤمنون بأسمائه تعالى ومحامده وقدر الله، وقدر الله يؤمنون بأسمائه تعالى ومحامده وقدره.
الأمر الثاني يا شباب: يعلمون الأمر والنهي ويستقيمون عليه، يعلمون أنهم مطالبون بالاستقامة على شرع الله ولا تعارض عندهم بين الشرع والقدر، دي النقطة الثانية. النقطة الثالثة: أن من جملة ما أمروا به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله. رقم أربعة: الأخذ بالأسباب، وأن الأسسباب من قدر الله، أنا جعلت دي نقطة لوحدها لأهميتها.
طيب، نكمل يا شباب، احنا نقرأ فقرة فقرة جديدة يا شباب، فهي ستكون طويلة بعض الشيء، فركزوا معنا عشان نقرأها كاملة ثم نرجع إلى التعليق عليها. قال ابن تيمية رحمه الله: وهؤلاء الذين يشهدون الحقيقة الكونية وهي ربوبيته تعالى لكل شيء ويجعلون ذلك مانعا من اتباع أمره الديني الشرعي على مراتب في الضلال، غولاتهم يجعلون ذلك مطلقا عاما فيحتجون بالقدر في كل ما يخالفون فيه الشريعة، وقول هؤلاء شر من قول اليهود والنصارى، وهو من جنس قول المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 148]، وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: 20]. وهؤلاء من أعظم أهل الأرض تناقضا، بل كل من احتج بالقدر فانه متناقض، فإنه لا يمكن أن يقر كل آدمي على ما يفعل، فلابد إذا ظلمه ظالم أو ظلم الناس ظالم وسعى في الأرض بالفساد وأخذ يسفك دماء الناس ويستحل الفروج ويهلك الحرث والنسل ونحو ذلك من أنواع الضرر التي لا قوام للناس بها أن يدفع هذا القدر ويعاقب الظالم بما يكف عدוانه وعدوان أمثاله، فيقال له: إن كان القدر حجة فدع كل أحد يفعل ما يشاء بك وبغيرك، وإن لم يكن حجة بطل أصل قولك إن القدر حجة.
وأصحاب هذا القول الذين يحتجون بالحقيقة الكونية لا يطردون هذا القول ولا يلتزمونه، وإنما يتبعون آرائهم وأهواءهم، كما قال فيهم بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق هواه أخذه.
نشرع هذه الفقرة يا شباب، الفقرة الأولى. ابن تيمية رحمه الله يتكلم عن مراتب هؤلاء الغلاة في مسألة شهود الحقيقة الكونية. يعني هؤلاء يا شباب الذين زعموا أن كل ما شاءه الله فهو يحبه وأن الحسنات تستوي بالسيئات وأن هذا هو تحقيق العبودية لله أو تحقيق التوحيد، هؤلاء على ضلال.
ركزوا يا شباب، ابن تيمية يريد أن يتكلم عن مسألة، وهي أن هؤلاء الذين جعلوا قدر الله أو الإيمان بالقدر مانعًا من اتباع الشرع، هؤلاء على درجات في الضلال. غلاة هؤلاء الغلاة- وده يؤكد يا شباب أن أصحاب كل مقالة هم فيها درجات- مقالة التشيع درجات، واضح يا شباب؟
كذلك التعطيل درجات، الإرجاء درجات، واضح يا شباب؟ العلمانية درجات. كل أصحاب مقالة لا يلزم أن يتفقوا في قدر هذه المقالة. قال: فغلاتهم يجعلون ذلك مطلقًا عامًا، فيحتجون بالقدر في كل ما يخالفون به الشريعة.
يعني هؤلاء في كل أعمالهم التي يخالفون فيها الشريعة يقولون هذا شيء قدر علينا فكيف نفعل؟ أو هذا أمر يحبه الله لأنه شاءه وخلقه. فابن تيمية قال: وقول هؤلاء شر من قول اليهود والنصارى، وهو من جنس قول المشركين.
طبعا يا شباب، هنا تنبيه مهم: هذه المقالات التي تصدر من الأئمة ينبغي أن تحمل على وجهها. ابن تيمية هنا لم يقل أن هؤلاء أكفر من اليهود والنصارى، وإنما قال أن هذه المقالة شر من قول اليهود والنصارى. فهذا فهو يتكلم هنا عن وجه في المقارنة، وجه.
يعني بين أن هؤلاء في هذا الباب أضل من اليهود والنصارى، لأن بعض الناس يا شباب يأخذوا هذه المقالات ويعممها، يتكلم مثلا عن فرقة من الشيعة يقول هم أكفر من اليهود والنصارى، وربما أتى بقول لعالم أو آخر كان يبين ضلال الشيعة في باب من الأبواب وليس بشكل عام، فينبغي أن تحمل هذه الأقوال على وجهها.
بيقول: وهو من جنس قول المشركين، لأن المشركين يا شباب ماذا قالوا؟ قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: 148]. هذا المعنى يا شباب صحيح فعلا. قال الله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: 13].
وكذلك قال أي: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: 99]. فعلا لو شاء الله ما أشركوا، لكن لماذا عاب الله على هؤلاء؟ لأنهم جعلوا القدر حجة على كفرهم وشركهم ومعصيتهم وبدعتهم. فهذا هو المنكر، إذا هذا قول حق أريد به باطل.
كذلك قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: 20]. نفس هذا الكلام أن هم يعني احتجوا بالقدر السابق أو بقدرة الله ومشيئته على ذلك. قال: وهؤلاء من أعظم أهل الأرض تناقضا. ابن تيمية هنا بعدما بين ضلالهم بالشرع سيبين ضلالهم بالعقل، واضح؟
ليس معنى ذلك كأن الشرع ليس فيه أدلة عقلية، ولكن ابن تيمية يريد أن ينوع في بيان في كشف المنكر وفي رد هذا المنكر والباطل. فابن تيمية رحمه الله بيقول: كل من احتج بالقدر فانه متناقض. لماذا يا شباب هل هؤلاء هم القدرية؟
الكلمة القدرية هي لفظ يقصد به كل من أخطأ في باب القدر، لكنه يخص الذين نفوا علم الله أو كتابة الله أو مشيئة الله أو خلق الله لأفعال العباد. في حد من الطلاب بيكتب كتب قال: هل هؤلاء هم...؟
لا، المقصود بالقدرية بشكل عام يا شباب هم الذين أخطأوا في باب القدر، لكنهم يخص بهم المعتزلة أو من قال بقولهم، يقصد بكلمة القدر... لأ ولا حتى، أيوه هؤلاء يعني يسمون الجبرية. نعم.
لكن الجبرية كذلك يدخل فيهم الجهمية ويدخل فيهم الأشعرية من وجه، لكن سيأتي إن شاء الله الكلام عنهم. نحن الآن يا شباب لا نقول إن هؤلاء هم المقصودون بكلمة القدرية. لأ.
القدرية لفظ أطلق في الغالب على المعتزلة، سيأتي بيان ذلك إن شاء الله. طيب، قال ابن تيمية: هؤلاء من أعظم أهل الأرض تناقضا، بل كل من احتج بالقدر فإنه متناقض. لماذا يا شباب هو متناقض؟
معنى الاحتجاج بالقدر هو أن الإنسان مجبر على فعله، يعني أن الإنسان لا يملك فعله، فبالتالي هو ليس يعني لا يلام على تقصيره في الشريعة ولا يلام على المحرمات التي يفعلها. ابن تيمية بيقول: فإنه لا يمكن أن يقر كل آدمي على ما يفعل.
يعني الشخص هذا الذي يحتج بالقدر هل هو يقر ويوافق على كل أفعال الناس؟ لأ طبعا، لأنه مثلا ينكر أن واحد يقتل واحد، ينكر أن واحد يغتصب امرأة، ينكر أن شخص يظلم شخصا، بل يعني احنا بقى نريد أن نطبق هذا عليه، نقول له: إذا مثلا ظلمك أحد أو أخذ مالك أو قتل أحبابك أو أهلك كالحرث والنسل، لا يحق لك أن تلومه لأنه كذلك فعل ذلك بقدر الله.
ابن تيمية رحمه الله يريد أن يبين قبح المقالة، وهذا يا شباب من أخص منهج الإمام ابن تيمية في رد الباطل، أنه يظهر قبح المقالة الذي لم يظهر في قول صاحبها. إزاي يا شباب؟
مثلا، بعض المرجئة يقولون أن المؤمنين سواء. ابن تيمية شوف الكلمة هذه عنده قيلت هكذا، فابن تيمية يقول: ترون هؤلاء يسوون إيمان أفسق الناس بأبي بكر الصديق! فشوف ابن تيمية استطاع هنا أن يظهر قبح المقالة، القبح لم يكن ظاهرا في قولهم المؤمنون سواء، لكنه هنا استطاع أن يظهرها.
كذلك هنا ابن تيمية ماذا يقول؟ فيقول أن هذا الشخص لابد أن يقر أفعال الظالمين، يقر من ظلم الناس وسعى في الأرض بالفساد وأخذ يسفك دماء ويستحل الفروج. فهذا من ذكاء الإمام ابن تيمية، وينبغي لمن أراد أن يناظر أحدنا يا شباب أن يحشد من الأدلة ما يملأ به عين المستمع، واضح؟
لذلك الله سبحانه وتعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم ليبين له مكانة القرآن، قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: 51]، وقال كذلك في سياق آخر: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثِلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: 33].
طيب، ابن تيمية قال: فيقال له إن كان القدر حجة فدع كل أحد يفعل ما يشاء بك وبغيرك، وإن لم يكن حجة بطل أصل قولك أن القدر حجة. يبقى هنا يا شباب بين أن كل من احتج بالقدر على المعاصي التي قام بها، فهذا الشخص يجب عليه أن يوافق كل أفعال الناس، حتى من ظلمه أو سفك دم أحبابه أو أخذ ماله أو نحو ذلك.
قال ابن تيمية: واصحاب هذا القول الذين يحتجون بالحقيقة الكونية لا يطردون هذا القول. يعني إيه الحقيقة الكونية يا شباب؟ يعني قدر الله السابق، يعني يحتجون بأن الله بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، وأن الله كتب عليهم ذلك قبل أن يخلقهم وخلق أفعالهم وشاءها، وبالتالي يعني هذه حجة لهم.
قال ابن تيمية: لا يطردون هذا القول ولا يلتزمونه، وإنما هم يتبعون آرائهم وأهواءهم. يبقى ابن تيمية هنا يا شباب يبين أن الأصل عند هؤلاء ليس أنهم قرءوا الوحي والشريعة وأخطأوا، واضح؟
لأن ابن تيمية كثيرا ما يبين أن المخطئين نوعان: نوع نظر في الشريعة فأخطأ في فهمها، مثلا الخوارج نظروا في آية في حديث يقول: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، فكفروا مثلا مرتكب الكبيرة، يعني أخطأوا في فهم الوحي، واضح؟
وبين أشخاص آخرين هم لم يعتمدوا أساسا الوحي وإنما اتبعوا أهواءهم. ابن تيمية يقول أن هؤلاء إنما اتبعوا أهواءهم، كما قال فيهم بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري. ما معنى عند الطاعة قدري؟
القدرية هنا مقصود بهم الذين قالوا إن الله لم يشأ ولم يخلق أفعال العباد، دول اللي هم المعتزلة ومن تبعهم. ماذا قالوا يا شباب؟ نعم، الخوارج خير من هؤلاء من وجه، الخوارج خير من هؤلاء من وجه أنهم كانوا مثلا يعظمون القرآن لكنهم أخطأوا في فهمه، لكن من وجه آخر ربما يكونون أقبح منهم في مسألة استحلال دماء المسلمين ونحو ذلك.
دايما يا شباب الترجيح بين الفرق والمقالات يكون من وجه، وهذا هو الأدق. فابن تيمية بيقول إن بعض العلماء قال في هؤلاء: أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري. القدري مقصود به هنا يا شباب هم الذين قالوا إن الإنسان يخلق فعل نفسه والله سبحانه وتعالى لم يشأ أفعال العباد ولم يخلقها، واضح؟
طبعا دول القدرية المتأخرون، أما القدرية الأوائل فكانوا ينفون علم الله أساسا بالأشياء قبل وقوعها، اللي هم حديثهم جاء في أول صحيح مسلم، الذين قالوا أن الأمر أنف. لكننا هنا نتكلم عن القدرية الذين هم المعتزلة ومن تبعهم، قالوا إن الإنسان يخلق فعل نفسه أو أن الله لم يخلق أفعال العباد.
طب ما معنى أنت عند الطاعة قدري؟ يعني أول ما بتعمل شيء جميل بتقول: أنا اللي عملته بنفسي بمجهودي، الله لم يخلقه ولم يشاء. طب وأول ما بتعمل المعصية بتقول: أنا مجبر، الله خلق فعلي وهو الذي شاء فعلي. فهذا هو معنى أن ابن تيمية يريد أن يقول أنهم يتبعون أهواءهم، كما قال: أي مذهب وافق هواك ذهبت به.
ابن تيمية الآن سيدخل في الصنف الثاني ممن عارضوا بين القدر والشرع، أو بين الحقيقة الكونية والشرعية كما هو لفظ ابن تيمية. ابن تيمية قال: ومنهم... نحن سنقرأ الآن يا شباب، أنا ما أعرفش هي صفحة كم عندكم، لكن أنا أظن أنتم معي يعني.
قال: ومنهم صنف يدعون التحقيق والمعرفة، ويزعمون أن الأمر والنهي لازم لمن شهد لنفسه أفعالا وأثبت لها صفات، أما من شهد أن أفعاله مخلوقة أو أنه مجبور على ذلك، وأن الله هو المتصرف فيه كما يحرك سائر المتحركات، فانه يرتفع عنه الأمر والنهي والوعد والوعيد.
وقد يقولون: من شهد الإرادة سقط عنه التكليف، ويزعمون أن الخضر سقط عنه التكليف لشهوده الإرادة. فهؤلاء يفرقون بين... بصوا يا شباب حتى لا يقع عندكم لخبطة... يعني لخبطة دي مش عارف أجيبها باللغة العربية، السوريين بيقولوا خربطة، أنا خربطت يعني اتلخبطت، يعني أو حتى ما تهنجوش يعني.
ابن تيمية رحمه الله يا شباب يتكلم عن الصنف الثاني من الذين ضلوا في باب الجمع بين الشرع والقدر. نتكلم أولا عن الغلاة، والآن يتكلم عن المرتبة الثانية من الضالين في هذا الباب. لاحظوا يا شباب، الفئة الثالثة... لبس حلو حلو يا عاصم الله ينور عليك عشان ما يحصلكمش لبس، أنا عمال أجيب كلمة لبس دي مش جاية.
شكرا يا هندسة عشان ما يحصلكوش لبس. ابن تيمية رحمه الله يتكلم عن المرتبة الثانية من الضالين في باب شهود القدر. المرتبة دي الناس دول يا شباب هيستمروا معنا شوية، فانا عايزك يعني ما يحصلكش لخبطة أو لبس هنا، لأننا نحن الآن سنتكلم عن هذه المرتبة الثانية في الضالين في باب شهود القدر.
ابن تيمية بيتكلم عن هؤلاء، فوصلنا إلى كلمة إيه؟ وقد يقولون: من شهد الإرادة سقط عنه التكليف، ويزعمون أن الخضر سقط عنه تكليف لشهوده الإرادة. فهؤلاء... حلوة خربطة دي! آه، ما هو أنا لازم أجيب لكل واحد فيكم حتة من اللغة بتاعته عشان يعني عشان نبقى عدلنا بينكما، لأنني بتكلم أحيانا مصري فمش عايزين نظلم بقية الناس التانية يعني.
قال: فهؤلاء يفرقون بين العامة والخاصة الذين شهدوا الحقيقة الكونية فشهدوا أن الله خالق أفعال العباد وأنه مريد ومدبر لجميع الكائنات، وقد يفرقون بين من يعلم ذلك علما وبين من يراه شهودا، فلا يسقطون التكليف عمن يؤمن بذلك ويعلمه فقط، ولكن يسقطونه عمن شهده فلا يرى لنفسه فعلا أصلا.
وهؤلاء لا يجعلون الجبر واثبات القدر مانعا من التكليف على الوجه وعلى الوجه، وقد وقع في هذا طوائف من المنتسبين إلى التحقيق والمعرفة، وسبب ذلك أنه ضاق... نقف هنا عشان نشرح قول هؤلاء، وبعدين إيه يعني نذكر تعقيب ابن تيمية أو نقض ابن تيمية كلام هؤلاء.
نرجع تاني يا شباب عند قول ابن تيمية: ومنهم صنف. يبقى هذا يا شباب ممكن تكتب جنبه بالقلم الرصاص: هذا هو الصنف الثاني أو المرتبة الثانية من الضالين في مسألة شهود القدر، واضح؟
قال: منهم صنف يدعون التحقيق والمعرفة. أيضا هؤلاء يدعون، يعني إيه التحقيق والمعرفة يا شباب؟ يدعون أنهم يعرفون المعرفة الدينية الصحيحة، ويدعون أنهم هم الذين حققوا هذه المعرفة، ويزعمون أن الأمر والنهي لازم لمن شهد لنفسه أفعالا أو وأثبت لنفسه صفات.
ماذا يقولون يا شباب؟ يقولون: نعم، الأمر والنهي لازم، لكنه لازم لمن؟ الأمر والنهي لازم لمن يرى أنه يفعل شيئا أو أن له صفات على هذا الوجه. أيوه، نعم، صح، على هذا الوجه هو على هذا الوجه صح، كلام صحيح.
لما نجيء لها إن شاء الله هنشرحها، فقالوا: فعلا الأمر والنهي يلزم، لكنه يلزم إيه؟ يلزم من؟ يلزم من شهد أنه يفعل فعلا، يعني يفعل حقيقة وله صفات.
أما من شهد أن أفعاله مخلوقة أو أنه مجبور على ذلك، وأن الله هو المتصرف فيه كما يحرك سائر المتحركات، فهذا الشخص يرتفع عنه الأمر والنهي والوعد والوعيد. فما خلاصة قولهم يا شباب؟
يقولون أن من رأى أن أفعاله مخلوقة لله وبمشيئة الله وبقدرة الله رأى أنه مجبر، وبالتالي ليس مكلفا وليس يعني ليس مثابا أو معاقبا. فيقولون في خلاصة قولهم: إن من شهد قدر الله سقط عنه الأمر والنهي.
واضح؟ لكن الأمر والنهي يلزم المساكين الذين يظنون أن لهم أفعالاً ولهم صفات وأن لهم إرادة واختيار. طيب قال: وقد يقولون من شهد الإرادة سقط عنه التكليف، هذا من تعبيراتهم يا من شهد الإرادة يعني من شهد قدرة الله ومشيئته وخلقه لأفعال العباد يسقط عنه التكليف. ويزعمون أن الخضر سقط عنه التكليف لشهوده الإرادة. طبعا غلاة الصوفية يحتجون كثيرا، بل كثير من الصوفية يحتجون كثيرا بالخضر عليه السلام، وسيأتي إن شاء الله مزيد كلام لاستدلالاتهم الباطلة.
فهم مثلا يستدلون في مسألة الكشف، وهو أن الولي ليس لا يجب عليه أن يلتزم بكلام النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه يمكن أن يصل إلى المعرفة الصحيحة من غير طريقه، كما أن الخضر خرج عن شريعة موسى عليه السلام لم يعاتب على ذلك، بل كان على علم لم يعلمه موسى، فهذه الشبهة إن شاء الله سنتكلم عنها بالتفصيل حينما نتكلم عن الضالين في باب المعرفة.
عندنا هنا الفلاسفة الإسلاميون والمتكلمون وغلاة الصوفية وأهل السنة، عندنا أربع مقالات في مسألة المعرفة: أهل السنة الذين قالوا إن الوحي هو مصدر المعرفة وهو المنطلق في البحث وهو المرد عند التنازع وهو الفصل وهو الميزان، والمتكلمون جعلوا العقل هو الأساس، والفلاسفة الإسلاميون جعلوا فلسفة أرسطو هي الأساس، والصوفية جعلوا الكشف هو طريق المعرفة. سنتكلم إن شاء الله عن ضلال هؤلاء لما نتكلم عن نظرية المعرفة.
طيب، إذا يا شباب، أصل الغلط عند هؤلاء أنهم ظنوا أن الإرادة هي المحبة، يعني أن كل ما شاءه الله فهو يحبه، وهذا ليس صحيحا؛ لأن الله قد يشاء ما لا يحب، وقد يحب ما لا يشاء، وهذا تكلمنا عنه وفصلنا القول فيه. قال: فهؤلاء يفرقون بين العامة والخاصة الذين شهدوا الحقيقة الكونية فشهدوا أن الله خالق أفعال العباد وأنه مريد ومدبر لجميع الكائنات، وقد يفرقون بين من يعلم ذلك علما وبين من يراه شهودا.
يعني هؤلاء يا شباب، في واحد من الطلبة كاتب العلم اللدني، نعم، هم يسمون هذا العلم اللدني، يعني أنه وصل إلى علم من غير طريق النبي، وإنما ما كشف له، يعني أن الله أخذ هذا العلم عن الله. سيأتي إن شاء الله تفصيل الكلام يا شباب في هذه المعاني، إن شاء الله ابن تيمية يريد أن يقول إن هؤلاء يفرقون بين العامة والخاصة: العامة هم الذين يرون أنهم مكلفون بالأمر والنهي واضح؟ إنما الخاصة دول درجات، منهم الذين يؤمنون بمسألة القدر ويشهدون القدر بمعنى أنهم يرون أن العباد ليس لهم إرادة ولا قدرة ولا اختيار وأن العبد مجبر على فعله، هؤلاء صنف، لكن في منهم صنف رأوا ذلك وشاهدوه، يعني كأنهم شاهدوه، فهم يقولون: الذي فقط يعتقد هذه الاعتقادات دون أن يعمل بموجبها فده يعني لم يسقط عنه التكليف. إنما بقى الناس، الراجل بقى اللي هو يعني يرى أنه مجبر على أفعاله، فبالتالي يفعل ما يحلو له، ده يسقط عنه التكليف.
طبعا هذه المقالات المنكرة يا شباب هي محل نقد عند المحققين من أئمة الصوفية الذين اتبعوا الكتاب والسنة، لكنها لا يفعلها إلا أصحاب الأهواء والجهلة من هؤلاء والضلال. قال: ولكن يسقطونه عمن شهده، فلا يرى لنفسه فعلا أصلا، يعني يرى أن أفعاله هي أفعال الله أو أنه مجبر عليها. قال: وهؤلاء لا يجعلون الجبر واثبات القدر مانعا من التكليف على هذا الوجه.
وهؤلاء لا يجعلون الجبر واثبات القدر مانعا من التكليف على هذا الوجه، يعني عند هؤلاء ليس بمجرد أن تثبت القدر وأن تثبت أنك مجبر هذا يمنعك من التكليف، لأ ده أنت لابد لابد تراه بنفسك، يعني كأنك لا ترى لنفسك فعلا أصلا. وقد وقع فيه طوائف من المنتسبين إلى التحقيق والمعرفة والتوحيد، يعني هذه المعاني أو هذا الصنف الثاني يا شباب للاسف وقع فيه، طالب بيسأل كيف قيس عندهم حد الشهود والمعرفة؟
هم ليس عندهم ضابط لهذه المعاني، يعني كأنهم بيقولوا إذا كان الإنسان يشك فيرى أنه يمكن أن يكون له فعل فهذا لا يسقط عنه التكليف، واضح؟ ينبغي أن يكون مستيقنا أنه ليس له فعل أصلا وأنه مجبر، فإذا شهد ذلك استيقن ذلك، أما إن كان مترددا لا يعمل به فهو لا يسقط عنه التكليف. ابن تيمية يقول: للاسف في طوائف من المنتسبين إلى التحقيق والمعرفة والتوحيد وقعوا في مثل هذا الذي حكاه عن الصنف الثاني.
طيب قال: وسبب ذلك، ابن تيمية الآن سيتكلم عن أصل الخطأ عند هؤلاء، يعني لماذا أخطأ هؤلاء؟ إذا يا شباب من منهج ابن تيمية في رد الباطل أن يبين الأساس الذي بني عليه، واضح كما بين الله سبحانه وتعالى، قال مثلا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾ [التوبة: 30]. بين أن الأصل أنهم قلدوا المشركين، يعني اليهود والنصارى قلدوا عبدة الأصنام. ابن تيمية الآن سيتكلم عن السبب، يعني سبب ضلال هؤلاء. قال: وسبب ذلك، هنقرأ برضه فقرة فقرة ونشرحها إن شاء الله.
وسبب ذلك أنه ضاق نطاقهم عن كون العبد يؤمر بما يقدر عليه خلافه، كما ضاق نطاق المعتزلة ونحوهم من القدرية عن ذلك. ثم المعتزلة أثبتت الأمر والنهي الشرعيين دون القضاء والقدر اللذين هما إرادة الله العامة وخلقه لأفعال العباد، وهؤلاء أثبتوا القضاء والقدر ونفوا الأمر والنهي في حق من شهد القدر إذ لم يمكنهم نفي ذلك مطلقا.
وقول هؤلاء شر من قول المعتزلة، لهذا لم يكن في السلف من هؤلاء أحد، وهؤلاء يجعلون الأمر والنهي للمحجوبين الذين لم يشهدوا هذه الحقيقة الكونية، ولهذا يجعلون من وصل إلى شهود هذه الحقيقة يسقط عنه الأمر والنهي، ويقولون إنه صار من الخاصة، وربما تأولوا على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]. فاليقين عندهم هو معرفة الحقيقة، وقول هؤلاء كفر صريح.
نشرح هذه الفكرة يا شباب: الإمام ابن تيمية رحمه الله الآن يتكلم عن سبب الخطأ عند هؤلاء وعند من قابلهم. نشرح الفكرة ببساطة ثاني يا شباب ثم نبين من هم الذين ضلوا في هذا الباب. نحن الآن نتكلم عن الفكرة الثانية المركزية في هذا الكتاب، وهي الجمع بين الشرع والقدر، يعني نجمع بين قدر الله السابق أن الله علم وكتب وشاء وخلق أفعالنا قبل أن يخلقنا، وبين أن الله كلفنا، ومنها أن الله كلفنا بأمور ربما علم من بعضنا أنه لم يقم بها أصلا، يعني الله سبحانه وتعالى علم أهل الجنة وأهل النار.
فهؤلاء استصعبوا هذا الجمع، يعني كيف يكون الله علم وكتب وشاء وخلق أفعالنا ثم بعد ذلك يكلفنا ويحاسبنا؟ فلم يستطيعوا الجمع بين الشرع والقدر. والجمع بينهما يسير جدا، ليس به أدنى مشكلة، وهو أن الله لا يحاسب العبد إلا ما كان العبد به عالما وعليه قادرا وله مختارا. فإذا فقد الإنسان العلم أو القدرة أو الاختيار صار معذورا. واضح؟ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. ﴿مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَسَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]. واضح؟ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. إلى غير ذلك من النصوص. إذا العبد له قدرة واختيار ومشيئة بهما يحاسب، وعلى قدرها يحاسب.
طيب، هذا الباب، باب الجمع بين الشرع والقدر، ضل فيه طائفتان: الطائفة الأولى المعتزلة، قالوا لا يمكن أن يكون الله شاء وخلق فعل العبد ثم بعد ذلك يكلفه ويحاسبه، واضح؟ فماذا فعلوا؟ عظموا الأمر والنهي فبالتالي نفوا قدر الله السابق، وهم في ذلك درجات، منهم من نفى علم الله وكتابته، لكن هؤلاء كانوا هم القدرية الأوائل وكفرهم الصحابة الذين كانوا على عهدهم وكفرهم أئمة السنة. والفئة الثانية وهم المتأخرون منهم، وهم الذين نفوا مشيئة الله وخلقه لأفعال العباد.
فهؤلاء القدرية من المعتزلة ومن قال بقولهم، ما هو قولهم يا شباب؟ قالوا إن الله لم يخلق ولم يشأ أفعال العباد؛ لأنهم قالوا: لو كان الله خلق وشاء أفعال العباد ثم كلفهم ويحاسبهم فهذا ظلم. لذلك هذا هو الأصل الثاني عندهم، اسمه العدل. أنتم عارفين المعتزلة عندهم أصول خمسة: التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوعد والوعيد، واضح؟ دي اسمها عندهم الأصول الخمسة، سيأتي لنا شرحها إن شاء الله.
فالأصل الثاني هو العدل، ما معنى العدل؟ أن الله لم يخلق ولم يشأ أفعال العبد؛ لأن الله لو خلق وشاء فعل العبد ثم كلفه وحاسبه هذا يبقى إذا يا شباب المعتزلة عظموا الأمر والنهي فنفوا خلق الله ومشيئته لفعل العبد، عكسهم تماما غلاة الصوفية. ماذا قالوا يا شباب؟ قالوا إن الله على كل شيء قدير، والله خلق وكتب وشاء وعلم أفعال العباد، إذا العباد مجبرون، واضح؟ فالعبد أساسا ليس له فعل، فهؤلاء أثبتوا القدر لكنهم نفوا الأمر والنهي.
إذا يا شباب هؤلاء جميعا هؤلاء جميعا سبب ضلالهم عدم إمكان الجمع بين الشرع والقدر. الصوفية عظموا القدر وأضاعوا الأمر والنهي، والقدرية وهم المعتزلة ومن تبعهم عظموا الأمر والنهي وأضاعوا القدر، وهكذا شباب كل من غلى في طرف لابد أن يفرط في الطرف الآخر. إذا يا شباب هؤلاء اعتمدوا على أصل واحد لكنهم اختلفوا، وهذا موجود يا شباب كثيرا عند الفرق، يعني مثلا المعطلة والمشبهة كلاهما اعتمدا على فكرة، وهي أن اثبات الاشتراك في الصفة يستلزم منه التماثل.
قالوا: لو قلنا إن الله له يد والعبد له يد، إذا يد الله كيد العبد، فظنوا هذا، فمنهم من عطل لأجل ذلك ومنهم من التزم ذلك فشبه، وكذلك هذا متحقق في الجبرية والقدرية ومتحقق كذلك في مسائل أخرى كثيرة يشترك فيها أصحابها.
طيب، نقرأ تاني الكلام ونفك العبارات يا شباب قال: وسبب ذلك أنه ضاق نطاقهم عن كون العبد يؤمر بما يقدر عليه خلافه. قالوا: كيف يؤمر العبد بشيء والله سبحانه وتعالى علم أنه لن يفعله؟ يعني مثلا الله سبحانه وتعالى أمر أبا لهب بالإيمان مع أن الله قدر أن أبا لهب سيموت مشركا، هم لم يمكن عندهم هذا الجمع.
واضح؟ المعتزلة بقى هو قال: كما ضاق نطاق المعتزلة ونحوهم من القدرية عن ذلك. يعني ابن تيمية يريد أن يقول يا شباب إن الذين ضلوا في هذا الباب نوعان: المعتزلة القدرية ومن تبعهم، وغلاة الصوفية. المعتزلة وغلاة الصوفية كلاهما ضاق عندهم الجمع بين الشرع والقدر، لم يمكن عندهم أن نجمع بين قدر الله السابق أن الله علم وكتب وشاء وخلق أفعالنا، ثم بعد ذلك كلفنا وسيحاسبنا، هذا غير ممكن عندهم.
فبعضهم وافق على القدر فألغى الأمر والنهي، وبعضهم قال إن إثباتنا للشرع يقتضي أن ننفي القدر السابق الذي هو الخلق والمشيئة. قال: ثم المعتزلة أثبتت الأمر والنهي الشرعي دون القضاء والقدر اللذين هما إرادة الله العامة وخلقه لأفعال العباد. يبقى المعتزلة يا شباب نفوا مشيئة الله لأفعال العباد وخلق الله لأفعال العباد، قالوا: لو أن الله شاءها وخلقها لا يمكن أن يكون كلفنا بها أو سيحاسبنا عليها. قال: وهؤلاء، كلمة هؤلاء أثبتوا يقصد بها غلاة الصوفية.
وهؤلاء أثبتوا القضاء والقدر، يعني أثبتوا أن الله علم وكتب وشاء وخلق أفعالنا، لكنهم نفوا الأمر والنهي في حق من شهد القدر، يعني قالوا في أمر ونهي نعم، لكن هذا للعامة، الناس الغلابة الذين هم شايفين أن هم لهم أفعال ولهم إرادة ولهم صفات، دول بقى يعني مكلفون، أما من شهد القدر وعلم أن الله هو الذي كتب وعلم وشاء وخلق، هؤلاء يسقط عنهم التكليف. قال ابن تيمية: إذ لم يمكنهم نفي ذلك مطلقا، يعني وإلا إيه فايدة تشريع بقى؟ بعضهم قال: لا، هو هذا التشريع ثابت في بحق العامة.
قال: وقول هؤلاء شر من قول المعتزلة، قول هؤلاء هؤلاء الذين غلاة الصوفية الذين نتحدث عنهم، ده يؤكد يا شباب أن الباطل درجات، إذا هؤلاء جميعا ضلوا في باب القدر، لكن الضالين في باب القدر على مقامات، الذين عظموا الأمر والنهي وجعلوا الناس مكلفين محاسبين لا شك أنهم يعني أقل ضررا وأقل باطلا ممن أسقطوا الأمر والنهي الشرعيين وسووا بين المؤمن والكافر وسووا بين الأنبياء والكفار وأهل الضلال.
قال: وقول هؤلاء شر من قول المعتزلة، لهذا لم يكن في السلف من هؤلاء أحد، لم يكن أبدا أحد من السلف الأئمة أبدا يقول في هذا القول المنكر. لكن وجد من التابعين من قال بقول المعتزلة، واضح؟ يعني مثلا عدد من رواة البصرة الأكابر كانوا يقولون بهذا القول، يقولون إن الله لم يخلق ولم يشأ أفعال العباد. لماذا يا شباب رواة البصرة هؤلاء لم يكونوا معتزلة؟ ولكن كان عندهم شبهة، قالوا: يعني كيف يخلق الله الكفر والفسوق والعصيان؟ ولو خلق الله فعل العبد كيف يحاسبه؟ فهؤلاء كان خطأهم من باب الخطأ في فهم باب القدر وباب الأمر والنهي، ليس مبنيا على أصول المعتزلة. واضح يا شباب؟ إذا ابن تيمية يقول: وجد في السلف وفي أئمة الحديث وفي رواية الحديث من قال بقول المعتزلة في مسألة نفي خلق
الله ومشيئته لأفعال العباد، لكن لم يوجد أبدا فيهم من يقول أن الأمر والنهي يسقط عمن يؤمن بالقدر. وهؤلاء يجعلون الأمر والنهي للمحجوبين الذين لم يشهدوا هذه الحقيقة الكونية.
المحجوبين يا شباب اللي هم عامة الناس، يعني هم يشهدون أنهم يفعلون ويقومون وأن لهم قدرة واختيار، دول يعتبروا محجوبين عن شهود القدر. واضح يا شباب؟ بالنسبة للصوفية هم من العامة. قال: ولهذا يجعلون من وصل إلى شهود هذه الحقيقة يسقط عنه الأمر والنهي. يعني من شهد القدر يسقط عنه الأمر والنهي، ويقولون إنه صار من الخاصة.
يعني الخاصة الذين شهدوا القدر فيسقط بالتالي عنهم الأمر والنهي. وربما تأولوا على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]. فاليقين عندهم هو معرفة هذه الحقيقة، يعني اليقين هو ألا تشهد لنفسك فعلاً أصلاً، وألا تشهد في الوجود إلا الله.
تقول لا ما ثم إلا الله، هنا في هذا الوقت أنت ما شاء الله وصلت إلى إيه؟ إلى اليقين الذي يسقط فيه عنك التكليف. نعم، لديهم خواص وخواص الخواص. نعم، يسمونها الخاصة وخاصة الخاصة.
وقول هؤلاء كفر صريح. نبدأ القراءة من أول هنا يا شباب. وقول هؤلاء كفر صريح وإن وقع فيه طوائف لم يعلموا أنه كفر. إنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن الأمر والنهي لازم لكل عبد ما دام عقله حاضرا إلى أن يموت، لا يسقطان عنه لا شهود القدر ولا بغير ذلك.
فمن لم يعرف ذلك عرف ووبين له، فإن أصر على اعتقاد سقوط الأمر والنهي فانه يقتل. وقد كثرت مثل هذه المقالات في المستأخرين. شوفوا يا شباب ابن تيمية ماذا يقول هنا؟ يقول إن هذه المقالة كفر. انهي مقالة يا شباب؟ اللي هي أن العبد يصل إلى مرحلة يسقط عنه فيها التشريع والتكليف والأمر والنهي.
قال: هذا القول كفر صريح. لكن ابن تيمية يا شباب يبين أن بعض الناس قد يقعون في الكفر عن جهل أو تقليد أو خطأ. واضح؟ فيقول: وإن وقع فيه طوائف لم يعلموا أنه كفر. إذا يا شباب لابد أن نفرق هنا بين المقالة والقائل.
إذا قال إنسان مقالة، هذه المقالة ينبغي أن نعرف وزنها في الشريعة، فقد تكون فسقاً وقد تكون بدعة وقد تكون كفراً. واضح؟ إذا قال أو فعل مقالة كفرية أو فعلاً كفرياً قبل أن نحكم عليهم بالكفر يا شباب، يجب أن يتوفر فيه، تتحقق عنده الأسباب وتتحقق الشروط وتنتفي الموانع.
يعني الأسباب التي حكم الشرع بأنها كفر، والشروط التي اشتراطها الشرع في التكليف. ما هو ممكن يكون جاهل، فمن الشروط العلم والقصد، أن يكون قاصداً القول لا يكون مخطئاً. واضح؟ فبالتالي يخرج، والموانع تنتفي الموانع، يمكن أن يكون جاهلا، يمكن أن يكون، واضح يا شباب؟ يمكن أن يكون مخطئاً. فبالتالي يا شباب لا تلازم بين الحكم على القول والحكم على القائل.
فالإنسان قد يقول قولا خطأ كالذي قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. هذا القول كفر، لكن ذلك القائل أخطأ، فهذا الخطأ مانع له من ترتب حكم الكفر عليه. وسيأتي إن شاء الله مزيد بيان لمسألة الأعذار بالجهل، بالاكراه، بالخطأ. سيأتي معنا هذا إن شاء الله.
طيب، إذا الإمام ابن تيمية يا شباب يريد أن يقول أن قول هؤلاء كفر، لكن بعضهم يقع فيه خطأ أو تقليداً أو جهلاً، فيجب قبل أن نحكم عليه بالكفر يجب أن نعرفه وأن نبين له ذلك، وأن نرفع عن أمتي الخطأ والنسيان.
لكني لم أذكر هذا الحديث لكونه في إسناده ضعف، وعندنا من الأدلة ما يعوض عنه مثل مثلاً: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] أو ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَت قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5] وغير ذلك من النصوص التي تقوم مقام هذا النص؛ لأن هذا الحديث فيه ضعف. فاحنا في مقام الاستدلال على المسائل الكبيرة ينبغي أن نعتني بالأدلة الأصح من حيث الثبوت ومن حيث الدلالة.
طيب، إذا تكلمنا عن هذه المسألة، قال ابن تيمية لما قال: فيبين له، فإن أصر على اعتقاد سقوط الأمر والنهي فانه يقتل. هنا نبين أمرين.
الأمر الأول: أن ابن تيمية يتحدث عن من يقولون أن بعض العباد يسقط عنهم التكليف. هذا القول كفر.
الفكرة الثانية يا شباب هي أنه قال يقتل. ابن تيمية لم يقل أن أي أحد يجوز أن يقتله، كما يفعل ذلك جهلة المجاهدين أو جهلة من يظنون أنهم يحكمون الشريعة وهم قضاة بين الناس يظنون أن هذه الأحكام يقوم بها أي أحد، لا، هذه الأحكام يقوم بها الحاكم، يقوم بها من أنيط به هذا الأمر، من يملك هذا الأمر ليس أي شخص يقوم بهذه الأفعال، فان هذه النصوص ينبغي أن تحمل على وجهها.
وقد كثرت مثل هذه المقالات في المستأخرين. يعني هذه المقالات يا شباب لم تكن موجودة عند أحد من الأئمة المتقدمين أو حتى عامة المتقدمين، وإنما انتشرت عند المستأخرين الذين ابتعدوا عن القرآن والسنة.
قال الإمام: وأما المتقدمون، هنقرأ برضه الفقرة يا شباب: وأما المتقدمون من هذه الأمة فلم تكن هذه المقالات معروفة فيهم. وهذه المقالات هي محادة لله ورسوله، ومعاداة له، وصد عن سبيله، ومشاقة له، وتكذيب لرسله، ومضادة له في حكمه، وإن كان من يقول هذه المقالات قد يجهل ذلك.
يعني ابن تيمية يقول: كثير ممن يقول هذه المقالات يجهل كونها مخالفة للشريعة، لا يعرف قدر مخالفتها للشريعة، أو لا يعرف مآلات تلك الأقوال. يبقى ابن تيمية يا شباب يمكن عنده الأعذار بالجهل والخطأ في مثل تلك المقالات. بل أعظم من ذلك، ابن تيمية يتكلم عن من ينكر آية مثلاً في القرآن أنه يمكن أن يعذر بجهله، ثم يبين له هذا الجهل وتقام عليه الحجة.
واضح يا شباب؟ سيأتي معنا إن شاء الله، وربما من الكتب المهمة جداً التي نشرح فيها هذه الفكرة كتاب الاستغاثة في الرد على البكري. قال: قد يجهل ذلك، ويعتقد أن هذا الذي هو عليه هو طريق الرسول وطريق أولياء الله المحققين.
فهو في ذلك بمنزلة من يعتقد أن الصلاة لا تجب عليه للاستغناء عنها بما حصل له من الأحوال القلبية، أو أن الخمر حلال له لكونه من الخواص الذين لا يضرهم شرب الخمر، أو أن الفاحشة حلال له لأنه صار كالبحر لا تكدره الذنوب ونحو ذلك.
ابن تيمية رحمه الله يريد هنا أن يقول لك عند بحثك لأي مقالة ينبغي أن تنطلق من الوحي، وأن تجعله الميزان، وأن تجعله الحكم والفصل، ثم تنظر إلى هذه المقالات من جهات الألفاظ والمعاني والنيات والمقاصد. يعني ماذا قصدوا بها؟ تفهم دلالات هذه الألفاظ عندهم والمعاني التي أرادوها.
فإن وجدتها كفراً فينبغي ألا تتعجل في الحكم على هؤلاء بالكفر، وأن يكون همك أن تبين لهم الحجة، وأن تكون سبباً في هدايتهم، وأن تكون رحيماً بهم، وألا تتعجل في الحكم عليهم بمقتضى هذه المقالة، كما ذكرنا قبل ذلك وسيأتي مزيد تفصيل لذلك.
ابن تيمية هنا يقول أن بعض هؤلاء يظن أن هذا هو طريق الأنبياء. والله يا شباب كثير من الناس الطيبين الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويذهبون إلى الحج والعمرة كل سنة، ابتلوا بوجود بعض المشايخ الصوفية أو الطرقية في بلدانهم، هؤلاء يزينون لهم الباطل.
تصور شخصاً لا يفهم شيئا عن دينه ابتلي بشخص من الصوفية ممن هو بليغ في اللسان. واضح؟ كما يبتلى كثير من الذين يتكلمون بلسان السلفية أو يدعون أنهم الفرقة الناجية، كذلك يضلون الناس بآيات وأحاديث ويجعلونهم عونا للظالمين والطغاة.
يعني يا شباب فكرة أن يضل الإنسان بسبب أنه يأتمن شخصاً على دينه أو يثق فيه، أو أن هذا الشخص يخدعه ويغرر به بالآيات والأحاديث، هذا كثير جداً. ولذلك ينبغي أن ينظر الإنسان إلى هؤلاء بعين الرحمة، وأن يكون همه أن يهديهم وأن يكون سبباً في هدايتهم، وأن يعرف أصل الخطأ عندهم ويحاول أن يبين لهم ذلك ويكشفه.
فابن تيمية قال: إن في ناس بتفكر أن هو ده طريق أولياء الله، مثل مثلاً شخص قال: والله لا تجب علي الصلاة لأني مستغن بما في قلبي من التقوى، في ناس محتاجة الصلاة، أما أنا فلست محتاجاً لها. أو أن الخمر له حلال لأنه من الخواص الذين لا يضرهم شرب الخمر. أو أن الفاحشة حلال له لأنه صار كالبحر مليء بالحسنات لا يضره الذنوب ونحو ذلك.
وابن تيمية يذكر بعض أصول الضلال عند هؤلاء التي تجعلهم يقولون كلاما كفرا أو يفعلون أشياء من الفسق أو من الفجور، ولا يدورن بحقيقتها أو مناقضتها للدين.
طبعاً ابن تيمية ليس معنى ذلك يا شباب أنه يريد أن يبقى هذا الجهل عندهم ليعذروا. خطأ، ابن تيمية كثيراً ما يقول أن هذه الأسباب المانعة من الحكم ليس المراد بقاءها، مش احنا مش عايزين تفضل موجودة عشان نعذرهم؟ لأ، هي المراد إزالتها، لكن فقط هي تنفعنا في باب عذر الناس.
مثلاً أنت شفت شخص جاهل بحكم، فتقول خليه جاهل كده عشان يفضل معزور. لأ، وهذا الجهل ينفعك في أن تعذره، لكن الواجب أن تسعى في تعليمه، وإلا كان يترك الله سبحانه وتعالى الأقوام بغير رسل حتى يعذرهم. لأ، واضح يا شباب، حتى نضع الكلام في سياقه.
الآن ابن تيمية رحمه الله سيبين أن الشرع أنكر على هؤلاء، يعني أن الشرع يبين ضلال هؤلاء. سنقرأ هذا الفصل يا شباب أو هذه الأشياء سريعة لأنها سهلة جداً، واحنا قد بيناها قبل ذلك.
قال ابن تيمية: احنا هنقرأ الآن حتى يتبع معنا الناس قراءة. قال: ولا ريب أن المشركين الذين كذبوا الرسول يترددون بين البدعة المخالفة لشرع الله، وبين الاحتجاج بالقدر على مخالفة أمر الله. فهذه الأصناف فيها شبه من المشركين؛ لأنهم إما أن يبتدعوا وإما أن يحتجوا بالقدر وإما أن يجمعوا بين الأمرضن، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 28].
يعني يا شباب ابن تيمية يقول: المشركون إما أنهم يعبدون غير الله، أو يعبدون الله بالبدعة مثل الذين جعلوا السائبة وما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام إلى آخر الأشياء، وكانوا يحرمون بعض الأشياء التي لم يحرمها الله.
يعني هؤلاء إما أنهم عبدوا غير الله أو تعبدوا الله تقربوا إلى الله بما لم يشرعه الله. واضح كده؟ أو أنهم احتجوا بالقدر، عندهم ثلاث بدع: الشرك والابتداع في الدين والاحتجاج بالقدر على مخالفة أمر الله. واضح؟
طيب، قال تعالى، وكما قال تعالى عنهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 148]. وقد ذكر عن المشركين ما ابتدعوه من الدين الذي فيه تحليل الحرام وعبادة الله بما لم يشرع الله في مثل قوله: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَت ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَّا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: 138].
طبعاً يا شباب عندنا كتاب يشرح بالتفصيل هذه الفكرة، وهي الفرق بين عبادات أهل الإسلام وعبادات أهل الأوثان، في كتاب لابن تيمية معنا في المجموعة الأولى اسمه: قاعدة عظيمة في التفريق بين عبادات أهل الإسلام وأهل الشرك والأوثان، يعني يذكر فيه هذا الفرقان بين المسلمين والمشركين.
قال ابن تيمية: وكذلك في سورة الأعراف في قوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتَنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَيكُم مِّنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: 27] إلى قوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 28-29] إلى قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 31-32] إلى قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].
سورة الأنعام يا شباب الفكرة المركزية في هذه السورة العظيمة هي بيان أن المشركين إما أنهم عبدوا غير الله أو عبدوا الله بما لم يشرعه الله. هذه فكرة أساسية في سورة الأنعام، كذلك جاء شطر منها في سورة الأعراف قريب من هذه الفكرة في مطلع السورة حينما بين أن الشيطان يضل بني آدم من هذه الجهة، إما أن يجعله يعبد غير الله أو يجعله يعبد الله بما لم يشرعه الله. ولذلك كانت عبادة الله مبنية على أصلين: ألا يعبد إلا الله، وألا يعبد إلا بما شرع.
طيب قال ابن تيمية: وهؤلاء قد يسمون ما أحدثوا من البدع حقيقة، كما يسمون ما يشهدون من القدر حقيقة. وطريق الحقيقة عندهم هو السلوك الذي لا يتقيد صاحبه بأمر الشارع ونهيه، ولكن بما يراه ويذوقه ويجده ونحو ذلك. يعني يا شباب هي دي الفكرة اللي احنا قلناها.
كل شيخ وله طريقة. لأنهم عندهم فكرة الكشف، أن الصوفي الذي وصل إلى مسألة شهود القدر -شهود القدر يعني شهد قدرة الله وخلق الله ومشيته لأفعال العباد- هذا يسقط عنه التكليف ويكشف له الحجاب، فبالتالي هو ليس ملتزماً بشرع نبي معين؛ مثل ما الخضر خرج عن شريعة موسى يا شباب، فيسمون هذا الذوق والوجد والكشف، وسيأتي معنا هذه الأمور.
قال: وهؤلاء لا يحتجون بالقدر مطلقاً، بل عمدتهم اتباع آرائهم وأهوائهم، وجعلهم ما يرونه ويهوونه حقيقة، ويأمرون باتباعها دون اتباع أمر الله ورسوله، نظير بدع أهل الكلام من الجهمية وغيرهم الذين يجعلون ما ابتدعوه من الأقوال المخالفة للكتاب والسنة حقائق عقلية يجب اعتقادها دون ما دلت عليه السمعيات.
يعني يا شباب ابن تيمية هنا يتكلم عن مصادر المعرفة عند هؤلاء ملخصها يا شباب، وإن شاء الله يأتي وقت قريب في كتاب آخر أبسط فيه القول بإذن الله. باب المعرفة يعني من أين نأخذ ديننا، وما هو الشيء الذي يحكم بيننا ويفصل بيننا؟ عندنا أربع مقالات: مقالة أهل السنة، أو كل من ارتضى الوحي منطلقاً ومردّاً وحكماً وفصلاً، فهؤلاء هم أهل القرآن.
الصنف الثاني هم المتكلمون الذين قالوا إن العقل هو الأصل في المعرفة، وقد يستشهدون من الوحي بما يوافق مقالاتهم. الفرقة الثالثة أو المقالة الثالثة هم الفلاسفة الإسلاميون، مثل الفارابي والكندي وابن سينا وابن رشد، فهؤلاء يجعلون فلسفة أرسطو هي الأصل، ثم يأولون القرآن والسنة ليوافقوا آراء أرسطو.
الصنف الأخير هم غلاة الصوفية الذين يجعلون الكشف هو طريق المعرفة. كل واحد من هؤلاء يحتج على بدعته ببدعة؛ مثلاً هؤلاء لما قالوا مقالات وجدوا أن الوحي يعارضها، وكل واحد له قانون: المتكلمون عندهم القانون الكلي وهو أنه إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل لأنه أساس معرفة النقل، والصوفية احتجوا بقصة الخضر أنه لما كشفت له الإرادة وشهد القدر لم يعد مكلفاً بأن يتبع موسى عليه السلام، والفلاسفة الإسلاميون كذلك يحتجون بمسألة التخييل، يعني أن الأنبياء جاءوا بما ينفع العامة، أما الخاصة فليس لهم ذلك، يعني الخاصة لا يحتاجون هذه الأمور الشرعية، وسيأتي إن شاء الله مزيد بيان لهذه الفكرة.
المهم أن ابن تيمية هنا يا شباب يحاول كثيراً أن يبين أن الأقوال الضالة تخرج من مشكاة واحدة. عندنا هنا مقالتان ذكرهما ابن تيمية: مقالة المتكلمين الذين جعلوا العقل هو الأصل ولم يرجعوا إلى الوحي إلا من باب تحريف معناه أو من محاولة الاستدلال به على بدعة، والصوفية الذين جعلوا الكشف هو طريقهم في المعرفة. قال ابن تيمية: ثم الكتاب والسنة إما أن يحرفوا القول فيهما عن مواضعه.
طبعا لو في حد من الشباب أراد أن يتوسع في هذه الفكرة، في بحث للشيخ عبد الله القرني اسمه المعرفة في الإسلام، أنا كنت عملت له مختصر، إن شاء الله ممكن أحاول أبعته لكم في تعليق، هذا المختصر يشرح فكرة الكتاب وهو يشرح المقالات الأربعة التي ذكرناها إن شاء الله، وربما نرجئ ذلك لوقته المناسب، لأن عندنا كتاب أصله وهو كتاب درء تعارض العقل والنقل، إن شاء الله سنشرح فيه هذه المسائل كلها بإذن الله.
قال ابن تيمية: ثم الكتاب والسنة إما أن يحرفوا القول فيهما عن مواضعه، وإما أن يعرضوا عنه بالكلية فلا يتدبرونه ولا يعقلونه، بل يقولون: نفوف معناه إلى الله مع اعتقادهم نقيض مدلوله. نشرح الحتة دي يا شباب: ابن تيمية يريد أن يقول المتكلمون أو الصوفية الذين أعرضوا عن الوحي وجعلوا العقل أو الكشف هو المنطلق في البحث والمرد عند التنازع وإلى آخره، هؤلاء لما يأتون إلى نص من الوحي ماذا يفعلون؟ إما أن يحرفوا دلالته حتى لا يعارضهم أو يحرفوا دلالته حتى يوافقهم، أو يعرضوا عنه بالكلية فلا يرجعون إليه، أو يقولون: نفوض معناه، يعني لا نعلم معناه مع اعتقادهم نقيض مدلوله.
يعني مثلاً هم ينكرون صفة المجيء ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22] أو صفة نزول الله إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، ماذا يفعلون في هذا النص؟ يقولون هذا لا يدل على الصفات ونفوض معناه. كيف تفوضون المعنى؟ لأن التفويض معناه أنكم لا تعلمون، ثم بعد ذلك تقولون ولا يدل على كذا، فالتفويض يناقض التأويل تماماً، وسيأتي إن شاء الله تفصيل هذه الفكرة حينما نتكلم عن باب الأسماء والصفات.
إذاً يا شباب، كل من لم يعتمد الوحي طريقاً في المعرفة فإن غاية ما يريده من الوحي ألا يكون شاهداً عليه، ولا ينشغل بأن يكون شاهداً له، افهم هذه الفكرة جيداً. كل من لم يعتمد الوحي طريقاً في المعرفة لا يشغله بأن يستدل من الوحي على مقالاته، وإنما يشغله ألا يكون الوحي معارضاً لمقالاته، وهم فقط يريدون تحييد الوحي. وهذا موجود يا شباب إلى الآن في الطائفة العلمانية الذين نقلوا إلى بلاد الاسلام العلمانية الغربية، يريدون فقط أن يدخلوها في الإسلام، لا يريدون أن ينطق الإسلام بالعلمانية بقدر ما يريدون ألا يكون معارضاً لها، وسيأتي تفصيل لهذه الأفكار إن شاء الله.
قال ابن تيمية رحمه الله: وإذا حقق على هؤلاء ما يزعمون من العقليات المخالفة للكتاب والسنة، وجدت جهليات واعتقادات فاسدة. ابن تيمية هنا ينقض فكرة اعتمادهم على العقل الذي سموه عقلاً، وبين أنها جهليات وأنه لا يمكن أن يتعارض العقل مع الوحي. قال: وكذلك أولئك -أولئك من هم يا شباب؟ هم الذين نتكلم عنهم وهم غلاة الصوفية الذين ضلوا في باب القدر- إذا حقق عليهم ما يزعمونه من حقائق أولياء الله المخالفة للكتاب والسنة، وجدت من الأهواء التي يتبعها أعداء الله لا أولياؤه.
واضح يا شباب؟ يعني بين أن هؤلاء كذلك إذا كشف أمرهم تبين أن هؤلاء أعرضوا عن الوحي. إذاً يا شباب، الأصل الجامع لضلال هؤلاء الإعراض عن الوحي، سواء في باب القدر، في باب الصفات، في باب النبوة، في باب الإيمان باليوم الآخر، في باب معنى الإيمان، هذا أصل جامع، ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: 123].
طلاب، قال ابن تيمية رحمه الله: وأصل ضلال من ضل إنما هو بتقديم قياسه على النص المنزل من عند الله، وتقديم اتباع الهوى على اتباع أمر الله. فإن الذوق والوجد ونحو ذلك هو بحسب ما يحبه العبد ويهواه، فكل محب له وجد بحسب محبته وهواه، اللي هم بيسموها يا شباب: كل شيخ وله طريقة.
يعني ابن تيمية يريد أن يقول: نحن لو تركنا باب الدين إلى الوجد والذوق ونحو ذلك ضاع الدين، كل إنسان يتبع هواه. لذلك يا شباب قال الله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ [المؤمنون: 71]، وقال تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: 23]. اتباع الظن في الأخبار، وما تهوى الأنفس في العمل. والله سبحانه وتعالى تمت كلمته صدقاً وعدلاً: صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأحكام.
فكل من جعل الوحي هو المنطلق والأساس في باب الأخبار وباب المعرفة، وجعل الوحي وتشريع الوحي هو الأساس في باب العمل، فانه هُدي، وأما من خالف ذلك فقد اتبع هواه واتبع الظن. قال ابن تيمية رحمه الله: فأهل الإيمان لهم من الذوق والوجد مثل ما بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث الصحيح: «ثلاث من كنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار».
لاحظوا يا شباب، ابن تيمية رحمه الله لا يريد أن يضلل أصل الفكرة عند هؤلاء، فهم يقولون الوجد والذوق، قال لهم: نعم، المؤمن له فرحة وله سكينة واطمئنان وله حلاوة في الإيمان، لكن أساس هذه الحلاوة إنما يكون بقدر اتباعه وليس بقدر البدعة. فذكر مثلاً هذا الحديث الذي فيه أن الإنسان يجد حلاوة الإيمان.
كذلك قال الله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: 58]، وجاء في قراءة أخرى: فلتفرحوا. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]، فانزل الله سكينته عليه. كذلك قال: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: 23] تلين قلوبهم وجلودهم إلى ذكر الله. إذاً ابن تيمية يا شباب يريد أن يبين هنا أن المؤمن كذلك له حلاوة وله ذوق وله فرح وله سكينة وله طمأنينة، لكن مصدر هذه السكينة هو القرآن والوحي واتباع الوحي.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً». واضح يا شباب؟
قال: وأما... هنا الشاهد إيه يا شباب؟ الذوق، ذاق، شوفوا يا شباب ذاق، يعني هذا يؤكد أن المؤمن كذلك له ذوق. قال: وأما أهل الكفر والبدع والشهوات فكل بحسبه. يعني ابن تيمية يا شباب جعل ما يناقض الدين ثلاثة أصول: كفر، بدعة، شهوة. كل واحد له باب: الكفر والاعراض عن الدين، ترك الدين؛ البدع هو الابتداع في الدين، المحدثات؛ الشهوات هو المعاصي، الشهوات الفرق بينها وبين البدع أن البدع يفعلها الإنسان ربما وهو يقول خيراً، أما الشهوة يفعلها وهو يعرف أنه يقوم بالمعصية.
قيل لسفيان بن عيينة: ما بال أهل الأهواء لهم محبة شديدة لأهوائهم؟ فقال: أنسيت قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبُمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: 93] أو نحو هذا الكلام؟ عباد الأصنام يحبون آلهتهم، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165]، وقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: 50]، وقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: 23].
ولهذا يميل هؤلاء ويغرمون بسماع الشعر والأصوات التي تهيج المحبة المطلقة التي لا تختص بأهل الإيمان، بل يشترك فيها محب الرحمان ومحب الأوثان ومحب الصلبان ومحب الأوطان ومحب الإخوان ومحب المردان ومحب النسوان. وهؤلاء هم الذين يتبعون أذواقهم ومواجيدهم من غير اعتبار لذلك بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة.
ابن تيمية رحمه الله يا شباب هنا يتكلم عن أن هؤلاء خرجوا عن معنى الشرع أصلاً، يعني صاروا حتى في سماعهم يستمعون إلى الأشياء التي لا علاقة لها بلسان العرب، ولا بفكرة أنهم يتعلمون ذلك لخدمة الشريعة أو لا، وإنما يفعلون أفعالاً لا تخص أهل الإيمان، كما يفعلها أي محب مغرم. إنما المحبة التي تحدث عنها ابن تيمية هي أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، أن تكون محبته لله ولرسوله ولشرعه ولتعظيم أمره ونهيه أعظم من كل محبة.
خالف المخالف لما بعث الله به رسوله من عبادة وحده، وطاعته وطاعة رسوله، لا يكون متبعاً لدين شرعه الله أبداً، كما قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: 18-19]. هل يكون متبعاً لهواه بغير هدى من الله؟ قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21].
قال: وهم في ذلك تارة يكونون على بدعة يسمونها حقيقة ويقدمونها على ما شرع الله، وتارة يحتجون بالقدر الكوني على الشريعة كما أخبر الله عن المشركين كما تقدم. ابن تيمية يا شباب يقول هؤلاء يقعون في أمرارين: إما أنهم يبتدعون بدعة في الدين ينسبونها إلى الدين يسمونها حقيقة وهي مخالفة تماماً للوحي والدين، أو أنهم يفعلون معصية يعرفون أنها معصية فيحتجون عليها بالقدر. إذاً بين ضلالهم من جهتين: إما ابتداع أو إحداث في الدين يسمونه حقيقة ويجعلونه تحقيقاً للدين أو للشريعة، أو يفعلون ما يخالف الشريعة ثم يحتجون بالقدر الكوني وأن الله خلق أفعالهم وشاءها فإنهم بذلك ليسوا مكلفين.
طبعاً يا شباب هنا انتهى الحديث عن الطائفة الثانية، نحن الآن سنبدأ في الطائفة الثالثة. خلاص يا شباب، احنا عندنا بالضبط ثلاث صفحات وهنقف، ثلاث صفحات بالضبط وهنقف. أنت عارف احنا خدنا وقت قد ايه؟ تقريبا خدنا ساعتين وعشر دقائق. طيب نكمل يا شباب.
طبعاً لو تلاحظوا هو الأول ما بدأ عند الطائفة التي هي الثانية، لو تفتكروا يا شباب لما بدأ عند الطائفة الثانية، احنا نبهنا أن كل ما سيأتي هو عن الطائفة الثانية. واضح يا شباب؟ الآن سيتكلم عن الطائفة الثالثة.
قال: ومن هؤلاء طائفة -يبدأ دي ممكن تكتب جنبها الطائفة الثالثة من الضالين في مسألة شهود القدر- قال: ومن هؤلاء طائفة هم أعلاهم عندهم قدراً، وهم مستمسكون بما اختاروا بهواهم من الدين من أداء الفرائض المشهورة واجتناب المحرمات المشهورة، لكن يضلون بترك ما أمروا به من الأسباب التي هي عبادة، ظانين أن العارف إذا شهد القدر أعرض عن ذلك، مثل من يجعل التوكل منهم أو الدعاء ونحو ذلك من مقامات العامة دون الخاصة، بناءً على أن من شهد القدر علم أن ما قدر سيكون فلا حاجة إلى ذلك. وهذا ضلال مبين.
نشرح هذه الفكرة يا شباب، ابن تيمية الآن يتكلم عن الطائفة الثالثة الضالة في باب شهود القدر. الطائفة الأولى تحدث عنها الغلاة الذين يحتجون بالقدر في كل الأمور، والطائفة الثانية هم الذين قالوا إن من شهد القدر يسقط عنه التكليف، وأن من لم يشهده فإنه مكلف.
تكلمنا عنها بتفصيل، الطائفة الثالثة يقومون يختارون من الفرائض المشهورة ويجتنبون بعض المحرمات المشهورة. يقصد الفرائض المشهورة إيه يا شباب؟ الصلاة والصيام، والمحرمات المشهورة مثل اجتناب الزنا وشهادة الزور ونحو ذلك.
قال لكن يضلون، وهو هنا الضلال بقى. طبعا هو فيه ضلال أولا وهو إيه؟ أنهم اختاروا بهواهم من الدين ما يناسب أهواءهم. واضح يا شباب؟ الضلال الثاني أنهم يضلون بترك ما أمروا به من الأسباب التي هي عبادة.
يعني يتركون الأخذ بالأسباب، وده يا شباب موجود ومنتشر جدا في الصوفية، بل في كثير ممن ينسبون إلى أهل السنة، يتركون دفع الظلم، ويتركون نصرة المستضعفين بما يستطيعون، ويتركون الأخذ بالأسباب في أدق شئون حياتهم، وينسبون ذلك إلى الدين. قال لكن يضلون بترك ما أمروا به من الأسباب التي هي عبادة.
يعني ابن تيمية كما تقدم يقول إن الأخذ بالأسباب عبادة، طب لماذا؟ ظانين أن العارف، العارف هو اللفظ المبتدع الذي اخترعوه وانتشر للأسف. اللفظ الصحيح هو العالم أو العابد القانت، الألفاظ الشرعية التي ذكرت في الشرع: التائبون، العابدون، الحامدون، السائحون إلى آخر، الراكعون، الساجدون، الآمرون بالمعروف، هذه هي الألفاظ. أما لفظ العارف هذا فهذا مخترع من التصوف، ثم شاع في الناس، مثل لفظ الملتزم كده.
قال إن العارف إذا شهد القدر أعرض عن ذلك. يعني لو العارف شهد قدرة الله وقدره السابق، وأنه بكل شيء عليم، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق كل شيء، أعرض عن ذلك. يعني كلمة ذلك معناها يعني أعرض عن الأخذ بالأسباب التي أمر أن يأخذ بها. مثل من يجعل هذه صور لمن تركوا الأخذ بالأسباب، مثل من يجعل التوكل منهم أو الدعاء ونحو ذلك من مقامات العامة دون الخاصة.
يعني يقولون الناس اللي بتتوكل على الله وتظن أن هذا التوكل سبب في الخير أو أنه يعني من الأسباب أو يدعون الله، فهؤلاء من العامة. ليه؟ لأن الخاصة يفهمون أن ما قدر سيكون، فالأسباب لا حاجة لها. وهذا يا شباب ضلال.
وابن تيمية له كتاب نفيس يرد فيه على الغزالي، على أبي حامد الغزالي في مسألة التوكل، لأن أبا حامد كان يرى أن التوكل مجرد عبادة محضة ليس سببا، فابن تيمية بين له أن هذا ضلال وأن التوكل سبب يجلب بهما الخير. إذا الرد عليهم هنا من جهتين يا شباب، أولا بيان أن الأخذ بالأسباب عبادة، الأمر الثاني نقض كونها من مقامات العامة، لأنهم جعلوا الأخذ بالأسباب من مقامات العامة أما الخاصة لا يأخذون بالأسباب، فهذا ضلال.
قال ابن تيمية رحمه الله: فإن الله قدر الأشياء بأسبابها كما قدر السعادة والشقاوة بأسبابهما، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق للجنة أهلا، وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وبعمل أهل الجنة يعملون، وخلق للنار أهلا، خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وبعمل أهل النار يعملون».
يعني هنا الإمام ابن تيمية يقول نعم الله له قدر سابق نؤمن به، لكن الله تبارك وتعالى قدر الأشياء بأسبابها. واضح يا شباب؟ مثلا لما وأكيد ابن تيمية سيأتي بهذا الحديث، نعم قال وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبرهم بأن الله كتب المقادير فقالوا يا رسول الله أفلا ندع العمل؟ هي دي بقى فكرة شهود القدر.
يعني إذا كان الله قدر ذلك سابقا طب ما نترك العمل ونتكل على الكتاب؟ هي دي فكرة شهود القدر. فقال: «لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له. أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، واما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة».
فكل ما أمر الله به عباده من الأسباب فهو عبادة، والتوكل مقرون بالعبادة، كما قال في قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: 123]. وفي قوله: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: 30]. وقول شعيب عليه السلام: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88].
إذا يا شباب هذه الفكرة التي نتكلم عنها كثيرا؛ الجمع بين الشرع والقدر. هنا بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين قالوا أفلا ندعو العمل؟ طب ما نترك العمل ونتكل على الكتاب؟ قال: «لا، اعملوا». هي كلمة اعملوا دي يا شباب هي وجه الشاهد. اعملوا فكل موصل.
لذلك قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: 5-7]. واضح يا شباب؟ والعكس. فبالتالي يا شباب وجه الشاهد من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت القدر وأثبت العمل.
يبقى هذه يا شباب هي الطائفة الثالثة من الضالين، الطائفة الرابعة سنقرأها الآن قال: ومنهم طائفة قد تترك المستحبات من الأعمال دون الواجبات فتنقص بقدر ذلك. دي طائفة أيضا من الضالين في هذا الباب.
دي الرابعة يتركون المستحبات دون الواجبات. ومنهم طائفة يغترون بما يحصل لهم من خرق عادة مثل مكاشفة أو استجابة دعوة مخالفة للعادة. هنا يا شباب يمكن أن أنبه على فائدة يستشكلها كثير من الناس مع أنها سهلة جدا لا إشكال فيها، وهي حديث: «من أراد أن يبسط له في رزقه أو ينسأ له في أثره فليصل رحمه».
يقولون ما معنى ذلك؟ هل الله يطيل في عمره بعد ما كتب له قدرا معينا؟ أبدا يا شباب المعنى بسيط جدا، الله سبحانه وتعالى قدر الأشياء وقدر أسبابها، قدر أنك ستشبع بما تأكل، وقدر أنك ستنجب بزواجك، وقدر أن سيكون عندك مال من العمل الفلاني. كذلك قدر أن عمرك سيكون كذا وعلم أن رحمك وبسط في رزقك بناء على ذلك.
فهذا الحديث يا شباب منسجم لا إشكال فيه أبدا، كما أن الله قال فمن كان ربي فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا. مع أن الله قدر من سيدخل الجنة ومن سيدخل النار، لكن الله أمرك بأن السبب. كذلك الله سبحانه وتعالى علم عمرك وكتبه وشاءه وخلقه وقدره قبل أن يخلقك، والله سبحانه وتعالى في علمه أنك ستصل رحمك أو لا تصل رحمك، فهو قدر عمرك بما علم منك أنك ستفعله. واضح يا شباب؟
في باب القدر يا شباب الله سبحانه وتعالى يحاسبنا على ما عملنا ولا يحاسبنا على مجرد علمه بما سنعمل. يعني يا شباب الله سبحانه وتعالى لن يحاسب العبد إلا على ما عمله هو، ووجدوا ما عملوا حاضرا. لذلك يا شباب الله سبحانه وتعالى خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، فالإنسان لا يحاسب على مجرد علم الله به، وإنما يحاسب على ما عمله. واضح؟ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.
إن شاء الله يا شباب تفاصيل وكل هذا سيأتي في الحديث عن باب القدر. قال ومنهم طائفة يغترون بما يحصل لهم من خرق عادة مثل مكاشفة أو استجابة دعوة مخالفة للعادة ونحو ذلك. فيشتغل أحد بهذه الأمور عما أمر به من العبادة والشكر ونحو ذلك.
هنا يا شباب في طائفة بقى لأ، ضلالها ليس من باب الأمر والنهي، لأ، ضلالها من باب الاغترار والضلال في معنى الولاية، فيظنون أن من خلقت له العادة فهو ولي لله وهذا خطأ يا شباب. مناط الولاية هو الإيمان والتقوى، قال تعالى: ﴿مَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: 34].
وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 62-63]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة: 55] إلى آخر الآيات التي تثبت أن مناط الولاية هو الإيمان والتقوى.
فظن جماعة من جهلة الصوفية وغيرهم أن خرق العادة أن إنسان يحصل له حاجة غريبة يا شباب، دي بيسموها كرامات الأولياء، إذا خرقت له العادة يظنون أن هذا هو مناط الولاية. وهذا خطأ يا شباب، لماذا؟ لأن من الكفار من يفعلون ما لا يقدر عليهم الناس، مثلا المسيح الدجال له قدرة يحيي هذا ويميت هذا، فهذه القدرة هل هي دليل على ولايته؟ أبدا. والعكس يمكن أن يكون الإنسان صالحا ولا تخرق له العادة.
إذا مناط ولاية الله الإيمان والتقوى، وأخطأ من ظن أن مناط الولاية هو خرق العادة أو الكرامة. نعم، قد تحصل كرامة للإنسان الصالح، كما في قصة أصحاب الكهف، وفي قصة مريم، وفي الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار فدعا كل واحد منهم بصالح عمله. لكن أن تكون تلك هي مناط الولاية بحيث من لم تخرق له العادة فليس بولي، وأن كل من خلقت له العادة فهو الولي، فهذا مناط باطل.
طبعا يا شباب أحسن موضع فصل فيه ابن تيمية هذه الفكرة هو كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وهذا الكتاب معنا إن شاء الله في الكتب العشرة الأولى، وكذلك كتاب النبوات.
قال ابن تيمية رحمه الله: إن هؤلاء بينشغلوا بهذه الكرامات ويشتغلون بها ويغترون عما أمروا به من العبادة والشكر. يعني المفروض أن الإنسان لو أن الله أنعم عليه بنعمة أو بكرامة يشكر الله ويعبده، لئن شكرتم لأزيدنكم. واضح؟
قال ابن تيمية: فهذه الأمور ونحوها كثيرا ما تعرض لأهل السلوك والتوجه. كلمة السلوك والتوجه كما قلنا يا شباب يعني ابن تيمية رحمه الله يرفق بهؤلاء فيستعمل ألفاظهم التي يفهمونها، لكن هو يقصد هنا أهل الاستقامة، يعني الذين اتخذوا طريق العبادة، فأحيانا يسمونهم أهل السلوك، أهل الزهد، أهل التوجه.
قال ابن تيمية رحمه الله: فهذه الأمور ونحوها كثيرا ما تعرض لأهل السلوك والتوجه، وإنما ينجو العبد منها بملازمة أمر الله الذي بعث به رسوله في كل وقت. كما قال الزهري: كان من مضى من سلفنا يقولون الاعتصام بالسنة نجاة. وذلك أن السنة كما قال مالك رحمه الله مثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق.
ابن تيمية رحمه الله يريد أن يقول إن العبد الحق هو الذي يكون عبدا لله في كل وقت بما شرع الله، وأن يجعل زاده كتاب الله وهدي النبي صلى الله عليه وسلم علما وعملا، بقدر ذلك يكون وليا لله تبارك وتعالى.
يمكن إن شاء الله يا شباب أن نكتفي على هذا القدر حتى لا نطيل عليكم، واليوم يعني اخذنا مسائل كثيرة تحتاج إلى مراجعة منكم. وأطلب منكم أن تقرأوا الكتاب من بدايته وأن تحاولوا استخراج القواعد والكلمات المفيدة والفوائد وتكتبوها لإفادة الشباب وحتى أنظر يعني هل تدربتم على هذا الأمر؟
يعني خذوه من باب التدريب، حاولوا أن تستخرجوا المعاني الجميلة، الكلام عن الفرق، الكلام عن الأشخاص، تفسير آية أعجبك، الطريقة في منهج ابن تيمية أعجبتك، يعني حاول أن تدير الكتاب كما تحب، وهذا من التدريب يا شباب، لأن يعني نحن نريد أن تتعلم كيف تقرأ وحدك. فالآن تراني أحاول أن أبسط لك وأستخرج لك فوائد منهجية وفوائد علمية من باب التدريب. هذا ربما لا يحصل معنا في كل الكتب، لكن فقط نفعله في الكتب الأولى من باب التدريب.
في رأيي أن المعلم الناجح هو الذي يعلم الطالب كيف يفكر، كيف يفهم، كيف يستنتج، يعني يتحول الطالب معه إلى منتج ومشارك وفعال، ولا يكون الطالب فقط مجرد مستهلك أو حافظ أو متلقن أو مستمع. نسأل الله سبحانه وتعالى العلم النافع والعمل الصالح.
غدا إن شاء الله يا شباب موعدنا أيضا مع الكتاب، وبإذن الله يمكن أن يبقى لنا في الكتاب يعني حصتين إن شاء الله، لأن هي الفقرة، الدرس بتاع اليوم فقط هو اللي كان صعب شوية ومحتاج يعني التفاصيل، أما باقي المسائل إن شاء الله تكون سهلة.
جزاكم الله خيرا، وبارك الله فيكم، وأحسن الله إليكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وشكرا على مجهود الشباب معنا في التعليقات، والله يعلقون تعليقات رائعة جدا مفيدة، حتى يعني تكون، من لم يستطع أن يقيد الفوائد هم يقيدونها ويرتبون الأفكار. فجزاكم الله خيرا، وأحسن الله إليكم، وبارك الله فيكم، وأعاننا الله على إكمال هذا الطريق والانتفاع به، وهذا هو الأهم، السلام عليكم.
الشيخ حسين عبد الرازق