تسجيل الدخول

الدرس 7

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

هذه المحاضرة السابعة من استقراء تراث الأئمة المحققين، ومع المحاضرة الخامسة من الكتاب الأول، وهو كتاب العبودية للإمام ابن تيمية رحمه الله. وإن شاء الله تكون الحصة الأخيرة أو المحاضرات الأخيرة في هذا الكتاب، بعد أن نقرأ الجزء المتبقي يكون لنا تعليق إن شاء الله على أهم موضوعات الكتاب ومسائل الكتاب، وأهم القواعد التي جاء ذكرها في الكتاب، وكذلك الحديث عن أهم مقاصد الكتاب، ثم نذكر وصية مختصرة لطالب العلم كيف يضبط مثل هذه الكتب حتى لا تضيع تلك المعلومات، ونبين ذلك إن شاء الله بنموذج تطبيقي بإذن الله.

في هذا الجزء المتبقي، يتحدث الإمام رحمه الله تبارك وتعالى عن فقر العبد إلى ربه من جهات؛ وهي: جهة العبادة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وجهة الإعانة ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وسيتحدث عن درجات الناس في تحقيق هذين المعنيين: العبادة والتوكل. ثم يتحدث عن فصل عظيم في محبة العبد لربه: ما هو برهان محبة العبد لربه؟ وما هي علامات حب الله لعبده؟ وهذا في رأي أفضل فصل في هذا الكتاب. كذلك يتحدث عن بعض الأمراض التي تعرض للقلب وتكون سببا في مصائب كبيرة وربما صرف الإنسان بها عن الإيمان، ويخص بذلك الكبر، ولذلك هذا الفصل مهم جدا من الناحية العلمية ومن الناحية العملية كذلك.

سنبدأ بإذن الله تبارك وتعالى نقرأ؛ نحن وصلنا إلى قول الإمام رحمه الله: والقلب فقير بالذات إلى الله من جهتين. نقرأ إن شاء الله ثم نعلق. قال رحمه الله: والقلب فقير بالذات إلى الله من وجهين: من جهة العبادة وهي العلة الغائية، ومن جهة الاستعانة والتوكل وهي العلة الفاعلية. فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا ينعم ولا يسر ولا يلتذ ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن، إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه من حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذة والنعمة والسكون والطمأنينة. هذا الكلام يا شباب يمكن أن نجعله من الجمل المختصرة في هذا الكتاب، يعني هذه الجمل التي قرأناها هي من الجمل التي تلخص أهم مقاصد الكتاب، ولذلك ينبغي أن يوضع تحتها خط أو تميزها بأي علامة.

نشرح هذه الفكرة يا شباب لأن ما يأتي هو شرح لها وهو سهل لا يحتاج تعليقا سنقرأه، لكن فقط نعلق على هذه الفكرة. احنا عندنا يا شباب العلة منها العلة الغائية والعلة الفاعلية. يعني مثلا إنسان يا شباب يريد أن يكون جسمه جسما رياضيا، يعني شكل جسمه كويس، فيه عضلات مثلا، عضلات الكتف وعضلات اليد وعضلات البطن وعضلات الجنب وعضلات الساق، هذه هي علة غائية يريد أن تتحول صورته مما هو عليه إلى أن يصير جسمه متناسقا أو رياضيا أو كاملا، أي اسم واضح. فإذا ذهب ومارس ذلك فهذه هي العلة الفاعلية، إذن شكل الجسم هو العلة الغائية، أما اتخاذ الأسباب لتحقيق هذه الغاية اسمها العلة الفاعلية. إنسان يريد أن يطلب العلم يريد أن يكون عالما، هذه علة غائية، هذه هي الغاية واضح. طيب، كيف يصل إلى ذلك؟ يصل إلى ذلك بطلب العلم، إذن طلب العلم هو العلة الفاعلية يعني هي الأسباب، والعلة الغائية أن يكون عالما، واضح يا شباب.

نلاحظ هنا أن العلة الغائية هي أول ما يخطر بالبال لكنها آخر ما يحصله الإنسان، يعني الذي ينقح في ذهن الإنسان أنه خاتم للقرآن، لكنه لا يختم القرآن إلا بعد أن يمضي في ذلك الطريق ويخطو فيه خطوات. العلة الغائية هي أول ما يخطر بالبال لكنها آخر ما يحقق في ذلك، واضح. كذلك الإنسان في أي مجال من مجالات الحياة يخطر بباله غاية معينة؛ إذا اتخذ الأسباب لها فقد اتخذ علة فاعلية للوصول إلى العلة الغائية.

والامام رحمه الله ماذا يقول هنا؟ يقول إن العبد يفتقر إلى الله من جهتين: جهة العبادة هي الغاية التي خلق لها، هي العلة الغائية التي خلق الله الخلق لها: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. لكن كيف يحقق تلك الغاية؟ بالاستعانة بالله وهي العلة الفاعلية، يعني هي من أعظم الأسباب التي توصله إلى الله. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «استعن بالله ولا تعجز»، ولا تعجز يعني لا تقصر عن الأخذ بالأسباب المقدورة لك، فلذلك العلة الغائية هي العبادة والعلة الفاعلية هي الاستعانة والتوكل.

ثم بين الإمام أن العبد لا يتم فرحه أو سعادته أو سكينة قلبه أو اطمئنانه أو بهجته وسروره إلا بقدر ما يحقق من العبودية لله. وهذا يا شباب يبين أن الملحد أو المعرض عن طريق الله لا يمكن أن يكون سعادة تامة، لأن الإنسان إنما خلق وفطر على الفقر إلى إلهه الذي خلقه، وإذا لم يبقى فيه جوع يبقى فيه حاجة لا يمكن أن يسدها أي شيء مهما عظم إلا بقربه من الله وعبادته لله ورجائه بالله. ونحو هذه المعاني ذكر الإمام هنا كلاما جميلا جدا يجب أن يتدبر وأن يجعل من الجمل المركزية في هذا الكتاب.

ثم قال رحمه الله -سنقرأ قراءة سريعة يا شباب لأن هذا الكلام سهل ونقف عندما يحتاج بيانا إن شاء الله-: وهذا لا يحصل إلا بإعانة الله له، فإنه لا يقدر على تحصيل ذلك إلا الله، وهو دائما مفتقر إلى حقيقة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. فهو دائما -هو هنا العبد- فهو دائما مفتقر إلى حقيقة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. فإنه لو أعين على حصول كل ما يحبه ويطلبه ويشتهيه ويريد ولم يحصل له عبادة الله فلن يحصل إلا على الألم والحسرة والعذاب، ولن يخلص من آلام الدنيا ونكد عيشها إلا بإخلاص الحب لله؛ بحيث يكون الله هو غاية مراده، ونهاية مقصوده، والمحبوب له بالقصد الأول، وكل ما سواه إنما يحبه لأجله، لا يحب شيئا لذاته إلا الله.

ومتى لم يحصل له هذا لم يكن قد حقق حقيقة لا إله إلا الله، ولا حقق التوحيد والعبودية والمحبة لله، وكان فيه من نقص التوحيد والإيمان بل من الألم والحسرة والعذاب بحسب ذلك. هنا الإمام ابن تيمية رحمه الله يبين أن درجات العباد إنما تكون بقدر قيامهم بمعني: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. ثم بين أن العبد لو حصل له كل مطلوب دون أن يسعى في طريق الله تبارك وتعالى، ودون أن يكون الله تبارك وتعالى غايته ونهاية مقصوده ومحبوبه الأول الذي تحب كل الأشياء لأجله، فانه لن يحصل إلا الألم والحسرة والعذاب في الدنيا والآخرة. ولن يحيا حياة طيبة إلا بالإيمان والعمل الصالح: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97].

ثم يبين في المقابل: ولو سعى في هذا المطلوب ولم يكن مستعينا بالله متوكلا عليه مفتقرا إليه في حصوله لم يحصل له، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. فالعبد مفتقر إلى الله من حيث هو المطلوب المحبوب المراد المعبود، ومن حيث هو المسؤول المستعان به المتوكل عليه. أيضا هذا يا شباب من الجمل المهمة، يعني أن الإنسان يفتقر إلى الله من جهة أنه يعبد الله ومن جهة أنه يستعين بالله على عبادته، كما قال الله لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: 127]. هذا المعنى يا شباب يعني يمكن أن يكون أحد تطبيقات هذا الكلام، واصبر وما صبرك إلا بالله، يعني أمره بالصبر، يعني أمره أن يصبر والصبر عبادة، ثم بين له أنه يستعين بالله تبارك وتعالى في صبره.

فالعبد مفتقر إذن الجملة دي يا شباب لابد أن نميزها لأنها من خلاصات مقاصد الكتاب: فالعبد مفتقر إلى الله من حيث هو المطلوب المحبوب المراد المعبود، ومن حيث هو المسؤول المستعان به والمتوكل عليه، فهو إلهه الذي لا إله غيره، وهو ربه الذي لا رب سواه، ولا تتم عبوديته لله إلا بهذين؛ يعني بالعبادة والاستعانة. فمتى كان يحب غير الله لذاته، أو يلتفت إلى غير الله أن يعينه، كان عبدا لما أحبه وعبدا لما رجاه بحسب حبه له ورجائه.

الإمام ابن تيمية رحمه الله لا يمنع أن يكون العبد يحب غير الله؛ يعني يحب زوجته يحب أبناءه، لكن حب العبادة لا يكون إلا لله، فينبغي أن يكون الله هو أحب الأشياء إلى العبد، وبقدر ذلك يكون العبد قد قام بمعنى الإيمان، وتنقص محبته بقدر ذلك. وسيأتي تعليق إن شاء الله على معنى المحبة وبيان مسألة نقص المحبة. قال: وإذا لم يحب أحدا لذاته إلا الله، وأي شيء أحبه سواه فإنما أحبه له، ولم يرج قط شيئا إلا الله. هنا يا شباب فيها فائدة، أن الإمام ابن تيمية يرى أن الرجاء لا يكون للعبد، إنما ترجو الله وحده، وكأن الرجاء مثل التوكل هو عمل قلبي، ومن هنا ربما يكون من الخطأ أن تقول لشخص أرجوك، لأن الرجاء هو عمل قلبي، وإنما تستبدله بكلمة أطلب منك أو أريد منك أو أسألك. لكن الرجاء كأنه عمل قلبي، وابن تيمية يركز في بعض كتبه كما سيأتي في تفسيره للآية الكريمة: ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]، سيبين أن الرجاء لا يكون إلا لله، فكأن الرجاء هنا في نفس معنى التوكل، لكن ليس في معنى الاستعانة؛ لأن الاستعانة يمكن أن يستعين الإنسان بالإنسان القادر، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه مثلاً: ﴿أَفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: 96]، فالاستعانة منها ما والخوف مثلا كذلك يمكن أن يخاف الإنسان من وحش، يمكن أن يخاف من ظالم مثلا، لكن خوف العبادة لا يكون إلا لله، أما التوكل والرجاء والإخلاص ومثل هذه الألفاظ وهذه المعاني إنما تكون لله وحده.

وقال: ولم يرج قط شيئا إلا الله، وإذا فعل ما فعل من الأسباب أو حصل ما حصل منها، كان مشاهدا أن الله هو الذي خلقها وقدرها وسخرها له، وأن كل ما في السماوات والأرض فلله ربه ومليكه وخالقه ومسخره، وهو مفتقر إليه، كان قد حصل له من تمام عبوديته لله بحسب ما قسم له من ذلك. هنا الإمام رحمه الله يبين أن العبد يسعى في طريق الإيمان يحتاج إلى أمرين: يحتاج أن ينظر إلى الغاية الكبرى وهي أن يكون عبدا لله تبارك وتعالى.

وفي الأخ محمود بيسأل بيقول: النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا سألت فاسأل الله»، هذا ليس في السؤال الذي يكون للعبادة، كما قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، لا، هذا السؤال هنا يعني السؤال الدعاء، السؤال هنا بمعنى الدعاء وليس بمعنى الطلب وليس بمعنى الاستفهام. وإلا فالسؤال بمعنى الطلب أو بمعنى الاستفهام يبذل الإنسان للإنسان ليس فيه أي حرج، وإنما السؤال هنا في الحديث يا أستاذ محمود هو خاص بالدعاء: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». حتى الاستعانة كذلك يمكن أن يستعين الإنسان بمخلوق فيما يقدر عليه، وهذا له أدلة كثيرة وسيأتي معنا إن شاء الله في كتاب الاستغاثة تفصيل هذه الأمور بإذن الله.

فهذه الفكرة يا شباب يريد الإمام رحمه الله أن يقول: إن العبد ينبغي أن يسير في اتجاهين؛ الاتجاه الأول هو أن تكون القيمة الأساسية في حياتي هي تحقيق العبادة لله تبارك وتعالى، وكذلك أن يستعين بالله تبارك وتعالى، وهو في استعانته بالله مأمور بأن يأخذ بأقوى الأسباب، واضح؟ ولكنه وهو يأخذ بالأسباب لا يعتمد على تلك الأسباب، واضح؟ وإنما يعلم أن هذه الأسباب ليست موجبة، وإنما هي من تسخير الله، وأنه ليس ثم سبب موجب؛ كل سبب إنما يفتقر إلى إذن الله وإلى مشيئة الله، فحتى وهو يأخذ بالأسباب لا يتوكل عليها، وإنما يعلم أن تلك الأسباب إنما هي من الله.

فلا يتجاوز الحد في أخذ بالسبب فيجعل ذلك السبب موجبًا. فليس هناك سبب موجب إلا مشيئة الله، أما باقي الأسباب فإنما تتوقف على تحقق شروط وانتفاء موانع. هناك حديث فيما معناه: «ولا تسألوا الناس شيئًا». نفس الكلام هذا الذي تكلمنا عنه لو أنت حضرت معنا درس أمس، الذي هو ذم مسألة الخلق، هذا السؤال الذي هو بمعنى أن يعني تسأل الناس، وهو ما بنسميه الشحاتة؛ يعني المعنى البسيط، وليس معناها السؤال الذي هو الاستفهام أو الطلب أو مثل هذه الأمور. واضح؟

نحن نتكلم هنا يا أستاذ محمود على العبادة، معاني العبادة مثل الدعاء، ومثل الرجاء، ومثل التوكل، ومثل الإخلاص، فهذه عبادات. أما الأشياء التي تتكلم عنها فهو إن كان أصل سؤال الخلق مكروهًا، أن الإنسان يسأل الناس أموالًا أو يطلب منهم حاجات له، لكنه ليس شركًا وليس كفرا، لكنه يكره أو يحرم أو يباح في بعض الأوقات. لكن المقام الذي نتحدث فيه هنا يا أستاذ محمود هو الحديث عن العبادات التي لا تكون إلا لله.

قال الإمام رحمه الله: والناس في هذا على درجات متفاوتة لا يحصي طرفيها إلا الله، فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم وأقربهم إلى الله وأقواهم وأهداهم أتمهم عبودية من هذا الوجه. الإمام رحمه الله يا شباب يبين أن درجات الناس بحسب قيامهم بهذين المعنيين؛ الأول العبادة، والثاني الاستعانة بالله، ومن جملة الاستعانة الأخذ بالأسباب يا شباب؛ يعني مثلًا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء: 19]. واضح، فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن. واضح كده يا شباب؟ فالله سبحانه وتعالى بين أن الإارادة لابد أن يتبعها عمل، وصدق الإرادة وإنما يصدق الإرادة العمل. واضح يا شباب؟

يعني مثلًا الإرادة تكذب؛ يعني يمكن أن يكون الإنسان كاذبًا في إرادته. مثلًا قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُمْ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 75-77]. هذا الرجل الذي كان ضعيف الإيمان كان مترددًا، تمنى البلاء بالمال والعافية، وبين أن الله إذا أعطاه المال يقوم بأمرين: سيكون صالحًا؛ يعني يكون أفضل حالًا في العبادة، وكذلك سيتصدق مما له. فلما ابتلي بذلك؛ يعني لما الله سبحانه وتعالى أعطاه من فضله، بخل وتولى؛ يعني لا صار صالحًا ولا تصدق، فعوقب بسبب ذلك فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه، لماذا يا شباب؟ بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون.

هذا يبين أن الإرادة كذلك تكون صادقة وتكون كاذبة. تكون صادقة مثلًا مثل قول الله تبارك وتعالى عن أنس بن النضر ومن معه الذين صدقوا ما عاهدوا الله، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 23] لما هو قال: لئن أشهَدني الله غيرها -وهو لم يشهد بدرًا- وقال: لئن أشهَدني الله غيرها ليرين الله ما أصنع. والله سبحانه وتعالى بين أن إرادته هنا صدقها العمل. واضح، إذا الإارادة يا شباب تصدق وتكذب. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلَقَّوْفَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [آل عمران: 143].

وكذلك في سورة الحشر: ﴿لَئِن أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ [الحشر: 12]. هذا أيضًا كذب في الإارادة، لأنهم قالوا: لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولنطيعن فيكم أحدًا أبدا، وإن قتلتم لننصرنكم، فقال الله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الحشر: 11]، ثم بين لماذا هم كاذبون؛ لأن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قتلوا لا ينصرونهم. إذا يا شباب الإرادة كذلك تكون صادقة وتكون كاذبة، لكن ليس معنى ذلك يا شباب أن يتمنى العبد البلاء ليري الله صدق إرادته، هذا خطأ، هذا من الجهل يا شباب!

حتى أن أنس بن النضر رضي الله عنه لما قال ذلك لم يتجاوز تلك الكلمة وكأنه خشي ألا يصدق، وإنما كان صادقًا في وعده. المهم يا شباب أن تمني البلاء ليس هذا من العبودية، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تتمنوا لقاء العدو، ولكن إذا لقيتموه فاثبتوا». سآتي إن شاء الله بمزيد بيان لفكرة الإارادة هذه ولكن في موضعها اللائق. فقط هنا أردت أن أبين أن الإارادة إنما يصدقها العمل.

قال: وهذا هو حقيقة دين الإسلام الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه، وهو أن يستسلم العبد لله لا لغيره، المستسلم له ولغيره مشرك، والممتنع عن الاستسلام له مستكبر. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الجنة لا يدخلها من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. الكبر طبعا يا شباب هو بطر الحق وغمط الناس، والكبر هو من أكبر أمراض القلوب التي ينبغي أن يسعى الإنسان في إزالة جذورها من قلبه، لأن هذا الكبر ليس فقط هو من الكبائر، وليس هو فقط سببًا لعدم دخول الجنة، ولكن هذا الكبر يصرف الإنسان به عن الحق؛ يصيرك الأعمى، كما قال الله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: 146].

وقال كذلك: ﴿كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: 35]. فلذلك يا شباب الإمام هنا سيعطي الكلام عن الكبر قدرًا كبيرًا في هذا الكتاب؛ سيعطي شيئًا من التفصيل لخطر هذا المرض. قال: كما أن النار لا يخلد فيها من في قلبه ذرة من إيمان؛ يعني الجنة لا يدخلها من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، والنار لا يخلد فيها من في قلبه ذرة من الإيمان. يعني أن المسلم الذي مات مخلصًا لله، مات موحدًا، مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله، قد يدخل النار لفترة معينة، لكنه لا يمكن أن يبقى في النار، وإنما يخرج بسبب إيمانه.

هنا يأتي خطأ من بعض الذين يتكلمون في مسألة الشفاعة، أن المؤمنين الذين يدخلون النار ويعذبون على قدر ذنوبهم يخرجون بالشفاعة. فهنا خطأ؛ الخطأ الأول أنهم قالوا إن هؤلاء يخرجون بالشفاعة، لا، هم لا يخرجون بالشفاعة، وإنما يخرجون بسبب ما في قلوبهم من إيمان، فالذي يخرجهم هو الإيمان، أما الشفاعة فإنها تعجل خروجهم. ذلك من الخطأ أن تقول إن هذا الرجل عذب على قدر ذنبه ثم أخرج بالشفاعة، هذا تناقض؛ إذا ما فائدة الشفاعة؟

يعني لو كان الإنسان سيعذب في النار على قدر ذنبه، هو ككده كان سيخرج بتوحيده وإخلاصه، فما فائدة الشفاعة إذاً؟ واضح؟ فالشفاعة يا شباب تعجل خروجه من النار، ليست هي التي تخرجه من النار، لذلك في كل الأحاديث إنما يذكر فيها أنه أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان. واضح؟ فلا يبقى فيها إلا الكفار أو المشركون.

نكمل يا شباب، قال: كما أن النار لا يخلد فيها من في قلبه ذرة من إيمان، فجعل الكبر مقابلًا للإيمان، فإن الكبر ينافي حقيقة العبودية، كما ثبت في الصحيح. الآن الإمام يا شباب يتحدث عن فكرة، وهي أن الذي يعبد الله ويعبد معه غيره فهو مشرك، والذي لا يعبد الله -يعني يمتنع عن عبادة الله- فهو مستكبر، ثم بين أن الكبر يأتي كثيرًا مجامعًا للكفر.

وقال كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته». قال: فالعظمة والكبرياء من خصائص الربوبية، والكبرياء أعلى من العظمة، ولهذا جعلها بمنزلة الرداء، كما جعل العظمة بمنزلة الإزار. ولهذا كان شعار الصلاة والأذان والأعياد هو التكبير، وكان مستحبًّا في الأمكنة العالية؛ الصفا والمروة، وإذا علا الإنسان شرفًا؛ يعني الإنسان طلع فوق جبل مثلا أو مكان عالي، أو ركب دابة ونحو ذلك، يشرع له التكبير، وبه يطفأ الحريق وإن عظم، وعند الأذان يهرب الشيطان؛ يعني عند التكبير يهرب الشيطان.

طبعا الإمام ابن تيمية رحمه الله يا شباب حينما نقرأ كتاب تفسير الآية الكريمة سيشرح الفرق بين هذه المعاني؛ العظمة والكبرياء والتكبير والتحميد والتسبيح، ولذلك نحن لن نفصل فيه إلا بقدر بيان ما يريد قوله هنا. طبعا يا شباب هنا ألفت النظر إلى فائدة وهي أن من الصفات التي جاءت لله أو المحامد التي ذكرت لله تبارك وتعالى، منها أشياء يمكن أن يوصف بها العبد كالسمع والبصر والعلم والحياة، فالعبد له نصيب من مثل هذه الصفات، لكن من الصفات ما هو خاص بالله تبارك وتعالى، وإذا وصف به العبد فإنما يوصف به إما بالباطل أو يكون محلًا للنقص.

مثل مثلًا الألوهية؛ العبد لا يمكن أن يكون إلهًا إلا إذا عبد بالباطل، وقد سمى الله هذه الأشياء آلهة، لكنها عبدت بالباطل، في مثل مثلًا قول موسى عليه السلام: ﴿وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَهِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: 97]، أو مثلًا في آيات كثيرة جدا: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [هود: 101] إلى آخر الآيات. كذلك صفة الكبرياء وصفة الجبروت هي صفة لله، إذا وصف بها العبد فهي نقص في حق العبد يذم بها. كذلك: ﴿كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾، هي لله، فهي في حق الله كمال لأنه مستحق لها، أما في حق العبد فهي نقص، لأنه يتصنعها ولا يمكن أن يكون متكبرًا ولا أن يكون جبارًا على الوجه الصحيح، وإنما هو يفعل ذلك على المستضعفين وليس أهلًا للتكبر أساسًا.

واضح، وسيتكلم الإمام على قريب من هذا المعنى، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]. وكل من استكبر عن عبادة الله لابد أن يعبد غيره، فإن الإنسان حساس يتحرك بالإرادة. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أصدق الأسماء حارث وهمام». قول ابن تيمية في الصحيح هو لا يقصد به صحيح البخاري، أو ربما يكون سهوًا منه، لأن هذا ليس في صحيح البخاري ولا في صحيح مسلم، ربما يقصد في الحديث الصحيح، وهذا يفعله ابن تيمية أحيانا؛ يقول في الصحيح؛ يعني في الحديث الصحيح، وربما يكون نسي وظن هذا الحديث في الصحيحين أو في أحدهما.

قال: أصدق الأسماء حارث وهمام. كلمة أصدق يا شباب؛ كلمة أصدق يعني الأسماء التي تصدق على وصف الإنسان. تعرفوا يا شباب أن الإنسان منا -شكرا سموح بتقول ألف سلامة، شكرا حبيبي- أصدق الأسماء كلمة الصدق، نحن عارفين أن في ناس مثلا واحد يكون اسمه سعيد وهو أصلاً قرفان من حياته يكون تعيس، وممكن يكون واحد اسمه ظريف وهو دمه تقيل، وممكن يكون اسم أي حاجة، يعني يكون اسمه مش مناسب معه، لكن أصدق الأسماء التي يمكن أن يتصف بها أي انسان هو أنه حارث وهمام، فالحارث هو الكاسب الفاعل، والهمام فعال من الهم؛ يعني مريد.

أي إنسان لابد أن يكون منه عمل ومنه إرادة، فلذلك الأسماء التي تصدق على أي إنسان، النبي صلى الله عليه وسلم... طيب ممكن نخلي الأسئلة دي يا شباب، لأن الأسئلة دي أولًا هي خارجة عن الفكرة الأصلية للدرس، وتاني شيء أن هي بتقطع الكلام، ممكن نخليها في الآخر، وإن شاء الله أنا لا أترك سؤالًا إلا أجيبي عليه إن شاء الله. أصدق الأسماء؛ يعني الأسماء التي تصدق أن العبد يعمل بمعناها، ممكن يكون إنسان اسمه محمود وهو مذموم، ويمكن يكون إنسان كما قلت لكم أي اسم من الأسماء ولا ينطبق عليه، لكن أصدق الأسماء هي حارث وهمام؛ يعني أنه يفعل وانه يريد.

قال: والهم هو أول الإارادة. فالإنسان له إارادة دائما، وكل إرادة فلا بد لها من مراد تنتهي إليه، فلا بد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته، فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وإرادته بل استكبر عن ذلك، فلابد أن يكون له مراد محبوب يستعبده ويستذله غير الله. نعم، سيكون عبدًا ذليلًا لذلك المراد المحبوب، أما المال، واما الجاه، واما الصور، واما ما يتخذه إلهًا من دون الله الشمس والقمر والكواكب والأوثان وقبور الأنبياء والصالحين أو من الملائكة والانبياء الذين يتخذونهم أربابًا، أو غير ذلك مما عبد من دون الله.

وإذا كان عبدًا لغير الله كان لابد مشركًا، وكل مستكبر فهو مشرك، ولهذا كان فرعون من اعظم الخلق استكبارًا عن عبادة الله وكان مشركًا. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غؤاف: 23-24] إلى قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر: 27] إلى قوله: ﴿كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: 35]. الحاجات المهمة يا شباب التي ينبغي أن نلاحظها في قراءة الأئمة، قراءتنا للأئمة...

المحققون في كل أبواب العلم يحاولون دائما الاستدلال لما وصلوا إليه من نتائج. مهما كانت هذه النتيجة دقيقة، فإنهم يعتنون جدا ببيان الوجه الشرعي الذي استنبطوا منه ذلك الكلام.

في ذلك أمور من الفوائد؛ منها: أن يكون المنطلق في البحث والمرد عند التنازع للوحي، ومنها: أن تعظم النصوص، ومنها: أن تفهم، ومنها: أن تتلى. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: 45]، وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45]، واضح لأنذركم به ومن بلغ. وكلما كانت دعوة الإنسان مبنية على الوحي وعلى بيانه من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وما كان عليه الصحابة الكرام، فهو يدعو إلى الله.

قال تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت: 39]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص: 4]، وقال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: 14]. ومثل هذا في القرآن كثير، وقد وصف فرعون بالشرك في قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَإِلَهَكَ﴾ [الأعراف: 127].

هو يريد أن يستدل بذلك، لا. الهم، ما اجتمع الناس كلهم إلا في طرد الهم، الهم مش مقصود به الذي هو الهم والحزن، لا مقصود بالهم إرادة أن الإنسان يريد -يعني بعض الطلبة معلق: ما اجتمع الناس كلهم إلا في طرد الهم-. لا، نحن لا نتكلم عن الهم الذي بمعنى حزن واضح، لا، أن الإنسان شايل الهم، لا، نتكلم عن الهم بمعنى الإرادة، أن أي إنسان يريد أشياء، أي إنسان لابد أن يكون له إرادة، فكلمة الهم هنا بمعنى الإرادة أو الحاجة أو الطلب واضح.

طيب، نكمل. الإمام هنا يريد أن يبين أن الذي استكبر عن عبادة الله لابد أن يكون عبدا لشيء. لا، هو برضه لا يقصد الهمة؛ لأن الهمة بمعنى العزم، نحن نتكلم هنا يا شباب عن -حد معلق أن هو يقصد الهمة- لا، الهمة بمعنى العزم، يعني أن الانسان يعزم، لا، نحن نتكلم عن الخواطر، الإيرادات، المطالب، فهذه المطالب إذا اتخذ الإنسان فيها سبلا وأسبابا، فقد تحولت إلى همة وإلى عزم، أما مجرد الخاطرة هذه فتسمى هما؛ مثل: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: 74] مثلا، ولقد همت به، واضح، وهم بها. فالهم يعني إما أن يقصد به الخاطرة، مجرد الخاطرة، وإما أن يقصد به العزم أنه عزم على شيء.

مثلا هذه المرأة همت بمعنى أنها عزمت؛ لأنها غلقت الأبواب وقالت هيت لك، إنما يوسف عليه السلام -حتى في أقوال من أثبتوا له هما، وإن كان في ذلك خلاف بين العلماء: هل يوسف هم، يعني خطر بباله أن يقوم بهذا بهذا الفعل؟- حتى من قال ذلك من المفسرين والعلماء قالوا: إن هذا الهم أذهبه يوسف عليه السلام بالخوف من الله، فكان الهم منه أن وقع بمعنى الخاطرة، وإنما الهم منها بمعنى العزم والتصميم الذي منعت منه وقد كانت عازمة عليه. لكن هو قالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: 32]. فيوسف عليه السلام لم يقع منه سوء أو فاحشة في تلك القصة، وربما يأتي إن شاء الله وقت آخر نتوسع في ذكر هذا المعنى.

كل مستكبر لابد أن يكون مشركا، العبارة ليس فيها إشكال. حد من الشباب، معاذ، بيقول أن هي فيها إشكال، لماذا؟ ليس هناك مشكلة، هو يريد أن يقول يا شباب أن كل من استكبر عن عبادة الله فلابد أن يشرك، لابد أن يعبد شيئا، يعبد المال، يعبد الجاه، يعبد خدمه، يعبد حراسه، هذا هو المعنى، وضرب أمثلة بفرعون وهامان وقارون، ثم استدل باية: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَإِلَهَكَ﴾ [الأعراف: 127]، واضح. فإما أن يكون له آلهة، أو يقصد بالآلهة أنه يعني يعبد جاهه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم»، وذكرنا ذلك بالأمس.

قال ابن تيمية رحمه الله، بل الاستقراء... عشان كده يا شباب أنا أقول لكم من من الأخطاء الكبيرة للشاب الذي يحضر درسا -يعني أنا إن شاء الله سيكون لنا محاضرة عن كيف تحضر درسا حضورا مثمرا- من الخطأ هو العجلة في الاستدراك على الكلام قبل أن يتم الكلام وينتهي، واضح يا شباب؟ يعني يأخذ طرفا فيبني على مسلمات عنده، يرى أن هذا الطرف يخالف تلك المسلمات. لا، حاول أن تستمع إلى الكلام بشكل تام واضح.

لذلك الله سبحانه وتعالى قال مثلا: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]، وقال: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208]، وقال كذلك عن القرآن أنه مثاني، وقال إن هو متشابه، يعني يشبه بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا، وعاب على من يأخذون شيئا منه ويتركون الشيء الآخر. قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: 168]، دخولي في السلم كافة ولا تتبع خطوات الشيطان؛ فان كل يعني أخذ لبعض الدين وترك البعض الآخر، فإنما هو من الشيطان.

هذا كيف كيف نطبقه في الدرس يا شباب؟ أن الإنسان إذا كان يستمع إلى مسألة، لا يحاول أن يفهم المسألة بشكل كلي وقد ذكر منها جزء واحد، لا، حاول أن تستمع إلى المسألة إلى أن تنتهي، ومع ذلك اكتب خاطرتك في ورقة، فإذا انتهى الكلام ولم يجب على سؤالك هذا، اسأل، واضح؟ إن شاء الله سنأخذ في هذه المحاضرة الأخرى: كيف تسأل؟ ومتى تسأل؟ وما هي صيغة السؤال؟ واضح؟ سيأتي معنا هذا إن شاء الله.

بل الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكبارا عن عبادة الله، كان أعظم إشراكا بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة، ازداد فقرا وحاجة إلى المراد المحبوب، الذي هو المقصود، مقصود القلب بالقصد الأول، فيكون مشركا بما استعبده من ذلك. هو نفس الكلام يا شباب أن كل من لم يعبد الله أو استكبر عن عبادة الله، لابد أن يعبد شيئا ما، يعبد ماله، يعبد جاهه، وهم في المجمل يعبدون الشيطان، فالإنسان إما عابد لله وإما عابد للشيطان، لكن عبادة الشيطان تأتي في صور؛ منها حب الدنيا.

منها... لا، ليس... لا تحتاج أن تتأسف، أنا أحب الأسئلة جدا، والأسئلة يعني أحب المشاركات، وأحب أن يكون الطالب منتجا فعالا، أنا فقط أعلمك كيف تشارك، لكن هذا يسعدني أن تسأل، ويسعدني أن تستشكل، ويسعدني أن تبحث عن الجواب عن الإشكال وأن تشارك، هذا يدل على التفاعل، لكن فقط يعني أعلمك: كيف تفاعل؟ ومتى تشارك؟ وكيف تكون مشاركتك مثمرة؟ واضح؟ أما أنت لا تحتاج اعتذار، بل هذا يسعدني.

قال: ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه، ولا يستعين إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يفرح إلا بما يحبه ويرضاه، ولا يكره إلا ما يبغضه الرب ويكرهه، ولا يوالي... جزاك الله خيرا يا شيخ أحمد، بارك الله فيك، يعني الشيخ أحمد يسلم علي، فأنا أسلم عليه لأني أحبه كثيرا.

نقرأ تاني الفقرة من الأول يا شباب. قال: ولن يستغني... دي من الفقرات المهمة في الكتاب يا شباب، يعني أود أنكم أنتم أيضا تجعلون هذه الفقرة من الفقرات المهمة في الكتاب، وفيها خلاصات الكتاب. قال: ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه، ولا يستعين إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يفرح إلا بما يحبه ويرضاه، ولا يكره إلا ما يبغضه الرب ويكرهه، ولا يوالي إلا من والاه، ولا يعادي إلا من عاداه الله، ولا يحب إلا لله، ولا يبغض شيئا إلا لله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله.

فكلما قوي إخلاص حبه ودينه لله، كملت عبوديته واستغناؤه عن المخلوقات، وبكمال عبوديته لله تكمل براءته من الكبر والشرك. دي يا شباب من الفقرات المهمة في هذا الكتاب؛ لأنها تبين أن العبد بقدر افتقاره إلى الله وحبه إلى الله، يستغني عن حاجته للمخلوقات. لا يقصد الشيخ من ذلك أنه لن يأخذ بالأسباب كما يقول غلاة الصوفية، لا، هو لا يقصد ذلك، لا يقصد أن المعنى أنه لن يأخذ بالأسباب بناء على أنه يعتمد على الله، بل من جملة اعتماده على الله أو من برهان اعتماده وتوكله على الله أن يأخذ بالأسباب التي شرعها الله، لكنه يتكلم عن الحاجة أو يتكلم عن الفقر الذي هو فقر العبودية، أو الذي فيه نوع من العبودية، واضح.

فهذه الجملة يا شباب لابد أن نسجلها، قال: وإذا، بقدر كمال العبودية تكمل براءته من الكبر والشرك. قال: والشرك غالب على النصارى والكبر على اليهود. قال الله تعالى في النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهَاً وَاحِداً لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 31].

وقال هنا يا شباب: الشرك غالب على النصارى والكبر غالب على اليهود، كأن هو يريد أن يقول ذلك. نعم؛ لأن النصارى فيهم كبر، وكذلك اليهود فيهم شرك، واضح؟ لكن هو يتكلم عن الغالب. وقال في اليهود: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: 87]، وقال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ [الأعراف: 146].

ولماذا هذا يبين نفس الفكرة يا شباب، وهي أن الكبر يكون عاقبته معجلة في الدنيا؟ كما هناك ذنوب يعجل الله بها السيئات أو المصائب، مثل مثلا: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5]، أو كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار، واضح يا شباب. فمن عقوبة الكبر أن يصرف الإنسان عن الحق، أن يكون أعمى، ﴿وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ مهما تأتيه من الآية من الآيات لا يؤمن، ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: 96-97]. وهذا متسق تماما مع قول النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير الكبر أنه: «بطر الحق»، يعني الإعراض عن الحق، يعني ترك اتباع الحق يكون الحق أمامه واضحا، فلكبره يصرف عن ذلك الحق، يصير كالأعمى.

قال: ولما كان الكبر مستلزما للشرك، والشرك ضد الإسلام، وهو الذنب الذي لا يغفره الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [النساء: 48]. وجه افترائه للإثم العظيم أنه ظلمه، يعني إيه يا شباب؟؛ لأن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، فمن عبد نفسه لغير الله فقد ظلم نفسه؛ لأنه جعل نفسه تعبد غير الله، جعل نفسه عابدة لما لا يستحق، لذلك قال سيدنا موسى لمن عبدوا العجل: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم باتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: 54]، وقال كذلك لقمان لابنه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. فإذا عبد الانسان نفسه لغير خالقها، فقد وضع العبودية في غير موضعها.

وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً﴾ [النساء: 116].

قال: كان الانبياء جميعهم مبعوثين بدين الإسلام، فهو الدين الذي لا يقبل الله غيره لا من الأولين ولا من الآخرين. سيذكر هنا الإمام رحمه الله أن دين الأنبياء جميعا واحد، دين الأنبياء واحد، وهو دين الإسلام، والاسلام هنا يا شباب بمعنى الملة؛ يعني ألا يعبد إلا الله، وألا يعبد إلا بما شرع، هذا هو دين الأنبياء جميعا، واضح. نوح كان مسلما، وإدريس ويعقوب وإسحاق ويوسف إلى آخر هؤلاء الأنبياء الكرام عليهم جميعا الصلاة والسلام. لكن في النص الذي أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 14]، يقصد به أول المسلمين في دين الإسلام، هذا هو الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم واضح، وليس أن من قبله لم يكونوا مسلمين.

سيذكر الشيخ هنا... طيب، هو كلمة كان الأنبياء جميعهم مبعوثين... قول الإمام هنا: كان الأنبياء جميعهم مبعوثين بدين الإسلام، هذا الكلام بعض الناس يظن، يعني اين هذا الكلام؟ وكيف دخل فيه هذا الكلام يا شباب؟ هو جواب قوله: ولما كان الكبر مستلزما للشرك، كان الأنبياء جميعهم مبعوثين بدين الإسلام، فهو الذي لا يقبل الله غيره. يبقى كلمة كان الأنبياء هذي يا شباب جواب لما، أن بعض الناس ممكن مش فاهم هي كلمة كان الأنبياء دي من أين أتت؟ هي جواب لكلمة لما التي قبل الآيات في السياق الذي قبلها.

قال: كان الأنبياء جميعهم مبعوثين بدين الإسلام، فهو الدين الذي لا يقبل الله غيره لا من الأولين ولا من الآخرين. قال نوح: ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 72]. وقال في حق إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 130-131] إلى قوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132]. وقال عن يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: 101]. وقال عن موسى: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 84]، فقالوا: على الله توكلنا. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: 44]. وقال عن بلقيس: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: 44].

وقال: ﴿وَإِذْ أَوۡحَيۡتُ إِلَى ٱلۡحَوَارِيِّينَ أَنۡ ءَامِنُوۡا بِى وَبِرَسُولِى قَالُوۡا ءَامَنَّا وَٱشۡهَدْ بِأَنَّنَا مُسۡلِمُونَ﴾ [المائدة: 111]. وقال: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُ﴾ [آل عمران: 19]. وقال: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينًا فَلَن يُقۡبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85]. وقال: ﴿أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلهُوۡٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعًا وَكَرۡهًا﴾ [آل عمران: 83] إلى آخر الآيات.

هذا يا شباب من أخص مقاصد الكتاب أن يبين الإمام أن دين الأنبياء جميعا واحد، وهو دين الإسلام: ألا يعبد إلا الله، وألا يعبد إلا بما شرع، وإنما تختلف بعض الشرائع، أما أصول الدين فلا تختلف أبدا بين الأنبياء. أن يكون الدين كله لله، وأن يعبد الله بما شرع، أن يعبدوا الله واتقوه وأطيعوه. قال رحمه الله فذكر إسلام الكائنات طوعا وكرها؛ لأن المخلوقات جميعها متعبدة له التعبد العام، سواء أقر المقر بذلك أو أنكره، وهم دينون له مدبرون، فهم مسلمون له طوعا وكرها. ليس لأحد من المخلوقات خروج عما شاءه وقدره وقضاه، ولا قوة إلا به، وهو رب العالمين ومليكهم، يصرفهم كيف يشاء، وهو خالقهم كلهم وبارئهم ومصورهم، وكل ما سواه فهو مربوب مصنوع مفتور فقير محتاج مقهور، وهو سبحانه الواحد القهار الخالق البارئ المصور.

الإمام يغذيك بالآيات وبمعاني الآيات، الكلام والله لا أراه يحتاج شرحا أو تعليقا، هو الكلام. لذلك يا شباب اخترت لكم أن يكون هذا الكتاب أول الكتب في هذه السلسلة إن شاء الله لأسباب ذكرتها في أول درس، لكن يمكن أن نجملها هنا لتعرف ما هي الكتب التي تختارها في بدايات الدروس. أول شيء يا شباب شمول أن هذا الكتاب شمل أخص مسائل العبادة، يعني أخص مسائل الباب. ثانيا غزارة الأدلة من القرآن ومن حديث النبي صلى الله عليه وسلم، كذلك المعاني والقواعد المهمة في هذا الباب. يعني هذا الكتاب يا شباب يمكن أن يكتفى به في هذا.

يعني لو أنت مثلا تريد أن تحدث أبناءك أو أهلك أو جيرانك أو جماعتك في المسجد، إذا حدثتهم بمعاني هذا الكتاب فوالله هذا يكفي. ربما تصعب بعض المسائل كدخوله في مسألة شهود القدر أو سيأتي معنا مسألة الفناء، لكن مجمل الكتاب هو من أسهل كتب الإمام. وهذا سيتضح لنا، ندخل في كتب الأسماء والصفات وكتب القدر وكتب النبوات ومسائل مثل الاستغاثة والتوسل ونحو ذلك، ستعرف أن هذا الكتاب ما تظن فيه صعب فهو ليس صعبا.

طيب، نرجع إلى الكلام يا شباب؟ قال: وهو وإن كان قد خلق ما خلقه بأسباب، فهو خالق السبب والمقدر له، وهو مفتقر إليه كافتقار المسبب. يعني السبب يفتقر إلى الله. هنا يا شباب يعني سيبدأ الإمام في بيان فائدة عن الأسباب. فعندنا هنا طرفان من الغلو: طرف ينفي الأخذ بالأسباب اعتمادا على أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فكأن السبب لا معنى له ولا قيمة له، وهؤلاء فيهم شعب من التصوف وفيهم شعب من الجهل بمعنى الإيمان بقدر الله، فإن الأخذ بالأسباب هو من قدر الله وهو من الإيمان. الطرف الآخر هو الذي يجعل السبب موجبا، يعني يجعل السبب لا يحتاج إلى مشيئة الله أو إلى قدر الله، أو لا يحتاج إلى إذن الله. فكلا هؤلاء أو كلا الطرفين مذموم وهو مخالف للشرع، والحق أن السبب يؤخذ به، لكن لا يتوكل عليه، فانه ليس سبب موجب للأثر إلا مشيئة الله، مشيئة الله فقط هي الموجبة، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.

ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ليس هناك سبب موجب. كلمة موجب يا شباب يعني لابد أن يحصل به الأثر. لا، الله سبحانه وتعالى قادر على أن يخلق بغير السبب المعهود، كما خلق آدم من غير أب ولا أم، وخلق حواء كذلك من آدم، وكذلك خلق عيسى عليه السلام بلا أب. ورزق زكريا عليه السلام وكانت زوجته عاقرا وكان قد بلغ من الكبر عتيا، لذلك هو كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا، جعل الله له ذلك آية. فلما رأى بعينه ذلك أن الله يرزق من يشاء بغير حساب، لما قالت هو من عند الله، ثم أضافت له الفائدة أن الله يرزق من يشاء بغير حساب، هنالك دعا زكريا ربه.

الله سبحانه وتعالى أعطاه مع كونه يفتقر لهذا السبب المعهود الذي هو أن يكون شابا أو يكون فيه قوة وأن تكون زوجة صالحة للانجاب، ومع ذلك قال له كذلك الله يفعل ما يشاء. كذلك الله سبحانه وتعالى قادر على أن يعطل أثر السبب؛ النار النار تحرق، ومع ذلك الله سبحانه وتعالى جعلها بردا وسلاما على إبراهيم، وكذلك قال عن السحر: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 102]. واضح يا شباب؟

إذا الله سبحانه وتعالى هو خالق السبب، وليس هناك شيء موجب يجب أن يحصل به الأثر إلا مشيئة الله تبارك وتعالى. وهذا يا شباب له أثر في العبادة والدعاء، وهو أن الإنسان لا يكف عن دعائه لله تبارك وتعالى مهما كان لا يملك الأسباب. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم علم أبا بكر الصديق أن يقول: «اغفر لي مغفرة من عندك»، يعني يا رب وإن كانت أعمالي لا تبلغ أن تغفر لي فمن علي بمغفرة منك من عندك. واضح، لا تحوجني لاستغفار مستغفر أو لشفاعة شافع، تريد أن تكون المغفرة منك.

طيب، نقرأ قال: وليس في المخلوقات سبب مستقل بفعل خير ولا دفع ضر، بل كل ما هو سبب فهو محتاج إلى سبب آخر يعاونه، وإلى ما يدفع عنه الضد الذي يعارضه ويمانعه. يا شباب تعتبر قاعدة في الأسباب، يعني ممكن نكتب جنبها قاعدة في الأسباب. نشرح هذه القاعدة لأنها مهمة، قال: وليس في المخلوقات سبب وليس في المخلوقات سبب مستقل. كلمة مستقل يعني موجب، يستقل بالتأثير. أي سبب سيخطر ببالك لابد أن يكون له مكملات ولابد أن يكون هناك ما يعاونه، أما أن يكون هناك سبب موجب في المخلوقات فهذا لا يمكن.

الإنجاب مثلا يا شباب، الإنجاب لا يتم إلا برجل وامرأة قادرين على الإنجاب، وكذلك حتى لو كان في رجل وامرأة قادران على الإنجاب، لا إلا بإذن الله، وكذلك هناك في موانع. وهذا اطرده في أي شيء، أي سبب يتخذ من المخلوقات لابد أن يعاونه أسباب أخرى، وأن تنتفي عنه ما تعارضه. يعني أضرب لكم مثال بسيط يوضح المسألة: أنت لو معك عود كبريت مثلا لوحده من غير اللي احنا بنسميها في مصر الشطاطة دي اللي احنا بنعمل فيها -عايز أجيبها باللغة العربية مش جاية أبدا- التي هي أنت تفعل فيها عود الكبريت فيعني يشعل النار، يعني لو دي مش موجودة وموجود العود لوحده مش هيولع، واضح؟ أو يكون فيه سطح قابل للاشتعال ممكن يولع، طب لو الهواء شديد مش هيولع، العود مش هيحصل فيه حريق يعني مش هيشتعل، طب لو فيه ماء، لو تحت الماء برضو مش هيشتعل.

فلابد أن توجد الأسباب وتحصل الشروط وتنتفي الموانع، فبالتالي يا شباب ليس هناك سبب موجب إلا مشيئة الله فقط. الله سبحانه وتعالى إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، غير ذلك فهو مفتقر إلى أسباب ومفتقر إلى دفع المعارض، وفوق ذلك يفتقر إلى بمشيئة الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: 30].

قال الإمام رحمه الله: وهو سبحانه وحده الغني عن كل ما سواه، ليس له شريك يعاونه، ولا ضد يناوئه ويعارضه، قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِن أرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ۚ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: 38]. ويا شباب الآيات التي جاءت في السور المكية، هذه الآيات يا شباب من أعظم ما جاء في الأدلة العقلية على الإطلاق، يستدل بها على كبار مسائل الوجود والأخلاق والدين، وهي أن الله وحده المستحق للعبادة، وأن الله هو الذي خلقنا، وأن الذي خلقنا وحده هو الذي يستحق العبادة، ويستدل بها على قدرة الله على البعث، وعلى صدق نبوة النبي صلى الله عليه وسلم.

من ضمنها هذه الآيات التي في سورة الزمر: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، محل النزاع بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين أنهم يصرفون شيئا من الدعاء لغير الله، فهو يقول لهم -الله أراد أن يقول لهم-: أرأيتُم ما تدعون من دون الله، الذين تدعونهم من دون الله: ﴿إِن أرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾؟ هل يكشفون الضر الذي أراده الله بي أو يمسكون رحمة الله؟ فلن يجيبوا. لذلك قال -أمره أن يقول لهم-: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: 38]. وقال تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: 17].

وقال تعالى عن الخليل: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: 78-79]. وهذا كذلك من الأدلة العقلية، يستدل بأن الله وحده هو الذي فطر، فينبغي أن يكون وحده الذي يعبد. أشوف يا شباب جملة مختصرة جدا يقول: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾، لم يقل وجهت وجهي لله. لماذا يا شباب؟ لأنه صفة الألوهية هنا متنازع فيها، هم يخالفونه في استحقاق الله وحده للعبادة، فكان من الصحيح هنا أن يقول: وجهت وجهي للذي فطر السماوات، فكأنه يقول لهم: كما أنه وحده الذي فطر، ينبغي أن يكون وحده المعبود.

ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السماء وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا، يعني لا أشرك به وما أنا من المشركين. يعني حنيفا مخلصا خصوصا وما أنا من المشركين: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ۚ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي ۚ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ [الأنعام: 80] إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82].

وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا يا رسول الله: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ وقال: «إنما هو الشرك، الم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]».

قال: وإبراهيم الخليل إمام الحنفاء المخلصين، حيث بعث وقد طبق الأرض دين المشركين. اه، طبعا يا شباب وصف إبراهيم عليه السلام بأنه إمام الحنفاء المخلصين ليس معناه أنه منشئ هذا، لا، الأنبياء الكرام الذين سبقوا إبراهيم عليه السلام كنوح وغيره، هؤلاء انبياء كرام حنفاء مخلصون، وإنما ذكر ذلك لبيان خاصية معينة، فليس معنى كلمة أن إبراهيم هو إمام الحنفاء أن من قبله لم يكونوا كذلك. واضح يا شباب؟

الله سبحانه وتعالى مثلا أحيانا يقول مثلا يأمر باتباع ملة إبراهيم: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [البقرة: 112] واتبع ملة إبراهيم حنيفا، لكن في آيات أخرى يأمرنا باتباع مثلا شريعة موسى وعيسى، واضح؟ فليس المقصود هنا أن الخليل ما هو الذي ابتدأ هذه المعاني وأن من سبقوه لم يكونوا كذلك، لا، وإنما ذكر ذلك بمعنى معين، وهو أن الأرض يعني كان فيها دين المشركين وابتلاه الله سبحانه وتعالى ووفى وصبر إلى غير هذه المعاني الخاصة بالذكر فيها.

مثلا أحيانا النبي صلى الله عليه وسلم يذكر بنبي من الأنبياء ليس لأن غيره ليس فيه هذا الكمال، ولكن لمعنى معين. مثلا النبي صلى الله عليه وسلم في مكة لما كان في فترة الاستضعاف، كان بعض الصحابة يشق عليه ذلك، مناسب ذلك أن يذكره الله بنبي ابتلي ثم مكن له، فقص عليه أحسن القصص وهي قصة يوسف. لذلك سميت أحسن القصص بمعنى أنها أنسب ما يذكر به النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في تلك الحالة، وكما في سورة هود لما قص عليه قصص الأنبياء الذين ابتليوا -هجرهم قومهم واستكبروا عليهم واتهموهم وعذبوهم- ثم قال: ﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: 120] إلى آخر الآيات.

طيب، قال: وإبراهيم الخليل إمام الحنفاء المخلصين حيث بعث وقد طبق الأرض دين المشركين. قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124]. تبين أن عهده بالإمامة لا يتناول الظالم، فلم يأمر الله سبحانه أن يكون الظالم إماما، سبحان الله! فلم يأمر الله سبحانه وتعالى أن يكون الظالم إماما، وأعظم الظلم الشرك. وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 120].

والأمة هو معلم الخير الذي يؤتم به. هذا تفسير يا شباب -يعني هذا يدخل في فائدة التفسير- تفسير معنى الأمة، وطبعا كلمة الأمة من الكلمات التي تأتي في لسان العرب بدلالات، منها بمعنى الجماعة: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: 23]، أو مثلا بمعنى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: 22]، أو بمعنى المدة الزمنية: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: 45]، أو بمعنى الإمام أو الذي يعلم الناس الخير أو الذي يقوم مقام أمة أو يقتدى به كما في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾.

قال: والله تعالى جعل في ذريته النبوة والكتاب، وإنما بعث الأنبياء بعده بملته.

بعث الأنبياء بعده بملته. هل معنى ذلك يا شباب أن الأنبياء الذين كانوا قبله لم يكونوا على ملة؟