تسجيل الدخول

الدرس 6

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

والعبادة والطاعة والاستقامة ولزوم الصراط المستقيم ونحو ذلك من الأسماء مقصودها واحد، ولها أصلان: أحدهما: ألا يُعبد إلا الله. الثاني: أن يُعبد بما أمر وشرع لا بغير ذلك من البدع. قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. وقال تعالى: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 112]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125].

العمل الصالح هو الإاحسان، وهو فعل الحسنات. والحسنات هي ما أحبه الله ورسوله، وهو ما أمر به، أمر إيجاب أو استحباب. فما كان من البدع في الدين التي ليست في الكتاب ولا في صحيح السنة، فإنها وإن قالها من قالها وعمل بها من عمل ليست مشروعة؛ فإن الله لا يحبها ولا رسوله، ولا تكون من الحسنات ولا من العمل الصالح. كما أن من يعمل ما لا يجوز كالفواحش والظلم ليس من الحسنات ولا من العمل الصالح.

وقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وقوله: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ فهو إخلاص الدين لله وحده. وكان عمر بن الخطاب يقول: اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا. وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2] قال: أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا؛ والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة.

فإن قيل: فإذا كان جميع ما يحبه الله داخلًا في اسم العبادة فلماذا عطف عليها غيرها؟ أو لماذا عطف عليها غيرها؟ كقوله في فاتحة الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، وقوله لنبيه: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: 123]، وقول نوح: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح: 3]، وكذلك قول غيره من الرسل. قيل: هذا له نظائر؛ كما في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]، والفحشاء من المنكر. وكذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: 90]، وإيتاء ذي القربى هو من العدل والإحسان، كما أن الفحشاء والبغي من المنكر.

وكذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأعراف: 170]، وإقامة الصلاة من أعظم التمسك بالكتاب. وكذلك قوله عن أنبيائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: 90]، ودعاؤهم رغَبًا ورهَبًا من الخيرات، وأمثال ذلك في القرآن كثير. وهذا الباب يكون تارة مع كون أحدهما بعض الآخر، فيعطف عليه تخصيصًا له بالذكر لكونه مطلوبًا بالمعنى العام والمعنى الخاص. وتارة تتنوع دلالة الاسم بحال الانفراد والاقتران، فإذا أُفرد عم، وإذا قرن بغيره خصّ؛ كاسم الفقير والمسكين، لما أُفرد أحدهما في مثل قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 273] وقوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89] دخل فيه الآخر، ولما قُرن بينهما في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60] صار نوعين.

وقد قيل إن الخاص المعطوف على العام لا يدخل في العام حال الاقتران بل يكون من هذا الباب، والتحقيق أن هذا ليس لازمًا. قال تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: 7]. وذكر الخاص مع العام يكون لأسباب متنوعة؛ تارة لكونه له خاصية ليست لسائر أفراد العام، كما في نوح وإراهيم وموسى وعيسى. وتارة لكون العام فيه إطلاق قد لا يفهم منه العموم؛ كما في قول: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [البقرة: 2-4] فقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ يتناول كل الغيب الذي يجب الإيمان به، لكن فيه إجمال فليس فيه دلالة على أن من الغيب ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك.

وقد يكون المقصود أنهم يؤمنون بالمخبر به وهو الغيب، وبالإخبار بالغيب وهو ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [العنكبوت: 45] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأعراف: 170]، وتلاوة الكتاب هي اتباعه والعمل به؛ كما قال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: 121] قال: يحلون حلاله ويحرمون حرامه ويؤمنون بمتشابهه ويعملون بمحكمه، واتباع الكتاب يتناول الصلاة وغيرها، لكن خصها بالذكر لمزيتها.

وكذلك قوله لموسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14] وإقامة الصلاة لذكره من أجل عباداته. وكذلك قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70] وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: 35] وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]؛ فإن هذه الأمور هي أيضًا من تمام تقوى الله.

وكذلك قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: 123]؛ فإن التوكل هو الاستعانة وهي من عبادة الله، لكن خصت بالذكر ليقصدها المتعبد بخصوصيتها، فإنها هي العون على سائر أنواع العبادة إذ هو سبحانه لا يُعبد إلا بمعونته.

نحن الآن سنعيد قراءتها مع بيان مقاصد الإمام وبيان المعاني وهي من الجمل السهلة في هذا الكتاب؛ حتى نتصور الكتاب. السائل سأل الإمام ابن تيمية رحمه الله كما في بداية هذا الكتاب؛ أراد سائل أن يعرف: ما العبادة وما فروعها؟ وهل مجموع الدين داخل في العبادة أم لا؟ وما حقيقة العبودية؟ وهل هي أعلى المقامّات أم فوقها شيء من المقامات؟ وأراد من ابن تيمية أن يبسط القول في بيان ذلك.

الإمام ابن تيمية رحمه الله بدأ بهذا التسلسل؛ بين معنى العبادة وبين شعب الإيمان وحاول أن ينوّع في تلك الشعب ليشمل أعمال القلب وإيمان القلب ويشمل كذلك أعمال الجوارح، يعني أراد أن ينوّع في شعب الإيمان ليبين شمول الإسلام كما قال الله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208]. ثم بين الإمام رحمه الله معنى العبادة في لسان العرب ومعنى العبادة في الشرع، وأنها لا بد فيها من الحب ولا بد فيها من الذل -يعني الخضوع- ولا بد فيها من أن يكون الدين كله لله وأن تكون العبادة على ما شرعه الله تبارك وتعالى.

ثم بعد ذلك بين الإمام رحمه الله أن إيمان العبد بالقدر السابق لا يناقض أن يكلف العبد بأعمال، وتحدث عن هذه المسألة وبين فيها الحق، ثم أشار إلى الفرق الضالة في هذا الباب؛ الذين أضاعوا الأمر والنهي مراعاة للقدر، أو الذين أضاعوا القدر مراعاة للأمر.

ثم عاد الإمام مرة أخرى ليتكلم عن أو ليجيب على سؤال السائل في بيان معاني العبادة، وقال الإمام: والعبادة والطاعة والاستقامة ولزوم الصراط المستقيم ونحو ذلك من الأسماء مقصودها واحد. نلاحظ هنا يا شباب أن الإمام رحمه الله استعمل الألفاظ الشرعية التي جاء بها الوحي، وهذا هو الحق يا شباب؛ الحق أن نعبر عن المعاني الصحيحة بالالفاظ المناسبة لها، يعني قاعدة: لا مشاحة في الاصطلاح، ليست صحيحة على إطلاقها، بل ينبغي أن يُعبر عن المعنى باللفظ اللائق به، وخير ما يُعبّر به عن المعاني الشرعية هو نفس الألفاظ الشرعية.

فالألفاظ الشرعية هنا لم يقل الالتزام، ولم يقل الخدمة كما يقوله بعضهم: خدمة سيده، يعني يقصد يقول عبادة ربه، سيبدل كلمة الرب بكلمة السيد، ويبدل كلمة العبادة بكلمة الخدمة، يبدل كلمة العابد أو القانت أو الشاكر أو الصابر بكلمة عارف بالله، وهكذا يعبر الفناء عن كلمة الإخلص. واضح يا شباب؟ كل هذه ألفاظ مجملة ومحدثة؛ فهي أولًا ليست في الشرع، ثانيًا عبّأت معاني خطأ لا يوافق عليها الشرع. فلذلك هذه أول فائدة عندنا في هذا اليوم هي وجوب اتباع ألفاظ الوحي في التعبير عن معاني الوحي.

وهنا أراد أن يبين أن المعنى الواحد يمكن أن يُعبَّر عنه بأكثر من لفظ شرعي؛ لفظ العبادة، لفظ الطاعة، لفظ الاستقامة، لفظ لزوم الصراط المستقيم، كل هذا يأتي بنفس المعنى. قال: وهذا له أصلان؛ الأول ألا يعبد إلا الله، والثاني أن يعبد بما أمر وشرع لا بغير ذلك من البدع. هذا من أخص مقاصد كتب الإمام ابن تيمية عموما، وكتبه في باب العبادة وتزكية النفس خصوصا، وقد أعطى هذا المقصد اهتمامًا كبيرًا جدا في كل الكتب التي ستأتي معنا إن شاء الله في هذه المرحلة الأولى.

ومن أخص الكتب التي شرح فيها هذا المعنى بتوسع وبين ما يناقضه ورده هو كتاب قاعدة عظيمة في بين عبادات أهل الإسلام وعبادات أهل الشرك والأوثان، شرح فيه شرحا واسعا، وكذلك كتاب الاستغاثة في الرد على البكري، وكتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، وكتاب الإخنائية في الرد، وغير هذه الكتب قرر فيها الإمام هذا الأصل وشرحه، وهو أصل معلوم لا أظن أننا بحاجة إلى التوسع في بيانه، وهو استدل له بآيات كثيرة؛ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا. فتكلم الإمام على معنيه؛ الإخلص والاتباع.

ثم جاءتنا قاعدة هنا يا شباب، قال الإمام: هذه قاعدة من قواعد الكتاب؛ فما كان من البدع في الدين التي ليست في الكتاب ولا في صحيح السنة فإنها وإن قالها من قالها وعمل بها من عمل ليست مشروعة؛ فإن الله لا يحبها ولا رسوله، فلا تكون من الحسنات ولا من العمل الصالح. كما أن من يعمل ما لا يجوز كالفواحش والظلم ليس من الحسنات ولا من العمل الصالح. هذه من قواعد الكتاب، واضح؟ وهو أن الله إنما يعبد بما شرع.

والإمام هنا لم يقل الكتاب والسنة، وإنما قال الكتاب وصحيح السنة، تبين أنه ليس كل ما يروى من الأخبار في باب العبادة أو غيرها يكون صحيحا؛ فاشترط هنا في أي نص يستدل به أن يكون حجة -يعني جاء في الوحي- وأن يكون ثابتا، وأن يكون صحيحا من جهة الدلالة. يبقى عندنا ثلاث شروط يا شباب تتوفر في كل دليل ينبغي أن تتوفر في كل دليل: أن يكون حجة -يعني يصح الاحتجاج به- وأن يكون صحيحا -يعني أن يكون ثابتا- والثالث صحة وجه الاستدلال، وصحة وجه الاستدلال يعني أن يكون الدليل دالا على النتيجة التي استنبطت منه.

وسيأتي إن شاء الله عندنا فصل عن فقه الاستدلال بعد ما ننهي هذا الكتاب سيكون عندنا بعض المحاضرات النوعية نتكلم فيها عن المهارات التي يحتاجها طالب العلم؛ مهارة الاستدلال، مهارة جمع النصوص وجمع الأدلة، مهارة تحرير محل النزاع أو تحرير صورة المسألة، وعندنا مهارة كذلك النقد ومهارة العرض ومهارة المناظرة، وعندنا مهارة القراءة ومهارة جرد المطولات، كل هذه المهارات إن شاء الله ربما كلما ننهي كتاب نأخذ فاصلا نتكلم فيه عن إحدى هذه المهارات. هذه قاعدة.

ثم تكلم الإمام عن معنى: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وهو الإخلاص، وهو نفس معنى: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ الذي هو الإخلاص. ثم ذكر الدعاء الجميل عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا. وهذا دعاء مبارك، وجمع فيه عمر رضي الله عنه بفقهه جوامع الأدعية.

ثم جاء الإمام رحمه الله هنا من فقه استدلاله يا شباب أنه استدل بمقالة هو الآن لما يتكلم في مسائل التزكية والاستقامة فإن أكثر من يحرص الإمام على نصحهم هم الصوفية أو جهلة العباد، وهؤلاء الصوفية درجات بلا شك كما قررنا كثيرا، منهم من كان قريبا جدا من أهل السنة حتى وإن سمى نفسه صوفيا، ومنهم من كان بعيدا كما ذكرنا في الدرس السابق في مطلع الدرس السابق. فمن أجل أئمة العبادة الذين يعتمد الصوفية عليهم الفضيل بن عياض، ابن تيمية من فقه استدلاله هنا بعدما ذكر أدلة الوحي وذكر مقالة عظيمة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ذكر

قولاً جميلا يؤثر عن الفضيل بن عياض وهذا له فوائد. أولاً من الإنصاف أن يسند الحق أو القول إلى قائله. وكذلك هو من فقه الاستدلال إذا كان هذا الإام مرضياً عند فإنهم يقبلون كلامه. فابن تيمية ذكر هذا التفسير المشهور للفضيل بن عياض رحمه الله هو طبعا أحد كبار العباد والمشهورين بالعلم والعبادة، غير ذلك من معاني الاستقامة.

فابن تيمية ذكر هذا القول هو مشهور عنه أن يكون العمل خالصاً صواباً، يعني أن يكون لله وأن يكون على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. هنا ابن تيمية سينتقل إلى مسألة جديدة، وهي: إذا كان جميع ما يحبه الله يدخل في اسم العبادة، فلماذا يعطف على العبادة غيرها؟ يعني مثلاً أحياناً يقول: فاعبده وتوكل عليه، أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعوه، إياك نعبد وإياك نستعين، واضح؟

لأن باب العطف يا شباب يقتضي عدم المطابقة. بعض الناس يقولون إن العطف يقتضي المغايرة، وفي رأيي أن الأضبط أن العطف يقتضي عدم المطابقة، يعني لابد ألا يتطابق المعطوف والمعطوف عليه. عارفين العطف يا شباب؟ يعني مثلاً أن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، هذا حرف العطف الواو، ثم، الفاء، وغير ذلك، واضح يا شباب؟

فباب العطف هذا هم قالوا إذا كان جميع الأعمال الصالحة التي أمر بها الشرع هي من العبادة، فلماذا يعطف بعض الأعمال على لفظ العبادة؟ ابن تيمية رحمه الله هنا ذكر نماذج من الأعمال الصالحة التي عُطفت على العبادة، يعني مثلاً يا شباب: إياك نعبد وإياك نستعين. طيب ما هي الاستعانة؟ من العبادة. فاعبده وتوكل عليه، التوكل من العبادة، واضح يا شباب؟ فاعبده هو المعطوف عليه والتوكل هو المعطوف، يبقى كده عطف التوكل على العبادة.

كذلك: اعبدوا الله واتقوه وأطيعوه. فابن تيمية رحمه الله يا شباب سيستدل على هذا العطف بنظائر، وهذا من فقه الإمام أنه قبل أن يذكر القاعدة يذكر أدلتها لتصل أنت معه إلى القاعدة، يعني يجعل النصوص هي التي تنطق بالقاعدة. فما هي القاعدة عنده يا شباب؟ إن الشيء يمكن أن يعطف عليه بعض أجزائه، واضح؟

ثم سيحلل ابن تيمية رحمه الله هذه الفكرة؛ سائل يسأل، معاذ يسأل يقول: ما الفرق بين المغايرة وعدم المطابقة؟ أنا أقول لك: عندنا مثلاً قال الله تعالى: ﴿رَبِّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبِّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: 17]. أليس رب المشرقين هو رب المغربين؟ يعني الرب واحد، واضح؟ لكن ليس هناك مغايرة؛ لأن الله سبحانه وتعالى واحد، واضح كده؟ مثلاً هو الأول والآخر والظاهر والباطن.

فهذه الأسماء عطف بعضها على بعض، هل هذه الأسماء متغايرة؟ لا، هي هذه الأسماء لإله واحد وهو الله سبحانه وتعالى، لكن ليس بينها مطابقة؛ فإن معنى الأول لا يطابق معنى الآخر، ولا يطابق معنى الظاهر، ولا يطابق معنى الباطن. فلو أننا قلنا تقتضي المغايرة معناها إيه؟ أن يكون لابد أن يكون المعطوف غير المعطوف عليه، لا، يمكن أن يعطف الشيء على نفسه لكن لا يتطابق المعنى. مثلاً: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: 1]. الكتاب هو القرآن، لكنه مرّة وصفه بأنه مكتوب، ومرّة وصفه بأنه مقروء، واضح؟

كذلك رب المشرقين ورب المغربين، كذلك هو الأول والآخر والظاهر والباطن، فكلمة عدم المطابقة أدق من كلمة المغايرة. يعني هم يقولون العطف يقتضي المغايرة، معنى ذلك أن يكون المعطوف غير المعطوف عليه، لا، يمكن أن يكون المعطوف جزءاً من المعطوف عليه، ويمكن أن يكون هو نفسه. يمكن أن يكون هو نفسه، لكن بينهما عدم تطابق مثل مسلاً: هو الأول والآخر والظاهر والباطن، فكل هذه الأسماء لإله واحد تبارك وتعالى، لكن المعنى ليس متطابقاً.

طيب قال: وهذا له نظائر. فابن تيمية رحمه الله هنا يبين أن هذا في لسان العرب معروف، وهو أن يعطف على الشيء ما هو جزء منه، وابن تيمية سيحلل هذه الظاهرة: هل هذا العطف جاء من باب عطف الخاص على العام أو عطف العام على الخاص، أو أنه إذا ذكر هذا الشيء فإنه لا يكون ضمن العام، ضمن اللفظ العام الذي يشمله؟ نقرأ الفقرة ثم نعلّق عليها إن شاء الله: فقيل هذا له نظائر، كما في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]، والفحشاء والمنكر، والفحشاء من المنكر. وكذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: 90]، وينهى إلى آخر الآيات، قال إيتاء ذي القربى من العدل والإحسان.

فابن تيمية يا شباب يريد أن يبين أن هذا أصل معروف في لسان العرب ومعروف في الشريعة، أن يعطف الجزء على الكل، واضح؟ ثم يقول ابن تيمية: وهذا الباب يكون تارة مع كون أحدهما بعض الآخر فيعطف عليه تخصيصاً له بالذكر، لكونه مطلوباً بالمعنى العام والمعنى الخاص. يعني إيه يا شباب؟ يعني مثلاً: فاعبده وتوكل عليه، التوكل من العبادة، لكن لماذا خص التوكل بالذكر؟ لأنه يراد في هذا السياق أن يؤكد على هذا الفرد من أفراد العبادة، واضح؟ وهذا معروف يا شباب، زي ما أنا أقول لك مثلاً: اجتهد في ولا تضيع وقتك، فعدم إضاعة الوقت هي من الاجتهاد أيضاً، لكنني أردت في هذا المقام أن أنبه على هذه الجزئية بالتحديد.

ففي كل النصوص التي أُفرِد فيها بعض أجزاء العبادة أو بعض ما هو من العمل الصالح وعُطف على العبادة، إنما أريد بالتخصيص، مثلاً كما قال سيدنا نوح عليه السلام: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: 28]. طيب هو لو قال للمؤمنين والمؤمنات يدخل فيهم هو وأهل بيته ومن دخل بيته، لكنه أراد أن يخص ذلك بالذكر.

ابن تيمية رحمه الله يريد أن يقول إن هذه الصورة يمكن أن تكون بسبب أن هذا الذي خص بالذكر مطلوب بالمعنى العام والمعنى الخاص، قال: وتارة تتنوع دلالة الاسم بحال الانفراد والاقتران؛ فإذا أُفرد عم، وإذا قُرن بغيره خص. فمثلاً كسب الفقير والمسكين، لفظ الفقير إذا ذكر وحده، دي يا شباب اللي هم بيسموها: إذا اجتمعا إفترقا وإذا افترقا اجتمعا، مثل لفظ الإيمان والإسلام، واضح؟ لفظ الإيمان والإسلام إذا جاء لفظ الإيمان وليس معه الإسلام فيدخل فيه الإسلام، وإذا جاء لفظ الإسلام وليس معه لفظ الإيمان يدخل فيه الإيمان، لكن إذا اجتمعا في نص واحد فلا يكونان متطابقين.

فمثلا: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: 35]، أو: السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين، مثلاً في حديث سعد بن أبي وقاص لما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم رجالاً ولم يعطِ رجلاً فقال سعد بن أبي وقاص: إني أراه مؤمناً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أو مسلماً. أو مثلاً قالت الأعراب: آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا. في كل هذه النصوص يا شباب التي جاء فيها لفظ الإيمان مع لفظ الإسلام في سياق واحد، فهذا يدل على أنهما ليس متطابقين.

أما لو جاء لفظ الإيمان وحده وجاء لفظ الإسلام وحده، فيدخل كل منهما في الآخر. ابن تيمية رحمه الله يريد أن يقول: هذه الصورة من أول أسبابها لها أسباب، السبب الأول: أن الذي خص بالذكر مع كونه يدخل في الاسم العام أريد بالتخصيص، مثل: فاعبده وتوكل عليه، إياك نعبد وإياك نستعين، أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعوه.

طيب من صور ذلك أيضاً مسألة الانفراد والاقتران؛ أن هناك ألفاظاً إذا افترقت اجتمعت وإذا اجتمعت لا تتطابق، لا تتطابق دلالتها. فذكر مسلاً لفظ الفقير، مثلاً قول الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا﴾ [البقرة: 273]، لفظ الفقير هنا يدخل فيه المسكين، واضح كده؟ مثلاً: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89]، يدخل فيهم الفقير، لكن حينما اجتمعا في نص واحد إذاً هما ليسا متطابقين: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60]، لا، يبقى لابد أن تكون دلالة الفقير غير متطابقة مع دلالة لفظ المسكين، واضح يا ؟

هذا باب واسع جداً ابن تيمية يذكره كثيراً ويذكره في مسائل الإيمان؛ لأن الإيمان يعطف عليه العمل الصالح. وقد قيل إن الخاص المعطوف على العام لا يدخل في العام حال الاقتران، بل يكون من هذا الباب. يعني ابن تيمية رحمه الله يقول: النوع الأول من عطف الخاص على العام هو أن يراد الخاص بالذكر، يعني أن يراد تخصيصه بالذكر، واضح؟

يعني في نص: فاعبده وتوكل عليه، أراد الله تبارك وتعالى أن يذكر بهذا المعنى في العبودية خاصة. واضح؟ إياك نعبد وإياك نستعين، أراد أن يدل أو ينبه على هذا المعنى وهو الاستعانة، واضح يا شباب؟ طيب الصورة الثانية هي مسألة التنوع بحسب الانفراد والاقتران، يعني في هذه الحالة لا يكون الخاص داخلاً في اللفظ العام، يعني يكون هنا من باب إذا اجتمع إفترقا وإذا افترقا اجتمعا.

فقال ابن تيمية: والتحقيق أن هذا ليس لازماً. قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98]. وقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: 7]. قال ابن تيمية: وذكر الخاص مع العام يكون لأسباب متنوعة، يعني ابن تيمية رحمه الله يا شباب يريد أن يقول إن الملائكة هنا يدخل فيهم جبريل وميكال، جبريل وميكال يدخلان في كلمة الملائكة ومع ذلك خصا بالذكر، واضح؟

وكذلك: وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم، وهؤلاء الأنبياء الكرام يدخل فيهم النبي صلى الله عليه وسلم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم، واضح يا شباب؟ فالإمام ابن تيمية رحمه الله يرى هنا أن ذكر الخاص بعد العام كأنه ذكر مرتين: المرة الأولى في العموم لأن اللفظ يشمله، والمرة الثانية خص بالذكر لفائدة يدل عليها السياق.

كما في قوله في آخر سورة هود مثلاً: فاعبده وتوكل عليه، لأن الله وإن كان يأمره بكل أنواع العبادة وبكل أفرادها، لكن هذا المقام الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم مستضعفاً فيه وكان مبتلى وكان قومه يصدون عن سبيل الله ويحاربونه، يحتاج إلى هذا المعنى من العبودية خاصة، واضح يا شباب؟ كذلك: من كان عدوّاً لله وملائكته، لأن أكثر العداوة كانت لجبريل وميكال فخصا بالذكر لهذا المعنى. كذلك: أخذنا من النبيين ميثاقهم، كل الأنبياء أخذ الله منهم ميثاقهم، لكن أشرف هؤلاء الأنبياء الذين ابتلوا وصبروا وتحملوا وهم أولو العزم في قول كثير من أهل العلم، خصوا بالذكر وإن كانوا يدخلون جميعاً في لفظ النبيين.

ثم بين ابن تيمية رحمه الله أسباب أن يعطف الخاص على العام أو يذكر الخاص مع العام، قال ابن تيمية رحمه الله: وذكر الخاص مع العام يكون لأسباب متنوعة، تارة لكونه له خاصية ليست لسائر أفراد العام، كما في نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وهذا ظاهر. وتارة، يعني هذا من الأسباب الأخرى التي يذكر فيها الخاص مع العام، واضح يا شباب؟ أساس الإشكال يا شباب ما هو؟

إن الخاص أصلاً داخل في العام في اللفظ العام، فلماذا يخص؟ لماذا يخص بالذكر؟ يعني مثلاً: وإذ أخذنا من النبيين، يا قوم، خلاص الإنسان سيفهم أن كل الأنبياء أخذ الله منهم الميثاق، فلماذا ذكروا مرة أخرى بعد ذكر العام؟ واضح يا شباب؟ هذا هو الإشكال الذي قد يبدو وهو ليس إشكالاً.

السبب الأول لذكر الخاص مع العام: لكونه له خاصية ليست لسائر أفراد العام، كما في هذه الآية. طيب السبب الآخر: لكون العام فيه قد لا يفهم منه العموم، وذكر هنا: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 2-3] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة: 4]. فابن تيمية يقول: يؤمنون بالغيب، الغيب يدخل فيه الإيمان بكل ما ذكر، واضح؟ اللي هو ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. وقد يكون المقصود أنهم يؤمنون بالمخبر به وهو الغيب، وبالإخبار بالغيب وهو ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك.

يعني كأن ابن تيمية يريد أن يقول هنا يا شباب: إن من يسمع قول الله: يؤمنون بالغيب، قد لا يخطر على باله أحد أفراد هذا الغيب، وهو الكتب السابقة التي أنزلت على النبيين من قبل النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك خصت بالذكر. قال: ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِهِ الصَّلَاةَ﴾ [العنكبوت: 45]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأعراف: 170]، وتلاوة الكتاب هي اتباعه والعمل به، واضح؟

يعني إن من تلا القرآن فيجب أن يقيم الصلاة؛ لأن حق التلاوة لا يكون إلا بالعمل. طيب لماذا هو هنا خص بالذكر الصلاة مع كون الصلاة داخلة في تلاوة الكتاب؟ تلاوة الكتاب حق التلاوة من هذا الباب يا شباب، وهو إرادة التنبيه على هذا الفرد الذي قد لا يفهم أنه يدخل في العموم. يبقى إذن يا شباب عندنا هنا سببان بذكر الخاص مع العام: السبب الأول: أن يكون للخاص خاصية ليست لسائر أفراد العام، هذا بقى بحسب السياق. الأمر الثاني: خشية ألا يفهم هذا الفرد من الأفراد فيراد التنبيه عليه خاصة.

فاتباع الكتاب يتناول الصلاة وغيرها، لكن خصها بالذكر لمزيتها. وكذلك قوله لموسى إلى آخر الآيات: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]، وإقامة الصلاة لذكره من أجل عبادته.

واضح يا شباب؟ ذكرنا هذه المعاني قال فإن هذه الأمور هي أيضاً من تمام التقوى، وكذلك قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، فإن التوكل هو الاستعانة وهي من عبادة الله، لكن خصت بالذكر ليقصدها المتعبد بخصوصيتها، فإنها هي العون على سائر أنواع العبادة، إذ هو سبحانه لا يعبد إلا بمعونته. واضح يا شباب؟

إذاً هذه الفقرة يا شباب فيها فوائد، الفائدة الأولى هي بيان أن المعاني الشرعية يجب أن يختار لها الألفاظ الشرعية المناسبة، فإذا أرادنا أن نعبر عن معنى الطاعة والعبادة والاستقامة لا نستعمل ألفاظاً محدثة مثل المعرفة والخدمة والالتزام، لا، وإنما نستعمل فيها الألفاظ الشرعية التي جاءت لها، مثل لفظ العبادة والطاعة والاستقامة ولزوم الصراط المستقيم وغيرها من الأسماء.

الأمر الثاني يا شباب من أخص مقاصد تراث الإام ابن تيمية رحمه الله في باب العبودية، بيان أن حق العبادة ألا يعبد إلا الله وألا يعبد إلا بما شرع، وهذا مقصود عام للإمام رحمه الله في كل كتبه في هذه الأبواب؛ أبواب التزكية والاستقامة والعبادة وبيان شعب الإيمان.

ثم بعد ذلك يا شباب تحدث الإمام عن مسألة أن كل الأعمال الصالحة تدخل في لفظ العبادة، لكن قد يعطف على لفظ العبادة بعض تلك الأفراد إما تنبيهاً على يعني إما بياناً لمزية خاصة في هذا الفرد لأن المقام يحتاج إليه مثل ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، أو خشية ألا يفهم من لفظ العبادة أو خشية ألا يظن أنه من باب العبادة.

لذلك يا شباب ابن تيمية رحمه الله في المحاضرة السابقة لما تكلمنا عن كونه يؤكد على أن فكرة الأخذ بالأسباب من العبادة، لماذا اعتنى جداً بعد بيانه للأمر بالأخذ بالأسباب؟ لماذا اعتنى أن يقول: وكل ذلك من العبادة؟ خشية ألا يفهم أنها من العبادة أو خشية أن يفهم ما قاله غلاة الصوفية، أو بعض غلاة الصوفية الذين زعموا أن الأخذ بالأسباب هو مقام العامة، وأن ترك الأخذ بالأسباب هو مقام الخاصة الذين يشهدون القدر ولا يشهدون لأنفسهم فعلاً، وإنما يشهدون أن كل الأفعال بقدر الله وبمشيئته وخلقه وأنهم مجبرون على أفعالهم فبالتالي لا يأخذون بالأسباب.

ندخل في قراءة الفقرة الخامسة يا شباب، قال الإمام رحمه الله: إذا تبين هذا فكمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله، وكلما ازداد العبد تحقيقاً للعبودية ازدادت علت درجته، ومن توهم أن المخلوق يخرج من العبودية بوجه من الوجوه أو أن الخروج عنها أكمل فهو من أجهل الخلق بل من أضلهم.

هذا يا شباب كذلك من أخص مقاصد الكتاب؛ لأن السائل الذي سأل الإمام في بداية الكتاب قال له: هل العبودية أشرف مقام للعبد من فوقها شيء من المقامات؟ وكذلك ابن تيمية في هذا يبين أن العبادة تلزم العبد إلى أن يموت، ويرد بذلك على من زعموا أن من شهد القدر فانه يسقط عنه التكليف لأنه وصل إلى اليقين.

ابن تيمية رحمه الله بين أن مقام العبودية هو أشرف مقام للعبد، وكلما ازداد في العبودية ازداد تحقيقاً لها وقام بمقتضياتها ازداد كماله وعلت درجته، كما بين يا شباب أن مناط الولاية هو الإيمان والتقوى. واضح؟ وكلما كان الإنسان مؤمناً تقياً كلما كان ولياً لله.

ثم بين كما ذكرنا في الحديث عن خصائص تراث الإمام ابن تيمية أنه بين أن أولياء الله يوجدون في كل طائفة في الأمة، يوجدون في المجاهدين والعلماء والزراع والصناع، كل طائفة بحسب ما عندها من التقوى والإيمان فإنها يكون لها نصيب من ولاية الله تبارك وتعالى.

سيستدل ابن تيمية رحمه الله لهذا المعنى، قال ابن تيمية رحمه الله: قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾. سنقرأ يا شباب الفقرة سريعة لأنها لا تحتاج تعليقاً: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: 26-28].

وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً * إِن كُلُّ مَن في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم: 88-95]. وقال تعالى في المسيح: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لَبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: 59]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: 19-20].

طبعا يا شباب كل هذه الآيات واضح وجه الاستدلال منها أنه لما ذكر أن كمال المخلوق في تحقيقه عبودية الله تبارك وتعالى، ذكر يعني أشرف الأنبياء أو ذكر أشرف خلق الله تبارك وتعالى وأنهم وصفوا بالعبادة، ذكر الأنبياء وذكر الملائكة، فهذا يعني يجيب به عن سؤال السائل: هل العبودية هي أشرف مقام أم فوقها شيء من المقامات؟

قال: وقال الله تعالى: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً﴾ [النساء: 172-173].

وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]. وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 37-38]. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ * إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: 205-206].

وهذا ونحوه مما فيه وصف أكابر الخلق بالعبادة وذم من خرج عن ذلك متعدد في القرآن، وقد أخبر أنه أرسل جميع الرسل بذلك فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]. وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]. وقال تعالى لبني إسرائيل: ﴿يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: 56]. وقال: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: 40]. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21]. وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ﴾ [الزُمَر: 11-15]. وكل رسول من الرسل افتتح دعوته بالدعاء إلى عبادة الله، كقول نوح ومن بعده عليهم السلام: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 59]. وفي المسند عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري».

وقد بين أن عباده المخلصين أو المخلصين هم الذين ينجون من السيئات التي زينها الشيطان، قال الشيطان: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 39]. لاحظوا يا شباب أن الإمام رحمه الله يسند القول إلى قائله، يعني ابن تيمية رحمه الله يا شباب هو ككثير من العلماء كالطبري وغيرهم يسندون القول الذي جاء في القرآن، وقد نبهت على هذه الفائدة قبل ذلك.

بعض الناس مثلاً إذا أراد أن يذكر قولا قالته النملة أو قاله الجن أو قاله فرعون، ينسب ذلك القول إلى الله! هذا يوجد في الشواهد التي تذكر في كتب النحو وغيرها، مثلاً يقولون: قال الله: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: 78]. يريد أن يذكر أن هؤلاء هذه مبنية على الكسر، ويقول: قال الله: هؤلَاءِ بناتي. أو مثلاً يقول: قال الله: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً﴾ [غافر: 36]. مثلاً أو أي قال الله مثلاً: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: 18] أو ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: 18].

أو بعضهم يقول: قال الله على لسان فلان! وهذا ليس صحيحاً يا شباب. الصحيح هو أن تنسب القول المذكور إلى قائله، تقول: قالت نملة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: 18]. قال الشيطان: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: 39]. قال فرعون: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً﴾ [غافر: 36]. واضح؟

فالقرآن كله كلام الله، والله سبحانه وتعالى لما ذكر لنا أو تكلم بهذا القرآن أسند فيه القول إلى قائله، فأنت لست بحاجة أن تقول: قال الله على لسان فلان. وطبعا يعني أحيانا تكون هذه الشواهد قبيحة جداً، وقد وجدتها في بعض كتب النحو لما يقولون: قال الله: هؤلاء بناتي هن أطهر لكم! يعني هذا ليس جيداً، فلذلك أنت لست بحاجة إلى أن تقول ذلك.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما هو قول العبد الصالح: إن الشرك لظلم عظيم». وقالت عائشة رضي الله عنها: إنما مثلي ومثلكم كقول أبي يوسف، والله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]. وقد وجدت كثيراً من العلماء يسند الكلام إلى قائله دون أن يقول: قال الله. واضح؟

وابن تيمية هنا من أول كتاب يفعل ذلك، كما قال هنا: قال الشيطان: ﴿رَبِّي بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: 39-40]. مبروك إلى شباب القراءة. قال تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 41-42]. وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 82-83]. وقال في حق يوسف: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24].

وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: 159-160]. وقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَلَهُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 99-100].

في هذه الآيات السابقة شباب ابن تيمية رحمه الله أراد أن يبين معاني؛ المعنى الأول: أن الله وصف أخص عباده، وقلنا هنا إن أهل السنة عندهم المؤمنون درجات. واضح؟ فدرجات المؤمنين بحسب الشرع بحسب اتباعهم للشرع، ذكرنا أن الإيمان درجات، أن المؤمنين درجات، أن الكفر درجات وأن الكفار درجات، وأن النفاق درجات وأن المنافقين درجات، إلى آخر هذه الأمور، أي جماعة يشتركون في أصل لا يلزم أن يتساووا فيه، ذكرنا هذا المعنى كثيراً.

ابن تيمية رحمه الله قد يستعمل لفظ الخاص والعامة، لكن ليس بالمناط الذي استعمله الصوفية، فإنهم جعلوا الخاصة هم الذين يشهدون القدر وبالتالي يسقط عنهم التكاليف، وجعلوا العامة هم الذين لا يشهدون القدر أو يعلمون شهود القدر لكن لا يعملون به، فمناط القسمة باطل وما ترتب على القسمة كذلك باطل من سقوط التكليف عمن شهد القدر.

أما ابن تيمية ففأحياناً يستعمل تلك الألفاظ لكنه يعبئها بالمعاني الشرعية، فالخاصة عندهم هم الأولياء، يعني هم الذين ذكروا في القرآن هم المؤمنون حقاً واضح؟ والذين يتميزون عمن هو مؤمن ولكن في قلبه ريب أو يعبد الله على حرف، كما في ذكر قالت الأعراب: ﴿آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14].

وابن تيمية رحمه الله أراد أن يبين أن هؤلاء الخاصة أولياء الله مناط ولايتهم هو تحقيق العبادة والاستقامة على أمر الله، وذكر الملائكة وذكر الأنبياء الكرام. واضح يا شباب؟

ثم بعد ذلك بين معنى آخر، ما هو هذا المعنى؟ أن جميع الرسل إنما أرسلوا بهذه الغاية: ألا يعبد إلا الله وألا يعبد إلا بما شرع. ثم انتقل إلى مسألة أخرى وهي أن عباد الله المخلصين أو المخلصين إنما يصرف عنهم كيد الشيطان باستقامتهم على أمر الله. واضح؟ وأن الشيطان ليس له سلطان على العبد بقدر استقامة العبد، فكل هذه أفكار تصب في نفس المعنى.

قال ابن تيمية رحمه الله: وبالعبودية نعت كل من اصطفى من خلقه. ثم ذكر آيات قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: 45-47]. وقوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 17]. وعن أيوب: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44].

نلاحظ يا شباب هنا أن داود عليه السلام وقد كان ملكاً وصف بأنه أواب، وكذلك وصف أيوب عليه السلام بأنه نعم العبد. كذلك سليمان عليه السلام وصف بأنه، كثيراً ما يذكر في كتب التزكية والاستقامة المقارنة بين الغني الشاكر والفقير الصابر. هذه المقارنة في رأيي ليست دقيقة، فليس هناك شخص مبتلى ليس له نعم يجب أن يشكر الله تبارك وتعالى عليها، وليس هناك رجل منعم أو غني إلا وعنده بلاء يحتاج أن يصبر عليه وأن يرضى.

لذلك يا شباب هذه المقارنة خطأ من جهتين؛ الجهة الأولى: أنه لا يوجد عبد عنده نعم وليس عنده ابتلاء ولا يوجد عبد مبتلى ليس عنده نعم تستحق الشكر. هذا هو الأمر الأول.

الأمر الثاني: أن هذه المقارنة تقارن من جهة واحدة وهي جهة الصبر والشكر، لذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم هو الأكمل في هذا الباب حيث قال: «ما بال المؤمن إن أمره كله له خير؛ إن أاصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له». فبالتالي يا شباب هذا الحديث هو المحكم في هذا الباب، وتلك المقارنة ليست دقيقة وهي صورة متخيلة.

صورة الغني الشاكر الذي يعني يعطي مقام الشكر، وصورة الفقير أو المبتلى الصابر الذي يعطي مقام الصبر. لا يوجد إنسان إلا ويمر به سراء تحتاج أن يشكر عليه فيها، وأن يعمل بها في مرضات الله. ولا يوجد غني إلا وله ابتلاء يحتاج أن يصبر عليه وأن يرضى. واضح يا شباب؟

طيب، لذلك شباب سليمان كان ملكا، قال الله فيه نعم العبد. واضح؟ هو كان ملكا ومع ذلك ابتلي. كما جاء في سورة ص وغيرها من المقامات. وكذلك أيوب عليه السلام أنعم الله عليه وفرج كربه فشكر الله. فلذلك شباب هذه القسمة في رأيي ليست دقيقة. مع أنها كثيرا يعني في كتب الزهد والرقائق، وكذلك في الخطب.

وأكمل منها ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي يبين أن حال المؤمن في السراء والضراء هو الأكمل، وليس ذلك إلا للمؤمن. طيب، وقال عنه: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ [ص: 41]، وقال عن نوح عليه السلام: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: 3]. كل ذلك يبين أن الله ذكر يعني أنبيائه الكرام بوصف العبودية.

وقال عن خاتم رسله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: 1]. وقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجِن: 19]. وقال: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: 23]. وقال: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: 10]. وقال: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: 6]. وقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان: 63]. ومثل هذا كثير متعدد في القرآن.

واضح يا شباب؟ طيب ابن تيمية الآن سيدخل في فصل جديد، وهي شباب الفقرة السادسة. نحن اتفقنا أن نقسم الكتاب إلى فقرات، تكون كل فقرة منها تمثل فكرة في هذا الكتاب، أو مقصدا في هذا الكتاب، أو تمثل وحدة يعني متكاملة في معنى ما. والآن نحن دخلنا في الفقرة السادسة فصل: إذا تبين ذلك فمعلوم أن الناس يتفاضلون في هذا الباب تفاضلا عظيما، وهو تفاضلهم في حقيقة الإيمان.

ذكرنا يا شباب أن لفظ حقيقة الإيمان، لفظ حقيقة التقوى، حقيقة الخوف من الله، هذا اللفظ لم يكن يعني لم يوجد في القرآن، ولم يوجد في ما ثبت من السنة. وإنما هذا اللفظ يعني كان يستعمل عند الصوفية، ثم انتقل إلى كثير من كلماتنا في مسائل التزكية، أو مسائل حتى الإيمان، أو مسائل العقائق بشكل عام.

ولفظ الحقائق كما جاء في لسان العرب، وذكرت لكم شواهد منه، أنه يدل على ما يحق على المرء أن يحميه، لكنه بعد ذلك صار يعني منتصرا وصار يقال حقيقة التقوى، حقيقة الاستقامة، حقيقة الخوف من الله. لو نلاحظ يا شباب، النبي صلى الله عليه وسلم عرف أسماء كثيرة في الشرع. تعرف مثلا معنى الإيمان، ومعنى الإسلام، ومعنى الإحسان، ومعنى الكبر، ومعنى المفلس، ومعنى الشديد أو القوي، يعني ألفاظ كثيرة جدا بين النبي صلى الله عليه وسلم معناها، ولم يقل حقيقة الإيمان كذا، حقيقة الإسلام كذا، حقيقة الكبر كذا، حقيقة كذا، حقيقة البهتان كذا، وإنما قال البهتان هو كذا أو الإيمان هو كذا. ففي رأيي يعني يمكن لست محتاجا إلى ذكر كلمة الحقيقة.

طيب، نكمل يا شباب الفقرة نقرأها إن شاء الله وتعلق على ما فيها، وهي إن شاء الله فقرة سهلة. قال رحمه الله: إذا تبين ذلك فمعلوم أن الناس يتفاضلون في هذا الباب تفاضلا عظيما، وهو تفاضلهم في حقيقة الإيمان، وهم ينقسمون فيه إلى عام وخاص، ولهذا كانت إلهية الرب لهم فيها عموم وخصوص، ولهذا كان الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل.

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش». وإن أعطي رضي، وإن منع سخط. فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الدرهم، وعبد الدينار، وعبد القطيفة، وعبد الخميصة. وذكر فيه ما هو دعاء وخبر، وهو قوله: «تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش»، والنقش إخراج الشوكة من الرجل، والمنقاش ما يخرج به الشوكة.

وهذه حال من إذا أصابه شر لم يخرج منه ولم يفلح لكونه تعس وانتكس، فلا نال المطلوب ولا خلص من المكروه. وهذه حال من عبد المال، وقد وصف ذلك بأنه إذا أعطي رضي، وإن منع سخط. كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: 58]. فرضاهم لغير الله وسخطهم لغير الله.

هنا ابن تيمية يا شباب احنا اتفقنا واحنا بنقرأ لأي إمام من الأئمة المحققين، مثلا الإمام الطبري أو الإمام الشافعي رحمه الله، الإمام ابن تيمية، أي واحد من الأئمة الذين اعتنوا بتحرير صورة المسألة وتحرير محل البحث وذكر وجمع الأقوال وبيان حججها، والأصل الذي بنيت عليه، ووجه استدلالهم من الأدلة، ووصل إلى نتيجة حسن عرضها واستدل لها وأجاب عما يشكل عليها أو يعترض عليها، هؤلاء هم الأئمة المحققون. حينما نقرأ لهؤلاء ينبغي أن نعتني بتصنيف الفوائد التي نقرأها.

فهنا هذه الفائدة تدخل في مسألة شرح السنة، فيمكن أن تجعل كراسة فيها فوائد، وتذكر فيها أن هذا الحديث من الأحاديث التي شرحها ابن تيمية. فابن تيمية هنا شرح قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا شيك فلا انتقش». واضح؟ ابن تيمية رحمه الله يقول: وهذه حال من إذا أصابه شر لم يخرج منه ولم يفلح لكونه تعس وانتكس، فلا نال المطلوب ولا خلص من المكروه. ثم بين أن ذلك يطبق على ضعاف الإيمان أو على المنافقين الذين رضاهم لغير الله وسخطهم لغير الله، بعكس المؤمن الذي رضاه تابع لرضى الله وسخطه تابع لسخط الله.

وسيذكر هنا قاعدة: قال ابن تيمية رحمه الله: وهكذا حال من كان متعلقا برئاسة أو بصورة ونحو ذلك من أهواء نفسه، إن حصل له رضي وإن لم يحصل له سخط، فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وهو رفيق له، إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته، فما استرق القلب واستعبده فهو عبده.

لانه إذا كان يرضى بتحقق هذا الشيء -يعني أنا الآن أعلق على هذه القاعدة التي ذكرها- إذا كان الإنسان الذي يرضيك والذي يسعدك والذي يفرحك، فأنت رق له، يعني كأنك عبد له، واضح؟ وكأنه سيدك. فابن تيمية يريد أن يقول هنا: إن المؤمن إنما يرضيه ما يرضي الله ويسخطه ما يسخط الله تبارك وتعالى، وبقدر هذا المعنى وبقدر تحقق هذا المعنى فيه يكون عبدا لله.

قال ابن تيمية رحمه الله: ولهذا يقال: العبد حر ما قنع، والحر عبد ما طمع. وشرح البيت شرح هذا الشعر واضح، وقال القائل: قطعت مطامعي فاستعبدتني ولو أني قنعت لكونت حرا. ويقال: الطمع غل في العنق وقيد في الرجل، فإذا زال الغل من العنق زال القيد من الرجل.

ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: الطمع فقر واليأس غنى، وإن أحدكم إذا يأس من شيء استغنى عنه، وهذا أمر يجده الإنسان من نفسه، فإن الأمر الذي ييأس منه لا يطلبه ولا يطمع فيه، ولا يبقى قلبه فقيرا إليه ولا إلى من يفعله. وأما إذا طمع في أمر من الأمور ورجاه، فان قلبه يتعلق به، فيصير فقيرا إلى حصوله، وإلى من يظن أنه سبب في حصوله، وهذا في المال والجاه والصور وغير ذلك. قال الخليل صلى الله عليه وسلم: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: 17].

ابن تيمية رحمه الله يريد أن يبين هنا اه شباب هذا المعنى، وهو أن العبد إذا تعلق قلبه بشيء فإن هذا التعلق ينتج عنه أمور، منها أن يتعلق قلبه بهذا الشيء فيفرح بوجوده ويحزن لفواته، وكذلك يتعلق قلبه ويفتقر على الأسباب التي يحصل بها هذا الشيء. واضح؟ وهنا كذلك أسند الكلام إلى إبراهيم عليه السلام في قوله لقومه: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت: 17].

قال ابن تيمية رحمه الله: فالعبد لا بد له من رزق، وهو محتاج إلى ذلك، فإذا طلب رزقه من الله صار عبدا لله فقيرا إليه، وإذا طلبه من مخلوق صار عبدا لذلك المخلوق فقيرا إليه. فكأن ابن تيمية هنا شباب يعمم معنى العبودية، معنى العبودية أوسع وأشمل من مجرد أن تتقرب إليه بصلاة أو زكاة أو صيام، لا، حتى الرجاء وتعلق القلب والتوكل كذلك هو من العبادة.

ندخل الآن يا شباب في الفقرة السابعة، يتكلم فيها ابن تيمية رحمه الله وهي فرع عما تقدم، وهي مسألة ذم مسألة الخلق. قال ابن تيمية رحمه الله: ولهذا كانت مسألة المخلوق محرمة في الأصل وإنما أبيحت للضرورة، وفي النهي عنها أحاديث كثيرة في الصحاح والسنن والمسانيد، كقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم»، وقوله: «من سأل الناس وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا أو خموشا أو كدوحا في وجهه»، وقوله: «لا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع أو دم موجع أو فقر مدقع»، وهذا المعنى في الصحيح.

وفيه أيضا: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيحتطب خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه»، وقال: «ما آتاك من هذا المال غير سائل ولا مستشرف فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك»، فكره أخذه من سؤال اللسان واستشراف القلب. وقال في الحديث: «من يستغني يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر».

وأوصى خواص أصحابه ألا تسألوا الناس شيئا، وفي المسند أن أبا بكر كان يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد ناولني إياه، ويقول: إن خليلي أمرني ألا أسأل الناس شيئا. وفي صحيح مسلم وغيره عن عوف بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم بايعه في طائفة وأسر إليه كلمة خفية: «ألا تسألوا الناس شيئا»، فكان بعض أولئك النفر يسقط السوط من يد أحدهم فلا يقول لأحد ناولني إياه.

وقد دلت النصوص على الأمر بمسألة الخالق والنهي عن مسألة المخلوق في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب﴾ [الشرح: 7-8]. معاذ يسأل: ما معنى قول الإمام: كانت إلهية الرب لهم فيها عموم وخصوص؟

يعني أن العبد بحسب ما يقوم من العبادة فإن الله يخصه بشيء من ذلك، كأن يحفظه ويكرمه ويعينه ويصرف عنه وسوسة الشيطان. وكذلك ينسب العبد إلى ربه مثلا لما قال الله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53]. هنا نسب العبودية إلى نفسه، لكن يدخل فيها كل عبد، حتى الكافر، حتى الفاسق.

لكن لما قال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان: 63]، فهذه نسبة تختلف عن النسبة الأخرى. فقول الإمام هنا: كانت إلهية الرب لهم فيها عموم وخصوص، يعني ينال العبد من كرامة الله ومن إكرام الله بقدر قيامه بحق الله عليه، ينال العبد من إكرام الله ومن حفظ الله ومن صرف الله عنه السيئات والمصائب بقدر إيمانه وتحقيقه للعبودية.

طيب، نكمل يا شباب في الحديث عن ذم مسألة الخلق، قال وقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». ومنه قول الخليل: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ ولم يقل: فابتغوا الرزق عند الله، لأن تقديم الظرف يشعر بالاختصاص والحصر. هذه يا شباب يمكن أن نستفيد منها كقاعدة في اللغة، واضح؟

لو احنا بنكتب الفوائد هنجعل هذه فائدة: لأن تقديم الظرف يشعر بالاختصاص والحصر، فابتغوا عند الله، عند الله هذا هو الظرف، قدم على المفعول به، قال لأن تقديم الظرف يشعر بالاختصاص والحصر، كأنه قال لا تبتغوا الرزق إلا عند الله. وقد قال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 32].

والإنسان لا بد له من حصول ما يحتاج. ابن تيمية بعدما ذكر أدلته على أحد أخص مقاصد هذا الكتاب وهو أن الأصل في سؤال المخلوق الكراهة أو الحرمة، واضح؟ ذكر أدلة من الوحي تبين ذلك، ثم سيعقب على ذلك بقوله: والانسان لا بد له من حصول ما يحتاج إليه من الرزق ونحوه ودفع ما يضره، وكلا الأمرين شرع له أن يكون دعاؤه لله ولا يسأل رزقه إلا من الله ولا يشتكي إلا إليه.

كما قال يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86]. والله تعالى ذكر في القرآن الهجر الجميل والصفح الجميل والصبر الجميل. وقد قيل إن الهجر الجميل هو هجر بلا أذى، والصفح الجميل صفح بلا معاتبة، والصبر الجميل صبر بلا شكوى إلى مخلوق.

ولهذا قرئ على أحمد بن حنبل في مرضه أن طاووسا كان يكره أنين المريض ويقول إنه شكوى، فما أن أين أحمد حتى مات. يعني ابن تيمية رحمه الله شباب هنا أراد أن يبين أن من فروع العبودية ألا تسأل مخلوقا. طبعا هنا ابن تيمية لم يتوسع في ذكر هذه المسألة، ولا في الاستدلال لها، ولم يجب عن الاعتراضات الواردة عنها.

قيل لماذا الشباب لأن هذه المسألة ليست مخصوصة في هذا الكتاب، وإنما اعتنى ابن تيمية ببيان هذه المسألة في مواضع أخرى. وأهم الكتب التي ذكر فيها ابن تيمية هذه المسألة واستدل لها، واجاب عما يعترض به فيها عليه، هو كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة. واضح؟ طيب، ابن تيمية هنا ذكر فائدة، وهي معنى الهجر الجميل والصفح الجميل والصبر الجميل. فهذا يا شباب يمكن أن يجعل في الفوائد أو في بيان المعاني، أو يجعل حتى في تفسير القرآن؛ لأن الهجر الجميل والصفح الجميل والصبر الجميل كلها ذكرت في القرآن.

طبعاً، الإمام أحمد هنا يا شباب لما ذكر له أن طاووساً كان يكره أنين المريض ويقول إنه شكوى، هل الإمام أحمد هنا عمل بذلك لكونه يجعل ما يقوله التابعون ديناً؟ لا، وإنما الإمام أحمد يا شباب رأى أن هذا الفهم من طاووس فهم صحيح؛ يعني أن الإمام أحمد كأنه استأنس بفهم طاووس لفقه معنى ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86]، إذا كانت الشكوى إنما تكون لله، وفهم طاووس أن الأنين يعني أن المريض يقول آه آه، هذا يكون من الشكوى أو من بث الشكوى إلى الخلق. طيب، الإمام أحمد أعجبه هذا الفهم، فهنا الإمام أحمد يا شباب لم يحتج في تركه للأنين بفعل طاووس، وإنما أعجبه فهم طاووس رحمه الله لكونه جعل الأنين بين الناس نوعاً من الشكوى.

ندخل في الفقرة التي بعدها يا شباب، وهي الفقرة الحادية عشرة. قال: وأما الشكوى إلى الخالق فلا تنافي الصبر الجميل؛ فإن يعقوب قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: 18]. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في الفجر بسورة يونس ويوسف والنحل، فمر بهذه الآية في قراءته فبكى حتى سمع نشيجه من آخر الصفوف. واضح؟ طبعاً قلبه بكاء، أن يبكي الإنسان أو أن يقشعر جلده، كل هذه الأمور يا شباب وردت، وأن يتفكر الإنسان وأن يتدبر كل هذا ورد. وإنما التباكي ورد فيه حديث لا يثبت، وأنكره الإمام أحمد، اللي هو: والقرآن فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا. واضح، فهذا لا يثبت هذا المعنى. فكون الإنسان يبكي أو يخشع أو يقشعر جلده، هذا جيد ليس فيه مشكلة، وإنما الصعق والشهق الذي ورد عن بعض عباد التابعين وأنكره عليه الصحابة الذين كانوا موجودون، كأسماء بنت أبي بكر، وأئمة التابعين كمحمد بن سيرين وغيره، هذا غير مشروع. وإن شاء الله ابن تيمية رحمه الله في أول مجلد المسمى بالتصوف في كتاب مجموع الفتاوى سيبين خطأ، يعني سيبين العبادات غير المشروعة التي كان عليها بعض عباد التابعين.

نكمل، قال ابن تيمية رحمه الله: ومن دعاء موسى: اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله. وفي الدعاء الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم لما فعل به أهل الطائف ما فعلوا: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي، اللهم إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله». وفي بعض الروايات: «ولا حول ولا قوة إلا بك». نلاحظ يا شباب هنا أن الإمام ابن تيمية رحمه الله إذا أراد أن يستدل لمسألة وأن يعطيها حقها من البحث، فانه قد يذكر في ثنايا استدلاله آثاراً عن الصحابة والتابعين، قد يذكر روايات عن بني إسرائيل، قد يذكر أحاديث فيها ضعف، لكن ابن تيمية لا يعتمد في أصل المسألة على تلك النصوص. واضح؟ وإنما يذكرها استئناساً واستشهاداً، لكنه هو نفسه في كتاب قاعدة جليلة بين أنه لا يصح أن يبنى حكم على حديث ضعيف، فهذه النصوص إما أنها تصح عنده وإما أنه ذكرها استشهاداً واعتمد على الآيات والأحاديث التي ساقها في مسألة ذم سؤال الخلق.

قال ابن تيمية رحمه الله: وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجائه لقضاء حاجته ودفع ضرورته، قويت عبوديته له وحريته مما سواه. فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له، فيأسه منه يوجب غنى قلبه عنه، كما قيل: استغني عمن شئت تكن نظيره، وافضل على من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره. دي يا شباب قاعدة جميلة جداً في كلام الإامام، اللي هي: وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجائه لقضاء حاجته ودفع ضرورته، قويت عبوديته له. يعني يا شباب، باب العمل مبني على باب العلم، مثل الإخلاص يا شباب، إذا كان الإنسان يعلم أن ربه وحده هو الذي يملك له الضر والنفع، لذلك يقوى إخلاصه. لماذا؟ لأنه لن يرجو بعمله غير الله. أما إذا اعتقد العبد أو نقص إيمان العبد بذلك، فظن أن غير الله يملك له ضراً أو نفعاً، فانه سيتعلق قلبه بالمخلوق بقدر ذلك. إذاً يا شباب، إنما يقوى العمل بالعلم.

فهو بيقول: وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجائه لقضاء حاجته ودفع ضرورته، قويت عبوديته له. لماذا يا شباب؟ لأنه سيعلم أن ربه وحده هو الذي يملك له الضر والنفع. حتى المشركون يا شباب، الله سبحانه وتعالى، كما ذكرنا في الدرس السابق أو قبل السابق، أن الله سبحانه وتعالى يستجيب دعاء الكافر المضطر المخلص الذي افتقر إلى الله. واضح يا شباب؟ فكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجائه لقضاء حاجته ودفع ضرورته، قويت عبوديته له وحريته مما سواه. لماذا يا شباب؟ لأن الإنسان يكون عبداً لله بقدر حريته مما سواه، ويكون عبداً لما سوى الله بقدر نقص عبوديته لله.

قال ابن تيمية رحمه الله: فكذلك طمع العبد في ربه ورجائه له يوجب عبوديته، وإعراض قلبه عن الطلب من الله والرجاء له يوجب انصراف قلبه عن العبودية لله، لا سيما من كان يرجو المخلوق ولا يرجو الخالق، بحيث يكون قلبه معتمداً إما على رئاسته وجنوده واتباعه ومماليكه، وإما على أهله وأصدقائه، وإما على ذخائره، وإما على ساداته وكبرائه كمالكه وملكه وشيخه ومخدومه وغيرهم ممن هو قد يموت. يعني الإمام ابن تيمية رحمه الله هنا يا شباب يقول: يجب أن يتوكل القلب على الله، وأن يعقد الإنسان رجاءه وطمعه بالله، وأن كل من عقد قلبه على غير الله، فإنه قد صرف شيئاً من العبودية لغير الله. والله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: 81-82]. قال ابن تيمية رحمه الله وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: 58].

طيب، ندخل الآن في الفقرة الثانية عشرة. قال: وكل من علق قلبه بالمخلوقين أن ينصروه أو يرزقوه أو أن يهدوه، خضع قلبه لهم، وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك، وإن كان في الظاهر أمييراً لهم مدبراً لأمورهم متصرفاً فيهم، فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر. يعني الإمام ابن تيمية رحمه الله يقول يا شباب: يمكن أن يكون الإنسان ملكاً وله خدم وله جنود، لكنه في الواقع يكون عبداً لهم لأنه محتاج إليهم، وفي الظاهر أمير ومدبر، لكنه في الباطن عبد لهم محتاج إليهم مفتقر إليهم، فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر، يعني ينظر إلى حقيقة الأمر وليس إلى الظاهر.

قال ابن تيمية: فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة، ولو كانت مباحة له، يبقى قلبه أسيراً تحكم فيه وتتصرف بما تريد، وهو في الظاهر سيدها لأنه زوجها أو مالكها، يعني لو كانت أمة، ولكنه هو بيقول: لو أن الإنسان قلبه تعلق بامرأة، طبعاً يقصد هنا ابن تيمية الشباب هنا يحسن الاستدلال لا يقصد الحب المباح، وإنما يقصد التعلق الذي يخرج عن معنى الحب فيكون فيه شبه من العبودية، واضح؟ أن يترك أمراً من أمر الله طاعة لها، أو أن يفعل ما يسخط الله ليرضيها وهكذا، فهو بيقول: ولو كانت مباحة له، يعني أمة عنده أو كانت امرأته، يبقى قلبه أسيراً تحكم فيه وتتصرف بما تريد وهو في الظاهر سيدها لأنه زوجها أو مالكها، ولكنه في الحقيقة هو أسيرها ومملوكها، لا سيما مع فقري إليها وعشقه لها وأنه لا يعتاض عنها بغيرها، فإنها حينئذ تتحكم فيه تحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور الذي لا يستطيع الخلاص منه، بل أعظم؛ فإن أسر القلب أعظم من استعباد البدن؛ فإن من استعبد بدنه واسترق وأسر لا يبالي إذا كان قلبه مستريحاً من ذلك مطمئناً، بل يمكنه الاحتياال في الخلاص، وأما إذا كان القلب الذي هو ملك الجسم رقيقاً مستعبداً متيماً لغير الله، فهذا هو الذل والأسر المحض والعبودية الذليلة لما استعبد القلب.

نلاحظ يا شباب في قصة الذين كانوا سحرة لفرعون: ﴿اقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 72-73]. من حكمة الله تبارك وتعالى يا شباب أنه جعل قلب الانسان لا سلطان لأحد عليه من البشر، فالإنسان يمكن أن يكره في الظاهر، لذلك الله سبحانه وتعالى بين أن عذر المكره إنما يكون إذا نطق بكلمة الكفر أو عمل كفراً إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان. لماذا شباب؟ لأن الإكراه لا يمكن أن يتسلط على القلب، الله سبحانه وتعالى جعل القلب لا سلطان لأحد من البشر عليه. واضح؟ فلذلك يمكن أن يكون الإنسان أسيراً ببدنه لكن قلبه حر. واضح؟

فابن تيمية رحمه الله يقول: بعض الناس يتعلق قلبه بالمخلوق، سواء كان يرجو نصره، أو يرجو الرزق منه، أو يستمتع معه، أو يطلب الهداية منه، فقد يخرج عن حد كونه مجرد سبب، فيتعلق قلبه فيما لا يملكه هذا الشخص. وضرب ابن تيمية رحمه الله أمثلة واقعية، وهذا من حسن الاستدلال، تبين أن بعض الرجال يتعلق قلبه بامرأة حتى لو كانت مباحة له، كانت أمة له أو كانت امرأته، فإنه إذا تجاوز الحد في هذا سيكون عبداً لها، سيكون أسيراً لها، سيكون مملوكاً لها، وإن كان هو في الظاهر سيدها أو مالكها. واضح؟ ثم بين هذا المعنى الجميل: فإن أسر القلب أعظم من استعباد البدن.

قال ابن تيمية رحمه الله: وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، فإن المسلم لو أسره كافر أو استرقه فاجر بغير حق لم يضره ذلك إذا كان قائماً بما يقدر عليه من الواجبات، ومن استعبد بحق إذا أدى حق الله وحق مواليه فله أجران، ولو أكره على التكلم بالكفر فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان لم يضره ذلك. وأما من استعبد قلبه فصار عبداً لغير الله، فهذا يضره ذلك ولو كان في الظاهر ملك الناس. والله يا شباب، هذا كلام من احسن ما يكون، يبين أن الحرية هي حرية القلب والعبودية هي عبودية القلب. ومن حكمة الله أن الله تبارك وتعالى لم يجعل قلوبنا، يعني لم يجعلها مملوكة لأحد من الخلق، لا سلطان لأحد من الخلق على قلبك.

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: فالحرية حرية القلب والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس». يعني النبي صلى الله عليه وسلم هنا يا شباب لم يقل حقيقة الغنى أنه غنى النفس، قال: «الغنى غنى النفس». لست محتاجاً إلى كلمة حقيقة الزهد، حقيقة الورع، حقيقة كذا. يعني اتبع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الطريقة.

قال: وهذا لعمر الله إذا كان قد استعبد قلبه بصورة مباحة، فأما من استعبد قلبه بصورة محرمة، امرأة أو صبي، فهذا هو العذاب الذي لا يدانيه عذاب. ابن تيمية رحمه الله يا شباب من فقهه يتدرج في بيان الأمثلة، يبين صنفا من الناس يتعلق قلبه تعلقاً غير مشروع ويجاوز الحد في علاقته مثلاً بامرأة، هي زوجته أو هي أمته، فهو يشقى معها بقدر عبوديته لها. طيب، الأشد من ذلك، الأشد من ذلك أن يتعلق قلبه بمحرم أو بما لم يبح له، فهذا معذب. واضح يا شباب؟

قال: وهؤلاء عشاق الصور من اعظم الناس عذاباً وأقلهم ثواباً؛ فإن العاشق لصورة إذا بقي قلبه متعلقاً بها مستعبداً لها، اجتمع له من انواع الشر والخسران والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، ولا يسلم من فعل الفاحشة الكبرى، فدوام تعلق القلب بها بلا فعل فاحشة اشد ضرراً عليه ممن يفعل ذنباً ثم يتوب منه ويزول أثره من قلبه. وهؤلاء يشبهون بالسّكارى والمجانين، كما قيل سكران. الأول نشرح هذه الفكرة يا شباب، يريد أن يقول إن هؤلاء معذبون في كل أحوالهم الذين تعلقت قلوبهم بما حرمه الله.

فَعَذَابُهُمْ مِنْ جِهَادٍ، فَإِنْ فَعَلُوا هَذَا الْأَمْرَ -وَهُوَ مُحَرَّمٌ لَهُمْ- فَسَيَقَعُونَ فِي الْفَاحِشَةِ وَاضِحٌ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوهُ صَارَتْ أَوْ بَقِيَتْ قُلُوبُهُمْ فَقِيرَةً مُحْتَاجَةً إِلَى هَذَا الَّذِي تَعَلَّقَتْ قُلُوبُهُمْ بِهِ. وَاضِحٌ يَا شَبَابُ؟

ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُمْ يُشْبَهُون بِالسُكَارَى وَالْمَجَانِينِ، قَالَ: سَكْرَانُ سَكْرُ هَوًى، وَسَكْرَا مُدَامَةٍ، وَمَتَى إِفَاقَةُ مَنْ بِهِ سَكْرَانُ؟ يَعْنِي هُوَ سَكْرَانُ مِنْ جِهَتَيْنِ؛ سَكْرُ هَوًى وَسَكْرُ... وَقِيلَ: قَالُوا جُنِنْتَ بِمَنْ تَهْوَى فَقُلْتُ لَهُمُ: الْعِشْقُ أَعْظَمُ مِمَّا بِالْمَجَانِينِ. الْعِشْقُ لَا يَسْتَفِيقُ الدَّهْرَ صَاحِبُهُ، وَإِنَّمَا يُصْرَعُ الْمَجْنُونُ فِي الْحِينِ.

طَبْعاً يَا شَبَابُ، قِصَّةُ قَيْسِ بْنِ الْمُلُوَّحِ مَعَ لَيْلَى، لَوْ قَرَأْتُمْ مَثَلًا أَوْ سَمِعْتُمُ الْمُؤْنِسَةَ وَوَجَدْتُمُوهُ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ عَنْهَا لِأَنَّهَا تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ وَلَمْ يَتَزَوَّجْهَا، يَعْنِي لَمَّا يَتَكَلَّمُ عَنْ حَالِهِ وَعَنْ شَوْقِهِ وَعَنْ عَذَابِهِ وَأَنَّهُ يَسْتَغْرِبُ مِمَّنْ يُعَاتِبُهُ أَوْ يَلُومُهُ عَلَى مَا هُوَ فِيهِ، فَيَقُولُ: أَنْتُمْ لَمْ تُجَرِّبُوا مِثْلَ تَجْرِبَتِي.

ابْنُ تَيْمِيَةَ هُنَا يَتَكَلَّمُ يَا شَبَابُ عَنْ الْعِشْقِ، عَنْ دَاءِ الْعِشْقِ، وَيَتَكَلَّمُ عَنِ التَّعَلُّقِ غَيْرِ الْمَشْرُوعِ، وَيَتَكَلَّمُ عَنْ مُجَاوَزَةِ الْحَدِّ. وَلَكِنْ هُنَا نُنَبِّهُ يَا شَبَابُ عَلَى مَعْنَى مُعَيَّنٍ، وَهُوَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِامْرَأَةٍ مَثَلًا وَهِيَ لَا تَحِلُّ لَهُ، هَذَا التَّعَلُّقُ هُوَ لَا يَمْلِكُهُ، فَبِالتَّالِي هُوَ لَيْسَ مُحَاسَبًا عَلَيْهِ. إِنَّمَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ إِذَا خَطَا فِي سَبِيلِ ذَلِكَ التَّعَلُّقِ خُطُوَاتٍ.

يَعْنِي اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ». فَرُبَّمَا مَثَلًا كَانَ الْإِنْسَانُ يُحِبُّ امْرَأَةً لَا تَحِلُّ لَهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَتْبَعْ ذَلِكَ الْهَوَى؛ الْإِنْسَانُ لَا يُلَامُ عَلَى مُجَرَّدِ الْهَوَى، وَإِنَّمَا يُلَامُ إِذَا اتَّبَعَ الْهَوَى بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ.

كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا اللَّمْسُ، وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْمَشْيُ، وَالْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْبَصَرُ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ، وَالنَّفْسُ تَتَمَنَّى وَتَشْتَهِي». يَعْنِي مُجَرَّدُ هَذَا التَّمَنِّي، مُجَرَّدُ هَذِهِ الشَّهْوَةِ، مُجَرَّدُ هَذَا الْهَوَى إِذَا لَمْ يَعْمَلِ الْإِنْسَانُ بِهِ عَمَلًا، لَا بِقَلْبِهِ وَلَا بِجَوَارِحِهِ، وَتَرَكَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فَقَطْ لَا يَأْثَمُ، بَلْ يُثَابُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ؛ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً». قَالَ اللَّهُ: «إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَائِي». إِذًا الْهَمُّ الَّذِي بِمَعْنَى الْخَاطِرَةِ أَوْ بِمَعْنَى الْهَوَى لَا يَأْثَمُ الْإِنْسَانُ بِهِ إِذَا لَمْ يَتْبَعْهُ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ. وَاضِحٌ كِذَا؟

فَالْهَمُّ هَمَّانِ؛ هَمٌّ بِمَعْنَى الْعَزْمِ، فَلَوْ أَنَّ الْإِنْسَانَ هَمَّ بِأَمْرٍ وَعَزَمَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ، كَمَا فِي حَدِيثِ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ». قَالُوا: هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِهِ». وَاضِحٌ.

أَمَّا إِذَا هَمَّ الْإِنْسَانُ بِمَعْصِيَةٍ فَتَرَكَهَا لِلَّهِ وَهَذَا يُثَابُ، وَاضِحٌ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ». وَفِتْنَةُ يُسُفَ فِي قَوْلِ عَدَدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ هَمَّ؛ خَطَرَ بِبَالِهِ هَذَا الْفِعْلُ لَكِنَّهُ تَرَكَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: 32]. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هَمَّ يُوسُفُ -خَطَرَ بِبَالِهِ أَمْ لَا؟ هَلِ اتَّخَذَ خُطُوَاتٍ ثُمَّ رَدَّهُ الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ؟ هَذَا سَيَأْتِي لَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ شَرْحُهُ فِي شَرْحِ الْإِمَامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ أَوْ تَفْسِيرِ الْإِمَامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي هِيَ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]، تَعَرَّضَ فِيهَا إِلَى مَسْأَلَةِ إِمْكَانِ وُقُوعِ الذَّنْبِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ نَفَى ذَلِكَ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. إِنْ شَاءَ اللَّهُ سَيَأْتِي مَعَنَا تَفْصِيلٌ لَهَا.

نَحْنُ هُنَا يَا شَبَابُ فَقَطْ أَرَدْنَا أَنْ نُبَيِّنَ هَذِهِ الْفِكْرَةَ... حَدٌ يَقُولُ: أَكْثِرُوا الضَّغْطَ عَلَى الصَّفْحَةِ حَتَّى تَكُونَ أَنْشَطَ يَعْنِي. أَنَا مَا أَعْرِفُ الْمَوْضُوعَ إِزَا نُنَشِّطُ الصَّفْحَةَ؛ أَوَّلُ فِيدْيَوْ يَبْقَى إِزَا...

الشَّبَابُ الْحَدِيثُ هُنَا عَنِ الْهَوَى؛ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَتَكَلَّمُ عَنِ التَّعَلُّقِ الَّذِي يَكُونُ مِنَ الْعَبْدِ، أَنَّ الْعَبْدَ يُفَكِّرُ وَيَتَّخِذُ خُطُوَاتٍ، فَهَذَا يَشْقَى بِهِ الْعَبْدُ.

طَيْبٌ، قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ هَذَا الْبَلَاءِ إِعْرَاضُ الْقَلْبِ عَنِ اللَّهِ. نَعَمْ يَا شَبَابُ، الْإِنْسَانُ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ قَلْبُهُ بِغَيْرِ اللَّهِ بِقَدْرِ اسْتِغْنَائِهِ عَنِ اللَّهِ. وَالْإِنْسَانُ يُكْثِرُ الشَّكْوَى إِلَى النَّاسِ وَإِلَى الْخَلْقِ بِقَدْرِ ضَعْفِ شَكْوَاهُ إِلَى اللَّهِ. وَالْإِنْسَانُ يَفْتَقِرُ إِلَى النَّاسِ بِقَدْرِ اسْتِغْنَائِهِ عَنِ اللَّهِ. هَذَا حَقٌّ.

قَالَ: وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ هَذَا الْبَلَاءِ إِعْرَاضُ الْقَلْبِ عَنِ اللَّهِ، فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا ذَاقَ طَعْمَ عِبَادَةِ اللَّهِ وَالْإِخْلَاصِ لَهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ قَطُّ أَحْلَى مِنْ ذَلِكَ، وَلَا أَلَذَّ، وَلَا أَمْتَعَ، وَلَا أَطْيَبَ. اللَّهُ! هَذَا وَاللَّهِ يَا شَبَابُ مِنْ أَجْمَلِ عِبَارَاتِ الْكِتَابِ، يَقُولُ الْإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: إِنَّ لَوْ أَنَّ الْإِنْسَانَ ذَاقَ طَعْمَ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ وَالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ وَالشَّكْوَى إِلَى اللَّهِ وَالْكَلَامِ مَعَ اللَّهِ وَدُعَاءِ اللَّهِ، اسْتَوْحَشَ أَصْلًا مِنَ الْكَلَامِ مَعَ النَّاسِ.

وَهُوَ لَهُ كِتَابٌ اسْمُهُ «قَاعِدَةٌ فِي الْمَحَبَّةِ» ذَكَرَ فِيهِ مَعْنًى جَمِيلًا جِدًّا يَا شَبَابُ، يَقُولُ: إِنَّمَا غَلِطَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّهُمْ ذَاقُوا ظَاهِرًا مِنْ مُتَعِ الدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا وَلَمْ يَذُوقُوا لَذَّةَ الْإِيمَانِ؛ لَوْ ذَاقُوا لَذَّةَ الْإِيمَانِ لَصَعُبَ عَلَيْهِمْ جِدًّا أَنْ يَسْتَلِذُّوا بِغَيْرِ مَا يُرْضِي اللَّهَ.

طَيْبٌ، قَالَ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْإِنْسَانُ لَا يْتْرُكُ مَحْبُوبًا إِلَّا بِمَحْبُوبٍ آخَرَ يَكُونُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهُ، أَوْ خَوْفًا مِنْ مَكْرُوهٍ. فَالْحُبُّ الْفَاسِدُ يَنْصَرِفُ الْقَلْبُ عَنْهُ بِالْحُبِّ الصَّالِحِ أَوْ بِالْخَوْفِ مِنَ الضَّرَرِ. اللَّهُ! هَذَا كَلَامٌ جَمِيلٌ جِدًّا، يَعْنِي يَقُولُ: الْإِنْسَانُ مَتَى يْتْرُكُ مَحْبُوبَهُ؟ إِذَا تَعَلَّقَ بِمَحْبُوبٍ آخَرَ أَوْ خَافَ مِنْ مَكْرُوهٍ يُصِيبُهُ بِسَبَبِ هَذَا الْمَحْبُوبِ.

فَلَوْ أَنَّ الْإِنْسَانَ اتَّقَى اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَيَنْصَرِفُ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا مِمَّا لَا يُرْضِي اللَّهَ، إِمَّا انْشِغَالًا بِاللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَبِطَاعَتِهِ، وَإِمَّا خَوْفًا مِنْ سَيِّئَاتِ عَمَلِهِ -الْمَكْرُوهُ هُنَا مَقْصُودُ بِهِ الْمَصَائِبُ الَّتِي تُصِيبُهُ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي مَطْلَعِ خُطْبَةِ الْحَاجَةِ: وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا-.

طَيْبٌ يَا شَبَابُ نُكْمِلُ، قَالَ تَعَالَى -بَقَالُ لَنَا دَلْوَقْتِي تَقْرِيبًا يُمْكِنْ بَقَى لَنَا سَاعَةٌ وَنِصْفٌ تَقْرِيبًا-: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24]. فَاللَّهُ يَصْرِفُ عَنْ عَبْدِهِ مَا يَسُوءُهُ مِنَ الْمَيْلِ إِلَى الصُّوَرِ وَيَصْرِفُ عَنْهُ الْفَحْشَاءَ بِإِخْلَاصِهِ لِلَّهِ.

هَذَا مَعْنًى جَمِيلٌ جِدًّا يَا شَبَابُ، أَنَّ إِخْلَاصَ الْعَبْدِ وَطَاعَتَهُ يَحْجُزُهُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ حَتَّى لَوْ كَانَ يَعْزِمُ عَلَى هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ. يَعْنِي يَا شَبَابُ، طَاعَةُ الْإِنْسَانِ وَعِبَادَاتُهُ تَنْفَعُهُ حَتَّى لَوْ عَزَمَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَإِنَّهُ يُصْرَفُ عَنْهَا وَإِنْ كَانَ عَازِمًا مُرِيدًا لَهَا. وَاضِحٌ يَا شَبَابُ؟

فَلِذَلِكَ الْإِنْسَانُ فِي وَقْتِ صَحْوَتِهِ وَنَشَاطِهِ وَطَاعَاتِهِ يُكْثِرُ جِدًّا مِنَ الدُّعَاءِ أَنْ يَصْرِفَهُ اللَّهُ عَنِ السُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ يَصْرِفَ قَلْبَهُ إِلَى طَاعَتِهِ، فَإِنَّ دُعَاءَ الْإِنْسَانِ وَقْتَ صَحْوَتِهِ يَنْفَعُهُ وَقْتَ غَفْلَتِهِ، لِأَنَّهُ فِي وَقْتِ الْغَفْلَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَعْزِمَ عَلَى مُنْكَرٍ أَوْ عَلَى بَاطِلٍ أَوْ عَلَى فَاحِشَةٍ أَوْ عَلَى سُوءٍ، فَيَجِدُ الْأَسْبَابَ لَا تُوَافِقُهُ فَيَسْتَغْرِبُ هَذَا بِسَبَبِ إِخْلَاصٍ سَابِقٍ أَوْ بِسَبَبِ طَاعَةٍ سَابِقَةٍ.

طَيْبٌ، قَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلِهَذَا يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَذُوقَ حَلَاوَةَ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ وَالْإِخْلَاصِ لَهُ بِحَيْثُ تَغْلِبُهُ نَفْسُهُ عَلَى اتِّبَاعِ هَوَاهَا، فَإِذَا ذَاقَ طَعْمَ الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ وَقَوِيَ فِي قَلْبِهِ انْقَهَرَ لَهُ هَوَاهُ بِلَا كَبِيرِ عِلَاجٍ. يَا شَبَابُ مِنْ أَجْمَلِ عِبَارَاتِ الْكِتَابِ، يَقُولُ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَا شَبَابُ، إِنَّ الْعَبْدَ قَدْ يَجِدُ صُعُوبَةً كَبِيرَةً فِي دَفْعِ شَهْوَةٍ مُحَرَّمَةٍ أَوْ هَوًى مُحَرَّمٍ، لَكِنَّهُ مَعَ الِاسْتِقَامَةِ فِي الْعِبَادَةِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ لَنْ يَجِدَ صُعُوبَةً بَعْدَ ذَلِكَ فِي الِانْصِرَافِ عَنْ ذَلِكَ الْهَوَى أَوْ تِلْكَ الشَّهْوَةِ.

يَعْنِي كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ الْإِنْسَانَ إِنَّمَا يَكُونُ قَوِيًّا فِي مُوَاجَهَةِ الشَّهَوَاتِ وَالْأَهْوَاءِ الْمُحَرَّمَةِ بِقَدْرِ اسْتِقَامَتِهِ وَطَاعَتِهِ، وَإِنَّمَا يَضْعُفُ الْإِنْسَانُ عَنْ مُقَاوَمَةِ تِلْكَ الْأَهْوَاءِ الْمُحَرَّمَةِ لِضَعْفِ الْعِبَادَةِ وَلِضَعْفِ تَعَلُّقِهِ بِاللَّهِ. وَدَهْ مَعْنًى جَمِيلٌ جِدًّا يَا شَبَابُ؛ حَتَّى شُوفُوا ابْنُ تَيْمِيَةَ اسْتَدَلَّ لَهُ بِإِيهِ؟ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45].

قَالَ: فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا دَفْعٌ لِشَرٍّ مَكْرُوهٍ وَهُوَ الْفَحْشَاءُ وَالْمُنْكَرُ، وَفِيهَا تَحْصِيلٌ لِخَيْرٍ مَحْبُوبٍ وَهُوَ ذِكْرُ اللَّهِ. قَالَ: وَحُصُولُ هَذَا الْمَحْبُوبِ أَكْبَرُ مِنْ دَفْعِ ذَلِكَ الْمَكْرُوهِ، فَإِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ عِبَادَةُ اللَّهِ وَعِبَادَةُ الْقَلْبِ لِلَّهِ مَقْصُودَةٌ لِذَاتِهَا. وَأَمَّا انْدِفَاعُ الشَّرِّ عَنْهُ فَهُوَ مَقْصُودٌ لِغَيْرِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِ، وَالْقَلْبُ خُلِقَ يُحِبُّ الْحَقَّ وَيُرِيدُهُ وَيَطْلُبُهُ، فَلَمَّا عَرَضَتْ لَهُ إِرَادَةُ الشَّرِّ طَلَبَ دَفْعَ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا تُفْسِدُ الْقَلْبَ كَمَا يُفْسِدُ الزَّرْعَ بِمَا يَنْبُتُ فِيهِ مِنَ الدَّغَلِ.

الدَّغَلُ الَّذِي هُوَ الدَّغَلُ الَّذِي هُوَ بِالتَّحْرِيكِ يَا شَبَابُ، الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْفَسَادِ؛ دَخَلَ فِي الْأَمْرِ يَعْنِي مُفْسِدٌ. وَاضِحٌ؟ أَوْ يَعْنِي هُوَ مَا يُفْسِدُ الزَّرْعَ أَوْ مَا يُفْسِدُ الْأَعْمَالَ. فَبِالتَّالِي يَا شَبَابُ هُنَا ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَتَكَلَّمُ عَنْ مَعَانٍ عَظِيمَةٍ جِدًّا، وَهِيَ أَنَّ الطَّاعَةَ أَوِ الِاسْتِقَامَةَ عَلَى الطَّاعَةِ أَوْ مُجَاهَدَةَ النَّفْسِ فِي الطَّاعَةِ لَهَا فَوَائِدُ؛ مِنْ هَذِهِ الْفَوَائِدِ أَوَّلًا تَقَرُّبُ الْعَبْدِ مِنَ اللَّهِ.

الْأَمْرُ الثَّانِي أَنَّهَا تُقَوِّي الْعَبْدَ فِي دَفْعِ الشَّهَوَاتِ الْمُحَرَّمَةِ وَالْأَهْوَاءِ مَهْمَا كَانَتِ الْأَهْوَاءُ قَوِيَّةً، وَمَهْمَا كَانَ ضَعِيفًا تُجَاهَهَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 40-41]. فَإِنَّ خَوْفَ مَقَامِ اللَّهِ أَعْظَمُ مَا تَتَقَوَّى بِهِ فِي اجْتِنَابِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ.

قَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10]. يَعْنِي الْإِنْسَانُ يُزَكِّي نَفْسَهُ... يَعْنِي يُزَكِّي نَفْسَهُ لَيْسَ مَعْنَاهَا أُثْنِي عَلَى نَفْسِكَ، وَإِنَّمَا يُزَكِّي نَفْسَهُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور: 30]. وَقَالَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 14-15]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: 21].

فَجَعَلَ سُبْحَانَهُ غَضَّ الْبَصَرِ وَحِفْظَ الْفَرْجِ هُوَ أَقْوَى تَزْكِيَةٍ لِلنَّفْسِ، وَبَيَّنَ أَنَّ تَرْكَ الْفَوَاحِشِ مِنْ زَكَاةِ النُّفُوسِ. وَزَكَاةُ النُّفُوسِ تَتَضَمَّنُ زَوَالَ جَمِيعِ الشُّرُورِ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَالظُّلْمِ وَالشِّرْكِ وَالْكَذِبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَكَذَلِكَ... وَهُنَا كَذَلِكَ عَلَى مَاذَا تَعْطِفُ يَا شَبَابُ؟ يَعْنِي يَعْطِفُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَتَعَلَّقُ قَلْبُهُ بِامْرَأَةٍ أَوْ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ. هُوَ الْآنَ يَا شَبَابُ -لِكَيْ لَا يَحْصُلَ لَكَ لَبْسٌ- هُوَ الْآنَ مِنْ أَوَّلِ فَقْرَةِ اثْنَا عَشَرَ يَا شَبَابُ لَمَّا قَالَ: وَكُلُّ مَنْ عَلَّقَ قَلْبَهُ بِالْمَخْلُوقِينَ أَنْ يَنْصُرُوهُ. فَذَكَرَ أَوَّلَ صُورَةٍ لِلتَّعَلُّقِ هُوَ تَعَلُّقٌ بِامْرَأَةٍ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ تَحِلُّ لَهُ، تَعَلُّقًا يُجَاوِزُ الْحَدَّ. ثُمَّ تَكَلَّمَ عَنْ عِلَاجِ ذَلِكَ، ثُمَّ دَخَلَ فِي صُورَةٍ أُخْرَى مِنَ التَّعَلُّقِ قَالَ: وَكَذَلِكَ طَالِبُ الرِّئَاسَةِ وَالْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ.

قَلْبُهُ رَقِيقٌ... كَلِمَةُ رَقِيقٌ هُنَا يَا شَبَابُ مَعْنَاهَا مُسْتَرَقٌ، يَعْنِي عَابِدٌ؛ وَاضِحٌ، قَلْبُهُ رَقِيقٌ لِمَنْ يُعِينُهُ عَلَيْهَا، وَلَوْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ مُقَدِّمَهُمْ وَالْمُطَاعَ فِيهِمْ، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ يَرْجُوهُمْ وَيَخَافُهُمْ وَيَبْذُلُ لَهُمُ الْأَمْوَالَ وَالْوِلَايَاتِ وَيَعْفُو عَمَّا يَجْتَرِحُونَهُ لِيُطِيعُوهُ وَيُعِينُوهُ، فَهُوَ فِي الظَّاهِرِ رَئِيسٌ مُطَاعٌ وَفِي حَقِيقَةِ عَبْدٍ مُطِيعٌ لَهُمْ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ كِلَيْهِمَا فِي عُبُودِيَّةٍ لِلْآخَرِ، وَكِلَاهُمَا تَارِكٌ لِحَقِيقَةِ الْعُبُودِيَّةِ. وَاللَّهِ يَا شَبَابُ هَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْكَلَامِ، يَقُولُ: إِنَّ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ الْجَاهَ وَالرِّئَاسَةَ وَالْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ إِنَّمَا يَكُونُونَ فِي الظَّاهِرِ مُلُوكًا وَيُظَنُّ أَنَّ عِنْدَهُمُ الْقُدْرَةَ، وَهُمْ فِي الْوَاقِعِ قُلُوبُهُمْ مُسْتَرَقَةٌ لِمَنْ يَحْمُونَهُمْ وَلِمَنْ يُسَانِدُونَهُمْ وَلِمَنْ يَفْتَقِرُونَ إِلَيْهِمْ فِي مُلْكِهِمْ. وَاضِحٌ يَا شَبَابُ؟

وَإِذَا كَانَ تَعَاوُنُهُمَا عَلَى الْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَعَاوِنَيْنِ عَلَى الْفَاحِشَةِ أَوْ قَطْعِ الطَّرِيقِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّخْصَيْنِ لِهَوَاهُ الَّذِي اسْتَعْبَدَهُ وَاسْتَرَقَهُ مُسْتَعْبِدٌ لِلْآخَرِ. يَقُولُ: لَوْ كَانَ هَذَا الْمَالِكُ وَالْمَمْلُوكُونَ الَّذِينَ يُعِينُونَهُ عَلَى طَلَبِ الرِّئَاسَةِ، إِذَا كَانَ تَعَاوُنُهُمْ طَلَبًا لِلْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، هُمْ بِالضَّبْطِ مِثْلُ الَّذِينَ... رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ كِلَاهُمَا أَرَادَ الْفَاحِشَةَ إِذَا تَعَاوَنَا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَتَعَاوَنَا عَلَى الْفَاحِشَةِ، أَوْ اثْنَانِ مَثَلًا قُطَّاعُ طُرُقٍ تَعَاوَنَا عَلَى قَطْعِ الطَّرِيقِ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَعْبِدٌ لِلْآخَرِ.

قَالَ: وَهَكَذَا أَيْضًا طَالِبُ الْمَالِ. يَبْقَى الْآنَ تَكَلَّمَ عَنْ ثَلَاثِ صُوَرٍ؛ الصُّورَةُ الْأُولَى: مَنْ يَتَعَلَّقُ قَلْبُهُ بِامْرَأَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ تَحِلُّ لَهُ أَوْ لَا تَحِلُّ لَهُ وَتَجَاوَزَ بِذَلِكَ الْحَدَّ وَصَارَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا يُرْضِيهَا وَيُسْخِطُهَا حَتَّى لَوْ كَانَ يُسْخِطُ اللَّهَ، فَإِنَّ هَمَّهُ هُوَ إِرْضَاؤُهَا، وَكَذَلِكَ هَمُّهُ أَلَّا يُسْخِطَهَا. وَاضِحٌ، فَقَدْ تَجَاوَزَ بِذَلِكَ حَتَّى صَارَ مَعْبُودًا لَهَا.

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: طَالِبُ الرِّئَاسَةِ وَالْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ.

الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: عَبْدُ الْمَالِ، طَالِبُ الْمَالِ. قَالَ: فَإِنَّ الْمَالَ يَسْتَعْبِدُهُ وَيَسْتَرِقُهُ.

وَاضِحٌ يَا شَبَابُ؟ نَدْخُلُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْفَقْرَةِ الَّتِي بَعْدَهَا. نَحْنُ كَذَبْنَا قَدْ إِيهِ يَا شَبَابُ؟ تَقْرِيبًا أَقَلَّ مِنْ سَاعَتَيْنِ، أَظُنُّ أَقَلَّ مِنْ سَاعَتَيْنِ. طَيِّبٌ، يُمْكِنُ نُكْمِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ نَحْنُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بَقِيَ لَنَا حِصَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي هَذَا الْكِتَابِ يَا شَبَابُ.

الْفَقْرَةُ الَّتِي بَعْدَ ذَلِكَ تَكُونُ الْفَقْرَةَ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ. قَالَ: وَهَذِهِ الْأُمُورُ نَوْعَانِ. الْأُمُورُ يَا شَبَابُ هُنَا يَقْصِدُ الْأُمُورَ الَّتِي يَطْلُبُهَا الْعَبْدُ، ابْنُ تَيْمِيَةَ يَتَحَدَّثُ عَنِ الْمَطَالِبِ، عَنِ الرَّغَبَاتِ، نَتَكَلَّمُ مَثَلًا عَنْ رَجُلٍ يَرْغَبُ فِي امْرَأَةٍ، أَوْ رَجُلٍ يَرْغَبُ فِي الْجَاهِ وَالسُّلْطَةِ وَالرِّئَاسَةِ، وَرَجُلٍ يَرْغَبُ فِي تَحْصِيلِ الْمَالِ.

ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ الْأُمُورُ نَوْعَانِ؛ مِنْهَا مَا يَحْتَاجُ الْعَبْدُ إِلَيْهِ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَمَسْكَنِهِ وَمَنْكَحِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا يَطْلُبُهُ مِنَ اللَّهِ وَيَرْغَبُ إِلَيْهِ فِيهِ، فَيَكُونُ الْمَالُ عِنْدَهُ يَسْتَعْمِلُهُ فِي حَاجَتِهِ بِمَنْزِلَةِ حِمَارِهِ الَّذِي يَرْكَبُهُ وَبِسَاطِهِ الَّذِي يَجْلِسُ عَلَيْهِ بَلْ...

منزلة الكنيف الذي يقضي فيه حاجته من غير أن يستعبده فيكون هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً، وإذا مسه الخير منوعاً.

ابن تيمية الشباب يقول: الإنسان في مطالبه وفي حاجاته، حاجاته هذه نوعان؛ منها أشياء فعلا يحتاج إليها، فهذه الأشياء وإن كان يحتاج إليها لا ينبغي أن يتعلق قلبه بها، فإذا فقدها هلع وسخط يعني لم يرضَ بقضاء الله، وإنما تعلق بها لا ينبغي أن تكون عنده مجرد أسباب؛ مثل الطعام والشراب والمسكن والمنكح، فهذه الأمور يتفاعل الإنسان معها من باب الأسباب.

قال: كحماره الذي يركبه وبساطه الذي يجلس عليه. نعم هو يحتاج إليها، قال: إيه من غير أن يستعبده. ممكن الإنسان يا شباب يحب أن يكون عنده مثلا لبس جميل، يحب أنه يكون عنده هاتف جميل، يحب أنه يكون عنده سيارة جميلة، يحب أن يتزوج امرأة جميلة.

لكن ربما هذا الشخص يتعلق قلبه بالشيء، مثلا إذا سيارته لا قدر الله صدمت يشعر أن الدنيا كلها يعني أظلمت في وجهه، ويكون هلوعاً ويكون جزوعاً، لأ هنا تجاوز الحد؛ المفروض أنت يعني أتيت بالسيارة لتخدمك، صرت أنت خادماً لها. واضح يا شباب؟

إنسان عنده هاتف مثلا بيحب يحافظ عليه، لكن الهاتف ده مثلا حصل فيه خدش بسيط، ما يجيلوش نوم ويعيط ويخبط دماغه في الحيطة، لأ كده الموضوع تجاوز الحد. فإذا يا شباب ابن تيمية يقول: إن ما يحتاجه الإنسان أو ما يطلبه حتى لو كان محتاجاً إليه، لا ينبغي أن يتجاوز كونه سبباً، فيصير بالنسبة له غاية، ويصير بالنسبة له يتعلق ويفرح بوجوده ويحزن لفواته، لأ.

﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: 23].

ومنها ما لا يحتاج العبد إليه، يبقى الصنف الثاني أشياء يطلبها هو أساساً لا يحتاج إليها، ومنها ما لا يحتاج العبد إليه، فهذا لا ينبغي له أن يتعلق قلبه به. يعني مثلاً شباب إنسان عشان نبين الفرق بين أن يسعى الإنسان إلى شيء وبين أن يعقد قلبه عليه، إنسان مثلا اتخذ أسباباً لأمر ما، كان يريد أن يلتحق بجامعة، كان يريد أن يسافر بلداً معيناً، كان يريد أن يحصل على تأشيرة معينة، واضح؟ فهذا الإنسان يأخذ بالأسباب ويجتهد فيها، لا شك سيفرح إذا جاءت ويحزن إذا لم تأتِ.

لكن في فرق بين أن يحزن يعني أن هو عادي مش مبسوط، وبين أن يكون جزوعاً، وبين أن يشعر أن الدنيا أظلمت في وجهه. واضح يا شباب؟ فكثير من الناس يتجاوز معه الطلب الأشياء التي يطلبها من كونها أسباباً فتكون في حقه غاية. والله أعرف كثير جداً من الشباب من الناس كان مثلا أراد أنه يسافر بلد معينة ولم يتيسر له أن يأخذ تأشيرة هذه البلد، ياه شعر أنه خلاص، يعني ظل يكتب منشورات وأنا خلاص أنا حياتي وحشة، وأنا.

هذا هو الذي يحذر منه الإمام، وهذا الذي هو نهينا عنه في القرآن أساساً. إذاً يا شباب نفرق بين ما يطلبه الإنسان ويسعى إليه ويأخذ باسبابه وبين أن يعقد قلبه عليه، فيصير فرحه وحزنه تبعا لتحققه.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، استعن بالله ولا تعجز». يعني خذ بالأسباب ولا تكسل، وبعد ذلك فإن أصابك فلا تقل: لو كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل. يبقى نفرق بين أن يطلب الإنسان أشياء أن يكون له طموح، أن يكون له رغبات، أن يكون له تطلعات، وبين أن يعقد حياته على هذه الأمور.

نحن يا شباب ما خلقنا في هذه الدنيا إلا لنعبد الله، ومع ذلك لا تنسَ نصيبك من الدنيا، فالإنسان ربما يسعى لمسكن جميل، يسعى لسيارة فاخرة، يسعى لمعيشة جيدة، يسعى لأن يكون أبناؤه في خير، قال: نعم، لكن ينبغي أن تكون القيمة المركزية في حياته أن يكون عبداً لله، فتكون سعادته تبعا لتحقيقه لهذا المعنى، ويكون حزنه كذلك تبعا لتقصيره في هذا المعنى.

لذلك قال ابن المبارك يا شباب وهذا معنى جميل: إن أعظم مصيبة تصيب الرجل أن يكون مقصراً في حق الله ثم لا يبالي. هي دي المصيبة يا شباب، هذه هي المصيبة التي ينبغي أن توقف كل شيء في حياتك عليها، أما أي أمر آخر من أمور غير أمور الدين فلماذا تحزن؟ لذلك الله سبحانه وتعالى قال: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: 23]. واضح يا شباب؟

وفي معنى جميل جداً أن الإمام أحمد رحمه الله لما اعتنى بطلب العلم واهتم بنشر العلم والإيمان بين الناس، يعني كان فقيراً جداً رحمه الله حتى أنه كان يكتري نفسه إذا ذهب رحلة في طلب العلم، كان يعمل حمالاً على السفينة لأنه ليس معه الأجرة، وهو إمام الأئمة أو إمام أهل زمانه، وكان فقيراً جداً جداً.

وكان له صديق ترك طلب العلم واهتم بالتجارة، وقال له ولده -ابن الإمام أحمد- قال له: أرأيت صديقك الذي صار في ملك وجاه؟ فقال الإمام أحمد: يا بني، ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 131]، ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 131].

لذلك الله سبحانه وتعالى كان يحب النبي صلى الله عليه وسلم وهو خليله، النبي صلى الله عليه وسلم خليل الله ومع ذلك الله سبحانه وتعالى أمره أن يطلب الزيادة من العلم، ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114].

ولما هدموا حجرات النبي صلى الله عليه وسلم في عهد سعيد بن المسيب بكى سعيد بن المسيب وقال: وددت أن تبقى هذه الحجرات، هم هدموها ليوسعوا المسجد، قال: وددت أن تبقى هذه الحجرات كما هي، ينشأ ناشئ المدينة ويأتي الآتي من الأمصار البعيدة فينظر إلى هذه الحجرات فيعلم ما رضي الله من هذه الدنيا لرسوله صلى الله عليه وسلم.

هذه المعاني يا شباب ينبغي للعبد دائما أن يذكر نفسه بها، أن أعظم قيمة أن يكون الإنسان عبداً لله، وأن يحرص على هدايته وهداية أسرته ومن يعول، ثم على هداية الناس، هذه أعظم قيمة، هذه هي التي تحزنه وهي التي يفرحه، بقدر ما يقوم بها يفرح وبقدر ما يقصر يحزن، أما والله كل ما سواها أساساً لا يستحق أن تحزن عليه أدنى درجة من الحزن.

لكننا ضعفاء، إنما نحزن على هذه الأشياء لأننا نتعلق بها، وبقدر ضعف إيماننا نحزن على فوات تلك الأشياء، أما المؤمنون حقاً فإنهم لا يحزنهم ولا يفرحهم إلا بقدر استقامتهم وبقدر تقصيرهم.

عندنا حديث عظيم جداً والله عن عبد الرحمن بن عوف لما قرب إليه الطعام فذكر مصعب بن عمير الذي توفي ولم يأخذ شيئاً، وجدوا بردة إذا غطوا بها رأسه بدت رجلاه وإذا غطوا رجليه بدت رأسه، قال: ثم فتحت لنا الدنيا وفتحت لنا ثمرات الدنيا فنحن نهدبها، ترك الطعام ولم يكمل طعامه لكونه شعر أنه أخذ شيئاً من أجره أو عجلت له حسناته.

إذاً يا شباب ابن تيمية هنا رحمه الله لا يمنع أن يكون للإنسان مطالب، لا يمنع أن يكون للإنسان حاجات، لكنه يفرق هنا بين أمرين؛ الأمر الأول: أن الأشياء التي تحتاج إليها حقاً لا ينبغي أن يتعلق قلبك بها، وإنما هي مجرد أسباب، أما أن تتجاوز الحد فتصير عبداً لها فهذا نوع من الرق، فإذا السيارة الآن صرت معبودها ولم تصر مالكها، التليفون الذي إذا حدث فيه خدش أنت تبكي طول الليل وتفكر وما يجيلكش نوم أنت صرت مملوكاً له، المرأة التي تحكم فيك أو تجعلك تفعل ما لا يرضي الله، تحولت من مجرد فرحة إلى مالكة لك، وهكذا شباب.

الأمر الثاني: أن يفرق العبد بينما يحتاجه فعلاً وما يستطيع أن يستغني عنه، واضح؟ فإذا استغنيت عن شيء فدعه، لماذا تلزم نفسك بشيء وتفتقر إليه وأنت لست محتاجاً إليه؟

طيب نكمل، قال رحمه الله: ومنها ما لا يحتاج العبد إليه، فهذا لا ينبغي له أن يعلق قلبه به، فإذا علق قلبه به صار مستعبداً له، وربما صار معتمداً على غير الله، فلا يبقى معه حقيقة العبادة ولا حقيقة التوكل عليه، بل فيه شعبة من العبادة لغير الله وشعبة من التوكل على غير الله، وهذا من أحق الناس بقوله صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة».

يعني يا شباب من صور ذلك: لو أن شخصاً مثلاً يلبس لباساً معيناً وأذن الأذان وهو مثلاً لم يدخل المسجد لكون هدومه مش هتبقى مضبوطة لما يصلي، هذا من أخص معاني العبودية، هذا صار عبداً لما يلبسه، يعني إذا الإنسان ترك طاعة لله لأجل شيء من هذه الأشياء، هذا من أخص ما يدخل في هذا الحديث، هذه صورة من العبودية بلا شك.

قال رحمه الله: وهذا هو عبد هذه الأمور، فانه لو طلبها من الله فإن الله إذا أعطاه إياها رضي، وإذا منعه إياها سخط، وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله.

هنا بقى يا شباب دي خلاصة هذا الفصل، هذا الكلام هو خلاصة هذه الفكرة؛ يعني ابن تيمية رحمه الله تحدث عن المطالب التي يطلبها الناس والحاجات التي يحتاجونها، فقسم هذه المطالب فبين أن منها ما يحتاجه الإنسان حقاً كالمأكل والمشرب والمسكن والمنكح والمركب، واضح؟ فهذا يمكن أن يحتاجه الإنسان يحتاجه فعلاً، لكن ينبغي ألا يتجاوز به الحد فيصير عبداً له.

الأمر الثاني: أشياء لا يحتاج إليها أساساً فيستغني عنها.

ثم بين الإمام ابن تيمية رحمه الله ما معنى أن يكون العبد مؤمناً حقاً أو عبداً لله حقاً؟ فقال: إنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويوالي أولياء الله ويعادي أعداء الله تعالى، وهذا هو الذي استكمل الإيمان، كما في الحديث: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان».

هذه الفقرة يا شباب بالاخص مقاصد الكتاب، أو قل هي عصارة هذا الكتاب، هو ده بالضبط الذي ابن تيمية يريد أن يقوله يا شباب، يريد أن يقول: إن العبد يرضى ويسخط إذا كان ميزان الرضا والسخط عندك هو نفس الميزان، هو نفس الميزان الذي هو ميزان الوحي وميزان الشريعة، أن ما يرضي الله هو الذي يرضيك، وما يسخط الله هو الذي يسخطك، ومن يحبهم الله هم الذين تحبهم ومن يبغضهم الله هم الذين تبغضهم فقد حققت الإيمان.

هو ده، لكنك ترى مثلاً شخص يبغض رجلاً مؤمناً يعرف أنه رجل مؤمن وصالح لكونه مثلاً فقيراً، أو لكونه مثلاً ليس معه شهادة علمية، أو لكونه لم يكمل دراسته، أو لكونه يبيع مثلاً سواك أمام المسجد، واضح؟ وتراه يعظم لاعب كرة ويحرص على أن يلتقط معه صورة وينشر له الفيديوهات وينبهر به ويعجب به، ويحزن إذا هزم فريقه ويفرح إذا انتصر فريقه، فهذا لم يكن فرحه وحزنه تبعا لما يرضي الله تبارك وتعالى ويسخطه.

هذا موجود يا شباب، هذا متحقق بالفعل. أحد الشباب بيقول: يمكن أن نقول إن الأمر الأول ما يتعلق بحفظ الضرورات الخمس.

أه لأ، حتى يدخل فيه كمان الأشياء التي يسمونها بالكماليات، ابن تيمية رحمه الله يا شباب لا يمنع أن يكون للعبد مطالب هو يحتاجها حتى لو كانت هذه المطالب في الكمال أن يطلب مثلاً نوعاً من الرفاهية، هذا ليس ممنوعاً، وإنما هو يتكلم أن يتحول هذا الشيء الذي أتيت به ليسعدك فيتعلق قلبك به حتى تصير عبداً له ويصير هو معبودك. واضح؟

نعود تاني يا شباب للفكرة الأساس، ابن تيمية يريد أن يقول: إن العبد حتى يحقق معنى العبودية فلابد أن يكون الذي يرضيه ويفرحه والذي يرضي الله ويفرح الله تبارك وتعالى. واضح؟

فمثلاَ الشباب، إذا كان الإنسان على خلاف مع شخص، واضح؟ ثم هذا الشخص تاب واستقام وصار عبداً صالحاً، فإذا أحزنك صلاح أخيك الذي أنت تخالفه في أمر أو بينك وبينه خصومة، فأنت لم تطع الله تبارك وتعالى ولم تتق الله، وأسخطك ما يرضي الله! إذا مثلاً علمت أن شخصاً مبتدعاً تاب إلى الله وأناب وصار عبداً صالحاً لله فأحزنك ذلك لكونك بينك وبينه خصومة، فأنت في ذلك عبد لهواك ولست عبداً لله تبارك وتعالى.

وهذا شباب من أدق الأمور، أن يكون -ورد في ذلك حديث إسناده ضعیف، لكن معناه فيه شيء من الحسن وهو- أن يكون هواه تبعا لما جاء به الله أو لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، يعني الهوى هنا بمعنى المحبة، يعني أن يكون انفعالك تبعا لما يرضي الله وما يسخط الله.

إذاً يا شباب خلاصة هذه الفكرة أن الميزان الصحيح للعبد أن يكون رضاه بحسب ما يرضي الله، وفرحه بحسب ما يرضي الله، وحزنه تبعا لما يسخط الله تبارك وتعالى، بقدر تحقيق العبد ذلك فإنه يكون عبداً لله، وسيترتب على ذلك شباب أن تحب من يحبهم الله.

واضح، وأن تجعل ميزان محبة الناس الإيمان. والله وجدت، يعني، في بعض الدول التي ذهبت إليها، وجدت أشخاصاً المفروض أن هم من الدعاة، المفروض أن هم من أهل العلم وأعطونا دروساً وخطباً. والله وجدتهم يعظمون الكفار تعظيماً يفوق تعظيمهم للصحابة لكونهم مثلاً متميزين في الطب أو في كرة القدم أو في النظافة أو في غير ذلك.

وهو هذا جهل، هذا جهل حتى بالشريعة. يعني ليس مشكلة أن تنبهر بإنسان كافر، يعني، مثلاً، اه، يعني لو وجدت لاعباً متميزاً أو وجدت شخصاً مهندساً أو طبيباً أو وجدت نظافة أو تنظيماً، ليس المشكلة أن يعجبك كذلك ولا أن تعترف لهم بذلك، وإنما المشكلة أن يصير ذلك هو الميزان وحده في وزن الأشخاص. أنت نسيت أعظم خصلة للميزان وهي الإيمان والكفر.

فهؤلاء كالأنعام بل هم أضل سبيلاً وهم شر البرية، كما قال الله عنهم. والله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: 105]. واضح؟ ثم تحتقر إنساناً مؤمناً وصالحاً لكونه فقيراً أو لكونه لم يكمل دراسته أو لكونه يبيع سواك أمام المسجد أو لكونه يعمل مثلاً حرفياً. واضح؟ لا، هذا ميزان ظالم، هذا ميزان جاهل، أعظم ما يوضع في الميزان هو الإيمان، وأعظم ما يوضع في الميزان الآخر هو الكفر. واضح؟

فأساس الفكرة، يا شباب، أن يكون تقييمك للناس وتقييمك للمقالات والأفكار تابعاً الوحي. لذلك وجدنا، مثلاً، أشخاصاً يعظمون المخترعين، لأ، يعني لدرجة أن هم قالوا هم أنفع للناس من كل الأنبياء ومن كل الصالحين. طبعا هذا جهل، هؤلاء وإن أحسنوا في باب لكنهم كفار، لم يهتدوا لأعظم ما خلقوا له. يعني عقولهم التي دلتهم على هذه الأمور لم تدلهم على أن لهم خالقاً وأن هذا الخالق ينبغي أن يعبد وحده وأنهم لم يخلقوا عبثاً ولم يتركوا سدىً وأن لهم ميْعَاداً لابد أن يرجعوا إليه وأنهم يحاسبون.

فإذا كان عقل لم يصل به الإنسان إلى هذه الأمور التي هي أساس التفكير، يعني من أين أتيت؟ ولماذا أتيت؟ وإلى أي شيء أصير؟ هذه الأسئلة الثلاثة الكبيرة، واضح؟ اللي هي بيسموها المبدأ والغاية والمصير. هؤلاء وإن وصلوا إلى ما وصلوا في مسائل جزئية في العلم أو في العلوم، لكنهم جهلوا الإجابة على هذه الأسئلة. وأجاب عنها رجل مؤمن كما جاء في سورة ياسين لما قال: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [ياسين: 22-24]. جملة واحدة اختصر فيها الجواب عن كل هذه الأسئلة التي حيرت هؤلاء الجهلة الذين لم يعتصموا بالوحي ولم يهتدوا به.

واضح، يا شباب؟ إذاً ليس المشكلة في أن تشهد لهؤلاء بما عندهم من خير في جزئية من الجزئيات، وإنما المشكلة أن تبالغ في مدح هؤلاء وفي مقابل تهين أهل الإسلام وأهل الإيمان لما عندهم من قصور ولما عندهم من ضعف في بعض المجالات، فينبغي أن يكون ميزانك تبعاً لميزان الوحي.

طيب، نكمل، يا شباب، قال: وأوثق عرى الإيمان الحب في البغض في الله. وفي الصحيح: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه منه، أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار».

فهذا وافق ربه فيما يحبه ويكرهه فكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأحب المخلوق لله لا لغرض آخر. الإمام أحمد، يا شباب، لما سئل: ما معنى أن تحب العبد لله؟ قال: أن تحبه لغير دنياه، يعني أن يكون الرابط بينك وبينه وجه الله. واضح؟ فهذا هو معنى الحب في الله، أن تحبه لوجه الله، قال: ليس لغرض آخر. فكان هذا من تمام حبه لله، فإنه فإن محبته فإن محبة محبوب المحبوب من تمام محبة المحبوب. يعني عرفت أن شخصاً يحبه الله ويجب أن تحبه لأنك تحب من يحب، فإذا أحب أنبياء الله وأولياء الله لأجل قيامهم بمحبوبات الحق لا لشيء آخر، فقد أحبهم لله لا لغيره.

وقد قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 54]. والله، يا شباب، إنما يكون الإنسان عزيزاً على الكافرين بقدر ذله للمؤمنين وخفضه الجناح لهم ويكون العكس. كثير من الناس يذل للكفر ويكون ظالماً جباراً على إخوانه المؤمنين حتى لو علم أنهم صالحين. هذا موجود كثير جداً. وبقدر ما يعز على إخوانه ويظلمهم ويقهرهم ويتكبر عليهم، بقدر ما يذلّه الله تبارك وتعالى للكفار أو للظالمين أو للفسقة.

هذا ميزان عدل. ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]. فإن الرسول لا يأمر إلا بما يحب الله، ولا ينهى إلا عما يبغضه الله، ولا يفعل إلا ما يحبه الله، ولا يخبر إلا بما يحب الله التصديق به. فمن كان محباً لله لزم أن يتبع الرسول فيصدقه فيما أخبر ويطيعه فيما أمر ويتأسى به فيما فعل، ومن فعل هذا فقد فعل ما يحبه الله فيحبه الله.

هنا ابن تيمية، رحمه الله، يبين معنى أن اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم هو برهان محبتك لله، وقد جعل الله لأهل محبته علامتين: اتباع الرسول والجهاد في سبيله. وذلك لأن الجهاد حقيقته الاجتهاد في حصول ما يحب الله من الإيمان والعمل الصالح، ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان.

وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 24]. فتوعد من كان أهله وماله أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله بهذا الوعيد الشديد.

بل قد ثبت عنه، صلى الله عليه وسلم، في الصحيح أنه قال: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». وفي الصحيح أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي! فقال: «لا، يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك». قال: فوالله لأنت أحب إلي من نفسي! فقال: «الآن، يا عمر».

معنى هذا الحديث يشكل على بعض الناس، يا شباب، عمر، رضي الله عنه، يقول، يعني كان يظن أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم تكون بعد محبة النفس، فقال: يا رسول الله، أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي! فقال: «لا، يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك». ما معنى ذلك، يا شباب؟ ما معنى أن تحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر ما تحب نفسك؟ يعني إذا خالف هواك، يعني إذا خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم هوى في نفسك، فتقدم أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فهنا أنت تحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من نفسك.

واضح، يا شباب؟ وهو ده معنى، يا شباب: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: 40]. يعني شوفوا، يا شباب، رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، لم يقل لها أنا لا أهوى النساء، لم يقل ذلك، وإنما قال: إني أخاف الله. واضح، يا شباب؟ فكأنه يقول: وإن كنت أحب ذلك وأهواه، لكنه لا يرضي الله. فمن فعل ذلك فهو يحب الله أكثر من نفسه ويحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من نفسه.

إذاً معنى أن تحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من نفسك، يعني إذا حصل معارضة بين الشرع وبين ما تهواه النفس، أن تقدم الشرع، وبقدر ذلك تظهر محبتك. كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216]. عمر، رضي الله عنه، قال: الآن أنت أحب إلي من نفسي. قال: «الآن، يا عمر». قال: «الآن، يا عمر»، يعني الآن، يا عمر، اكتمل حبك لي.

قال فحقيقة المحبة لا تتم إلا بموالاة المحبوب وهو موافقته في حب ما يحب وبغض ما يبغض. والله يحب الإيمان والتقوى ويبغض الكفر والفسوق والعصيان. قال ومعلوم أن الحب يحرك إارادة القلب، فكلما قويت المحبة في القلب طلب القلب فعل المحبوبات. فإذا كانت المحبة تامة استلزمت إرادة جازمة في حصول المحبوب، فإذا كان العبد قادراً عليها حصلها، وإن كان عاجزاً عنها ففعل ما يقدر عليه من ذلك كان له أجر كأجر الفاعل.

نشرح هذه الفكرة، يا شباب. الآن نحن نتكلم عن حصول المطلوب أو حصول الفعل. الفعل، يا شباب، يتم بإرادة وقدرة. الفعل أي إنسان يفعله يحتاج إرادة وقدرة. فمثلاً، يا شباب، لو أنا أريد شيئاً ولا أقدر عليه لن أفعله، مثلاً أنا أريد أن أطير، أريد إرادة جازمة أن أطير لكني لن أطير، لماذا؟ لأني عاجز عن الطيران. طيب، أنا جالس الآن، مثلاً، أقدر على صلاة ركعتين لكني لست مريداً للصلاة الآن، إذاً لن أصلي.

الفعل، يا شباب، إنما يتم بإرادة وقدرة، تلاقي مثلاً إنسان في البحر لا يستطيع السباحة، فمهما كان مريداً محباً طالباً للسباحة لن يسبح لأنه عاجز عن السباحة. واضح، يا شباب؟ والله سبحانه وتعالى بين هذا المعنى كما في في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ﴾ [القلم: 42-43].

يوم القيامة الله سبحانه وتعالى يأمر هؤلاء بالسجود فلا يستطيعون، يعني يأتي أحدهم ليسجد فلا يستطيع، يصير ظهره طبقاً واحداً، مش قادر مع أنه يريد لكن ليس عنده قدرة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ﴾ في الدنيا كان عندهم قدرة لكن ليس عندهم إرادة، ففي الحالين لم يتشرفوا بالسجود لله. في الدنيا ليس عندهم إرادة، وفي الآخرة ليس عندهم قدرة.

إذاً، يا شباب، الفعل إنما يتم بإرادة وقدرة. واضح؟ ابن تيمية، رحمه الله، هنا يتكلم عن ماذا؟ يقول: إن العبد إذا كان محباً لله فإنه يحب ما يرضي الله. فلو كانت محبته صادقة تامة فإنه سيفعل ما يرضي الله. طيب، ما يرضي الله هذا يمكن أن يعجز عنه العبد ويمكن أن يقدر عليه العبد. فان كان ما يرضي الله في استطاعة العبد فإن برهان محبته لله أن يقوم بهذا العمل. طيب، إذا كان عاجزاً عن العمل، يبقى له أن يكون عازماً عليه. فإذا كان عازماً على العمل وليس مستطيعاً له فإن له بذلك أجراً.

هنا بقى، يا شباب، تأتي مسألة، هذه المسألة، هل هل الإنسان الذي عزم على فعل الخير يكون له نفس أجر من فعل ذلك الخير؟ هذه المسألة تحتاج دقة، يا شباب. نقرأ الأول كلام الإمام ابن تيمية فيها ثم أحاول أن أبين لكم فيها فكرة عندي منذ زمن، نقرأ إن شاء الله الكلام، ثم نبينه.

المهم، احنا فهمنا الفكرة، يا شباب، وهي أن المحبة إذا كانت لله صادقة، عرف الإنسان ما يحبه الله واجتهد في فعل ما يحبه الله وترك ما لا يرضي الله. واضح؟ إذا كانت المحبة تامة صادقة فعل ذلك. طيب، هناك أشياء يعجز عنها، يبقى عنده العزم والنية والإرادة على فعلها، فهنا ابن تيمية قال: كان له كأجر الفاعل.

نقرأ ابن تيمية ثم نعلق، يا شباب. قال: كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً». وقال: «إن بالمدينة لرجالاً، ما سرتم مسيرة ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم». قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: «وهم بالمدينة، حبسهم العذر». والجهاد هو بذل الوسع.

طيب، نرجع للفكرة دي تاني، يا شباب. النصوص التي ذكرها الإمام ابن تيمية، احنا عندنا، يا شباب، في المعصية وفي الطاعة، عندنا الناس أربع أنواع: شخص ينوي الطاعة ويفعلها، وشخص ينوي الطاعة ولا يفعلها، وشخص ينوي المعصية ويفعلها، وشخص ينوي المعصية ولا يفعلها. نبدأ الأول بمن نوى الطاعة، الذي نوى الطاعة إذا عزم قلبه، يعني إذا نوى الطاعة وفعلها كان له طبعا عشر حسنات خلاص كما في الحديث.

طيب، إذا نواها ولم يفعلها، إذا كان عازماً على الفعل ولم يفعلها، فإن له أجراً. واضح؟ أما إن كان عازماً لكنه ليس مستطيعاً بهذا الأمر، فإن له أجراً. قال بعض العلماء: له نفس أجر الفاعل. هذه النصوص التي ذكروها، يا شباب، في رأي لا تقتضي المساواة، يعني النصوص المذكورة في هذا المعنى تقتضي أن الذي عزم على الطاعة وهو ليس مستطيعاً لها يكون مشاركاً للأجر، لكن هل يكون له نفس مال الفاعل؟ لا أعلم نصاً يثبت ذلك إلا حديث واحد، ويعني في رأي ليس هو الأصح في الباب، اللي هو حديث أبي كبشة الأنماري، اللي هو يعني: «إنما الدنيا لأربعة نفر»، اللي هو شخص، مثلاً، عنده من المال وينفق في سبيل الله، وآخر يقول: لو كان عندي من المال لأفعلت مثل ما فعل.

الإنفاق قال فهما في الأجر سواء. هذا الحديث يا شباب نعم يدل على التساوي في الأجر، لكن النصوص الأخرى يا شباب، وهي كثيرة جدا، تدل على المشاركة في الأجر إنما لا تدل على التساوي. ولذلك، والله أعلم، أرى أن القائلين بالتساوي بين العازم على الفعل وبين الفاعل في الأجر، أرى أن ذلك يحتاج دقة أكثر من ذلك.

المهم يا شباب، الحديث نتكلم هنا عن مسألة أن العبد إذا أحب الله حبا صادقا فإنه يستجيب لهذه المحبة بفعل ما يرضي الله وترك ما لا يرضيه، وهذا برهان المحبة. فهو بين أمرين: بين أمر يستطيعه فيفعله، وبين أمر يعجز عنه فيبقى له أنه عازم على فعله؛ مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات ولم يجاهد ولم تحدثه نفسه بالجهاد، مات على شعبة من النفاق». يعني حتى لو لست مستطيعا يجب أن تحدث نفسك بذلك. إن شاء الله يا شباب، مسألة المشاركة في الأجر أو مسألة المساواة في الأجر، إن شاء الله سنتكلم عنها؛ لأن سيأتي لها باب خاص في كتب التزكية إن شاء الله.

طيب، نرجع ثاني يا شباب، قال: والجهاد هو بذل الوسع، والجهاد هو بذل الوسع وهو كل ما يملك من القدرة في حصول محبوب الحق ودفع ما يكرهه الحق. فإذا ترك العبد ما يقدر عليه من الجهاد، كان تركه دليلا على ضعف محبته لله ورسوله في قلبه. نعم، يعني هذه نتيجة صحيحة وهذه خلاصة مهمة، أن الإنسان، يعني الله سبحانه وتعالى بين أن الجهاد في سبيله وإعلاء كلمته هذا من برهان المحبة، فإذا ترك الإنسان ما يقدر عليه من الجهاد فإن ذلك لضعف محبته. قال: ومعلوم أن المحبوبات لا تنال غالبا إلا باحتمال المكروهات، سواء كانت محبة صالحة أو فاسدة.

شوفوا يا شباب، يقول: معلوم أن المحبوبات لا تنال غالبا إلا باحتمال المكروهات؛ كما يقال النعيم لا يدرك بالنعيم. صح، لكن هنا قاعدة مهمة جدا يا شباب؛ ليس من شرط العبادة أن تكون محبوبة وإنما شرطها أن تكون مستطاعة، وليس من شرط المعصية أن تكون مكروهة للنفس وإنما الشرط أن تكون مستطاعة. يعني إيه يا شباب؟ يعني الله سبحانه وتعالى مثلا كتب علينا القتال وهو كره لنا، والمرأة مثلا الله سبحانه وتعالى شرع للرجل أن يعدد في الزواج مع أن ذلك أمر تكرهه المرأة. واضح يا شباب؟ فليس من شرط المشروع أن يكون محبوبا للنفس، لكن الشرط أن يكون مستطاعا. لذلك الله سبحانه وتعالى لم يقل مثلا لا يكلف الله نفسا إلا ما تحب، لا قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، فاتقوا الله ما استطعتم، واضح؟

فابن تيمية هنا يقول: المحبوبات لا تنال غالبا إلا باحتمال المكروهات، سواء كانت محبة صالحة أو فاسدة. فالمحبون للمال والرئاسة والصور لا ينالون مطالبهم إلا بضرر يلحقهم في الدنيا، مع ما يصيبهم من الضرر في الدنيا والآخرة، يقصد الذين يحبون ذلك فيتجاوزون به الحد المشروع؛ فإنهم طبعا يتعبون في الدنيا للحصول عليه، وكذلك يعذبون به في الآخرة. ثم قال: والمحب لله ورسوله إذا لم يحتمل ما يرى من المحبين لغير الله مما يحتملون في سبيل حصولهم محبوبهم، دل ذلك على ضعف محبتهم لله، إذا كان ما يسلكه أولئك في نظرهم هو الطريق الذي يشير به العقل.

يعني يا شباب بيقول: إذا كان أهل الشرور وأهل الباطل يتعبون ويصبرون على باطلهم، فيجب أن يصبر المؤمن على الحق، هنشوف الكفار بيقولوا إيه: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: 6]. يقولون اصبروا، يعني يتواصون بالصبر، فينبغي أن يتواصل المؤمنون كذلك بالصبر وبالحق. الله سبحانه وتعالى يقول، أو أقصد ابن تيمية هنا يقول: إذا كان أهل الباطل يتعبون ويصبرون على باطلهم، فيجب أن يصبر المؤمنون. تدبروا قول الله تعالى: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ [هود: 121-122].

والله يا شباب يعني أنا كثيرا ما أنبه على هذه الفكرة، والله وجدت كثيرين جدا من أهل الباطل أو حتى أهل الأعمال المباحة، يعني مثلا تجد لاعب كرة يتدرب بشكل خرافي ليل نهار؛ يعني ممكن يتدرب عشر ساعات في اليوم ومجهود جبار يبذله عشان أمر أو طموح أو هدف. واضح؟ ووجدت مثلا من يجتهد في نشر الإلحاد والكفر؛ والله وجدت في بعض المدن التي سافرت إليها أشخاص فقراء يسيرون بكتب للنصارى؛ يعني يطرقون الأبواب ويكلمون الناس عن النصرانية بكل حب واهتمام، ويبذلون لذلك ولا يتقاضون عليه أجرا ولا شيئا.

وإذا كان هؤلاء يا شباب وهم على باطل أو على أمر يعني أححسن أحواله أنه مباح، إذا كانوا يبذلون أعمارهم وأوقاتهم لتحقيق هذه الأمور، فأولى منهم نحن، أولى منهم نحن أن نبذل وأن نجتهد في سبيل عمل شريف نقابل الله تبارك وتعالى به. قال: ومن المعلوم أن المؤمن أشد حبا لله، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحُبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165]. قال: نعم.

نعم، قد يسلك المحب لضعف عقله وفساد تصوره طريقا لا يحصل به المطلوبه، فمثل هذه الطريقة لا تُحمد؛ إذ إذا كانت المحبة صالحة محمودة فكيف إذا كانت المحبة فاسدة والطريق غير موصل؟ يعني بيقول: الإنسان ممكن مثلا يحب ابنه لكن أخطأ في التعامل معه، وممكن يحب الله تبارك وتعالى فيخطأ في عبادته؛ يتعبد إلى الله بغير ما يشرع الله. واضح يا شباب؟ وممكن مثلا يحب النبي صلى الله عليه وسلم ويريد أن يعظمه فيشرك بالله.

فبيقول: طيب إذا كان اجتمع، يكون الإنسان هنا عنده محبة صالحة؛ محبة الإنسان لله صالحة، محبته للنبي صلى الله عليه وسلم صالحة، إرادته لتوقير النبي صلى الله عليه وسلم صالحة، محبته لابنه صالحة، لكنه أخطأ الطريق؛ لم يحسن تربية ابنه مع أنه يحبه، أو لم يحسن التقرب إلى الله لأنه ابتدع، أو لم يحسن بيان محبة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أشرك بالله بمحبته. واضح؟ فبيقول: لكن المحبة صالحة، فما بالك إذا اجتمعت المحبة الفاسدة مع الطريق الذي لا يوصل؟ فقال: كما يفعله المتهورون في طلب المال والرئاسة والصور من حب أمور توجب لهم ضررا ولا تحصل لهم مطلوبا، إنما المقصود الطرق التي يسلكها العقل السليم لحصول مطلوبه.

يا سلام، هذا نختم به هذه الفقرة يا شباب، لكن أريد أن أتعلق عليها؛ والله هذا الكلام يا شباب من أحسن ما يمكن أن تسمعه ومن أحسن ما يمكن أن تنتفع به في حياتك. شف ماذا يقول يا شباب؟ يقول هناك أشخاص يحبون الله ويحبون النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه هي القيمة الأساسية المركزية في حياتهم، فيطلبون العلم فيعرفون ما يحبه الله وما يبغضه الله، فيستقيمون على هذا ويجاهدون أنفسهم، واضح يا شيخ؟ وهناك أشخاص يحبون الله ويحبون الدين لكنهم يخطئون الطريق، لكن لا زالوا على نية صالحة.

يقول بقا بالبلدي كده: دول كوم، وفي ناس تانية بقا أساسا حياتها وقيمتها المركزية في حياتها أمر تافه؛ يعيش لسيارة، يعيش لبيت، يعيش لطلب علو في الأرض، يعيش لجمع مال، يعيش لشهرة، فهؤلاء أخطأوا الطريق من جهتين؛ أنهم أساسا أتعبوا أنفسهم في أمر تافه واضح له لذة عابرة، وأخطأوا الطريق اللي هو طريق الهداية. ثم ماذا قال يا شباب؟ قال: وإذا تبين هذا، فكلما ازداد القلب حبا لله ازداد له عبودية، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبا وحرية عما سواه. إنما يكون العبد حرا عما سوى الله بقدر عبوديته لله، وإنما يكون مستغنيا عن الخلق بقدر افتقاره إلى الله، والعكس.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على معرفة الحق وعلى الاستقامة عليه، ونسأله تبارك وتعالى أن يرزقنا حبه وحب ما يحبه وأن يجعل فرحنا وسرورنا ورضانا في طاعة الله، وأن يجعل حزننا تابعا لما يسخطه الله تبارك وتعالى. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما قرأنا، وأن يهدينا وأن يهدي أبناءنا وأن يهدي زوجاتنا. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم وأحسن الله إليكم.

غدا إن شاء الله موعدنا مع آخر درس في هذا الكتاب، ثم نعقب بعد ذلك خلاصة هذا الكتاب في ذكر أهم المقاصد وأهم المسائل وأهم الفوائد وأهم القواعد. يعني غدا إن شاء الله يكون عندنا ساعتين ننهي فيها الكتاب إن شاء الله، ونذكر خلاصة هذا الكتاب، وإن شاء الله ربما نكمل كذلك بعده كتاب لغة المحدث، وسيكون بعد ذلك عندنا يومين إجازة، تكون تستعدون فيهم، يعني اختبار أو كتابة ملخص لهذا الكتاب، وسواء تكتبه على الكمبيوتر أو على يدك وترسل لي صور من هذا الذي فعلته حتى أشوف كيف قرأت الكتاب أو ما هي الفوائد التي حصلتها.

جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، جزاكم الله خيرا على التفاعل وعلى التعليقات المفيدة وعلى الأسئلة الجميلة. إن شاء الله نكمل سويا هذا الطريق، نسأل الله الصدق والإخلاص. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.