السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. نبدأ بإذن الله تبارك وتعالى المحاضرة الثانية من دورات تكوين طالب العلم.
باستقرائه لتراث الأئمة المحققين، وبيان أثر ذلك في تكوين طالب العلم خلقياً ومعرفياً ومهارياً. في هذه المحاضرة الثانية عندنا عناصر مهمة، وهي تعد كشافاً لطالب العلم حتى يكون استقراؤنا لتراث الأئمة على بينة.
سيكون الحديث في هذه المحاضرة عن عناصر؛ منها: من هم الأئمة الذين يجب الاعتناء بتراثهم؟ ما صفاتهم؟ مع ذكر نماذج لهم في مختلف أبواب الشريعة.
كذلك ما هي المقدمات والمهارات والمنهجية التي يحتاجها الطالب لاستقراء تراثهم والانتفاع به؟ ثم ننتقل إلى الحديث عن الإمام ابن تيمية رحمه الله؛ عن مشروعه، وعن معالم منهجه. ثم نتحدث عن مقدمات مهمة في باب تزكية النفس والاستقامة والأخلاق.
ونتحدث عن أهم الكتب التي صنفت في هذه الأبواب، ونتحدث كذلك عن حاجة طالب العلم إلى فقه باب التزكية وتحرير مسائله؛ يعني لماذا يحتاج طالب العلم أن يفقه باب تزكية النفس وأعمال القلوب والأخلاق؟ ولماذا يجب عليه أن يحرر مسائله وأن يعتني بفقهه؟
كذلك سيكون لنا حديث مهم جداً، وهو الحديث عن أصول الخطأ في كتب التزكية والزهد والرقائق والاستقامة. وكذلك نتحدث عن أشهر الأخطاء المركزية في الخطاب الوعظي؛ يعني أخطاء الوعاظ والدعاة، الأخطاء المركزية التي نتج عنها مجموعة من الأخطاء الفرعية.
ثم ننتقل إلى الحديث عن تراث الإمام ابن تيمية رحمه الله في أبواب التزكية والاستقامة والأخلاق، ثم نتحدث كذلك عن برنامج الدورات، ونتحدث عن تكليف طالب العلم في هذه الدورات؛ يعني ماذا يجب عليه حتى يكون حضوره حضوراً مثمراً نافعاً بإذن الله تبارك وتعالى.
أولاً أيها الشباب الكرام، الأئمة المحققون كثيراً ما أتحدث عن هذا المصطلح؛ الأئمة المحققون من هم؟ ما صفاتهم؟ وماذا عن تراثهم؟ وما قيمة هذا التراث في تكوين طالب العلم؟ ثم إذا عرف الطالب قيمة ذلك التراث كيف يقرأ لهم ليغنم ولينتفع من تراثهم؟
أقول وبالله التوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل وعليه توكلت وإليه أنيب: الأئمة المحققون أعني بهم أئمة الإسلام وعلمائه بمختلف تخصصاتهم، الذين نقل عنهم تراث محقق محرر في أبواب العلم المتنوعة ومسائله.
اعتُنِي في كتبهم بتحرير المسائل وتصويرها، وجمع الأقوال وحججها وأصلها، وبحثوا فيها وحرروا وحققوا، ثم رجحوا وقرروا واستدلوا وناقشوا. هؤلاء الأئمة من أمثال الإمام أبي حنيفة ومحمد بن الحسن الشيباني ومالك والشافعي وأحمد وابن معين وعلي بن المديني والبخاري ومسلم والنسائي والطبري وابن خزيمة والدارقطني وابن أبي حاتم والجويني والنووي والسبكي وابن تيمية وابن القيم وابن رجب الحنبلي والشاطبي وابن الصلاح وابن كثير والذهبي وابن حجر وابن هشام الأنصاري وأشباه هؤلاء من أهل العلم.
هؤلاء الأئمة أيها الاخوة الكرام لهم ميزات خاصة في تراثهم؛ هؤلاء الأئمة اعتُنِيَ بجمع الأقوال في المسألة، واعتُنِي كذلك بتحرير صورة المسألة وبيان محل النزاع.
ثم اعتُنِي بذكر الأقوال بأدلتها بوجه الاستدلال فيها، ثم وصلوا إلى نتيجة فاستدلوا لها وأحسنوا عرضها، ثم ناقشوا ما يمكن أن يعترض به على أقوالهم، ثم أجابوا عن هذه الاعتراضات، ثم ناقشوا الأقوال المخالفة وانتقدوها. هذا هو الشكل المتكامل للبناء العلمي الذي يحتاجه الطالب عند دراسة أي مسألة دراسة تفصيلية.
أيها الشباب، ما جاءنا من تراث الأئمة المحققين يمكن أن نلخصه في أمرين: الأمر الأول مقالات ونتائج، والأمر الثاني منهجية وطريقة. يعني الأمر الأول مقالات؛ يعني نعرف أن مالكاً رجح في المسألة كذا قول كذا، وأن الإمام الشافعي أجاب عن الإشكال الفلاني بكذا، وأن الإمام ابن معين ضعف الراوي الفلاني، وأن الإمام أحمد صحح الحديث الفلاني، وأن الإمام أبا حنيفة رحمه الله رجح القول كذا في المسألة كذا، وأن مثلاً ابن الصلاح يرى أن الحديث الحسن هو كذا، وأن مثلاً الشاطبي قال كذا في كتاب الموافقات، أو أن ابن القيم قال كذا أو وصل إلى نتيجة ما في كتاب مدارج السالكين أو غير ذلك. هذه يا شباب أقوال، لكن الأمر الثاني الذي جاءنا عن الأئمة هو المنهجية؛ يعني كيف بحث الأئمة المسائل؟ كيف نظروا فيها؟ كيف جمعوا الأقوال؟ كيف استدلوا؟ كيف قرروا؟ كيف انتقلوا للأقوال؟ كيف ناقشوا المخالفين؟ ما هو منهجهم في الأخلاق؟ كيف عرضوا المسائل؟
المطالع لتراث الأئمة يا شباب الذي يعتني فقط بسؤال: ماذا قالوا؟ ما هي النتائج التي وصلوا إليها؟ لا أبالغ إذ أقول إن من يقرأ بهذه الطريقة فاته أهم وأخص ما كان ينبغي أن يطلبه وأن يلاحظه وأن يتفكر فيه من تراث الأئمة، أعني طرائق النظر والجمع والاستدلال والنقد والأخلاق، الذي تكون محصلة مطالعته أن مالكاً أفتى بكذا، أو أن قول أحمد في كذا هو كذا، أو أن ابن معين لعل حديث كذا، أو أن ابن تيمية رد على فلان بكذا ونحو ذلك، فهذا كمن خرج من بحر مليء بالكنوز بقطرات ماء.
تصوروا يا شباب إنسان عنده مثلاً أحدث جهاز موبايل ولا يستعمله إلا في ارسال الرسائل؛ بالضبط هو نموذج لمن دخل تراث الأئمة ولم يعتني إلا بالمقالات والنتائج التي وصلوا إليها. واضح يا شباب؟
لذلك فانه لا شك أن هذا النموذج السطحي للقراءة لتراث الأئمة لا يمكن أن يجد فيه، لا يمكن أن يجد الإنسان بهذه الطريقة السطحية، لا يمكن أن يجد في تراث الأئمة تجديداً، لا يرى فيه ما يفيده في مسائل النظر والبحث في الحوادث النازلة والمسائل المعاصرة. لماذا؟ لأنه لم يتعلم كيف كانوا يفكرون وكيف وصلوا إلى تلك النتائج، وإنما اعتنى فقط ما هي النتائج التي وصلوا إليها.
وهنا أنبه يا شباب على أن كتب المختصرات التي تلخص مقالات العلماء ونتائج بحثهم معنا في هذه الكتب من نفع كتقريب العلم وتسهيل العلوم، لكنها تفوت أجل ما في مصنفات العلماء من الفوائد، وهي كيف وصل العلماء إلى تلك النتائج؟ كيف جمعوا الأدلة فيها؟ كيف عرفوا وجه الاستدلال من كل دليل؟ كيف وصلوا إلى نتيجة؟ كيف قرروها؟ كيف استدلوا لها؟ كيف أجابوا عما يشكل عليها؟ كيف ناقشوا ما يخالفها من الأقوال؟
وكذلك شباب، المعلم الذي لا يحصل طلابه منه إلا نتائج مقررة، يلزمهم بقبولها دون مدارسة ولا بحث ولا استدلال ولا حوار ولا نقاش، ثم يكون أمثلهم طريقة من يحفظ دليلاً أو اثنين في المسألة، فإن ذلك المنهج الغلط في التعليم، أعني منهج التلقين والتحفيظ، لا يمكن أن يخرج باحثاً جيداً ولا طالب علم مميزاً، بل يخرج إن أخرج مجرد حافظ يردد نتائج لا يعرف من أين أتت ولا كيف أتت، ولا بالتالي يحسن عرضها ولا تصويرها ولا يحسن استدلال لما يقول، ولا يحسن أن يناقش ما يشكل على قوله، ولا يحسن أن يرد ما يخالفه.
لذلك شباب، يجب أن تعلم أن عكوفك مهما طال ومهما اجتهدت على كراسة الشيخ والأبحاث المعاصرة والمختصرات وكتب (س وج) أو كتب التقسيمات والتشجيرات أو التغريدات أو مقالات طلاب العلم على وسائل التواصل الاجتماعي، مع ما في هذه الامور من عظيم الفائدة والتوجيه والنفع، لكن إذا كان الشخص أغلب جهده أو معظم جهده ووقته في طلب العلم ينفقه في هذه الامور دون أن يكون له ورد أعظم في استقراء تراث الأئمة المحققين، فإن هذا الشخص قد فاته خير كثير، ولا يمكن أن يكون نابغاً في طلب العلم.
حينما تبدأ رحلة استقراء ودراسة لتراث الأئمة المحققين في أبواب العلوم المتنوعة دراسة متأنية، بعد دراسة أصول العلم ومقدماته وقواعده من الكتب التي تصلح كبداية، ثم تدخل على كتب الأئمة بخطة على كل كتاب تقسمه فقرات وتستخرج مسائله وفوائده وقواعده ومنهج المؤلفين فيه في العرض والتقرير والبحث والاستدلال والمناقشة ونحو ذلك، وتبقى على ذلك زمناً تعيش في تلك الأجواء، فإن لكل علم لغة وطقساً يدرك عند دراسة كتب الأئمة المحققين.
حينما تحبس نفسك زمناً على تراث الأئمة بهذه المنهجية، وسنتكلم عن الأدوات التي ينبغي أن تتوفر معك أثناء الاستقراء، ستشعر إن شاء الله بنقلات كبرى في حياتك، في خلقك وفي عقلك وفي قلبك، وستدرك إن شاء الله أن كثيراً جداً من الأبحاث المعاصرة التي تنبهر بها وتظنها بلغت النهاية في التحرير والتحقيق سترى أنها عادية بل غير محررة ويمكنك أفضل منها إن شاء الله.
وستعلم أن الباحثين الذين تظنهم متخصصين مدققين في الأبواب المتنوعة، أععلم أنهم عاديون ويأتون بما يمكن أي باحث مجد أن يبلغ أضعافه، وأن المعلومات التي تسمعها بانبهار وتتحير من أين يأتي بها طلاب العلم، ستعلم أنها مبثوثة بسهولة في مظانها من تلك الكتب، ليست ألغازاً وليست من عجائب الدنيا السبعة.
وستعلم أيضاً، وهذا هو المهم، كم ضيعت من الكنوز حينما قصرت مجهودك وتعبك ووقتك في مطالعة المختصرات والمتون والأبحاث المعاصرة والتغريدات ووسائل التواصل الاجتماعي، وستندم على تقصيرك في التعرف على تراث الأئمة المحققين.
وستعلم كم خسرت حينما حصرت وقتك وجهدك في العكوف على مجموعة أبحاث ورسائل دكتوراه لم تكن أبداً مع ما فيها من نفع، لم تكن لتبلغ شيئاً مما كنت ستغنمه من مدارسة ذلك التراث العظيم، وكم هي المعلومات والمهارات ومعاني التزكية والهمة التي كنت ستعيش معها أثناء رحلتك معهم. أنا واثق جداً من ذلك يا شباب، ولا يمكن أن ينبل في العلوم من حصر نفسه بعيداً عن تراث الأئمة المحققين مهما قرأ للمعاصرين ومهما بلغ من الذكاء؛ هؤلاء الأئمة المحققون لابد أن تعبر من طريقهم حتماً.
السؤال الآن يا شباب: كيف نبدأ في الاستقراء لتراث الأئمة المحققين؟ كيف نقرأ لنجني الثمار؟ ما هي المنهجية؟ ما هي المهارات التي يحتاجها الطالب حتى تكون قراءته لتراث الأئمة قراءة نافعة وحتى يغنم أكبر غنيمة من قراءته؟
أنت أولاً يا شباب تحتاج انتقاء الأئمة الذين يستحقون أن تدرس تراثهم بهذه الطريقة الدقيقة، ليس كل من في العلم يستحق أن يعتنى بكلامه على هذا النحو، واضح؟ لأن هناك أئمة اعتنوا بتحرير المسائل وجمع الأقوال وذكر الأدلة وبيان وجه الاستدلال، وصلوا إلى نتائج ودققوا وانتفعوا من كلامهم، هؤلاء هم الذين يعتنى بهم كما ذكرت أمثلة لهم.
الأمر الثاني الذي تحتاجه؛ تحتاج أن يكون عندك أرضية قوية في الباب الذي تختار أن تستقرأ فيه، وأن تعرف مقدمات هذا العلم، فلابد أن تعلم الباب الذي تقصد الاستقراء فيه، وأن يكون لك مطالعة في مقدماته من الكتب والأبحاث التي تسهل لك الدخول في ذلك العلم ومعرفة أبوابه ومسائله، وتدخلك في جو ذلك العلم.
يعني يا شباب مثلاً أنت تريد أن تقرأ في باب الإيمان، أو في باب الأسماء والصفات، أو في باب القدر، أو في باب التفسير، أو في علوم القرآن، تريد أن تقرأ تراث الإمام الشافعي، تريد أن تقرأ تراث الإمام الطبري، تريد أن تقرأ تراث الإمام ابن تيمية رحمه الله، تريد أن تقرأ تراث الإمام ابن رجب الحنبلي أو الإمام ابن القيم أو غير هؤلاء، تحتاج قبل أن تدخل على كتاب لهؤلاء أن يكون عندك أرضية في هذا العلم، أن تقرأ أبحاثاً محققة تكون مدخلاً لك لتعرف هذا العلم، تعرف أبوابه، تعرف رؤوس المسائل، تعرف الإشكالات التي تذكر في هذا العلم. هذه خطوة أولية مهمة، وهي بمثابة الكشاف الذي ينبهك أثناء قراءتك لتراث الأئمة أن هذه مسألة، وأن هذه فائدة ينبغي أن تلتقط، وأن هذه قاعدة، وأن هذا إشكال، وأن هذا جواب للإشكال، وهكذا، وبناء على ذلك تستطيع أن تحدد العناصر التي تبحث عنها في استقرائك.
نضرب لذلك مثلاً يا شباب حتى يتضح الأمر؛ أنت حينما مثلاً تقرر أنك ستبدأ في رحلة استقراء تفسير إمام المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله، قبل أن تدخل على استقراء هذا السفر العظيم لابد أن يكون في ذهنك أرضية لعلوم التفسير ولمناهج المفسرين ولو مدخل في ذلك.
ينبغي كذلك أن تعرف ما هي أبواب العلوم؛ أهذا الكتاب خاص بتفسير القرآن؟ ولا شك أنه سيكون فيه فوائد في علم التفسير وفي التفسير وفي قواعد التفسير، ومثلاً في باب تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالحديث، وتفسير القرآن بكلام الصحابي، وكذلك الإسرايليَات، وكذلك سيكون فيه حديث عن علاقة اللغة بالقرآن، وعن المفسرين من اللغويين، وكذلك القراءات، وكذلك فوائد في علوم القرآن.
فينبغي قبل أن تدخل أن يكون عندك أرضية في هذا العلم، فائدة هذه الأرضية يا شباب أنها تدخلك في جو العلم وتكون بمثابة الكشاف الذي ينبهك على الفوائد، وكذلك هي التي تجعلك تصنع قائمة للفوائد التي ستلتقطها من كتاب تفسير الطبري.
مثلاً أنت حينما تدخل على كتاب كتفسير الطبري سيكون عندك ورقة مكتوب فيها مثلاً: قواعد في التفسير، منهج الطبري في عرض الأقوال، منهج الطبري في عرض الخلاف، ما هي أسباب الخلاف في التفسير؟ ما هي أنواع الخلاف في التفسير؟ ما هو موقف الطبري من الإسرائيليات؟ ما موقفه من القراءات؟ ما منهجه في الاستدلال؟ ما منهجه في التقرير؟ ما منهجه في طرح الإشكالات والجواب عنها؟ ما هي قرائن الترجيح عنده بين الأقوال؟ وهل له استنباطات جميلة؟ ما هو اعتقاد الإمام الطبري كما يظهر من تفسيره لآيات الصفات والقدر واليوم الآخر وغير ذلك؟ من هم المفسرون المعتبرون من السلف الذين يرجع إليهم الطبري؟ كذلك هل استدرك الطبري على المفسرين؟ ما منهجه في عرض الأقوال التي يراها خطأ ويخطئها؟ وما أسباب تخطئته للآخرين؟
أقوال، كذلك كيف يفسر القرآن بالقرآن، وكيف يفسر القرآن بالحديث؟ وكذلك كيف يتعامل مع الإسرائيليات؟ كيف يتعامل مع أقوال الصحابة؟ كذلك ما منهجه في باب النسخ؟ ما منهجه في الاستدلال بالشعر؟ وعلى ماذا يستشهد؟ ومن هم الشهداء الشعراء الذين يذكرهم ويعتني أو يحتج بشعرهم؟ هل ذكر فوائد لغوية؟ هل استدرك على اللغويين؟ هل ذكر فوائد في أبواب في علوم القرآن، مثل: نزول القرآن، مثلاً: أول ما نزل، آخر ما نزل، ما هي الألفاظ التي فسرها؟ مثلاً: فسر لفظ العالمين، لفظ الصراط، لفظ الهدى، لفظ الشرك، لفظ التوبة وهكذا يا شباب.
السؤال هنا: كيف عرفت تلك العناصر؟ كيف حددت تلك العناصر؟ عرفتها عن طريق الكتب والأبحاث المحققة في الباب. فأنا حينما قرأت مثلاً أبحاثاً في علوم القرآن وجدت مسألة تقول أصول التفسير، هذا باب يذكر فيه مثلاً تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالحديث، وتفسير القرآن بأقوال الصحابة، والإسرائيليات، والتفسير اللغوي وهكذا. عرفت أن هناك باباً آخر وهو باب النسخ، وأن باباً آخر اسمه نزول القرآن المكي والمدني. عرفت باباً آخر وهو الشواهد الشعرية في الاستدلال لمعنى معين في آية معينة وهكذا.
إذاً، أول سبيل لتحديد عناصر الاستقراء هو قراءة الكتب والأبحاث المحققة في الباب. الأمر الثاني يا شباب، أنني من خلال القراءة ستظهر لي بعض العناصر التي لم أكن أعرفها. يعني أنا مثلاً حينما بدأت في استقراء تفسير الإمام الطبري لم أكن أعتني بالشواهد الشعرية أو من هم الشعراء المعتبرون، لكني في مطالعتي لتفسير الإمام الطبري في بداية كلامه وجدته يذكر شعراء معينين ويركز عليهم، ويعتني بذكر شواهد شعرية تحت معاني معينة، مرة يستدل لإعراب كلمة أو لأسلوب في القرآن وهكذا. فظهر لي هذا العنصر ولم أكن قبل ذلك أعرفه. وهكذا يا شباب.
إذاً، سبيل معرفة العناصر التي تحددها قبل استقراء أي كتاب هي الأبحاث والكتب التي تأخذها كمقدمة للدخول في هذا العلم. ثانياً: ما يعطيه لك هذا الكتاب الذي تبدأ فيه من عناصر. ثالثاً يا شباب، تحتاج أن تتعلم مهارات ستحصل لك شيئاً فشيئاً إن شاء الله، وستعينك على تحصيل متميز وانتفاع مما تقرأ.
المهارات التي يحتاجها طالب العلم تشبه عناصر اللياقة البدنية عند اللاعب الرياضي، لاعب الكرة مثلاً؛ اللاعب الذي يعجبك هذا هو مجموعة مهارات: فيه مثلاً السرعة، القوة، التحمل، المرونة، الرشاقة، فيه كذلك الدقة، فيه التوازن. واضح يا شباب؟ هذه هي التي تكون هذا اللاعب.
كذلك طالب العلم لابد أن يعتني في بناء جسمه البحثي؛ من ذلك أن يتعلم حسن القراءة والفهم، وكيف يلتقط الفائدة والقاعدة والمسألة، ويتعلم كيف يقدر الفائدة وأين يضع الفائدة التي يحصل عليها، في أي باب يلحقها به؟ وكيف يوظفها؟ وكيف يستثمرها؟ كيف يجمع النظائر؟ كيف يرتب الأفكار والفوائد؟ كيف يتعرف على الموضوعات الرئيسية لكل كتاب يقرأه حتى يحسن تلخيصه؟ كذلك ما هي أهم المسائل؟ ما هي أخص مقاصد المؤلف؟ ويتعلم كذلك كيف يدخل على كل كتاب بقائمة عمل، تطلب فوائدها بحسب الكتاب ومؤلفه، وبحسب هدفه من الاستقراء، وبحسب منزلة هذه الأهداف.
ما معنى هذا الكلام يا شباب؟ ربما أنا مثلاً أريد أن استقراء كتاباً مثلاً في مسائل الإيمان، لكني أهم مسألة عندي هي مسألة الأعذار بالجهل، إذاً هذه فائدة رئيسية عندي. إن كنت أنا، فأجمع كل الفوائد التي تقابلني: فوائد عن الأعلام، فوائد عن الفرق، فوائد في تفسير الآيات، في شرح الأحاديث المشكلة، فوائد في إعراب، في اللغة، في الفقه؛ لكن هدفي الأساس هو أن أعتني بجمع كل ما يتعلق مسألة الأعذار بالجهل.
إذا كنت مثلاً استقرئ تفسير الطبري لمعرفة منهج الطبري في القراءات ولماذا ينتقد الطبري بعض القراءات التي صارت متواترة بعده؟ لماذا مثلاً؟ فأنا وإن كنت سأجمع كل الفوائد التي تقال في الطريق، لكني سأعتني بهذه الفكرة اعتناء خاصاً بحيث لا أفوت موضعاً ولا أفوت أمراً يتعلق بذلك.
طالب العلم يا شباب يحتاج إلى مهارات، يحتاج إلى أدوات يدخل بها. عارفين يا شباب الكهربائي؟ احنا عندنا في مصر الكهربائي أو النقاش، اللي هو الراجل اللي بيدهن، أو مثلاً مبيض المحارة؛ كل واحد من دول بيكون عنده شنطة العدة، واضح يا شباب؟ شنطة العدة دي بتكون جاهزة معه بحيث إنه يعني بيروح الشغل والشنطة كاملة معه. ممكن مثلاً الكهربائي هذا يكون عنده عشرين معدة أو جهاز معه في الحقيبة، لكنه في هذا العمل سيحتاج شيئاً واحداً؛ في عمل آخر يحتاج شيئين؛ في عمل آخر أو في وظيفة أخرى أو في بيت آخر يريد أن يصلح الكهرباء فيه يحتاج إلى خمسة أجهزة. لكنه دوماً مستعد بشنطة العدة، الشنطة جاهزة. نفس الكلام يا شباب، طالب العلم ينبغي أن يسعى في تكميل أدواته لأنه لا يعرف متى يحتاج إليها أثناء الاستقراء.
من هذه المهارات يا شباب مهارة القراءة؛ أن يتعلم كيف يقرأ، يحسن القراءة، ويحسن تقسيم الكلام إلى فقرات، يعرف أين بدأت ولماذا بدأت؟ وعن ماذا يتكلم المؤلف؟ ولماذا استطرد في هذه النقطة؟ كذلك مهارة الفهم والاستيعاب. يا شباب، كل هذه المهارات تأتي شيئاً فشيئاً؛ أنتم عارفين الإنسان الذي يكون عايز يلعب ضغط أو يلعب بطن، أول يوم مثلاً يعمل خمسة، بعد ذلك ممكن يعمل ستة، سبعة، ثمانية، ممكن بعد ذلك يعمل مائة؛ فهذه الأمور يا شباب إنما العلم بالتعلم، لكن ينبغي أن تلاحظها؛ مهارة القراءة، ومهارة الفهم والاستيعاب، مهارة التذكر والحفظ. يهملها بعض الناس حينما يقولون ينبغي للطالب أن يفهم دون أن أحفظ؛ لا، الحفظ والتذكر إحدى المهارات المهمة التي لا يستغنى عنها. ينبغي أن تدرب نفسك على حفظ الأدلة، على حفظ كتاب الله، على حفظ الحديث النبوي، على حفظ القواعد، وهذا يأتي يا شباب بالممارسة والتكرار. لا يصح أن يقول الإنسان أنا لا أحفظ، لا؛ هذه المهارة تأتي شيئاً فشيئاً.
كذلك ينبغي أن يتعلم مهارة التفكيك وتحليل المقروء وتقسيمه. يعني إيه يا شباب؟ يعني أنت تقرأ مثلاً فصلاً يتحدث فيه الإمام الطبري عن تفسير آية معينة، واضح هذا الجزء الذي قرأته أنت مثلاً يعني صفحتان؛ لكن ينبغي أن تحلله وأن تفككه، يعني تميز فيه بين قول الذي عرضه الطبري لكنه سيرد عليه، وبين دليل ذلك القول، وبين ما يعترض به على ذلك القول وكيف ناقشه الطبري، وما هو قول الطبري وبماذا استدل له وكيف استدل؟ هذه التقسيمات مهمة يا شباب، أن تكون فاهم أنت بتقرأ إيه؛ لكن بعض الناس أهم شيء أنه يصل إلى نتيجة: الطبري يرى في أن تفسير الآية كذا وكذا، ابن عدي ضعف الراوي الفلاني، ابن معين ضعف الحديث الفلاني، الإمام أحمد يرى مثلاً جواز كذا، واضح يا شباب؟ لا، ينبغي أن يكون عندك مهارة التفكيك، أن تعرف صورة المسألة، وأن تعرف الأقوال فيها وحجج كل قول، وكذلك وجه الاستدلال من كل قول وهكذا.
عندك كذلك مهارة البحث ودراسة المسائل، كل هذه المهارات يا شباب سيكون لكل مهارة منها درس خاص نشرح فيه كيف تدرس كل مسألة دراسة مفصلة، تعرف صورة المسألة وتعرف الأقوال فيها وأدلة كل قول ووجه الاستدلال من كل قول، وتعرف يعني كيف تقرر ما وصلت إليه من نتائج، وكيف تجيب عن الاعتراضات، وكيف تناقش وكيف ترد ما يخالف من الأقوال.
عندك كذلك مهارة الاستدلال والعرض والتقرير؛ ليس كل من يعرف قولا أو مسألة يقدر على أن يعرضها، كما سيأتي معنا في كلام الإمام ابن تيمية رحمه الله: ليس كل من يعرف الحق يحسن الاستدلال له، وليس كل من يحسن الاستدلال له يستطيع أن يرد ما يخالفه.
عندك كذلك مهارة النقد والاختبار والفحص؛ كيف تختبر المقالات؟ كيف تختبر صحة الاستدلال؟ عندك كذلك مهارة الحوار والمناقشة والمناظرة؛ كيف تدخل في حوار مع شخص يخالفك وتناقشه وتحسن هذه المناقشة وتديرها؟
من الأمور التي ينبغي أن يتعلمها كذلك طالب العلم يا شباب، مصادر التكوين وسبل التحصيل. طالب العلم حينما يدخل في العلوم يحتاج أن يتعلم ما هي الوسائل التي يصل بها إلى العلوم؛ من ذلك مثلاً بعض الناس مع معلم، وبعض الناس لم يتوفر لهم معلم مباشر، واضح؟ ينبغي إذا كان لك معلم، ينبغي أن تتعلم كيف تحضر درساً له ويكون حضورك مثمراً، كيف تحضر لهذا الدرس؟ ما واجبك أثناء الدرس وقبل الدرس وبعد الدرس؟ ينبغي أن تتعلم كيف تحضر الدورات؟ كيف تحضر المحاضرات؟ وإذا كنت تمارس التعلم الذاتي، يعني أنت بنفسك تقرأ وتطالع. كثير من الشباب مثلاً المقيمين بأمريكا أو ببعض دول أوروبا أو بالعراق أو بالشام أو بأي بلد، ربما يعيشون في مكان لا يتوفر عندهم أي مشايخ أو أي أحد يدرسون عليه العلوم؛ هل يقف؟ لا، الإنسان يتقي الله بما يستطيع، فهؤلاء ينبغي أن يتعلموا فكرة التعلم الذاتي. نعم المعلم شيء جيد في التحصيل واضح، لكن المعلم يعطيك فقط قواعد ويعطيك كشافاً تسير به، لكنك أنت الذي ينبغي أن تمارس التعلم بنفسك. لذلك ينبغي عليك أن تتعلم كيف تنتفع من الدروس المسموعة والمرئية. الحمد لله الآن الدروس تملأ الإنترنت في كل الأبواب وفي أدق المسائل، ينبغي أن تتعلم كيف تطالع وتقرأ قراءة سريعة للكتب السهلة، مثل كتب التاريخ وكتب السيرة والكتب يعني التي فيها قصص أو التي لا تحتاج يعني قراءة تأصيلية.
تحتاج أيضاً أن تتعلم كيف تذاكر كتاباً صعباً، كيف تذاكر كتاباً مركزياً في العلم. تحتاج كذلك أن يكون عندك جدول للحفظ، ولو كل يوم حديث أو كل يوم خمس آيات. تحتاج أن تتعلم كيف تجرد المطولات الطويلة، مثل كتب السنن والآثار والمجموعات العلمية، مثلاً كتاب تفسير الطبري، مثلاً كتاب تاريخ بغداد، كتاب تاريخ دمشق، تاريخ الطبري، مثلاً كتاب مجموع الفتاوى، الكتب الكبيرة، تتعلم كيف تقرأها قراءة سريعة، كمسند أحمد مثلاً، هذه الكتب أن يكون لك ورد فيها.
كذلك جدول تلخيص الكتب المهمة في أبوابها والأبحاث المحققة؛ واضح يا شباب؟ تحتاج أن تتعلم كيف تلخص البحث، مثلاً أنت قرأت بحثاً جميلا في باب الأسماء والصفات أو في باب القدر، أو مثلاً بحثاً في علوم القرآن، تحتاج أن تتعلم كيف تقرأ هذا البحث ثم كيف تستخلص أهم أفكاره وتلخصه في مثلاً عشر صفحات، واضح؟ يمكن أن تلقيه في محاضرة أو في درس في مسجد وهكذا.
أيضاً يا شباب، من أهم وسائل تحصيل العلوم وهذه أشدد عليها كثيراً: المدارسة الجماعية؛ ينبغي أن يكون لك مجموعة يجتمعون بالأبدان أو حتى عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، ينبغي أن يكون لك مجموعة يعيشون معك نفس الحلم، لهم نفس الأهداف، واضح يا شباب؟ حتى لو كان بينك وبينهم آلاف الكيلومترات، واضح؟ ينبغي أن تجتمعوا، تختارون كتباً مناسبة لأهدافكم، وتحددون منهجية للقراءة والدراسة، وكل واحد ممكن يكون له تكليف في قراءة الكتاب؛ مثلاً هذا يأتي بفوائد في العقيدة، هذا يأتي بفوائد في الحديث، هذا يأتي بفوائد لغوية، هذا يلخص الكتاب مرة وهذا يلخص مرة أخرى وهذا يدير الجلسة وهكذا. المدارسة الجماعية من أهم ما يتكون به طالب العلم.
عن تجربة شخصية، من أهم ما أكرمني الله به في محاولتي المتواضعة لطلب العلم هو أن الله سبحانه وتعالى رزقني إخوة كراماً يعني ذوي همم وعقل وحسن خلق وقلب سليم فيما أحسبهم، ونفعني الله سبحانه وتعالى بهم كثيراً جداً، واضح يا شباب؟ المدارسة الجماعية أمر مهم، حتى لو كان من تدرس معهم أقل منك في المستوى، لأن بعض الشباب يحرص دائماً على أن يكون مع من هم أعلم منه، لا لا يلزم، ربما يكون الأخ تنتفع منه في أدبه، في خلقه، في دينه، في محافظته، في محافظته على المواعيد وفي احترامه للدروس، واضح يا شباب؟ لا يكن فقط همك أن تنتفع ولكن يكون همك أن تنفع، ولا بد أن تكون بصيراً بأوجه النفع. يعني يمكن أن تكون علاقتك بشخص لأنه تستفيد منه خلقاً أو أدباً أو حلماً، أو مثلاً يملك نفسه عند الغضب، أو تستفيد منه المحافظة على الوقت احترام المواعيد وهكذا شباب. ومع ذلك فوجود الذين مستواهم ضعيف، لكنهم مهتمون بالدرس، هؤلاء الإخوة لهم فائدة كبيرة وهي أنهم يعلمونك كيف تشرح لمن لا يعرف المسألة.
أيضاً يا شباب من الأمور المهمة أن يتدرب الطالب على تحضير الكتب للتدريس؛ أنت مثلاً حضرت كتاباً شرح لك، لابد أن تتعلم كيف تحضر هذا الكتاب لتدرسه غيرك، وتتعلم كيف تحضر محاضرة عن موضوع معين، مثلاً تحضر محاضرة عن تزكية النفس، تحضر محاضرة عن وسائل الثبات على دين الله، تحضر محاضرة عن تربية الأبناء، تحضر محاضرة عن أخلاق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. كذلك تتعلم كيف تخطب، كيف تدرس، كيف تشرح.
وكذلك ينبغي أن يكون لك بحث علمي في مسائل مختارة تتدرب عليها للدراسة، يعني تأخذ مثلاً تقول والله أنا عايز أريد أن أتدرب على مسألة، تحاول مثلاً أن تتدرب على أن تأتي بحديث معين وتحاول أن تجمع فيه ما قيل فيه، أو تأتي بآية مع آية أخرى ظن بينهما تعارض، أو تأتي بحديث قيل إنه يعارض آية، أو تأتي إلى مسألة مشهورة، مثلاً كمسألة الخروج على الحاكم، فتعرف صورتها وتجمع الأدلة.
ينبغي يا شباب أن تنوع في تكوينك العلمي؛ بمعنى أن تهتم بأن يكون لك أكثر من سبيل لتحصيل العلم. إما أن تهتم فقط بمجرد القراءة أو حضور الدروس، لا، ينبغي أن يكون عندك تنوع في مصادر المعرفة. كل مصدر يفيدك أمرا خاصا لا يفيده الآخر. القراءة السريعة لها فائدة، القراءة التأصيلية لها فائدة، حضور الدورات له فائدة، الاستماع إلى الدورات والمحاضرات عن طريق الإنترنت له فائدة، الدراسة الجماعية لها فائدة، تلخيص الكتب له فائدة.
كذلك تحضير المحاضرة وتحضير الكتب وتحضير الدروس وتحضير الخطب هذا له فائدة. المدارسة الجماعية لها فائدة. البحث العلمي له فائدة. واضح يا شباب؟ إذا كلما تنوعت السبل وكثرت وسائل تلقي العلم كلما تكونت المهارات لدى الطالب. أنت مثلا تقول والله فلان هذا عنده معلومات كثيرة، لكنه لا يحسن عرضها، أو لا يحسن الاستدلال لها، أو لا يحسن أن يناقش هذه المسائل. ويا شباب، كثير من المشايخ الذين عندهم علم كبير جدا كل الدورات التي يذهبون إليها تفشل، لماذا؟ لأنهم ليس عندهم موهبة إلقاء الدورة. عنده علم كبير جدا، ربما شخص آخر أقل منهم علما، لكنه يحسن أن يدير الدورة ويخرج من الدورة وقد أتم أهدافها وانتفع منه الطلاب. واضح يا شباب؟
كذلك يمكن أن يكون... أنا أعرف مثلا أشخاصا درسوا عشرات الكتب في لسان العرب واللغة العربية، ومع ذلك لا يحسنون الكلام بلسان العرب أو باللغة الفصحى مثلا دقيقتين دون لحن. واضح يا شباب؟ ليه؟ لأنهم لم يمارسوا ذلك عمليا. إذا كلما تنوعت المهارات وتنوعت سبل طالب التكوين وطلب العلم، كلما نبل الطالب واكتملت مهاراته.
رابعا يا شباب، يحتاج الدارس لتراث إمام ما أن يفرق في كلامه بين موضع الدراسة المفصلة لمسألة، وبين الموضع الذي ذكر فيه قولا دون تفصيل أو استدلال. يعني إيه يا شباب؟ يعني أنا مثلا أحيانا أقرأ كلاما للإمام ابن تيمية رحمه الله، قال فيه قولا لكنه لم يعتني لا بتحرير القول، ولا بتحرير المسألة، ولا ذكر الأقوال، ولا ذكر وجه الاستدلال من الأدلة، ولم يناقش، لا، ذكر فقط اختيارا له في مسألة. لابد أن نفرق بين هذا الموضع وبين الموضع الذي يعتني فيه بالمسألة اعتناء خاصا، يذكر فيه المسألة وتهاوى الأقوال ووجه الاستدلال لكل قول، ويناقش ويصل إلى نتيجة، ويجيب عما يشكل عنها، ويرد على المخالفين. آه، في فرق بين الموضع أو المسألة أو النتيجة التي تذكر عرضا، وبين الموضع الذي خصص في كلام الإمام لمسألة معينة. وهذا يا شباب، قليل جدا من من القراء هم الذين يحسنون ذلك. بعضهم يترك الموضع الذي فصل فيه الإمام، ويأتي إلى موضع يعني ذكر الإمام فيه المسألة عرضا. الطالب والشباب يحتاج إلى هذه المهارات حتى ينتفع ويخرج بأقصى فائدة من استقرائه لتراث الأئمة.
السؤال هنا يا شباب، كيف نقرأ لنستخلص منهجية إمام ما؟ يعني أنا أقرأ كتابا مثلا، أقرأ كتابا مثلا لمحمد بن الحسن الشيباني، أو للبيهقي، أو أقرأ كتابا مثلا لابن تيمية أو لابن القيم أو ابن رجب الحنبلي أو للمزي، أو أقرأ سؤالات لإمام أحمد سأله إياها عبد الله ابنه. كيف أقرأ لأعرف منهجية هذا الإمام؟ أول أمر يا شباب، أسأل هذه الأسئلة: ما هي المسألة أو القضية التي يبحثها الإمام؟ اثنان، ما هي النتيجة التي يريد المؤلف الوصول إليها؟ ماذا يريد أن يصل من نتائج؟ ثلاثة، كيف بحثها؟ وكيف نظر فيها؟ كيف بحث تلك المسألة؟ يعني من أين بدأ؟ كيف جمع الأدلة؟ ما هي المصادر التي اعتمد عليها؟ الطبري مثلا حينما يفسر، من هم المفسرون المعتبرون من السلف الذين يرجع إليهم؟ ومن هم اللغويون الذين يعتني بهم؟ من هم الشعراء الذين يحتج بهم؟ كذلك كيف يعرض الأقوال؟ كيف يناقشها؟ كيف يدلل بأدلتها؟ وإذا وصل إلى نتيجة، كيف يقررها؟ كيف يعرضها؟ ما هي الأصول التي بنى عليها قوله، مثلا في النسخ أو في قبول الإسرائيليات؟ واضح يا شباب؟
كذلك ما هي أدلته؟ وما وجه استدلاله؟ كيف ناقش ما يشكل على قوله؟ كيف ناقش الاقوال المخالفة له؟ أقولها مرة أخرى حتى تثبت عندك: ما هي المسألة أو القضية التي بحثها المؤلف؟ اثنان، ما هي النتيجة التي يريد أن يصل إليها؟ ثلاثة، كيف بحث المسألة؟ كيف نظر فيها؟ كيف وصل إلى تلك النتيجة؟ كيف قررها وعرضها؟ ما هي الأصول التي بنى عليها قوله؟ ما هي أدلته؟ وما وجه استدلاله من كل دليل على المسألة؟ كيف ناقش ما يشكل على قوله؟ كيف ناقش المقالات المخالفة لقوله؟ واضح يا شباب؟ بهذه الصورة يستطيع طالب العلم عند قراءته أن يغنم فوائد كثيرة أثناء القراءة، لا يكون همه فقط أن يقرأ ليعرف النتيجة.
الآن يا شباب وصلنا إلى المقدمة الثانية الرئيسة في هذه المحاضرة، وهي: لماذا الإمام ابن تيمية رحمه الله؟ لماذا اخترت أن نبدأ بتراث هذا الإمام؟ ما هو مشروع هذا الإمام الكبير العلمي؟ وما هي معالم مشروعه؟ ما هي الميزات التي تميز بها هذا الإمام وكيف يسهم هذا الإمام في تكوين طالب العلم خلقيا ومعرفيا ومهاريا؟ ابن تيمية أحد أكابر أولئك الأئمة المحققين الذين احتسبوا أعمارهم لفقه الشريعة والعلم بها من الوحي ومن هدي النبي صلى الله عليه وسلم وما كان عليه الصحابة الكرام، وبيان هذا الدين ورد كل ما يعارضه، وجاهد في سبيل ذلك وابتلي وصبر. الإمام ابن تيمية أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني، المتوفى عام ثماني وعشرين وسبعمائة عن سبع وستين عاما وثمانية أشهر وعشرة أيام. لعله من الصعب جدا يعني أن نترجم لهذا الإمام، لكني سأشير إلى أهم الكتب التي ترجمت له لمن يريد أن يتوسع.
من أهم الكتب التي ترجمت له، كتاب جمع ما كتب عن الإمام خلال سبعة قرون، وهو كتاب كبير بعنوان الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون، طبع دار عالم الفوائد، إعداد الشيخين الكريمين محمد عزير شمس وعلي بن محمد عمران. كذلك من الكتب المهمة المركزة التي ترجمت للإمام وتحدثت عن حياته ونشأته وتكوينه وعلمه وجهاده وصبره ومصنفاته، كتاب بعنوان معجم ما طبع من مصنفات شيخ الإسلام للدكتور محمد يسري سلامة رحمه الله.
لكني هنا يا شباب أركز على مشروع ذلك الإمام، وفي رأيي أن الحديث عن الأئمة ينبغي أن يكون من جهة كيف ننتفع من هذه الترجمة، يعني إذا اردت أن تقرأ تراث إمام أو تقرأ سيرة إمام، ينبغي أن تلاحظ ما هي المعاني التي يمكن أن تنتفع أنت منها. لذلك سأركز على مشروع الإمام ابن تيمية رحمه الله، هذا المشروع يا شباب يمكن أن نلخصه في أربع نقاط.
النقطة الأولى: فقه الشريعة إيمانا وأحكاما واستقامة، من الوحي ومن بيان هدي النبي صلى الله عليه وسلم وما كان عليه الصحابة الكرام. ابن تيمية رحمه الله أراد أن يفقه شريعة الإسلام في باب الإيمان والأحكام والاستقامة والتزكية من خلال الوحي، ومن خلال بيان الوحي وهو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومن خلال ما كان عليه الصحابة الكرام. وجعل ذلك المنطلق في جميع أبواب الدين: في الإيمان، وفي الأخلاق، وفي الأحكام، وفي الاستقامة، وفي الولاية، وفي كل الأباب؛ فجعل الوحي وهدي النبي صلى الله عليه وسلم وما كان عليه الصحابة المنطلق في جميع أبواب الدين، وجعله المرد عند التنازع -يعني عند الاختلاف- يكون هو الفاصل بين النزاع. وكذلك جعله الميزان الذي توزن به جميع الملل والفرق والمذاهب والمقالات.
المعلم الثاني لمشروع الإمام ابن تيمية: العلم بالفرق والمقالات والملل وفهمها، والعلم بحججها وبالأصول التي بنيت عليها. يعني الإمام ابن تيمية بعدما اعتنى بفقه شريعة الإسلام من خلال الوحي، اعتنى في المرة الثانية -أو في اعتنائه الثاني- بأن يعرف كل الفرق والمقالات والملل، وأن يفهم هذه الفرق كيف نشأت، وأن يفهم مراحل تطورها، وأن يفهم مقالاتها، وأن يعرف حججها، وأن يعرف الأصول التي بنيت عليها.
الأمر الثالث في مشروع الإمام: بيان الحق في جميع أبواب الدين بحججه من الوحي ومن هدي النبي صلى الله عليه وسلم وما كان عليه الصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان، بكل حجة ممكنة صحيحة. فبعد أن عرف الحق وعرف الباطل أو عرف المقالات الفاسدة التي نسبت للأديان أو نسبت للإسلام، أراد أن يبين الحق بحججه، وأن يشرح هذا الحق وأن يقرره وأن يستدل له بكل حجة ممكنة.
الأمر الرابع والأخير: بيان المقالات الباطلة في جميع أبواب الدين، وشرح هذه المقالات، وبيان على ماذا استدلت -بماذا استدلت وما هي الأصول التي بنيت عليها وكيف نشأت- ثم نقد هذه المقالات وردها.
الآن يا شباب سأسوق جملا من كلامه، يعني ستعرف وستفهم مشروعه من خلال هذه المقالات. مثلا قال الإمام حينما سئل عن عقيدته، قال رحمه الله: أما الاعتقاد فلا يؤخذ عني ولا عن من هو أكبر مني، بل يؤخذ عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وما أجماع عليه سلف الأمة. وقال كذلك -أريدك أن تتدبر هذه المقالات، لأنها مقالات رئيسة، يعني جمل من العلم والحكمة والخلق ينبغي أن يعتني بها طالب العلم لتكون منطلقا له في فقهه للشريعة-: فعلى كل مؤمن ألا يتكلم في شيء من الدين إلا تبعا لما جاء به الرسول، ولا يتقدم بين يديه، بل ينظر ما قال فيكون قوله تبعا لقوله، وعلمه تبعا لأمره. فهكذا كان الصحابة ومن سلك سبيلهم من التابعين لهم باحسان وأئمة المسلمين. يعني هكذا كان أئمة المسلمين.
قال ابن تيمية: فلهذا لم يكن أحد منهم يعارض النصوص بمعقوله، ولا يؤسس دينا غير ما جاء به الرسول. وإذا أراد معرفة شيء من الدين والكلام فيه، نظر فيما قاله الله وقاله الرسول، فمنه يتعلم وبه يتكلم وفيه ينظر. فهذا أصل السنة.
هنا ابن تيمية يتحدث عن أن منطلق البحث والنظر في أي مسألة تخص دين الإسلام، ينبغي أن يكون الوحي وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، ثم التابعون لهم بإحسان.
قال أيضا رحمه الله: ينبغي لمن أراد أن يعرف الإسلام أن يتأمل النصوص النبوية، ويعرف ما كان عليه الصحابة والتابعون، وما قاله أئمة المسلمين ليعرف المجمع عليه والمتنازع فيه. يعني ينبغي إذا أردت أن تفقه بابا من الأبواب أن تجمع ما جاء في الباب من الوحي من كلام الله تبارك وتعالى ومن كلام نبيه صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه الصحابة ثم أقوال التابعين وأئمة الإسلام، لتعرف ما الذي أجمعوا عليه وما الذي تنازعوا فيه.
كذلك قال -وانظر هنا لمعنى التعبد والتزكية أثناء طلب العلم، يعني ابن تيمية يعلمك كيف تستحضر معاني التزكية والنيات الصالحة وأنت تدرس الشريعة- قال رحمه الله: فاذا افتقر العبد إلى الله ودعاه وأدمن النظر في كلام الله وكلام رسوله والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، فتح له طريق الهدى. إذا افتقر العبد إلى ربه؛ يبقى هذا عامل يا شباب، العامل هو العامل النفسي، إرادة الخير وليس إرادة أن تنتصر لقولك لا، افتقر العبد إلى ربه ودعاه، هذه هي الأولى: استعن بالله ولا تعجز، يعني لا تقصر في النظر أو في الأخذ بأسباب الفهم.
كذلك الإمام رحمه الله أعمل هذا المنهج في بعض الأبواب، وهو منهج أن يذكر ما جاءت به الشريعة وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يذكر الخلاف أو الأقوال المخالفة، ويزن هذه الأقوال المخالفة بالوحي. قال رحمه الله في كتابه الإيمان الأوسط -وهو أفضل كتاب شرح فيه مسائل الإيمان بسهولة وترتيب ويسر، حينما تكلم عن مسائل الإيمان والكفر-: ونحن نذكر ما يستفاد من كلام النبي صلى الله عليه وسلم مع ما يستفاد من كلام الله تعالى، سيصل المؤمن إلى ذلك من نفس كلام الله ورسوله، فإن هذا هو المقصود. فلا نذكر اختلاف الناس ابتداء، بل نذكر من ذلك في ضمن بيان ما يستفاد من كلام الله ورسوله، ما يبين أن رد موارد النزاع إلى الله وإلى الرسول خير وأحسن تأويلا وأحسن عاقبة في الدنيا والآخرة.
يريد أن يقول لك: حينما تدرس بابا من الأبواب، اجعل المنطلق من الوحي، ثم اجعله المحكم والميزان، زن به كل الأقوال وكل الجماعات وكل الفرق وكل الملل، واضح يا شباب؟ وإن كنت مع ذلك تستصحب هدي النبي صلى الله عليه وسلم وفقه الصحابة الكرام وكذلك ما كان عليه الأئمة والتابعون للصحابة بإحسان.
قال كذلك الحديث عن دلالات الألفاظ الشرعية: وهو من أنفع الأمور في معرفة دلالات الألفاظ مطلقا، وخصوصا الفاظ الكتاب والسنة، وبه تزول شبهات كثيرة كثر فيها نزاع الناس في جملتها؛ مسألة الإيمان والإسلام، فإن النزاع في مسماهما أول اختلاف وقع افترقت الأمة لأجله، وصاروا مختلفين في الكتاب والسنة، وكفر بعضهم بعضا وقاتل بعضهم بعضا، كما قد بسطنا هذا في موضع آخر أو في مواضع أخرى، إذ المقصود هنا بيان شرح كلام الله ورسوله على وجه يبين أن الهدى كله مأخوذ من كلام الله ورسوله بإقامة الدلائل الدالة، لا بذكر الأقوال التي تقبل بلا دليل وترد إلى دليل، أو يكون المقصود بها نصر غير الله ورسوله، فإن الواجب أن يقصد معرفة ما جاء به الرسول.
اتباعه بالأدلة الدالة على ما بيّنه الله ورسوله؛ ابن تيمية يريد أن يقول إنك في طلبك لأي مسألة ما تحتاج إلى أمرين: أن تقصد الحق، وأن تأخذ بالأسباب، وأعظم الأسباب أن تبدأ من النظر في الوحي، وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام، وأن تزن كل الأقوال بهذا الميزان.
لما ناقش الإمام ابن تيمية بعض المخالفين في الألفاظ الشرعية قال: فلهذا يحتاج الناس إلى شيئين؛ أحدهما: معرفة ما أراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بألفاظ الكتاب والسنة، بأن يعرفوا لغة القرآن التي نزل بها، أو بها نزل، وما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر علماء المسلمين في معاني تلك الألفاظ.
ثم قال: ثم معرفة ما قال الناس في هذا الباب، لينظر المعاني الموافقة للرسول والمعاني المخالفة لها.
يعني إيه يا شباب؟ يعني هنا نتكلم عن الألفاظ، إذا جئنا لنفترض المحبة أن المؤمن يحب الله، أو مثلاً لفظ السنة، أو لفظ القرآن، أو لفظ الوحي، أو أي لفظ من الألفاظ، لفظ العبادة، لفظ الصراط، هذا اللفظ حتى تدرك دلالته ينبغي أن تتعلم اللسان الذي نزل به القرآن، وأن تنظر كيف فسره النبي صلى الله عليه وسلم وأئمة الصحابة الكرام، واضح؟
ثم تنظر بعد ذلك، هل استعملت تلك الألفاظ بتلك الدلالات أم لا؟ يعني تجعل الوحي هو الميزان.
قال كذلك رحمه الله في حديثه عن بينات الحق: بين أن كل دليل صحيح إنما يدل على الحق.
وقال رحمه الله: إن جميع ما يحتجون به في هذه الآيات وغيرها فهو حجة عليهم لا لهم، وهكذا شأن جميع أهل.. إذا احتجوا بشيء من كتب الله وكلام أنبيائه كان نفس ثم احتجوا به ما يدل على فساد قولهم؛ وذلك لعظمة كتب الله المنزلة وما أنطق به أنبيائه، فإن الله جعل ذلك هدى وبيانا للخلق وشفاء لما في الصدور.
فلابد أن يكون في كلام الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين من الهدى والبيان ما يفرق الله به بين الحق والباطل والصدق والكذب، لكن الناس يؤتون من قبل أنفسهم لا من قبل أنبيائه تعالى.
هذا حرره في كتاب عظيم له رد فيه على بعض النصارى الذين ادعوا أن دينهم هو الحق، هو كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، يريد أن يقول ابن تيمية: كل دليل يستدل به على الباطل إذا تفكرنا فيه فإن نفس هذا الدليل يدل على الحق ويدل على خلاف الباطل.
يعني يريد أن يقول إن هؤلاء وإن استدلوا بالوحي إلا أنهم أخطأوا فهمه، ولو أن الناقد ركز في هذا الدليل لاستطاع أن يستثمره في بيان الحق وفي رد الباطل.
وهنا قول جامع أعجبني جداً حينما كنت أقرأ كتاب النبوات للإمام ابن تيمية، وكتاب النبوات يا شباب من الكتب التي فيها صعوبة، أنا كنت أحببت أن أنا أقرأ هذا الكتاب من حوالي تقريبا عشر سنوات فأخذت الكتاب كدة ورحت في مكان جميل وقلت يعني إيه أختار مكان رايق عشان أسامح أو عشان أحاول أفهم الكتاب.
صراحة أول ما بدأت في الكتاب صعب علي جداً، حاولت أن أنا أتجاوز، يعني إيه أمشى بالقاعدة ما لم تستطع فجاوزوا إلى ما تستطيع، فبدأت أقرأ شوية أحس أن أنا فاهم عشرة في المية، بعد شوية أتعب، تعبت صراحة في الكتاب لحد ما نهيته، لكني شعرت أن أنا محتاج مقدمات قبل هذا الكتاب، وهذا يا شباب يحصل كثيراً لبعض الطلاب.
هذه قاعدة: أي كتاب تقرأه ويصعب عليك اععلم أنه ينبغي أن يكون قبله كتب أو مقدمات أنت لم تأخذها، بعض الناس مثلاً يقول لك أنا لما بقرأ كتاب درء تعارض العقل والنقل بكون عايز أخبط دماغي في الحيطة صح؟ لأنك لم تأخذ بأسبابه، لم تدخل البيوت من أبوابها، إيش اللي خلاك تنط لكتاب درء التعارض؟ واضح؟ تأتي إلى كتاب من أصعب كتب الإسلام ومن أصعب كتب ابن تيمية وتبدأ بها؟ هذا خطأ.
لكنك لو تدرجت في هذه الكتب سيسلمك كل كتاب إلى ما بعده، وبالفعل لما تركت هذا الكتاب وقرأت المقدمات المناسبة في باب النبوات أو في معاني المنطق أو في الفرق ومقالات الفرق في هذه الأبواب سهل علي الكتاب، والفضل لله تبارك وتعالى وحده.
أعجبني في هذا الكتاب نقل عظيم جداً أظن أن ابن تيمية استخلص منه مشروع حياته، اسمعوا كده يا شباب، ابن تيمية ماذا يقول عن القرآن؟ قال ابن تيمية رحمه الله: قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185].
قال ابن تيمية: فأنزله هادياً للناس وبينات من الهدى والفرقان، فهو يهدي الناس إلى صراط مستقيم، يهديهم إلى صراط العزيز الحميد الذي له ما في السماوات وما في الأرض بما فيه من الخير والأمر، وهو بينات ودلالات وبراهين من الهدى؛ من الأدلة الهادية المبينة للحق، ومن الفرقان المفرق بين الحق والباطل والخير والشر والصدق والكذب والمأمور والمحظور والحلال والحرام.
وذلك أن الدليل لا يتم إلا بالجواب عن المعارض، فالأدلة تشتبه كثيراً بما يعارضها، فلابد من الفرق، يقصد التفريق بين الدليل الدال على الحق وبين ما يعارضه ليتبين أن الذي عارضه باطل، فالدليل يحصل به الهدى وبيان الحق، لكن لا بد مع ذلك من الفرقان وهو الفرق بين ذلك الدليل وبين ما عارضه، والفرق بين خبر الرب والخبر الذي يخالفه، فالفرقان الذي يحصل به التمييز بين المشتبهات.
ومن لم يحصل له الفرقان كان في اشتباه وحيرة، والهدى التام لا يكون إلا مع الفرقان، فلهذا قال أولاً: هدى للناس، ثم قال: وبينات من الهدى والفرقان، فالبينات الأدلة، وعلى ما تقدم من الهدى وهي بينات من الهدى الذي هو دليل على أن الأول هدى، ومن الفرقان الذي يفرق بين البينات والشبهات والحجج الصحيحة والحجج الفاسدة.
ثم قال يا شباب: والله أنزل في كتبه البينات والهدى، فمن تصور الشيء على وجهه فقد اهتدى، ومن عرف دليل ثبوته فقد عرف البينات، التصور الصحيح اهتداء، والدليل الذي يبين التصديق بذلك التصور بينات.
هذا الكلام يا شباب تحفة، ده نور، كلام عليه نور، ماذا يقول الإمام؟ يقول الإمام إن الإنسان إذا عرف الحق فقد خطى خطوة، لكن يبقى يحتاج إلى معرفة أدلة ذلك الحق، وأن يعرف بطلان ما يعارضه من الباطل، فهذه هي الصورة المتكاملة التي أنزل لها القرآن: واحد: هدى للناس، اتنين: بينات على الهدى، ثلاثة: فرقان بين الحق والباطل، واضح يا شباب؟
قال كذلك الإمام، ركزوا بقى في الفكرة دي ليبين أنه ليس كل من يعرف الحق يحسن الاستدلال له، وليس كل من يحسن الاستدلال له أحسن أن يرد الباطل أو أن يجيب على ما يخالف.
قال الإمام رحمه الله: وليس كل من وجد العلم قدر على التعبير عنه والاحتجاج له، العلم شيء وبيانه شيء آخر، والمناظرة عنه وإقامة دليله شيء ثالث، والجواب عن حجة مخالفه شيء رابع.
الله! شوف يا شباب بيقول إيه؟ يقول ليس كل شخص يعرف الحق يقدر أن يعبر عنه، طيب شخص يعرف الحق وعبر عنه لكنه لا يحسن الاحتجاج له، شخص يحسن الاحتجاج له لكن لا يحسن أن يناظر عنه وأن يدافع عنه وأن يجيب عن الشبهات التي تثار حوله وأن يرد الباطل.
هذه هي الصورة المتكاملة يا شباب، أن تعرف الحق، وأن تعرف حججه، وتستدل له، وتحسن التعبير عنه، وأن ترد الباطل.
طيب، قال الإمام كذلك فائدة مهمة جداً يا شباب: لابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية ترد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات، فيتولد فساد عظيم.
أنا شرحت هذه الفكرة في منشور تقريبا كتبته أمس، أتكلم فيه عن الطلاب الذين يتعلمون المسائل المتفرعة عن الأبواب دون أن يعرفوا القواعد والمحكمات والباب الذي تفرعت عنه تلك المسألة، فإنهم لا يستطيعون أن يعرفوا لا الجزئيات ولا الكليات.
قال كذلك الإمام في بيان هذه النظرة الدقيقة في دراسة أي مسألة، وأنه وأن نقد الباطل ينبغي أن يبنى على معرفة هذا الباطل ومعرفة أدلته وكيف نشأ.
قال رحمه الله في بيان أهمية العلم بالمقالات ونشأتها وأصولها: وكل ما من كان أعرف بفساد الباطل كان أعرف بصحة الحق.
أعيدها تاني يا شباب: كل من كان أعرف بفساد الباطل كان أعرف بصحة الحق. يا سلام يا شباب! تكملة الكلام ده جميلة جداً، اختصرتها يعني لكم، لكن فيها فكرة جميلة، بيقول: الذي ذاق الجوع هو الذي يقدر معنى الشبع، الذي ذاق الخوف هو الذي يقدر معنى الأمن، واضح يا شباب؟ الذي ذاق الفقر هو الذي يقدر معنى الغنى.
كذلك يا شباب الذي خبر الباطل هو الذي يعرف قيمة الحق، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في بيان معنى حلاوة الإيمان: قال: «أن تكره أن ترجع إلى الكفر بعد إذ أنقذك الله منه كما تكره أن تقذف في النار».
ليه يا شباب؟ لأنك ذقت مر الكفر وذقت حلاوة الإيمان، فلا يمكن أن تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.
قال رحمه الله أيضاً: إن معرفة أصول الأشياء ومبادئها ومعرفة الدين وأصله وأصل ما تولد فيه من أعظم العلوم نفعاً، إذ المرء ما لم يحط علماً بحقائق الأشياء التي يحتاج إليها يبقى في قلبه حسكة.
الحسكة دي برضه يعني معناها يبقى في قلبه ريب أو شك يعني أو غصة يعني، والحسا كده دي بلد منها بعض طلاب العلم الذين كنت أدرسهم من السوريين وأحبهم كثيراً جداً.
قال كذلك الشيخ: فإن معرفة المرض وسببه يعين على مداواته وعلاجه، ومن لم يعرف أسباب المقالات وإن كانت باطلة لم يتمكن من مداوة أصحابها وإزالة شبهاتهم.
شوف كيف عبر! بيقول: كيف ترد قولا وأنت لا تعرف معنى القول ولم تعرف أدلته ولا كيف نشأ ولا من قال به؟ كيف تستطيع أن تكشف هذا الباطل وكيف تستطيع أن تداوي أصحابه؟
شوف يا شباب الرحمة، كيف عبر بكلمة مداواة أصحابها وإزالة شبهاتهم؟ لأن العلم يا شباب هو رحمة، شوف ربنا يتكلم عن الخضر: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: 65]، علم بالحق ورحمة بالخلق، شوف يقول تداوي أصحابه يعني تحب الخير، خير لهم، تعرف ما هي شبهاتهم، تسعى في إنقاذهم، تحب لهم الخير، تكلمهم باللغة التي يحبونها، تثني عليهم بما فيهم من خير لأنك تريد لهم الخير.
قال الله تعالى عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]، يا سلام! يعني حريص عليكم، يعز عليه أن تكونوا على شر، فيحب لكم الخير.
كل إنسا ن دخل في طلب العلم أراد أن يتعلم وأن يتواضع لله وأن يعرف الحق وأن يدعو إليه وأن يعين من هم على باطل ليصيروا على الحق فهو على طريق الأنبياء.
وكل من دخل هذا الدين لدنيا أو لمنزلة أو يدعو إلى نفسه وجماعته ويريد أن يفحم خصومه لا يحب الخير لهم ولا يريد أن يهديهم فهو لا يدعو الله وليس على سبيل المرسلين.
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله أيضاً في بيان اتباعه لهذا المنهج، وهو منهج العلم بالباطل المفصل وبحججه وردها، قال رحمه الله: ركز: ونحن ولله الحمد قد تبين لنا بياناً لا يحتمل النقيض فساد الحجج المعروفة للفلاسفة والجهمية والقدرية الجهمية التي يعارضون بها كتاب الله، وعلمنا بالعقل الصريح فساد أعظم ما يعتمدون عليه من ذلك.
وهذا ولله الحمد مما زادنا الله فيه هدًى وإيماناً، فإن فساد المعارض مما يؤيد معرفة الحق ويقويه، وكل من كان أعرف بفساد الباطل كان أعرف في صحة الحق.
ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية.
قال ابن تيمية: وهذا حال كثير ممن نشأ في عافية الإسلام وما عرف ما يعارضه ليتبين له فساده، فانه لا يكون في قلبه من تعظيم الإسلام مثل ما في قلب من عرف الضدين.
يعني ابن تيمية يريد أن يقول إن من أعظم ثباتك على الحق أن تعرف الباطل وأن تعرف حججه وأن تعرف كيف يرد هذا الباطل، فإن هذا مما يقوي إيمانك ويقينك بالحق.
قال الإمام رحمه الله أيضاً في بيان أنك يجب إذا رددت الباطل أن ترده رداً قوياً واضحاً، ينبغي إذا أردت أن تناظر عن الإسلام أو أن تبين الحق وترد الباطل ينبغي أن ترده بكل طريق ممكن.
قال رحمه الله في بعض ردوده بعدما نقض هذا الباطل من أساسه: وقد نبهنا في هذا الرد على طرق مما يعلم به كذب ما يعتمدون عليه غير طريق أهل الحديث.
وكان يرد على الرافضة فبين أنهم اعتمدوا على أدلة وكذبوا، قال رحمه الله: وقد بينا كذبهم تارة بالعقل، وتارة بما علم من القرآن، وتارة بما علم بالتواتر، وتارة بما أجمع عليه الناس كلهم، هذا في كتاب منهاج السنة في الرد على الشيعة والقدرية، كان يرد فيه على..
الشيعة المعتزلة الذين تشيعوا، اللي هم الشيعة القدرية، يعني الشيعة المعتزلة. واضح يا شباب؟ فبين أنه رد الباطل بكل طريق ممكن، لكن هنا فائدة دقيقة جداً يا شباب.
الإمام ابن تيمية وإن كان يعتني برد الباطل ورد الشبهات، لكنه مع ذلك ليس معنياً بالجواب عن كل شبهة، واضح؟ لكن يعتني بذكر المحكمات القطعيات التي تثبت الحق وتجتث الباطل من أساسه.
واضح؟ فهذا يغني عن التعرض لكل شبهة شبهة. يعني مش لازم أنت وأنت تقرر الحق تستقصي كل الشبهات، لا، تأتي بأقوى الشبهات وتردها. فكان يناقش الرافضة الذين ينكرون ويجحدون إمامة الصديق أبي بكر والفاروق عمر وذي النورين عثمان رضي الله عنه، وذكر شبهات متهافتة تافهة، واضح؟ فماذا قال ابن تيمية؟ قال: وجملة ذلك أن كل ما يورده القادح فلا يخلو عن أمرين؛ أما نقل لا نعلم صحته، أو لا نعلم دلالته على باطل لإمامتهم. وأي المقدمتين لم يكن معلومًا لم يصح لمعارضته ما علم قطعاً. يعني بيقول: أنتم تنكرون أباکر وعمر وعثمان رضي الله عنهم بأدلة إما أنها كذب أو وجه الاستدلال منها باطل.
ثم ماذا قال؟ ركز في القاعدة لتفهم كيف تتعب نفسك في الاتجاه الصحيح. ليست كل شبهة شباب تثار يجب أن نهتم بها وأن نقرأ لها وأن نعمل لها فيديوهات، لا، نعتني بالشبهات الكبيرة، واضح؟ التي يمكن أن تشتبه، ويكون رد الشبهات ببيان المحكمات. وخير طرق النهي عن المنكر الأمر بالمعروف، وخير طرق رد البدعة بيان السنة. قال ابن تيمية: وإذا قام الدليل القطعي على ثبوت إمامتهم لم يكن علينا أن نجيب عن الشبه المفصلة، كما أن ما علمناه قطعاً لم يكن علينا أن نجيب عما يعارضه من الشبه السفسطائية. سفسطائية يعني استفسار، اللي هو واحد يا شباب يعني يجادل بالباطل. السفسطة هي الجدال بالباطل. واضح أن واحد يكون مثلاً الشمس أمامك وأنت تقول له: الشمس أمامي، فيقول لك: لا، دي ممكن تكون لمبة كبيرة، ممكن تكون لمبة مثلاً ألف فولت مثلاً! يعني ده عارف أن الشمس موجودة بس يجادل بالباطل. تقول لواحد زائد واحد يساوي اتنين يقول لك: لا، ما هو ممكن يكون واحد تخين شوية يساوي تلاتة! فاهم، دي اسمها الشبه السوفسطائية، واضح، ودي انتشرت، لذلك صنف بعض متأخري الفلاسفة في المنطق ليضبطوا هذه الشبهات أو هذا المنهج. وسيأتي إن شاء الله الحديث عن هذا.
قال ابن تيمية: وليس لأحد أن يدفع ما علم أيضاً يقيناً بالظن، سواء كان ناظراً أو مناظراً، بل أن تبين له وجه فساد الشبهة، يعني تبين لهذا الشخص فساد الشبهة. ليس عليك أن تستقصي كل شبهة من الشبهات، واضح يا شباب؟ ثم بين أن إمامة الأئمة الثلاثة ثبتت عندنا بيقين، فلا يلزمنا ولسنا مشغولين بأن نرد كل شبهة سفسطائية.
هؤلاء هذه القاعدة شباب، اللي هي فكرة أن تعتني بالمحكمات قبل الاعتناء بالشبهات، قال عنها ابن القيم: أن هذه أعظم نصيحة أفدتها من ابن تيمية. ابن القيم تلميذ ابن تيمية رحمه الله. شوفوا ابن القيم يا شباب عاش مع ابن تيمية مدة وانتفع منه كثيراً. تصوروا أن هو في كتاب «مفتاح دار السعادة» ماذا قال؟ في واحد بيسأل: كيف تتعب نفسك في الاتجاه الصحيح؟ ده سؤال جميل. يعني الاتجاه الصحيح هو أن تتعلم المحكمات قبل أن تدخل في الجزئيات أو الشبهات أو الإشكالات، ثم تعتني بهذه المحكمات، تعرف أدلتها، وتعرف من أين أتت، وتعرف وجه الاستدلال، وتعرف الأصول والقواعد، ثم إذا أردت أن تدخل على الشبهات لا تهتم بكل شبهة ذكرت، وإنما تعتني فقط بالشبهة التي تستحق أن ترد، واضح؟
هنا سيأتي قول جميل للإمام ابن تيمية؛ نصيحة ابن القيم قال له: مش ممكن تنصحني نصيحة؟ فتصوروا بقى الإمام ابن تيمية سينصح حبيبه وتلميذه ابن القيم رحمه الله. والله نصيحة عظيمة جداً! قال عنها ابن القيم كما في كتاب «مفتاح دار السعادة»: ما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كفاعلي بذلك. قال الإمام ابن القيم ويبين الوصية، يقول: قال لي شيخ الإسلام رضي الله عنه وقد جعلت أورد عليه إيراداً بعد إيراد. يعني كل شوية عمال أجيب له إيه شبهة ورا شبهة ورا شبهة، يعني حل لي شبهة فأجيب له شبهة، مثلاً بيتكلموا في مسألة الإيمان، الإمام ابن تيمية حل الشبهة، فيبدأ ابن القيم يقول له: طب ماذا تقول في الشبهة دي؟ ابن تيمية ماذا قال له؟ ركز جداً واجعل هذه النصيحة في قلبك. قال ابن تيمية لابن القيم: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها، واضح؟ لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة؛ تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها، فيراها بصفائها ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشربت قلبك كله شبهة تمر عليها صار مقرا للشبهات، أو كما قال. وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليه صار مقرا للشبهات، أو كما قال.
يعني إيه يا شباب؟ يعني يقول له: نعم، يمكن لك أن تعرف الإشكالات والشبهات والإيرادات، لكن ينبغي أولاً أن تعرف الحق والمحكمات، وأن تنظر إلى الشبهة من خلال المحكم. مثلاً يا شباب، أنا عندي إشكال؛ مثلاً أنت سافرت إلى أوروبا أو إلى أمريكا، وجدت ناس نشأوا في الكفر وماتوا على الكفر، وممكن تقول في نفسك: طب الناس الطيبين دول الغلابة دول اللي أخلاقهم حلوة اللي ما يعرفوش حاجة عن الإسلام، ازاي ربنا هيدخلهم النار؟ يبقى دي شبهة يا شباب. هنا ينبغي أن ترد الجزء والشبهة إلى المحكم، وهو أن الله لا يظلم الناس شيئاً، واضح؟ وأن الله لا يظلم مثقال ذرة، واضح يا شباب؟ وأن الله يقيم الموازين القسط. هذه القاعدة المحكمة هي التي ترد لها كل شبهة. إذاً لا يلزم أن تعرف الجواب عن كل شبهة شباب، وإنما علمك بالمحكم يغنيك عن التعرض لكل شبهة. ومع ذلك يمكن أن تتعرف تفكر في الشبهة وأن تحاول أن تجيب عنها، لكن أن تجعل هذه الشبهة تقدح في القطعي المحكم الثابت فهذا هو الذي حذر منه ابن تيمية، وقال: سيصبح قلبك كالسفنجة.
الحديث هنا شباب يعني حاولت أن أذكر لكم أهم المقالات التي تبين أو يمكن أن نستخلص منها معالم مشروع الإمام ابن تيمية. أثر تراث الإمام ابن تيمية على طالب العلم يا شباب، الإمام ابن تيمية تراثه من أحسن ما يساهم في تكوينك العلمي خلقياً ومعرفياً. قبل الحديث عن ذلك، أقول إن بعض الدعاة وبعض المنسوبين لشيء من التخصص الذين ربما ضعفت عقولهم عن فهم تراث الإمام ابن تيمية وقصرت اهتمامهم عن طلب المقدمات التي تعينهم على فهمه والانتفاع منه، وجدت كثيراً منهم يزاهدون طلاب العلم في تراثه، في تراث الإمام، وربما يسخر منهم والله أو أظهروا الشفقة عليهم إذ رأوهم يدرسونه. يعني مستغرب، يقول لك: أنت بتتعب نفسك ليه؟ وبتدرس الكلام ده؟ بحجة حجج غريبة جداً، يقولون إنه ليس مفيداً أو أنه صعب أو أنه يستعمل ألفاظاً ومعاني ليست في القرآن، أو أن الانشغال به يلهي عن الكتاب والسنة! سبحان الله! كل ذلك شباب سمعته بالفعل ويحصل ورأيته من بعض الدعاة بالفعل يزاهدون طلاب العلم في تراث الإمام.
فأقول يا شباب بكلمة: والله لا أعلم تراثاً لإمام من أئمة المسلمين يعين على فقه الوحي من خلال معرفة الحق والاستدلال له وتنويع الأدلة من القرآن والحديث والعقل وكلام الصحابة والتابعين، ويعلم الطالب كيف يناظر عن الحق؟ وكيف يحل الإشكالات؟ وكيف يكشف الباطل؟ وكيف يرد الباطل؟ ويكون طالب العلم ويكسبه مهارات في البحث والنظر والاستدلال والمناقشة والحوار، ويقوي مهارات البحث العلمي، ويعده للدخول في كل أبواب الثقافة، لا أعلم تراثاً يعطيك هذه المعاني كتراث الإمام ابن تيمية رحمه الله. ولا أعرف شخصاً واحداً درس ابن تيمية بتراثه إلا ويكون مؤهلاً معداً جاهزاً يمتلك أدوات البحث بقدر إتقانه لهذا التراث.
هذا فضلاً عن الأهم، وهو في نظري ما تكتسبه من معاني عظيمة جليلة في باب الاعتصام بالوحي، تعظيم الوحي، تعظيم القرآن والحديث، توقير النبي صلى الله عليه وسلم، ومعاني تزكية النفس وطلب شعب الإيمان، ومعاني طلب معالي الأمور ومحاسبة النفس ومجاهدة النفس وحسن الخلق وحفظ الحقوق الخلق والرحمة بالخلق وحب خير المسلمين وحب الهداية لهم والرحمة بالمخالفين والرحمة بالمخطئين وإرادة الهداية لهم وإعانتهم بما يقبلون من الحجج.
ليس الإشكال يا شباب عندي أن يكون شخص يزهد في تراث الإمام، يعني ليس المشكلة عندي أن يكون شخص ضعيف الهمة أو مثلاً لا يحب أن يقرأ تراث الإمام ويقول: أنا مشغول بأمور أخرى، وإن كان ذلك سيجعله يقصر في العلوم، واضح؟ ليس المشكلة في ذلك. ليس المشكلة أن تقول: أنا لست مهتماً بتراث الإمام. أما أن تتحدث عن إمام كبير علم، قضى عمره وجاهد وصبر للعلم بالوحي وفقه الوحي وفهم الوحي ونشره والدعوة إليه والاحتجاج له بكل حجة، وأحسن عرضه وجادل عنه وناظر لأجله، وبين الفرقان بينه وبين كل باطل نسب إليه، وكشف الشبهات وردها، فتأتي أنت بكل بجاحة وجرأة وتقول: هذا التراث غير مفيد أو بعيد عن الكتاب والسنة! فهذا والله ظلم وبغي وكذب، وكل من قال ذلك سيقف أمام الله وسيحاسب، وأنه يقف ما ليس له به علم. وبعض الناس يخرج ضعفه العقلي وكسله عن طلب مقدمات القراءة في صورة المشفق الناصح الخائف؛ يقول: والله أنتم تضيعون أوقاتكم، أنا أفق عليكم! تشفق علينا من ماذا؟ أنا أتعجب والله من إنسان يظن بتراث الإمام أنه غير مفيد؛ هذا التراث يا شباب والله من أعظم ما يتكون به طالب العلم.
أقول بكل صراحة يا شباب إن أحد أعظم أسباب القصور العظيم الذي عليه الدعاة وكثير من المنسوبين إلى العلم من المشايخ، وكان سببا في كونهم ليسوا على مستوى الأحداث لا علماً ولا عملاً، تقصيرهم في طلب علوم الأئمة الكبار ومنهم ابن تيمية، وإنما تربى كثير منهم على مجموعة متون ومختصرات وأبحاث معاصرة لم تكن أبداً لتبلغ بهم سوى إلا أن يكونوا مثقفين! ثم جاء محبوهم ممن لم يعرفوا معنى العلم ولا قدر التخصص يجازفون في الألفاظ ولا يعقلون دلالاتها ليصفوا بعض الناس بأنه علامة أزمنة هذا الزمان أو فقيه الأمة أو المحدث المحقق الكبير أو المفسر الكبير، يطلقون ألفاظاً لا يعرفون دلالاتها.
ليس المشكلة هنا شباب في أن يكون الإنسان قد اختار لنفسه طريقاً غير هذا الطريق. وهنا أنا لا أقول بألا نعترف بفضل الدعاة والعلماء والوعاظ أبداً، بل إنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس، يجب أن نعرف فلكل إنسان فضله وأن نقدره وأن نثني عليه بما فيه، لكن كذلك يجب أن نحفظ ألسنتنا عن المبالغة؛ احفظ لسانك في المدح كما تحفظ لسانك في الذنب، وأن تعرف لكل قدره وأن تعرف لكل الباب الذي يمكن أن تنتفع منه فيه. أما النفخ في الأشخاص فهذا في رأيي يأتي إما من شخص متعصب أو من شخص لم يدرك معنى العلم ولم يدرك التخصص.
فلذلك أقول يا شباب: لماذا تنكرون على من يحاول طلب ما قصرتم فيه ويجتهد في أن يسد ثغرة كبيرة تركتموها زمناً طويلاً وكسلتم عنها؟ لماذا لا نتكامل؟ يعني لماذا مثلاً المجاهد يبغي بجهاده ويصف غيره بالجبن؟ لماذا طالب العلم يجلد غيره ويصفهم بالسذاجة والسطحية والجهل؟ لماذا يأتي مثلاً الداعية ويقول: أنتم تهتمون بالكتب وأنا أدخل الناس في دين الله ويحضر خطبتي مثلاً الآلاف؟ لماذا مثلاً يأتي الداعم ويقول: لولاي لما قام مشروع من مشاريعكم؟ لماذا لا نجتمع على الخير؟ لماذا لا نتكامل؟ لماذا لا ينتفع أحدنا من الآخر ويثني عليه بما فيه ويشجعه إذا أراد طريقاً وإن اختار طريقاً غير طريقه؟ لماذا هذا الأمر يا شباب كثيراً ما جاء القرآن في التنبيه عليه هو البغي والاستطالة؟ وابن تيمية جعل من إيمان أهل السنة أنهم لا يستطيلون لا بحق ولا بباطل. هذا فقط كان إشارة حاولت فيها أن أتكلم عن قيمة تراث الإمام ابن تيمية في تكوين طالب العلم، وأردت أن أبين الخطأ الكبير الذي عليه بعض الدعاة حيث يزاهدون الناس في تراث الإمام أو يكون ذلك في لهجة كلامهم كأنه شفق على الطلاب.
الآن الشباب سندخل في الحديث عن علم تزكية النفس. علم تزكية النفس وعلم الأخلاق وأعمال القلوب هو كباقي أبواب الشريعة؛ جاء الوحي فيه بأصح طريق وأيسر طريق. الله سبحانه وتعالى يا شباب تعليم حكيم؛ خلق الخلق لغاية عظيمة. الله سبحانه وتعالى بين أنه عليم حكيم، خلق الإنسان ولم يتركه سدى. قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: 36]. قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: 115-116].
لذلك أسوأ الظن ظن الكفار الذين أنكروا حكمة الله. قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: 27]. الإنسان لن يحيا حياة طيبة إلا إذا علم حكمة الله من خلقه. الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وجعله خليفة. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]. وقال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]. الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ليعبده وحمله الأمانة. قال الله سبحانه وتعالى:
وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا. يعني أنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان. واضح يا شباب؟ إذا الله حمل الإنسان أمانة وخلقه للعبادة، لذلك كرمه. ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].
الله سبحانه وتعالى لما خلق الإنسان عهد إليه بعهد، وهو أن يكون عبدًا لله وألا يعبد الشيطان. قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [يس: 60-61].
الله خلق الإنسان للعبادة، خلقه ليبتليه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]. لكن هل يا شباب الله سبحانه وتعالى لما أمر الإنسان بذلك تركه يصل إلى معنى العبادة وإلى كيفية العبادة بنفسه؟ لا، بل إن الله بين له طريق العبادة، بين له الخير والشر، وبين له أنه إن استقام على ذلك الخير فانه سيحييه حياة طيبة. واضح؟
والله سبحانه وتعالى جعل للعبد مصادر للمعرفة، يعرف بها الحق والباطل، والحسن والقبيح، والخير والشر. من ذلك الفطرة. الله سبحانه وتعالى فطر الناس، كما قال: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30]. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة». وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الإثم ما حاك في الصدر». هذا من معنى الفطرة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: «إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة». قال: أتخلقت بهما أم جبلني الله عليهما؟ قال: «بل جبلك الله». قال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب الله ورسوله. فهذا يدل على أن الأخلاق منها ما هو فطري، ومنها ما هو مكتسب.
إذاً يا شباب، الله سبحانه وتعالى لم يترك الإنسان يعرف نفسه أو يعرف العبادات من نفسه، وإنما جعل له طريقًا هداه فيه وبين له الحق من الشر. من هذه الطرق الفطرة.
لكن هذه الفطرة يا شباب لا يمكن أن يعرف الإنسان بها كل المعارف، وهذه الفطرة قد تتغير. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». واضح؟ إذاً الفطرة قد تتغير. وفي الحديث القدسي: «إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا».
وقال تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: 8]. يبقى يا شباب الفطرة يمكن أن تتغير. يعني تصوروا مثلاً قوم لوط لما قالوا: ﴿أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: 56]. تصوروا كيف تغيرت الفطرة! أرادوا أن يطردوا لوطًا عليه السلام وقومه لماذا؟ بحجة أنه يتطهر. وقال المشركون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5]. إذاً الفطرة يا شباب قابلة للتغيير، فلا يمكن أن تكون الفطرة وحدها كاملة، لا في تفسير الوجود ولا في وضع المنهج الصحيح للحياة.
أيضاً من وسائل الفطرة الحواس كالسمع والبصر، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: 78].
لكن السمع والبصر كثير من الناس لا ينتفعون به، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: 26]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].
الحواس يا شباب من مصادر المعرفة، وكما قيل: من فقد حسًا فقد علمًا. يعني الإنسان مثلاً بعينه يرى، وبأذنه يسمع، وبأنفه يشم، وبجلده يحس، وبلسانه يتذوق، فالحواس تعطيك معلومات. واضح؟ لكن لا يمكن أبدا أن تكون المعرفة بالحواس معرفة كاملة، فالحواس مثلاً لا تدرك ما غاب عنها.
أيضاً من وسائل المعرفة يا شباب، ومن أعظم الوسائل، الفؤاد. الفؤاد الذي هو القلب، هو آلة يعقل بها الإنسان ويتفكر ويتدبر. فليس العقل يا شباب آلة في جسم الانسان، إنما العقل ليس كالعين والأذن، وإنما العقل عمل يقوم به القلب.
يعني العقل هو عمل وليس حاسة. شوفوا يا شباب، ربنا يقول: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46]. فالله سبحانه وتعالى جعل القلب كالأذن، وجعل العقل كالسمع. يعني العقل هو عمل من ضمن القلوب. وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]. يعني هذا يؤكد أن القلب هو الذي يعقل أو يتدبر. وقال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: 179].
العقل يا شباب ميزان يعرف به الخير والشر، ولا يعد الرجل عاقلاً بمجرد معرفته للخير والشر، بل باتباع تلك المعرفة، كما قال الله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44].
الله سبحانه وتعالى يا شباب جعل للعقل مكانة عظيمة، ويعني ربما أجعل لكم في التعليقات مقالاً كبيراً كنت كتبته عن مكانة العقل والتدبر في الإسلام. لا أريد أن أطيل هنا، الذي أريد أن أبينه هنا أن العقل وإن كان مصدراً عظيماً من مصادر المعرفة، لكنه كأي وسيلة من وسائل المعرفة يا شباب، فهو مثل البصر والسمع له مجال وله حدود. العين مثلاً يا شباب ترى أنها لها مجال وهي المرئيات، العين لا تسمع لا تشم، العين مثلاً لا ترى من بعيد، العين لها مجال ولها حدود.
كذلك العقل يا شباب، عقل الإنسان له مجال وله حدود. فالخطأ الرئيس عند الفلاسفة أنهم جعلوا العقل المصدر الوحيد وجعلوه مصدرا لكل المعارف، وهذا خطأ يا شباب. وربما يواجههم في خطأ آخر أو على طريق آخر من ينكرون المعرفة العقلية. لا، العقل أحد أهم المصادر للمعرفة، لكنه فيه صفات تجعله لا يمكن أن يستقل بالمعرفة.
فالعقل قد يخطئ، الإنسان قد يرى الشر خيراً وقد يرى الخير بشراً، كما قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
مثلاً يا شباب، عمر رضي الله عنه الفاروق، الذي أثنى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم والصحابة على عقله، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن في الأمم محدثين، فإن يكن من أمتي فعمر». ومع ذلك عمر رضي الله عنه يا شباب أخطأ في اجتهاده في بعض الأمور. كما مثلاً في صلح الحديبية، لما رأى عمر موافقة النبي صلى الله عليه وسلم على الصلح، تعد أننا قبلنا الدنية في ديننا، وبين الله سبحانه وتعالى أن ذلك فتح مبين ونصر عزيز.
لذلك قال سهل بن حنيف رضي الله عنه: اتهموا الرأي، فلقد رأيتني يوم أبي جندل، يعني يوم صلح الحديبية، لو استطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددت. إذاً يا شباب، أول خصلة في العقل تجعله لا يمكن أن يستقل بالمعرفة أن العقل قد يخطئ.
الأمر الثاني يا شباب، أن العقول متفاوتة في الذكاء وفي القدرة على المعرفة. واضح يا شباب؟ إذاً العقل له مجال وله حدود وقد يخطئ، والعقول متفاوتة في القدرة. فلذلك يا شباب الله سبحانه وتعالى لم يجعل العقل وحده مصدراً للمعرفة، بل أمر الناس بالاهتداء بالوحي.
الوحي يا شباب هو أخص مصادر المعرفة الدينية. قال الله سبحانه وتعالى وهو يبين أن هداية الأنبياء الكرام إنما هي باتباعهم للوحي، قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿قُل إن ضلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ۖ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: 50].
إذاً هداية النبي صلى الله عليه وسلم من اتباعه للوحي، واضح يا شباب؟ فالوحي كالنور، الوحي هو نور وهداية. كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185].
والوحي مع العقل يا شباب تماماً كالعين مع الضياء، الإنسان لا تحصو له الرؤية إلا بعين ببصر وكذلك بنور. يعني لو كان الإنسان في غرفة مظلمة، هو نظره ستة على ستة لن يرى شيئاً. طيب لو كانت الشمس ساطعة والدنيا نهار لكنه أعمى، لن يرى شيئاً. إذاً باجتماع صحة النظر وباجتماع النور تحصل الرؤية.
كذلك بالعقل الصحيح السليم وبالوحي المنزل من الله تحصل الهداية. لذلك قال الله سبحانه وتعالى عن الكفار أنهم قالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10]. والله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ [المؤمنون: 71].
لذلك يا شباب، الوحي هو الهداية الذي ينبغي أن يفصل بين الناس، وينبغي أن يرجع الناس إليه. قال الله تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: 23]. وأمر أن يردوا التنازع إليه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59].
هنا قال ابن تيمية قولا جميلاً جداً. قال ابن تيمية: فإن الله سبحانه وتعالى علم ما عليه بنو آدم من كثرة الاختلاف والافتراق وتباين العقول والأخلاق، حيث خلقوا من طبائع ذات تنافر، وابتلوا بتشعب الأفكار والخواطر. فبعث الله الرسل مبشرين ومنذرين ومبينين للإنسان ما يضله ويهديه، وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وامرهم بالاعتصام به حذراً من الافتراق في الدين، وحضهم عند التنازع على الرد إليه وإلى الرسول المبين صلى الله عليه وسلم.
أذكى الناس عقولاً يا شباب وأزكاهم نفوساً وأحسنهم قصداً هم الرسل. لا يختلف انسان مسلم في ذلك، يعني أحسن الناس عقلاً وأزكى الناس نفساً وأحسن الناس قصداً هم الرسل. ومع ذلك هداية الرسل من الله سبحانه وتعالى. قال الله تعالى مثلاً في قصة إبراهيم: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: 77]. والله سبحانه وتعالى قال لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: 52]. وقال الله له: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: 7]. يعني وجدك لم تعرف طريق الحق فهداك، وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: 113]. لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يرتجز في بعض الغزوات ويقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا.
الحياة يا شباب حياة ابتلاء. الحياة ابتلاء. إذا نظرنا إلى الوجود وخلق الإنسان والحكمة من خلقه وتكليف الإنسان ووسائل المعرفة والحديث عن النبوة والابتلاء والبعث والحساب والجزاء.
الله سبحانه وتعالى يا شباب لما حكى لنا قصة آدم عليه السلام، لو فطنت لهذه القصة ستفهم هذا المدخل الذي اريد أن ندخل به على باب التزكية. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُوُريَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [الأعراف: 19-22].
في هذه القصة يبين الله سبحانه وتعالى قصة الابتلاء، الابتلاء بالتكليف بالشرع والهوى. فالانسان دائماً يبتلى، أو أحياناً يبتلى بما يخالف هواه. والمعارضة بين ما تهواه النفوس وبين الشريعة هذا هو ثمن الجنة. قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 40-41].
طيب، لما استجاب آدم وحواء عليهما السلام إلى دعوة الشيطان وهبطا إلى الأرض، ماذا قال الله سبحانه وتعالى؟ ركز في القصة دي لتبين أن الله من أول لحظة انزل فيها آدم وحواء والشيطان إلى الأرض بين الله لادم عليه السلام وزوجه ولذريته من بعده، أن هدايته على الأرض لن تكون إلا باتباع المنهج المنزل من السماء.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى * فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى * فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى * فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهَ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: 115-122].
ركز من أول هنا يا شباب، قال الله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: 123]. يعني آدم وحواء، ويكون الشيطان عدواً لهما. قال الله: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ ۚ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: 123-127].
إذا يا شباب؛ الاهتداء في كل أمر نسب إلى الدين لا يكون إلا بالوحي. فمن اتبع هذا الوحي، من طلب هذا الوحي في أبواب العبادات والأحكام والرقائق والزهد والاستقامة والأخلاق، هذا هو الذي يحصر له الهداية. من طلب هذا من الوحي، ومن ضبطه، ومن استقام عليه، فلا يضل ولا يشقى. لذلك الشباب؛ الناس درجات بحسب اعتمادهم على الوحي في المعرفة والعمل.
إذا نحن فقهنا الآن لماذا قدمت أنا هذه المقدمة. قدمت هذه المقدمة يا شباب لتعلموا أن باب الرقائق أو الزهد أو أي مسمى من هذه المسميات الحديثة -وإن كان المسمى الشرعي الصحيح هو تزكية النفس أو الاستقامة أو العبادة أو الأخلاق، هذه هي الأسماء الشرعية وهي التي أحب أن أستعملها- هذه الأبواب يا شباب أعظم ما جاء فيها هو الوحي. وكل من طلب تلك الأبواب من غير الوحي؛ فانه لابد أن يضل. وكل من طلبها من الوحي دون أن يرجع إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى هدي الكرام، فإنه كذلك يضل.
إذا يا شباب؛ باب الاستقامة، باب التزكية، باب الأخلاق، هو مثل باب الاعتقاد، ومثل باب الأحكام الفقهية، لا يؤخذ أيضا إلا من الوحي. احنا كده بقينا قد ايه؟ حاسس أن احنا طولنا؟ أه بقينا يعني احنا ممكن عشر دقائق إن شاء الله كمان. معلش أنا النهارده شديت عليكم كتير، بس عشان عايزين ننجز إن شاء الله، لأن احنا عندنا في المرحلة الأولى فقط واحد وسبعين كتابا إن شاء الله سنقرؤها سريعا.
لا تقلقوا، القراءة ستكون سريعة، ونقف فقط عندما يحتاج شرحا أو بيانا. لكن هذه المقدمات يا شباب هي الأساس لتكون كشافا لك عند القراءة؛ حتى تستطيع أن تدرس وحدك، وأن تمارس التعلم الذاتي وحدك إن شاء الله.
الحديث يا شباب عن تزكية النفس؛ النفس تشعب الناس فيها، تشعب كلام الناس فيها قديما وحديثا، حاولوا أن يتحدثوا عن ماهية النفس وما يصلحها وما يفسدها وكيف نتعامل معها، واطّرَبوا في ذلك وتحيروا جدا، وكلامهم زاد المسألة غموضا وزاد الناس ضلالا. سواء في ذلك الفلاسفة أو حتى المنتسبون إلى أديان. والسبب الجامع لكل تلك الانحرافات في باب تزكية النفس أو في كل الأبواب واحد، وهو: ترك الاهتداء بالوحي، والاعتماد على غيره في فهم النفس وفي وضع منهج يسيرها ويصلحها.
كمن اعتمدوا -يعني بعض الناس اعتمدوا- على الفلسفة، وبعض الناس اعتمدوا على العقل وحده، وبعض الناس اعتمدوا على الكشف مثل الصوفية، أو بعضهم اعتمد التقليد كمن يقلد العباد والزهاد دون أن يرجع إلى الوحي. الخطأ الجامع لكل هؤلاء يا شباب هو ترك الاهتداء بالوحي، أو أن بعض الناس يجعل باب الاستقامة غير باقي الأبواب. لذلك قالوا: كل شيخ وله طريقة. يعني ممكن في العبادات والفقه والاحكام والعقائد ترجع إلى الوحي، لا.
لذلك قال ابن تيمية -وسيأتي معنا هذا في منهجه في باب التزكية-: قال باب الاستقامة أو باب العبادات مثل باب الاعتقادات، لا فرق بينهما. مما أحب أن أبينه هنا يا شباب أن الأئمة العلماء اهتموا بتزكية النفوس واعتنوا بالأخلاق علما وفقها وعملا، واضح يا شباب؟ وإذا قرأت في سيرتهم ستعلم يقينا أن أحد اعظم المكونات التي بنيت عليها شخصية هؤلاء الأعلام هي التزكية والأخلاق. هذه ربما تكون أعظم ما نقل عنهم، لأن أعظم ما يؤثر عن الإنسان عمله.
لذلك شوفوا سيدنا شعيب يا شباب ماذا يقول، يقول: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: 88]. يعني أصعب ما يكلفه الأنبياء، واعظم ما يكلفه أي انسان، أي انسان، أن يكون عمله موافقا لقوله. واضح؟ لذلك يا شباب، في قراءتك لسير العلماء يجب أن تلاحظ المكون الأخلاقي ومكون الاستقامة في شخصية هؤلاء.
ولابد أنا كما حكيت لكم هذه القصة، أن بعض الشباب التقيته في مكتبة من المكتبات مليئة بالكتب، كان أعدها شيخ كريم فاضل -جزاه الله عنا خير الجزاء وكتب أجره، ولا زال ينفق على الناس من وقته وماله ويحرص على تعليمهم- طيب يا شباب. أنا بأقول للشاب: ليكن أعظم ما تحرص عليه في طريقك في طلب العلم أن تزكي نفسك، وأن تصلح نفسك، وأن تسعى في سلامة قلبك، وأن تحاول أن تنقي قلبك من أمراضه. ينبغي أن تعتني بذلك أكثر من مجرد جمع المعلومات والمعارف.
وقلت له: لقد سبقك إلى هذه المكتبة شباب كان عندهم من الهمة وطول النفس والقوة والمثابرة والذكاء، هم الآن يتقلبون في الفواحش والمنكرات. كان الناس يظنون أنهم سيكونون نسخة من ابن تيمية ومن ابن القيم ومن الطبري. حسب هؤلاء المساكين أن ابن تيمية بمجرد الذكاء، وبمجرد التعب، وبالهمة العالية... لا، إن المكون الأخلاقي ومكون الاستقامة وتزكية النفس والحرص على سلامة القلب وحب الخير للمسلمين، هذا هو أعظم مكون.
حتى الله سبحانه وتعالى لما أثنى على الصحابة، بين الله سبحانه وتعالى قال: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الحشر: 8]. الله سبحانه وتعالى أثنى على مقاصدهم، واضح يا شباب؟ فهذا المكون هو الذي ينبغي أن تلاحظه في قراءتك لأي عالم، قبل أن تبحث عن علمه واستدلاله ونظره.
الأئمة بعضهم أدخلوا حتى في كتب الإيمان والعقائد هذا المكون. مثلا الإاسماعيلي رحمه الله في اعتقاد أهل السنة قال: يرون مجانبة البدع والآثام والفخر والتكبر، ويرون كف الأذى وترك الغيبة إلا من أظهر بدعة وهوى يدعو إليهما، فالقول فيه ليس بغيبة عندهم، يقصد أنهم يحذرون من بدعته. قال كذلك الصابوني في ذكر عقيدة السلف: قال يرون المسارعة إلى أداء الصلوات المكتوبات، ويتواصون بقيام الليل للصلاة بعد المنام، وبصلة الأرحام، وإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والبدار إلى فعل الخيرات أجمع.
قال: ويجانبون أهل البدع والضلالات -يعني لا يشاركونهم بدعهم إلا من ناحية الإصلاح أو المناظرة أو غير ذلك-. قال كذلك قوام السنة الأصفهاني في كتابه الحجة في بيان المحجة: ومن مذهب أهل السنة التورع، التورع في المأكل والمشرب، والتحرز من الفواحش والقبائح إلى آخر كلامه، وقال كذلك: والمسابقة إلى فعل الخيرات، والامساك عن الشبهات.
الإمام ابن تيمية يا شباب في كتابه الذي هو المختصر الرائع لما عليه أهل السنة، وهو كتاب الواسطية، قال فيما عليه أهل السنة، قال: يأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويعتقدون على معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا»، ويأمرون بمعالي الأمور وينهون عن سفسافها.
السلف الصالح يا شباب اهتموا جدا بهذا الباب، حتى الإمام ابن تيمية ينبه كثيرا على العمل والاستقامة فيقول مثلا: إذا نقصت الأعمال الظاهرة الواجبة كان ذلك لنقص ما في الإيمان من العمل، فلا يتصور مع كمال الإيمان الواجب الذي في القلب أن تعدم الأعمال الظاهرة الواجبة. كذلك الشاطبي رحمه الله يقول: الأعمال الظاهرة في الشرع دليل على ما في الباطن، فإذا كان الظاهر منخرما أو مستقيما حكم على الباطن بذلك.
إذا الشباب؛ اعتنى العلماء اعتناء كبيرا جدا بالحديث عن الأخلاق والاستقامة وتزكية النفس وأعمال القلوب، واعتمدوا في ذلك على أن الله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى صورنا ولا إلى أجسامنا ولا إلى أموالنا، وإنما ينظر إلى قلوبنا. وعن الأحاديث التي تتكلم عن «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا» وأن «المؤمن يدرك باخلاقه ما لا يدركه بعبادته» أو نحو ذلك مما صححه بعض أهل العلم.
هنا يا شباب يمكن أن نتحدث -ويمكن أن يكون هذا آخر ما نتكلم عنه، عشان أنا خايف صراحة أن الناس تكون تعبت؛ لأن احنا كده بالضبط بقينا ساعتين- ممكن إن شاء الله خمس دقائق، معلش أنا آسف عشان نكمل الفكرة. نتحدث هنا فقط عن كتب العلماء في الزهد والتزكية والأخلاق بشكل مختصر، لندخل منها إن شاء الله في الدرس القادم عشان الناس ما تتخضش. طبعا احنا كل مرة هنزود نص ساعة، المرة اللي فاتت خدنا ساعة ونص، المرة دي ساعتين أو ساعتين وعشر دقائق، المرة اللي بعدها إن شاء الله تكون ساعتين ونصف وهكذا، لحد ما إن شاء الله بعد كده نقعد مع بعض من العشاء لحد الفجر إن شاء الله.
من كتب الشباب التي ذكرها العلماء -في حد بعت حاجة؟ أه عاصم، بشمهندس عاصم بيدعي: يا رب ربنا يعينا إن شاء الله ونكمل هذا المشروع مع بعض إن شاء الله، والله سبحانه وتعالى يجعله خالصا لوجهه الكريم وينفعنا قبل أن نفكر في نفع غيرنا- من كتب الشباب التي ألفت في هذه الأبواب باب الزهد والتزكية والأخلاق: كتاب الزهد لابن المبارك، وكتاب الزهد لوكيع، وكتاب الزهد للإمام أحمد. وكذلك تكلم الإمام البخاري ومسلم وأبو داود السجستاني في كتبهم، تكلموا عن أبواب التوبة والتزكية والزهد.
كذلك الحارث المحاسبي له مجموعة كتب؛ الحارث المحاسبي يا شباب من علماء القرن الثالث، وهو طبعا يعني كان فيه تصوف، وكان فيه... يعني كان على قول عبد الله بن كلاب من الناحية الكلامية، لكنه ألف في التصوف، كان له كتب، كتب في ذلك؛ منها: كتاب الرعاية لحقوق الله، وكتاب الزهد والتوبة وآاداب النفوس، ورسالة المسترشدين.
وعندنا كذلك كتب ابن أبي الدنيا؛ طبعا هو من أكثر من كتب في هذا الباب، وهي كثيرة؛ منها: محاسبة النفس، والتوكل على الله، والورع والزهد، وذم الدنيا، وحسن الظن بالله، والصمت، والرقة والبكاء. كل هذه كتب لابن أبي الدنيا رحمه الله كلها مطبوعة. عندنا كذلك كتاب العزلة لأبي سليمان الخطابي رحمه الله وهو من علماء القرن الرابع الهجري.
ومن أجل ما صنف أو أوسع ما صنف هو كتاب الإحياء للغزالي رحمه الله، طبعا عليه مآخذ من ناحية الأحاديث الضعيفة، وأن فيه مدد كلامية، وفيه شيء من التصوف البدعي. لكن مع ذلك الكتاب يمكن أن يستخلص منه بعض الفوائد، لكن في رأي أن طالب العلم يحتاج قبل أن يقرأه أن يعرف منهج الإمام، أن يعرف المآخذ على هذا الكتاب حتى لا يقع في شيء منها. هذا الكتاب اختصره ابن الجوزي في منهاج القاصدين، ثم جاء ابن قدامة فاختصر منهاج القاصدين.
كذلك كتب ابن الجوزي رحمه الله في المواعظ جيدة؛ منها: كتاب ذم الهوى، وبحر الدموع، وبستان الواعظين، وكتاب صفة الصفوة، وكتاب الثبات عند الممات. وعندنا كذلك من الأئمة الكبار الذين اعتنوا بهذا، طبعا إمامنا الإمام ابن تيمية -الذي سنعتني بذكر تراثه مفصلا إن شاء الله- وابن رجب الحنبلي له كتاب لطائف المعارف. والإمام الكبير ابن القيم طبعا هو يعد فارسا في هذا الميدان، له كتاب مدارج السالكين الذي حاول أن يسنن فيه كتاب منازل السائرين للهروي، يعني حاول أن يشرحه بشكل سني، وإن كان هذا الكتاب في رأيي ليس من أحسن ما صنف ابن القيم، وغيره من كتب ابن القيم أفضل. وحتى بعض اهل العلم المعاصرين الشيخ يوسف الغفيص، بعض أهل العلم لهم ملاحظات على الكتاب، وحتى أنا قرأت مع مجموعة من طلاب العلم الفضلاء، وفي رأيي أنه ليس من أفضل ما صنف ابن القيم رحمه الله، عموما يمكن أن يستخلص منه فوائد ومنه بعض النقولات المهمة إن شاء الله سأذكرها لكم.
كذلك طريق الهجرتين، والدواء ومفتاح دار السعادة، وكتاب الفوائد، وإغاثة اللهفان، كلها كتب للإمام ابن القيم رحمه الله، يجد طالب العلم فيها فوائد في باب الأخلاق والتزكية ونحو ذلك.
هنا يا شباب سأتكلم عن فكرة أخيرة إن شاء الله، وهي: لماذا يجب على طالب العلم أو على المسلم بشكل عام أن يدرس باب التزكية والاستقامة والأخلاق من الكتب المحققة المحررة؟ يعني لماذا اخترت أنا أن نبدأ بها ولماذا اخترت تراث الإمام ابن تيمية؟ لأننا يا شباب في مطالعة الكتب التي كتبت قديما وحديثا في هذه الأبواب نجد مجموعة من الأخطاء والمخالفات. كذلك في الخطاب الذي سمعناه في خطب الجمعة ولا نزال نسمع من كثير من الوعاظ، هناك أخطاء مركزية يا شباب في هذا الخطاب، لذلك احتجنا أن ندرس هذا الباب مع بعض دراسة واسعة نحاول فيها أن نعرف الطريق الحق في موعظة الناس.
من أشهر الأخطاء يا شباب في المواعظ وفي كتب التزكية: قلة الاعتماد على الوحي؛ تجد كثيرا منهم جدا يعتمد على قصص العباد ومقالات العباد، ويجعلها المحكم والميزان ويصدرها للناس، ويتكلف في تصحيح أخطاء العباد وفي تصحيح أقوالهم الخطأ، وفي تصحيح أفعالهم المخالفة للهدي -التي هي في كثير منها رهبانية مبتدعة-. وتجد قلة الاعتماد على الوحي؛ لا ينقلون للناس هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العبادات، ولا ينقلون هدي الصحابة الكرام، ولا يقولون محكمات الوحي.
حتى في القدر الذي يرجعون فيه إلى الوحي، لا يهتمون بفقه المسألة ولا بتفصيلها ولا بالتفريق بين الصور المتشابهة تحت الباب الواحد. ويعتمدون على أحاديث ضعيفة وموضوعة، ولا يهتمون بمعرفة شرح النصوص التي يحدثون الناس بها.
كذلك من أعظم الأخطاء يا شباب أنهم حصروا مفهوم العبادة في بعض شعب الإيمان، لا يكلمون الناس عن صدق الحديث، ولا يكلمونهم عن الإحسان إلى الجار -طبعا إلا قليلا- لا يكلمونهم عن صلة الأرحام، يتكلمون عن بعض المسائل الجزئية -هي عظيمة لا أقول الجزئية تقليلا من شأنها، لأن بعض الناس يفهم هذه الفكرة خطأ، أقصود أن هي ليست كل الدين- يعني لا يكلمون الناس مثلا إلا عن المحافظة على صلاة الجماعة.
وقيام الليل والصيام، هذه شعب عظيمة في الإيمان، ومن مباني الإسلام نعم. لكن مع ذلك ينبغي أن نقوم بما قاله الوحي: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، أن نبين للناس أن لربك عليك حقا، وأن لبدنك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولزورك عليك حقا، ولولدك عليك حقا. لابد أن نعرض للناس مفهوم العبادة وشعب الإيمان كاملا. واضح يا شباب؟
أيضا نشأ عن هذه الفكرة أنهم حصروا أولياء الله في العاملين ظاهرا بتلك الأعمال. يعني لما يكلمون الناس عن الولاية كأن الولاية لا تكون إلا في العلماء والمجاهدين والصوام والقوام. لأ، كما سيأتي معنا في كلام ابن تيمية، كل إنسان من موقعه يمكن أن يكون وليا لله بما قدر عليه من الأعمال. فعندهم مشكلة في حصر مفهوم العبادة يا شباب، حصروا مفهوم العبادة وضيعوا كثيرا من شعب الإيمان لم يتحدثوا عنها.
أيضا تصعيب طرق الوصول إلى الله والمشقة. يعني أنت لما تقرأ كثير من الكتب لهؤلاء تجد فيها طريقا صعبا، يعني يصور لك أن طريق الوصول إلى الله شاق جدا. وهذا مأخوذ من الرهبانية النصرانية المبتدعة. وإن شاء الله لما نأتي في الحديث عن الأسباب التي قامت العلمانية بسببها، لأن العلمانية قامت كرد فعل عن تحريف الدين النصراني في القرون الوسطى. الدولة الثيوقراطية اللي هي في عصور الظلام من القرن الرابع الميلادي إلى القرن الرابع عشر في أوروبا، كانت الكنيسة سيطرت على الحكم، وكان فيها تحريف. من جملة التحريفات: تحريف باب العبادة، الرهبانية؛ أنهم صعبوا على الناس العبادات وحرموا عليهم الحلال والمباحات، وصوروا لهم أن الانسان بقدر سعادته في الدنيا يشقى في الآخرة. ورووا كذبا عن المسيح عليه السلام أنه قال: لأن يمر جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني ملكوت الله. ورووا عنه أنه قال: بقدر ما تريد أن تسعد نفسك في الآخرة أهلكها في الدنيا، وهكذا.
وهم أساسا أخذوا فكرة أن المسيح صلب وعذب حتى نتنعم نحن، وهكذا من أقوال باطلة، وهي الرهبانية المبتدعة التي ذكرها الله تبارك وتعالى عنهم: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: 27]؛ لأنهم خالفوا الفطرة، فلا يمكن أن يستقيموا على أمر يخالف النفوس. واضح يا شباب؟ هذه الرهبانية النصرانية نقلت إليهم.
كذلك بنوا هذه الفكرة، فكرة المشقة، على قاعدة خطأ ليست منضبطة؛ وهي أن الأجر على قدر المشقة. لا، الأجر على قدر الاتباع وليس على قدر المشقة. بمعنى أن العبد إذا كان أمامه طريق لنفس العبادة شاق وطريق ميسر فاختار الأشق، فهذا مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، الذي قالت عنه عائشة رضي الله عنها: ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما. والنبي صلى الله عليه وسلم بين أعمالا بسيطة أو يسيرة وبنى عليها فضلا كبيرا: «لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة». «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها». «من صلى البردين دخل الجنة». واضح؟
فكل هذا يبين أن الأجر لا يرتبط بالمشقة، وإنما بالاتباع. لكن عندنا مثلا نص أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عائشة رضي الله عنها كانت ستعتمر من التنعيم -يعني تحرم من المكان اللي هو التنعيم، بعيد شوية عن الكعبة- فقال: «أجرك على قدر نصبك». هذا معنى صحيح. متى؟ إذا لم يكن للعبد طريق يقوم من خلاله بالعبادة إلا كان طريقا شاقا، حينها يؤجر العبد على ما قام في قلبه من العزم وعلى ما عملت جوارحه. أما أن يكون العبد أمامه طريقان للعبادة أحدهما ميسر والآخر شاق، فيتعمد المشقة ظنا أنها أكثر أجرا، فهذا مخالف للنبي صلى الله عليه وسلم.
يعني إنسان مثلا في الشتاء أمامه ماء بارد وماء ساخن، فتعمد أن يتوضأ أو يغتسل بالماء البارد ظنا منه أن ذلك أكثر أجرا، هذا مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم. إذا ظن هؤلاء أن الأجر على قدر المشقة، وهذه القاعدة انتقدها الإمام ابن تيمية وانتقدها الشاطبي رحمهما الله، وسيأتي لنا إن شاء الله الحديث عنها في أثناء الكتاب.
إذا يا شباب، هذه الفكرة -وهي الرهبانية النصرانية- نقلت إلى كثير من المتصوفة والعباد، وفكرة أن الأجر على قدر المشقة جعلتهم يظنون أن المشقة مطلوبة لذاتها، لا، ليست مطلوبة لذاتها. يمكن أن يكون بعض الأعمال فيه مشقة، نعم، النبي صلى الله عليه وسلم قام حتى تفطرت قدماه، النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم في السفر أحيانا. واضح يا شباب؟ وكانت بعض الصحابة يصوموا في السفر، نعم. لكن هذه المشقة ليست مرادا لنفسها، لكن بعض الأعمال نعم، بعض الأعمال يخالف هوى النفس: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]، نعم يا شباب.
لكن يجب أن تكون هذه المشقة مشروعة، لا يخترعها الإنسان، لا يخترع الإنسان عبادات من نفسه يشق فيها على نفسه. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم مثلا لما وجد صحابية تربط حبلا وكلما جاءت لتنام تمسك الحبل، قال: «عليكم من الأعمال ما تطيقون». واضح يا شباب؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم هو نهى عن الرهبانية المبتدعة من الثلاثة نفر، قال أحدهم: أما أنا فأقوم ولا أنام. والآخر قال: أصوم ولا أفطر. والثالث قال: لا أتزوج النساء. فظنوا أنهم بذلك -تصور، كل واحد منهم اختار الأشق وخالفوا الفطرة- لذلك النبي صلى الله عليه وسلم غضب ووعظ الناس موعظة بليغة فقال: «أما أنا فسأقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وأنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية، فمن رغب عن سنتي فليس مني».
شف، النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث كلمات: أولا بين هديه الهدي الوسط، يراعي العقل والفطرة وحاجة النفس. الأمر الثاني: بين أن ذلك هو الكمال في العبادة، وليس لكونه نقصا، لأن هؤلاء الثلاثة كانوا يتقالون عمل النبي صلى الله عليه وسلم، يقولون: هو رجل غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لذلك لم يجتهد في العبادة، فتقل هذه العبادة. فالنبي صلى الله عليه وسلم غضب وقال: «أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية، أنا أعلمكم بما يرضي الله وأحسن من قام بحق الله». ثم جاءت الموعظة الفاصلة: «فمن رغب عن سنتي فليس مني».
إذا يا شباب، قد توجد بعض الأعمال في الشريعة بها مشقة، قد توجد بعض الأعمال تخالف الهوى، لكن ينبغي أن تعلم أن الأجر على قدر الاتباع وليس على مجرد المشقة. لما النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد»، إلى غير ذلك: «فذلكم الرباط». نعم. يعني إيه الوضوء على المكاره؟ حيث لا يوجد وضوء إلا بمكاره. واضح يا شباب؟ إنما أن يكون الإنسان أمامه طريق للعبادة لنفس العبادة بنفس الأشياء ويختار هو الأصعب، فهذا خطأ. شباب، النبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما.
لذلك وجه النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة الذين كانوا يشقون على أنفسهم بغير المشروع، كعبدالله بن عمرو بن العاص مثل الذي كان يصوم كل يوم ويقوم الليل، قال له: «لا، قم ونم وصم وأفطر». واضح؟ وعبدالله بن عمرو رضي الله عنه ندم أنه لم يعمل بهذه الوصية أو لم يستقم عليها استقامة كاملة.
وكذلك لما وجد سلمان رضي الله عنه أبا الدرداء قد أهمل أهل بيته ووجد زوجته تشعر بعناء، ووجده لا يهتم إلا بالصيام وقيام الليل، لقنه درسا عمليا في حديث من أشرف أحاديث الإسلام. ثم قال له: «إن لربك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، ولزورك عليك حقا». وفي رواية: «ولعينك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه». فلما ذهب أبو الدرداء لرسولنا صلى الله عليه وسلم وحكى له ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق سلمان». وفي رواية: «سلمان أفقى منك»، وإن كان رواية «صدق سلمان» هي الأكثر صحة.
المهم يا شباب أن هذه الفكرة الشاملة للعبادة: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: 208]. فكل من حصر الدين في باب واحد فلابد أنه سيهمل بقية الأبواب، وكل من حصر الدين في باب واحد فقد دخل في طريق الشيطان. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: 208].
لذلك الشباب، أقول إن هؤلاء عندهم خطأ مركزي؛ هو ترك الاهتداء بالوحي، جعلوا ما نقل عن العباد من أقوال وأعمال وعبادات هو المحكم والميزان، وعظوا به الناس، ووزنوا به الناس، وحكموا به أن فلانا ولي وفلانا ليس وليا. والله كثير منهم يعرف عن التستري، وعن الداراني، وعن ابن نجيد، وعن الجنيد، وعن الحارث المحاسبي، وعن بشر الحافي، أكثر بكثير مما يعلم عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم! يعرف تفاصيل حياة هؤلاء أكثر مما يعرف وينقل للناس ويصدر قصص هؤلاء، ويعرضون عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أحسن وأفضل ولا يقارن به شيء.
في هذا الباب أيضا يا شباب من الأمور المهمة جدا، أن هؤلاء في كثير من خطاباتهم جعلوا أن طلب الاستقامة ربما لا يصح أو لا ينفع إلا بأن تترك كل شيء وتتفرغ له. يعني مثلا يحدثون الناس عن أنه يقرأ عشر أجزاء في اليوم، وأنه يقوم مثلا بعشرين جزء، وأنه يصوم كل يوم. طيب كيف يعيش الناس؟ الرجل يريد أن يعمل، ويريد أن يرفه عن نفسه، وعنده حقوق أخرى. لأ، لا يكلمونه إلا عن عشرين ألف تسبيحة، ومائة ألف استغفار، وقراءة نصف القرآن في اليوم، وقيام مثلا عشر ساعات. طيب واين بقية الحياة؟
عظمة القرآن يا شباب وعظمة هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه هدي يمكن تحقيقه، يمكن العمل به، يمكن لكل أحد أن يقوم به: الطبيب، والمهندس، والفلاح، والحرفي، وربة المنزل، والولد في المدرسة، والطالب في الجامعة. هدي النبي صلى الله عليه وسلم سهل: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [النساء: 27]. فلذلك شباب، لو أشعنا بين الناس وتعلمنا فقه رسول الله صلى الله عليه وسلم في تزكية النفس، فإننا بذلك نفتح أمامهم باب الولاية، كل إنسان من موقعه يمكن أن يكون وليا لله كما سيأتي عندنا من كلام الإمام ابن تيمية.
أيضا يا شباب، من أهم الأمور التي يخطئ فيها الخطاب الوعظي وكتب التزكية هي عدم الاعتناء بمعرفة رتبة العمل في الشريعة. إيه يا شباب؟ الأعمال مراتب. أنت لما تقعد تكلمني عن قيام الليل في مائة خطبة، ولا تكلمني عن الإيمان، عن شعبة الإيمان، أو عن محبة الله، أو تكلمني عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أو تكلمني عن الصيام، أو بتكلمني عن الحج، يبقى ده تقصير واضح. لابد أن تعرف رتبة العمل ورتبة شعبة الإيمان، وأن تعطيها قدرها من العلم والفقه والدعوة والحث والتذكير. واضح يا شباب؟
أيضا من البدع التي نشأت عن هذه الأخطاء: التركيز على التعبد الفردي، وإهمال الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونفع الناس والسعي لمصالحهم. ليه يا شباب؟ لأن كثير من هؤلاء مركز في نفسه، لا يعرف شعب الإيمان إلا الألف تسبيحة، والعشر آلاف استغفار، والعشر أجزاء اللي هم قيام الليل. فلا يفكر في جاره، ممكن هو يكون أصلا في الغرفة، في غرفة من الغرف، بيسبح مائة ألف تسبيحة، وابنه بيشرب مخدرات في الغرفة اللي جنبه وهو مكبر دماغه. ممكن يكون جاره لا يركع ركعة ولا يفكر أن يكلمه، ممكن صديقه يكون بحاجة إلى معاونته فيترك عونه ويجلس ليكمل ورده في القرآن.
إذا ليس عندهم فقه بشعب الإيمان، ولا بتكاملها، ولا بمنزلتها، ولا بفقه الوقت. ممكن مثلا يكون أخويا يحتاجني في شيء، طب أنا بذاكر أو بدرس كتاب، لأ، واجب الوقت أن أعينه هنا. واضح؟ «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». دي فكرة.
الفكرة الأخرى هي الاهتمام الفردي والعزلة والانفراد، لا يفكر إلا في نفسه. واضح؟ يرى أن نجاة نفسه فقط هي المهمة. ولو عقل هؤلاء لعرفوا أن نجاة النفس من طرقها أن تسعى في إصلاح الناس وفي الأمر بالمعروف وفي النهي عن المنكر، وحديث السفينة معروف؛ الذين تركوا دعوة الناس فغرقوا وغرقوا معه.
إذا من أخص الأخطاء لهذا الخطاب: الاعتناء بفكرة التعبد الفردي، وإهمال قيم الإصلاح وتكثير الخير في الناس وتقليل الشر فيهم، والأمر بالمعروف ومواجهة الظلم. تجد كثيرا منهم مثلا حينما تكلمه عن نصرة المستضعفين وعن حاكم ظالم ندعو عليه أو شيء، يقول لك: يعني كما تكونوا يولى عليكم، قابلوا ذلك بالتوبة والاستكانة. لأ، التوبة والاستكانة أمر ما يدفع به البلاء، لكنه ليس السبب الوحيد، يجب أن تقاوم البلاء بأسبابه، كما قال الله للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: 60].
إذا أيضا من جملة أخطاء هؤلاء: إهمال باب الأسباب. كان كثير من هؤلاء العباد يدخل عليه التتار، المرأة من التتار كانت بتقسم الرجل نصفين وهو جالس يقرأ في الورد. واضح يا شباب؟ هذا كان موجود. ولو كان الوقت متاحا أمامي لشرحت لكم ذلك، ويمكن أن أرشدكم إلى كتاب يذكر فيه بعض الانحراف.
وهو كتاب الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين التاسع عشر والعشرين، اللي هو القرن التاسع عشر والعشرين، ده يعني كتاب جيد جدا، إن شاء الله يمكن أن أضع لكم الرابط.
وهناك بدع كثيرة وأخطاء نشأت في هذا الخطاب الوعظي، منه مثلاً استعمال الألفاظ غير الشرعية، مثل لفظ الخدمة، بدل ما يقولوا فلان يعبد الله أو يهتم بالعبادة، يقول لك: الخدمة، مثلاً لفظ العشق: فلان يعشق الله، لفظ الالتزام، بينما اللفظ الأصح هو لفظ الاستقامة، ولفظ العشق ولفظ المحبة، لفظ الخدمة ولفظ العبودية، لفظ العارف بالله، أين لفظ العارف بالله في كل نصوص الوحي؟ أين اللفظ؟ اللفظ المستعمل هو لفظ العلم أو لفظ الفقه في الدين، إنما العارف بالله كل هذه ألفاظ محدثة.
واضح يا شباب؟ وليست المشكلة فقط في أنها ألفاظ محدثة، وأنها فيما ركب فيها من معاني.
أيضاً كذلك من ضمن أخطاء الوعاظ الكبيرة عدم الاعتناء بتصور واقع الناس تصوراً دقيقاً، فهم يضعون للناس خطة لا يستطيع الناس أن يستقيموا عليها، يعني يكلمونهم عن الولاية والاستقامة بأشياء لا يمكن أن يقدروا أن يمارسوها في يومهم في حياتهم، وكل إنسان يعظ الناس وهو لا يعرف واقعهم، فلا بد أن يقع الناس في أمرين: أما أن هؤلاء الناس يعني يرون أن هذا الرجل لا يصف لهم الطريق الصحيح فيعرضون عن كلامه، أو أن يقبلوا وعظه فيقع لهم العنت، يعني التعب.
لذا واحد مثلاً يذهب إلى جماعة بيشتغلوا اثنا عشر ساعة في اليوم أو أربعة عشر، يحدثهم عن صيام كل يوم أو صيام يوم ويحدثهم عن قيام الليل وعن أعمال هو نفسه لا يطيقها إلا لأنه متفرغ، ده لو كان يقوم بها يعني، لأن كثير من الناس يعني بيعكس الآية، إذا صلى بالناس يعني يطيل، وإذا صلى بنفسه يخفف.
واضح؟ إذاً هؤلاء كثير منهم لا يعرف واقع الناس، فبالتالي يضع لهم برنامج للتزكية والاستقامة لا يناسب أبداً واقعهم، لو قاموا به سيصيبهم عنت وسيهملون بسببه واجبات أخرى عظيمة، ولن يقوموا بما عليهم من حقوق.
أيضاً كثير من الناس وهو يعظ المستمعين بشكل غير مباشر يشعرهم أن الاستقامة لا تأتي إلا بالعزلة، ليه؟ لان هو حاطط في دماغه صورة للاستقامة لا تراعي العوارض ولا تراعي الظروف، أنت عمال تكلمني مثلاً عن طريق معين في العبادة في قراءة القرآن في غض البصر، أنت لا تراعي الواقع الذي أعيش فيه، أنت مثلاً تكلمني عن الأخذ بعزائم الأمور فجعلتني أترك مائة ألف وظيفة جاءت أمامي لأني سأفعل بعض المخالفات مضطراً، مع أني بسبب تركي لهذه الوظيفة ضيعت حقوقاً أعظم، ليس عندهم مراعاة صنع شكل أو برنامج الاستقامة يمكن أن يعيش الناس به، لأ، أما أن تعيش لوحدك كده في كوخ أو في كهف مع نفسك أو لا يمكن أن تستقيم.
لأ، الفقيه والواعظ الحق هو الذي يعظ الناس من الوحي، ويختار من الوحي ما يناسبهم وما يناسب ظروفهم، ويحاول أن يقلل الشر فيهم، وأن يكفر الخير فيهم.
أيضاً يعني من ضمن الأخطاء الكثيرة جداً يا شباب عندهم منها كما قلت لكم فكرة إرجاع كل بلاء وظلم من الحكام إلى ذنوب الناس، وأن دفع هذه المظالم لا يكون إلا بمجرد التوبة وإصلاح النفس، وهذا تقصير كبير جداً، فإن مقاومة البلاء والنجاح لا يكون إلا أمور تعبدية كالتوبة وإصلاح النفس، وكذلك بأن تأخذ بالأسباب.
طبعاً يا شباب كل هذا أسهم في نشأة جيل من أهل الاستقامة مشوه، مشوه بمعنى الكلمة، من حيث العلم والعمل والفقه في الدين والإصلاح، أعطوا صورة من رهبانية النصارى، صورة الإنسان الساذج السلبي الذي لا يفكر إلا في أمور بالنسبة لكثير من الناس سطحية أو ليست هي الأولى، واضح يا شباب؟
ولذلك لهذه الأمور يا شباب نحن نحتاج أن نرجع إلى الوحي وإلى هدي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في فقه هذه الأبواب، أنا طولت عليكم جداً سرحت في الكلام، ده أنا كده ايه طيب، احنا حاسس أن احنا المفروض نقف هنا.
طيب يا شباب، المرة القادمة إن شاء الله يكون موعدنا مع باب تزكية النفس عند الإمام ابن تيمية، وندخل إن شاء الله مباشرة إلى أول كتاب عندنا إن شاء الله، كتاب العبودية لن يأخذ معنا إن شاء الله بالكثير ثلاث حصص إن شاء الله، أو ثلاث محاضرات يعني.
أطلت عليكم كثيراً، لكن والله نفسي نجلس مع بعض نوصل بقى أن احنا يعني نقرأ مع بعض عشر ساعات وأكثر إن شاء الله، بحيث أن العمر قصير وحاجة النفس أكثر، وطموح النفس أكثر، والإنسان على ما يعود نفسه؛ إذا عود نفسه على الجد أعانته نفسه، وإذا رأت نفسه منه الكسل زادته كسلاً، فالإنسان يستعين بالله تبارك وتعالى ويكثر من دعائه، ويطلب دائماً معالي الأمور، ويعلم أن وقته كنز ثمين جداً، وأعظم ما يغتنم فيه هذا العمر هو أن يتعلم دينه وأن يكون فقيهاً به، وأن يزكي نفسه، وأن يحاول أن يصلح أهل بيته، وأن يحاول أن يصلح الناس، وأن يسعى في ذلك، وأن يكفر الخير فيهم، وأن يقلل الشر فيهم.
فجزاكم الله خيراً، وبارك الله فيكم، وأحسن الله إليكم.
وموعِدنا إن شاء الله غداً مع درس علوم الحديث، وبعد الغد نكمل للحديث عن منهج الإمام ابن تيمية في تزكية النفس، ثم ندخل في كتاب العبودية وهو أول كتاب، ثم بعده إن شاء الله عندنا كتاباً إن شاء الله سنقرأهما بإذن الله في وقت قصير، وسترى بإذن الله الفرق الكبير جداً بعد هذه الدورة إن شاء الله تبارك وتعالى، سواء من معاني تزكية النفس أو الأخلاق أو المهارات التي سنكتسبها سوياً، أو سبل التحصيل وسبل المعرفة، وقدر الكتب التي ستُقرأ، وقدر المسائل التي سنتعرض لها.
فقط أريد منكم أن تستعينوا بالله، وأن تطلبوا معالي الأمور، وأن تتركوا فضول الأشياء، حافظوا على اوقاتكم، الوقت هو الحياة، الوقت عظيم جداً، واحرصوا على الأوقات القصيرة التي تهملونها أو التي نهملها كثيراً، وأحاول أن تملأ يومك بذكر الله، تحافظ على العبادات، على الصلوات الخمس في المسجد، اعتني بأهل بيتك، بزوجتك، بأبنائك، تعتني أن يكون لك ورد من قيام الليل، ومن ذكر الله، ومن صلة الرحم، ومن معاونة إخوانك، ومن الصيام.
كل هذه الأعمال يا شباب يتسلح بها الإنسان في هذا الوقت العصيب من الفتن التي تعصف بنا، ومن المخالفات التي نراها من حولنا، فاستعن بالله تبارك وتعالى، واجعل دينك أعظم قضية في حياتك، واجعل دين أهلك ودين أبنائك وأخلاق أهل بيتك اجعل ذلك من القيم الأساسية، واعلم أن كل من انشغل في وقته بالله وانشغل عملي لله بارك الله له في القليل، وأن كل من ضن بوقته على الله فإن الله سيفتح له أبواباً يهدر وقته وهو لا يعلم كيف أهدر.
وجزاكم الله خيراً، وبارك الله فيكم، أحسن الله إليكم، وجزاكم الله خيراً، والله أنا سعيد جداً بهذه الدورات، وحاسس أن الشباب اللي معنا عندهم همة، وحاسس أن فعلاً الناس كل مرة همتها بتعلى والناس بتسأل أسئلة مفيدة جداً، إن شاء الله مستبشر خيراً، جزاكم الله خيراً وبارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق