السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نكمل يا شباب، تسمعون يا شباب؟ اسمعوني الآن، طيب، الحمد لله.
أكملوا يا شباب، وقفنا عند قول الإامم -رحمه الله-: «والله تعالى جعل في ذريته النبوة والكتاب، وإنما بعث الأنبياء بعده بملته». قلنا إن الإمام هنا -الإمام ابن تيمية رحمه الله- يتكلم عن إبراهيم عليه السلام، وبين أن الأنبياء بعثوا بعده بملته. ليس معنى ذلك يا شباب أن من كانوا من الأنبياء قبل إبراهيم عليه السلام لم يكن لهم مثل ذلك الفضل، أو لم نؤمر باتباعهم. الله سبحانه وتعالى مثلاً يقول في بعض الآيات: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: 13] والذي أوحينا.. واضح؟ أو مثلاً قال: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِعْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: 163]، واضح يا شباب؟ لكن قد ينبه، يعني قد يراد أو يخص إبراهيم عليه السلام بالذكر لصفات معينة في دعوته في إمامته، بحيث تناسب.
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 123]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 68]. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: 135-136] إلى قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 133].
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم خير البرية، فهو أفضل الأنبياء بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو خليفة الله تعالى. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه -كلمة من غير وجه يا شباب يعني من أكثر من طريق أو بأكثر من إسناد أو بأكثر من رواية- أنه قال: «إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً»، وقال: «لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبابكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله»، يعني نفسه. ثم قال: «لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت؛ إلا خوخة أبي بكر. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك».
سيأتي إن شاء الله يا شباب مزيداً من مسألة اتخاذ القبور على المساجد، ويعني الإمام ابن تيمية يعطي هذه المسألة قدراً كبيراً لما حصل فيها من الشرك ومن دعاء غير الله والاستغاثة بغير الله. يعني كتاب «قاعدة عظيمة» فيه طرف من ذلك، كتاب «قاعدة جليلة»، كتاب «الاستغاثة»، كتاب «للأخنائية»، كتب كثيرة جداً خصها الإمام بذكر التحذير من هذه البدع، فلذلك نؤجل الكلام فيها إلى وقته.
قال: وكل هذا في الصحيح، وفيه أنه قال ذلك قبل موته بأيام، وذلك من تمام رسالته، فإن في ذلك تمام تحقيق مخالفته لله التي أصلها محبة الله تعالى للعبد ومحبة العبد لله، خلافاً للجهمية. كلمة الجهمية يا شباب أو وصف الجهمية عند الإمام ابن تيمية كثيراً ما يقصد به المعطلة بشكل عام، يعني التجهم هنا مقر، ليس فرقة، تكلمنا في الدرس قبل السابق عن الفرق بين المقالة والملة والفرقة والمذهب والجماعة والحزب، اتكلمنا عن هذه المصطلحات ودلالاتها. الإمام ابن تيمية لم يطلق لفظ الجهمية إلا ويقصد به فرقة الجهمية -على رأسهم الجهم بن صفوان الذين لهم مقالات في باب الإيمان والصفات والقدر واليوم الآخر وغير ذلك- أو يقصد بالجهمية التجهم الذي هو التعطيل في الصفات، وهو بيقول إن هذا الحديث يثبت صفة المحبة لله خلافاً للجهمية، فيقصد هنا بالجهمية المعطلة.
وفي ذلك تحقيق توحيد الله وأن لا يعبدوا إلا إياه رداً على أشباه المشركين، يعني الذين يصرفون شيئاً من العبادة لغير الله في استعانتهم وتوكلهم ودعائهم. وفيه رد على الرافضة الذين يبخسون الصديق رضي الله عنه حقه، وهم أعظم المنتسبين إلى القبلة إشراكاً بعبادة علي وغيره من البشر. يعني ابن تيمية يستنبط لك من هذا الحديث بعض الفوائد، فيمكن أن يدخل ذلك في فوائد في شرح الحديث. وفيه طبعاً رد على الرافضة الذين يبخسون الصديق رضي الله عنه حقه؛ لأنه بين أن الصديق خليل للنبي صلى الله.. أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذه خليلاً، لكن الخلة لا تكون إلا لواحد، يعني الخلة من العبد لا تكون إلا لواحد، والنبي صلى الله عليه وسلم خليل الله. ثم بين أن الرافضة هم أعظم المنتسبين إلى القبلة -يعني إلى الإسلام- إشراكاً.
قال: والخلة هي كمال المحبة المستلزمة من العبد كمال العبودية لله، ومن الرب سبحانه كمال الربوبية لعباده الذين يحبهم ويحبونه. طبعاً هذا يدخل فائدة في معنى الخلة، فكان الخل يا شباب من العبد هو كمال المحبة التي تستلزم اكتمال معنى العبودية لله، يعني أن يقوم العبد بموجب هذه المحبة بأن يعبد الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفلا أكون عبداً شكوراً»، وكان يجتهد في العبادة، واضح؟ طيب، من الرب؟ يعني ما معنى أن يكون الرب خليلاً لإبراهيم أو للنبي صلى الله عليه وسلم؟ هي كمال الربوبية لعباده الذين يحبهم ويحبونه. الربوبية معناها يا شباب الحفظ والإعانة: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 46]، ومثلاً في.. أن الله سبحانه وتعالى ينصرهم ويؤيدهم ويسددهم ويقويهم ويعينهم ويصبرهم، فهذه معنى كمال من الله لعباده الذين يحبهم.
قال: ولفظ العبودية يتضمن كمال الذل وكمال الحب، فإنهم يقولون: قلب متيم إذا كان متعبداً للمحبوب، والمتيم المتعبد، وتيم الله عبد الله، وهذا على الكمال حصل لإبراهيم عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم. والآن يا شباب -ونحن ذكرنا ذلك من فوائد أو من المميزات لتراث الإمام ابن تيمية رحمه الله في باب التزكية- أن الإمام لا يعتني فقط ببيان القدر المشروع من العبادة، وإنما يعتني ببيان درجات العبادة، ويعتني كذلك بححث المسلم على أن يأخذ بأعلاها وأقواها، عملاً بقول الله.. قبله قول الله: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: 145] أو ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم﴾ [الزمر: 55]، وعملاً كذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس».
فلذلك مثلاً الإمام -رحمه الله- يأتي في بعض المسائل التي يتكلم عنها كمثل حديثه عن ملاحظة الخير الذي يقوم به العباد، وهي المسألة التي سموها أو سماها المتأخرون بالغبطة، هي أن ترجو أن يكون عندك من العمل الصالح ما لأخيك دون أن يزول من عندك، واضح؟ فقال: إن سعي العبد في العمل الصالح ومجاهدة نفسه دون أن يلاحظ غيره أو يحرص على أن يسابقه أكمل من أن يعتني بأن يسبق فلاناً أو فلاناً. فابن تيمية يعتني جداً ببيان الأكمل في كل عبادة، لذلك مثلاً اعتنى ببيان الأكمل في مسألة التعلق: ألا تسأل الناس شيئاً ولا حتى الدعاء، وحتى لو طلبت من أحدهم أن يدعو لك فإنما الكمال في ذلك أن ترجو أن يحصل له خير بأن يؤمن الملك على دعائه، فينتفع هو الآخر، واضح؟
كذلك في مسألة الرقية، فإن الاسترخاء أو الرقية أمر مشروع، وأن يطلب أحد من أحد أن يرقيه كذلك هو مشروع، لكنه ليس الأكمل؛ الأكمل ألا يطلب العبد من غيره أن يرقيه، واضح؟ كما في الحديث: «لا يسترقون» في السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فالكمال هنا ألا تطلب من غيرك أن يرقيك. مم، لكن طبعاً ثبت مشروعية.. يعني إذا راقاك هو دون طلب فلا تمنعه عن ذلك، بل هو إحسان يقدمه إليك وأنت لم تطلب منه ذلك، أو أن تتفضل أنت على غيرك بأن ترقيه فهذا إحسان منك.
المهم يا شباب، نحن نتحدث هنا عن فكرة الفرق بين المشروعية والكمال؛ فمثلاً الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]، فهذا مشروع، لكن الأكمل: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]، واضح كده؟ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّصَّابِرِينَ﴾ [النحل: 126]. فكثيراً ما يبين الشرع الحد المشروع ثم ما يدل على الكمال، وابن تيمية -رحمه الله- في حديثه عن تزكية النفس يعتني جداً ببيان أصل المشروعية، ثم يبين درجات الناس في تحقيق هذا العمل المشروع، ويحث على الأخذ بمعالي الأمور، وهو نفسه في سيرته كان يحرص على ذلك فيما نحسبه.
قال: ولهذا لم يكن له صلى الله عليه وسلم من أهل الأرض خليل، إذ الخلة.. أو لأ، نرجع تاني، يعني نقرأ من أول كلمة لفظ العبود.. آه، تمام كده، احنا ماشيين صح.
قال: ولهذا لم يكن له صلى الله عليه وسلم من أهل الأرض خليل، إذ الخلة لا تحتمل الشركة؛ فإنه كما قيل في المعنى: قد تخللت مسلك الروح مني، وبذا سمي الخليل خليلاً. بخلاف أصل الحب، فإنه صلى الله عليه وسلم قد قال في الحديث الصحيح في الحسن وأسامة: «اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما». ويفرق هنا بين دلالة لفظ الخلة ومقتضيات هذا اللفظ، وبين دلالة لفظ الحب ومقتضياته؛ تبين أن الخلة لا تكون إلا لواحد، فكانت من النبي لربه تبارك وتعالى، أما الحب فأصله أنه يمكن أن يحتمل أكثر من محبوب، وإن كان ينبغي أن يكون الله ورسوله أحب إلينا مما سواهما.
قال: وسأله عمرو بن العاص: أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة». قال: فمن الرجال؟ قال: «أبوها». وقال لعلي رضي الله عنه: «لأعطين الراية غدا رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»، وأمثال ذلك كثيرون.
ماذا يريد الإمام في هذا الباب؟ أحياناً يا شباب الطالب وهو بيقرأ بيسرح وينسى أساس الكلام وينسى سبب الاستطراد. لأ، ابن تيمية -رحمه الله- يبدأ بفكرة يستدل لها وربما يخرج عنها ثم يرجع إليها ليبدأ كلاماً يتسق مع الفكرة الأولى. الاستطراد يا شباب هو خروج المتكلم عن أصل الكلام لأدنى مناسبة ثم الرجوع مرة أخرى، وهو الآن خرج.. هو كان يتكلم عن مقتضيات العبودية أو يتكلم عن معاني العبودية، منها المحبة ومنها الإخلاص، فهو يتكلم هنا عن المحبة وتكلم عن الخلة، ثم بين أن الخلة لا تكون إلا لواحد، لكن المحبة يمكن أن تكون لأكثر من واحد، وإن كان الكل أحب لله، فبين ذلك بأدلة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أسامة ويحب علياً ويحب عائشة رضي الله عنها ويحب أبابكر، إلى غير ذلك من الأدلة، واضح يا شباب؟
قال: وقد أخبر تعالى أنه.. الآن سيتكلم عن الحب من جهة الله للعبد. قلت لكم إن هذا الفصل يا شباب يتحدث فيه الإمام عن مسألتين كبيرتين: هي حب العبد لربه وبرهان ذلك، ما برهان محبة العبد لربه؟ والامر الثاني يتكلم عن حب الله لعباده وعلامات ذلك، يعني إذا أحب الله عباده فماذا يجدون منه؟ ماذا يفعله الله لأحبابه؟ لكنه هنا يبين أسباب محبة الله، يعني ما هي الأسباب التي تتوفر في العبد فيحبه الله؟
قال: وقد أخبر تعالى أنه يحب المتقين، ويحب المحسنين، ويحب المقسطين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص. وقال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبَّونَهُ﴾ [المائدة: 54]. فقد أخبر بمحبته لعباده المؤمنين ومحبة المؤمنين له، حتى قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165]. أما الخلة فخاصة.
وقول بعض الناس إن محمداً حبيب الله وإبراهيم خليل الله، وظنه أن المحبة فوق الخلة، فقول ضعيف؛ فإن محمداً أيضاً خليل الله كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة المستفيضة. هنا يا شباب -كما قلنا- الإمام -رحمه الله- لا يعتني ببيان المسألة ودليلها وأصلها وما يتفرع عنها، وإنما يعتني كذلك أن يبين المقالات المخالفة لتلك الفكرة ومنشأ هذه المقالات، ثم يرد عليها. فهنا يبين أنه انتشر -وهذه نسمعها أحياناً من الخطباء يقولون إن.. إبراهيم بأنه الخليل والنبي صلى الله عليه وسلم بأنه الحبيب، واضح؟ نعم، النبي هو الحبيب، لكن ربما يفهم من ذلك أنه ليس الخليل، فإذا قلت مثلاً: وإبراهيم خليل الله ومحمد حبيب الله، وقف، لا شك أن السامع قد يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينل تلك المنزلة، فيكون ذلك تقصير وإن لم يكن مقصوداً، ففي ذلك نقد للمقالات.
قال: وما يروى أن العباس يحشر بين حبيب وخليل وأمثال ذلك فأحاديث موضوعة لا تصلح أن يعتمد عليها. لهذا أيضاً يا شباب يوضع في فائدة، وهي الأحاديث أو الفوائد الحديثية التي انتقدها ابن تيمية أو بين أنها لا تثبت.
طيب، قال: وقد قدمنا أن محبة الله تعالى هي محبته ومحبة ما أحبه، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار».
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من كان فيه هذه الثلاث وجد حلاوة الإيمان، لأن وجد الحلاوة بالشيء يتبع المحبة، فمن أحب شيئاً أو اشتهاه إذا حصل له مراده فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك. واللذة أمر يحصل عقب إدراك الملائم الذي هو المحبوب أو المشتهى.
نحاول هنا أن نشرح هذه الفكرة؛ فالإمام والشباب هنا يتكلمون عن قضيتين، يعني الفقرات التي بدأنا فيها اليوم تتحدث عن مسألتين بينهما ترابط، وهو حب العبد لربه وبرهان ذلك، يعني ما هو برهان صدق المحبة ودرجة المحبة واضح؟ فبرهان صدق أصل المحبة هو أن يكون مسلما، فإذا كان مسلما فلا بد أن يكون عنده قدر صادق من المحبة واضح؟ وهنا يخطئ كثير من جهلة الوعاظ حيث يصورون لبعض الناس الذين يقعون في معصية أو يقعون في كبيرة أن حبهم كاذب أو أنهم ليس في قلوبهم حب لله، وربما فهم ذلك من كلام بعض العلماء الذي قاله في الشعر: تعصي الإه وتدعي حبا له، ذاك لعري في القياس بديع، لو كان حبك صادقا لأطعته، إن المحب لمن يحب مطيع. وهذا من الخطأ يا شباب؛ أولا هذا القول ليس وحيا هو اجتهاد شعر واضح، وهو كلام مجمل وفيه اشتتباه.
فإن اريد بهذا المعنى: تعصي الإله وتدعي حبا له، يعني أنك لا تتبع النبي صلى الله عليه وسلم ولا تتبع دين الإسلام ثم تدعي أنك تحب الله؟ لا هذا يدل على انتفاء الحب وعلى كذب ادعائك. أما إن قصد أن المعصية أو الوقوع في الكبيرة يدل على نقص المحبة مع وجود أصلها فهذا أيضا معنى جائز، وإن كان اللفظ كذلك ليس حسنا اللي هو: تعصي الإله وتدعي حبا له، هذه التركيبة ليست حسنة وفيها اشتتباه وإجمال. أما إن قصد أن الذي يعصي الله أو يفعل كبيرة وهو مسلم فهو كاذب في ادعائه محبة الله، أو أن محبة الله انتفت من قلبه بهذه المعصية، فهذا جهل هو كذب على الشريعة. وهذا يقع أحيانا من كثير من الوعاظ الذين يغلون في بيان عواقب المعاصي وآثارها، ويظنون أن ذلك من تعظيم الشريعة ومن تعظيم أمر الله ومن تعظيم حدود الله ومن وجوب التحذير من المعصية وذلك أردع.
وفي المقابل يأتي جماعة آخرون يستدلون بنصوص أنه يدخل الجنة من قال لا إله إلا الله وإن زنا وإن سرق، والحديث: أن عبدا أذنَب ذنبا ثم قال: يا ربي أذنبت ذنبا فاغفر لي فغفر له، وفي آخر الحديث: فليفعل عبدي ما شاء. كل من هؤلاء يأخذ طرفا ويدع طرفا من النصوص، وقد ذم الله ذلك فقال: ﴿وَادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: 208]. فكل تقصير في باب من أبواب الشريعة لا يجمع فيه كل ما جاء في الباب فهو من اتباع خطوات الشيطان، يعني كل من دخل إلى باب فلم يعتني بجمع كل ما جاء في هذا الباب ليفقهه فقها شاملا؛ لأن الآيات يا شباب ذكر الله فيها صفات مهمة، الأول أنها متشابهة، ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾ [الزمر: 23]، يعني يشبه بعضه بعضا، يكمل بعضه بعضا، يصدق بعضه بعضا واضح؟ فمن هذا المعنى القرآن كله متشابه، متشابه يعني يصدق بعضه بعضا.
المعنى الثاني أن القرآن لا يمكن أن يوجد فيه اختلاف، اللي هو سمي المتأخرون تعارضا أو تناقضا والاسم الصحيح والاختلاف، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]. فالذي يأخذ طرفا من النصوص لابد ويعظمه لابد أن يهمل الطرف الآخر. والخوارج الذين هم الجماعة الذين استحلوا دماء المسلمين وكفروهم بغير حق الذين اصطلحوا عليهم كذلك بلفظ الخوارج، هؤلاء كان مدخلهم في تكفير الناس بالذنب من هذا المعنى، اخذوا مثلا بنص: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ومن كسب سيئة وأحاطت به، إلى آخر هذه النصوص.
فكثير من جهلة الوعاظ يا شباب ينفي المحبة من قلب العبد لمجرد وقوع المعصية منه أو الكبيرة واضح، وهذا جهل منه. النبي صلى الله عليه وسلم وفي أحاديث كثيرة، منها مثلا حديث عبد الله الذي كان يلقب حمارا وكان يضحك النبي صلى الله عليه وسلم، لما كان يؤتى به كثيرا في شرب الخمر وكان يعاقب بالحد الشرعي، لعنه بعض الصحابة مرة فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «هو ما علمت يحب الله ورسوله». يعني النبي صلى الله عليه وسلم أولا نهى عن لعنه، وثانيا شهد له بأنه يحب الله ورسوله مع إقامة الحد عليه. فهنا يا شباب النبي صلى الله عليه وسلم منهجه خير المنهج وهديه خير الهدي، فهو الذي حذر من المعاصي وحذر من الكبائر وبين سوء عواقبها وعاقب وأقام الحد على من فعلها، ومع ذلك هو الذي شهد لهؤلاء بأصل المحبة.
فأن تقول إن المحبة تنقص بفعل المعاصي؟ نعم، أو أن فعل المعاصي يدل على نقص ما في المحبة؟ نعم هذا جائز. أما أن تقول إن الذي يعصي الله فمحبته كاذبة أو أن المحبة انتفت فهذا جهل وضلال، ففرق بين أن تثبت النقص وبين أن تنفي الأصل، فرق بين العدم وبين النقص.
إذا لا يوجد مسلم صحيح الإسلام إلا ويوجد عنده علم ويقين وصبر ومحبة، لابد أن يكون عنده قدر من هذه الأمور. هناك قاعدة أن شعب الإيمان قد تتلازم في الوجود والعدم وقد لا تتلازم، مثلا لما يقول الله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22]. نعم هنا شعب الإيمان تتلازم في الوجود والعدم، لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون، صح كذلك ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء. لكن هناك شعب يمكن أن تنتفي منها شعبة وتوجد الأخرى، فمثلا شعبة العفة عن الزنا يمكن أن تنتفي من العبد لكن يبقى له أصل المحبة في القلب كما في هذا الحديث الذي ذكرناه. وكل هذه الأخطاء يا شباب التي نوهنا عليها في الدرس الثاني من الحديث عن أصول الخطأ عند الوعاظ وعند الخطباء وعند الذين كتبوا في علم التزكية والأخلاق التي سموها بالرقائق وبالزهد ونحو ذلك، هذه أصول هذا الخطأ هو ترك اتباع النبي صلى الله عليه وسلم قولا وعملا.
نرجع مرة ثانية، قال ومن قال إن اللذة إدراك الملائم كما يقوله من يقوله من المتفلسفة والأطباء، فقد غلط في ذلك غلطا بينا، فإن الإدراك يتوسط بين المحبة واللذة، فإن الإنسان مثلا يشتهي الطعام فإذا أكله حصل له عقيب ذلك اللذة. فاللذة تتبع النظر إلى الشيء فنظر إليه التذ به، واللذة التي تتبع النظر ليست نفس النظر، وليست هي رؤية الشيء بل تحصل عقب رؤيته. يعني الإمام ابن تيمية هنا يرد على طائفة من الفلاسفة تقول إن اللذة إدراك الملائم، مجرد أن الإنسان يدرك ما يلائمه يلتذ. ابن تيمية يقول لا، اللذة تحصل عقب الإدراك، الإنسان لما يأكل أكلة حلوة بعد ما يأكل يحس بلذة، يعني يريد أن يقول إن مش في نفس الوقت بالضبط، التطلع إلى الاكل له معنى والاكل نفسه له معنى، واللذة تحصل عقيب ذلك، يعني مش شرط عقيب يعني بعد نص ساعة، مش أنت هتاكل منجاية دلوقتي مثلا مانجة عويس جميلة كده إسماعلاوية مشمشية وأنت بتاكلها -طبعا الناس اللي مش من مصر مش شايفين إحنا بنتكلم عن ايه- لو أنت بتاكل مانجاية كده إسماعلاوي بتحس باللذة يعني بعد الأكل في ثواني يعني عقب الأكل مش بعد ساعة مثلا تحس بها فاهم، فده الفرق بين كلمة ثم وبين كلمة الفاء، الفاء للترتيب والتعقيب.
قال: واللذة تتبع النظر ليست نفس النظر وليست هي رؤية الشيء بل تحصل عقب رؤيته. وقال تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: 71]. وهكذا جميع ما يحصل للنفس من اللذات والآلام من فرح وحزن ونحو ذلك يحصل بالشعور بالمحبوب أو الشعور بالمكروه وليس نفس الشعور هو الفرح والحزن.
قال: فحلاوة الإيمان المتضمنة من اللذة به والفرح ما يجده المؤمن الواجد حلاوة الإيمان تتبع كمال محبة العبد، وذلك بثلاثة أمور: تكميل هذه المحبة وتفريقها ودفع ضدها. يشرح الإمام ابن تيمية رحمه الله معنى أن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما، فقال: تكميل المحبة وتفريق المحبة ودفع ما يضادها. قال فتكميلها أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فإن محبة الله ورسوله لا يكتفى فيها بأصل الحب، بل لابد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما كما تقدم. قال وتفريقها أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، ودفع ضدها أن يكره ضد الإيمان أعظم من كراهته الألقاء في النار.
فإذا كانت محبة الرسول والمؤمنين من محبة الله، ودفع ضدها أن يكره ضد الإيمان أعظم من كراهته الألقاء في النار. طبعا ده يا شباب لابد أن يلحق بفوائد الكتاب وهي شرح الحديث لأن هذا الشرح جميل جدا يشرح معنى أن يجد الإنسان حلاوة الإيمان كيف ما هو السبيل إلى ذلك.
فإذا كانت محبة الرسول والمؤمنين من محبة الله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، تفريعها الأستاذ رزقي بيقول عنده تفريعها، ربما تكون تفريعها هي الأقرب هنا، يعني يقصد أن تكون محبة المرء لأخيه تابعة أو فرعا عن حبه لله ينفع، يعني ممكن يكون تفريعها هو الأليق هنا. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب المؤمنين الذين يحبهم الله؛ لأنه أكمل الناس محبة وأحقهم بأن يحب ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه الله.
قال: والخلة ليست لغير الله فيها نصيب، بل قال: «لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا». يعني هو يا شباب كلمة علم هنا هي جواب هنا جواب للشرط يقول: فإذا كانت محبة الرسول والمؤمنين كذا علم، يبقى علم هذه جواب الشرط. طيب ما هو بداية الكلام؟ بداية الكلام فإذا كانت محبة الله فإذا كانت محبة الرسول والمؤمنين من محبة الله علم مزيد مرتبة الخلة على مطلق المحبة، يعني كأنه يقول: إذا كانت محبة الرسول والمؤمنين من محبة الله والنبي صلى الله عليه وسلم يحب المؤمنين لأنه أكمل الناس إيمانا وهو يحب ما يحب الله فهو يحب المؤمنين، ولكنه في الوقت ذاته ينفي اتخاذ الخلة ويبرأ من أن تكون لأحد غير الله تعالى، فهو يحب المؤمنين لله ويفرد بالخلة الله، يعني يبين أن حب النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين هو فرع عن حبه لله تبارك وتعالى، علم مزيد مرتبة الخلة على مطلق المحبة.
واضح يا شباب؟ يعني بالخلاصة كده يا شباب؛ إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب المؤمنين كما ورد أنه يحب عائشة يحب أباها ويحب عمر ويحب أسامة إلى غير ذلك، وأنه خليل لله تبارك وتعالى والخلة لا تكون إلا لواحد، فعلم أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم لغير الله هي تابعة لمحبة الله لو هي فرع عنها.
والمقصود هو أن الخلة والمحبة لله تحقيق عبوديته. ابن تيمية يا شباب أحيانا لما تقرأ له كما قلت لكم ابن تيمية يستطرد كثيرا أما للاستدلال أو للتفريع أو لكشف الاعتراض على ما يقول أو لبيان مقالة مخالفة لقوله يردها، واضح يعني دي من أسباب استطراده، لكن ابن تيمية دايما لما بيستطرد لازم يرجعك للنقطة الأولى، لابد أن يرجعك إلى النقطة الأولى، وكثيرا ما يعبر بكلمة والمقصود. لذلك شباب الناس التي تختصر الكتب وتريد أن تركز على المقولات الرئيسة في الكتاب لا ينبغي أن تلاحظ متى يستطرد ولماذا يستطرد ومتى انتهى الاستطراد؛ لأنه يمكن أن يحذف ذلك إذا كان يريد أن يلخص الكتاب.
الخلاصة هنا إنه يريد أن يقول إن الخلة والمحبة لله تحقيق عبوديته، وإنما يغلط من يغلط في هذا من حيث يتوهمون أن العبودية مجرد ذل وخضوع فقط لا محبة معه، وأن المحبة فيها انبساط في الأهواء أو إذلال لا تحتمله الربوبية. ولهذا يذكر عن ذي النون أنهم تكلموا عنده في مسألة المحبة فقال: امسكوا عن هذه المسألة، لا تسمعها النفوس فتدعيها. فكره من كره من أهل المعرفة والعلم، كلمة المعرفة شباب هنا بمعنى التصوف، ابن تيمية يقصد كثيرا بكلمة أهل المعرفة يعني أهل التصوف.
ومشايخ المنسوبين إلى العبادة، ويقول: فكره من كره من أهل المعرفة والعلم. يقصد بأهل العلم يعني الذين لم ينسبوا إلى التصوف، وإن كان فيهم عبادة وعلم وتزكية، ويقصد بالمعرفة الذين لم يعتنوا بتحقيق المسائل علمياً وإن كانوا يعني يطبقون ذلك بالعمل، وإن كان يقع منهم بعض البدع أو المحدثات.
يعني باختصار يقصد الصوفية، قال: فكره من كره من أهل المعرفة والعلم مجالسة أقوام يكثرون الكلام في المحبة بلا خشية. يعني كأنه ادعاء، وقال من قال من السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد.
ابن تيمية شباب لماذا يتحدث هنا عن هذه الفكرة؟ لأن ابن تيمية قال قبلها مجرد ذل وخضوع مما يرجح كلمة إدلال، ممكن يعني ده من الأمور. لكن هو هنا، لا هو ربما يكون العكس الأستاذ أبو همام بيقول إنه قال قبلها من حيث يتوهمون أن العبودية مجرد ذل وخضوع فقط لا محبة معه، فالأستاذ أبو همام يقول: فهذا يؤكد أنها إدلال.
لا، هو لو كان إدلال كان هيقول إن هو من جملة العبودية، لكن ربما هذا يرجح أنه إدلال واضح. لكن يا شباب هو الآن لا يتكلم عن محبة العبد لربه، وإنما يتكلم عن محبة الله لعبده، فهنا معنى العبودية ليس له معنى هنا أساساً.
نحن نتكلم هنا عن المحبة من الله لعبده، فإنهم نفوها يعني هم نفوها محفة ومحبة الله، ونفوا محبة العبد لله، يعني قالوا إن هو يعبد الله من باب الذل والخضوع، يعبد الله من باب الذل والخضوع فقط واضح؟ فلو كان كذا يبقى كلمة إدلال نعم.
يعني هو يا شباب نقرأ الفقرة مرة مرة ثانية لنشوف الفروق بين الطبعات، هو بيقول والمقصود هو أن الخلة والمحبة لله تحقيق عبوديته، يعني من العبد لله أن تكون عبداً لله خلاص كده، وإنما يغلط من يغلط في هذه من حيث يتوهمون أن العبودية، شوفوا يا شباب هو تكلم عن صفة المحبة من العبد لربه ومقتضيات ذلك.
ثم قال: وإنما يغلط من يغلط في هذه يعني في إنكار أن يبذل العبد المحبة لله، يعني لماذا يغلط؟ قال في هذه من حيث يتوهمون أن العبودية مجرد ذل وخضوع يعني بلا محبة، لأن ابن تيمية يا شباب لو تلاحظوا في أول الكتاب قال إن العبودية تقوم على أصلين؛ على الذل غاية الذل، وغاية الحب.
فهو يرد على من يتوهمون أن العبودية محصورة في الذل والخضوع فقط، لذلك قال لا محبة معه، يعني لا محبة مع الذل. قال: وإن المحبة يعني السبب الذي نفوا لأجله أن يكون العبد محباً لله أو يعبد الله عن طريق الحب، أن المحبة فيها انبساط في الأهواء أو إذلال لا تحتمله الربوبية.
ينفع إدلال وينفع إدلال، يعني الاتنين والله محتملة؛ ينفع العبد يتدلل على الله، أو أن العبودية سيكون فيها يعني المحبة سيكون فيها علاقة بين الرب وعبده لا تليق. طبعا هذا كذب منهم وجهل منهم في معنى المحبة.
ثم أشار الإمام أن بعض السلف كان يقول: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق. ابن تيمية شباب لما بيذكر مقالات عن السلف لا يمكن أن يؤسس عليها قولاً إلا أن يكون إجماعاً عنهم، ومع ذلك يرجع إلى الوحي وإلى النصوص الثابتة.
لكنه يذكر هذه المقالات لأسباب؛ منها إنصاف القائلين وبيان أنهم أحسنوا فيها، ومنها كذلك بيان أن تلك المعاني التي وصل إليها لم ينفرد بها، وإنما قال بها غيره، يعني من باب التقوية وليس من باب الأساس.
فهو هنا يرد على من أخذوا طرفاً وتركوا الطرف الآخر، الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نعبده حباً وخوفاً وطمعاً. واضح الاهتداء بالوحي والاكتمال لا يكون إلا بالحب، نعم بعض الشباب بيقول عندنا إدلال، يعني ممكن تكون إدلال هنا لو أكتر الطبعات عليها ممكن تكون هي أقرب إدلال، يعني كأنه بمعنى الدلع يعني أو بالمعنى الدلع بالمعنى الدارج يعني أو المعنى الدلال.
قال: وقال من قال من السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق. واضح ليه؟ لأنه لو جعل عبوديته لله تبارك وتعالى من باب الحب فقط، يعني معناها لا يخاف منه ولا يرجو جنته، هذا سيكون لأنه لن يفعل شيئاً ليدخل الجنة، ولن يجتنب شيئاً حتى لا يدخل النار.
واضح، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ لأنه لن يخاف، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، اللي هو الحروري يعني نسبة للخوارج، ومن لأنهم شقوا على الناس ولانهم عظموا الذنوب فتجاوزوا بها الحد.
فبين أن من عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد. سيأتي إن شاء الله يا شباب رد من الإمام ابن تيمية رحمه الله على من حصر العبودية في واحد من هذه الأمور كذلك في تفسيره للآية الكريمة، فيعني نؤخر أو نؤجل التوسع في هذه المسألة إلى وقتها، لأنه سيرد هنا على القول المشهور المنسوب إلى رابعة العدوية: إن كنت أحبك خوفاً من نارك فأدخلني النار، وإن كنت أعبدك طمعاً في جنتك فاحرمني الجنة، وإن كنت أعبدك حباً لك فهذه هي العبادة. ونحو ذلك من المقالات التي أثرت عن بعض العباد، سينتقدها ابن تيمية ويزنها بميزان الوحي، كما بينا خصائصه في ذكر لمسائل التزكية والعبادة.
قال: ولهذا وجد في المتأخرين من انبسط في دعوى المحبة حتى أخرجه ذلك إلى نوع من الربوبية التي لا تصلح إلا لله. شوفوا يا شباب ابن تيمية رحمه الله لا يعتني فقط بذكر القاعدة التي تبنى عليها العبادة ولا ذكر أدلتها ولا ذكر من أخطأ في نفيها، وإنما يذكر كذلك من غلا فيها، ويبين أن بعض الناس غلا في ادعائه المحبة.
هناك من نفى المحبة رد عليه، الآن سيرد على طائفة من المتأخرين الذين انبسطوا في دعوى المحبة حتى أخرجوها إلى نوع من الربوبية التي لا تصلح إلا لله. وظن الواحد منهم أن محبته لله، وأن محبة الله له تمكنه من أن يجعل الله تبارك وتعالى لا يغفر لعبد من عباده، مثلاً كالذي تألى على الله وقال: والله لا يغفر الله لك، أو كالذي ظن أن لمحبته لله لا تضره الذنوب، واضح؟ صار كالبحر الذي لا تكدره الدلاء ونحو ذلك.
ابن تيمية هنا يرد على من غلى في العبودية، وقبلها رد على من نفاها. قال: فيدعي أحدهم دعاوى تتجاوز حدود الأنبياء والمرسلين، أو يطلب من الله ما لا يصلح بكل وجه إلا لله، لا يصلح للأنبياء والمرسلين فضلاً عمن عداهم.
واضح يا شباب؟ سيدخل الإمام الآن في فكرة جديدة مهمة قال: وهذا باب وقع فيه كثير من الشيوخ. وسببه طبعا قوله بالشيوخ هنا يقصد مشهورين بالتعبد، وحينما يصف هؤلاء بالتعبد فقط أو بالمعرفة أو بلفظ الشيوخ، فإن له في ذلك مقصداً؛ شباب الأئمة أئمة أهل السنة الكبار الأئمة من الصحابة والتابعين هم كذلك من العباد، بل هم أجل العباد وهم أحسنهم طريقاً بعد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لكنه يميزهم هنا لأنه سيريد أن يتكلم عن ضعف ما في طريقهم في التعبد، وهو أنهم لم يعتمدوا الوحي في مسائل التزكية واعتمدوا على اجتهادهم واضح؟ فابن تيمية يبين أن هؤلاء أو يشير بقوله لكلمة الشيوخ أو الشيوخ أو أهل المعرفة أنهم الذين اجتهدوا في الطريقة اجتهادات من عند أنفسهم خالفوا فيها الوحي أحياناً أو جاوزوا فيها الوحي أحياناً والشريعة أحياناً.
ولو هذا باب وقع فيه كثير من الشيوخ وسببه ضعف تحقيق العبودية التي بينها الرسل وحررها الأمر والنهي الذي جاءوا به. يعني يريد أن يقول إنهم لم يتبعوا الرسل في هذا الباب اتباعاً دقيقاً، ولم يلتزموا هذا الشرع، فبالتالي حصل لهم هذا النوع من الانحراف واضح يا شباب؟ بل ضعف العقل الذي به يعرف العبد حقيقته، يعني حقيقة العبودية.
سيذكر هنا ابن تيمية قاعدة مهمة يا شباب أيضاً لابد أن تجعل من أهم مقالات الكتاب. قال رحمه الله: وإذا ضعف العقل وقل العلم بالدين وفي النفس محبة طائشة جاهلة، انبسطت النفس بحمقها في ذلك، كما ينبسط الإنسان في محبة الإنسان مع حمقه وجهله، ويقول: أنا محب فلا أؤاخذ بما أفعلُه من أنواع يكون فيها عدوان وجهل، فهذا عين الضلال، وهو شبيه بقول اليهود والنصارى: نحن أبناء الله وأحباؤه.
هذه يا شباب جملة مركزية مهمة جداً في الباب، تبين معنى المحبة؛ معنى أن تكون محباً عالماً. وهذا يا شباب ليس فقط في محبة العبد لله، ولكن حتى في محبة العبد لزوجته ولصديقه، بعض الناس إذا أحب شخصاً فإنه يلغي كل الاعتبارات بينه وبينه، لا نحترمه.
حتى كان زمان أجد بعض الشباب ليبرهنوا على شدة المحبة بينهم وبين أصدقائهم يشتمونهم بآبائهم وأمهاتهم، هذا والله أو يعتدون عليهم أو يضربونهم على وجوههم يظنون أن ذلك من برهان المحبة، وهذه حماقة وضعف في العقل.
واضح يا شباب فإن المحبة مسؤولية، كما أن الحرية مسؤولية. شخص مثلاً يريد أن يعبر عن حريته أجد ذلك والله في كنت في مرة في بعض دول أوروبا أنا وصديقي في سوبر ماركت ووجدنا شخصاً يريد أن يعبر عن حريته، فوالله تقريبا شكله كده ما استحماش بقاله خمستاشر سنة، وماشي حافي وهدومه مش نضيفة ومتقطعة، ولابس سلسلة وبيشترى من السوبر ماركت وهو فاكر كده أن دي حرية، فاهم؟
يعني يظن أن الحرية أن تفعل كل ما تقدر عليه، لا؛ الحرية أن تملك نفسك عن أن تفعل ما لا يقره العقل. كذلك المحبة، فالمحبة مسؤولية.
فهو هنا يقول: وإذا ضعف العقل وقل العلم بالدين وفي النفس محبة طائشة جاهلة، ما الذي سيحصل؟ انبسطت النفس بحمقها في ذلك، كما ينبسط الإنسان في محبة الإنسان مع حمقه وجهله. ويقول: أنا محب فلا أؤاخذ بما أفعله من أنواع يكون فيها عدوان وجهل، فهذا عين الضلال، وهو شبيه بقول اليهود والنصارى: نحن أبناء الله وأحباؤه.
واضح يا شباب؟ أظن أن هذا المعنى واضح، وهو معنى نفيس جداً يا شباب، وخلاصته أن المحبة التي لا تبنى على علم لابد أن تكون ناقصة، ولابد أن يقع العبد بسببها في بدع؛ كما أن يدعي شخص أنه يحب النبي صلى الله عليه وسلم فيدعوه من دون الله، كما أن يدعي شخص أنه يحب الصحابة الكرام فيتجاوز في عنهم ما ثبت لهم من ذنوب وأخطاء في الاجتهاد.
كما يحب الإنسان شخصاً فيبرر غلطه الظاهر الواضح، وكما يبغض الإنسان شخصاً فيفتري عليه الكذب ويظلمه ولا ينصفه ولا ينصفه، فكذلك شباب هذه الأمور الحرية المحبة البغض الموالاة المعاداة كل هذه الأمور إذا نظر إليها العبد دون منظار الوحي فإنه لابد أن يعتدي فيها، لابد لابد أن يحصل له بغي واعتداء.
لذلك أمر الله سبحانه وتعالى أن يكون الحب لله وأن يكون البغض لله، أساس ذلك أن تعلم عن الله كيف تحب كيف تبغض كيف تكون كارهاً للكافر وكيف لا تظلمه ولا تبغي عليه ولا تعتدي عليه بما يخالف الشرع.
وهكذا كل هذا شباب موجود في الوحي وينبغي أن يطلب منه. قال الله تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾ [المائدة: 18]. فان تعذيبه لهم بذنوبهم.
إنهم غير محبوبين، ولا منسوبين إليه بنسبة البنوة؛ بل يقتضي أنهم مربوبون مخلوقون.
ثم قال -شف هذه القاعدة يا شباب-: فمن كان الله يحبه استعمله فيما يحبه. يا سلام، الكلمة دي ممكن تحطها أمامك، في في الشيء الذي أنت دائما تقرأه على الهاتف، أمامك على المكتب الذي تجلس عليه، اكتبه على الحائط، وزن نفسك بها: فمن كان الله يحبه استعمله فيما يحبه. عبارة بسيطة جدا تلخص لك الميزان الذي تزن به نفسك؛ ما الذي يشغلك؟ ما الذي تحرص عليه؟ ما الذي يدخر وقتك وجهدك له؟ ما الذي تفرح بوجوده وتحزن لفواته؟ ما الذي ترضى بتحققه وتسخط لعدم وجوده؟ هذا هو ميزانك؛ فمن كان الله يحبه استعمله فيما يحبه، انظر فيما يمضي يومك، وزن نفسك بذلك.
قال: ومحبوبه دي يا شباب قاعدة لازم طبعا نجعلها من المقولات الرئيسية في هذا الكتاب. قال: فمن كان الله يحبه استعمله فيما يحبه، ومحبوبه لا يفعل ما يبغضه الحق ويسقطه، من الكفر والفسوق والعصيان، ومن فعل الكبائر. ومن فعل الكبائر وأصر عليها ولم يتب منها، فإن الله يبغضه، ويبغض منه ذلك؛ كما يحب عبده المؤمن ويحب ما يفعله من الخير، إذ حبه للعبد بحسب إيمانه وتقواه.
نعم، يقول: حتى تعرف قدر محبة الله لك، فانظر ماذا تعمل. لابد أن يكون عندك برهان لنفسك وليس للناس يا شباب، نحن نتكلم هنا عن نفسك أن تزن نفسك، وليس أن تنظر إلى نفسك بصورتك عند الناس؛ لا، أنت أعلم بنفسك. وهو هنا يقول: إن العبد ينظر في أفعاله ليعلم أن استقامته على أمر الله دليل على محبته لله ومحبة الله له والعكس.
قال: ومن ظن أن الذنوب لا تضره لكون الله يحبه مع إصراره عليها، كان بمنزلة من زعم أن تناول السم لا يضره مع مداومته عليه وعدم تداويه منه لصحة مزاجه. يعني بيقول: الذي يدعي أن حبه لله، أن وجود الحب منه لله إذا لا تضره الذنوب التي يصر عليها.
شف ابن تيمية يا شباب! لاحظوا هذه الدقة في التعبير عن المعنى، خاصة طالب العلم يا شباب، ليس أن يعبر عن المعنى، وإنما أن يختار أليق الألفاظ التي تعبر بدقة عن المعنى، لا فيها اشتباه أو إجمال. هو يقول هنا: ومن ظن أن الذنوب لا تضره لكون الله يحبه مع إصراره عليها؛ إذاً، ابن تيمية هنا لا يتكلم عن العبد الذي يذنب فيجتهد في أن يأخذ بأسباب عدم الوقوع في الذنب، ثم يكترث بوقوع الذنب منه، ثم لا يبقى مذنبا بغير توبة، ثم يسارع بالتوبة والاستغفار، هذا لا يتكلم عنه ابن تيمية؛ وإنما يتكلم عن عبد مصر على المعصية مكثر منها، يرضى أن يبقى مذنبا بغير استغفار أو توبة، فهذا هو المغرور الذي يظن أن محبة الله له لا تضره. ده بالضبط مثل شخص تناول السم وقال: لا يضرني لصحة مزاجي؛ يعني بيقول: لا، اصل أنا مبسوط أنا دلوقتي بالي مبسوط قوي، فأكيد السم مش هيعمل في حاجة؛ لأ، السم هيموتك.
قال: ولو تدبر الأحمق ما قص الله في كتابه من قصص أنبيائه، وما جرى لهم من التوبة والاستغفار، وما أصيبوا به من أنواع البلاء الذي كان فيه تمحيص لهم وتطهير بحسب أحوالهم، لعلم ضرر الذنوب بأصحابها ولو كان أرفع الناس مقاما. يا سلام، هذا فرع عن الفكرة الرئيسة يا شباب، وهي أن المحب لله تبارك وتعالى إذا لم يكن عالما بالله وبشرعه وبما يرضيه وبما يسخطه، ثم يجاهد نفسه في الاستقامة على ذلك، فإن حبه ناقص وأنه مغرور. واضح يا شباب؟
فبيقول: إن هذا الشخص جاهل. لو أن هذا الشخص نظر في الوحي لوجد أن الله ابتلى أحب الناس إليه وهم أكثر الناس حبا له، بألوان من البلاء للتمحيص وللتطهير، وبذلك يعلم الذنوب ويعلم آثارها.
وفي ذلك يا شباب الحديث العظيم لعبد الله بن مسعود، وهو حديث -والله هذا الحديث يا شباب- يمكن أن يكون ميزانا للعبد إذا اقترف أي ذنب، يبين الفصل بين المؤمن والفاجر. بيقول: إن العبد المؤمن إذا اقترف ذنبا، فانه يرى ذنبه كأنه بأصل جبل يوشك أن يقع عليه، وأن الفاجر يرى ذنبه كذبابة وقفت على أنفه قال بها هكذا. ما معنى الكلام يا شباب؟
معنى الكلام أن المؤمن لكونه يستعظم الذنب ويستعظم أثره، اللي هي المصائب التي تصيبه بسبب ذنبه -التي كان يقول فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «نعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا»- لكونه يستعظم ذلك، يأخذ بالأسباب للابتعاد عنه، وإذا وقع فيه فانه لا يرضى أن يبقى مذنبا بغير توبة والاستغفار. أما الكافر أو الفاجر -أقصد الذي يستهين بالذنوب- لا يهمه الذنب ولا يتوقع أثر الذنب، فهذا هو المغرور.
ثم قال الإمام -رحمه الله- ودي قاعدة يا شباب في المحبة: فان المحب للمخلوق إذا لم يكن عارفا بمحابه ولا مريدا لها، بل لا يعمل بها، كان ذلك سببا لبغض المحبوب له ونفوره عنه؛ بل سببا للبعد عنه. نعم يا شباب، لو أنك تحب شخصا لكنك لا تعرف ما الذي يحبه، أو عرفت الذي يحبه فتعمدت أن تخالفه دوما فيما يحبه، فكيف تنتظر أن يحبك هو؟ فلابد هنا من أمرين؛ من العلم والإرادة: أن تعلم ما الذي يحبه الله، وأن تريد ما يحبه الله، وأن تجاهد نفسك في الاستقامة على ما يحبه الله؛ فإن قصرت في واحد من هذه الثلاثة تنقص محبتك على قدر نقص هذه الثلاثة. دي برضه قاعدة يا شباب، والله الكلام كله قواعد! يعني بنحاول بقى نسرع شوية عشان إن شاء الله لازم النهاردة نخلص الكتاب يا شباب.
قال: وكثير من السالكين سلكوا في دعوى حب الله أنواعا من الجهل بالدين؛ أما من تعدي حدود الله، واما من تضييع حقوق الله، واما من ادعاء الدعاوى الباطلة التي لا حقيقة لها، كقول بعضهم: أي مريد لي ترك في النار أحدا فأنا بريء منه، فقال الآخر: أي مريد لي ترك أحدا من المؤمنين يدخل النار فأنا منه بريء. ابن تيمية طبعا يا شباب سينتقد هذا الكلام؛ قال: فالاول جعل مريده يخرج كل من في النار -المريد يعني يقصد ربه يعني- والثاني جعل مريده يمنع اهل الكبائر من دخول النار. ويقول بعضهم: إذا كان يوم القيامة نصبت خيمتي على جهنم حتى لا يدخلها أحد، وامثال ذلك. يعني يدعي هذا المسكين المغرور الجاهل أن هو من دلاله على الله أو من حب الله له، فانه بقى سيفعل له ما يريد.
طبعا وقع، والله هذا يقع فيه كثير من الناس! حتى كتير من الناس -يعني قابلت بعض الناس- ألاقيه لا يصلي ويقول لي: والله أنا بيني وبين ربنا حاجات كثيرة قوي قوي ما أقدرش أقول لك عليها، حاجات كبيرة قوي قوي قوي. بيقول لي: أنا ما باصليش صح وما بصومش، اه وساعات باشتم وساعات بسب وبعمل، اه بس الحب اللي بيني وبين ربنا بقى كبير، ما تتدخلش بيني وبين ربنا. وقبل كده قال لك: ما دام ده نضيف ودعاء الوالدين ما تقلقش من أي حاجة.
طيب، ابن تيمية -رحمه الله- ينقل هذه المقالات يا شباب، ويبين أن هذه المقالات إما هي كذب على العباد وإما أنها غلط منهم -يستغفر لهم ولا يتبعون عليها-. قال ابن تيمية: ويقول بعضهم: إذا كان يوم القيامة نصبت خيمتي على جهنم حتى لا يدخلها أحد. وأمثال ذلك من الأقوال التي تؤثر عن بعض المشايخ المشهورين، يقصد بالمشايخ يا شباب الذين هم المنسوبون للتصوف، فقال: وهي إما كذب عليهم وإما غلط منهم. يعني ابن تيمية يقول: إما أنها لا تثبت عنهم، وإما أنها غلط منهم؛ يعني يستغفر لهم فيها لكن لا يتبعون عليها.
وهذا يا شباب هو مقام الإنصاف؛ أن يكتمل عندك حفظ حق الدين وحفظ حق أخيك المسلم، وهذا قل من الناس من يقوم به؛ إما أن يحفظ حق أخيه ولا يراعي حق الدين، وإما أن يراعي حق الدين ولا يحفظ حق أخيه، وهذا يفعله كثير من الناس يا شباب، والعدل أن تحفظ حق الدين وأن تحفظ حق أخيك كمسلم. واضح؟
فالإمام هنا يقول: هذه إما كذب عليهم لا تثبت، أو أنها غلط منهم تنكر عليهم، ولكن قد يعذرون فيها. وسيذكر سبب أعذارهم، قال: ومثل هذا يصدر في حال سكر وغلبة فناء يسقط فيها تمييز الإنسان أو يضعف، حتى لا يدري ما قال. والسكر لذة مع عدم تمييز، ولهذا إذا كان بين هؤلاء من إذا صحا استغفر من ذلك الكلام. ابن تيمية هنا يا شباب لا يسوغ لهم السكر والفناء وهذه المعاني التي يقعون فيها، واضح، ولكنه فقط يعذرهم أنهم يصلون إلى حالة لا يتعمدون فيها تلك المقالات؛ فهو هنا يا شباب في نفس أعذاره لهم نهي لنا عن اتباعهم في تلك المقالات، والدليل أنه إذا صحا بعضهم كان يستغفر من ذلك الكلام.
طيب، قال: والذين توسعوا من الشيوخ في سماع القصائد المتضمنة للححب والشوق واللوم والعزل والغرام -العزل اللي هو اللوم يا شباب، في قصيدة جميلة جدا: لا تعزليه، فإن العدل يولعه، قد قلت حقا ولكن كيف يسمعه، إلى آخر القصيدة، جميلة جدا جدا يا شباب، جدا، من أحسن القصائد، ممكن إن شاء الله أبقى أضعها لكم في رابط، قصيدة جميلة جدا لابن زريق البغدادي- قال: كان هذا أصل مقصدهم، فإن هذا الجنس يحرك ما في القلب من الحب كائنا ما كان.
قال: ولهذا أنزل الله محنة يمتحن بها المحب؛ فقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]. فلا يكون محبا لله إلا من يتبع رسوله، طاعة الرسول ومتابعته لا تكون إلا بتحقيق العبودية. هذه أيضا يا شباب يدخل في التفسير ويدخل كذلك في القواعد، لكن ابن تيمية لا يقصد هنا أن المعصية تنفي أصل المحبة، ولكنها تنقص المحبة.
قال: وكثير ممن يدعي المحبة يخرج عن شريعته وسنته، ويدعي من الخيالات ما لا يتسع هذا الموضع لذكره. وهذا من ذكاء الإامم، أن هو لا يتوسع إلا بالقدر الذي يبين به الفكرة المركزية في كلامه، أما إن توسع في كل نقطة يا شباب فهذا تضييع للعمر وتضييع للمقصود الأصلي، وهذا نبهت عليه في كثير من الشراح الذين يقومون بدورات ومحاضرات، كثيرا ما تخفق الدورات والمحاضرات لأنهم لا يحددون أهدافا معينة للدورات، يتوه المتلقي معهم، يتوه عن المقصد الرئيس، يدخلهم في أشياء بعيدة تماما عن مقصد المؤلف أو عن موضوع الكلام، ولا هي حتى فرع عنه، ولا حتى مما يكتمل به. واضح يا شباب؟
فينبغي أن يكون المقصد الأول في كلام الشارح هو نفس المقصد الذي أراده المصنف، يتوسع بقدر ما توسع المصنف، ويرجئ كل مسألة إلى أليق موضع بها. حتى هو نفسه هنا قال: لا يتسع هذا الموضع لذكره. حتى قد يظن أحدهم سقوط الأمر وتحليل الحرام له وغير ذلك مما فيه مخالفة شريعة الرسول وسنته وطاعته.
قال: بل قد جعل الله أساس محبته ومحبة رسوله الجهاد في سبيله. والجهاد يتضمن كمال محبة ما أمر الله به وكمال بغض ما نهى عنه، ولهذا قال في صفة من يحبهما ويحبونه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: 54]. ولهذا كانت محبة هذه الأمة لله أكمل من محبة من قبلها، وعبوديتهم لله أكمل من عبودية من قبلهم. طبعا يتكلم عن الجملة يا شباب، يتكلم في الجملة عندي الحالات ويدعي من الحالات -ينفع بعض الشباب يقول عندي: يدعي من الحالات، ينفع، ينفع الحالات، ينفع الحالات وينفع الخيالات، يعني ممكن نكتبها يعني، لأن الحالات يعني معناها يدعي الحال يعني أنه وصل إلى حال أو مقام، ينفع، ممكن تكون كلمة الحالات، يعني تنوع النسخ هنا مفيد يا شباب-.
قال: ولهذا كانت محبة -ذكرناها- يقصد أن محبة هذه الأمة أكمل في العموم يا شباب، وإلا فبعض أفراد الأمم التي سبقتنا أكمل من بعض أفراد أمتنا. قال: وأكمل هذه الأمة في ذلك هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ومن كان بهم أشبه كان ذلك فيه أكمل.
فأين هذا من قوم يدعون المحبة، وهم أساسا يقعدون عن الإصلاح والامر والنهي، كيف والجهاد في سبيل الله؟! بل يصدون الناس عن ذلك بحجة أن هذا من قدر الله، فلا تقابلوا قدر الله إلا بالاستكانة والتوبة ونحو ذلك من المقالات التي قدر بها كثير من العباد الأمم عن مقاومة الظلم بما يستطيعون، وحصروا لهم بابا المقاومة ودفع البلاء بمجرد التوبة، وإن كانت التوبة والعمل الصالح من أخص ما يدفع به البلاء ويرفع، لكن ينبغي أن تؤخذ الأسباب المناسبة.
والا لماذا أمر الأنبياء بالجهاد والقتال والاصلاح والسعي وغير ذلك؟ قال وفي كلام بعض الشيوخ المحبة نار تحرق في القلب ما سوى مراد المحبوب، وأرادوا أن الكون كله قد أراد الله وجوده فظنوا أن كمال المحبة أن يحب العبد كل شيء حتى الكفر والفسوق والعصيان.
هذا ما ذكرناه يا شباب قبل ذلك في الدرس الثاني لما تحدثنا عن مسألة شهود القدر، وأنهم ظنوا التلازم بين مشيئة الله وخلقه وبين محبته، فظنوا أن كل ما خلقه الله وشاءه وقدره فهو يحبه، وبين أن هذا ضلال وجهل فإن الله قد يحب ما لا يشاء وقد يشاء ما لا يحب.
ذكرنا ذلك بتوسع أرجو أننا لا نحتاج أن نعيده مرة، فهؤلاء يقولون يعني لو أنك أحببت الله حق المحبة يعني نتبع يعني إيه اللفظ الذي استعملوه؟ يعني لفظ الحقيقة لو أنك أحببت الله حق المحبة أو حقيقة الحب ستحب كل مراد له، فيقولون إن كل ما في كونه مراد لله، حتى الكفر والفسوق والعصيان والفواحش والمنكرات والزنا والسرقة، كل هذا شاءه الله واراده وخلقه إذا يجب أن تحبه، واضح؟
فابن تيمية يبين أن هذا نوع من الضلال في المحبة قال: ولا يمكن أحداً أن يحب كل موجود. قلنا يا شباب إن كلمة يمكن غالباً يأتي بعدها المفعول به ويكون الفاعل ما بعده، يعني أن مع الفعل هي الفاعل، يعني أن يحب يعني محبة، يعني معنى الكلام لا يمكن أحداً محبة كل موجود، واضح طيب بل يحب ما يلائمه وينفعه ويبغض ما ينافيه ويضره.
ولكن استفادوا بهذا الضلال، يعني ابن تيمية يريد هنا يا شباب أن هؤلاء في الأساس كذابون، لأنه لا يمكن أحداً أن يحب كل موجود، مش ممكن واضح؟ أي إنسان يحب ما ينفعه ويلائمه ويكره ما يضره. يقول ابن تيمية يا شباب ولكن استفادوا بهذا الضلال اتباع أهوائهم، هم يحبون ما يهوونه كالصور والرئاسة وفضول المال والبدع المضلة زاعمين أن هذا من محبة الله، هنا انتهت الجملة يا شباب.
هنا ابن تيمية سيتكلم سينشأ فيقول: ومن محبة الله بغض ما يبغضه الله ورسوله وجهاد أهله بالنفس والمال. ابن تيمية يقول: هؤلاء الذين قصروا وتركوا أمر الله وتركوا الاستقامة على شريعته، وتركوا أجل شعب الإيمان التي هي من برهان محبته وهي الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم يدعي هؤلاء أنهم هم الذين حققوا المحبة وحدهم! فهذا ضلال.
قال ابن تيمية: وأصل ضلالهم أن هذا القائل الذي قال: إن المحبة نار تحرق ما سوى مراد المحبوب، قصد بمراد الله الإرادة الكونية في كل الموجودات. ابن تيمية هنا يا شباب سيذكر أصل الخطأ، وسبق أن ذكرنا أن النسق العلمي عند دراسة أي مسألة هو تحرير محل النزاع، اللي هو يعني تحرير صورة المسألة بفصل المسألة عما يشابهها من المسائل، ثانيا جمع الأقوال بمعرفة الأدلة ومعرفة وجه الاستدلال، بعد ذلك الوصول إلى نتيجة، ثم دفع ما يعترض به على تلك النتيجة.
ثم رد المقالات الخطأ، في رد المقالات الخطأ تحتاج أن تعرف المقالة وأن تعرف صحة نسبة المقالة إلى قائلها، وأن تعرف مراد القائل من قوله، وأن تعرف أدلته، وأن تعرف الأصل الذي بنى عليه قوله، فإن الذي يريد أن يرد مقالة دون أن يعرف الأصل الذي بنيت عليه فإنه يخفق في ردها. عارفين يا شباب في حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل خالد بن الوليد يقتل العزى، خالد بن الوليد ذهب فقتل كم واحد من السدنة، اللي هم الناس النصابين اللي بيسترزقوا من الساحرات ومن الكهنة، فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لم تصنع شيئاً»، أنت ما عملتش حاجة لأن أس الفساد موجود، واضح يا شباب؟
فلما قتل العزى قال له تمام كده، أنت كده أنت خلصت. نفس الموضوع يا شباب موجود في نقد المقالات، إذا لم تعرف ما الذي أسست عليه مقالة الإرجاء، وما الذي أسست عليه مقالة الوعيدية، وما الذي أسست عليه مقالة التعطيل، وما الذي أسست عليه مقالة شهود القدر، وما الذي أسست العلمانية، فإنك لا يمكن أن تتصورها فضلاً عن أن تردها وأن تنقضها أصلها.
غاية ما تفعله أنك ربما تزيد صاحبها تمسكاً بها لظهور ضعفك في الجواب عنها، واضح يا شباب؟ طيب، ابن تيمية سيبين أصل ذلك قال: وأصل ضلالهم أن هذا القائل الذي قال: إن المحبة نار تحرق ما سوى مراد المحبوب، قصد بمراد الله تعالى الإرادة الكونية في كل الموجودات.
أما لو قال مؤمن بالله ورسوله وكتبه ورسوله هذه المقالة، فإنه يقصد الإرادة الدينية الشرعية التي هي بمعنى محبته ورضاه، فكأنه قال تحرق من القلب ما سوى المحبوب لله، وهذا معنى صحيح.
هذا يا شباب فيه فائدة مهمة جداً في النظر إلى المقالة، وفي بيان معناها، وفي الرد عليها: واحد، معرفة الأصل الذي بنيت عليه المقالة. هذه المقالة يا شباب، اللي هي إن المحبة نار تحرق ما سوى مراد المحبوب، هي مقالة لم تأتي في الوحي، هي محدثة، كذلك هي مجملة، واضح؟ لا ترد مطلقاً ولا تقبل مطلقاً حتى نستفسر عن مراد المتكلم.
فابن تيمية يقول: إن الذين أنشأوا تلك المقالة أرادوا بها أن الذي يحب الله يجب أن يحب كل ما شاءه الله وأراده، ويقصدون ما أراده الله كونا وقدره، وهذا كذب طبعاً، لأن الله سبحانه هو الذي خلق ذلك وهو الذي يبغض شيئاً منه، وخلق الشر ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: 1-2]، وكذلك الله سبحانه وتعالى خلق الكفر والفسوق والعصيان وهو يبغضه ولا يرضاه، لا يرضى لعباده الكفر وكرهه إلينا، فكيف أنا أحب ما لا يحبه الله؟ فجهل هؤلاء أنهم ظنوا التلازم بين الإرادة والمحبة.
ثم قال ابن تيمية: ومع ذلك هذه الجملة يمكن أن يكون لها معنى صحيح، لكن يجب أن تفهم في سياق المتكلم بها، فإن قالها المؤمن فإنه يريد بها الإرادة الشرعية، يعني الشرع، فإن الذي يحبه الله يحب ما شرعه الله.
إذاً تلك العبارة يا شباب المجملة المحدثة لا نردها مطلقاً ولا نقبلها مطلقاً، وإن كان الأولى ألا تشاع تلك المقالات في الناس، وإنما يحدثون بمحكمات الشريعة، بالآيات التي جاءت بالوحي، واضح؟ لا يحدثون بهذه الجمل التي فيها حق وباطل وفيها التباس.
ولماذا أساساً تنشر هذه الجمل في الناس؟ لماذا تنشر هذه المقالات التي جاءت عن عباد لا يوحى إليهم وفي كلامهم لبس كثير وإعراض عن الوحي واجتهاد؟ لماذا لا يشاع بين الناس ألفاظ القرآن والحديث؟ لماذا لا يشاع بين الناس مقولات النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم؟ لماذا لا يشاع بين الناس مقالات التأسيسية من الصحابة الكرام؟
مثل قول الصديق لعمر: الزم غرز النبي صلى الله عليه وسلم، ومثل قول عمر: نفر من قدر إلى قدر الله، ومثل قول عتبة بن غزوان: أعوذ بالله أن أكون عند نفسي عظيماً وعند الله حقيراً أو صغيراً.
مثل هذه المقالات يا شباب، كما كان يقول حذيفة: كان الناس يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أنا أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. تلك المقالات يا شباب خرجت ممن رضي الله عنهم وأرضاهم، ينبغي أن تشيع في الأمة، لا أن يصدر للناس في الخطب والدروس والكتب والمحاضرات والمنشورات مقولات لتابعين كثير منهم يعبر بألفاظ مبتدعة اتبع فيها رهبانية النصارى، أو ألفاظ مجملة أو ألفاظ معقدة تحتاج تعباً حتى تفك ألفاظها، لماذا؟ ﴿قُل إنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: 45]، ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45].
طيب، قال: فإن من تمام الحب لله ألا يحب إلا من يحبه الله، فإن أحببت ما لا يحب كانت المحبة ناقصة، وأما قضاؤه وقدره فهو يبغضه ويكرهه ويسخطه وينهى عنه. فإن لم أوافقه في بغضه وكراهيته وسخطه لم أكن محباً له، بل محباً لما يبغضه. هذا يا شباب تفسير، هذا تفسير للجمع بين الشرع والقدر.
الجمع بين الشرع والقدر يا شباب أن تعلم أن الله علم وكتب وشاء وخلق كل شيء، واضح يا شباب؟ ثم تتبع ذلك بميزان الشريعة، فتحب من ذلك القدر ومن تلك الأقدار ما يحبه الله، وتبغض ما يبغض الله.
وهو ده بالضبط يا شباب معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لما مات ولده إراهيم عليه السلام ماذا قال؟ قال: «إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا». ما معنى ذلك يا شباب؟ يقول أنا حزنت من ذلك، نعم حزن، لكنه حزن من الفعل، يعني من المفعول اللي هو القضاء، لكنه رضي فعل الله، فلا تلازم يا شباب بين الفعل والمفعول.
سألوا الله هو قدره، هذا نرضى به ونسلم في كل الأحوال، لكن المفعول هذا نتفاعل معه بحسبه، مثلاً إذا رأينا المسلمين هُزموا أو وجدنا رجلاً صالحاً قُتِل أو عُذِّب، فإننا نرضى بقدر الله، لكننا لا نرضى هذا الفعل اللي هو الظلم، ونرضى فعل الله لكن لا نرضى هذا المفعول، لأن الله سبحانه وتعالى نفسه لا يرضاه.
واضح يا شباب؟ وسيأتي إن شاء الله تفصيل لهذا الفرق الدقيق بين الفعل والمفعول، أن تنظر إلى فعل الله واضح، وأن تنظر إلى هذا المفعول، فعل الله الشر ليس إلى الله، إن الله عليم حكيم، لا يفعل فعلاً ولا يقضي قضاء ولا يشرع شرعاً إلا بعلم ولحكمة، ففعل الله كله خير، لكن هذا المفعول هو الذي يعامل بحسبه.
لماذا فعل الله كله خير يا شباب؟ لأنه إما أن يكون خيراً وإما أن يؤول إلى الخير، كما قال: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41]، وكما في حديث الإفك، الله سبحانه وتعالى قال: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [النور: 11]، إنما هو شر على الكفار، لكنه خير حتى في عائشة رضي الله عنها أنزلت براءتها قرآناً يتلى إلى يوم الدين، وصار الطاعن في عرضها كافراً بالإجماع لمخالفة كلام الله، واضح يا شباب؟ سيأتي تفصيل لهذا الكلام إن شاء الله.
مخالفة اتباع هذه الشريعة والقيام بالجهاد بها من أعظم الفروق بين أهل محبة الله وأوليائه الذين يحبهم ويحبونه، ومن يدعي محبة الله ناظراً إلى عموم ربوبيته أو متبعاً لبعض البدع المخالفة لشريعته، فإن دعوى هذه المحبة لله من جنس دعوى اليهود والنصارى المحبة لله، بل قد تكون دعوى هؤلاء شرا من دعوى اليهود والنصارى لما فيه من النفاق الذي هم به في الدرك الأسفل من النار، كما قد تكون دعوى والنصارى شرا من دعواهم إذا لم يصلوا إلى مثل كفرهم.
هذا يا شباب من أخص مقاصد الكتاب، وهو أن ابن تيمية يريد أن يقول إن المحبين لله حقاً المؤمنين بالله حقاً هم الذين يحبون ما يحبه الله، ومن أجل ذلك القيام بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتلك الشعب كانت في هؤلاء المدعين أضعف ما يكون.
وابن تيمية يقول في بعض المواضع: بل إن كثيراً من عامة الناس البسطاء الذين ليسوا منسوبين إلى علم ولا عبادة ولا فقه، فيهم من الإصلاح والأمر بالمعروف والغيرة على محارم الله أكثر من أولئك المشايخ الذين كانوا يدعون محبة الله تبارك وتعالى، وهم أبعد الناس عن القيام بحقوق ذلك من الاستقامة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودفع الظلم ونصرة المستضعفين والجهاد في سبيل الله، بل يخذلون الناس عن ذلك.
ولو في التوراة والإنجيل من الترغيب في محبة الله ما هم متفقون عليه، حتى إن ذلك عندهم أعظم وصايا الناموس. وفي الإنجيل، يقصد بالناموس يعني جبريل أو الرسل الذين ينزلون على الأنبياء، ويعني لعله يخص بالذكر جبريل عليه السلام كما جاء في ورقة بن نوفل أنه لا يأتيه الناموس الأكبر الذي نزل على موسى، وهو جبريل عليه السلام.
قال: وصايا الناموس، وفي الإنجيل أعظم وصايا المسيح أن تحب الله بكل قلبك وعقلك ونفسك. والنصارى يدعون قيامهم بهذه المحبة، وإنما هم فيه من الزهد والعبادة هو من ذلك وهم برءاء من محبة الله إذ لم يتبعوا ما أحبه، بل اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم، والله يبغض الكافرين ويمقتهم ويلعنهم.
قال دي قاعدة يا شباب، الفقرة التي ستأتي هذه قاعدة أيضاً، وهو سبحانه يحب من يحبه، لا يمكن أن يكون العبد محباً لله والله تعالى غير محب له. الله، شفتم يا شباب الكلمة دي؟ هذا هو الذي كنت أريد أن أتبينه في الفقرة الأولى: لا يمكن أن يكون العبد يبذل شيئاً لله إلا والله سبحانه وتعالى يبذل له بقدر بذله، بل الله سبحانه وتعالى أكرم، لئن تقرب تقرب عبدي إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، إلى آخر ذلك الحديث، وهو بيقول لو كان حب الانسان صادقاً لابد أن الله بقدر ذلك، بل بقدر محبة العبد لربه يكون حب الله له وإن كان جزاء الله لعبده أعظم.
شف يا سلام، كما في الحديث الصحيح الإلهي عن الله تبارك وتعالى أنه قال: «من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعاً».
طبعاً، تقربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة. ليؤكد الشباب أن الإنسان إذا قام في نفسه معنى من معاني العبودية، لابد أن يجد لذلك ثمرة؛ لأن الله شكور، الله شكور يا شباب. إذا مثلاً الإنسان شعر في نفسه بحب لله، أو تعلق، أو فقر إلى الله، أو حاجة إلى الله؛ لابد أن يجد مع ذلك في نفسه، فالله سبحانه وتعالى شكور. لا يمكن أن يبذل العبد له شيئاً، والله سبحانه وتعالى يعني لا يعطيه من هذا الشيء الأكرم. وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أنه يحب المتقين والمحسنين والصابرين، ويحب التوابين ويحب المتطهرين، بل هو يحب من فعل ما أمر به من واجب ومستحب؛ كما في الحديث الصحيح: «لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به» الحديث.
قال: وكثير من المخطئين الذين ابتدعوا أشياء في الزهد والعبادة، وقعوا في بعض ما وقع فيه النصارى من دعوى المحبة لله مع مخالفة شريعته، وترك المجاهدة في سبيله ونحو ذلك. ويتمسكون في الدين الذي يتقربون به إلى الله بنحو ما تمسك به النصارى من الكلام المتشابه، والحكايات التي لا يعرف صدق قائلها، ولو صدقت لم يكن قائلها معصوماً، فيجعلون متبوعيهم شارعين لهم ديناً؛ كما جعل النصارى قسيسيهم ورهبانهم شارعين لهم ديناً. هو يقول هنا نفس الفكرة يا شباب، أن كل من ادعى المحبة لله لابد أن يعرف ما الذي يحبه الله، ثم يجاهد نفسه على ذلك، فإن جهل ما يحبه الله أو عرفه ولم يجاهد نفسه، فتنقص محبته بقدر ذلك.
هذا نحن تكلمنا عنه كثيراً، لكن هنا فيها فائدة يا شباب، وهو بيان الصلة بين جهلة العباد وبين جهلة العباد من النصارى، يعني جهلة العباد في الإسلام، وجهلة العباد من النصارى. وهذا يمكن يا شباب لو الإنسان اطلع على شيء من تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، ووجد ما كان يفعله الرهبان، ثم قرأ ما وجد عن متعبدة أو جهلة المتعبدة، سيعرف اتصالاً. وبعض الباحثين القريبين، وهو إحسان الهي ظهير رحمه الله، له كتاب جيد اسمه الصوفية المنشأ والمصادر، حاول فيه أن يبين وجه الشبه بين كلام العباد وأفعال العباد من المسلمين -الذين هم طبعا الذي كان فيهم تصوف- وبين المقالات التي انتشرت أو الأفعال التي انتشرت عن رهبان النصارى.
قال: ثم إنهم ينتقصون العبودية ويدعون أن الخاصة يتعدونها، كما يدعي النصارى في المسيح والقسيس، ويثبتون لخاصة من المشاركة في الله من جنس ما تثبته النصارى في المسيح وأمه والقسيسين والرهبان، إلى أنواع أخرى يطول شرحها في هذا الموضع. هو يقول: يعني هم مع كونهم جهلة بما يحبه الله، ضعفاء في الاستقامة على أمر الله، يعني بيقول بعض الشباب: هناك بعض العباد لما مات ابنه صار يضحك، واضح؟ لا، هو يريد أن يضحك ليظهر فرحه! زي بعض الناس الذي أُدخلت عليه امرأة فصار يضحك، يعني امرأة تريد أن يبغي بها فيضحك، ويقولون: إن هذا أكمل من يوسف! واضح؟ وهذا جهل؛ لأن يوسف عليه السلام جمع بين كمال الرجولة وبين الخوف من الله، واضح؟ فهرب منها، وثم تضرع إلى ربه فقال: ﴿إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجاهِلِينَ﴾ [يوسف: 33]. فهذا هو الكمال، أن تكون قادراً ثم تتركه لوجه الله.
رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، واضح؟ إنما الشخص الذي يدخلون عليه امرأة ثم يبكي أو يضحك، أو هذا ليس رجلاً أساساً، واضح؟ وكذلك الشخص الذي مات ابنه فضحك، هذا ضاع من قلبه مقام الرحمة. لكن النبي صلى الله عليه وسلم اجتمع في قلبه الرحمة والرضا. طيب، هنا ابن تيمية يريد أن يبين أن هؤلاء العباد الذين قصروا في معرفة ما يحبه الله أو لم يتبعوا ما يحبه الله، جمعوا مع ذلك بدعة أخرى، وهي ظنهم انتقاص مقام العبودية.
يعني قالوا: إن الناس المساكين اللي بيصلوا وبيصوموا وبيزكوا وبيجتنبوا الفواحش، دول ناس هبل، ليه؟ لأنهم فرقوا بينما جمع الله بينهم، فرقوا بين الإيمان والكفر والفسوق والطاعة، لا، الكل مخلوق لله، لذلك هم ناقصون لكونهم في المقام الأول، أما نحن فوصلنا إلى مقام اليقين الذي عرفنا به أن الكل مخلوق لله، بل ما ثم موجود إلا الله، فنحن أكمل! إلى غير ذلك من المقولات التي تصل إلى الكفر. نقرأ بقى يا شباب الشوية اللي جايين دول بسرعة، يعني خلاص احنا قربنا نخلص، يعني معلش انتم لازم تصبروا معي اليوم. احنا ان شاء الله لازم نخلص.
قال: بعض الطالبات كتبت: الكمال الصبر عند الصدمة الأولى مع ما يناسبه من مشاعر. نعم، ندخل في الفقرة اللي بعدها يا شباب: وإنما دين الحق وتحقيق العبودية لله بكل وجه، وهو تحقيق محبة الله بكل درجة، وبقدر تكميل العبودية تكمن محبة العبد لربه، وتكمل محبة الرب لعبده، وبقدر نقص هذا يكون نقص هذا. وكلما كان في القلب حب لغير الله كانت فيه عبودية لغير الله بحسب ذلك، وكلما كان في عبودية لغير الله كان فيه حب لغير الله بحسب ذلك.
قال: وكل محبة لا تكون لله فهي باطلة، وكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل. هي طبعا دي قاعدة يا شباب. ثم ذكر حديثاً، وهو في الدنيا ملعونة، هو لم يذكره كحديث شباب، وده مهم؛ لأن الحديث ده ضعيف، يعني الحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان حسنه بعض أهل العلم. قال: في الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله، ولا يكون لله إلا ما أحبه الله ورسوله، وهو المشروع.
فكل عمل أريد به غير الله لم يكن لله، وكل عمل لا يوافق شرع الله لم يكن لله، بل لا يكون لله إلا ما جمع الوصفين: أن يكون لله، وأن يكون موافقاً لمحبة الله ورسوله، وهو الواجب والمستحب. كما قال: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. لابد من العمل الصالح وهو الواجب والمستحب، ولابد أن يكون خالصاً لوجه الله؛ كما قال تعالى: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 112].
لاحظ أن ابن تيمية لا يذكر قاعدة يا شباب إلا ويستدل لها من الآيات والأحاديث وما كان عليه الصحابة الكرام. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه». وهذا الأصل هو أصل الدين، وبحسب تحقيقه يكون تحقيق الدين، وبه أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، واليه دعا الرسول، وعليه جاهد، وبه أمر، وفيه رغب، وهو قطب الدين الذي تدور عليه رحاه.
لاحظ أنه لا يتكلم فقط عن كون النبي الكريم صلى الله عليه وسلم دعا إليه، وإنما ركز: ماذا قال؟ وعليه جاهد، وبه أمر، وفيه رغب، وهو قطب الدين الذي تدور عليه رحاه، غالب على النفوس، وهو ما جاء في الحديث: وهو في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل. الحديث ده طبعا الطرق فيها ضعف كثير، وبعض الناس أيضا يمشي حاله، يعني يقويه بمجموع الطرق، واضح، لكن أن تقول إن الشرك في الأمة، يعني أن تقول إن الشرك فيه خفاء ممكن، لكن أن تثبت كل ما جاء في هذا الحديث، ففي رأيي هذا يحتاج إلى تحقيق أكثر.
وفي حديث آخر قال أبو بكر: يا رسول الله، كيف ننجو منه وهو أخفى من دبيب النمل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «أعلمك كلمة إذا قلتَها نجوتَ من دقه وجله: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، واستغفرك لما لا أعلم». وكان عمر يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً. وكثيراً ما يخالط النفوس من الشهوات الخفية ما يفسد عليها تحقيق محبتها لله، وعبوديتها له، وإخلاص دينها له.
كما قال شداد بن أوس: يا بقايا العرب، إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية. وقيل لأبي داود السجستاني: ما الشهوة الخفية؟ قال: حب الرئاسة. وعن كعب بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه». يعني أن يكون العبد حريصاً على ماله وشرفه، يعني مكانته، فيبذل لها أكثر ما يبذل لدينه، أو يرضى بناء عليها ويسخط بناء على فقدها، فهذا يفسد دينه.
قال: فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحرص على المال والشرف في إفساد الدين لا ينقص عن إفساد الذئبين الجائعين لزريبة غنم، وذلك بين؛ فإن الدين السليم لا يكون فيه الحرص. وذلك أن القلب إذا ذاق حلاوة عبوديته لله ومحبته له، لم يكن شيء أحب إليه من ذلك حتى يقدمه عليه، وبذلك يصرف عن أهل الإخلص لله السوء والفحشاء. ينفع، ممن ينفع؟ أن الله يصرف أو أنه يصرف؟ يعني ينفع نقول: وبذلك يصرف عن أهل الإخلاص لله السوء والفحشاء، أو: ذلك يصرف الله عن أهل الإخلاص السوء والفحشاء. كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ [يوسف: 24]. دي برضو يا شباب من القواعد؛ لأن فائدتها أن القلب إذا ذاق حلاوة العبودية أحب، كان محبوب الله أحب إليه من كل ما سواه، يعني قدم حب الله على ما تهواه النفس.
فإذا فعل ذلك صرف الله عنه السوء والفحشاء. قال: فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه من عبوديته لغيره، ومن حلاوة محبته لله ما يمنعه عن محبة غيره؛ إذ ليس عند القلب السليم أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا أسر ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله، ومحبته له، وإخلاصه الدين له. وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله، فيصير القلب منيباً إلى الله خائفاً منه، راغباً وراهباً، راغباً راهبًا؛ كما قال تعالى: ﴿مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ [ق: 33].
يعني هو الشباب في مثال لذلك، أن يوسف عليه السلام قال: ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْه﴾ [يوسف: 33]، وفي قراءة السجن، يعني هذا يقابل الفاحشة بالسجن فقال: السجن أحب إلي مما يدعونني إليه؛ لأن في السجن، لأن المرأة قالت إن هو إما يسجن أو يفعل الفاحشة، فقال: لا، إذاً السجن أحب إلي مما يدعونني إليه. وهذا هو المعنى الذي يريده ابن تيمية هنا يا شباب، أن يتملك حب الله من قلبك، فيجعلك تقدم ما يحبه الله وما يرضاه على ما تهواه نفسك، وإن كان في ذلك هلاك، أو كان في ذلك فوات ما تهواه نفسك.
قال: إذ المحب يخاف من زوال مطلوبه أو حصول مرهوبه، فلا يكون عبد الله ومحبه إلا بين خوف ورجاء؛ كما قال تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: 57]. وقال: وإذا كان العبد مخلصاً لله اجتباه ربه فأحياء قلبه واجتذبه إليه، فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء، ويخاف من حصول ضد ذلك، بخلاف القلب الذي لم يخلص لله، فانه في طلب وإرادة وحب مطلق، يهوى كل ما يسنح له، يتشبث بما يهواه كالغصن، أي نسيم مر به عطفه وأماله، فتارة تجتذبه الصورة المحرمة وغير المحرمة، فيبقى أسيراً عبداً لمن لو اتخذه هو عبداً له لكان ذلك عيباً ونقصاً وذماً. يا سلام! يا سلام!
وتارة يعني يريد أن يقول: إن الإنسان ضعيف الحب لله، ضعيف الإيمان، أي حاجة تعرض له هيروح معها، واضح؟ إنما الإنسان الذي قلبه يحب الله وفيه قوة للإيمان، يكون صلباً عند مرور الفتنة يا شباب. عارفين في قصة قارون؟ في قصة قارون يا شباب لما خرج قارون على قومه في زينته، هذه فتنة، لكن قال الذين يريدون الحياة الدنيا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: 79]. إنما أهل العلم والأيمان يا شباب، كان هذا المرور كالهواء بالنسبة لهم، لم يشعروا به أساساً، أبصروا الفتنة وهي مقبلة فحذروهم، واضح؟ لذلك القوم الآخرون قالوا: لولا أن من الله علينا لخسف بنا. يعني ده احنا، ده احنا لو كنا أطعنا أهواءنا، ولكن لطف الله بنا! أما هؤلاء فأبصروا الفتنة وهي مقبلة.
فهذا الفرق بين المؤمن الذي يحب الله ويستقيم على أمره، فإن الله يزيد في بصيرته ويقويه في موضع الحاجة؛ كما حصل من يوسف، النسوة اجتمعن عليه، وقال مع ذلك: ﴿إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجاهِلِينَ﴾ [يوسف: 33]. فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن. لم يعطِ الله تبارك وتعالى له فقط بمجرد فقره إلى الله، وإنما بين أن الله استجاب له لأنه كان من المخلصين، وهذا أنه استقام، فعبادة الإنسان وطاعته وقت صحوته تنفعه وقت غفلته.
تارة يجتذبه الشرف والرئاسة، فترضيه الكلمة وتغضبه الكلمة، ويستعبده من يثني عليه ولو بالباطل، ويعادي من يذمه ولو بالحق. يا سلام! يا سلام! والله كل كلمة من هذه الكلمات ينبغي أن يضعها الإنسان أمام نفسه.
إن الإنسان قد يصير عبداً بنوع من العبودية لمن يثني عليه ولو بالباطل، يفرح هكذا ويبدأ يعني يسكت عن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ويسكت عن إ اصلاحه لكونه يمدحه، ويعادي من يذمه ولو بالحق، يعني لو شخص بين له ما فيه من الحق يكرهه.
ونحن طبعا نفوسنا الضعيفة مليئة بهذه المعاني، لذلك يحتاج الإنسان أن يبصر تلك المعاني وأن يغوص في نفسه حتى يعني يتحقق له أمران عظيمان: الأول ألا يغتر بنفسه وأن يعرف عيوبها، والثاني أن يسعى في يعني تنقيتها من هذه النقائص، وأن يسعى في تكميلها بما تحتاجه.
تارة يستعبده الدينار والدرهم وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوب والقلوب تهواها، فيتخذ إلهه هواه ويتبع هواه بغير هدى من الله. ومن لم يكن خالصاً لله، عبداً لله، قد صار قلبه معبداً لربه وحده لا شريك له بحيث يكون الله أحب إليه من كل ما سواه، ويكون ذليلاً له خاضعا -نعمل علامة يساوي- وإلا استعبدته الكائنات واستولت على قلبه الشياطين، وكان من أخوان الشياطين، وصار فيه من السوء والفحشاء ما لا يعلمه إلا الله.
وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه، القلب إن لم يكن حنيفاً مقبلا على الله معرضاً عما سواه كان مشركاً. قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 30-32].
وقد جعل الله سبحانه إراهيم وآل إراهيم أئمة لهؤلاء الحنفاء المخلصين، أهل محبة الله وعبادته وإخلاص الدين له، كما جعل فرعون وآل فرعون أئمة المشركين المتبعين أهواءهم. قال الله تعالى في إبراهيم: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 72-73].
وقال في فرعون وقومه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: 41-42].
ولهذا يصير اتباع فرعون أولاً إلى أنهم لا يميزون بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما قدره الله وقضاه -يقصد باتباع فرعون من يا شباب؟ الذين يشهدون القدر، الذين يدعون أن شهود القدر هو أن تحب كل ما خلقه الله، إن كان الكفر والفسوق والعصيان- فبيقول: ولهذا يصير اتباع فرعون -يقصد الضلال من هؤلاء الذين ذكرهم- ولهذا يصير اتباع فرعون أولاً إلى أنهم لا يميزون بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما قدره الله وقضاه، وذكرنا الفرق بين الشرع والقدر.
بل ينظرون إلى المشيئة المطلقة الشاملة، ثم في آخر الأمر لا يميزون بين الخالق والمخلوق، بل يجعلون وجود هذا وجود هذا، اللي هي وحدة الوجود يا شباب، أن هم يعني يجعلون وجود الله هو وجود المخلوق.
قال: ويقول محققوهم: الشريعة فيها طاعة ومعصية، والحقيقة فيها معصية بلا طاعة، والتحقيق ليس فيه طاعة ولا معصية. يقصد محققون يعني إيه يا شباب؟ لا يقصد أنهم محققون يعني أنهم من أهل العلم حقاً، يقصد يعني يقول: إن الضالعين في الضلال الواضح، ليس التحقيق هنا بمعنى أنهم حققوا الأمر يعني أحسنوا فيه، لأ، هذا ضلال، يعني يقول يعني إيه؟ أضلهم يعني -عقب ابن تيمية فقال: يعني عندنا هنا ثلاث مراتب يا شباب.
قالوا: الشريعة فيها طاعة ومعصية، الناس اللي بتنظر إلى الشريعة لأن فيها طاعة ومعصية دول اللي هم المساكين، يعني الناس اللي زي حالتنا، إنما الحقيقة بقى هو يرى أن الحقيقة فيها معصية بلا طاعة. والتحقيق ليس فيه طاعة ولا معصية، يعني يريد أن يقول إن لكونه محققاً يجد أنه لا فرق بين الطاعة والمعصية لأن الكل لله، واضح يا شباب؟
قال: وهذا التحقيق هو مذهب فرعون وقومه الذين أنكروا الخالق، وأنكروا تكليمه لعبده موسى، وما أرسله به من الأمر والنهي.
وأما إبراهيم وآل إراهيم الحنفاء من الأنبياء والمؤمنين، فهم يعلمون أنه لا بد من الفرق بين الخالق والمخلوق، ده رقم واحد. ولابد من الفرق بين الطاعة والمعصية، وأن العبد كلما ازداد تحقيقاً لهذا الفرق علماً وعملاً يا شباب علماً وعملاً، وموالاة لأهله، ازدادت محبته لله وعبوديته له وطاعته له، وإعراضه عن عبادة غيره ومحبة غيره وطاعة غيره.
هنا ابن تيمية سيدخل في آخر فصل يا شباب، خلاص احنا خلصنا الحمد لله، باقي فصل صغير جداً يتكلم فيه عن مسألة الفناء، وهي مسألة لا تحتاج شرحاً؛ لأن الفناء لفظ محدث يستعمله الصوفية في بعض المعاني التي يقبلها الشرع وهي صحيحة، لكن أكثر المعاني فيها باطلة. وكذلك لفظ الفناء لفظ مبتدع، وإنما يعبر عنه بلفظ الإلاص أو الصدق أو المحبة أو نحو ذلك.
لذلك نقرأه سريعا يا شباب قال: وهؤلاء المشركون الضالون يسوون بين الله وخلقه، والخليل يقول: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 75-77]. ويتمسكون بالمتشابه من كلام المشايخ كما فعلت النصارى. المشايخ هنا يقصد به مشايخ العباد، اللي هم المشايخ الكبار، واضح؟
فيقول: إن هؤلاء المتأخرين الذين ضلوا في هذا الباب تمسكوا ببعض المتشابه من كلام المشايخ، واضح؟ وكان أولى لهم أن يتمسكوا بالمحكم من الوحي.
قال: مثال ذلك، سيضرب أمثلة للألفاظ التي تمسكوا بها وهي تحتمل حقاً وباطلاً ولا ينبغي أن تستعمل. قال: مثال ذلك اسم الفناء، فإن الفناء ثلاثة أنواع: نوع للكاملين من الأنبياء والأولياء، ونوع للقاصدين من الأولياء والصالحين، ونوع للملحدين المشبهين -يعني الذين يتبعون الشهوات والشبهات يا شباب-. طبعا ابن تيمية يا شباب لا يستعمل هذا اللفظ لكونه شرعياً، لكن فقط ابن تيمية يريد أن يأخذ من هذا اللفظ أن يعبأه معاني شرعية صحيحة حتى يكون سبباً في هدايتهم، يعني لا يريد أن ينقض عليهم الفكرة من أصلها، وإنما ينقح الفكرة ويزيل ما فيها من شر ويبقي ما فيها من خير، ثم لا يعبر إلا باللفظ الشرعي.
قال: فأما الأول فهو الفناء عن إرادة ما سوى الله بحيث لا يحب إلا الله ولا يعبد إلا إياه ولا يتوكل إلا عليه ولا يطلب من غيره، وهو المعنى الذي يجب أن يقصد بقول الشيخ أبي يزيد حيث قال: أريد ألا أريد إلا ما يريد، أي المراد المحبوب المرضي، وهو المراد بالارادة الدينية وكمال العبد. ابن تيمية هنا يا شباب ينقل عن كلام أئمتهم، ويحاول أن يفهمه على أحسن وجه، ويريد أن يقول ليس من الصحيح أن نفهمه على غير ما أراد، يحاول ابن تيمية أن يستخرج منه المعنى الصحيح أنه يريد أن تكون إرادته تابعة للإرادة الشرعية لله، وليس على هؤلاء الذين كورونا الإرادة الكونية.
قال: وكمال العبد ألا يريد ولا يحب ولا يرضى إلا ما أراده الله ورضيه وأحبه، وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب، ولا يحب إلا ما يحبه الله كالملائكة والأنبياء والصالحين، وهذا معنى قولهم في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 89]. قال: هو السليم مما سوى الله، يعني هو الذي يتبع ما يرضي الله، أو مما سوى عبادة الله، أو مما سوى إرادة الله، أو مما سوى محبة الله، فالمعنى واحد. وهذا المعنى إن سمي فناء أو لم يسمَّ هو أول الإسلام وآخره وباطن الدين وظاهره.
شوفوا يا شباب ابن تيمية رحمه الله كما قلت لكم، إذا نظر إلى مقالة فإنما ينظر إلى ثلاثة أمور: إلى اللفظ، وإلى المعنى، وإلى القصد الذي هو الإرادة. هنا هو يقول إن هذه المعاني هذه الألفاظ وإن كانت غير شرعية لكن يمكن أن يستدل بها على معاني شرعية وقصد بها بعض من نطق بها معاني شرعية، ومع ذلك لا نعبر إلا بالألفاظ الشرعية عن المعاني الشرعية. لكنه يقول هنا فائدة: لا يصح أن تنكر المعاني الصحيحة بحجة أنها عبر عنها بألفاظ غير صحيحة أو غير مناسبة، لأ، اقبل المعنى بأي لفظ كان ثم بين خطأ اللفظ.
قال: وأما النوع الثاني فهو الفناء عن شهود السوى، وهذا يحصل لكثير من السالكين؛ فإنهم لفرط جذاب قلوبهم إلى ذكر الله وعبادته ومحبته، وضعف قلوبهم عن أن تشهد غير تعبد وترى غير ما تقصد، لا يخطر بقلوبهم غير الله، بل ولا يشعرون، كما قيل في قوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ۖ إِن كَادَت لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص: 10]. قالوا: فارغاً من كل شيء إلا من ذكر موسى.
وهذا كثيراً ما يعرض لمن داهمه أمر من الأمور، إما حب وإما خوف وإما رجاء، قلبه منصرف عن كل شيء إلا عما قد أحبه أو خافه أو طلبه، بحيث يكون عند استغراقه في ذلك لا يشعر بغيره.
ابن تيمية يا شباب يقول: هذا قد يطرأ على الإنسان، يحصل له فرحة بشيء لا يرى غيرها، يحصل عنده هم لا يرى غيره، يحب شخصاً لا يرى غيره، لا يمكن أن يحصل. لكن ابن تيمية رحمه الله سيبين أن هذا من النقص وهو مقام عارض، واضح؟
لذلك قال: فاذا قوي على صاحب الفناء هذا، فإنه يغيب بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته، حتى يفنى من لم يكن وهو المخلوقات المعبدة ممن سواه، ويبقى من لم يزل وهو الرب تعالى. المراد فناؤها في شهود العبد وذكره وثناؤه عن أن يدركها أو يشهدها. إذا قوي هذا، ضعف المحب حتى يضطرب في تمييزه، فقد يظن أنه هو محبوبه كما يذكر أن رجلاً ألقى نفسه في اليم، فألقى محبه نفسه خلفه، فقال: أنا وقعت فما أوقعك خلفي؟ قال: غبت بك عني فظننت أنك أنا. يعني ابن تيمية هنا يشرح وجهة هؤلاء في هذا المعنى أن تغيب عن شهود السوى، يعني لا ترى إلا الله، فقال: إن هذا يحصل لبعض الناس، لكن هذا يا شباب ليس من الكمال، هذا إنما يعذرون فيه لا يمدحون به ولا يتبعون عليه.
لذلك قال ابن تيمية: وهذا الموضع زل فيه أقوام وظنوا أنه اتحاد، وأن المحب يتحد بالمحبوب حتى لا يكون بينهما فرق في نفس وجودهما، وهذا غلط؛ إن الخالق لا يتحد به شيء أصلاً، بل لا يمكن أن يتحد شيء بشيء إلا إذا استحال وفسدت حقيقة كل منهما وحصل من أمر ثالث -لا هو هذا ولا هذا- كما إذا اتحد الماء واللبن والماء والخمر ونحو ذلك. ولكن يتحد المراد والمحبوب والمراد والمكروه، ويتفقان في نوع الإرادة والكراهة، فيحب هذا ما يحب هذا، ويبغض هذا ما يبغض هذا، ويرضى ما يرضى، ويسخط ما يسخط، يكره ويوالي من يوالي ويعادي.
قال: وهذا الفناء كله نقص.
في حد بيقول: إن هو تاه -معاذ- تاهت ليه يا معاذ؟ أنا ماسك إيديك يا ابني، إيه اللي توهك؟ ما هو احنا ماشيين زي الفل اهو. الرجل يتكلم عن أقوام ادعوا محبة الله، واضح؟ لكنهم لم يعتنوا بالعلم بما يحبه الله أو قصروا في اتباع ما علموا أن الله يحبه، خلاص كده؟
يحبه بعد ذلك قال: إن هؤلاء من جملة ضلالهم أنهم ابتدعوا أموراً في الدين من ضمنها الفناء، في حاجة اسمها الفناء عندهم، والفناء ده تلات أنواع، وذكر ابن تيمية أن الفناء الفناء عن إرادة السوى. واضح؟ يعني الإخلاص لله، وأن يكون الله أحب إليك مما سواه. ابن تيمية هنا لا يذكر أن هذا اللفظ مشروع، وإنما يقول: هم يريدون به أحياناً معنى مشروعاً. ثم ذكر المعنى الثاني وهو الفناء عن شهود السوى، يعني أنك لا ترى في الدنيا إلا الله حتى غلا بعضهم فقال: أن تتحد بالله، وكل هذا ضلال وباطيل ويصل إلى الكفر، بس موضوع بسيط خالص.
قال: وهذا الفناء كله نقص. لاحظوا يا شباب أن ابن تيمية قبل أن يعقب على هذا الفناء بأنه نقص شرح الفناء بأقسامه عندهم، ده يا شباب هو الطريق الصحيح أن تشرح المقالة قبل نقدها.
يغيب بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، يعني لكونه مثلا يحبه الله، فهذا الحب ينسيه وجود نفسه وينسيه كل من حوله. واضح؟ يعني مش عارف أقول لك إي يا حبيبي، كان في أغنية الست بتقول يعني إيه مش فاكر والله، يعني بتقول إن أنا أنت وأنت قدامي ما بشوفش حاجة غيرك، يعني هو ده المعنى ببساطة أو حاولت أجيبه لك بلهجة بسيطة، يعني عايز يقول إن هو يغيب عن كل الواقع ولا يرى إلا محبوبه، واضح؟
قال: وأكابر الأولياء.. ابن تيمية هنا يا شباب سينقض قول المتأخرين في مسألة الفناء عن شهود السوى. طيب، أنت فهمت دلوقت يا معاذ اللي هو يغيب بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده؟ يعني هو شاهد الله كأنه شاهد الله وشاهد وجود الله، واضح؟ فغاب بذلك عمن حوله فكأنه لم يشعر بوجود أي أحد، ويغلو بعضهم حتى أنه لا يرى نفسه أو يرى نفسه اتحد بالله -جل الله عما يقولون-. واضح؟
ابن تيمية يا شباب هنا سينقض هذا النوع من الفناء.
ليس فقط من الوحي وإنما سينقضه من كلام أكابر هؤلاء الذين هم مرضيون عند أولئك المتأخرين، واضح؟
قال: وأكابر الأولياء كأبي بكر وعمر والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يقعوا في هذا الفناء، فضلا عمن هو فوقهم من الأنبياء، وإنما وقع شيء من هذا بعض الصحابة، واضح؟
يعني ابن تيمية يريد أن يقول: إن هذا لم يكن عند الصحابة الأوائل الذين رضي الله عنهم وأرضاهم وأثنى على إيمانهم، فلا يمكن أن يكون هذا مقام فضل، وإنما غايته أن يكون مقام عذر يعذر فيه هؤلاء ولا على ذلك.
وإنما وقع شيء من هذا بعد الصحابة، وكذلك كل ما كان من هذا النمط مما فيه غيبة العقل وعدم التمييز لما يرد على القلب من الأحوال؛ فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أكمل وأقوى عقولا وأثبت في الأحوال الإيمانية من أن تغيب عقولهم أو يحصل لهم غش أو صعق أو سكر أو فناء أو وله أو جنون.
كل هذا ابن تيمية سيرده حينما يتكلم عن التصوف كثيرا، قال: وإنما كان مبادئ هذه الأمور من التابعين من عباد البصرة؛ فانه كان فيهم من يغشى عليه إذا سمع القرآن، ومنهم من يموت كأبي جهير الضرير، أو ابن أوفى قاضي البصرة، وكذلك صار في شيوخ الصوفية من يعرض له من الفناء والسكر ما يضعف معه تمييزه حتى يقول في تلك الحال من الأقوال ما إذا صح عرف أنه غالط فيما فيه، كما يحكى نحو ذلك عن مثل أبي يزيد وأبي الحسين النوري وأبي بكر الشبلي وأمثالهم.
بخلاف -ركز بقى- بخلاف أبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي والفضيل بن عياض، بل وبخلاف الجنيد وأمثاله.
يعني شوفوا ابن تيمية يجعل هناك طبقات، يجعل المنسوبين إلى العباد أو الذين نسبوا إلى التصوف درجات، واضح؟
فذكر مثلا الطبقة الملحدة أو الطبقة التي كان فيها ضلال كبير كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض والتلمساني، واضح؟
وذكر مثلا طبقة من الذين تأثروا بالكلام كالغزالي وكالقشيري، ثم ذكر طبقة قبلهم، هذه الطبقة يمكن أن يظهر فيها بعض البدع، لكنهم مثل مثلا أبي يزيد البسطامي وأبي الحسين النوري وأبي بكر الشبلي.
لكنه ذكر طبقة عليا من هؤلاء: أبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي والفضيل بن عياض، ثم ذكر أعلاهم وهو الجنيد.
وابن تيمية كثيرا ما يجعله أعلى هؤلاء، طبعا بالنسبة لهؤلاء طبعا أعلى منه الصحابة وغيره من التابعين، قال: وأمثاله ممن كانت عقولهم وتمييزهم يصحبهم في أحوالهم، هؤلاء زعموا أن من كمال العبادة أن يذهب العقل أو يذهب التمييز، وهو من ضعف العبادة ومن الجهل كذلك.
قال: فلا يقعون في مثل هذا الفناء والسكر ونحوه، بل الكمل من المؤمنين الذين لا يهتدون إلا بهدي الكتاب والسنة لا يكون في قلوبهم سوى محبة الله وإرادته وعبادته؛ لأن عندهم من سعة العلم والتمييز ما يشهدون به الأمور على ما هي عليه، بل يشهدون المخلوقات قائمة بأمر الله، طبعا الشباب ده المقطع اللي فات فيه فائدة في الاستدلال، وهو أن ابن تيمية مما يرد به على الفرق أن يأتي بكلام أمثلهم أقربهم إلى السنة فيحتج بصوابه على هؤلاء المتأخرين الذين خالفوه.
قال: بل يشهدون المخلوقات قائمة بأمر الله مدبرة بمشيئة الله بل مستجيبة له قانتة له، فيكون لهم فيها تبصرة وذكرى، ويكون ما يشهدون من ذلك مؤيدا وممدا لما في قلوبهم من إخلص الدين وتجديد التوحيد له والعبادة له وحده لا شريك له.
وهذه هي الحقيقة التي دعا إليها القرآن، قام بها أهل تحقيق الإيمان والكمل من أهل العرفان، ونبينا صلى الله عليه وسلم إمام هؤلاء وأكملهم.
ولهذا لما عرج به إلى السماوات وعاين ما هنالك من الآيات وأوحي إليه ما أوحي من أنواع المناجاة، أصبح فيهم وهو لم يتغير حاله، الله! شف يعني الإام ابن تيمية يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم وصل إلى مقام عظيم، ومع ذلك لم يحصل له ما حصل لهؤلاء الذين ادعوا ذلك.
أنا حاسس أن الناس طولنا جدا جدا على الناس، مش عارف بقى نكمل يا شباب؟
يعني إن شاء الله بصوا عشر دقائق، عشر دقائق لو الناس لسه صاحيين معنا أو لسه فيهم حياة أو فيهم نبض، يعني يدونا حس كده، قال: وهذه تماما.
قال: ولا ظهر عليه ذلك، بخلاف ما كان يظهر على موسى من التغشي في الحديث المشهور صلى الله عليه وسلم.
طبعا هو الإمام ابن تيمية هنا لا ينتقص موسى عليه السلام حاشا لله، وإنما يبين حال النبي صلى الله عليه وسلم من حيث الكمال، طيب تمام.
قال: وأما النوع الثالث -النوع الثالث من الفناء مما قد يسمى فناء- فهو أن يشهد أن لا موجود إلا الله، وأن وجود الخالق هو وجود المخلوق فلا فرق بين الرب والعبد، فهذا فناء أهل الضلال والإلحاد الواقعين في الحلول والاتحاد.
قال: والمشايخ المستقيمون إذا قال أحدهم: ما أرى غير الله، أو لا أنظر إلى غير الله، ونحو ذلك، فمرادهم بذلك: ما أرى ربا غيره، ولا خالقا غيره، ولا مدبرا غيره، ولا إلها غيره، ولا أنظر إلى غيره محبة له أو خوفا منه أو رجاء.
شوفوا ابن تيمية الشباب دي فائدة في حمل الكلام على أحسن وجه، هذا شاهد جميل جدا يا شباب! خالف مرادهم بذلك تماما، ولا أنظر إلى غير محبته له أو خوفا منه أو رجاء له؛ فإن العين تنظر إلى ما يتعلق به القلب، من أحب شيئا أو رجاه أو خافه التفت إليه.
وإذا لم يكن في القلب محبة له ولا رجاء له ولا خوف منه ولا بغض له ولا غير ذلك من القلب لهم، لم يقصد القلب أن يلتفت إليه ولا أن ينظر إليه ولا أن يراه، وإن رآه اتفاقا رؤية مجردة كان كما لو رأى حائطا ونحوه مما ليس في قلبه تعلق به.
هو يحاول أن يحمل كلامهم على أحسن وجه، بعضهم طالما أرى غير الله يعني لا أرى غير الله إلها أو ربا، واضح؟
الآخرين كانوا يقولون ما أرى غير الله؛ يعني أن الله هو الوجود، ابن تيمية يقول: لا، المشايخ المستقيمون الذين صدرت عنهم تلك المقالات ينبغي أن تحمل على خير وجه.
قال: والمشايخ الصالحون رضي الله عنهم يذكرون شيئا من تجديد التوحيد وتحقيق إخلاص الدين كله، بحيث لا يكون العبد ملتفتا إلى غير الله ولا ناظرا إلى ما سواه، لا حبا له ولا خوفا منه ولا رجاء له.
بل يكون القلب فارغا من المخلوقات خاليا منها، لا ينظر إليها إلا بنور الله؛ فبالحق يسمع، وبالحق يبصر، وبالحق يبطش، وبالحق يمشي، فيحب منها ما يحبه الله، ويبغض منها ما يبغض الله، ويوالي منها ما والاه الله، ويعادي منها ما عاداه الله، وخاف الله ولا يخافها في الله، ويرجو الله فيها ولا يرجوها في الله، يا سلام!
فهذا هو القلب السليم الحنيف الموحد، المسلم المؤمن المحقق العارف بمعرفة الأنبياء والمرسلين وبحقيقة توحيدهم، فهذا النوع الثالث الذي هو الفناء في الموجود، وهو تحقيق آل فرعون ومعرفتهم وتوحيدهم كالقرامطة وأمثالهم، القرامطة فرقة من الضلال الذين ادعوا أن الظهور أن النصوص لها ظاهر وباطن وقسام الناس إلى عامة وخاصة، واضح؟
وكانوا ينسلخون من فرائض الدين، وبعضهم كان ينكر المعازف ونحو ذلك.
قال: وأما النوع الذي عليه اتباع الانبياء فهو الفناء المحمود الذي يكون صاحبه به ممن أثنى الله عليه من أوليائه وحزبه المفلحين وجنده الغالبين، طبعا الشيخ يا شباب هنا لا يذكر اللفظ، نلاحظ أنه لم يذكر هذا اللفظ إلا من باب التقريب لهؤلاء، أما في التقرير فلا يوجد هذا اللفظ في كلام من ناحية التقرير.
قال: وليس مراد المشايخ والصالحين بهذا القول أن الذي أراه بعيني من المخلوقات هو رب الأرض والسماوات، فإن هذا لا يقوله إلا من هو في غاية الضلال والفساد، أما فساد العقل واما فساد الاعتقاد، فهو متردد بين الجنون والإلحاد، وكل المشايخ الذين يقتدى بهم في الدين متفقون على ما اتفق عليه سلف الأمة وائمتها من أن الخالق سبحانه وتعالى، هنا شباب دي فقرة خاصة بالرد على فكرة وحدة الوجود الذي هو الاتحاد، يقولون إن العالم إن الله هو العالم، تعالى الله عن قولهم.
يبين أن هؤلاء ضلوا وخالفوا طريق أئمتهم، قال: من أن الخالق سبحانه مبين المخلوقات وليس في مخلوقاته شيء في ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وانه يجب إفراد القديم عن الحادث القديم الله الحادث والمخلوق، وتمييز الخالق عن المخلوق، وهذا في كلامهم أكثر من أن يمكن ذكره.
وهنا وهم قد تكلموا في على ما يعرض للقلوب من الأمراض والشبهات، فإن بعض الناس قد يشهد وجود المخلوقات فيظنه خالق الأرض والسماوات لعدم التمييز والفرقان في قلبه، بمنزلة من رأى شعاع الشمس فظن أن ذلك هو الشأن، هو الشمس التي في السماء.
وهم قد يتكلمون في الفرق والجمع، ويدخل في ذلك من العبارات المختلفة نظير ما دخل في الفناء، الفرق والجمع يا شباب؛ يعني الجمع أن كل الأشياء بقدر الله فهذا يجمعها، والفرق أن الله فرق بين الطاعة والمعصية، فرق بين الكفر وبين الإيمان، فرق بين أوليائه وأعدائه.
قال: فان العبد إذا شهد التفرقة والكثرة في المخلوقات يبقى قلبه متعلقا بها مشتتا ناظرا إليها، وتعلقه بها إما محبة وإما خوفا وإما رجاء، فإذا أتى إلى الجمع اجتمع قلبه على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فالتفت قلبه إلى الله.
هنا ابن تيمية تكلم عن فرق وجمع آخر، يقول: إن الفرق أن الانسان مشتت مع زوجته، مع أبنائه، مع أصدقائه، والجمع أن يجمع قلبه على الله.
يعني يريد أن يستخرج، القرامطة هم الباطنية، من الباطنية، من الباطنية القرامطة، نعم.
أخ بعض الأخوة كان يسأل، تمام، عبد الرازق بيقول احنا مصحصحين، تمام يا عبده.
اه قال: اجتمع قلبه على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فالتفت قلبه إلى الله بعد التفاته إلى المخلوقين، فصارت محبته إلى ربه، وخوفه من ربه، ورجاؤه لربه، واستعانته بربه.
وهو في هذه الحال قد لا يسعى قلبه النظر إلى المخلوق ليفرق بين الخالق والمخلوق، فقد يكون مجتمعا على الحق معرضا عن الخلق نظرا وقصدا، وهو النوع الثاني من الفناء.
يعني ابن تيمية يقول هنا: إن بعض الناس لأنه انشغل بالله عن غيره، لكن هذا لا يدخل في وحدة الوجود، هذا أيضا نوع نقص، أن الإنسان لا يرى إلا الله، يعني ما يفكرش في أي حاجة حواليه ولا يشعر بأي شيء يحصل في الواقع، واضح؟
فهذا نوع من النقص، لكنه لا يدخل في وحدة الوجود.
بعض الطلبة بيقول: أتقد أن القراءة سريعة نوعا ما، أو التركيز عندنا هو اللي ضعيف.
طيب نقلل، طبعا أنا خدوا بالكم يا شباب أنا مش غايتي أن أخلص الكتاب، لذلك أنا مثلا أسرع، لا، تجدون أنني آخذ راحتي لو فيه موضع مشكل أبينه، لو فيه فائدة أقولها، لكن فقط احنا نريد أن نفرق بين، احنا شرحنا كل هذا الكلام يا شباب يعني نحيده ونكرره، فانا هنا اردت فعلا ان ننهي الكتاب ليس حبا في الاسراع ولكن لسببين.
السبب الأول: أننا اتفقنا أن مقصدنا هو الإنجاز.
والسبب الثاني: أن تتعودوا على الدرس الطويل؛ لأن هذا سيستمر معنا؛ لأننا نريد أن نرفض من همة طالب العلم.
واضح؟ لكن مع ذلك أنتم ترون، لا يمر موضع مشكل إلا وأبينه ونأخذ راحتنا، فاهمين يا شباب؟
طيب حاول أخفف القراءة شوية.
قال: ولكن بعد ذلك الفرق الثاني، وهو أن يشهد أن المخلوقات قائمة بالله مدبرة بأمره، ويشهد كثرتها معدودة بوحدانية الله سبحانه وتعالى، وأنه سبحانه رب المصنوعات حاضر لو خففنا السرعة حاضر.
قال: وأنه سبحانه رب المصنوعات وإلهها وخالقها ومالكها، فيكون مع اجتماع قلبه على الله إخلاصا ومحبة وخوفا ورجاء واستعانة وتوكلا على الله وموالاة فيه ومعاداة فيه وأمثال ذلك، ناظرا إلى الفرق بين الخالق والمخلوق، مميزا بين هذا وهذا، يشهد تفرق المخلوقات وكثرتها مع شهادته أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، وأنه هو الله لا إله إلا هو.
ابن تيمية الشباب يقول: وهذا هو الشهود الصحيح المستقيم.
يعني ابن تيمية يقول: والشباب الناس الذين يزعمون أن شهود قدر الله يقتضي ألا يسوي بين الطاعة والمعصية وألا يسوي بين المؤمنين والكافرين، بل لا يسوى بين الله بل لا يفرق أقصد، أعيد الكلام من مرة أخرى.
ابن تيمية ينقض قول متأخري الصوفية أو ضلال الصوفية الذين يقولون إن شهود القدر معناه أن الإنسان لا يفرق بين الطاعة والمعصية ولا بين الصالح والفاسد ولا بين الأنبياء والمشركين ونحو ذلك بجامع أن الكل قدر الله. وبعضهم يغلو فلا يفرق بين الله وخلقه، ويظنون أن ذلك الشهود، فيقول لهم لا؛ الشهود الصحيح المستقيم هو أن تشهد قدر الله وأن تشهد شرع الله. هو ده، هذا هو الشهود الصحيح، وأن تفرق كذلك بين الله وبين الخلق، أما من نقص في ذلك فقد وقع في البدعة وقد يصل به إلى الكفر.
قال: وهذا هو الشهود الصحيح المستقيم، وذلك واجب في علم القلب وشهادته وذكره ومعرفته، وفي حال القلب وعبادته وقصده وإرادته ومحبته وموالاته وطاعته، وذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، فإنها تنفي عن قلبه ألوهية ما سوى الله، وتثبت في قلبه ألوهية الحق. سيكون نافياً لألوهية كل شيء من المخلوقات، مثبتاً لألوهية رب العالمين ورب الأرض السماوات، وذلك يتضمن اجتماع القلب على الله وعلى مفارقة ما سواه، فيكون مفرِّقاً في علمه وقصده في شهادته وإرادته في معرفته ومحبته بين الخالق والمخلوق، بحيث يكون عالماً بالله تعالى.
قال: ومع ذلك عالم بمباينته لخلقه وانفراده عنهم وتوحده دونهم، ويكون محباً له معظماً له عابداً له راجياً له خائفاً منه محباً فيه موالياً فيه معادياً فيه مستعيناً به متوكلاً عليه ممتنعاً عن عبادة غيره والتوكل عليه والاستعانة به والخوف منه والرجاء له والموالاة فيه والمعاداة فيه والطاعة لأمره وأمثال ذلك مما هو من خصائص إلهية الله.
خلاصة الكلام يا شباب أن ابن تيمية يقول: لا يلزم من الإيمان بقدر الله السابق أن تسوي بين ما فرق الله بينه وبين غيره، وأن تسوي بين الله وخلقه، بل يمكن أن تشهد -وهذا هو الواجب- أن تشهد قدر الله، ومع ذلك تفرق بين ما فرق الله بينه وبين غيره، وأن تميز الله عن مخلوقين، ومع ذلك يجتمع قلبك على عبادة الله. قال: وإقراره بألوهية الله تعالى دون ما سواه يتضمن إقراره بربوبيته، وهو أنه رب كل شيء ومليكه وخالقه ومدبره، فحينئذٍ كن موحداً لله.
ويبين ذلك أن أفضل الذكر لا إله إلا الله، كما رواه الترمذي وابن أبي الدنيا وغيرهما مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله». طالما دخلنا في الآيات والأحاديث هتلاقي الدنيا بقت حلوة قوي. قال: وفي الموطأ وغيره عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير».
ومن زعم أن هذا ذكر العامة، وأن ذكر الخاصة هو الاسم المفرد؛ ابن تيمية الآن انتقل إلى نوع آخر من البدع المحدثة، هي بدعة من جهتين: أنهم أحدثوا بدعة في الدين، ثم جعلوا هذه البدعة للخاصة، وجعلوا الذكر المشروع هو من أفعال العامة؛ يعني هذه الأذكار (لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله)، يقول: هذا ذكر العامة، يقولون: أما الخاصة فيذكرون الله بالاسم المفرد (هو هو).
قال: ومن زعم أن هذا ذكر العامة، وأن ذكر الخاصة هو الاسم المفرد، وذكر خاصة الخاصة هو الاسم المضمر، فهم ضالون غالطون. واحتجاج بعضهم على ذلك بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: 91] من أبين الغلط، هؤلاء يستدلون -شوفوا يا شباب، هؤلاء يمكن أن يستدلوا على بدعتهم بحجة صحيحة شرعية بل يكون في كلامهم في دليلهم ما يبين غلطهم- قال: فإن الاسم (الله) مذكور في الأمر من جواب الاستفهام، وهو قوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: 91] إلى قوله: (قل الله) أي الله أنزل الكتاب الذي جاء به موسى. فالاسم (الله) مبتدأ وخبره دل عليه الاستفهام، كما في نظائر ذلك تقول: من جاره؟ فيقول: زيد؛ يعني زيد جاره. واضح يا شباب؟
وأما الاسم المفرد مظهراً ومضمراً فليس بكلام تام، أنت لما تقول (هو)، إيه معنى هو دي؟ إنما كلمة واحد من الطلاب بيقول إن الحفلات بتاعتهم بتكون حلوة، لأ بتكون ممكن تكون حلوة في الأكل بس، لكن الحاجات التانية لأ، نسأل الله أن يعفو عنا وعنهم، كثير من الناس والله الشباب يقع في هذه الأمور ويتقرب بها إلى الله، يعني احنا دورنا إذا تعلمنا هذا أن ندعو الناس، والله كثير منهم يهتدي بكلمات بسيطة جداً.
قال: وأما الاسم المفرد مظهراً ومضمراً فليس بكلام تام ولا جملة مفيدة، ولا يتعلق به إيمان ولا كفر ولا أمر ولا نهي، ولم يذكر ذلك أحد من سلف الأمة ولا شرع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعطي القلب بنفسه معرفة مفيدة؛ يعني إيه كلمة الله دي؟ لا، الحمد لله، سبحان الله، مثلاً لا إله إلا الله، الله أكبر، هذه جملة تامة. قال: ولا يعطي القلب بنفسه معرفة مفيدة ولا حالاً نافعاً، إنما يعطيه تصوراً مطلقاً لا يحكم عليه بنفي ولا إثبات، فإن لم يقترن به من معرفة القلب فيما يفيد بنفسه وإلا لم يكن فيه فائدة، والشريعة إنما تشرع من الأذكار ما يفيد بنفسه، لا ما تكون الفائدة حاصلة بغيره؛ هذه قاعدة يا شباب، هذه قاعدة في الأدعية أن الأذكار لابد أن يكون لها معنى.
قال: وقد وقع بعض من واظب على هذا الذكر في فنون من الإلحاد وأنواع من الاتحاد، كما قد بسط في غير هذا الموضع. في مواضع أخرى يبين ابن تيمية أن بعضهم وصل إلى الشرك في ذلك. قال: وما يذكر عن بعض الشيوخ من أنه قال: أخاف أن أموت بين النفي والإثبات، حال لا يقتدى فيها بصاحبها، فإن ذلك من الغلط؛ يعني ابن تيمية يقول ورد عن بعض هؤلاء أنهم كانوا لا تظهر منهم مقالات مخالفة للشريعة فيقول: نحن نعذرهم فيها ولا نتبعهم عليها. قال: فإن في ذلك من الغلط ما لا خفاء به، إذ لو مات العبد في هذه الحال لم يمت إلا على ما قصده ونواه، إذ الأعمال بالنيات، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتلقين الميت لا إله إلا الله، وقال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة»، ولو كان ما ذكره محظوراً لم يلقن الميت كلمة يخاف أن يموت في اثنائها موتاً غير محمود، بل كان يلقن ما اختاره من ذكر الاسم المفرد. يعني بعضهم كان يقول إن كلمة الله أفضل من لا إله إلا الله، وهذا لجهله.
قال: والذكر بالاسم المضمر المفرد أبعد عن السنة وأدخل في البدعة وأقرب إلى ضلال الشيطان، فإن من قال: (يا هو يا هو) أو (هو هو) ونحو ذلك لم يكن الضمير عائداً إلا إلى ما يصوره القلب، والقلب قد يهتدي وقد يضل، وقد صنف صاحب الفصوص -الذي هو ابن عربي- كتاباً سماه (كتاب الهو)، وزعم بعضهم أن قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7] معناه: وما يعلم تأويل هذا الاسم الذي هو -يعني وما يعلم تأويل هو- يعني ما حدش يعرف تأويل كلمة هو إلا الله، وطبعاً كل ده تحريف وكل ده هقص يعني بالمعنى البسيط خالص، ده اشتغالات يعني.
وقيل: هذا وإن كان مما اتفق المسلمون بل العقلاء على أنه من أبين الباطل، فقد يظن ذلك من يظن من هؤلاء، حتى قلت مرة لبعض من قال شيئاً من ذلك: لو كان هذا كما قلته لكتبت (وما يعلم تأويل هو) منفصلة؛ يعني ابن تيمية حتى باية بيجاريهم شوية في الموضوع بيقول له: طب يا عم لو كان هي معناها كده كان يتكتب وما يعلم تأويله لوحدها وبعدين هو. هم يعتقدون أن هو اسم من أسماء الله، نعم صح يعتقدون ذلك، بقى يعتقدون أن هو ده اشرف ما يسمى به. قال: ثم كثيراً -ده بعضهم حتى لما ييجي يكتب في المصحف- بيكتب كلمة (هو) التي تعود على الله بيخليها بالأحمر، يعني يكتب كلمة الله بالأحمر وكلمة هو، ودي في رأيي من الحاجات ليست حسنة، حتى التمييز كلمة الله بالأحمر وتمييز الآيات أنا لا أحب ذلك، يتكتب المصحف وخلاص ويبين المعاني.
قال: ثم كثيراً ما يذكر بعض الشيوخ أنه يحتج على قول القائل (الله) بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾، ويظن أن الله أمر نبيه بأن يقول (الله) الذي هو الاسم المفرد، وهذا غلط باتفاق أهل العلم، فإن قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ معناه الله الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى، وهو جواب لقوله: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 91]، يعني قل الله أي الله الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى، رد بذلك قول من قال: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 91] فقال: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ ثم قال: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أي الله أنزله، وهؤلاء المكذبين في خوضهم يلعبون.
ومما يبين ما تقدم ما ذكره سيبويه وغيره من أئمة النحو -نلاحظ الإام ابن تيمية يرجع إلى أئمة كل فن، فهو رجع هنا إلى أهل اللسان، أهل النحو- قال: ومما يبين ما تقدم ما ذكره سيبويه وغيره؛ سيبويه وغيره بتبقى مبنية على الكسر، هي من الأسماء التي تبنى على الكسر، وهي لا تنون، أما إذا ذكرت سيبويه سيبويه آخر فممكن أن تنونه، أما سيبويه هذا العلم المعروف لا، يبقى سيبويه وغيره من أئمة النحو أن العرب يحكون بالقول ما كان كلاماً، لا يحكون به ما كان قولا، فالقول لا يحكى به إلا كلام تام أو جملة اسمية التي نسميها يا شباب الجملة المفيدة، ولهذا يكسرون أن إذا جاءت بعد القول، فالقول لا يحكى به اسم.
واضح يا شباب؟ والله تعالى لا يأمر أحداً بذكر اسمه مفرد، بذكر اسم مفرد، ولا شرع المسلمين اسما مفرداً، والاسم المجرد لا يفيد الإيمان باتفاق أهل الإسلام، ولا يؤمر به في شيء من العبادات ولا في شيء من المخاطبات. ونظير لمن اقتصر على الاسم المفرد ما يذكر أن بعض الأعرابي مر بمؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله بالنصب، فقال: ماذا يقول هذا؟ هذا الاسم فأين الخبر؟ يعني أشهد أن محمداً رسول الله ماله؟ واضح؟ يعني أشهد أن محمداً رسول الله، فين الخبر بقى المفروض تقول أشهد أن محمداً رسول الله، يبقى كده أن آآ يبقى محمد هو اسم إن ورسول هي خبر إن عندما تقول أشهد أن محمداً رسول الله ماله؟ يعني زي ما أقول لك أخوك محمد واسكت، أيوه اخوك محمد ماله؟ واضح يا شباب؟
فقال: فماذا يقول هذا؟ هذا الاسم فأين الخبر الذي يتم به الكلام؟ كل هذا ابن تيمية ينقض فيه الذين قالوا إن يذكر الله باسم المفرد. خلاص يا شباب احنا قربنا خالص، يعني أبشروا.
قال: وما في القرآن من قول: ﴿وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: 8]، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 14-15]، ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 96] ونحو ذلك لا يقتضي ذكره مفرداً، بل في السنن أن لما نزل قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال: «اجعلوها في ركوعكم»، ولما نزل قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْعَظَى﴾ قال: «اجعلوها في سجودكم»، فشرع لهم أن يقولوا في السجود سبحان ربي العظيم وفي الركوع سبحان ربي العظيم وفي السجود سبحان ربي الأعلى.
طبعاً يا شباب أنا بسأله على أن الكلام سهل جداً لا يحتاج تعليقاً، لكن في فائدة وهو بيان القرآن بسنة النبي صلى الله عليه وسلم العملية. ولو في الصحيح أنه كان يقول في ركوعه: «سبحان ربي العظيم» وفي سجوده: «سبحان ربي الأعلى»، وهذا هو معنى قوله: «اجعلوها في ركوعكم وسجودكم» باتفاق المسلمين، وتسببح اسم ربه الأعلى وذكر اسم ربه ونحو ذلك هو بالكلام التام، كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفضل الكلام بعد القرآن».
أربع وهن في القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم».
وفي الصحيحين أنه قال: «من قال في يومه مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل قال مثل ما قال أو زاد عليه».
ومن قال في يومه مائة مرة: «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر. وفي الموطأ وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير».
وفي سنن ابن ماجه وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله». ومثل هذه الأحاديث أحاديث كثيرة في أنواع ما يقال من الذكر.
وكذلك ما في القرآن من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ﴾. لاحظوا هنا يا شباب، لاحظوا أن ابن تيمية مهما كان القول ظاهر البطلان فانه يعتني برده من الوحي وبيان أدلته. لماذا يا شباب؟ لأنه يريد أن يقنع هؤلاء، يريد أن يكون سبباً في هدايتهم، يحب لهم الخير. ممكن واحد يقول: هذه الأواقوال باطلة لا تحتاج أن يرد عليها وبطلانها يغني عن إبطالها. لا، هو هنا ذكر أنهم يذكرون كلمة الله لوحدها أو كلمة هو، ومع ذلك شحن لهم أدلة كثيرة ليستقر الأمر عندهم.
قال: وكذلك ما في القرآن من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 4]. إنما هو قوله بسم الله، وهذه جملة تامة؛ إما اسمية على أظهر قولي النحاة، أو فعلية والتقدير: ذبحي بسم الله. يعني ممكن تقول: بسم الله، مثلاً أبدأ بسم الله، أو أذبح بسم الله، أو ذبحي بسم الله، عادي؛ يعني فعلية، اسمية، المهم أنها تكون في الآخر جملة تامة أو مفيدة.
وكذلك قول القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم؛ فتقدير قراءتي بسم الله، أو أقرأ بسم الله. ومن الناس من يضمر في مثل هذا: ابتدائي بسم الله، أو ابتدأت بسم الله. الأول أحسن، إلى أن الفعل كله مفعول بسم الله، ليس مجرد ابتدائه، كما أظهر المضمر في قول: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]. وفي قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: 41] أو مجراها ومرساها في قراءتين. وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح فليذبح بسم الله».
ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لربيبه عمر بن أبي سلمة: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». فالمراد أن يقول: بسم الله، ليس المراد أن يذكر الاسم مجرداً. وكذلك القول في الحديث الصحيح لعدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل». وكذلك قوله: «إذا دخل الرجل منزله فذكر اسم الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء». وأمثال ذلك.
وكذلك ما شرع للمسلمين في صلاتهم وأذانهم وحجهم وأعيادهم من ذكر الله تعالى، إنما هو بالجملة التامة، كقول المؤذن: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله. وقول المصلي: الله أكبر، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، التحيات. وقول الملبي: لبيك اللهم لبيك. وأمثال ذلك.
فجميع ما شرعه الله من الذكر إنما هو كلام تام لا اسم مفرد لا مظهر ولا مضمر. وهذا هو الذي يسمى في اللغة كلمة. ابن تيمية هنا يريد أن يبين -بعدما رد- نوعاً من ابتداع هؤلاء في العبادة. ومن جملة هذه المبتدعات: الابتداع في الذكر، وهو فيه بدعتان؛ الأولى: أنهم أعرضوا عن الذكر الذي جاء به الشرع ومدحه الشرع وعمل به النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وابتدعوا ذكراً لم يقله أحد، لا النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة.
الأمر الثاني: أنهم جعلوا تلك الأذكار من امور العامة، وجعلوا الأذكار الخاصة -هم يقولون- الله، وجعلوا خاصة الخاصة أن يذكروه بالاسم المضمر الذي هو هو. واضح يا شباب؟ فنقض لهم هذه البدعة، ثم بين لهم أنه ينبغي أن يكون الكلام تاما والجملة مفيدة، وبين أن هذا هو معنى الكلمة.
فابن تيمية هنا يريد أن يقول: إن الكلمة في لسان العرب هي الجملة التامة، وليس الكلمة هي المفردة. واضح يا شباب؟ أذكر أدلة على ذلك.
وهذا هو الذي يسمى في اللغة كلمة، كقوله: «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم». وقوله -عطفا على قوله-: أفضل كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. ومنه قوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف: 5]. وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: 115]. وأمثال ذلك مما استعمل فيه لفظ الكلمة من الكتاب والسنة بل وسائر كلام العرب؛ فانما يراد به الجملة التامة، كما كانوا يستعملون الحرف في الاسم فيقولون: هذا حرف غريب، أي لفظ غريب. واضح؟ كل هذا يا شباب فوائد في اللغة، فوائد في معنى الكلمة، فوائد في الجملة التامة.
إن الكلام لابد أن يكون تاما، كذلك إن كلمة الحرف قد يطلق على الاسم أو اللفظ. وقسم سيبويه الكلام إلى اسم وفعل وحرف؛ جاء لمعنى، وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل. وكل من هذه الأقسام يسمى حرفاً، لكن خاصة الثالث أنه حرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل يا سلام! وسمى حروف الهجاء باسم الحرف وهي أسماء، ولفظ الحرف يتناول هذه الأسماء وغيرها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ القرآن فاعرضه فله بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف».
كان بعض المدرسات في مدرسة ابتدائي لا تعرف تقرأ قرآن، يعني جاءت عند قول الم -الذي هو الم نشرح لك صدرك- لا إله إلا هي، الأول جاءت إلى في سورة البقرة، وكانت بتقول الم، يعني جت تقرأ سورة البقرة لم تقل ألف لام ميم وإنما قالت الم. قالوا لها: لأ، دي يعني بتقرأ هكذا. فجت بقى بتقرأ سورة الم نشرح لك صدرك؟ فقالت: الف لام ميم نشرح لك صدرك. دي يعني حدثت بالفعل!
الف لام ميم، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف. وقد سأل الخليل بن أحمد أصحابه عن النطق بحرف الزاي من زيد فقالوا: زاي. فقال: جئتم بالاسم، وإنما الحرف ز؛ الذي هو حرف زا، زاي بس، مش زاي. ثم إن النحاة اصطلحوا على أن هذا المسمى في اللغة بالحرف يسمى كلمة، وأن لفظ الحرف فيه خص لما جاء لمعنى ليس باسم ولا حرف كحروف الجر ونحوها.
يعني يريد أن يقول: إن اسم وفعل وحرف بيقول ما هو الحرف نفسه اسم. قالوا: لأ، احنا هنخص ونقول: حرف جاء لمعنى، يعني معنى الميم من غير معنى فيه، غير معنى على.
قال: واما ألفاظ حروف الهجاء، فيعبر تارة بالحرف عن نفس الحرف من اللفظ، وتارة باسم ذلك الحرف. طبعا يا شباب كل هذه الفوائد استطرادات، يعني أنت لما تختصر الكتاب ربما لا تذكرها، واضح؟ كلها استطرادات.
ولما غلب هذا الاصطلاح صار يتوهم من اعتاده أنه هكذا في لغة العرب. ومنهم من يجعل لفظ الكلمة في اللغة لفظاً مشتركاً بين الاسم مثلاً وبين جملة، ولا يعرف في صريح اللغة من لفظ الكلمة إلا الجملة التامة. والمقصود هنا -خلاص هو رجع تاني بقى، يعني قلنا الاستطراد خرج وهيرجع تاني-: والمقصود هنا أن المشروع في ذكر الله سبحانه هو ذكره بجملة تامة، وهو المسمى بالكلام، والواحد منه بالكلمة. وهو الذي ينفع القلوب، ويحصل به الثواب والأجر، ويجذب القلوب إلى معرفة الله ومحبته وخشيته وغير ذلك من المطالب العالية والمقاصد السامية.
وأما الاقتصار على الاسم المفرد مظهراً أو مضمراً، فلا أصل له، فضلاً عن أن يكون من ذكر الخاصة والعارفين، بل هو وسيلة إلى أنواع من البدع والضلالات، وذريعة إلى تصورات وأحوال فاسدة من أحوال أهل الإلحاد وأهل الاتحاد، كما قد بسط في غير هذا الموضع.
آخر فقرة عندنا يا شباب بقى دي صغيرة خالص، ودي بقى متعة الكتاب، هذه متعة الكتاب خلاصة الكتاب ودي الفقرة الأخيرة قال: وجماع الدين أصلان؛ ألا يعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع. كما قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. وذلك تحقيق الشهادتين؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمداً رسول الله. ففي الأولى: ألا نعبد إلا إياه، وفي الثانية: أن محمداً هو رسوله المبلغ عنه، فعلينا أن نصدق خبره ونطيع أمره، وقد بين لنا ما نعبد الله به ونهانا عن محدثات، وأخبر أنها ضلالة، قال تعالى: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 112].
كما أننا مأمورون ألا نخاف إلا الله، ولا نتوكل إلا على الله، ولا نرغب إلا إلى الله، ولا نستعين إلا بالله، وألا تكون عبادتنا إلا لله. فكذلك نحن مأمورون أن نتبع الرسول ونطيعه ونتأسى به؛ فالحلال ما حلله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: 59]. فجعل الإيتاء لله وللرسول، كما قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
وجعل التوكل على الله وحده بقوله: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾، ولم يقل: ورسوله. كما قال في وصف الصحابة رضي الله عنهم في الآية الأخرى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]. ومثله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 64]، أي حسبك وحسب المؤمنين، كما قال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36].
ثم قال: ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 59]. فجعل الإيتاء لله وللرسول، وقدم ذكر الفضل لأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، وله على رسوله وعلى المؤمنين. وقال: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: 59]. فجعل الرغبة إلى الله وحده، كما في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: 7-8]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله».
والقرآن يدل على مثل هذا في غير موضع، فجعل العبادة والخشية والتقوى لله، وجعل الطاعة والمحبة لله ورسوله، كما في قول نوح عليه السلام: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح: 3]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: 52]. فالرسل أمروا بعبادته وحده، والرغبة إليه والتوكل عليه، وطاعته، والطاعة له. نعم، شوف هذا هو الذي يناسب، فالرسل أمروا وليس أمروا، فصلحها بعد إذنكم.
فأضل الشيطان النصارى وأشباههم، فأشركوا بالله وعصوا الرسول، فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم، فجعلوا يرغبون إليهم ويتوكلون عليهم ويسألونهم مع معصيتهم لأمرهم ومخالفتهم لسنتهم -يعني مخالفة لسنة الأنبياء-.
وهدى الله المؤمنين المخلصين لله، أهل الصراط المستقيم، الذين عرفوا الحق واتبعوه فلم يكونوا من المغضوب عليهم ولا الضالين؛ فأخلصوا دينهم لله، أسلموا وجوههم لله، وأنابوا إلى ربهم وأحبوه ورجوه وخافوه وسألوه ورغبوا إليه وفوضوا أمورهم إليه وتوكلوا عليه، وأطاعوا رسله وعزروهم ووقروهم وأحبوه ووالوهم واتبعوهم واقتفوا آثارهم واهتدوا بمنارهم. ذلك هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل، وهو الدين الذي لا يقبل الله من أحد ديناً إلا إياه، وهو حقيقة العبادة لرب العالمين.
ونسأل الله العظيم أن يثبتنا عليه، ويكمله لنا، ويميتنا عليه وسائر إخواننا المسلمين. والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه وآله وصحبه وسلم. في هذا يا شباب انتهى الكتاب، فنسأل الله سبحانه وتعالى العلم النافع والعمل الصالح، وأن ينفعنا الله تبارك وتعالى بما سمعنا. وأرجو -أو أحب من الشباب، أو أطلب منهم- أن يقرأ الكتاب مرة ثانية، وأن يعتنوا بمعانيه لأنفسهم قبل قبل أي شيء، يطلبوا الهداية لأنفسهم، وأن يجعلوا زكاة أنفسهم هي المقصد الأول من العلم، ثم بعد ذلك يسعون في ضبط العلم وفي...
للناس، وجزاكم الله خيراً، وبارك الله فيكم، وأحسن الله إليكم. إن شاء الله ممكن نأخذ يومين إجازة، وبعد كده نشوف هل سنبدأ في الكتاب الثاني من هذه الخطة، أم ندخل في كتاب الحديث ننهيه أولاً؟ سأرتب ذلك معكم إن شاء الله، وسيكون لنا محاضرة قصيرة ممكن تكون مدة ربع ساعة، نذكر فيها أهم قواعد الكتاب، وأهم مقاصد الكتاب، وأهم المسائل التي مرت بنا، والكلمات الجميلة التي أحببت منكم أن تجعلوها أمامكم. جزاكم الله خيراً وأحسن الله إليكم.
بعض الناس بيسأل: متى الاختبار؟ هو الاختبار في هذا الكتاب هو أن تقرأ الكتاب مرة ثانية، وأن تكتب أهم مقاصد الكتاب، وأهم القواعد، وأهم الفوائد، وأهم الموضوعات التي تعرض لها الإامام، تكتب ذلك سواء على الكمبيوتر أو في ورقة وتصورها، وأرى ماذا ستصنع في هذا الكتاب. وبعد ذلك إن شاء الله سندخل في كتاب آخر، أختار لكم الكتاب بما يناسب الوقت، وجزاكم الله خيراً وأحسن الله إليكم.
طولت عليكم النهاردة، أنا مش عارف احنا خدنا وقت قد أيه، لكن أرجو إن شاء الله من الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بهذا العلم، وأن يكتب ذلك في ميزان حسناتنا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق